الآية ١٩ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ١٩ من سورة الأنفال

إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى للكفار ( إن تستفتحوا ) أي : تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين ، فقد جاءكم ما سألتم ، كما قال محمد بن إسحاق وغيره ، عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير ؛ أن أبا جهل قال يوم بدر : اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة - وكان ذلك استفتاحا منه - فنزلت : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) إلى آخر الآية .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد - يعني ابن هارون - أخبرنا محمد بن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة : أن أبا جهل قال حين التقى القوم : اللهم ، أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرف ، فأحنه الغداة ، فكان المستفتح .

وأخرجه النسائي في التفسير من حديث ، صالح بن كيسان ، عن الزهري ، به وكذا رواه الحاكم .

في مستدركه من طريق الزهري ، به وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

وروي [ نحو ] هذا عن ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، ويزيد بن رومان ، وغير واحد .

وقال السدي : كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر ، أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين ، وأكرم الفئتين ، وخير القبيلتين .

فقال الله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) يقول : قد نصرت ما قلتم ، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو قوله تعالى إخبارا عنهم : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك [ فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ] ) [ الأنفال : 32 ] .

وقوله : ( وإن تنتهوا ) أي : عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله ، ( فهو خير لكم ) أي : في الدنيا والآخرة .

[ وقوله ] ( وإن تعودوا نعد ) كقوله ( وإن عدتم عدنا ) [ الإسراء : 8 ] معناه : وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة ، نعد لكم بمثل هذه الواقعة .

وقال السدي : ( وإن تعودوا ) أي : إلى الاستفتاح ) نعد ) إلى الفتح لمحمد - صلى الله عليه وسلم - والنصر له ، وتظفيره على أعدائه ، والأول أقوى .

( ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ) أي : ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا ، فإن من كان الله معه فلا غالب له ، فإن الله مع المؤمنين ، وهم الحزب النبوي ، والجناب المصطفوي .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، يعني: إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم، وأظلم الفئتين, وتستنصروه عليه, فقد جاءكم حكم الله، ونصرُه المظلوم على الظالم, والمحق على المبطل.

(18) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15831- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

15832- .

.

.

.

قال: حدثنا سويد بن عمرو الكلبي, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن عكرمة: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

15833- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، يعني بذلك المشركين: إن تستنصروا فقد جاءكم المدد.

15834- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير, عن ابن عباس قوله: (إن تستفتحوا)، قال: إن تستقضوا القضاء= وإنه كان يقول: (وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا)، قلت: للمشركين؟

قال: لا نعلمه إلا ذلك (19) 15835- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، قال: كفار قريش في قولهم: " ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه "!

ففُتح بينهم يوم بدر.

15836 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه.

15837- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، قال: استفتح أبو جهل فقال: اللهم = يعني محمدًا ونفسه = " أيُّنا كان أفجرَ لك، اللهم وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم "!

(20) قال الله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) .

15838 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري في قوله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، قال: استفتح أبو جهل بن هشام فقال: " اللهم أيُّنا كان أفجر لك وأقطعَ للرحم، فأحنه اليوم!" يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام ونفسه.

قال الله عز وجل: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، فضربه ابنا عفراء: عوف ومعوِّذ, وأجهزَ عليه ابن مسعود.

15839- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثنى عقيل, عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العدوي، حليف بني زهرة, أن المستفتح يومئذ أبو جهل, وأنه قال حين التقى القوم: " أينا أقطعُ للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحِنْه الغداة "!

فكان ذلك استفتاحه, فأنـزل الله في ذلك: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، الآية.

(21) 15840- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، الآية, يقول: قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبْرةً لمن اعتبر.

15841- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة, أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا: " اللهم انصر أعز الجندين, وأكرم الفئتين, وخير القبيلتين "!

فقال الله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، يقول: نصرت ما قلتم, وهو محمد صلى الله عليه وسلم .

15842- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) إلى قوله: (وأن الله مع المؤمنين)، وذلك حين خرج المشركون ينظرون عِيرَهم, وإن أهلَ العير، أبا سفيان وأصحابه، أرسلوا إلى المشركين بمكة يستنصرونهم, فقال أبو جهل: " أينا كان خيرًا عندك فانصره "!

وهو قوله: (إن تستفتحوا)، يقول: تستنصروا.

15843- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، قال: إن تستفتحوا العذاب, فعُذِّبوا يوم بدر.

قال: وكان استفتاحهم بمكة, قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، [سورة الأنفال: 32].

قال: فجاءهم العذاب يوم بدر.

وأخبر عن يوم أحد: (وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين) .

15844- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن مطرف, عن عطية قال: قال أبو جهل يوم بدر: " اللهم انصر أهدى الفئتين, وخير الفئتين وأفضل " فنـزلت: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) .

15845 - .

.

.

.

قال، حدثنا عبد الأعلى, عن معمر, عن الزهري: أن أبا جهل هو الذي استفتح يوم بدر وقال: " اللهم أينا كان أفجر وأقطع لرحمه, فأحِنْه اليوم "!

فأنـزل الله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) .

15846 - .

.

.

.

قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن ابن إسحاق, عن الزهري, عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن أبا جهل, قال يوم بدر: اللهمّ أقطعنا لرحمه, وآتانا بما لا نعرف, فأحنه الغداة!".

وكان ذلك استفتاحًا منه, فنـزلت: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، الآية.

(22) 15847 - .

.

.

.

قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن إبراهيم بن سعد, عن صالح بن كيسان, عن الزهري, عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: كان المستفتح يوم بدر أبا جهل, قال: " اللهم أقطعنا للرحم, وآتانا بما لا نعرف, فأحنه الغداة!"، فأنـزل الله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) .

(23) 15848 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري, عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير, حليف بني زهرة قال: لما التقى الناس, ودنا بعضهم من بعض, قال أبو جهل: " اللهم أقطعنا للرحم, وآتانا بما لا نعرف, فأحنه الغداة!"، فكان هو المستفتح على نفسه= (24) قال ابن إسحاق: فقال الله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، لقول أبي جهل: " اللهم أقطعنا للرحم, وآتانا بما لا نعرف, فأحنه للغداة!" قال: " الاستفتاح "، الإنصاف في الدعاء.

(25) 15849- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن يزيد بن رومان وغيره: قال أبو جهل يوم بدر: " اللهم انصر أحب الدينين إليك, دينَنا العتيق, أم دينهم الحديث "!

فأنـزل الله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، إلى قوله: (وأن الله مع المؤمنين) .

* * * وأما قوله: (وإن تنتهوا فهو خير لكم)، فإنه يقول: " وإن تنتهوا "، يا معشر قريش، وجماعة الكفار، عن الكفر بالله ورسوله, وقتال نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به= " فهو خير لكم "، في دنياكم وآخرتكم (26) =(وإن تعودوا نعد)، يقول: وإن تعودوا لحربه وقتاله وقتال أتباعه المؤمنين= " نعد "، أي: بمثل الواقعة التي أوقعت بكم يوم بدر.

* * * وقوله: (ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت)، يقول: وإن تعودوا نعد لهلاككم بأيدي أوليائي وهزيمتكم, ولن تغني عنكم عند عودي لقتلكم بأيديهم وسَبْيكم وهزمكم (27) " فئتكم شيئًا ولو كثرت ", يعني: جندهم وجماعتهم من المشركين, (28) كما لم يغنوا عنهم يوم بدر مع كثرة عددهم وقلة عدد المؤمنين شيئًا=(وأن الله مع المؤمنين)، يقول جل ذكره: وأن الله مع من آمن به من عباده على من كفر به منهم, ينصرهم عليهم, أو يظهرهم كما أظهرهم يوم بدر على المشركين.

(29) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15850- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق في قوله: (وإن تنتهوا فهو خير لكم)، قال: يقول لقريش= " وإن تعودوا نعد "، لمثل الواقعة التي أصابتكم يوم بدر=( ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين)، أي: وإن كثر عددكم في أنفسكم لن يغني عنكم شيئًا.

وإني مع المؤمنين، أنصرهم على من خالفهم.

(30) * * * وقد قيل: إن معنى قوله: (وإن تعودوا نعد)، وإن تعودوا للاستفتاح، نعد لفتح محمد صلى الله عليه وسلم .

وهذا القول لا معنى له، لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين أذن له في حرب أعدائه إظهارَ دينه وإعلاءَ كلمته، من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه, فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك: " إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد "، لأن الله قد كان وعد نبيه صلى الله عليه وسلم الفتح بقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، [سورة الحج: 39]، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا.

* ذكر من قال ذلك: 15851- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن تعودوا نعد)، إن تستفتحوا الثانية نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم =(ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين)، محمد وأصحابه.

* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: ( وأن الله مع المؤمنين).

ففتحها عامة قرأة أهل المدينة بمعنى: ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله لمع المؤمنين= (31) فعطف ب " أن " على موضع " ولو كثرت "، كأنه قال: لكثرتها, ولأن الله مع المؤمنين.

ويكون موضع " أن " حينئذ نصبًا على هذا القول.

(32) * * * وكان بعض أهل العربية يزعم أن فتحها إذا فتحت، على: وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ , (وأن الله مع المؤمنين)، عطفًا بالأخرى على الأولى.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: " وَإِنَّ اللهَ"، بكسر الألف على الابتداء, واعتلوا بأنها في قراءة عبد الله: " وإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب, قراءة من كسر " إن " للابتداء, لتقضِّي الخبر قبل ذلك عما يقتضي قوله: (وأن الله مع المؤمنين) .

(33) -------------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير " الاستفتاح " و " الفتح " فيما سلف 2 : 254 10 : 405 ، 406 12 : 563 .

(19) في المطبوعة والمخطوطة ، " لا نعلم " ، والجيد ما أثبت .

(20) يقال : " أحانه الله " ، أهلكه .

و " الحين " ( بفتح فسكون ) : الهلاك ، أو هو أجل الهلاك على التحقيق .

(21) الأثر : 15839 - " عبد الله بن ثعلبة بن صعير العدوي " ، مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ورأسه زمن الفتح ، ودعا له .

وقال أبو حاتم : " رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير " ، وقال البخاري في التاريخ : " عبد الله بن ثعلية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مرسل ، إلا أن يكون عن أبيه ، وهو أشبه " .

مترجم في الإصابة ، والتهذيب ، وأسد الغابة ، والاستيعاب : 341 ، وابن أبي حاتم 2 2 19 .

وهذا الخبر سيأتي من طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ، برقم : 15846 ، 15848 ، ومن طريق صالح بن كيسان ، عن الزهري ، رقم : 15847 .

ورواه أحمد في مسنده 5 : 431 ، 4 من طريق يزيد بن هارون ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، وص : 431 ، 432 ، من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري .

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 328 من طريق يزيد بن هارون ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري = ثم من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .

وهذا الإسناد الثاني الذي ذكره الحاكم ، لم أجده في المسند ، و " إبراهيم بن سعد " يروي عن " صالح بن كيسان " ، وعن " الزهري " ، عن " ابن إسحاق " .

(22) الأثر : 15846 - انظر تخريج الأثر رقم : 15839 ، والخبرين التاليين .

(23) الأثر : 15847 - انظر تخريج الآثار السالفة ، والذي سيليه .

(24) قول : " على نفسه " ، ليست في سيرة ابن هشام 2 : 280 .

وانظر تخريج الخبر ، بعد .

(25) الأثر : 15848 - هما خبران ، أولهما إلى قوله : " المستفتح على نفسه " ، رواه ابن هشام في سيرته 2 : 280 ، وسائر الخبر ، رواه في سيرته 2 : 324 ، وهو تابع الأثر : 15830 .

وانظر تخريج الأثر رقم : 15839 .

(26) انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف 20 : 566 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .

(27) انظر تفسير " أغنى " فيما سلف 7 : 133 .

(28) انظر تفسير " فئة " فيما سلف ص : 435 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(29) انظر تفسير " مع " فيما سلف ص : 428 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(30) الأثر : 15850 - سيرة ابن هشام 2 : 324 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15848 ، في القسم الثاني منه .

وكان في المطبوعة و " إن الله مع المؤمنين ينصرهم " ، وفي المخطوطة مثله إلا أن فيها " أنصرهم " ، وأثبت نص ما في سيرة ابن هشام ، والذي في المخطوطة بعضه سهو من الناسخ وعجلة .

(31) في المطبوعة : " مع المؤمنين " بغير لام ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأنا في شك منه .

(32) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 407 .

(33) في المطبوعة : " عما يقضي قوله " ، والصواب ما في المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين قوله تعالى : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح شرط وجوابه .

وفيه ثلاثة أقوال : يكون خطابا للكفار ; لأنهم استفتحوا فقالوا : اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه ; قاله الحسن ومجاهد وغيرهما .

وكان هذا القول منهم وقت خروجهم لنصرة العير .

وقيل : قاله أبو جهل وقت القتال .

وقال النضر بن الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم .

وهو ممن قتل ببدر .

والاستفتاح : طلب النصر ; أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين عليكم .

أي فقد جاءكم ما بان به الأمر ، وانكشف لكم الحق ، ( وإن تنتهوا ) أي عن الكفر ( فهو خير لكم ) .

( وإن تعودوا ) أي إلى هذا القول وقتال [ ص: 346 ] محمد .

نعد إلى نصر المؤمنين .

ولن تغني عنكم فئتكم أي جماعتكم شيئا ولو كثرت أي في العدد .الثاني : يكون خطابا للمؤمنين ; أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر .

وإن تنتهوا أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن ; فهو خير لكم وإن تعودوا أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم .

كما قال : لولا كتاب من الله سبق الآية .والقول الثالث : أن يكون إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح خطابا للمؤمنين ، وما بعده للكفار .

أي وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر .

القشيري : والصحيح أنه خطاب للكفار ; فإنهم لما نفروا إلى نصرة العير تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أهدى الطائفتين ، وأفضل الدينين .

المهدوي : وروي أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها ، أي يستنصرون .قلت : ولا تعارض لاحتمال أن يكونوا فعلوا الحالتين ." وأن الله مع المؤمنين " بكسر الألف على الاستئناف ، وبفتحها عطف على قوله : وأن الله موهن كيد الكافرين .

أو على قوله : أني معكم .

والمعنى : ولأن الله ; والتقدير لكثرتها وأن الله .

أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏إِنْ تَسْتَفْتِحُوا‏}‏ أيها المشركون، أي‏:‏ تطلبوا من اللّه أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين‏.‏ ‏{‏فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ‏}‏ حين أوقع اللّه بكم من عقابه، ما كان نكالاً لكم وعبرة للمتقين ‏{‏وَإِنْ تَنْتَهُوا‏}‏ عن الاستفتاح ‏{‏فَهُوَ خَيْرٌ‏}‏ لأنه ربما أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة‏.‏ ‏{‏وإن تعودوا‏}‏ إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين ‏{‏نَعُدْ‏}‏ في نصرهم عليكم‏.‏ ‏{‏وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين عليهم، شَيئا وأن الله مع الْمؤمنين‏.‏ ومن كان اللّه معه فهو المنصور وإن كان ضعيفا قليلا عدده، وهذه المعية التي أخبر اللّه أنه يؤيد بها المؤمنين، تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان‏.‏ فإذا أديل العدو على المؤمنين في بعض الأوقات، فليس ذلك إلا تفريطا من المؤمنين وعدم قيام بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلا فلو قاموا بما أمر اللّه به من كل وجه، لما انهزم لهم راية ‏[‏انهزاما مستقرا‏]‏ ولا أديل عليهم عدوهم أبدا‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر لما التقى الناس : اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لم نعرف فأحنه الغداة ، فكان هو المستفتح على نفسه .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال : قال عبد الرحمن بن عوف : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان ، حديثا السن ، فكأني لم آمن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه : يا عم أرني أبا جهل ، فقلت : يا ابن أخي وما تصنع به؟

فقال : عاهدت الله - عز وجل - إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه .

فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله ، فما سرني أني بين رجلين بمكانهما ، فأشرت لهما إليه ، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه ، وهما ابنا عفراء .

وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا محمد بن المثنى ، ثنا ابن أبي عدي ، عن سليمان التيمي عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر : " من ينظر لنا ما صنع أبو جهل " ؟

قال : فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد ، قال : فأخذ بلحيته فقال : أنت أبو جهل ؟

فقال : وهل فوق رجل قتله قومه أو قتلتموه .

قال محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر قال : قال معاذ بن عمرو بن الجموح لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوه أمر بأبي جهل بن هشام أن يلتمس في القتلى ، فقال : اللهم لا يعجزنك ، قال فلما سمعتها جعلته من شأني فعمدت نحوه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه .

قال : وضربني ابنه عكرمة على عاتقي ، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي ، وأجهضني القتال عنه ، فلقد قاتلت عامة يومي ، وإني لأسحبها خلفي ، فلما آذتني جعلت عليها قدمي ، ثم تمطيت بها حتى طرحتها ، ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء ، فضربه حتى أثبته ، فتركه وبه رمق ، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل قال عبد الله بن مسعود : وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه ، ثم قلت : هل أخزاك الله يا عدو الله؟

قال : وبماذا أخزاني ، أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة؟

قلت : لله ولرسوله .

وروي عن ابن مسعود أنه قال : قال لي أبو جهل : لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا ، ثم احتززت رأسه ، ثم جئت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله هذا رأس أبي جهل ، فقال : آلله الذي لا إله غيره ؟

قلت : نعم ، والذي لا إله غيره ، ثم ألقيته بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله - عز وجل - .

وقال السدي والكلبي : كان المشركون حين خرجوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ففيه نزلت : " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " أي : إن تستنصروا فقد جاءكم النصر .

وقال عكرمة : قال المشركون والله لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق ، فأنزل الله - عز وجل - : " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " أي : إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء .

وقال أبي بن كعب : هذا خطاب لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال الله تعالى للمسلمين : " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " أي : إن تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد ، ثنا عبد الرحيم بن منيب ، ثنا الفضل بن موسى ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن خباب رضي الله عنه قال : شكونا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلنا : ألا تدعو الله لنا ، ألا تستنصر لنا؟

فجلس محمارا لونه أو وجهه فقال لنا : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل ، ويحفر له في الأرض ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه ثم يجعل بفرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب ، وما يصرفه عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله ، ولكنكم تعجلون " .

قوله : ( وإن تنتهوا ) يقول للكفار ، إن تنتهوا عن الكفر بالله وقتال نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ( فهو خير لكم وإن تعودوا ) لحربه وقتاله ، ( نعد ) بمثل الواقعة التي وقعت بكم يوم بدر .

وقيل : وإن تعودوا إلى الدعاء والاستفتاح نعد للفتح لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، ( ولن تغني عنكم فئتكم ) جماعتكم ، ( شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص " وأن الله " بفتح الهمزة ، أي : ولأن الله مع المؤمنين ، كذلك " لن تغني عنكم فئتكم شيئا " ، وقيل : هو عطف على قوله : " ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين " ، وقرأ الآخرون : " وإن الله " بكسر الألف على الابتداء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن تستفتحوا» أيها الكفار إن تطلبوا الفتح أي القضاء حيث قال أبو جهل منكم: اللهم أينا كان أقطع للرحمن وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة أي أهلكه «فقد جاءكم الفتح» القضاء بهلاك من هو كذلك وهو أبو جهل ومن قتل معه دون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين «وإن تنتهوا» عن الكفر والحرب «فهو خير لكم وإن تعودوا» لقتال النبي صلى الله عليه وسلم «نعد» لنصره عليكم «ولن تغني» تدفع «عنكم فئتكم» جماعاتكم «شيئا ولو كثرت وإنَّ الله مع المؤمنين» بكسر إن استئنافا وفتحها على تقدير اللام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن تطلبوا -أيها الكفار- من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين فقد أجاب الله طلبكم، حين أوقع بكم مِن عقابه ما كان نكالا لكم وعبرة للمتقين، فإن تنتهوا -أيها الكفار- عن الكفر بالله ورسوله وقتال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خير لكم في دنياكم وأخراكم، وإن تعودوا إلى الحرب وقتال محمد صلى الله عليه وسلم وقتال أتباعه المؤمنين نَعُدْ بهزيمتكم كما هُزمتم يوم "بدر"، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئًا، كما لم تغن عنكم يوم "بدر" مع كثرة عددكم وعتادكم وقلة عدد المؤمنين وعدتهم، وأن الله مع المؤمنين بتأييده ونصره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين )روى الإِمام أحمد والنسائى والحاكم وصححه ، عن ثعلبة ، أن أبا جهل قال حين التقى القوم - فى بدر - : اللهم أقطعنا للرحم ، وأتانا بما لا نعرفه ، فأحنه - أى فأهلكه - الغداة .

فكان المستفتح .وعن السدى أن المشركين حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا : اللهم انصر أهدى الجندين ، وأكرم الفئتين ، وخير القبيلتين .

فقال - تعالى - ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ .

.

.

) الآية .قال الراغب : وقوله : ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ ) أى : إن طلبتم الظفر ، أو طلبتم لافتاح أى الحكم .

.

والفتح إزالة الإِغلاق والإِشكال .

.

ويقال : فتح القضية فتاحا .

أى فصل الأمر فيها وأزال الإِغلاق عنها .

قال - تعالى - : ( وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ .

.

.

) والمعنى : إن تطلبوا الفتح أى : القضاء والفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين ( فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ) أى : فقد جاءكم الفصل والقضاء فيما طلبتم حيث حكم الله وقضى بينكم وبين المؤمنين ، بأن أعزهم ونصرهم لأنهم على الحق ، وخذلكم وأذلكم لأنكم على الباطل .فالخطاب مسوق للكفارين على سبيل التهكم بهم ، والتوبيخ لهم ، حيث طلبوا من الله - تعالى - القضاء بينهم وبين المؤمنين ، والنصر عليهم ، فكان الأمر على عكس ما أرادوا حيث حكم الله فيهم بحكمه العادل وهو خذلانهم لكفرهم وجحودهم ، وإعلاء كلمة المؤمنين ، لأنهم على الطريق القويم .وقوله : ( وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) أى : وأن تنتهوا عن الكفر وعداوة الحق ، يكن هذا الانتهاء خيراً لكم من الكفر ومحاربة الحق .وقوله : ( وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ .

.

.

) تحذير لهم من التمادى فى الباطل بعد ترغيبهم فى الانقياد للحق .أى : ( وَإِن تَعُودُواْ ) إلى محاربة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وعداوتهم ( نَعُدْ ) عليكم بالهزيمة والذلة .

وعلى المؤمنين بالنصر والعزة ، ولن تستطيع فئتكم وجماعتكم - ولو كثرت - أن تدفع عنكم شياً من تلك الهزيمة وهذه الذلة ، فإن الكثرة والقوة لا وزن لها ولا قيمة إذا لم يكن الله مع أصحابها بعونه وتأييده .وقوله : ( وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين ) تذييل قصد به تثبيت المؤمنين ، وإلقاء الطمأنينة فى نفوسهم .أى : وأن الله مع المؤمنين بعونه وتأييده ، ومن كان الله معه فلن يغلبه غالب مهما بلغت قوته .قال الجمل : " قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتح " أن " والباقون بكسرها فالفتح من أوجه :أحدها : أنه على لام العلة والمعلل تقديره ، ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت .والثانى : أن التقدير : ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم .

والثالث أنه خبر مبتدأ محذوف .

أى : والأمر أن الله مع المؤمنين .والوجه الأخير يقرب فى المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف .هذا وما جرينا عليه من أن الخطاب فى قوله - تعالى - ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ ..

) للمشركين هو رأى جمهور المفسرين .ومنهم من يرى أن الخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين ، وعليه يكون المعنى : ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ .

.

.

) أى تطلبوا - أيها المؤمنون - النصر على أعدائكم ( فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ) أى : فقد جاءكم النصر من عند الله كما طلبتم .( وَإِن تَنتَهُواْ ) أى عن المنازعة فى أمر الانفال ، وعن التكاسل فى طاعة الله ورسوله ، ( فَهُوَ ) أى هذا الانتهاء ( خَيْرٌ لَّكُمْ ) .( وَإِن تَعُودُواْ ) إلى المنازعات والتكاسل ( نَعُدْ ) عليكم بالإِنكار وتهييج الأعداء .( وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ ) أى : ولن تفيدكم كثرتكم شيئاً مهما كثرت إن لم يكن الله معكم بنصره .وأن الله - تعالى - مع المؤمنين الصادقين فى إيمانهم وطاعتهم له .والذى يبدو لنا أن كون الخطاب للكافرين أرجح ، لأن أسباب النزول تؤيده ، فقد سبق أن بينا أن الكافرين عند خروجهم إلى بدر تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر اهدى الجندين .

.

وأن أبا جهل قال حين التقى القوم :اللهم أينا أقطع للرحم .

.

فأحنه الغداة .

قال ابن جرير : فكان ذلك استفتاحه ، فأنزل الله فى ذلك ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح .

.

) .ولعل مما يرجح أن الخطاب فى قوله - تعالى - ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ .

.

.

) للكافرين ، أن بعض المفسرين - كان جرير وابن كثير - ساروا فى تفسيرهم للآية على ذلك ، وأهملوا الرأى القائل بأن الخطاب للمؤمنين فلم يذكروه أصلا .أما صاحب الكشاف فقد ذكره بصيغة " وقيل " وصدر كلامه بكون الخطاب للكافرين فقال : قوله - تعالى - : ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ .

.

) خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم .

وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أقرانا للضيف ، وأوصلنا للرحم ، وأفكنا للعانى .

.

.وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة التى افتتحت بنداء المؤمنين ، قد أمرتهم بالثبات عند لقاء الأعداء .

.

وبينت لهم جوانب من مظاهر فضل الله عليهم ، ورعايته لهم .

.

وغربت المشركين فى الانتهاء عن شركهم وعن محاربتهم للحق ، وحذرتهم من التمادى فى باطلهم وطغيانهم .

.

وأخبرتهم فى ختامها بأن الله - تعالى - مع المؤمنين بتأييده ونصره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ مُوهِنُ ﴾ بتشديد الهاء من التوهين ﴿ كَيْدَ ﴾ بالنصب، وقرأ حفص عن عاصم ﴿ مُوهِنُ كَيْدِ ﴾ بالإضافة، والباقون ﴿ مُوهِنُ ﴾ بالتخفيف ﴿ كَيْدَ ﴾ بالنصب، ومثله قوله: ﴿ كاشفات ضُرّهِ  ﴾ بالتنوين وبالإضافة.

المسألة الثانية: الكلام في ذلك ومحله من الإعراب كما في قوله: ﴿ ذلكم فَذُوقُوهُ  ﴾ .

المسألة الثالثة: توهين الله تعالى كيدهم.

يكون بأشياء بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم، ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم.

قال ابن عباس ينبئ رسول الله ويقول: إني قد أوهنت كيد عدومك حتى قتلت خيارهم وأسرت أشرافهم.

أما قوله تعالى: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ فيه قولان: القول الأول: وهو قول الحسن ومجاهد والسدي أنه خطاب للكفار، روي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر، وروي أنه قال: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأفجر، فأهلكه الغداة، وقال السدي: إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله هذه الآية، والمعنى: إن تستفتحوا أي تستنصروا لأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، فقد جاءكم النصر.

وقال آخرون: أن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

والقول الثاني: أنه خطاب للمؤمنين، روي أنه عليه السلام لما رأى المشركين وكثرة عددهم استغاث بالله، وكذلك الصحابة وطلب ما وعده الله به من إحدى الطائفتين وتضرع إلى الله فقال: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ والمراد أنه طلب النصرة التي تقدم بها الوعد، فقد جاءكم الفتح، أي حصل ما وعدتم به فاشكروا الله والزموا طاعته.

قال القاضي: وهذا القول أولى لأن قوله: ﴿ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ لا يليق إلا بالمؤمنين، أما لو حملنا الفتح على البيات والحكم والقضاء، لم يمتنع أن يراد به الكفار.

أما قوله: ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ فتفسير هذه الآية، يتفرع على ما ذكرنا من أن قوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ خطاب للكفار أو للمؤمنين.

فإن قلنا: إن ذلك خطاب للكفار، كان تأويل هذه الآية إن تنتهوا عن قتال الرسول وعداوته وتكذيبه فهو خير لكم، أما في الدين فبالخلاص من العقاب والفوز بالثواب.

وأما في الدنيا فبالخلاص من القتل والأسر والنهب.

ثم قال: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ ﴾ أي إلى القتال ﴿ نَعُدُّ ﴾ أي نسلطهم عليكم، فقد شاهدتم ذلك يوم بدر وعرفتم تأثير نصرة الله للمؤمنين عليكم ﴿ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ ﴾ أي كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر.

وأما إن قلنا إن ذلك خطاب للمؤمنين كان تأويل هذه الآية وإن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسرى فقد كان وقع منهم نزاع يوم بدر في هذه الآشياء حتى عاتبهم الله بقوله: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ  ﴾ فقال تعالى: ﴿ إِن تَنتَهُواْ ﴾ عن مثله ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نَعُدُّ ﴾ إلى ترك نصرتكم لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة وترك المخالفة، ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة، فإن الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب.

واعلم أن أكثر المفسرين حملوا قوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ على أنه خطاب للكفار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ ﴾ فظنوا أن ذلك لا يليق إلا بالقتال، وقد بينا أن ذلك يحتمل الحمل على ما ذكرناه من أحوال المؤمنين، فسقط هذا الترجيح.

وأما قوله: ﴿ وَأَنَّ الله مَعَ ﴾ فقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم ﴿ الارض وَأَنَّ الله ﴾ بفتح الألف في أن والباقون بكسرها.

أما الفتح فقيل: على تقدير، ولأن الله مع المؤمنين، وقيل هو معطوف على قوله: ﴿ إِنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين ﴾ وأما الكسر فعلى الابتداء.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهمّ انصر أقرانا للضيف وأوصلنا للرحم وأفكنا للعاني، إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على حق فانصرنا.

وروي: أنهم قالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين.

وروي أنّ أبا جهل قال يوم بدر: اللهمّ أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم، أي فأهلكه.

وقيل: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ خطاب للمؤمنين ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ ﴾ خطاب للكافرين، يعني: وإن تنتهوا عن عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وأسلم ﴿ وَإِن تَعُودُواْ ﴾ لمحاربته ﴿ نَعُدْ ﴾ لنصرته عليكم ﴿ وَأَنَّ الله ﴾ قرئ بالفتح على: ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك وقرئ بالكسر، وهذه أوجه.

ويعضدها قراءة ابن مسعود ﴿ والله مع المؤمنين ﴾ وقرئ ﴿ ولن يغني عنكم ﴾ بالياء للفصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ أرادُوا الخُرُوجَ تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ.

﴿ وَإنْ تَنْتَهُوا ﴾ عَنِ الكُفْرِ ومُعاداةِ الرَّسُولِ ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ لِتَضَمُّنِهِ سَلامَةَ الدّارَيْنِ وخَيْرَ المَنزِلَيْنِ.

﴿ وَإنْ تَعُودُوا ﴾ لِمُحارَبَتِهِ.

﴿ نَعُدْ ﴾ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكم.

﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ ﴾ ولَنْ تَدْفَعَ.

﴿ عَنْكم فِئَتُكُمْ ﴾ جَماعَتُكم.

﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الإغْناءِ أوِ المَضارِّ.

﴿ وَلَوْ كَثُرَتْ ﴾ فِئَتُكم.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ (وَأنَّ) بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ.

وقِيلَ الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ التَّكاسُلِ في القِتالِ والرَّغْبَةِ عَمّا يَسْتَأْثِرُهُ الرَّسُولُ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا إلَيْهِ نَعُدْ عَلَيْكم بِالإنْكارِ أوْ تَهْيِيجِ العَدُوِّ، ولَنْ تُغْنِيَ حِينَئِذٍ كَثْرَتُكم إذا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكم بِالنَّصْرِ فَإنَّهُ مَعَ الكامِلِينَ في إيمانِهِمْ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح} إن تستنصروا فقد جاءكم النصر عليكم وهو خطاب لأهل مكة لأنهم أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا اللهم إن كان محمد على حق فانصره وان كنا على ى الحق فانصرنا وقيل إِن تَسْتَفْتِحُواْ خطاب للمؤمنين وان تنتهوا للكافرين أي {وإن تنتهوا} عن عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهو} أى الانتهاء {خير لكم}

وأسلم {وإن تعودوا} لمحاربة هـ {نَعُدْ} لنصرته عليكم {وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ} جمعكم {شيئا} ولو كثرت عدد {وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين} بالفتح مدني وشامي وحفص أي ولأن الله مع المؤمنين بالنصر كان ذلك وبالسكر غيرهم ويؤيده قراءة عبد الله والله مَعَ المؤمنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا ﴾ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم حِينَ أرادُوا الخُرُوجَ تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ.

وفِي رِوايَةٍ: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ حِينَ التَقى الجَمْعانِ: اللَّهُمَّ رَبَّنا دِينُنا القَدِيمُ ودِينُ مُحَمَّدٍ الحَدِيثُ فَأيُّ الدِّينَيْنِ كانَ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى عِنْدَكَ فانْصُرْ أهْلَهُ اليَوْمَ.

والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ والسُّدِّيِّ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْداهُما ﴿ فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ ﴾ حَيْثُ نُصِرَ أعْلاهُما وأهْداهُما وقَدْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمُ الأعْلى والأهْدى فالتَّهَكُّمُ في المَجِيءِ أوْ فَقَدْ جاءَكُمُ الهَلاكُ والذِّلَّةُ فالتَّهَكُّمُ في نَفْسِ الفَتْحِ حَيْثُ وُضِعَ مَوْضِعَ ما يُقابِلُهُ.

﴿ وإنْ تَنْتَهُوا ﴾ عَنْ حِرابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُعاداتِهِ ﴿ فَهُوَ ﴾ أيْ الِانْتِهاءُ ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِنَ الحِرابِ الَّذِي ذُقْتُمْ بِسَبَبِهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، ومَبْنى اعْتِبارِ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ هو التَّهَكُّمُ ﴿ وإنْ تَعُودُوا ﴾ أيْ: إلى حِرابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ نَعُدْ ﴾ لِما شاهَدْتُمُوهُ مِنَ الفَتْحِ ﴿ ولَنْ تُغْنِيَ ﴾ أيْ: لَنْ تَدْفَعَ ﴿ عَنْكم فِئَتُكُمْ ﴾ جَماعَتُكُمُ الَّتِي تَجْمَعُونَها وتَسْتَغِيثُونَ بِها ﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الإغْناءِ أوِ المَضارِّ ﴿ ولَوْ كَثُرَتْ ﴾ تِلْكَ الفِئَةُ، وقُرِئَ: (ولَنْ يُغْنِيَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفِئَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِلْفَصْلِ، ونَصَبَ شَيْئًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، وجُمْلَةُ: ولَوْ كَثُرَتْ في مَوْضِعِ الحالِ.

﴿ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُعِينُ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ أوْ والأمْرُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَعَهُمْ، وقَرَأ الأكْثَرُ: (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، قِيلَ: وهي أوْجَهُ مِن قِراءَةِ الفَتْحِ لِأنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ تَذْيِيلٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: القَصْدُ إعْلاءُ أمْرِ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وكَيْتَ وكَيْتَ، وإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في نَصْرِ المُؤْمِنِينَ وخِذْلانِ الكافِرِينَ، وهَذا وإنْ أمْكَنَ إجْراؤُهُ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ لَكِنَّ قِراءَةَ الكَسْرِ نَصٌّ فِيهِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (واللَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ)، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ التَّكاسُلِ والرَّغْبَةِ عَمّا يَرْغَبُ فِيهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو خَيْرٌ لَكم مِن كُلِّ شَيْءٍ لِما أنَّهُ مَدارٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿ وإنْ تَعُودُوا ﴾ إلَيْهِ نَعُدْ عَلَيْكم بِالإنْكارِ وتَهْيِيجِ العَدُوِّ.

ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم حِينَئِذٍ كَثْرَتُكم إذْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى مَعَكم بِالنَّصْرِ.

والأمْرُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَعَ الكامِلِينَ في الإيمانِ، ويُفْهَمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الخِطابَ في ﴿ تَسْتَفْتِحُوا ﴾ و ﴿ جاءَكُمُ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيما بَعْدَهُ لِلْمُشْرِكِينَ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وأُيِّدَ كَوْنُ الخِطابِ في الجَمِيعِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ، يقول: إن تستنصروا فقد نصركم الله، وذلك حين قال أبو جهل بن هشام اللهم: انصر أعزّ الجندين إليك، وأحب الفئتين إليك، فاستجيب دعاؤه على نفسه وعلى أصحابه.

ثم قال: وَإِنْ تَنْتَهُوا عن قتاله، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من قتاله، ويقال: إن أهل مكة حين أرادوا الخروج إلى بدر، أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم أي الفئتين أحب إليك فانصرهم، فنزل إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا عن قتال محمد  وعن الكفر فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من الإقامة عليه، وَإِنْ تَعُودُوا لقتال محمد  ، نَعُدْ عليكم الهزيمة.

وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ، يعني: جماعتكم شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ في العدد.

وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، يعني: معين لهم وناصرهم.

قرأ نافع وابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين: وَأَنَّ اللَّهَ بالنصب، والباقون بالكسر على معنى الاستئناف، ويشهد لها قراءة عبد الله بن مسعود: والله مع المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وعن مالك مثله.

انتهى.

وفهم ع «١» : الحديث على التَّعَجُّبِ، ذكره عند قوله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة:

٢٥] ، وما قاله ابنُ رشْدٍ هو الصواب.

والله أعلم.

ومُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ يراد به الذي يَرَى: أن فعله ذلك أنْكَى للعدو، ونصبه على الحال، وكذلك نصب مُتَحَيِّزاً، وأما الاسْتِثْنَاءُ، فهو من المولين الذين تضمنهم «من» .

والفِئَةُ هنا الجَمَاعَةُ الحاضرة للحرب، هذا قول الجمهور.

وقوله سبحانه: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى هذه الألفاظ تَرِدُ على من يزعم أن أَفْعَالَ العباد خَلْقٌ لهم، ومذهب أهل السنة أنها خلق للرب سبحانه كسْبٌ للعبد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ يومئذٍ ثلاث قَبَضَاتٍ من حَصًى وتُرَابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، فانهزموا عند آخر رمْيَةِ، ويروى أنه قال يوم بدر: «شَاهَتِ الوُجُوهُ» «٢» وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم «حنين» بلا خلاف.

ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليصيبهم ببلاء حَسَنٍ، وظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة، والظفر، والعزة.

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاستغاثتكم، عَلِيمٌ بوجوه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارة إلى ما تقدم من قَتْلِ اللَّه لهم، ورميه إياهم، وموضع ذلِكُمْ من الإعراب رفع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وسَألُوهُ الفَتْحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ.

والثّانِي: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى عِنْدَكَ فانْصُرْهُ اليَوْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ أخَذُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، فَقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأكْرَمَ القَبِيلَتَيْنِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا لا نَعْرِفُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فافْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالحَقِّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّهم قالُوا بِمَكَّةَ: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ ﴾ الآَيَةُ[الأنْفالِ:٣٢]، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَخَرَجَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: "إنْ تَسْتَفْتِحُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

والثّانِي: المُشْرِكُونَ؛ وهو الأشْهَرُ.

وَفِي الِاسْتِفْتاحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِنْصارُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ.

فَإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، كانَ المَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ بِالمَلائِكَةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ؛ احْتَمَلَ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ عَلَيْكم.

والثّانِي: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ إلى اللَّهِ، فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ.

والثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْتاحَ: طَلَبُ الحُكْمِ، والمَعْنى: إنْ تَسْألُوا الحُكْمَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ جاءَكُمُ الحُكْمُ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فَهو خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ.

وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ  ، والكَفْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إنْ تَنْتَهُوا عَنِ اسْتِفْتاحِكم، فَهو خَيْرٌ لَكم، لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ، لا لَهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى القِتالِ، نَعُدْ إلى هَزِيمَتِكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى الِاسْتِفْتاحِ، نَعُدْ إلى الفَتْحِ لَمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ﴾ أيْ: جَماعَتُكم وإنْ كَثُرَتْ، ﴿ وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِالعَوْنِ والنَّصْرِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَإنَّ اللَّهَ" بِكَسْرِ الألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "وَأنْ" بِفَتْحِ الألِفِ فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ "أنْ" اسْتَأْنَفَ.

قالَ الفَرّاءُ: وهو أحَبُّ إلَيَّ مِن فَتْحِها.

ومَن فَتَحَها، أرادَ: ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تُوَلُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: لا تُوَلُّوا عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآَنِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عنكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عنهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الحاضِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ اللهُ لَهُمْ: ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ ﴾ وهو الحُكْمُ بَيْنَكم وبَيْنَ الكافِرِينَ، فَقَدْ جاءَكم وقَدْ حَكَمَ اللهُ لَكُمْ، ﴿ وَإنْ تَنْتَهُوا ﴾ عَمّا فَعَلْتُمْ مِنَ الكَلامِ في أمْرِ الغَنائِمِ وما شَجَرَ بَيْنَكم فِيها، وعن تَفاخُرِكم بِأفْعالِكم مِن قَتْلٍ وغَيْرِهِ ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا ﴾ لِهَذِهِ الأفْعالِ ﴿ نَعُدْ ﴾ لِتَوْبِيخِكُمْ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ الفِئَةَ -وَهِيَ الجَماعَةُ- لا تُغْنِي وإنْ كَثُرَتْ إلّا بِنْصِرِ اللهِ تَعالى ومَعُونَتِهِ ثُمَّ آنَسَهم بِقَوْلِهِ وإيجابِهِ، أنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَدْعُو أبَدًا في مَحافِلِ قُرَيْشٍ، ويَقُولُ: "اللهُمَّ، أقَطْعُنا لِلرَّحِمِ وآتانا بِما لا نَعْرِفُ، فَأهْلِكْهُ واجْعَلْهُ المَغْلُوبَ"، يُرِيدُ مُحَمَّدًا  وإيّاهم.

ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا عَزَمُوا عَلى الخُرُوجِ إلى حِمايَةِ العِيرِ، تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ واسْتَفْتَحُوا، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ بَدْرٍ: "اللهُمَّ، انْصُرْ أحَبَّ الفِئَتَيْنِ إلَيْكَ، وأظْهِرْ خَيْرَ الدِينَيْنِ عِنْدَكَ، اللهُمَّ أقَطْعُنا لِلرَّحِمِ، فَأحِنْهُ الغَداةَ، ونَحْوَ هَذا" فَقالَ لَهُمُ اللهُ: إنْ تَطْلُبُوا الفَتْحَ أيْ كَما تَرَوْنَهُ عَلَيْكم لا لَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا تَوْبِيخٌ.

ثُمَّ قالَ لَهُمْ: وإنْ تَنْتَهُوا عن كُفْرِكم وغَيِّكم فَهو خَيْرٌ لَكُمْ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهم إنْ عادُوا لِلِاسْتِفْتاحِ عادَ بِمِثْلِ الوَقْعَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ فِئَتَهم لا تُغْنِي شَيْئًا وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ ﴾ هي مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وسائِرِ الآيَةِ مُخاطَبَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، كَأنَّهُ قالَ: وأنْتُمُ الكُفّارُ ( إنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم ).

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَإنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "وَأنَّ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مِن أنَّ التَقْدِيرَ: "لِكَثْرَتِها ولِأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ" مُحْتَمَلُ المَعْنى، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَوْ كَثُرَتْ واللهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ"، وهَذا يُقَوِّي قِراءَةَ مَن كَسَرَ الألِفَ مِن "إنَّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ الآيَةُ، الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ، جَدَّدَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ بِطاعَةِ اللهِ والرَسُولِ، ونُهُوا عَنِ التَوَلِّي عنهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

ويَكُونُ هَذا مُتَناصِرًا مَعَ قَوْلِ مَن يَقُولُ: "إنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَإنْ تَنْتَهُوا ﴾ هو لِلْمُؤْمِنِينَ"، فَيَجِيءُ الكَلامُ مِن نَمَطٍ واحِدٍ في مَعْناهُ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: "إنَّ المُخاطَبَةَ بِـ "إنْ تَنْتَهُوا" هي لِلْكُفّارِ" فَيَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في النَفْلِ، ومُجادَلَتِهِمْ في الحَقِّ، وكَراهِيَتِهِمْ خُرُوجَ رَسُولِ اللهِ  ، وتَفاخُرِهِمْ بِقَتْلِ الكُفّارِ والنِكايَةِ فِيهِمْ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا -وَإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ- فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا لِأجْلِ أنَّ اللهَ وصَفَ مَن خاطَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ، والإيمانُ: التَصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وهَذا أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ.

و ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ أصْلُهُ: تَتَوَلَّوْا، لِأنَّ تَفْعَلُ دَخَلَتْ عَلَيْهِ تاءُ المُخاطَبِ بِالفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، فَحُذِفَتِ الواحِدَةُ، والمَحْذُوفَةُ هي تاءُ تَفْعَلُ، والباقِيَةُ هي تاءُ العَلامَةِ، لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْها هُنا أمَسُّ لِيَبْقى الفِعْلُ مُسْتَقْبَلًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ يُرِيدُ: دُعاءَهُ لَكم بِالقُرْآنِ والمَواعِظِ والآياتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ كالَّذِينَ قالُوا ﴾ يُرِيدُ: الكُفّارَ، فَإمّا مِن قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا  ﴾ ، وإمّا الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: سَمِعْنا القُرْآنَ وعَلِمْنا أنَّهُ سِحْرٌ أو شِعْرٌ وأساطِيرُ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ عنهم خَبَرًا نَفى بِهِ أنَّهم سَمِعُوا أيْ: فَهِمُوا ووَعَوْا، لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ التِلاوَةَ بِآذانِهِمْ ولَكِنَّ صُدُورَهم مُطْبَقَةٌ لَمْ يَشْرَحْها اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِتَلَقِّي مَعانِي القُرْآنِ والإيمانِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جمهور المفسرين جعلوا الخطاب موجهاً إلى المشركين، فيكون الكلام اعتراضاً خوطب به المشركون في خلال خطبات المسلمين بمناسبة قوله: ﴿ ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ﴾ [الأنفال: 18] والخطاب التفات من طريق الغيبة الذي اقتضاه قوله: ﴿ وأن الله موهن كيد الكافرين ﴾ [الأنفال: 18] وذكر المفسرون في سبب نزولها أن أبا جهل وأصحابه لما أزمعوا الخروج إلى بدر استنصروا الله تجاه الكعبة، وأنهم قبل أن يشرعوا في القتال يومَ بدر استنصروا الله أيضاً وقالوا ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه، فخوطبوا بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم أي الفتح الذي هو نصر المسلمين عليهم.

وإنما كان تهكماً لأن في معنى ﴿ جاءكم الفتح ﴾ استعارة المجيء للحصول عندهم تشبيهاً بمجيء المُنجد لأن جعل الفتح جاءيا إياهم.

يقتضي أن النصر كان في جانبهم ولمنفعتهم، والواقع يخالف ذلك، فعُلم أن الخبر مستعمل في التهكم بقرينة مخالفته الواقع بمسمع المخاطبين ومرآهم.

وحَمل ابن عطية فعل ﴿ جاءكم ﴾ على معنى: فقد تبين لكم النصر ورأيتموه أنه عليكم لا لكم، وعلى هذا يكون المجيء بمعنى الظهور: مثل ﴿ وجاء ربك ﴾ [الفجر: 22] ومثل ﴿ جاء الحق وزهق الباطل ﴾ [الإسراء: 81] ولا يكون في الكلام تهكم.

وصيغ ﴿ تستفتحوا ﴾ بصيغة المضارع مع أن الفعل مضى لقصد استحضار الحالة من تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين، وبذلك تظهر مناسبة عطف ﴿ وإن تنتهوا فهو خير لكم ﴾ إلى قوله ﴿ وأن الله مع المؤمنين ﴾ أي تنتهوا عن كفركم بعد ظهور الحق في جانب المسلمين.

وعطف الوعيدُ على ذلك بقوله: ﴿ وإن تَعُودوا نعد ﴾ أي: إن تعودوا إلى العناد والقتال نعد، أي نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر.

ثم أيْأسهم من الانتصار في المستقبل كله بقوله: ﴿ ولن تُغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت ﴾ أي لا تنفعكم جماعتكم على كثرتها كما لم تغن عنكم يوم بدر، فإن المشركين كانوا يومئذٍ واثقين بالنصر على المسلمين لِكثرة عَددهم وعُدَدهم.

والظاهر أن جملة: ﴿ إن تعودوا ﴾ معطوفة على جملة الجزاء وهي: ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ .

و ﴿ لو ﴾ اتصالية أي ﴿ لن ﴾ تغني عنكم في حال من الأحوال ولو كانت في حال كثرة على فئةِ أعدَائِكم، وصاحب الحال المقترنة ب (لو) الاتصالية قد يكون متصفاً بمضمونها، وقد يَكون متصفاً بنقيضه، فإن كان المراد من العَود في قوله: ﴿ وإن تعودوا ﴾ العود إلى طلب النصر للمُحق فالمعنى واضح، وإن كان المراد منه العود إلى محاربة المسلمين فقد يشكل بأن المشركين انتصروا على المسلمين يومَ أُحُد فلم يتحقق معنى نَعُد ولا موقع لجملة: ﴿ ولن تغني عنكم فئتكم ﴾ فإن فئتهم أغنت عنهم يوم أُحُد.

والجواب عن هذا إشكال أن الشرط لم يكن بأداة شرط مما يفيد العموم مثل (مَهْما) فلا يُبطله تخلف حصول مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة، أو نقول إن الله قضى للمسلمين بالنصر يوم اُحُد، ونصرهم وعلم المشركون أنهم قد غُلبوا ثم دارت الهزيمة على المسلمين؛ لأنهم لم يمتثلوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرَحوا عن الموضع الذي أمرهم أن لا يبرحوا عنه طلباً للغنيمة فعوقبوا بالهزيمة كما قال: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ [آل عمران: 166] وقال ﴿ إن الذين تَولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وقد مضى ذلك في سورة [آل عمران: 155]، وبعدُ ففي هذا الوعيد بشارة أن النصر الحاسم سيكون للمسلمين وهو نصر يوم فتح مكة.

وجملة: وأن الله مع المؤمنين} على هذا التفسير زيادة في تأييس المشركين من النصر، وتنويه بفضل المؤمنين بأن النصر الذي انتصروه هو من الله لا بأسبابهم فإنهم دون المشركين عدداً وعُدة.

ومن المفسرين من جعل الخطاب بهذه الآية للمسلمين، ونسب إلى أُبيّ بن كعب وعطاء، لكون خطاب المشركين بعد الهجرة قد صار نادراً، لأنهم أصبحوا بُعداء عن سماع القرآن، فتكون الجملة مستأنفة استينافاً بيانياً فإنهم لما ذُكروا باستجابة دعائهم بقوله: ﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ [الأنفال: 9] الآيات، وأمروا بالثبات للمشركين، وذكروا بنصر الله تعالى إياهم يوم بدر بقوله: ﴿ فلم تقتلوهم إلى قوله مُوهن كيد الكافرين ﴾ [الأنفال: 17، 18] كان ذلك كله يثير سؤالاً يختلج في نفوسهم أن يقولوا أيكون كذلك شأننا كلما جاهدنا أم هذه مزية لوقعة بدر، فكانت هذه الآية مفيدة جواب هذا التساؤل.

فالمعنى: إن تستنصروا في المستقبل قوله فقد جاءكم الفتح، والتعبير بالفعل الماضي في جواب الشرط للتنبيه على تحقيق وقوعه، ويَكون قوله ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ دليلاً على كلام محذوف، والتقدير: إن تستنصروا في المستقبل ننصركم فقد نصرناكم يوم بدر.

والاستفتاح على هذا التفسير كناية عن الخروج للجهاد، لأن ذلك يستلزم طلب النصر ومعنى ﴿ وإن تنتهوا فهو خير لكم ﴾ أي إن تمسكوا عن الجهاد حيث لا يتعين فهو أي الإمساك، خير لكم لتستجمعوا قوتكم وأعدادكم، فأنتم في حال الجهاد منتصرون، وفي حال السلم قائمون بأمر الدين وتدبير شؤونكم الصالحة، فيكون كقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تمنّوا لقاء العدو، وقيل المراد وإن تنتهوا عن التشاجر في أمر الغنيمة أو عن التفاخر بانتصاركم يوم بدر فهو خير لكم من وقوعه.

وأما قوله: ﴿ وإن تعودوا نعد ﴾ على هذا التفسير فهو إن تعودوا إلى طلب النصر نعد فننصركم أي لا يُنقص ذلك من عطائنا كما قال زهير: سألنا فأعطيتكم وعدنا فعُدْتُم *** ومن أكثر التَسآل يوماً سيُحرم يُعلّمهم الله صدق التوجه إليه، ويكون موقع ﴿ ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ﴾ زيادة تقرير لمضمون ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ وقوله: ﴿ وإن تعودوا نعد ﴾ أي لا تعتمدوا إلاّ على نصر الله.

فموقع قوله: ﴿ ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ﴾ بمنزلة التعليل لتعليق مجيء الفتح على أن ﴿ تستفتحوا ﴾ المشعر بأن النصر غير مضمون الحصول إلاّ إذا استنصروا بالله تعالى وجملَه ﴿ ولو كثرت ﴾ في موضع الحال، و ﴿ لو ﴾ اتصالية، وصاحب الحال متصف بضد مضمونها، أي: ولو كثرت فكيف وفئتكم قليلة، وعلى هذا الوجه يكون في قوله: ﴿ وأن الله مع المؤمنين ﴾ إظهار في مقام الإضمار، لأن مقتضى الظاهر أن يقال: وإن الله معكم، فعدل إلى الاسم الظاهر للإيماء إلى أن سبب عناية الله بهم هو إيمانهم.

فهذان تفسيران للآية والوجدان يكون كلاهما مراداً.

والفتح حقيقته إزالة شيء مجعول حَاجزاً دون شيء آخر، حفظاً له من الضياع أو الافتكاك والسرقة، فالجدار حاجز، والباب حاجز، والسد حاجز، والصندوق حاجز، والعِدل تجعل فيه الثياب والمتاع حاجز، فإذا أزيل الحاجز أو فرج فيه فرجة يسلك منها إلى المحجوز سميت تلك الإزالة فتحاً، وذلك هو المعنى الحقيقي، إذ هو المعنى الذي لا يخلو عن اعتباره جميع استعمال مادة الفتح وهو بهذا المعنى يستعار لإعطاء الشيء العزيز النوال استعارةً مفردةً أو تمثيلية وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ [الأنعام: 44] وقوله تعالى: ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات ﴾ الآية في سورة [الأعراف: 96] فالاستفتاح هنا طلب الفتح أي النصر، والمعنى إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر.

وكثر إطلاق الفتح على حلول قوم بأرض أو بلدِ غيرهم في حرب أو غارة، وعلى النصر، وعلى الحُكْم، وعلى معان أُخر، على وجه المجاز أو الكناية وقوله: وأن الله مع المؤمنين } وقرأه نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، بفتح همزة ﴿ أن ﴾ على تقدير لام التعليل عطفاً على قوله: ﴿ وأن الله موهن كيد الكافرين ﴾ [الأنفال: 18] وقرأه الباقون بكسر الهمزة، فهو تذييل للآية في معنى التعليل، لأن التذييل لما فيه من العموم يصلح لإفادة تعليل المذيّل، لأنه بمنزلة المقدمة الكبرى للمقدمة الصغرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ، فالفَتْحُ النَّصْرُ، فَقَدْ جاءَكم فَضْلُ اللَّهِ بِنَصْرِنا، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ، والفَتْحُ النَّصْرُ، فَقَدْ جاءَكم نَصْرُ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم، وفي هَذا الخِطابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ اسْتَنْصَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِأنْ قالُوا: اللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ وأظْلَمُنا لِصاحِبِهِ فانْصُرْهُ عَلَيْهِ، فَنَصَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ والمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ قالَ ﴿ وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِنْصارَ كانَ عَلَيْهِمْ لا لَهم.

﴿ وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ هَذا التَّكْذِيبِ نَعُدْ إلى مِثْلِ هَذا التَّصْدِيقِ.

والثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ هَذا الِاسْتِفْتاحِ نَعُدْ إلى مِثْلِ هَذا النَّصْرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ اسْتَنْصَرُوهُ ﴿ وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي عَمّا فَعَلْتُمُوهُ في الأسْرى والغَنِيمَةِ.

﴿ وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى الطَّمَعِ نَعُدْ إلى المُؤاخَذَةِ.

الثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ ما كانَ مِنكم في الأسْرى والغَنِيمَةِ نَعُدْ إلى الإنْكارِ عَلَيْكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن منده والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير.

أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم اقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة.

فكان ذلك استفتاحاً منه، فنزلت ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن تستفتحوا ﴾ يعني المشركين، إن تستنصروا فقد جاءكم المدد.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه قال: قال أبو جهل يوم بدر: اللهم انصر إحدى الفئتين، وأفضل الفئتين، وخير الفئتين.

فنزلت ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ .

وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنهم فئتهم من الله شيئاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ قال: كفار قريش في قولهم: ربنا افتح بيننا وبين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

ففتح بينهم يوم بدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن تنتهوا ﴾ قال: عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وإن تعودوا نعد ﴾ قال: إن تستفتحوا الثانية افتح لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وأن الله مع المؤمنين ﴾ قال: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإن تعودوا نعد ﴾ يقول: نعد لكم بالأسر والقتل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ﴾ الأكثرون على أن هذا خطاب للمشركين (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقال السدي: إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وأفضل الدينين، فأنزل الله هذه الآية (٦) ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ﴾ إن تستنصروا لأهدى الفئتين فقد جاءكم النصر، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٧) (٨) ومضى الكلام في معنى الاستفتاح عند قوله: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ (٩) (١٠) وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق؛ فقال الله تعالى: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ﴾ ان تستقضوا فقد جاءكم القضاء (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَنْتَهُوا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد عن الشرك بالله ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ (١٤) ﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾ ، قال الحسن: وإن يعودوا لقتال محمد نعد عليهم بالقتل والأسر والهزيمة مثل يوم بدر (١٥) وهو قول ابن عباس (١٦) (١٧) ﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا ﴾ أي جماعتكم شيئًا ﴿ وَلَوْ كَثُرَتْ ﴾ في العدد، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قرئ بكسر ﴿ أَن ﴾ وفتحه (١٨) (١٩) ومن فتح فوجهه: ﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ ﴾ \[ولأن الله مع المؤمنين، أي لذلك لن تغني عنكم فئتكم شيئًا\] (٢٠) (٢١) قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يريد: وإن كانوا قليلًا، ولا غالب لمن كان الله معه، وقال أيضًا: وأن الله مع المؤمنين في النصر لهم (٢٢) وقال أبيّ بن كعب وعطاء الخرساني: قوله: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ﴾ [خطاب لأصحاب النبي  يقول: إن تستنصروا الله وتسالوه الفتح فقد جاءكم الفتح، (٢٣) ﴿ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ (٢٤) ومن أهل المعاني من يجعل جميع الآية خطابًا للمؤمنين على هذا القول (٢٥) ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ﴾ أي عن المنازعة في الأنفال، ﴿ وَإِنْ تَعُودُوا ﴾ إلى مثل ما كان منكم من المنازعة فيها نعد للإنكار عليكم، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئًا مع منع نصر الله لكم.

والوجه ما عليه عامة المفسرين أن الآية بأسرها خطاب للمشركين (٢٦) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 207، وابن أبي حاتم 5/ 1675، والثعلبي 6/ 49.

(٢) في (ح): (أبو).

وهو خطأ.

(٣) روى نحوه ابن جرير 9/ 209، عن يزيد بن رومان، وبمعناه ابن أبي حاتم 5/ 1675، عن عطية العوفي.

(٤) أحنه: أهلكه، و (الحين) بفتح الحاء: الهلاك، انظر: "القاموس المحيط" (حين) (1192)، و"لسان العرب" (حين) 2/ 1074.

(٥) رواه ابن جرير 207/ 9 - 208، عن الزهري وروى نحوه عن الصحابي عبد الله بن ثعلبة العدوي وكذلك رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 328، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه أيضاً أحمد في "المسند" 5/ 431.

(٦) رواه الثعلبي 6/ 49 ب، والبغوي 3/ 342، وبنحوه ابن جرير 9/ 208.

(٧) رواه بمعناه ابن جرير 9/ 207، وابن أبي حاتم 5/ 1675 من رواية علي بن أبى طلحة.

(٨) روى أقوالهم عدا الحسن البصري ابن جرير 9/ 207 - 208.

(٩) البقرة: 89، وانظر النسخة الأزهرية 1/ 70 ب، وقد قال هناك ما نصه: يستفتحون على الذين كفروا: قال ابن عباس والسدي: هو أنهم إذا حزبهم أمر، وظهر لهم عدو قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وكانوا يسألون النصر بمحمد وبكتابه.

(١٠) في (س): (على هذا القول).

(١١) رواه الثعلبي 6/ 49 ب، والبغوي 3/ 342، ورواه مختصرًا ابن جرير 9/ 207 ، وابن أبي حاتم 5/ 1675.

(١٢) انظر: كتابه "معاني القرآن" 1/ 406.

(١٣) انظر: كتابه "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 408.

(١٤) ذكره ابن الجوزي 3/ 335 بلفظ: عن قتال محمد  والكفر، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 179 بلفظ: عن القتال والكفر.

(١٥) لم أجد من ذكره عنه وقد ذكره بلا نسبة الثعلبي في "تفسيره" 6/ 49ب،== والمؤلف في "الوسيط" 2/ 451.

(١٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 336، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 179.

(١٧) هو قول ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" 2/ 314، وعروة بن الزبير كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1676، وابن جرير في "تفسيره" 9/ 209، والسمرقندي في "تفسيره" 2/ 12.

(١٨) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وحفص عن عاصم بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر.

انظر: كتاب "السبعة" ص 305، وكتاب "التيسير" ص 116، و"تقريب النشر" ص 118، و"تحبير التيسير" ص 118.

(١٩) انظر: كتاب "المصاحف" للسجستاني ص 62، و"تفسير الثعلبي" 69/ 50 أ، و"الكشاف" 2/ 151، و"تفسير السمرقندي" 2/ 12، و"المحرر الوجيز" 6/ 254 - 255، و"البحر المحيط" 5/ 298، فهؤلاء وافقوا المؤلف في نص قراءة ابن مسعود، وخالفه ابن جرير الطبري في "تفسيره" 9/ 210، والفراء في "معاني القرآن" 1/ 407، فذكر أن لفظ قراءة ابن مسعود وإن الله لمع المؤمنين.

هذا: ولم يذكر قراءة ابن مسعود ابن خالويه في "مختصره في شواذ القرآن"، ولا ابن جني في "المحتسب في تفسير شواذ القرآن".

(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٢١) "معاني القرآن" 1/ 407.

(٢٢) رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 179، وإسناده واهٍ؛ لأنه من رواية الكلبي وهو كذّاب مجمع على تركه.

انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 569 - 570.

(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (س).

(٢٤) ذكره عنهما الثعلبي 6/ 49 ب مختصرًا ورواه كذلك ابن أبي هاشم 5/ 1675 عن عطاء، وهو قول ضعيف لما يأتي: أولاً: أن في هذا القول تفكيك للضمائر فبعضها يعود إلى المؤمنين وبعضها يعود إلى الكافرين دون ملجيء لذلك، والأصل تناسق الضمائر.

ثانيًا: صحة سبب نزول الآية في أبي جهل وكفار قريش كما تقدم، قال القرطبي 7/ 387: الصحيح أنه خطاب للكفار.

(٢٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 306، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 335، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 254، والرازي في "التفسير الكبير" 15/ 142، وهو قول ضعيف جدًّا لعدة أمور منها: == أولاً: مخالفته لما صح عن الصحابة -  م- في سبب نزول الآية.

ثانيًا: في قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ ﴾ ما يؤكد أن المخاطبين أعداء الله محاربون له.

ثالثًا: في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ما يفيد أن الخطاب لغيرهم؛ ولو كان لهم لكان المعنى: وإن تعودوا أيها المؤمنون للمنازعة نعد للإنكار والله معكم، وهذا غير مراد قطعًا لأن الآية إنكار على المخاطبين، ولذا اضطر الرازي 8/ 147 لما جوزّ هذا الوجه أن يقيد المؤمنين بقوله: فإن الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب.

اهـ.

ولا عصمة إلا للأنبياء.

(٢٦) وقد اقتصر عليه ابن جرير 13/ 450، وأبو الليث السمرقندي 2/ 12، وابن كثير 2/ 308، وصححه القرطبي 7/ 387.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ الآية: خطاب لكفار قريش، وذلك أنهم كانوا قد دعوا الله أن ينصر أحب الطائفتين إليه، وروي أن الذي دعا بذلك أبو جهل فنصر الله المؤمنين، وفتح لهم، ومعنى: إن تستفتحوا: تطلبوا الفتح، ويحتمل أن يكون الفتح الذي طلبوه بمعنى النصر أو بمعنى الحكم، وقيل: إن الخطاب للمؤمنين ﴿ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ﴾ إن كان الخطاب للكافر فالفتح هنا بمعنى الحكم: أي قد جاءكم الحكم الذي حكم الله عليكم بالهزيمة والقتل والأسر، وإن كان الخطاب للمؤمنين، فالفتح هنا يحتمل أن يكون بمعنى الحكم، لأن الله حكم لهم، أو بمعنى النصر ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ ﴾ أي ترجعوا عن الكفر وهذا يدل على أن الخطاب للكفار ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ ﴾ أي أن تعودوا إلى الاستفتاح أو القتال نعد لقتالكم والنصر عليكم ﴿ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ ﴾ الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو للأمر بالطاعة ﴿ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ أي تسمعون القرآن والمواعظ ﴿ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ هم الكفار سمعوا بآذانهم دون قلوبهم فسماعهم كلا سماع ﴿ إِنَّ شَرَّ الدواب ﴾ أي كل من يدب، والمقصود أن الكفار شر الخلق، قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغشاكم النعاس ﴾ ابن كثير وأبو عمرو.

﴿ يغشيكم النعاس ﴾ من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ يغشكيم النعاس ﴾ من باب التفعيل.

ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر.

والآخرون: بالتشديد ﴿ رمى ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى.

﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس ﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالجر للإضافة: حفص.

الباقون ﴿ موهن ﴾ بالتشديد ﴿ كيد ﴾ بالنصب ﴿ وإن الله ﴾ بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.

الباقون: بالكسر.

الوقوف: ﴿ الإقدام ﴾ ه ط لتعلق "إذ" بمحذوف هو "اذكر".

﴿ الذين آمنوا ﴾ ط ﴿ كل بنان ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ الأوّل ج ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ط ﴿ قتلهم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ رمى ﴾ ج لاحتمال أن تكون الواو مقحمة واللام متعلقاً بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الفتح ﴾ ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف ﴿ خير لكم ﴾ ج لذلك ﴿ نعد ﴾ ج ﴿ كثرت ﴾ ط لمن قرأ "وإن" بالكسر ﴿ المؤمنين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف ﴿ إذ يغشيكم ﴾ "إذ" بدل ثانٍ من ﴿ إذ يعدكم ﴾ أو منصوب بالنصر أبو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا و ﴿ أمنة ﴾ مفعول لأجله ﴿ ومنه ﴾ صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله.

ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمناً لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً كما هو شريطة انتصاب المفعول له.

والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمناً.

وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيماناً منه.

وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل ﴿ يغشاكم ﴾ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران.

ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان.

وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص.

وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله ﴿ والرجز فاهجر  ﴾ وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة قد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة.

فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله ﴿ ويثبت به ﴾ أي بالماء ﴿ الأقدام ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله ﴿ ليربط على قلوبكم ﴾ والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفاً فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى "على" أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها.

قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين.

روي أن المطر نزل على الكافرين أيضاً ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعاً لهم من المشي والاستقرار.

فقوله ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك.

ومن جملة النعم قوله ﴿ إذ يوحي ربك ﴾ وهو بدل ثالث من ﴿ إذ يعدكم ﴾ ومنصوب بـ ﴿ يثبت ﴾ أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم.

وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار.

وقوله ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله ﴿ سألقي ﴾ ﴿ فاضربوا ﴾ ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة.

وثانيها: أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين.

وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر.

ومعنى ﴿ فوق الأعناق ﴾ أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد.

وقيل: أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق.

والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين.

ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء.

بوجه أخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً.

ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال.

وجوّز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ سألقي ﴾ إلى قوله ﴿ كل بنان ﴾ تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون وارداً على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟

فقيل: قولوا لهم قول سألقي.

فالضاربون على هذا هم المؤمنون ﴿ ذلك ﴾ العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم ﴿ بأنهم شاقوا ﴾ بسبب مشاقتهم ومخالفتهم ﴿ الله ورسوله ﴾ ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في الآجل فقال ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ﴾ أي له.

والكاف في ﴿ ذلك ﴾ للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيداً فاضربه.

قال في الكشاف: ﴿ وإن للكافرين ﴾ عطف على ﴿ ذلكم ﴾ في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى "مع" والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة.

فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب.

قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين.

وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة.

قوله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على أسته قبل أن يقوم، شَبَّهَ بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب.

فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا.

والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلاً عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمه نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشرألفاً.

وفي قوله ﴿ من يولهم يومئذ دبره ﴾ أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال ﴿ إلا متحرفاً لقتال ﴾ هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب ﴿ أو متحيزاً ﴾ أي منحازاً ﴿ إلى فئة ﴾ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.

وعلى هذا انتصب ﴿ متحرفاً ﴾ و ﴿ متحيزاً ﴾ على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أن التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاماً على أن الموصوف محذوف والتقدير: ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً.

ووزن متحيزاً "متفيعل" لأنه من حاز يحوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان "متفعلاً" لقيل "متحوزاً".

عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم.

والعكرة البكرة.

وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر.

واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة.

وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو.

وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله  كان حاضراً بنفسه، لأنه  وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء.

وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم.

والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن  قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها.

ولما طلعت قريش قال رسول الله  : "هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" فأتاه جبرائيل  فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: -لما التقى الجمعان - لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أثبت الرمية للرسول الله  لأن صورتها وجدت منه  ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية.

قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله  بتلك الحصباء فانهزمنا، وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي  يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله  فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله  ترقوه أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله  بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه.

وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ وليعطهم عطاء جميلاً فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك.

قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء ههنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله  يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات.

﴿ إن الله سميع ﴾ لكلامكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم.

وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور ﴿ ذلكم ﴾ الغرض أي الغرض ذلكم ﴿ وإن الله موهن كيد الكافرين ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ وأن للكافرين عذاب النار  ﴾ قال ابن عباس: ينبىء رسول الله  ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.

قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله  من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله  خطاباً لهم على سبيل التهكم ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت.

وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه.

وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر.

ثم خاطب الكفار بقوله ﴿ وأن تنتهوا ﴾ أي عن عداوة رسول الله  ﴿ فهو خير لكم ﴾ وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم.

وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم ﴿ وإن تعودوا ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نعد ﴾ إلى ترك نصرتكم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإن الله مع المؤمنين ﴾ تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك.

التأويل: ﴿ إذ يغشاكم النعاس أمنة ﴾ فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار ﴿ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم  ﴾ كذلك قال للخوف كن أمناً على محمد وأصحابه فكان ﴿ ينزل عليكم ﴾ من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني ﴿ ليطهركم به ﴾ من دنس الصفات النفسانية والحيوانية ﴿ ويذهب عنكم ﴾ وساوس الشيطان وهواجسه ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين ﴿ ويثبت بهالأقدام ﴾ على طريق الطلب ﴿ إني معكم فثبتوا ﴾ فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك.

﴿ إذا لقيتم الذين كفروا ﴾ إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب ﴿ إلا متحرفاً ﴾ إلا قلباً يتحرك ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله  مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال ﴿ ولكن ﴾ ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال ﴿ إذ رميت ﴾ لأن الله  كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حل عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى ﴿ وليبلى المؤمنين منه ﴾ فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام ﴿ إن تستفتحوا ﴾ أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ بالتجلي فأنه  متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون ﴿ وأن تنتهوا ﴾ عن طلب غير الله ﴿ فهو خير لكم وأن تعودوا ﴾ إلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿ نعد ﴾ إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها ﴿ ولن تغني عنكم ﴾ لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ ﴾ .

كان أول الأمر بالقتال وفرضه كان لبذل الأنفس للهلاك؛ لأنه ذكر الزحف، والزحف هوالجماعة والعدد الذي لا يعد، وليس للواحد القيام للجماعة، فكان فرض القتال لبذل الأنفس للقتل؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ  ﴾ ، وليس في وسع الواحد القيام لعشرة إذا أحيط به، ويجوز أن يفرض بذل الأنفس للقتال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ  ﴾ ، أخبر أنه لو أمر بذلك لم يفعل إلا القليل منهم، فجائز الأمر بذلك امتحاناً منه لهم، فإن احتمل ما ذكرنا كان قوله: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ  ﴾ هو على التحقيق؛ إذ إلى ذلك يساقون.

ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن الله - عز وجل - أمر بذلك ليكون آية، ويعرف كل أحد أنه إنما قام بالله، لا بقوة نفسه؛ إذ ليس في وسع أحد القيام لعشرة أو لجماعة بقوته إذا أحيط به، فهو على الآية إن كان فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ .

والمتحرف للقتال: هو المتنقل من مكان إلى مكان للحرب، والمتحيز إلى فئة: هو الملتجئ إلى فئة على جهة العود إليهم والحرب، يقال: تحوزت وتحيزت، بالواو والياء جميعاً، وهما تحوز الحرب.

وفيه النهي عن الانهزام والتولي عن العدو، إلا ما ذكر من التحرف للقتال أو التحيز إلى الفئة على جهة العود إليهم.

ثم أخبر أن من ولى دبره بسوى ما ذكر ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

قالت المعتزلة: دل ما أوعد المتحرف بغير قتال والمتحيز إلى غير الفئة بقوله: ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ - أن مرتكب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه ذكر في أول الآية المؤمنين، ولهم خرج الخطاب بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ ، ثم أوعد لهم الوعيد الشديد ما يوعد أهل النار غير أهل الإيمان؛ فدل أنه يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبيرة، ويخلد في النار.

وقالوا: لا يجوز صرف الآية إلى أهل النفاق؛ لما ذكر في القصة أنه لم يكن يوم بدر منافق.

لكن هذا غلط؛ قال الله -  -: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ  ﴾ ، وإنما قالوا ذلك يوم بدر؛ كذلك ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ ، فإن كان مستثنى من قوله: ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، لم يكن فيه رخصة التولي، ولكن فيه دفع الوعيد الذي ذكر، وإن كان مستثنى من قوله: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ ، ففيه رخصة التولي إلى ما ذكر.

ثم الدلالة على أنه مستثنى من هذا دون الأول ما جاء عن غير واحد من الصحابة توليه الدبر إلى ما ذكر، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "أنا فئة لكل مسلم" وبعد، فإنه لم يكن لأهل الإسلام فئة يوم بدر يتحيزون إليها، فدل أنها في المنافقين وأهل الكفر، والله أعلم.

ثم يقال: يجوز أن يكون ما ذكر من الوعيد لمعنى في التولية عن الدبر والإعراض، لا لنفس التولية عن الدبر؛ إذ قد ذكر التولية عن الدبر في آية أخرى، والعفو عن ذلك، وهو قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ...

 ﴾ الآية.

فإن قيل: لعل التوبة مضمرة فيه، تابوا فعفا عنهم.

قيل: إن جاز أن تجعل التوبة مضمرة فيها، جاز أن يضمر في التولية عن الدبر الردة، فليست تلك أولى بإضمار التوبة من هذه بإضمار الردة، وفي الآية معان تدل على الإضمار؛ إضمار ما يوجب الوعيد الذي ذكر - والله أعلم -: أحدها: ذكر التحيز إلى الفئة، وإذا لم يكن للمسلم فئة يتحيز إليها، فإذا تحيز إنما يتحيز ليصير إلى العدو، فهو الردة التي ذكرنا.

والثاني: ما ذكر في بعض القصة أنه لما اصطف القوم رفع رسول الله  يديه، فقال: "يا رب، إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبداً" ، ومن هرب أو ولى الدبر عن مثل تلك الحال، لم يول إلا لقصد ألا يعبد، فهو كفر.

والثالث: قد وُعِدَ لهم النصر والظفر على العدو، فمن ولى الدبر، لم يول إلا لتكذيب بالوعد الذي وُعِدَ لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: يحتمل قوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ ، أي: لم تكن جراحاتكم التي أصابتهم بمصيبة المقتل، ولا عاملة في استخراج الروح، ولا كانت قاتلة، ولكن الله -  - صيرها قاتلة مصيبة المقتل، عاملة في استخراج الروح؛ لأن من الجراحات ما إذا أصابت لم تصب المقتل، ولا عملت في استخراج الروح.

وقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ...

﴾ الآية يخرج على وجوه: أحدها: أن العبد لا صنع له في القتل واستخراج الروح منه، إنما ذلك فعل الله، وإليه ذلك، وهو المالك لذلك؛ لأن الضربة والجرح قد يكون ولا موت هنالك؛ وكذلك الرمي، ليس كل من أرسل شيئاً من يده فهو رمي، إنما يصير رمياً بالله إنشاء السهم حتى يصل بطبعه المبلغ الذي يبلغ؛ فكأنه لا صنع له في الرمي.

ألا ترى أنه لا يملك رد السهم إذا أرسله، ولو كان فعله لملك رده؛ ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن الاستئجار على القتل باطل.

والثاني: قتلوا بمعونة الله ونصره؛ كما يقول الرجل لآخر: إنك لم تقتله، وإنما قتله فلان، أي: بمعونة فلان قتلته؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ ، أي: ما أصاب رميك المقصد الذي قصدت، ولكن الله بالغ ذلك المقصد الذي قصدتم.

والثالث: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ ، أي: لم تطمعوا بخروجكم إليهم قتلهم؛ لأنهم كانوا بالمحل الذي وصفهم من الضعف وشدة الخوف والذلة كأنما يساقون إلى الموت، فإذا كانوا بالمحل الذي ذكر فيقول - والله أعلم -: لم تطمعوا بخروجكم إليهم وقصدكم إياهم قتلهم؛ لما كان فيكم من الضعف وقوة أولئك، ولكن الله أذلهم، وألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى قتلتموهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ لا يطمع الإنسان برمي كف من تراب النكبة بأعدائه، ولكن الله رمى حيث بلغ ذلك، وغطى أبصارهم وأعينهم بذلك الكف من التراب؛ على ما ذكر في القصة أنه رمى كفّاً من تراب فغشى أبصار المشركين، فانهزموا لذلك.

ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليها، لما نسب وأضاف كل خير ومعروف إلى نفسه؛ من ذلك قوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 17]، وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ الآية [الفاتحة: 6]، وغير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت لله وصفت [له]؛ فعلى ذلك نسب فعلهم إلى نفسه؛ لخلوصه وصفائه له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً ﴾ .

أي: نعمة عظيمة؛ حيث نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم، وقوة أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ربكم عظيم بقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

أي: سميع لدعائكم الذي دعوتم، وتضرعكم الذي تضرعتم إليه.

أو أن يقول: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ ، أي: مجيب لدعائكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بأقوالكم وأفعالكم، التي تسرون وتعلنون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ ، أي: ذلك كان بهم من القتل والأسر والهزيمة لما أوهن وأضعف كيدهم  .

ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً ﴾ ، أي: ذلك الإنعام والإبلاء الذي من الله عليكم لما أوهن كيدهم، وذلك يكون في جملة المؤمنين، ما من مؤمن إلا وله من الله إليه إبلاء وإنعام في كل حال لإيهانه كيد الكافرين.

وقوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ﴾ .

الاستفتاح يحتمل وجوهاً ثلاثة: يحتمل الاستكشاف وطلب البيان، ويكون طلب النصر والمعونة؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ، أي: يستنصرون، ويكون طلب الحكم والقضاء بين الحق والباطل؛ يقال: فتح بكذا، أي: حكم به وقضى، فهو يخرج على وجهين: على طلب بيان المحق من المبطل، وطلب بيان أحق الدينين بالنصر والحكم؛ فقد بين الله لهم أحق الدينين ما ذكر في القصة أن أبا جهل قال: اللهم اقض بيننا وبين محمد، فقال: اللهم أينا كان أوصل للرحم وأرضى عندك فانصره.

ففعل الله ذلك، ونصر المؤمنين، وهزم المشركين، فنزلت هذه الآية.

وقيل: إنه دعا: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلين؛ فكان ما ذكرنا؛ فقد بين الله - عز وجل - أحق الدينين، وأعزّ الجندين لما هزم المشركين مع قوتهم وعدتهم، وكثرة عددهم بفئة ضعيفة، ذليلة، قليلة العدد، وضعيفة الأبدان والأسباب - دل أنه قد بين لهم الأحق من غيره.

وقيل: إنهم استفتحوا بالعذاب، وكان استفتاحهم ما قالوا: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، فجاءهم العذاب يوم بدر، وأخبرهم يوم أحد: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئا...

﴾ الآية، والاستفتاح هو ما ذكرنا.

قال الحسن: الفتح القضاء.

ولذلك قال قتادة: قالوا: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الأعراف: 89].

وقال القتبي: قوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ : تسألوا الفتح، وهو النصر، ﴿ فَقَدْ جَآءَكُمُ ﴾ وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: وإن تنتهوا عما كنتم، فهو خير لكم يغفر لكم؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وقيل: وإن تنتهوا عن قتل محمد، فهو خير لكم من أن ينتهي محمد عن قتالكم.

وقوله: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ ﴾ يحتمل: وإن تعودوا إلى قتال محمد، نعد إليكم من القتل، والقتال، والأسر، والقهر.

ويحتمل: وإن تعودوا نعد إلى البيان والكشف إلى ما كنتم [من] قبل البيان من التكذيب والكفر لمحمد، نعد إلى الانتقام والتعذيب؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

بالنصر والمعونة.

فإن قيل: ذكر أنه لن تغني عنكم فئتكم وكثرتكم، وقد أغناهم كثرتهم يوم أحد؛ حيث ذكر أن الهزيمة كانت على المؤمنين.

قيل: هذا لوجهين: أحدهما: أن عاقبة الأمر كانت للمؤمنين، وإن كان في الابتداء كان عليهم فلن يغني عنهم ذلك؛ على ما ذكر؛ لأنه لو أغناهم ذلك لكان لهم الابتداء والعاقبة.

والثاني: أنه لم تكن النكبة والهزيمة على المؤمنين إلا لعصيان [كان] منهم؛ لقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ....

﴾ الآية [آل عمران: 152]، فما أصاب المؤمنين من النكبات إنما كان بسبب كان منهم، لا بالعدو؛ لذلك كان الجواب ما ذكر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن تطلبوا -أيها المشركون- أن يوقع الله عذابه وبأسه على الظالمين المعتدين فقد أوقع الله عليكم ما طلبتم، فأنزل بكم ما كان نكالًا لكم وعبرة للمتقين، وإن تكفوا عن طلب ذلك فهو خير لكم، فربما أمهلكم ولم يعجل انتقامه منكم، وإن تعودوا إلى طلبه وإلى قتال المؤمنين نعد بإيقاع العذاب عليكم وبنصر المؤمنين، ولن تغني عنكم جماعتكم ولا أنصاركم ولو كانت كثيرة العَدَدِ والعُدَدِ مع قلة المؤمنين، وإن الله مع المؤمنين بالنصر والتأييد، ومن كان الله معه فلا غالب له.

<div class="verse-tafsir" id="91.7qgvE"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله