الآية ٢٨ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٢٨ من سورة الأنفال

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي : اختبار وامتحان منه لكم ؛ إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها ، أو تشتغلون بها عنه ، وتعتاضون بها منه ؟

كما قال تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ) [ التغابن : 15 ] ، وقال : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) [ الأنبياء : 35 ] ، وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) [ المنافقون : 9 ] ، وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) الآية [ التغابن : 14 ] .

وقوله : ( وأن الله عنده أجر عظيم ) أي : ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد ، فإنه قد يوجد منهم عدو ، وأكثرهم لا يغني عنك شيئا ، والله سبحانه ، هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة ، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة .

وفي الأثر يقول [ الله ] تعالى : ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء .

وفي الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ أنه قال ] ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه .

بل حب رسوله مقدم على الأولاد والأموال والنفوس ، كما ثبت في الصحيح أنه ، عليه السلام ، قال : والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واعلموا، أيها المؤمنون، أنما أموالكم التي خوَّلكموها الله، وأولادكم التي وهبها الله لكم، اختبارٌ وبلاء، أعطاكموها ليختبركم بها ويبتليكم، لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله عليكم فيها، والانتهاء إلى أمره ونهيه فيها.

(24) = " وأن الله عنده أجر عظيم "، يقول: واعلموا أن الله عنده خيرٌ وثواب عظيم، على طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، في أمولكم وأولادكم التي اختبركم بها في الدنيا .

وأطيعوا الله فيما كلفكم فيها، تنالوا به الجزيل من ثوابه في معادكم.

(25) 15934 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا المسعودي, عن القاسم, عن عبد الرحمن, عن ابن مسعود, في قوله: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة "، قال: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة, فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مُضِلات الفتن.

(26) 15935 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة "، قال: " فتنة "، الاختبار, اختبارُهم.

وقرأ: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [سورة الأنبياء: 35] .

-------------------- الهوامش : (24) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص : 486 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(25) انظر تفسير " الأجر " فيما سلف من فهارس اللغة ( أجر ) .

(26) الأثر : 15934 - انظر الأثر السالف رقم : 15912 ، والتعليق عليه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم قوله تعالى واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة كان لأبي لبابة أموال وأولاد في بني قريظة ، وهو الذي حمله على ملاينتهم ; فهذا إشارة إلى ذلك .

فتنة أي اختبار ; امتحنهم بها .وأن الله عنده أجر عظيم فآثروا حقه على حقكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان العبد ممتحنا بأمواله وأولاده، فربما حمله محبة ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر اللّه تعالى أن الأموال والأولاد فتنة يبتلي اللّه بهما عباده، وأنها عارية ستؤدى لمن أعطاها، وترد لمن استودعها ‏{‏وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏}‏ فإن كان لكم عقل ورَأْيٌ، فآثروا فضله العظيم على لذة صغيرة فانية مضمحلة، فالعاقل يوازن بين الأشياء، ويؤثر أولاها بالإيثار، وأحقها بالتقديم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ) قيل : هذا أيضا في أبي لبابة ، وذلك أن أمواله وأولاده كانوا في بني قريظة ، فقال ما قال خوفا عليهم .

وقيل : هذا في جميع الناس .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي - إملاء - وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي ، قالا حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني أنا محمد بن محمد بن رزمويه حدثنا يحيى بن محمد بن غالب ، حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بصبي فقبله وقال : " أما إنهم مبخلة مجبنة وإنهم لمن ريحان الله - عز وجل - " .

( وأن الله عنده أجر عظيم ) لمن نصح الله ورسوله وأدى أمانته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واعلموا أنما أموالكم وأولادُكم فتنهٌ» لكم صادة عن أمور الآخرة «وأن الله عنده أجر عظيم» فلا تفوِّتوه بمراعاة الأموال والأولاد والخيانة لأجلهم، ونزل في توبته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واعلموا -أيها المؤمنون- أن أموالكم التي استخلفكم الله فيها، وأولادكم الذين وهبهم الله لكم اختبار من الله وابتلاء لعباده؛ ليعلم أيشكرونه عليها ويطيعونه فيها، أو ينشغلون بها عنه؟

واعلموا أن الله عنده خير وثواب عظيم لمن اتقاه وأطاعه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولما كان حب الأموال والأولاد والاشتغال بهم من أهم دواعى الاقدام على الخيانة ، نبه - سبحانه - إلى ذلك فقال : ( واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) .أى : واعلموا - أيها المؤمنون - أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، أى امتحان واختبار لكم من الله - تعالى - ليتبين قوى الإِيمان من ضعيفه .أما قوى الإِيمان فلا يشغله ماله وولده عن طاعة الله ، وأما ضعيف الإِيمان فيشغله ذلك عن طاعة الله ويجعله يعيش حياته عبداً لأمواله ، ومطيعا لمطالب أولاده حتى ولو كانت هذه الطاعة متنافية مع تعاليم دينه وآدابه .وقال صاحب المنار : الفتنة هى الاختبار والامتحان بما يشق على النفس فعله أو تركه ، أو قبوله أو إنكاره .وأموال الإِنسان عليها مدار حياته ، وتحصيل رغائبه وشهواته ، ودفع كثير من المكاره عنه ، فهو يتكلف فى طلبها المشاق ، ويكرب الصعاب ، ويكلفه الشرع يها التزام الحلال واجتناب الحرام ، ويرغبه فى القصد والاعتدال فى إنفاقها .وأما الأولاد فحبهم - كما يقول الأستاذ الامام - ضرب من الجنون يلقيه الفاطر الحكيم فى قلوب الأمهات والاباء ، فيحملهم على بذل كل ما يستطاع بذله فى سبيلهم .روى أبو ليلى من حديث أبى سعيد الخدرى مرفوعا " الولد ثمرة القلب ، وإنه مجبنة مبخلة محزنة " .

فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الآثام ، وعلى الجبن ، وعلى البخل ، وعلى الحزن .فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة الأولى يسكب المال من وجوهه الحلال ، وإنفاقه فى وجوهه المشروعة .

.

واتقاء خطر الفتنة الثانية باتباع ما أوجبه الله على الآباء من حسن تربية الأولاد على الدين والفضائل ، وتجنبهم أسباب المعاصى والراذئل .وقوله ( وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) تذييل قصد به ترغيب المؤمنين فى طاعة الله ، بعد أن حذرهم من فتنة المال والولد .أى : واعلموا أن الله عند أجر عظيم لمن آثر طاعته ورضاه على جمع المال وحب الأولاد ، فكونوا - أيها المؤمنون - من حزب المؤثرين لحب الله على حب الأموال والأولاد لتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه رزقهم من الطيبات، فهاهنا منعهم من الخيانة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بتلك الخيانة على أقوال: الأول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريظة لما حاصرهم، وكان أهله وولد فيهم.

فقالوا يا أبا لبابة ما ترى لنا أننزل على حكم سعد بن معاد فينا؟

فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي أنه الذبح فلا تفعلوا، فكان ذلك منه خيانة لله ورسوله.

الثاني: قال السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم، فيشقونه ويلقونه إلى المشركين، فنهاهم الله عن ذلك.

الثالث: قال ابن زيد: نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون، يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.

الرابع: عن جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من مكة، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم خروجه وعزم على الذهاب إليه، فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمداً يريدكم فخذوا حذركم، فأنزل الله هذه الآية.

الخامس: قال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة لما هم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إليها، حكاه الأصم.

والسادس: قال القاضي: الأقرب أن خيانة الله غير خيانة رسوله، وخيانة الرسول غير خيانة الأمانة، لأن العطف يقتضي المغايرة.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة له، لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمها، فمن خانها فقد خان الرسول، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً فصارت وديعة، والوديعة أمانة في يد المودع، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس، إذ الخيانة ضد الأمانة، قال: ويحتمل أن يريد بالأمانة كل ما تعبد به، وعلى هذا التقدير: فيدخل فيه الغنيمة وغيرها، فكان معنى الآية: إيجاب أداء التكاليف بأسرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال.

وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية، فهي داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: معنى الخون النقص.

كما أن معنى الوفاء التمام.

ومنه تخونه إذا انتقصه، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء.

لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ وَتَخُونُواْ أماناتكم ﴾ وجوه: الأول: التقدير ﴿ وَلاَ تَخُونُواْ أماناتكم ﴾ والدليل عليه ما روي في حرف عبد الله ﴿ وَلاَ تَخُونُواْ أماناتكم ﴾ الثاني: التقدير: لا تخونوا الله والرسول، فإنكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم، والعرب قد تذكر الجواب تارة بالفاء، وأخرى بالواو، ومنهم من أنكر ذلك.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فيه وجوه: الأول: وأنتم تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو.

الثاني: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح، وحسن الحسن، ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد.

نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب.

فقال: ﴿ إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ ﴾ لأنها تشغل القلب بالدنيا، وتصير حجاباً عن خدمة المولى.

ثم قال: ﴿ وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ تنبيهاً على أن سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا لأنها أعظم في الشرف، وأعظم في الفوز، وأعظم في المدة، لأنها تبقى بقاء لا نهاية له، فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده بالعظم.

ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد ويوجب الحاجة إلى المال، وذلك فتنة، ومعلوم أن ما أفضى إلى الأجر العظيم عند الله، فالاشتغال به خير مما أفضى إلى الفتنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

جعل الأموال والأولاد فتنة، لأنهم سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب.

أو محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده و ﴿ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ فعليكم أن تنوطوا بطلبه وبما تؤدي إليه هممكم، وتزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد؛ حتى تورّطوا أنفسكم من أجلهما، كقوله: ﴿ المال والبنون ﴾ الآية [الكهف: 46] وقيل: هي من جملة ما نزل في أبي لبابة وما فرط منه لأجل ماله وولده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ بِتَعْطِيلِ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، أوْ بِأنْ تُضْمِرُوا خِلافَ ما تُظْهِرُونَ، أوْ بِالغُلُولِ في المَغانِمِ.

وَرُوِيَ: « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَسَألُوهُ الصُّلْحَ كَما صالَحَ إخْوانَهم بَنِي النَّضِيرِ عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى إخْوانِهِمْ بِأذْرِعاتٍ وأرْيِحاءَ بِأرْضِ الشّامِ، فَأبى إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ وكانَ مُناصِحًا لَهم لِأنَّ عِيالَهُ ومالَهُ في أيْدِيهِمْ، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ فَقالُوا ما تَرى هَلْ نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، قالَ أبُو لُبابَةَ: فَما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ.

فَشَدَّ نَفْسَهُ عَلى سارِيَةٍ في المَسْجِدِ وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ فَحُلَّ نَفْسَكَ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أحُلُّها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ  هو الَّذِي يَحُلُّنِي، فَجاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ فَقالَ إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمَيِ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجْزِيكَ الثُّلُثُ أنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ)» .

وَأصْلُ الخَوْنِ النَّقْصُ كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، واسْتِعْمالُهُ في ضِدِّ الأمانَةِ لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُ.

﴿ وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ ﴾ فِيما بَيْنَكم وهو مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى الأوَّلِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الجَوابِ بِالواوِ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنَّكم تَخُونُونَ، أوْ وأنْتُمْ عُلَماءٌ تُمَيِّزُونَ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ.

﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في الإثْمِ أوِ العِقابِ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِيَبْلُوَكم فِيهِمْ فَلا يَحْمِلَنَّكم حُبُّهم عَلى الخِيانَةِ كَأبِي لُبابَةَ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لِمَن آثَرَ رِضا اللَّهِ عَلَيْهِمْ وراعى حُدُودَهُ فِيهِمْ، فَأنِيطُوا هِمَمَكم بِما يُؤَدِّيكم إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واعلموا أَنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ} أي سبب الوقوع فى الفتنة وهى الاثم والعاذب أو محنة من الله ليبولكم كيف تحافظون فيهم على حدوده لا {وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} فعليكم أن تحضروا على طلب ذلك وتزهدوا فى الدينا ولا تحرصوا على تجمع المال وحب الولد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ لِأنَّها سَبَبُ الوُقُوعِ في الِاسْمِ والعُقابِ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَخْتَبِرُكم بِها فَلا يَحْمِلَنَّكم حُبُّها عَلى الخِيانَةِ كَأبِي لُبابَةَ، ولَعَلَّ الفِتْنَةَ في المالِ أكْثَرُ مِنها في الوَلَدِ، ولِذا قُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ، ولا يَخْفى ما في الأخْبارِ مِنَ المُبالَغَةِ.

وجاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى فِتْنَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكُمْ ﴾ إلَخْ.

فَمَنِ اسْتَعاذَ مِنكم فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ، ومِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ﴿ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لِمَن مالَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وآثَرَ رِضاهُ عَلَيْهِما وراعى حُدُودَهُ فِيهِما فَأنِيطُوا هِمَمَكم بِما يُؤَدِّيكم إلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ روى أسباط عن السدي قال: كانوا يسمعون من النبي  الحديث، فيفشونه حتى يبلغ المشركين، فنهاهم الله عن ذلك فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ.

ويقال: كل رجل مؤتمن على ما فرض الله عليه، إن شاء أداها، وإن شاء خانها.

وقال القتبي: الخيانة أن يؤتمن على شيء فلا يؤدي إليه، ثم سمّى العاصي من المسلمين خائناً، لأنه قد ائتمن على دينه فخان.

كما قال في آية أخرى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 187] ، ويقال: نزلت الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين أشار إلى بني قريظة أن لا ينزلوا على حكم سعد، وأشار إلى حلقه إنه الذبح (١)  لما حاصر بني قريظة من بعد انصرافهم من الخندق، ووقف بباب الحصن وفيه ستمائة رجل من اليهود، وقد كانوا ظاهروا قريشاً على حرب رسول الله  فناداهم: «يَا إخْوَةَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ، انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله وَرَسُولِهِ» .

فقالت اليهود: يا محمد، ما كنت فحّاشاً قبل هذا.

فبعث إليهم رسول الله  أبا لبابة بن عبد المنذر، فدخل على اليهود فركنوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة، أتأمرنا بالنزول إلى محمد  ؟

فأشار بيده إلى حلقه، يعني: إنه الذبح إن نزلتم إليه (٢) ثم قال عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، يعني: بلاء عليكم، لأن أبا لبابة إنما ناصحهم من أجل ماله وولده الذي كان عند بني قريظة.

وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، يعني: الجنة لمن صبر ولم يخن.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، يعني: إن تطيعوا الله ولا تعصوه، يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً يعني: يجعل لكم مخرجاً ونجاة ونصرا في الدنيا- ويقال: المخرج من الشبهات.

وقال مجاهد: مخرجاً في الدنيا والآخرة (٣) يمحو عنكم ذنوبكم، وَيَغْفِرْ لَكُمْ يعني: يستر ذنوبكم وعيوبكم.

وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، يعني: ذو الكرم والتجاوز عن عباده.

(١) عزاه السيوطي 4/ 48 إلى ابن جرير وإلى عبد حميد عن الكلبي.

(٢) عزاه السيوطي إلى ابن جرير، وإلى ابن مردويه عن عكرمة.

(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون «إذْ» ظرفاً للذِّكْر.

وإِنما يعمل الذِّكْرُ في «إذْ» لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية.

فقَالَتْ فرقَةٌ وهي الأكثر: هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى: المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر: وَقْعَةُ بَدْرٍ وما انجر معها في وقتها، والطيبات: الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة: الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا: عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر: هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، والطّيّبات: الغنيمة.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ:

التنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل: هي في تنقّص أوامره في سِرٍّ.

وقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ.

قال الطبريُّ «١» : يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ كأنه قال: لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى: لا تخونوا اللَّه والرسول فذلك خيانةٌ لأماناتكم.

وقوله: فِتْنَةٌ

، يريد: محنةً واختبارا وامتحانا ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك.

وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

، يريد: فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإِن المذخور للآخرة أعظم أجرا.

قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ...

الآية: وعْدٌ للمؤمنين بشرط

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا خِطابٌ لِأبِي لُبابَةَ، لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أمْوالٌ وأوْلادٌ عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ.

فَأمّا الفِتْنَةُ، فالمُرادُ بِها: الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ الَّذِي يُظْهِرُ ما في النَّفْسِ مِنِ اتِّباعِ الهَوى أوْ تَجَنُّبِهِ ﴿ وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: بِتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ، واجْتِنابِ الخِيانَةِ لَلَّهِ ورَسُولِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَخْرَجُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: يَجْعَلُ لَكم مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّجاةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ هُدًى في قُلُوبِهِمْ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَجْمَعُ أنْواعَ الخِياناتِ كُلِّها قَلِيلِها وكَثِيرِها، قالَ الزَهْراوِيُّ: والمَعْنى: لا تَخُونُوا بِغُلُولِ الغَنائِمِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ: سَبَبُ نُزُولِها أمْرُ أبِي لُبابَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ أشارَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ -حِينَ سَفَرَ إلَيْهِمْ- إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إعْلامَهم أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  إلّا الذَبْحُ، أيْ: فَلا تَنْزِلُوا، ثُمَّ نَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللهُ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أقامَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ شَيْئًا حَتّى تِيبَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ لِأبِي لُبابَةَ عِنْدَهم مالٌ وأولادٌ فَلِذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ ﴾ .

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: سَبَبُها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ  فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَفْعَلُوا فِعْلَ ذَلِكَ المُنافِقِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنْ يُمَثِّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِ عُثْمانَ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدْ كانَتْ خِيانَةً لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ والأماناتِ.

والخِيانَةُ: التَنَقُّصُ لِلشَّيْءِ بِاخْتِفاءٍ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ خِلافَ ما يَنْبَغِي مِن حِفْظِ أمْرٍ ما، مالًا كانَ أو سِرًّا أو غَيْرَ ذَلِكَ، والخِيانَةُ لِلَّهِ تَعالى هي في تَنَقُّصِ أوامِرِهِ في سِرٍّ.

وخِيانَةُ الرَسُولِ تَنَقُّصُ ما اسْتُحْفِظَ، وخِياناتُ الأماناتِ هي تَنَقُّصُها وإسْقاطُها، والأمانَةُ حالٌ لِلْإنْسانِ يُؤْمَنُ بِها عَلى ما اسْتُحْفِظَ، فَقَدِ اؤْتُمِنَ عَلى دِينِهِ وعِبادَتِهِ وحُقُوقِ الغَيْرِ.

وقِيلَ: المَعْنى: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكُمْ، وأظُنُّ الفارِسِيَّ أبا عَلِيٍّ حَكاهُ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ مِنهُ إلّا ما كانَ عن تَعَمُّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ يُرِيدُ مِحْنَةً واخْتِبارًا وابْتِلاءً لِيَرى كَيْفَ العَمَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ يُرِيدُ فَوْزَ الآخِرَةِ فَلا تَدْعُوا حَظَّكم مِنهُ لِلْحَيْطَةِ عَلى أمْوالِكم وأبْنائِكم فَإنَّ المَدْخُورَ لِلْآخِرَةِ أعْظَمُ قَدْرًا مِن مَكاسِبِ الدُنْيا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخُونُوا ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ داخِلًا في النَهْيِ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ ولا تَخُونُوا أماناتِكُمْ" فَمَكانُهُ عَلى هَذا جَزْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِأماناتِكُمْ"، فَمَوْضِعُهُ عَلى هَذا نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: وأنْ تَخُونُوا أماناتِكُمْ، قالَ الشاعِرُ: لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ -فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا- "وَتَخُونُوا أمانَتَكُمْ" عَلى إفْرادِ الأمانَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ ﴾ الآيَةُ، وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِشَرْطِ الِاتِّقاءِ والطاعَةِ لَهُ، و ﴿ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ﴾ مَعْناهُ: فَرْقًا بَيْنَ حَقِّكم وباطِلِ مَن يُنازِعُكُمْ، أيْ: بِالنُصْرَةِ والتَأْيِيدِ عَلَيْهِمْ، والفُرْقانُ مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ إذا حالَ بَيْنَهُما أو خالَفَ حُكْمَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ الفُرْقانِ  ﴾ .

وعَبَّرَ قَتادَةُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفُرْقانِ هاهُنا بِالنَجاةِ، وقالَ السُدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: مَخْرَجًا ونَحْوَ هَذا مِمّا يَعُمُّهُ ما ذَكَرْناهُ، وقَدْ يُوجَدُ لِلْعَرَبِ اسْتِعْمالُ الفُرْقانِ كَما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ مَزْرَدِ بْنِ ضِرارٍ: بادَرَ الأُفْقُ أنْ يَغِيبَ فَلَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ أظْلَمَ اللَيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرْقانا وَقالَ الآخَرُ: ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ ∗∗∗ ∗∗∗ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا وقالَ الآخَرُ: وكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ ∗∗∗ ومالِي مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَإذْ" مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: "إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ"، وهَذا تَذْكِيرٌ بِحالِ مَكَّةَ وضِيقِها مَعَ الكَفَرَةِ وجَمِيلِ صُنْعِ اللهِ تَعالى في جَمْعِها.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُورَةِ، وهَذا هو الصَوابُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ كِفايَةِ اللهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِما أحَلَّهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ.

ويُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ أنْ أشارا إلى القِصَّةِ لا إلى الآيَةِ.

والمَكْرُ: المُخاتَلَةُ والتَداهِي، تَقُولُ: "فُلانٌ يَمْكُرُ بِفُلانٍ" إذا كانَ يَسْتَدْرِجُهُ ويَسُوقُهُ إلى هُوَّةٍ وهو يُظْهِرُ جَمِيلًا وتَسْتُرًا بِما يُرِيدُ، ويُقالُ: أصْلُ المَكْرِ الفَتْلُ، قالَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ، فَكَأنَّ الماكِرَ بِالإنْسانِ يُفاتِلَهُ حَتّى يُوقِعَهُ، ومِنَ المَكْرِ الَّذِي هو الفَتْلُ قَوْلُهم لِلْجارِيَةِ المُعْتَدِلَةِ اللَحْمِ: مَمْكُورَةٌ، فَمَكْرُ قُرَيْشٍ بِالنَبِيِّ  كانَ تَدْبِيرُهم ما يَسُوؤُهْ، وسَعْيُهم في فَسادِ حالِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ، وتَدْبِيرِ قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللهِ  هَذِهِ الخِصالَ الثَلاثَ لَمْ يَزَلْ قَدِيمًا مِن لَدُنْ ظُهُورِهِ، لَكِنَّ إعْلانَهم لا يُسَمّى مَكْرًا، وما اسَتَسَرُّوا بِهِ هو المَكْرُ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ أبا طالِبٍ قالَ لِلنَّبِيِّ  : يا مُحَمَّدُ، ماذا يُدَبِّرُ فِيكَ قَوْمُكَ؟

قالَ: يُرِيدُونَ أنْ أُقْتَلَ أو أُسْجَنَ أو أُخْرَجَ، قالَ أبُو طالِبٍ: مَن أعْلَمَكَ هَذا؟

قالَ: رَبِّي، قالَ: إنَّ رَبَّكَ لَرَبُّ صِدْقٍ فاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، فَقالَ النَبِيُّ  : بَلْ هو يا عَمِّ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرًا.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَكْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ في دارِ النَدْوَةِ بِمَحْضَرِ إبْلِيسَ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ عَلى ما نَصَّ ابْنُ إسْحاقَ في سَيْرِهِ، الحَدِيثُ بِطُولِهِ، وهو الَّذِي كانَ خُرُوجُ رَسُولِ اللهِ  مِن مَكَّةَ بِسَبَبِهِ، ولا خِلافَ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ، فَفي القِصَّةِ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: الرَأْيُ أنْ نَأْخُذَ مِن كُلِّ بَطْنٍ في قُرَيْشٍ فَتًى قَوِيًّا جَلْدًا فَيَجْتَمِعُونَ، ثُمَّ يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سَيْفًا ويَأْتُونَ مُحَمَّدًا في مَضْجَعِهِ، فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَلا يَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ بِأسْرِها، فَيَأْخُذُونَ العَقْلَ ونَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَقالَ النَجْدِيُّ: صَدَقَ الفَتى، هَذا الرَأْيُ لا أرى غَيْرَهُ، فافْتَرَقُوا عَلى ذَلِكَ، فَأخْبَرَ اللهُ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ  ، وأذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  مِن لَيْلَتِهِ، وقالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: التَفَّ في بُرْدِي الحَضْرَمِيِّ واضْطَجِعْ في مَضْجَعِي فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ شَيْءٌ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ، وجاءَ فِتْيانُ قُرَيْشٍ فَجَعَلُوا يَرْصُدُونَ الشَخْصَ ويَنْتَظِرُونَ قِيامَهُ فَيَثُورُونَ بِهِ، فَلَمّا قامَ رَأوا عَلِيًّا فَقالُوا لَهُ: أيْنَ صاحِبُكَ؟

قالَ: لا أدْرِي.

وفي السِيَرِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ عَلَيْهِمْ وهم في طَرِيقِهِ فَطَمَسَ اللهُ عُيُونَهم عنهُ، وجَعَلَ عَلى رَأْسِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم تُرابًا ومَضى لِوَجْهِهِ، فَجاءَهم رَجُلٌ فَقالَ: ما تَنْتَظِرُونَ؟

قالُوا: مُحَمَّدًا، قالَ: إنِّي رَأيْتُهُ الآنَ جائِيًا مِن ناحِيَتِكم وهو لا مَحالَةَ وضَعَ التُرابَ عَلى رُؤُوسِكُمْ، فَمَدَّ كُلُّ واحِدٍ يَدَهُ إلى رَأْسِهِ، وجاؤُوا إلى مَضْجَعِ النَبِيِّ  فَوَجَدُوا عَلِيًّا، فَرَكِبُوا وراءَهُ حِينَئِذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ وهو بِالغارِ.

وَمَعْنى ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ لِيَسْجُنُوكَ فَتَثْبُتَ، قالَهُ السُدِّيُّ، وعَطاءٌ، وابْنُ أبِي كَثِيرٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لِيُوثِقُوكَ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: لِيَسْحَرُوكَ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرِو الدانِي: "لِيُثَبِّتُوكَ"، وهَذِهِ أيْضًا تَعْدِيَةٌ بِالتَضْعِيفِ، وحَكى النَقّاشُ عن يَحْيى بْنِ وثّابٍ أنَّهُ قَرَأ "لِيُبَيِّتُوكَ" مِنَ البَياتِ، وهَذا أخْذٌ مَعَ القَتْلِ فَيَضْعُفُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: مَعْنى: ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ أيْ: بِالجِراحَةِ، كَما يُقالُ: "أثْبَتَتْهُ الجِراحَةُ"، وحَكاهُ النَقّاشُ عن أهْلِ اللُغَةِ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْكُرُ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: يَفْعَلُ أفْعالًا مِنها تَعْذِيبٌ لَهُمْ، ومِنها ما هو إبْطالٌ لِمَكْرِهِمْ ورَدٌّ لَهُ ودَفْعٌ في صَدْرِهِ حَتّى لا يُنْجِعَ، فَسَمّى ذَلِكَ كُلَّهُ بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي جاءَ ذَلِكَ مِن أجْلِهِ، ولا يَحْسُنُ في هَذا المَعْنى إلّا هَذا، وأمّا أنْ يَنْضافَ المَكْرُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما يُفْهَمُ في اللُغَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقالَ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ في هَذا ما يَقْرُبُ مِن هَذا الَّذِي ضَعَّفْناهُ، وإنَّما قَوْلُنا: "وَيَمْكُرُ اللهُ" كَما تَقُولُ في رَجُلٍ شَتَمَ الأمِيرَ فَقَتَلَهُ الأمِيرُ: هَذا هو الشَتْمُ، فَتُسَمِّي العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ أيْ: أقْدَرُهم وأعَزُّهم جانِبًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذِهِ الجِهَةِ -أعْنِي القُدْرَةَ والعِزَّةَ- يَقَعُ التَفْضِيلُ، لِأنَّ مَكَرَةَ الكُفّارِ لَهم قُدْرَةٌ ما، فَوَقَعَ التَفْضِيلُ لِمُشارَكَتِهِمْ بِها، وأمّا مِن جِهَةِ الصَلاحِ الَّذِي فِيما يَعْلَمُهُ اللهُ تَعالى فَلا مُشارَكَةَ لِلْكُفّارِ بِصَلاحٍ، فَيَتَعَذَّرُ التَفْضِيلُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ إلّا عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ في ألْفاظِ العُمُومِ مِثْلُ: خَيْرٍ وأحَبَّ ونَحْوِ هَذا، إذْ لا يَخْلُو مَنِ اشْتَراكٍ ولَوْ عَلى مُعْتَقَدٍ مِن فِرْقَةٍ أو مِن أحَدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف خطاب للمؤمنين يحذرهم من العصيان الخفي.

بعد أن أمرهم بالطاعة والاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم حذرهم من أن يظهروا الطاعة والاستجابة في ظاهر أمرهم ويبطنوا المعصية والخلاف في باطنه، ومناسبته لما قبله ظاهرة وإن لم تسبق من المسلمين خيانة وإنما هو تحذير.

وذكر الواحدي في «أسباب النزول» وروى جمهور المفسرين وأهل السير، عن الزهري والكلبي، وعبد الله بن أبي قتادة، أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري لما حَاصر المسلمون بني قريظة، فسألت بنو قريظة الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تَنزلون على حكم سعد بن مُعاذ " فأبوا وقالوا: «أرسل إلينا أبا لُبابة» فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أبا لُبابة وكان ولده وعيالُه وماله عندهم، فلما جاءهم قالوا له ما ترى أننزل على حكم سعد، فأشار أبو لُبابة بيده على حَلْقِه: أنّه الذبْح، ثم فطن أنه قد خان الله ورسوله فنزلت فيه هذه الآية، وهذا الخبر لم يثبت في الصحيح، ولكنه اشتهر بين أهل السير والمفسرين، فإذا صح، وهو الأقرب كانت الآية مما نزل بعد زمن طويل من وقت نزول الآيات التي قبلها، المتعلقة باختلاف المسلمين في أمر الأنفال فإن بين الحادثتين نحواً من ثلاث سنين ويقرب هذا ما أشرنا إليه آنفاً من انتفاء وقوع خيانة لله ورسوله بين المسلمين.

والخَوْن والخيانة: إبطال ونقضُ ما وقع عليه تعاقد من دون إعلان بذلك النقض، قال تعالى: ﴿ وإمّا تخافَن من قوممٍ خيانةً فانبِذْ إليهم على سواءٍ ﴾ [الأنفال: 58] والخيانة ضد الوفاء قال الزمخشري: «وأصل معنى الخَون النقصُ، كما أن أصل الوفاء التمام، ثم استعمل الخَون في ضد الوفاء لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه» أي واستعمل الوفاء في الإتمام بالعهد، لأن من أنجز بما عاهد عليه فقد أتم عهده فلذلك يقال: أوفى بما عاهد عليه.

فالإيمان والطاعة لله ورسوله عهد بين المؤمن وبين الله ورَسوله، فكما حُذروا من المعصية العلنية حذروا من المعصية الخفية.

وتشمل الخيانة كل معصية خفية، فهي داخلة في ﴿ لا تخونوا ﴾ ، لأن الفعل في سياق النهي يعم، فكل معصية خفية فهي مراد من هذا النهي، فتشمل الغلول الذي حاموا حوله في قضية الأنفال، لأنهم لما سأل بعضهم النفل وكانوا قد خرجوا يتتبعون آثار القتلى ليتنفلوا منهم، تعين تحذيرهم من الغلول، فذلك مناسبة وقع هذه الآية من هذه الآيات سواء صح ما حكي في سبب النزول أم كانت متصلة النزول بقريناتها.

وفعل «الخيانة» أصله أن يتعدى إلى مفعول واحد وهو المخون، وقد يعدى تعدية ثانية إلى ما وقع نقضه، يقال: خان فلاناً أمانتَه أو عهدَه، وأصله أنه نصب على نزع الخافض، أي خانه في عهده أو في أمانته، فاقتصر في هذه الآية على المخوف ابتداء، واقتصر على المخون فيه في قوله: ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ أي في أماناتكم أي وتخونوا الناس في أماناتكم.

والنهي عن خيانة الأمانة هنا: إن كانت الآية نازلة في قضية أبي لبابة: إن ما صدر منه من إشارة إلى ما في تحكيم سعد بن معاذ مِن الضر عليهم يعتبر خيانة لمن بعثه مستفسراً، لأن حقه أن لا يشير عليهم بشيء، إذ هو مبعوث وليس بمستشار.

وإن كانت الآية نزلت مع قريناتها فنهي المسلمين عن خيانة الأمانة استطراد لاستكمال النهي عن أنواع الخيانة، وقد عدل عن ذكر المفعول الأصلي، إلى ذكر المفعول المتْسَع فيه، لِقصد تِبشيع الخيانة بأنها نقض للأمانة، فإن الأمانة وصف محمود مشهور بالحسن بين الناس، فما يكون نقضاً له يكون قبيحاً فظيعاً، ولأجل هذا لم يقل: وتخونوا الناسَ في أماناتهم فهذا حذف من الإيجاز.

والأمانة اسم لما يحفظه المرء عند غيره مشتقة من الأمن؛ لأنه يأمنه من أن يضيعها، والأمين الذي يحفظ حقوق من يواليه، وإنما أضيفت الأمانات إلى المخاطبين مبالغة في تفظيع الخيانة، بأنها نقض لأمانة منسوبة إلى ناقضها، بمنزلة قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29] دون: ولا تقتلوا النفس.

وللأمانة شأن عظيم في استقامة أحوال المسلمين، ما ثبتوا عليها وتخلقوا بها، وهي دليل نزاهة النفس واعتدال أعمالها، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إضاعتها والتهاون بها، وأشار إلى أن في إضاعتها انحلال أمر المسلمين، ففي «صحيح البخاري» عن حذيفة بن اليَمَان قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين: رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلتْ على جَذْر قلوب الرجال ثم عَلمِوا من القرآن ثم علَموا من السنة، وحدثنا عن رفعها فقال: ينام الرجل النومة فَتُقبض من قلبه فيظل أثرها مثل الوكْت، ثم ينام النّومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المَجْل كجَمْر دَحُرَجْتَه على رِجْلِك فَنفِط فتراه مُنْتَبِراً وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيقال إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل ما أعْقَلَه وما أظْرَفَه ومَا أجْلَدَه، وما في قلبه مثقال حَبّهِ خَرْدَل من إيمان».

(الوكت سواد يكون في البُسْر إذا قارب أن يصير رُطَباً، والمَجْل غِلَظ الجلد من أثر العمل والخدمة، ونَفِط تَقَرَّح ومُنْتَبِراً منتفخاً)، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان إذ قال في آخر الأخبار عنها وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وحسبك من رفع شأن الأمانة: أن كان صاحبها حقيقاً بولاية أمر المسلمين لأن ولاية أمر المسلمين، أمانة لهم ونصح، ولذلك قال عمر بن الخطاب حين أوصى بأن يكون الأمر شورى بين ستة «ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لعهدت إليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له إنه أمين هذه الأمة».

وقوله: ﴿ وتخونوا ﴾ عطف على قوله: ﴿ لا تخونوا ﴾ فهو في حَيز النهي، والتقدير: ولا تخونوا أماناتكم، وإنما أعيد فعل ﴿ تخونوا ﴾ ولم يُكتف بحرف العَطف، الصالح للنيابة عن العامل في المعطوف، للتنبيه على نوع آخر من الخيانة فإن خيانتهم الله ورسوله نقضُ الوفاءِ لهما بالطاعة والامتثال، وخيانة الأمانة نقض الوفاء بأداء ما ائتمنوا عليه.

وجملة ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ تَخونوا ﴾ الأول والثاني، وهي حال كاشفة والمقصود منها تشديد النهي، أو تشنيع المنهي عنه لأن النهي عن القبيح في حال معرفة المنهي أنه قبيح يكون أشد، ولأن القبيح في حال علم فاعله بقبحه يكون أشنَعَ، فالحال هنا بمنزلة الصفة الكاشفة في قوله تعالى: ﴿ ومَن يَدْعُ مع الله إلهاً آخر لا بُرهان له به فإنما حِسابُه عند ربه ﴾ [المؤمنون: 117] وقوله ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ [البقرة: 22] وليس المراد تقييد النهي عن الخيانة بحالة العلم بها، لأن ذلك قليل الجدوى، فإن كل تكليف مشروط بالعلم وكون الخيانة قبيحة أمر معلوم.

ولك أن تجعل فعل ﴿ تَعْلمون ﴾ منزلاً منزلة اللازم، فلا يُقدّر له مفعول، فيكون معناه «وأنتم ذَوُو عِلم» أي معرفة حقائق الأشياء، أي وأنتم عُلماء لا تجهلون الفرق بين المَحاسن والقبائح، فيكون كقوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ في سورة البقرة (22).

ولك أن تقدر له هنا مفعولاً دل عليه قوله: ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ أي وأنتم تعلمون خيانة الأمانة أي تعلمون قبحها فإن المسلمين قد تقرر عندهم في آداب دينهم تقبيح الخيانة، بل هو أمر معلوم للناس حتى في الجاهلية.

وابتداء جملة: ﴿ واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ بفعل ﴿ اعلموا ﴾ للاهتمام كما تقدم آنفاً عند قوله: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ [الأنفال: 24] وقوله ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ [الأنفال: 25] وهذا تنبيه على الحذر من الخيانة التي يحمل عليها المرءَ حبُ المال وهي خيانة الغلول وغيرها، فتقديم الأموال لأنها مظنة الحمل على الخيانة في هذا المقام.

وعطف الأولاد على الأموال لاستيفاء أقوى دواعي الخيانة، فإن غرض جمهور الناس في جمع الأموال أن يتركوها لابنائهم من بعدهم، وقد كثر قرن الأموال والأولاد في التحذير، ونجده في القرآن، قيل إن هاته الآية من جملة ما نزل في أبي لبابة.

وجيء في الإخبار عن كون الأموال والأولاد فتنة بطريق القصر قصراً ادعائياً لقصد المبالغة في إثبات أنهم فتنة.

وجُعل نفس «الأموال والأولاد» فتنة لكثرة حدوث فتنة المرء من جراء أحوالهما، مبالغة في التحذير من تلك الأحوال وما ينشأ عنها، فكأن وجود الأموال والأولاد نفس الفتنة.

وعطف قوله: ﴿ وأن الله عنده أجر عظيم ﴾ على قوله: ﴿ أنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ للإشارة إلى أن ما عند الله من الأجر على كف النفس عن المنهيات هو خير من المنافع الحاصلة عن اقتحام المناهي لأجل الأموال والأولاد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَخُونُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ والرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما صَنَعَ المُنافِقُونَ في خِيانَتِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فِيما جَعَلَهُ لِعِبادِهِ مِن أمْوالِكم.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ خِيانَةَ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ رَسُولِهِ، وخِيانَةَ الرَّسُولِ، بِمَعْصِيَةِ كَلِماتِهِ.

﴿ وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فِيما أخَذْتُمُوهُ مِنَ الغَنِيمَةِ أنْ تَحْضُرُوهُ إلى المَغْنَمِ.

الثّانِي: فِيما ائْتَمَنَ اللَّهُ العِبادَ عَلَيْهِ مِنَ الفَرائِضِ والأحْكامِ أنْ تُؤَدُّوها بِحَقِّها ولا تَخُونُوها بِتَرْكِها.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في كُلِّ أمانَةٍ أنْ تُؤَدّى ولا تُخانُ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها أمانَةٌ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ.

والثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في الخِيانَةِ مِنَ المَأْثَمِ بِخِلافٍ مِن جَهْلٍ.

قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ أرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ  إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدٍ فاسْتَشارُوهُ وكانَ قَدْ أحْرَزَ أوْلادَهُ وأمْوالَهُ عِنْدَهم فَأشارَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفْعَلُوا وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى حَلْقَةٍ أنَّهُ الذَّبْحُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» إلى قَوْلِهِ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأجْرِ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.

والثّانِي: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن أجْرِ الحَسَنَةِ الَّتِي يُجازِي عَلَيْها بِعَشْرِ أمْثالِها أكْثَرُ مِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي لا يُجازِي عَلَيْها إلّا بِمِثْلِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا.

فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله: ﴿ لا تخونوا الله والرسول ﴾ الآية.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن قتادة رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية ﴿ لا تخونوا الله والرسول ﴾ في أبي لبابة بن عبد المنذر، سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر؟

فأشار إلى حلقه أنه الذبح، فنزلت قال أبو لبابة رضي الله عنه: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله.

وأخرج سنيد وابن جرير عن الزهري رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تخونوا الله والرسول...

﴾ الآية.

قال: «نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلى حلقه أنه الذبح، فقال أبو لبابة رضي الله عنه: لا والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب عليّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه، ثم تاب الله عليه فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك.

قال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني.

فجاء فحله بيده» .

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا لبابة رضي الله عنه إلى قريظة وكان حليفاً لهم، فأومأ بيده أي الذبح، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرأة أبي لبابة.

«أيصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة؟» فقالت: إنه ليصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة ويحب الله ورسوله.

فبعث إليه فأتاه فقال: يا رسول الله والله إني لأصلي وأصوم وأغتسل من الجنابة.

وإنما نهست إلى النساء والصبيان فوقعت لهم ما زالت في قلبي حتى عرفت أني خنت الله ورسوله.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ﴾ قال: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه نسختها الآية التي في براءة ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم ﴾ [ التوبة: 102] .

وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما كان شأن بني قريظة، بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس، انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس أبلق، فقالت عائشة رضي الله عنها: فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح الغبار عن وجه جبريل عليه السلام، فقلت: هذا دحية يا رسول الله؟

قال: «هذا جبريل» .

فقال: يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكيف لي بحصنهم؟» فقال جبريل عليه السلام: إني أدخل فرسي هذا عليهم، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً معروراً، فلما رآه علي رضي الله عنه قال: يا رسول الله لا عليك أن لا تأتيهم فإنهم يشتمونك.

فقال: «كلا إنها ستكون تحية» ، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أخوة القردة والخنازير» .

فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً...؟!

فقالوا: لا ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم ولكننا ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا فحكم فيهم: أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بذلك طرقني الملك سحراً» ، فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ﴾ نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه، أشار إلى بني قريظة حين قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، لا تفعلوا فإنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا تخونوا الله ﴾ قال: بترك فرائضه ﴿ والرسول ﴾ بترك سنته وارتكاب معصيته ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ يقول: لا تنقصوها والأمانة التي ائتمن الله عليها العباد.

وأخرج ابن جرير عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه.

وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تخونوا الله والرسول ﴾ هو الإِخلال بالسلاح في المغازي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة لأن الله يقول ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مضلات الفتن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ قال: فتنة الاختبار اختبرهم وقرأ قول الله تعالى ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ [ الأنبياء: 35] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ أي محنة (١) قال المفسرون: وكان لأبي لبابة مال وأهل وولد في قريظة، ولذلك مال إليهم في إطلاعهم على أن حكم سعد فيهم القتل (٢) وقال ابن زيد: فتنة: اختبار اختبرتم بها، وقرأ: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لمن نصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وأدى أمانته، ولم يخن نفسه ولا ربه ولا نبيه ولا أحدًا من المؤمنين (٤) وهذه الآية بيان عن حال الأموال والأولاد في الافتتان بهما حتى يركب الإنسان كل (٥) (٦) قال عبد الله بن أبي قتادة (٧) (٨) (١) انظر: "الصحاح" (فتن) 6/ 2175.

(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 53 أ، والبغوي 3/ 347، وابن الجوزي 3/ 345، و"أسباب النزول" ص 238 - 239 للمؤلف، و"الجامع لأحكام القرآن" 7/ 396.

(٣) رواه ابن جرير 9/ 224، وابن أبي حاتم 5/ 1685، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 324.

(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 454، وذكره مختصرًا من غير نسبة البغوي في "تفسيره" 3/ 348.

(٥) ساقط من (م).

(٦) في (ح): (لم يبق)، والصواب ما أثبته، والمعنى: يُحرم الإنسان عظيم الأجر لأجل ما لا يدوم عليه من المتاع العاجل بل سيرحل عنه.

(٧) تابعي من أبناء الأنصار.

تقدمت ترجمته.

(٨) لم أجد من ذكره بهذا اللفظ، وقد رواه ابن جرير 9/ 222 بلفظ: نزلت في أبي لبابة ، وزاد ابن أبي حاتم 5/ 1684: حين أشار إلى بني قريظة أنه الذبح.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ أي للطاعة، وقيل: للجهاد لأنه يحيا بالنصر ﴿ يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ﴾ قيل: يميته، وقيل: يصرِّف قلبه كيف يشاء فينقلب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان وشبه ذلك ﴿ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ أي لا تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر ولم ينه عن الظلم.

وإن كان لم يظلم.

وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل، ودخلت النون في تصيبن لأن بمعنى النهي ﴿ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ ﴾ الآية: أي حين كانوا بمكة وآواكم بالمدينة، وأيدكم بنصره في بدر وغيرها ﴿ لاَ تَخُونُواْ الله ﴾ نزلت في قصة أبي لبابة حين أشار إلى بني قريظة أن ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح، وقيل: المعنى: لا تخونوا بغلول الغنائم ولفظها عام ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ عطف على لا تخونوا أو منصوب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تولوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ تسمعون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ لأسمعهم ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ لما يحييكم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ خاصة ﴾ ج لما مر ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ لا للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أو يخرجوك ﴾ ط ﴿ ويمكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ذكر نحو من قصة بدر والغنائم.

أدَّب المؤمنين أحسن تأديب فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله في قسمة الغنائم وغيرها ثم قال ﴿ ولا تولوا عنه ﴾ فوحد الضمير لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد، أو لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ وكقولك الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان وجوّز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة أي لا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ لم يبين أنهم ماذا يمسعون إلا أنه يعلم من مساق الكلام في السورة أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد أو المراد وأنتم تسمعون الأمر المذكور، أو وأنتم تصدقون بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ لأنهم ليسوا بمصدقين فلا يصح دعوى السماع منهم.

وتحقيق ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف ويلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول، ثم أكد التكاليف المذكورة بقوله ﴿ إن شر الدواب ﴾ أي إن شر من يدب على الأرض، أو إن شر البهائم.

والفرق بين التفسيرين أن الأوّل حقيقة إلا أنه ذكر في معرض الذم كقولك لمن لا يفهم الكلام هو شبح وجسد.

والثاني مذكور في معرض التشبيه بالبهائم بل جعلهم شرّها لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بالحواس كقوله ﴿ بل هم أضل  ﴾ ومعنى ﴿ عند الله ﴾ أي في حكمه وقضائه.

ثم قال ﴿ ولو علم الله فيهم ﴾ أي في هؤلاء الصم البكم ﴿ خيراً لأسمعهم ﴾ عن ابن جريج: هم المنافقون.

وعن الحسن: أهل الكتاب، وقيل: بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء.

وروي أنهم سألوا النبي أن يحيي لهم قصي ابن كلاب وعيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوّته، فبيّن  أنه لو علم فيهم خيراً وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ولكنه  علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت.

وأنهم لو أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه على عادتهم المستمرة.

واعلم أن معلومات الله  على أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وإن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله، وإن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً فكيف يكون حاله، والأولان علم بالواقع، والآخران الباقيان علم بالمقدر ومن هذا القبيل.

قوله  ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ وتقدير الكلام لو حصل فيهم خيراً لأسمعهم الله الحجج والمواعظ فعبر عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وأورد على الآية أنها على صورة قياس شرطي فإذا حذفنا الحد الأوسط بقيت النتيجة: لو علم الله فيهم خيراً لتولوا ولكن كلمة "لو" وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيكون التولي منتفياً لأجل انتفاء علم الله الخير فيهم بل لأجل انتفاء الخير فيهم.

لكن انتفاء التولي خير من الخيرات فأوّل الكلام يقتضي نفي الخير عنهم وأخره يقتضي.

حصول الخير فيهم وهذا تناقض والجواب المنع من أن الحد الأوسط مكرر لأن المراد بالإسماع الأوّل إسماع التفهم وإلزام القبول، والمراد بالإسماع الثاني صورة الإسماع فحسب، وأيضاً كلمة "لو" في المقدمة الثانية هي التي تجيء للمبالغة بمعنى "أن" كقوله  : "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" فإذاً لا تعلق لإحدى الجملتين بالأخرى فلا قياس.

واستدلت الأشاعرة بالآية على أن صدور الإيمان عن الكافر محال لأن الصادق قد أخبر أنهم على تقدير الإسماع معرضون وخلاف علمه وخبره محال.

وقال في الكشاف: لو علم الله فيهم خيراً أي انتفاعاً باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه، أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا وتزييف هذا التفسير سهل.

ثم علم المؤمنين أدباً آخر فقال ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ فوحد الضمير كما مر.

والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض.عن أبي هريرة أن النبي  مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟

قال: كنت أصلي.

قال: ألم تخبر فيما أوحي إليّ ﴿ استجيبوا لله وللرسول ﴾ ؟

قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك، وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه اللوم.

ثم قيل: إن هذا مما اختص به رسول الله  وقيل: إندعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته.

ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه وجوهاً: قال السدي: هو الإسلام والإيمان لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته بدليل قوله ﴿ يخرج الحي من الميت  ﴾ أي المؤمن من الكافر.

وقال قتادة: يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية.

والأكثرون على أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوّين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله ﴿ بل أحياء عند ربهم  ﴾ ، وقيل: إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة.

والمراد لما يحييكم الحياة الطيبة كما قال ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ، ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل الواحدي عن ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته.

فالسعيد من أسعده الله والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع الأسباب إليه، ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإنه إليه يحشرون ﴾ ليعلم أنهم مع كونهم مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين.

وقالت المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر العاجز سفه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإنه  أمر بالاستجابة لله وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير المقدور جائزاً لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم.

فإذا لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر.

فتأويلها أن الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله ﴿ وإنه ﴾ أي وأن الشأن أو الله إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه  يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفاً وبالخوف أمناً، وبالذكر نسياناً وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله  ، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا.

وقال مجاهد: المراد بالقلب العقل والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون.

ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان.

وعن الحسن: إن الغرض التنبيه على أنه  مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد من قرب قلبه منه كقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ ثم حذرهم الفتن والاختلاف فقال ﴿ واتقوا فتنة ﴾ قيل: هو العذاب.

وقيل: افتراق الكلمة.

وقيل: إقرار المنكر بين أظهرهم.

وقوله ﴿ لا تصيبن ﴾ إما أن يكون جواباً للأمر وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك.

وعلى هذا "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

وقيل: الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم الظالمون حال كونهم ﴿ خاصة ﴾ ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله  ذلك بحكم المالكية أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهياً بعد أمر و"من" للبيان كأنه قيل: احذروا ذنباً أو عقاباً.

ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة.

وهكذا إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولاً فيها لا تصيبن كقوله.

جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط *** عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زماناً وما رأينا أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها.

وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل.

وروي أن الزبير كان يسامر النبي  يوماً إذ أقبل علي فضحك إليه الزبير فقال رسول الله  : كيف حبك لعلي؟

فقال: يا رسول الله يأبى أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حباً.

قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟

ثم ختم الآية بقوله ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة.

ثم ذكرهم نعمه عليهم فقال ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ وانتصابه على أنه مفعول به أي وقت أنكم ﴿ قليل ﴾ يستوي فيه الواحد والجمع ﴿ مستضعفون في الأرض ﴾ أرض مكة قبل الهجرة ﴿ تخافون أن يتخطفكم الناس ﴾ يستلبونكم لكونهم أعداء لكم ﴿ فآواكم ﴾ إلى المدينة ﴿ وأيدكم بنصره ﴾ بمظاهرة الأنصار وبإمدادكم بالملائكة يوم بدر ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ من الغنائم ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي ينقلكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة في الأنفال؟، ثم منعهم من الخيانة في الأمانة.

يروى أن رسول الله  حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله  إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن مروان بن المنذر وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله في أيديهم.

فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى هل ننزل على حكم سعد؟

فأشار إلى حلقه إنه أي إن حكم سعد بن معاذ هو الذبح.

قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية.

فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ.

فمكث سبعة أيام حتى خرّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك في نفسك.

فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله  هو الذي يحلني.

فجاءه فحله بيده فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي.

فقال  : يجزيك الثلث أن تتصدق به.

وقال السدي: كانوا يسمعون من النبي  شيئاً فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك.

وقال ابن زيد نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.

وعن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي  خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فنزلت.

وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة بخروج النبي  إليها حكاه الأصم.

قال القاضي: والأقرب أنها في الغنائم.

فالخيانة فيها خيانة الله لأنها عطيته، وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمتها، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق.

قال: ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان الشتار السبب.

والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقيّ سمي كرباً لأنه يكرب من الدلو أي يقرب منه.

واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه.

وتخونوا يحتمل أن يكون جزماً داخلاً في حكم النهي وأن يكون نصباً بإضمار أن كقوله ﴿ وتكتموا الحق  ﴾ ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عمداً لا سهواً.

وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.

ثم لما كان الداعي إلى الخيانة وهو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان بسبب ذلك نبه الله  على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب فقال ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب ﴿ وإن الله عنده أجر عظيم ﴾ فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى السعادات الروحانية الباقية.

ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل لكونه مفضياً إلى الأجر العظيم عند الله هو أفضل من الاشتغال بالنكاح لأدائه إلى الفتنة.

ثم رغب في التقوى التي توحب الإعراض عن محبة الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله ﴾ في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ﴿ ويجعل لكم فرقاناً ﴾ فارقاً بينكم وبين الكفار في الأحوال الباطنة بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية، وفي الأحوال الظاهرة بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم، وفي أحوال الآخرة بالثواب الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة.

﴿ ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم ﴿ ويغفر لكم ﴾ في دار الجزاء ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فإذا وعد بشيء وفى به أحسن الإيفاء.

ومن عظيم فضله أنه يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل إلا بعد أن يخلق الله فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من الانتفاع بذلك.

وبعد أن يكون قد تصوّر فيه ثواباً أو ثناء، أو حمله على ذلك رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا لله  فلهذا وصفه بالعظم.

ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل ﴾ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة.

والمعنى واذكر وقت مكرهم.

فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: ذكروا أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله  فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً.

فقالوا: هذا من نجد لا بأس عليكم به.

فقال أبو البختري من بني عبد الدار: رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم.

فقال: بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا.

فقال الشيخ: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً.

فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله  وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر علياً  فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه.

وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم.

ومعنى ﴿ ليثبتوك ﴾ قال ابن عباس: ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري.

وقوله ﴿ أو يقتلوك ﴾ إشارة إلى رأي أبي جهل.

وقوله ﴿ أو يخرجوك ﴾ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام.

وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس.

قال: لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله  لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس.

هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مراراً، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران.

والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله.

فإن قيل: لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين؟

وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.

التأويل: إن شر من دب في الوجود هم ﴿ الصم ﴾ عن استماع كلام الحق.

يسمع القلب والقبول ﴿ إليكم ﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق.

والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿ الذين لا يعقلون ﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿ استجيبوا لله ﴾ إنه  يطلب بالمحجة من العبدالإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿ واعلموا أن الله يحول ﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿ وإنه إليه تحشرون ﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿ واتقوا ﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية.

لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿ قليل ﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿ مستضعفون ﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ.

﴿ يخافون ﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿ فآواكم ﴾ إلى حظائر القدس ﴿ وأيدكم ﴾ بالواردات الربانية ﴿ ورزقكم ﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿ لا تخونوا الله ﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿ فتنة ﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿ أن تتقوا الله ﴾ من غير الله ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ ويكفر عنكم ﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ ويغفر لكم ﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ ليثبتوك ﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿ أو يخرجوك ﴾ من عالم الأرواح ﴿ والله خير الماكرين ﴾ يصلح حال أهل الصلاح ألبته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ ﴾ .

جعل الله - عز وجل - هذه الأمة وسطاً عدلاً بقوله: ﴿ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ؛ فكأنه قال: يأيها الذين آمنوا قد جعلكم الله أمناء عدلا وسطاً، فلا تخونوا الله فيه؛ كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 135]، وقال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

 ﴾ ، أخبر أنه ألزمهم الأمانة - أعني: البشر - دون ما ذكر من الخلائق فمنهم من ضيّع تلك الأمانة؛ من نحو المنافقين والمشركين، وخانوا فيها، فلحقهم الوعيد بالتضييع، وهو قوله: ﴿ لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ...

 ﴾ الآية، فكأنه قال: يأيها الذين آمنوا، قد قبلتم أمانة الله فلا تضيعوها، ولا تخونوا فيها؛ كما قال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ  ﴾ ، ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ ، وغيرها من الآيات التي فيها ذكر الأمانات، نهاهم أن يخونوا فيها، فيكونون كأنهم خانوا أمانتهم.

ويحتمل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، إن أنفسكم وأموالكم لله، وهي عندكم أمانة استحفظم فيها، فلا تستعملوها في غير ما أذن لكم؛ لأن من استحفظ أحداً في شيء ووضع عنده أمانة، فاستعملها في غير ما أذن له - صار خائنا فيها ضامناً؛ فعلى ذلك أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة استحفظكم فيها، فإن استعملتموها في غير ما أذن لكم فيها، ختم الله والرسول فيها، فتخونوا أماناتكم التي لكم عند الله [إذا ضيعتم الأمانة]؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ ﴾ ، أي: لا تخونوا الله والرسول، ولا تخونوا أماناتكم التي فيما بينكم.

وأصله: أنه - عز وجل - امتحنهم فيما امتحنهم لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فيصيرون فيما خانوا فيما امتحنهم كأنهم خانوا أنفسهم وخانوا أماناتهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ...

﴾ الآية [فصلت: 46].

ثم خيانة المنافقين والمشركين في الدين، وخيانة المؤمنين في أفعالهم، فوعدهم التوبة عن خيانتهم، وأوعد أولئك على ما خانوا بقوله: ﴿ لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أن أنفسكم وأموالكم ليست لكم، إنما هي لله عندكم أمانة، فلا تخونوا فيها.

وعن ابن عباس -  - قال: الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة؛ يقول: ﴿ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: لا تنقصوها.

ثم اختلف أهل التأويل في نزول الآية: قال بعضهم: نزلت في أبي لبابة؛ وذلك أنه قيل في بعض القصة: إن النبي -  - حاصر يهود قريظة، فسألوا الصلح على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات، فأبى النبي، إلا أن ينزلوا على الحكم، فأبوا، فقالوا: فأرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحهم، فبعثه النبي إليهم، فلما أتاهم قالوا: يا أبا لبابة، أننزل على حكم محمد؟

فأشار أبو لبابة بيده ألا تنزلوا على الحكم، فأطاعوه، وكان أبو لبابة ماله وولده معهم، فخان المسلمين؛ فنزلت الآية في شأنه.

[وقال بعضهم: نزلت في شأن] حاطب بن أبي بلتعة، [حيث] فعل ما فعل أبو لبابة.

وقيل: نزلت في شأن قوم بينهم وبين رسول الله  عهد الذين كانوا يعبدون الأوثان والأصنام.

لكنا لا ندري في شأن من نزلت، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، سوى أن فيه ما ذكرنا من النهي عن الخيانة في أمانة الله، والأمر بحفظها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ .

أي: لم يعطهم الأولاد والأموال لعباً وباطلا، أو لتكون لهم الأموال والأولاد، ولكن أعطاهم محنة وابتلاء، وكذلك جميع ما أنشأ في الدنيا من الأشياء إنما أنشأها لنا فتنة ومحنة؛ كقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ...

﴾ الآية [الأعراف: 168]، وغيرها من الآيات؛ يدل على أن جميع ما أنشأ فتنة ومحنة يمتحن به البشر؛ كقوله: ﴿ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ أي: محنة وابتلاء امتحنا به في أنواع التأديب والتعليم والحفظ والحقوق التي جعلها لهم عليهم؛ [و] هو كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6]، وأوجب في الأموال حقوقاً امتحننا بأداء تلك الحقوق التي فيها، وكذلك في جميع ما أمر الله به الخلائق بأمور ونهاهم إنما أمر ونهى لمنفعة الخلائق، ودفع الضرر عنهم، لا لمنفعة نفسه، أو ضرر، أو حاجة يدفع بها عن نفسه؛ إذ له ملك ما في السماوات والأرض، وهو العزيز بذاته لا تمسه حاجة، يتعالى عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

لمن لم يخن الله والرسول؛ وعدهم الأجر العظيم إذا قاموا بوفاء ما امتحنهم الله وابتلاهم به من الأموال والأولاد؛ حيث قال: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن هذه الآية صلة ما سبق من الأمر بالجهاد ببدر والخروج إليه؛ كأنه قال: إن تتقوا الله وأطعتم الله وأجبتم له فيما دعاكم إليه، ﴿ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ ، [يحتمل قوله: ﴿ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ ] أي: يجعل خروجكم إليه وجهادكم آية عظيمة يظهر بها المحق من المبطل؛ كقوله: ﴿ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ  ﴾ ، أي: ليظهر الحق من الباطل، وقد كان بحمد الله ذلك، وبان الحق من الباطل، والمحق من المبطل.

وقيل: قوله: ﴿ فُرْقَاناً ﴾ ، أي: مخرجاً في الدين من الشبهات.

وقيل: مخرجاً في الدنيا والآخرة.

ويحتمل: ﴿ فُرْقَاناً ﴾ أي: بياناً لما ذكرنا؛ جعل الله -  - التقوى مشتملة على كل خير، وأصلا لكل بر، وصيرها مخرجاً من كل شبهة، ومن كل ضيق وشدة، وجعلها سبيلاً يوصل به إلى كل لذة وسرور، وينال به كل خير وبركة؛ على ما ذكر في غير آي من القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ : التي سبقت، ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ أي: يستر عليكم ذنوبكم، لا يطلع أحداً عليها، وذلك من أعظم النعم، وأصل المغفرة: الستر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .

أي: عند الله فضل؛ يعطيكم خيراً مما تطمعون [بالتقوى الذي ذكر].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واعلموا -أيها المؤمنون- أن أموالكم وأولادكم إنما هي ابتلاء من الله لكم واختبار، فقد تصدُّكم عن العمل للآخرة، وتحملكم على الخيانة، واعلموا أن الله عنده ثواب عظيم، فلا تُفَوِّتُوا عليكم هذا الثواب بمراعاة أموالكم وأولادكم والخيانة من أجلهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.2Layq"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر