الآية ٢٩ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٢٩ من سورة الأنفال

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن عباس ، والسدي ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان : ( فرقانا ) مخرجا .

زاد مجاهد : في الدنيا والآخرة .

وفي رواية عن ابن عباس : ( فرقانا ) نجاة .

وفي رواية عنه : نصرا .

وقال محمد بن إسحاق : ( فرقانا ) أي : فصلا بين الحق والباطل .

وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم وقد يستلزم ذلك كله ؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره ، وفق لمعرفة الحق من الباطل ، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا ، وسعادته يوم القيامة ، وتكفير ذنوبه - وهو محوها - وغفرها : سترها عن الناس - سببا لنيل ثواب الله الجزيل ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم ) [ الحديد : 28 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، إن تتقوا الله بطاعته وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه, وترك خيانته وخيانة رسوله وخيانة أماناتكم= يجعل لكم فرقانًا "، يقول: يجعل لكم فصلا وفرْقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم المشركين، بنصره إياكم عليهم, وإعطائكم الظفر بهم = (27) " ويكفر عنكم سيئاتكم "، يقول: ويمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بينكم وبينه = (28) " ويغفر لكم "، يقول: ويغطيها فيسترها عليكم, فلا يؤاخذكم بها= (29) " والله ذو الفضل العظيم " ، يقول: والله الذي يفعل ذلك بكم, له الفضل العظيم عليكم وعلى غيركم من خلقه بفعله ذلك وفعل أمثاله.

وإنّ فعله جزاءٌ منه لعبده على طاعته إياه, لأنه الموفق عبده لطاعته التي اكتسبها، حتى استحقّ من ربه الجزاء الذي وعدَه عليها.

(30) * * * وقد اختلف أهل التأويل في العبارة عن تأويل قوله: " يجعل لكم فرقانا ".

فقال بعضهم: مخرجًا.

* * * وقال بعضهم: نجاة.

* * * وقال بعضهم: فصلا.

* * * = وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلف العبارات عنها, وقد بينت صحة ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته.

(31) * * * ذكر من قال: معناه: المخرج.

15936 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور، عن مجاهد: " إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا " قال: مخرجًا.

15937- .........

قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا "، قال: مخرجًا.

15938- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام عن عنبسة, عن جابر, عن مجاهد: " فرقانا "، مخرجًا.

15939- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد " فرقانا "، قال: مخرجًا في الدنيا والآخرة.

15940- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

15941- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فرقانًا "، قال: " الفرقان " المخرج.

15942 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: " فرقانا "، يقول: مخرجًا.

15943- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن منصور, عن مجاهد: " فرقانا "، مخرجًا.

15944- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن رجاء البصري قال، حدثنا زائدة, عن منصور, عن مجاهد, مثله.

15945 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: " فرقانا "، قال: مخرجًا.

15946- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيدا يقول، سمعت الضحاك يقول: " فرقانًا "، مخرجًا.

15947- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.

15948 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد, عن زهير, عن جابر، عن عكرمة، قال: " الفرقان "، المخرج.

* * * * ذكر من قال: معناه النجاة.

15949 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن جابر, عن عكرمة: " إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا "، قال: نجاة.

15950 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن رجل, عن عكرمة ومجاهد, في قوله: " يجعل لكم فرقانًا "، قال عكرمة: المخرج= وقال مجاهد: النجاة.

15951- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " يجعل لكم فرقانًا "، قال: نجاة.

15952 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " يجعل لكم فرقانًا "، يقول: يجعل لكم نجاة.

15953 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " يجعل لكم فرقانًا "، أي: نجاة.

* * * * ذكر من قال فصلا.

15954 - ......................................

" يا أيها الذين آمنوا إذ تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا "، قال: فرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل, حتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان.

(32) 15955 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا "، أي: فصلا بين الحق والباطل, ليظهر به حقكم، ويخفي به باطل من خالفكم.

(33) و " الفرقان " في كلام العرب، مصدرٌ من قولهم: " فرقت بين الشيء والشيء أفرُق بينهما فَرْقًا وفُرْقانًا.

(34) ------------------------ الهوامش : (27) انظر تفسير " الفرقان " فيما سلف 1 : 98 ، 99 3 : 448 6 : 162 ، 163 .

(28) انظر تفسير " التكفير " فيما سلف من فهارس اللغة ( كفر ) .

= وتفسير " السيئات " فيما سلف من فهارس ( سوأ ) .

(29) انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) .

(30) انظر تفسير " الفضل " ، فيما سلف فهارس اللغة ( فصل ) .

(31) يعني ما سلف 1 : 98 ، 99 .

(32) الأثر : 15954 - إسناد هذا الخبر ساقط في المخطوطة ، جعل مكانه بياضًا نحوًا من سطر ونصف ، فجاء ناشر المطبوعة ووصل الكلام دون أن يشير إلى ذلك البياض .

وظاهر أنه خبر قائم برأسه ، كما وضعته .

(33) الأثر : 15955 - سيرة ابن هشام 2 : 325 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15929 .

وكان في المطبوعة : " يظهر " بغير لام ، وهي في المخطوطة تقرأ هكذا وهكذا ، وأثبت نص ما في السيرة ، باللام في أولها .

(34) انظر ما سلف 1 : 98 ، 99 3 : 448 6 : 162 ، 163 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيموقد تقدم معنى التقوى .

وكان الله عالما بأنهم يتقون أم لا يتقون .

فذكر بلفظ الشرط ; لأنه خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضا .

فإذا اتقى العبد ربه - وذلك باتباع [ ص: 355 ] أوامره واجتناب نواهيه - وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات ، وشحن قلبه بالنية الخالصة ، وجوارحه بالأعمال الصالحة ، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال ، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال ، جعل له بين الحق والباطل فرقانا ، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا .

قال ابن وهب : سألت مالكا عن قوله سبحانه وتعالى : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا قال : مخرجا ، ثم قرأ ومن يتق الله يجعل له مخرجا .

وحكى ابن القاسم وأشهب عن مالك مثله سواء ، وقاله مجاهد قبله .

وقال الشاعر :ما لك من طول الأسى فرقان بعد قطين رحلوا وبانواوقال آخر :وكيف أرجي الخلد والموت طالبي وما لي من كأس المنية فرقانابن إسحاق : فرقانا : فصلا بين الحق والباطل ; وقال ابن زيد و السدي : نجاة .

الفراء : فتحا ونصرا .

وقيل : في الآخرة ، فيدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

امتثال العبد لتقوى ربه عنوان السعادة، وعلامة الفلاح، وقد رتب اللّه على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئا كثيرا،فذكر هنا أن من اتقى اللّه حصل له أربعة أشياء، كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها‏:‏ الأول‏:‏ الفرقان‏:‏ وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة‏.‏ الثاني والثالث‏:‏ تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق وعند الاجتماع يفسر تكفير السيئات بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر‏.‏ الرابع‏:‏ الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ) بطاعته وترك معصيته ، ( يجعل لكم فرقانا ) قال مجاهد : مخرجا في الدنيا والآخرة .

وقال مقاتل بن حيان : مخرجا في الدين من الشبهات .

وقال عكرمة : نجاة أي يفرق بينكم وبين ما تخافون .

وقال الضحاك : بيانا .

وقال ابن إسحاق : فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ويطفئ باطل من خالفكم .

والفرقان مصدر كالرجحان والنقصان .

( ويكفر عنكم سيئاتكم ) يمح عنكم ما سلف من ذنوبكم ، ( ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله» بالإنابة وغيرها «يجعل لكم فرقانا» بينكم وبين ما تخافون فتنجون «ويكفِّر عنكم سيئآتكم ويغفر لكم» ذنوبكم «والله ذو الفضل العظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إن تتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه يجعل لكم فصلا بين الحق والباطل، ويَمحُ عنكم ما سلف من ذنوبكم ويسترها عليكم، فلا يؤاخذكم بها.

والله ذو الفضل العظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم سبحانه - نداءاته للمؤمنين بهذا النداء الذى يهديهم إلى سبيل الخير والفلاح فقال - سبحانه - ( يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله ذُو الفضل العظيم ) .والفرقان فى كلام العرب - كما يقول ابن جرير - مصدر من قولهم فرقت بين الشئ والشئ أفرق بينهما فرقاً وفرقاناً - أى أفرق وأفصل بينهما .وقد اختلف أهل التأويل فى العبارة عند تأويل قوله ( يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) فقال بعضهم : يجعل لكم مخرجا .

وقال بعضهم نجاة ، وقال بعضهم فصلا وفرقا بينن حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم ..

وكل ذلك متقارب المعنى ، وإن اختلفت العبارة .

.وقال الآلوسى : ( فُرْقَاناً ) أى : هداية ونورا فى قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل - كما روى عن ابن جريج وابن زيد - أو نصرا يفرق به بين الحق والباطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين - كما قال الفراء - أو نجاة في الدارين - كما هو كلام السدى - أو مخرجا من الشبهات - كما جاء عن مقاتل - أو ظهورا يشهر أمركم وينشر صيتكم - كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق - من بت أفعال كذا حتى سطع الفرقان أى الصبح .

وكل المعانى ترجع إلى الفرق بين أمرين .

وجوز البعض من المحققين الجمع بينها .ونحن مع هذا البعض من المحققين فى جواز الجمع بين هذه المعانى فيكون المعنى : ( يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله ) بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ، وتطيعوه فى السر والعلن ( يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) أى هداية فى قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ونصرا تعلو به كلمتكم على كلمة أعدائكم ، ومخرجا من الشبهات التى تقلق النفوس ، ونجاة مما تخافون ، وفضلا عن كل ذلك فإنه - سبحانه - يكفر عنكم سيئاتكم ، أى يسترها عليكم فى الدنيا ، ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) أى : ويغفر لكم يوم القيامة ما فرط منكم من ذنوب بلطفه وإحسانه وقوله : ( والله ذُو الفضل العظيم ) تذييل قصد به التعليل لما قبله ، والتنبيه على أن ما وعد به - سبحانه - المؤمنين على تقواهم إنما هو تفضل منه لهم ، فهو - سبحانه - صاحب العطاء الجزيل ، والخيرا لعميم .

لمن أطاعه واتقاه ، وصان نفسه عما يسخطه ويغضبه .فأنت ترى أنه - سبحانه - قد رتب على تقواه وعلى الخوف منه نعما عظمى ، ومننا كبرى ، وأى نعم يتطلع إليها المؤمنون أفضل من هداية القلوب وتكفير الخطايا والذنوب؟

اللهم لا تحرمنا من هذه النعم والمنن بفضلك وإحسانك ، فأنت وحدك صاحب العطاء العميم ، وأنت وحدك ذو الفضل العظيم ، وأنت وحدك على كل شئ قدير .وبعد : فنحن - أخى القارئ - لو استعرضنا سورة الأنفعال من مطلعها إلى هنا ، لرأينا تحدثنا - على سبيل الإِجمال - عن :( أ ) أحكام الأنفال ، وأن مرد الحكم فيها إلى الله ورسوله .

.( ب ) وعن الصفات الكريمة التى يجب أن يتجلى بها المؤمنون لينالوا مغفرة الله ورضوانه .( ج ) وعن أحوال بعض المؤمنين الذين اشتركوا فى غزوة بدر ، وكانوا يفضلون العير على النفير .

ولكن - الله تعالى - بين لهم أن الخير فيما قدره لا فيما يفضلون .( د ) وعن النعم والبشارات وأسباب النصر التى أمد الله بها المؤمنين فى بدر والتى كان من آثارها ارتفاع شأنهم واندحار شأن أعدائهم .( ه ) وعن التوجيهات الحكيمة التى أعقبت تلك النداءات الخمسة التى نادى الله بها المؤمنين ، فقد أمرهم - سبحانه - بالثبات فى وجه أعدائهم ، وبالطاعة التماة له ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وبالاستجابة السريعة للحق الذى جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ..

ونهتهم عن التولى يوم الزحف؛ وعن التشبه بمن قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، وعن إقرار المنكرات والبدع والرضا بهم ، وعن خيانة الله والرسول ، وعن خيانة الأمانات التى تجب صيانتها والمحافظة عليها .ووعدهم - سبحانه - بهداية القلوب ، وتكفير الخطايا والذنوب ، متى اتقوه ووقفوا عند حدوده .( و ) والآن ، وبعد هذ التوجيه الحكيم ، والتأديب القويم ، والتعليم النافع والتذكير بالنعم ، والتحذير من النقم .

.

ماذا نرى؟نرى السورة الكريمة تأخذ فى تذكير المؤمنين بجوانب من جرائم أعدائهم فتقص عليهم ما كان من هؤلاء الأعداء من تآمر على حياة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - ومن تهكم بالقرآن الكريم ودعاء أنهم فى استطاعتهم أن يأتوا بمثله لو شاءوا ، ومن استهزاء بتعاليم الإِسلام ، وسخرية بشعائره وعباداته ، ومن إنفاق لأموالهم ليصدوا الناس عن الطريق للحق ، ومن إصرار على العناد والجحود جعلهم يستعجلون العذاب .ومع كل هذا فالسورة الكريمة تفتح الباب فى وجوه هؤلاء الجاحدين المعاندين ، وتأمر المؤمنين أن ينصحوهم بالدخول فى دين الله .

.

فإذا لم يستجيبوا لنصحهم فعليهم أن يقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما حذر عن الفتنة بالأموال والأولاد، رغب في التقوى التي توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إدخال الشرط في الحكم إنما يحسن في حق من كان جاهلاً بعواقب الأمور، وذلك لا يليق بالله تعالى.

والجواب: أن قولنا إن كان كذا كان كذا، لا يفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزاء، فأما أن وقوع الشرط مشكوك فيه أو معلوم فذلك غير مستفاد من هذا اللفظ، سلمنا أنه يفيد هذا الشك إلا أنه تعالى يعامل العباد في الجزاء معاملة الشاك، وعليه يخرج قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين  ﴾ .

المسألة الثانية: هذه القضية الشرطية شرطها شيء واحد وهو تقوى الله تعالى، وذلك يتناول اتقاء الله في جميع الكبائر.

وإنما خصصنا هذا بالكبائر لأنه تعالى ذكر في الجزاء تكفير السيئات، والجزاء يجب أن يكون مغايراً للشرط، فحملنا التقوى على تقوى الكبائر وحملنا السيئات على الصغائر ليظهر الفرق بين الشرط والجزاء، وأما الجزاء المرتب على هذا الشرط فأمور ثلاثة: الأول: قوله: ﴿ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا ﴾ والمعنى أنه تعالى يفرق بينكم وبين الكفار.

ولما كان اللفظ مطلقاً وجب حمله على جميع الفروق الحاصلة بين المؤمنين وبين الكفار فنقول: هذا الفرقان إما أن يعتبر في أحوال الدنيا أو في أحوال الآخرة.

أما في أحوال الدنيا فإما أن يعتبر في أحوال القلوب وهي الأحوال الباطنة أو في الأحوال الظاهرة، أما في أحوال القلوب فأمور: أحدها: أنه تعالى يخص المؤمنين بالهداية والمعرفة.

وثانيها: أنه يخص قلوبهم وصدورهم بالانشراح كما قال: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ  ﴾ .

وثالثها: أنه يزيل الغل والحقد والحسد عن قلوبهم ويزيل المكر والخداع عن صدورهم، مع أن المنافق والكافر يكون قلبه مملوءاً من هذه الأحوال الخسيسة والأخلاق الذميمة، والسبب في حصول هذه الأمور أن القلب إذا صار مشرقاً بطاعة الله تعالى زالت عنه كل هذه الظلمات لأن معرفة الله نور، وهذه الأخلاق ظلمات، وإذا ظهر النور فلابد من زوال الظلمة.

وأما في الأحوال الظاهرة، فإن الله تعالى يخص المسلمين بالعلو والفتح والنصر والظفر، كما قال: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وكما قال: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ﴾ وأمر الفاسق والكافر بالعكس من ذلك.

وأما في أحوال الآخرة، فالثواب والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة وكل هذه الأحوال داخلة في الفرقان.

والنوع الثاني: من الأجزية المرتبة على التقوى قوله: ﴿ وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ ﴾ فنقول: إن حملنا قوله: ﴿ إَن تَتَّقُواْ الله ﴾ على الاتقاء من الكفر، كان المراد بقوله: ﴿ وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ ﴾ جميع السيئات التي وجدت قبل الكفر، وإن حملناه على الاتقاء عن الكبائر، كان المراد من هذا تكفير الصغائر.

والنوع الثالث: قوله: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ واعلم أن المراد من تكفير السيئات سترها في الدنيا ومن المغفرة إزالتها في القيامة لئلا يلزم التكرار.

ثم قال: ﴿ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به، وإنما قلنا: إن أفضال الله أعظم من أفضال غيره لوجوه: الأول: أن كل ما سوى الحق سبحانه فإنه لا يتفضل ولا يحسن إلا إذا حصلت في قلبه داعية الإفضال والإحسان، وتلك الداعية حادثة فلا تحصل إلا بتخليق الله تعالى، وعند هذا ينكشف أن المتفضل ليس إلا الله الذي خلق تلك الداعية الموجبة لذلك الفعل.

الثاني: أن كل من تفضل يستفيد به نوعاً من أنواع الكمال إما عوضاً من المال أو عوضاً من المدح والثناء، وإما عوضاً من نوع آخر وهو دفع الألم الحاصل في القلب بسبب الرقة الجنسية والله تعالى يعطي ويتفضل ولا يطلب به شيئاً من الأعواض لأنه كامل لذاته، وما كان حاصلاً للشيء لذاته امتنع أن يستفيده من غيره.

الثالث: أن كل من تفضل على الغير فإن المتفضل عليه يصير ممنوناً عليه من ذلك المتفضل، وذلك منفر، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الموجد لذات كل أحد بجميع صفاته، فلا يحصل الاستنكاف من قبول إحسانه.

الرابع: أن كل من تفضل على غيره فإنه لا ينتفع المتفضل عليه بذلك التفضل إلا إذا حصلت له عين باصرة وأذن سامعة ومعدة هاضمة.

حتى ينتفع بذلك الإحسان، وعند هذا ينكشف أن المتفضل هو الله في الحقيقة فثبت بهذه البراهين صحة قوله: ﴿ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فُرْقَانًا ﴾ نصراً؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله.

ومنه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ الفرقان ﴾ [الأنفال: 41] أو بياناً وظهوراً يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض، من قولهم: (بتّ أفعل كذا) حتى سطع الفرقان: أي طلع الفجر.

أو مخرجاً من الشبهات وتوفيقاً وشرحاً للصدور.

أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان، وفضلاً ومزية في الدنيا والآخرة.

﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ لما فتح الله عليه، ذكره مكر قريش به حين كان بمكة، ليشكر نعمة الله عز وجل في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم وما أتاح الله له من حسن العاقبة، والمعنى: واذكرإذ يمكرون بك وذلك أن قريشاً- لما أسلمت الأنصار وبايعوه- فرِقوا أن يتفاقم أمره، فاجتمعوا في دار الندوى متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد، ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها؛ وتتربصوا به ريب المنون.

فقال إبليس: بئس الرأي؛ يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم؛ فلا يضركم ما صنع واسترحتم.

فقال إبليس: بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا صارما، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناهم واسترحنا.

فقال الشيخ- لعنه الله-: صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيا.

فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله.

فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة، فأمر علياً رضي الله عنه فنام في مضجعه، وقال له: اتّشح ببردتي، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه، وباتوا مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه، فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله عز وجل سعيهم، واقتصوا أثره فأبطل الله مكرهم ﴿ ليثبتوك ﴾ ليسجنوك أو يوثقوك أو يثخنوك بالضرب والجرح، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به ولا براح، وفلان مثبت وجعاً.

وقرئ: (ليثبتوك)، بالتشديد.

وقرأ النخعي: (ليثبتوك)، ومن البيات.

وعن ابن عباس: (ليقيدوك)، وهو دليل لمن فسره بالإيثاق ﴿ وَيَمْكُرُونَ ﴾ ويخفون المكايد له ﴿ وَيَمْكُرُ الله ﴾ ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة ﴿ والله خَيْرُ الماكرين ﴾ أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيراً، أو لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل ولا يصيب إلا بما هو مستوجب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ﴾ هِدايَةً في قُلُوبِكم تُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ نَصْرًا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْزازِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبَهاتِ، أوْ نَجاةً عَمّا تَحْذَرُونَ في الدّارَيْنِ، أوْ ظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكم ويَبُثُّ صِيتَكم مِن قَوْلِهِمْ بَتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ أيِ الصُّبْحُ.

﴿ وَيُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ ويَسْتُرْها.

﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ بِالتَّجاوُزِ والعَفْوِ عَنْكم.

وقِيلَ السَّيِّئاتُ الصَّغائِرُ والذُّنُوبُ الكَبائِرُ.

وقِيلَ المُرادُ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ لِأنَّها في أهْلِ بَدْرٍ وقَدْ غَفَرَهُما اللَّهُ تَعالى لَهم.

﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ لَهم عَلى التَّقْوى تَفَضُّلٌ مِنهُ وإحْسانٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُوجِبُ تَقْواهم عَلَيْهِ كالسَّيِّدِ إذا وعَدَ عَبْدَهُ إنْعامًا عَلى عَمَلٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} نصراً لأنه يفرق بين الحق والباطل وبين الكفر بإذلال حزبه والإسلام بإعزاز أهله أو بياناً وظهورا يشهر امركم ويثبت صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض من قولهم سطع الفرقان

أي طلع الفجر أو مخرجاً من الشبهات وشحار لصدور أو تفرقة بينكم بوين يغركم من أهل الأديان وفضلا ومزية فى الدينا والآخرة {وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ} أي الصغائر {وَيَغْفِرْ لكم} ذنبكم أي الكبائر {والله ذُو الفضل العظيم} على عباده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ﴿ يَجْعَلْ لَكُمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاتِّقاءِ ﴿ فُرْقانًا ﴾ أيْ: هِدايَةً ونُورًا في قُلُوبِكم تُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: وابْنِ زَيْدٍ، أوْ نَصْرًا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْزازِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ كَما قالَ الفَرّاءُ، أوْ نَجاةً في الدّارَيْنِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ السُّدِّيِّ، أمْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبَهاتِ كَما جاءَ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ ظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكم ويَنْشُرُ صِيتَكم كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ - مِن بِتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ - أيِ: الصُّبْحُ، وكُلُّ المَعانِي تَرْجِعُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ أمْرَيْنِ، وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الجَمْعَ بَيْنَها.

﴿ ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ أيْ: يَسْتُرْها في الدُّنْيا.

﴿ ويَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَنْها في الأُخْرى فَلا تَكْرارَ، وقَدْ يُقالُ: مَفْعُولُ يَغْفِرْ الذُّنُوبُ وتُفَسَّرُ بِالكَبائِرِ وتُفَسَّرُ السَّيِّئاتُ بِالصَّغائِرِ، أوْ يُقالُ: المُرادُ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ؛ لِأنَّ الآيَةَ في أهْلِ بَدْرٍ وقَدْ غُفِرَ لَهم.

فَفِي الخَبَرِ: ««لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»».

﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما وعَدَ لَهم عَلى التَّقْوى تَفَضُّلٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وإحْسانٌ، وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تُوجِبَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ شَيْئًا، قِيلَ: ومِن عَظِيمِ فَضْلِهِ تَعالى أنَّهُ يَتَفَضَّلُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ وبِدُونِ التِماسِ عِوَضٍ ولا غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا ذَكَّرَ مَن ذَكَرَ نِعْمَتَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ ﴾ إلَخْ ذَكَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ النِّعْمَةَ الخاصَّةَ بِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ روى أسباط عن السدي قال: كانوا يسمعون من النبي  الحديث، فيفشونه حتى يبلغ المشركين، فنهاهم الله عن ذلك فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ.

ويقال: كل رجل مؤتمن على ما فرض الله عليه، إن شاء أداها، وإن شاء خانها.

وقال القتبي: الخيانة أن يؤتمن على شيء فلا يؤدي إليه، ثم سمّى العاصي من المسلمين خائناً، لأنه قد ائتمن على دينه فخان.

كما قال في آية أخرى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 187] ، ويقال: نزلت الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين أشار إلى بني قريظة أن لا ينزلوا على حكم سعد، وأشار إلى حلقه إنه الذبح (١)  لما حاصر بني قريظة من بعد انصرافهم من الخندق، ووقف بباب الحصن وفيه ستمائة رجل من اليهود، وقد كانوا ظاهروا قريشاً على حرب رسول الله  فناداهم: «يَا إخْوَةَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ، انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله وَرَسُولِهِ» .

فقالت اليهود: يا محمد، ما كنت فحّاشاً قبل هذا.

فبعث إليهم رسول الله  أبا لبابة بن عبد المنذر، فدخل على اليهود فركنوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة، أتأمرنا بالنزول إلى محمد  ؟

فأشار بيده إلى حلقه، يعني: إنه الذبح إن نزلتم إليه (٢) ثم قال عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، يعني: بلاء عليكم، لأن أبا لبابة إنما ناصحهم من أجل ماله وولده الذي كان عند بني قريظة.

وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، يعني: الجنة لمن صبر ولم يخن.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، يعني: إن تطيعوا الله ولا تعصوه، يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً يعني: يجعل لكم مخرجاً ونجاة ونصرا في الدنيا- ويقال: المخرج من الشبهات.

وقال مجاهد: مخرجاً في الدنيا والآخرة (٣) يمحو عنكم ذنوبكم، وَيَغْفِرْ لَكُمْ يعني: يستر ذنوبكم وعيوبكم.

وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، يعني: ذو الكرم والتجاوز عن عباده.

(١) عزاه السيوطي 4/ 48 إلى ابن جرير وإلى عبد حميد عن الكلبي.

(٢) عزاه السيوطي إلى ابن جرير، وإلى ابن مردويه عن عكرمة.

(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون «إذْ» ظرفاً للذِّكْر.

وإِنما يعمل الذِّكْرُ في «إذْ» لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية.

فقَالَتْ فرقَةٌ وهي الأكثر: هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى: المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر: وَقْعَةُ بَدْرٍ وما انجر معها في وقتها، والطيبات: الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة: الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا: عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر: هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، والطّيّبات: الغنيمة.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ:

التنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل: هي في تنقّص أوامره في سِرٍّ.

وقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ.

قال الطبريُّ «١» : يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ كأنه قال: لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى: لا تخونوا اللَّه والرسول فذلك خيانةٌ لأماناتكم.

وقوله: فِتْنَةٌ

، يريد: محنةً واختبارا وامتحانا ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك.

وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

، يريد: فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإِن المذخور للآخرة أعظم أجرا.

قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ...

الآية: وعْدٌ للمؤمنين بشرط

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا خِطابٌ لِأبِي لُبابَةَ، لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أمْوالٌ وأوْلادٌ عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ.

فَأمّا الفِتْنَةُ، فالمُرادُ بِها: الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ الَّذِي يُظْهِرُ ما في النَّفْسِ مِنِ اتِّباعِ الهَوى أوْ تَجَنُّبِهِ ﴿ وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: بِتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ، واجْتِنابِ الخِيانَةِ لَلَّهِ ورَسُولِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَخْرَجُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: يَجْعَلُ لَكم مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّجاةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ هُدًى في قُلُوبِهِمْ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَجْمَعُ أنْواعَ الخِياناتِ كُلِّها قَلِيلِها وكَثِيرِها، قالَ الزَهْراوِيُّ: والمَعْنى: لا تَخُونُوا بِغُلُولِ الغَنائِمِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ: سَبَبُ نُزُولِها أمْرُ أبِي لُبابَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ أشارَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ -حِينَ سَفَرَ إلَيْهِمْ- إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إعْلامَهم أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  إلّا الذَبْحُ، أيْ: فَلا تَنْزِلُوا، ثُمَّ نَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللهُ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أقامَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ شَيْئًا حَتّى تِيبَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ لِأبِي لُبابَةَ عِنْدَهم مالٌ وأولادٌ فَلِذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ ﴾ .

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: سَبَبُها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ  فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَفْعَلُوا فِعْلَ ذَلِكَ المُنافِقِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنْ يُمَثِّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِ عُثْمانَ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدْ كانَتْ خِيانَةً لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ والأماناتِ.

والخِيانَةُ: التَنَقُّصُ لِلشَّيْءِ بِاخْتِفاءٍ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ خِلافَ ما يَنْبَغِي مِن حِفْظِ أمْرٍ ما، مالًا كانَ أو سِرًّا أو غَيْرَ ذَلِكَ، والخِيانَةُ لِلَّهِ تَعالى هي في تَنَقُّصِ أوامِرِهِ في سِرٍّ.

وخِيانَةُ الرَسُولِ تَنَقُّصُ ما اسْتُحْفِظَ، وخِياناتُ الأماناتِ هي تَنَقُّصُها وإسْقاطُها، والأمانَةُ حالٌ لِلْإنْسانِ يُؤْمَنُ بِها عَلى ما اسْتُحْفِظَ، فَقَدِ اؤْتُمِنَ عَلى دِينِهِ وعِبادَتِهِ وحُقُوقِ الغَيْرِ.

وقِيلَ: المَعْنى: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكُمْ، وأظُنُّ الفارِسِيَّ أبا عَلِيٍّ حَكاهُ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ مِنهُ إلّا ما كانَ عن تَعَمُّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ يُرِيدُ مِحْنَةً واخْتِبارًا وابْتِلاءً لِيَرى كَيْفَ العَمَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ يُرِيدُ فَوْزَ الآخِرَةِ فَلا تَدْعُوا حَظَّكم مِنهُ لِلْحَيْطَةِ عَلى أمْوالِكم وأبْنائِكم فَإنَّ المَدْخُورَ لِلْآخِرَةِ أعْظَمُ قَدْرًا مِن مَكاسِبِ الدُنْيا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخُونُوا ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ داخِلًا في النَهْيِ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ ولا تَخُونُوا أماناتِكُمْ" فَمَكانُهُ عَلى هَذا جَزْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِأماناتِكُمْ"، فَمَوْضِعُهُ عَلى هَذا نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: وأنْ تَخُونُوا أماناتِكُمْ، قالَ الشاعِرُ: لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ -فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا- "وَتَخُونُوا أمانَتَكُمْ" عَلى إفْرادِ الأمانَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ ﴾ الآيَةُ، وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِشَرْطِ الِاتِّقاءِ والطاعَةِ لَهُ، و ﴿ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ﴾ مَعْناهُ: فَرْقًا بَيْنَ حَقِّكم وباطِلِ مَن يُنازِعُكُمْ، أيْ: بِالنُصْرَةِ والتَأْيِيدِ عَلَيْهِمْ، والفُرْقانُ مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ إذا حالَ بَيْنَهُما أو خالَفَ حُكْمَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ الفُرْقانِ  ﴾ .

وعَبَّرَ قَتادَةُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفُرْقانِ هاهُنا بِالنَجاةِ، وقالَ السُدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: مَخْرَجًا ونَحْوَ هَذا مِمّا يَعُمُّهُ ما ذَكَرْناهُ، وقَدْ يُوجَدُ لِلْعَرَبِ اسْتِعْمالُ الفُرْقانِ كَما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ مَزْرَدِ بْنِ ضِرارٍ: بادَرَ الأُفْقُ أنْ يَغِيبَ فَلَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ أظْلَمَ اللَيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرْقانا وَقالَ الآخَرُ: ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ ∗∗∗ ∗∗∗ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا وقالَ الآخَرُ: وكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ ∗∗∗ ومالِي مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَإذْ" مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: "إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ"، وهَذا تَذْكِيرٌ بِحالِ مَكَّةَ وضِيقِها مَعَ الكَفَرَةِ وجَمِيلِ صُنْعِ اللهِ تَعالى في جَمْعِها.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُورَةِ، وهَذا هو الصَوابُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ كِفايَةِ اللهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِما أحَلَّهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ.

ويُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ أنْ أشارا إلى القِصَّةِ لا إلى الآيَةِ.

والمَكْرُ: المُخاتَلَةُ والتَداهِي، تَقُولُ: "فُلانٌ يَمْكُرُ بِفُلانٍ" إذا كانَ يَسْتَدْرِجُهُ ويَسُوقُهُ إلى هُوَّةٍ وهو يُظْهِرُ جَمِيلًا وتَسْتُرًا بِما يُرِيدُ، ويُقالُ: أصْلُ المَكْرِ الفَتْلُ، قالَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ، فَكَأنَّ الماكِرَ بِالإنْسانِ يُفاتِلَهُ حَتّى يُوقِعَهُ، ومِنَ المَكْرِ الَّذِي هو الفَتْلُ قَوْلُهم لِلْجارِيَةِ المُعْتَدِلَةِ اللَحْمِ: مَمْكُورَةٌ، فَمَكْرُ قُرَيْشٍ بِالنَبِيِّ  كانَ تَدْبِيرُهم ما يَسُوؤُهْ، وسَعْيُهم في فَسادِ حالِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ، وتَدْبِيرِ قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللهِ  هَذِهِ الخِصالَ الثَلاثَ لَمْ يَزَلْ قَدِيمًا مِن لَدُنْ ظُهُورِهِ، لَكِنَّ إعْلانَهم لا يُسَمّى مَكْرًا، وما اسَتَسَرُّوا بِهِ هو المَكْرُ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ أبا طالِبٍ قالَ لِلنَّبِيِّ  : يا مُحَمَّدُ، ماذا يُدَبِّرُ فِيكَ قَوْمُكَ؟

قالَ: يُرِيدُونَ أنْ أُقْتَلَ أو أُسْجَنَ أو أُخْرَجَ، قالَ أبُو طالِبٍ: مَن أعْلَمَكَ هَذا؟

قالَ: رَبِّي، قالَ: إنَّ رَبَّكَ لَرَبُّ صِدْقٍ فاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، فَقالَ النَبِيُّ  : بَلْ هو يا عَمِّ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرًا.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَكْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ في دارِ النَدْوَةِ بِمَحْضَرِ إبْلِيسَ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ عَلى ما نَصَّ ابْنُ إسْحاقَ في سَيْرِهِ، الحَدِيثُ بِطُولِهِ، وهو الَّذِي كانَ خُرُوجُ رَسُولِ اللهِ  مِن مَكَّةَ بِسَبَبِهِ، ولا خِلافَ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ، فَفي القِصَّةِ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: الرَأْيُ أنْ نَأْخُذَ مِن كُلِّ بَطْنٍ في قُرَيْشٍ فَتًى قَوِيًّا جَلْدًا فَيَجْتَمِعُونَ، ثُمَّ يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سَيْفًا ويَأْتُونَ مُحَمَّدًا في مَضْجَعِهِ، فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَلا يَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ بِأسْرِها، فَيَأْخُذُونَ العَقْلَ ونَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَقالَ النَجْدِيُّ: صَدَقَ الفَتى، هَذا الرَأْيُ لا أرى غَيْرَهُ، فافْتَرَقُوا عَلى ذَلِكَ، فَأخْبَرَ اللهُ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ  ، وأذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  مِن لَيْلَتِهِ، وقالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: التَفَّ في بُرْدِي الحَضْرَمِيِّ واضْطَجِعْ في مَضْجَعِي فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ شَيْءٌ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ، وجاءَ فِتْيانُ قُرَيْشٍ فَجَعَلُوا يَرْصُدُونَ الشَخْصَ ويَنْتَظِرُونَ قِيامَهُ فَيَثُورُونَ بِهِ، فَلَمّا قامَ رَأوا عَلِيًّا فَقالُوا لَهُ: أيْنَ صاحِبُكَ؟

قالَ: لا أدْرِي.

وفي السِيَرِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ عَلَيْهِمْ وهم في طَرِيقِهِ فَطَمَسَ اللهُ عُيُونَهم عنهُ، وجَعَلَ عَلى رَأْسِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم تُرابًا ومَضى لِوَجْهِهِ، فَجاءَهم رَجُلٌ فَقالَ: ما تَنْتَظِرُونَ؟

قالُوا: مُحَمَّدًا، قالَ: إنِّي رَأيْتُهُ الآنَ جائِيًا مِن ناحِيَتِكم وهو لا مَحالَةَ وضَعَ التُرابَ عَلى رُؤُوسِكُمْ، فَمَدَّ كُلُّ واحِدٍ يَدَهُ إلى رَأْسِهِ، وجاؤُوا إلى مَضْجَعِ النَبِيِّ  فَوَجَدُوا عَلِيًّا، فَرَكِبُوا وراءَهُ حِينَئِذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ وهو بِالغارِ.

وَمَعْنى ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ لِيَسْجُنُوكَ فَتَثْبُتَ، قالَهُ السُدِّيُّ، وعَطاءٌ، وابْنُ أبِي كَثِيرٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لِيُوثِقُوكَ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: لِيَسْحَرُوكَ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرِو الدانِي: "لِيُثَبِّتُوكَ"، وهَذِهِ أيْضًا تَعْدِيَةٌ بِالتَضْعِيفِ، وحَكى النَقّاشُ عن يَحْيى بْنِ وثّابٍ أنَّهُ قَرَأ "لِيُبَيِّتُوكَ" مِنَ البَياتِ، وهَذا أخْذٌ مَعَ القَتْلِ فَيَضْعُفُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: مَعْنى: ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ أيْ: بِالجِراحَةِ، كَما يُقالُ: "أثْبَتَتْهُ الجِراحَةُ"، وحَكاهُ النَقّاشُ عن أهْلِ اللُغَةِ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْكُرُ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: يَفْعَلُ أفْعالًا مِنها تَعْذِيبٌ لَهُمْ، ومِنها ما هو إبْطالٌ لِمَكْرِهِمْ ورَدٌّ لَهُ ودَفْعٌ في صَدْرِهِ حَتّى لا يُنْجِعَ، فَسَمّى ذَلِكَ كُلَّهُ بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي جاءَ ذَلِكَ مِن أجْلِهِ، ولا يَحْسُنُ في هَذا المَعْنى إلّا هَذا، وأمّا أنْ يَنْضافَ المَكْرُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما يُفْهَمُ في اللُغَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقالَ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ في هَذا ما يَقْرُبُ مِن هَذا الَّذِي ضَعَّفْناهُ، وإنَّما قَوْلُنا: "وَيَمْكُرُ اللهُ" كَما تَقُولُ في رَجُلٍ شَتَمَ الأمِيرَ فَقَتَلَهُ الأمِيرُ: هَذا هو الشَتْمُ، فَتُسَمِّي العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ أيْ: أقْدَرُهم وأعَزُّهم جانِبًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذِهِ الجِهَةِ -أعْنِي القُدْرَةَ والعِزَّةَ- يَقَعُ التَفْضِيلُ، لِأنَّ مَكَرَةَ الكُفّارِ لَهم قُدْرَةٌ ما، فَوَقَعَ التَفْضِيلُ لِمُشارَكَتِهِمْ بِها، وأمّا مِن جِهَةِ الصَلاحِ الَّذِي فِيما يَعْلَمُهُ اللهُ تَعالى فَلا مُشارَكَةَ لِلْكُفّارِ بِصَلاحٍ، فَيَتَعَذَّرُ التَفْضِيلُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ إلّا عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ في ألْفاظِ العُمُومِ مِثْلُ: خَيْرٍ وأحَبَّ ونَحْوِ هَذا، إذْ لا يَخْلُو مَنِ اشْتَراكٍ ولَوْ عَلى مُعْتَقَدٍ مِن فِرْقَةٍ أو مِن أحَدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استيناف ابتدائي متصل بالآيات السابقة ابتداء من قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه ﴾ [الأنفال: 20] الآية وما بعده من الآيات إلى هُنا.

وافتتح بالنداء للاهتمام، كما تقدم آنفاً.

وخوطب المؤمنون بوصف الإيمان تذكيراً لهم بعهد الإيمان وما يقتضيه كما تقدم آنفاً في نظائِره، وعقب التحذير من العصيان والتنبيه على سوء عواقبه، بالترغيب في التقوى وبيان حسن عاقبتها وبالوعد بدوام النصر واستقامة الأحوال إن هم داموا على التقوى.

ففعل الشرط مراد به الدوام، فإنهم كانوا متقين، ولكنهم لما حُذروا من المخالفة والخيانة ناسب أن تفرض لهم الطاعة في مقابل ذلك.

ولقد بَدَا حُسنُ المناسبة إذ رُتبتتِ على المنهيات تحذيراتٌ من شرور وأضرار من قوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الصم البكم ﴾ [الأنفال: 22] وقوله ﴿ واتقوا فتنة ﴾ [الأنفال: 25] الآية، ورتب على التقوى: الوعد بالنصر ومغفرة الذنوب وسعة الفضل.

والفرقان أصله مصدر كالشكران والغُفران والبُتان، وهو ما يَفرِق أي يميَز بين شيئين متشابهين، وقد أطلق بالخصوص على أنواع من التفرقة فأطلق على النصر، لأنه يفرق بين حاليْن كانا محتَمَلَيْن قبلَ ظهور النصر، ولُقب القرآنُ بالفرقان؛ لأنه فَرّقَ بين الحق والباطل، قال تعالى: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ [الفرقان: 1] ولعل اختياره هنا لقصد شموله ما يصلح للمقام من معانيه، فقد فُسّر بالنصر، وعن السدي، والضحاك، ومجاهد، الفرقانُ المَخْرَج، وفي «أحكام ابن العربي»، عن ابن وهب وابن القاسم وأشهب أنهم سألوا مالكاً عن قوله تعالى: ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ قال مَخَرجاً ثم قرأ: ﴿ ومن يَتَققِ الله يَجْعَلْ له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ [الطلاق: 3]، وفسر بالتمييز بينهم وبين الكفار في الأحوال التي يُستحب فيها التمايز في أحوال الدنيا، فيشمل ذلك أحوالَ النفس: من الهداية، والمعرفة، والرضى، وانشراح القلب، وإزالةِ الحِقد والغل والحسد بينهم، والمكرِ والخداععِ وذميممِ الخلائق.

وقد أشعر قوله: ﴿ لكم ﴾ أن الفرقان شيء نافع لهم فالظاهر أن المراد منه كل ما فيه مخرج لهم ونجاة من التباس الأحوال وارتباك الأمور وانبهام المقاصد، فيؤول إلى استقامة أحوال الحياة، حتى يكونوا مطمئني الباللِ منشرحي الخاطر وذلك يستدعي أن يكونوا: منصورين، غالبين، بُصراء بالأمور، كَمَلة الأخلاق سائرين في طريق الحق والرشد، وذلك هو ملاك استقامة الأمم، فاختيار الفرقان هنا، لأنه اللفظ الذي لا يؤدي غيرُه مُؤداه في هذا الغرض وذلك من تمَام الفصاحة.

والتقوى تشمل التوبة، فتكفير السيئات يصح أن يكون المراد به تكفير السيئات الفارطة التي تعقبها التقوى.

ومفعول ﴿ يغفر لكم ﴾ ، محذوف وهو ما يستحق الغفران وذلك هو الذنب، ويتعين أن يحمل على نوع من الذنوب.

وهو الصغائر التي عبر عنها باللمم، ويجوز العكس بأن يراد بالسيئات الصغائِر وبالمغفرة مغفرة الكبائر بالتوبة المعقبَة لها، وقيل التكفير الستر في الدنيا، والغفران عدم المؤاخذة بها في الآخرة، والحاصل أن الإجمال مقصود للحث على التقوى وتحقق فائِدتها والتعريض بالتحذير من التفريط فيها، فلا يحصل التكفير ولا المغفرة بأي احتمال.

وقوله: ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ تذييل وتكميل وهو كناية عن حصول منافع أخرى لهم من جراء التقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْنى فُرْقانًا أيْ هِدايَةً في قُلُوبِكم تُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: يَعْنِي مُخْرَجًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: يَعْنِي نَجاةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: فَتْحًا ونَصْرًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: يُفَرِّقُ بَيْنَكم وبَيْنَ الكافِرِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ قال: نجاة.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ قال: نصراً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ يقول: مخرجاً في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ﴾ الآية، قال أصحاب المعاني: إنما جاز الشرط في خبر الله تعالى مع علمه أنهم يتقون أو لا يتقون لأنه يعامل العباد في الجزاء معاملة الشاك للمظاهرة في العدل (١) (٢) (٣) (٤) ومنهم من قال: إنها متصلة بقصة الخيانة، يقول: إن تتقوا الله باجتناب خيانته، وخيانة رسوله، وخيانة أمانته يجعل لكم فرقانًا (٥) (٦) (٧) واختلفت عبارات المفسرين في تفسير الفرقان هاهنا وكلها راجع إلى معناه في اللغة، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: مخرجًا من الشبهات مثل قوله في البقرة: ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ (٨) (٩) وقال عكرمة (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) [وقال الضحاك: (بيانًا) (١٦) (١٧) وقال ابن زيد وابن إسحاق: هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل (١٨) وقال الكلبي: (نصرًا) (١٩) ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ  ﴾ ، يعني يوم الفتح والنصر (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أي يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم.

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ ، قال عطاء: يريد تفضل على أوليائه بالعصمة بعد ما كفّر سيئاتهم (٢١) (٢٢) وقيل: إنه الذي يملك الفضل العظيم فاكتفوا بالطلب من عنده دون غيره (٢٣) (١) لم أجده عند أهل المعاني، وقد ذكر نحوه الرازي في "تفسيره" 15/ 153، وقال القرطبي رحمه الله: كان الله عالمًا بأنهم يتقون أم لا يتقون، فذكر بلفظ الشرط؛ لأنه خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضًا.

"الجامع لأحكام القرآن" 7/ 396.

ولا يخفى أن استعمال الشرط يفيد عظيم فائدة التقوى في الحصول على الفرقان، وتكفير السيئات، وغفران الذنوب، فيسعى المؤمن لتحقيق كمالها، ويحذر من التفريط فيها.

(٢) هكذا، والمعنى: مستقيم.

(٣) هكذا، ومعلوم أن أداء الفرائض بعض التقوى، ولو قال المؤلف رحمه الله تقوى الله: الامتناع عن معاصيه وأداء أوامره، لكان أشمل، قال الإمام البغوي 3/ 348: إن تتقوا الله: بطاعته وترك معصيته.

وقال الإِمام ابن كثير 2/ 314: من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، وقال القرطبي 7/ 396: فإذا اتقى العبد ربه، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه وترك الشبهات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال ..

إلخ.

والمقصود أن تقوى الله أعم من أداء الفرائض.

(٤) انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 14، وإليه ذهب ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 9/ 325.

(٥) إلى هذا القول يميل ابن جرير 9/ 224، والثعلبي 6/ 54 ب، وابن الجوزي 3/ 346.

(٦) في (ح): (بعض)، وهو خطأ.

(٧) انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 53.

(٨) البقرة: 185، وقد روى قول ابن عباس من رواية ابن أبي طلحة مختصرًا ابن جرير 1/ 146، وابن أبي حاتم 5/ 1686، ولفظها: الفرقان: المخرج.

(٩) هذا قول مقاتل بن حيان كما في: "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1686، والثعلبي 6/ 54 ب، والبغوي 3/ 349، وهو أيضًا قول مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" 12 أ.

(١٠) رواه ابن جرير 9/ 225، والثعلبي 6/ 54 ب.

(١١) رواه ابن جرير 9/ 225.

(١٢) هو: عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد التابعي الإمام الحافظ عالم الجزيرة، كان ثقة ثبتاً كثير الحديث، توفي سنة 127 هـ.= انظر: "التاريخ الكبير" 3/ 2/ 88، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 80، و"تهذيب التهذيب" 2/ 602.

(١٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 258، عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد، ولم أجد من ذكره عنه.

(١٤) في (س): (المعنيين).

(١٥) رواه ابن جرير 9/ 225، وابن أبي حاتم 5/ 1686، والثعلبي 6/ 54 ب، وعزاه السيوطي في "الدر" 3/ 324، إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.

وانظر: "تفسير مجاهد" ص 354.

(١٦) رواه الثعلبي 6/ 54 ب، والبغوي 3/ 349.

(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (س).

(١٨) رواه عن ابن زيد بمعناه الثعلبي 6/ 54 ب، وابن جرير 9/ 226 فيما يظهر بالمقارنة بينه وبين تفسير الثعلبي، إذ أن اسم القائل وسنده ساقط من المخطوطة والمطبوعة كما ذكر المحقق، وبقي القول بنصه كما في "تفسير الثعلبي"، وقد ذكره أيضًا الماوردي 2/ 311، وابن الجوزي 3/ 346، وزادا نسبته إلى ابن إسحاق كالواحدي.

والواقع أن بين قولي ابن زيد وابن إسحاق اختلافًا بيِّنًا في المعنى، وإن اشتركا في بعض الألفاظ، فقد جاء قول ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 2/ 315، و"تفسير ابن جرير" 9/ 226، والثعلبي 6/ 54 ب، والبغوي 3/ 349 بلفظ: أي: فصلاً بين الحق والباطل؛ ليظهر الله به حقكم ويطفئ به باطل من خالفكم.

(١٩) رواه الثعلبي 6/ 54 ب.

(٢٠) "معاني القرآن" 1/ 408.

(٢١) لم أجد من ذكره، وفي متنه نظر إذ ليس كل ولي معصومًا، بل العصمة مقصورة على الأنبياء، وقد خاطب الله تعالى أصحاب النبي -وهم من خير أولياء الله- بقوله: ﴿ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ  ﴾ ، وأخبر عنهم بقوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ  ﴾ ووصف عباده المتقين بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ  ﴾ .

ثم إن في متن الأثر تناقض وذلك أن ظاهره يدل على أن الأولياء معصومون في وقت دون وقت أو في حال دون حال؛ حيث أثبت لهم سيئات، وهذا يناقض العصمة.

(٢٢) لم أجده.

(٢٣) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 454 دون نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ أي تفرقه بين الحق والباطل، وذلك دليل على أن التقوى تنوِّر القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ ﴾ عطف على إذ أنتم قليل، أو استئناف، وهي إشارة إلى اجتماع قريش بدار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي الحديث بطوله ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ أي ليسجنونك ﴿ قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا ﴾ قيل: نزلت في النضر بن الحارث؛ كان قد تعلم من أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن وفيه أخبار الأنبياء قال لو شئت لقلت مثل هذا، وقيل: هي في سائر قريش ﴿ أساطير الأولين ﴾ أي أخبارهم المسطورة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تولوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ تسمعون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ لأسمعهم ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ لما يحييكم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ خاصة ﴾ ج لما مر ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ لا للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أو يخرجوك ﴾ ط ﴿ ويمكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ذكر نحو من قصة بدر والغنائم.

أدَّب المؤمنين أحسن تأديب فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله في قسمة الغنائم وغيرها ثم قال ﴿ ولا تولوا عنه ﴾ فوحد الضمير لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد، أو لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ وكقولك الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان وجوّز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة أي لا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ لم يبين أنهم ماذا يمسعون إلا أنه يعلم من مساق الكلام في السورة أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد أو المراد وأنتم تسمعون الأمر المذكور، أو وأنتم تصدقون بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ لأنهم ليسوا بمصدقين فلا يصح دعوى السماع منهم.

وتحقيق ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف ويلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول، ثم أكد التكاليف المذكورة بقوله ﴿ إن شر الدواب ﴾ أي إن شر من يدب على الأرض، أو إن شر البهائم.

والفرق بين التفسيرين أن الأوّل حقيقة إلا أنه ذكر في معرض الذم كقولك لمن لا يفهم الكلام هو شبح وجسد.

والثاني مذكور في معرض التشبيه بالبهائم بل جعلهم شرّها لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بالحواس كقوله ﴿ بل هم أضل  ﴾ ومعنى ﴿ عند الله ﴾ أي في حكمه وقضائه.

ثم قال ﴿ ولو علم الله فيهم ﴾ أي في هؤلاء الصم البكم ﴿ خيراً لأسمعهم ﴾ عن ابن جريج: هم المنافقون.

وعن الحسن: أهل الكتاب، وقيل: بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء.

وروي أنهم سألوا النبي أن يحيي لهم قصي ابن كلاب وعيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوّته، فبيّن  أنه لو علم فيهم خيراً وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ولكنه  علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت.

وأنهم لو أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه على عادتهم المستمرة.

واعلم أن معلومات الله  على أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وإن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله، وإن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً فكيف يكون حاله، والأولان علم بالواقع، والآخران الباقيان علم بالمقدر ومن هذا القبيل.

قوله  ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ وتقدير الكلام لو حصل فيهم خيراً لأسمعهم الله الحجج والمواعظ فعبر عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وأورد على الآية أنها على صورة قياس شرطي فإذا حذفنا الحد الأوسط بقيت النتيجة: لو علم الله فيهم خيراً لتولوا ولكن كلمة "لو" وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيكون التولي منتفياً لأجل انتفاء علم الله الخير فيهم بل لأجل انتفاء الخير فيهم.

لكن انتفاء التولي خير من الخيرات فأوّل الكلام يقتضي نفي الخير عنهم وأخره يقتضي.

حصول الخير فيهم وهذا تناقض والجواب المنع من أن الحد الأوسط مكرر لأن المراد بالإسماع الأوّل إسماع التفهم وإلزام القبول، والمراد بالإسماع الثاني صورة الإسماع فحسب، وأيضاً كلمة "لو" في المقدمة الثانية هي التي تجيء للمبالغة بمعنى "أن" كقوله  : "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" فإذاً لا تعلق لإحدى الجملتين بالأخرى فلا قياس.

واستدلت الأشاعرة بالآية على أن صدور الإيمان عن الكافر محال لأن الصادق قد أخبر أنهم على تقدير الإسماع معرضون وخلاف علمه وخبره محال.

وقال في الكشاف: لو علم الله فيهم خيراً أي انتفاعاً باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه، أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا وتزييف هذا التفسير سهل.

ثم علم المؤمنين أدباً آخر فقال ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ فوحد الضمير كما مر.

والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض.عن أبي هريرة أن النبي  مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟

قال: كنت أصلي.

قال: ألم تخبر فيما أوحي إليّ ﴿ استجيبوا لله وللرسول ﴾ ؟

قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك، وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه اللوم.

ثم قيل: إن هذا مما اختص به رسول الله  وقيل: إندعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته.

ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه وجوهاً: قال السدي: هو الإسلام والإيمان لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته بدليل قوله ﴿ يخرج الحي من الميت  ﴾ أي المؤمن من الكافر.

وقال قتادة: يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية.

والأكثرون على أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوّين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله ﴿ بل أحياء عند ربهم  ﴾ ، وقيل: إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة.

والمراد لما يحييكم الحياة الطيبة كما قال ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ، ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل الواحدي عن ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته.

فالسعيد من أسعده الله والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع الأسباب إليه، ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإنه إليه يحشرون ﴾ ليعلم أنهم مع كونهم مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين.

وقالت المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر العاجز سفه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإنه  أمر بالاستجابة لله وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير المقدور جائزاً لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم.

فإذا لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر.

فتأويلها أن الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله ﴿ وإنه ﴾ أي وأن الشأن أو الله إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه  يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفاً وبالخوف أمناً، وبالذكر نسياناً وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله  ، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا.

وقال مجاهد: المراد بالقلب العقل والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون.

ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان.

وعن الحسن: إن الغرض التنبيه على أنه  مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد من قرب قلبه منه كقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ ثم حذرهم الفتن والاختلاف فقال ﴿ واتقوا فتنة ﴾ قيل: هو العذاب.

وقيل: افتراق الكلمة.

وقيل: إقرار المنكر بين أظهرهم.

وقوله ﴿ لا تصيبن ﴾ إما أن يكون جواباً للأمر وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك.

وعلى هذا "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

وقيل: الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم الظالمون حال كونهم ﴿ خاصة ﴾ ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله  ذلك بحكم المالكية أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهياً بعد أمر و"من" للبيان كأنه قيل: احذروا ذنباً أو عقاباً.

ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة.

وهكذا إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولاً فيها لا تصيبن كقوله.

جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط *** عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زماناً وما رأينا أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها.

وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل.

وروي أن الزبير كان يسامر النبي  يوماً إذ أقبل علي فضحك إليه الزبير فقال رسول الله  : كيف حبك لعلي؟

فقال: يا رسول الله يأبى أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حباً.

قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟

ثم ختم الآية بقوله ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة.

ثم ذكرهم نعمه عليهم فقال ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ وانتصابه على أنه مفعول به أي وقت أنكم ﴿ قليل ﴾ يستوي فيه الواحد والجمع ﴿ مستضعفون في الأرض ﴾ أرض مكة قبل الهجرة ﴿ تخافون أن يتخطفكم الناس ﴾ يستلبونكم لكونهم أعداء لكم ﴿ فآواكم ﴾ إلى المدينة ﴿ وأيدكم بنصره ﴾ بمظاهرة الأنصار وبإمدادكم بالملائكة يوم بدر ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ من الغنائم ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي ينقلكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة في الأنفال؟، ثم منعهم من الخيانة في الأمانة.

يروى أن رسول الله  حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله  إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن مروان بن المنذر وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله في أيديهم.

فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى هل ننزل على حكم سعد؟

فأشار إلى حلقه إنه أي إن حكم سعد بن معاذ هو الذبح.

قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية.

فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ.

فمكث سبعة أيام حتى خرّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك في نفسك.

فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله  هو الذي يحلني.

فجاءه فحله بيده فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي.

فقال  : يجزيك الثلث أن تتصدق به.

وقال السدي: كانوا يسمعون من النبي  شيئاً فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك.

وقال ابن زيد نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.

وعن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي  خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فنزلت.

وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة بخروج النبي  إليها حكاه الأصم.

قال القاضي: والأقرب أنها في الغنائم.

فالخيانة فيها خيانة الله لأنها عطيته، وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمتها، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق.

قال: ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان الشتار السبب.

والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقيّ سمي كرباً لأنه يكرب من الدلو أي يقرب منه.

واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه.

وتخونوا يحتمل أن يكون جزماً داخلاً في حكم النهي وأن يكون نصباً بإضمار أن كقوله ﴿ وتكتموا الحق  ﴾ ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عمداً لا سهواً.

وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.

ثم لما كان الداعي إلى الخيانة وهو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان بسبب ذلك نبه الله  على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب فقال ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب ﴿ وإن الله عنده أجر عظيم ﴾ فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى السعادات الروحانية الباقية.

ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل لكونه مفضياً إلى الأجر العظيم عند الله هو أفضل من الاشتغال بالنكاح لأدائه إلى الفتنة.

ثم رغب في التقوى التي توحب الإعراض عن محبة الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله ﴾ في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ﴿ ويجعل لكم فرقاناً ﴾ فارقاً بينكم وبين الكفار في الأحوال الباطنة بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية، وفي الأحوال الظاهرة بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم، وفي أحوال الآخرة بالثواب الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة.

﴿ ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم ﴿ ويغفر لكم ﴾ في دار الجزاء ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فإذا وعد بشيء وفى به أحسن الإيفاء.

ومن عظيم فضله أنه يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل إلا بعد أن يخلق الله فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من الانتفاع بذلك.

وبعد أن يكون قد تصوّر فيه ثواباً أو ثناء، أو حمله على ذلك رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا لله  فلهذا وصفه بالعظم.

ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل ﴾ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة.

والمعنى واذكر وقت مكرهم.

فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: ذكروا أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله  فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً.

فقالوا: هذا من نجد لا بأس عليكم به.

فقال أبو البختري من بني عبد الدار: رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم.

فقال: بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا.

فقال الشيخ: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً.

فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله  وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر علياً  فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه.

وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم.

ومعنى ﴿ ليثبتوك ﴾ قال ابن عباس: ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري.

وقوله ﴿ أو يقتلوك ﴾ إشارة إلى رأي أبي جهل.

وقوله ﴿ أو يخرجوك ﴾ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام.

وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس.

قال: لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله  لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس.

هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مراراً، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران.

والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله.

فإن قيل: لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين؟

وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.

التأويل: إن شر من دب في الوجود هم ﴿ الصم ﴾ عن استماع كلام الحق.

يسمع القلب والقبول ﴿ إليكم ﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق.

والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿ الذين لا يعقلون ﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿ استجيبوا لله ﴾ إنه  يطلب بالمحجة من العبدالإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿ واعلموا أن الله يحول ﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿ وإنه إليه تحشرون ﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿ واتقوا ﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية.

لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿ قليل ﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿ مستضعفون ﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ.

﴿ يخافون ﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿ فآواكم ﴾ إلى حظائر القدس ﴿ وأيدكم ﴾ بالواردات الربانية ﴿ ورزقكم ﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿ لا تخونوا الله ﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿ فتنة ﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿ أن تتقوا الله ﴾ من غير الله ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ ويكفر عنكم ﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ ويغفر لكم ﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ ليثبتوك ﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿ أو يخرجوك ﴾ من عالم الأرواح ﴿ والله خير الماكرين ﴾ يصلح حال أهل الصلاح ألبته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ ﴾ .

جعل الله - عز وجل - هذه الأمة وسطاً عدلاً بقوله: ﴿ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ؛ فكأنه قال: يأيها الذين آمنوا قد جعلكم الله أمناء عدلا وسطاً، فلا تخونوا الله فيه؛ كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 135]، وقال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

 ﴾ ، أخبر أنه ألزمهم الأمانة - أعني: البشر - دون ما ذكر من الخلائق فمنهم من ضيّع تلك الأمانة؛ من نحو المنافقين والمشركين، وخانوا فيها، فلحقهم الوعيد بالتضييع، وهو قوله: ﴿ لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ...

 ﴾ الآية، فكأنه قال: يأيها الذين آمنوا، قد قبلتم أمانة الله فلا تضيعوها، ولا تخونوا فيها؛ كما قال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ  ﴾ ، ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ ، وغيرها من الآيات التي فيها ذكر الأمانات، نهاهم أن يخونوا فيها، فيكونون كأنهم خانوا أمانتهم.

ويحتمل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، إن أنفسكم وأموالكم لله، وهي عندكم أمانة استحفظم فيها، فلا تستعملوها في غير ما أذن لكم؛ لأن من استحفظ أحداً في شيء ووضع عنده أمانة، فاستعملها في غير ما أذن له - صار خائنا فيها ضامناً؛ فعلى ذلك أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة استحفظكم فيها، فإن استعملتموها في غير ما أذن لكم فيها، ختم الله والرسول فيها، فتخونوا أماناتكم التي لكم عند الله [إذا ضيعتم الأمانة]؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ ﴾ ، أي: لا تخونوا الله والرسول، ولا تخونوا أماناتكم التي فيما بينكم.

وأصله: أنه - عز وجل - امتحنهم فيما امتحنهم لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فيصيرون فيما خانوا فيما امتحنهم كأنهم خانوا أنفسهم وخانوا أماناتهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ...

﴾ الآية [فصلت: 46].

ثم خيانة المنافقين والمشركين في الدين، وخيانة المؤمنين في أفعالهم، فوعدهم التوبة عن خيانتهم، وأوعد أولئك على ما خانوا بقوله: ﴿ لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أن أنفسكم وأموالكم ليست لكم، إنما هي لله عندكم أمانة، فلا تخونوا فيها.

وعن ابن عباس -  - قال: الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة؛ يقول: ﴿ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: لا تنقصوها.

ثم اختلف أهل التأويل في نزول الآية: قال بعضهم: نزلت في أبي لبابة؛ وذلك أنه قيل في بعض القصة: إن النبي -  - حاصر يهود قريظة، فسألوا الصلح على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات، فأبى النبي، إلا أن ينزلوا على الحكم، فأبوا، فقالوا: فأرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحهم، فبعثه النبي إليهم، فلما أتاهم قالوا: يا أبا لبابة، أننزل على حكم محمد؟

فأشار أبو لبابة بيده ألا تنزلوا على الحكم، فأطاعوه، وكان أبو لبابة ماله وولده معهم، فخان المسلمين؛ فنزلت الآية في شأنه.

[وقال بعضهم: نزلت في شأن] حاطب بن أبي بلتعة، [حيث] فعل ما فعل أبو لبابة.

وقيل: نزلت في شأن قوم بينهم وبين رسول الله  عهد الذين كانوا يعبدون الأوثان والأصنام.

لكنا لا ندري في شأن من نزلت، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، سوى أن فيه ما ذكرنا من النهي عن الخيانة في أمانة الله، والأمر بحفظها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ .

أي: لم يعطهم الأولاد والأموال لعباً وباطلا، أو لتكون لهم الأموال والأولاد، ولكن أعطاهم محنة وابتلاء، وكذلك جميع ما أنشأ في الدنيا من الأشياء إنما أنشأها لنا فتنة ومحنة؛ كقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ...

﴾ الآية [الأعراف: 168]، وغيرها من الآيات؛ يدل على أن جميع ما أنشأ فتنة ومحنة يمتحن به البشر؛ كقوله: ﴿ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ أي: محنة وابتلاء امتحنا به في أنواع التأديب والتعليم والحفظ والحقوق التي جعلها لهم عليهم؛ [و] هو كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6]، وأوجب في الأموال حقوقاً امتحننا بأداء تلك الحقوق التي فيها، وكذلك في جميع ما أمر الله به الخلائق بأمور ونهاهم إنما أمر ونهى لمنفعة الخلائق، ودفع الضرر عنهم، لا لمنفعة نفسه، أو ضرر، أو حاجة يدفع بها عن نفسه؛ إذ له ملك ما في السماوات والأرض، وهو العزيز بذاته لا تمسه حاجة، يتعالى عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

لمن لم يخن الله والرسول؛ وعدهم الأجر العظيم إذا قاموا بوفاء ما امتحنهم الله وابتلاهم به من الأموال والأولاد؛ حيث قال: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن هذه الآية صلة ما سبق من الأمر بالجهاد ببدر والخروج إليه؛ كأنه قال: إن تتقوا الله وأطعتم الله وأجبتم له فيما دعاكم إليه، ﴿ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ ، [يحتمل قوله: ﴿ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ ] أي: يجعل خروجكم إليه وجهادكم آية عظيمة يظهر بها المحق من المبطل؛ كقوله: ﴿ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ  ﴾ ، أي: ليظهر الحق من الباطل، وقد كان بحمد الله ذلك، وبان الحق من الباطل، والمحق من المبطل.

وقيل: قوله: ﴿ فُرْقَاناً ﴾ ، أي: مخرجاً في الدين من الشبهات.

وقيل: مخرجاً في الدنيا والآخرة.

ويحتمل: ﴿ فُرْقَاناً ﴾ أي: بياناً لما ذكرنا؛ جعل الله -  - التقوى مشتملة على كل خير، وأصلا لكل بر، وصيرها مخرجاً من كل شبهة، ومن كل ضيق وشدة، وجعلها سبيلاً يوصل به إلى كل لذة وسرور، وينال به كل خير وبركة؛ على ما ذكر في غير آي من القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ : التي سبقت، ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ أي: يستر عليكم ذنوبكم، لا يطلع أحداً عليها، وذلك من أعظم النعم، وأصل المغفرة: الستر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .

أي: عند الله فضل؛ يعطيكم خيراً مما تطمعون [بالتقوى الذي ذكر].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، اعلموا أنكم إن تتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يجعل لكم ما تُفرِّقون به بين الحق والباطل، فلا يَلْتَبسان عليكم، ويَمْحُ عنكم ما اجترحتموه من السيئات، ويغفر لكم ذنوبكم، والله ذو الفضل العظيم، ومن فضله العظيم جنته التي أعدها للمتقين من عباده.

<div class="verse-tafsir" id="91.pd0Ek"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله