الآية ٣١ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣١ من سورة الأنفال

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم ، ودعواهم الباطل عند سماع آياته حين تتلى عليهم أنهم يقولون : ( قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ) وهذا منهم قول لا فعل ، وإلا فقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله فلا يجدون إلى ذلك سبيلا .

وإنما هذا قول منهم يغرون به أنفسهم ومن اتبعهم على باطلهم .

وقد قيل : إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث - لعنه الله - كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير ، والسدي ، وابن جريج وغيرهم ؛ فإنه - لعنه الله - كان قد ذهب إلى بلاد فارس ، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار ، ولما قدم وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه الله ، وهو يتلو على الناس القرآن ، فكان إذا قام - صلى الله عليه وسلم - من مجلس ، جلس فيه النضر فيحدثهم من أخبار أولئك ، ثم يقول : بالله أيهما أحسن قصصا ؟

أنا أو محمد ؟

ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر ووقع في الأسارى ، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تضرب رقبته صبرا بين يديه ، ففعل ذلك ، ولله الحمد .

وكان الذي أسره المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - كما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث .

وكان المقداد أسر النضر ، فلما أمر بقتله ، قال المقداد : يا رسول الله ، أسيري .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه كان يقول في كتاب الله - عز وجل - ما يقول .

فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله ، فقال المقداد : يا رسول الله ، أسيري .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم أغن المقداد من فضلك .

فقال المقداد : هذا الذي أردت .

قال : وفيه أنزلت هذه الآية : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ) وكذا رواه هشيم ، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية ، عن سعيد بن جبير ؛ أنه قال : " المطعم بن عدي بدل " طعيمة " وهو غلط ؛ لأن المطعم بن عدي لم يكن حيا يوم بدر ؛ ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ : لو كان المطعم حيا ، ثم سألني في هؤلاء النتنى لوهبتهم له - يعني : الأسارى - لأنه كان قد أجار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم رجع من الطائف .

ومعنى : ( أساطير الأولين ) وهو جمع أسطورة ، أي : كتبهم اقتبسها ، فهو يتعلم منها ويتلوها على الناس .

وهذا هو الكذب البحت ، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى : ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما ) [ الفرقان : 5 ، 6 ] .

أي : لمن تاب إليه وأناب ؛ فإنه يتقبل منه ويصفح عنه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (31) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آياتِ كتاب الله الواضحةَ لمن شرح الله صدره لفهمه (65) =، قالوا جهلا منهم، وعنادًا للحق، وهم يعلمون أنهم كاذبون في قيلهم= " لو نشاء لقلنا مثل هذا "، الذي تُلِي علينا= " إن هذا إلا أساطير الأولين "، يعني: أنهم يقولون: ما هذا القرآن الذي يتلى عليهم إلا أساطير الأولين.

و " الأساطير " جمع " أسطر ", وهو جمع الجمع, لأن واحد " الأسطر " " سطر ", ثم يجمع " السطر "، " أسطر " و " سطور ", ثم يجمع " الأسطر " " أساطير " و " أساطر ".

(66) وقد كان بعضُ أهل العربية يقول: واحد " الأساطير "، " أسطورة ".

* * * وإنما عنى المشركون بقولهم: " إن هذا إلا أساطير الأولين "، إنْ هذا القرآن الذي تتلوه علينا، يا محمد، إلا ما سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم!

كأنهم أضافوه إلى أنه أخذ عن بني آدم, وأنه لم يوحِه الله إليه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15977 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: " وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا " ، قال: كان النضر بن الحارث يختلف تاجرًا إلى فارس, فيمرّ بالعِباد وهم يقرءون الإنجيل ويركعون ويسجدون.

(67) فجاء مكة, فوجد محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أنـزل عليه وهو يركع ويسجد, فقال النضر: " قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا!"، للذي سَمِع من العباد.

فنـزلت: " وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا "، قال: فقص ربُّنا ما كانوا قالوا بمكة, وقص قولهم: إذ قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ، الآية.

15978 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان النضر بن الحارث بن علقمة، أخو بني عبد الدار، يختلف إلى الحيرة, فيسمع سَجْع أهلها وكلامهم.

فلما قدم مكة, سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن, فقال: " قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إنْ هذا إلا أساطير الأولين "، يقول: أساجيع أهل الحيرة.

(68) 15979 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير قال: قتل النبيُّ من يوم بدر صبرًا: عقبةَ بن أبي معيط, وطعيمة بن عدي, والنضر بن الحارث.

وكان المقداد أسر النضر, فلما أمر بقتله ، قال المقداد: يا رسول الله، أسيري!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول!

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فقال المقداد: أسيري!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " واللهم اغْنِ المقداد من فضلك!

" فقال المقداد: هذا الذي أردت!

وفيه نـزلت هذه الآية: " وإذا تتلى عليهم آياتنا "، الآية.

15980- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتل يوم بدر ثلاثة رهط من قريش صبرًا: المطعم بن عديّ, والنضر بن الحارث, وعقبة بن أبي معيط.

قال: فلما أمر بقتل النضر، قال المقداد بن الأسود: أسيري، يا رسول الله!

قال: إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما كان يقول!

قال: فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اغْن المقداد من فضلك!" وكان المقداد أسر النضر.

(69) ----------------- الهوامش : (65) انظر تفسير " التلاوة " فيما سلف ص : 385 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(66) انظر تفسير " الأساطير " فيما سلف 11 : 308 - 310 .

(67) " العباد " ، قوم من قبائل شتى من بطون العرب ، اجتمعوا على النصرانية قبل الإسلام ، فأنفوا أن يسموا بالعبيد ، فقالوا : " نحن العباد " ، ونزلوا بالحيرة .

فنسب إلى " العباد " ، ومنهم عدى بن يزيد العبادي الشاعر .

(68) " الأساجيع " جمع " أسجوعة " ، ما سجع به الكاهن وغيره .

وانظر ما سلف رقم : 13157 .

(69) الأثر : 15980 - هكذا جاء في رواية هذا الخبر " المطعم بن عدي " ، مكان " طعيمة بن عدى " ، وكأنه ليس خطأ من الناسخ ، لأن ابن كثير في تفسيره 4 : 51 ، قال : " وهكذا رواه هشيم ، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية ، عن سعيد بن جبير أنه قال : المطعم بن عدي ، بدل طعيمة .

وهو غلط ، لأن المطعم بن عدي لم يكن حيًا يوم بدر ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ : لو كان المطعم بن عدي حيًا ، ثم سألني في هؤلاء النتنى ، لوهبتهم له !

يعني الأسارى ، لأنه كان قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم رجع من الطائف " .

وانظر التعليق على رقم : 15981 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين نزلت في النضر بن الحارث ، كان خرج إلى الحيرة في التجارة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة ، وكسرى وقيصر ; فلما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضى قال النضر : لو شئت لقلت مثل هذا .

وكان هذا وقاحة وكذبا .

وقيل : إنهم توهموا أنهم يأتون بمثله ، كما توهمت سحرة موسى ، ثم راموا ذلك فعجزوا عنه وقالوا عنادا : إن هذا إلا أساطير الأولين .

وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى في بيان عناد المكذبين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا‏}‏ الدالة على صدق ما جاء به الرسول‏}‏‏.‏ ‏{‏قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ‏}‏ وهذا من عنادهم وظلمهم، وإلا فقد تحداهم اللّه أن يأتوا بسورة من مثله، ويدعوا من استطاعوا من دون اللّه، فلم يقدروا على ذلك، وتبين عجزهم‏.‏ فهذا القول الصادر من هذا القائل مجرد دعوى، كذبه الواقع، وقد علم أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا رحل ليدرس من أخبار الأولين، فأتى بهذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا ) يعني النضر بن الحارث ، ( قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ) وذلك أنه كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة فيسمع أخبار رستم واسفنديار ، وأحاديث العجم ويمر باليهود والنصارى فيراهم يقرءون التوراة والإنجيل ويركعون ويسجدون ، فجاء إلى مكة فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ويقرأ القرآن فقال النضر : قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم وما سطر الأولون في كتبهم .

والأساطير : جمع أسطورة ، وهي المكتوبة ، من قولهم سطرت أي كتبت .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا تُتلى عليهم آياتنا» القرآن «قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا» قاله النضر بن الحارث لأنه كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة «إن» ما «هذا» القرآن «إلا أساطير» أكاذيب «الأولين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا بالله آيات القرآن العزيز قالوا جهلا منهم وعنادًا للحق: قد سمعنا هذا من قبل، لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن، ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا -يا محمد- إلا أكاذيب الأولين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك جانبا من الدعاوى الكاذبة التى تفوه بها المشركون فقال - تعالى - ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين ) .وقد ذكر كثير من المفسرين " أن القائل لهذا القول : النضر بن الحارث؛ فإنه كان قد ذهب إلا بلاد فارس فأحضر منها قصصاً عن ملوكهم .

.

ولما قدم مكة ووجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن قال للمشركين : لو شئت لقلت مثل هذا ، وكان - صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلس ، جاء بعده النضر فجلس فيه وحدث المشركين بأخبار ملوك الفرس والروم ، وغيرهم ثم قال : أينا أحس قصصا؟

أنا أو محمد؟

وقد أمكن الله منه يوم بدر ، فقد أسره المقداد بن عمرو ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بضرب عنقه وقال فيه : " إنه كان يقول فى كتاب الله - عز وجل - ما يقول " " .وأسند - سبحانه - قول النضر إلى جميع المشركين ، لأنهم كانوا راضين بقوله ، ولأنه كان من زعمائهم الذين يقودونهم إلى طريق الغواية .والأساطير - كما يقول ابن جرير - : جمع أسطر ، لأن واحد الأسطر سطر .

ثم يجمع السطر : أسطر وسطور ، ثم يجمع الأسطر أساطير وأساطر .

وقد كان بعض أهل العربية يقول : واحد الأساطير : أسطورة - كأحاديث وأحدوثة .والمراد بها : تلك القصص والحكايات التى كتبها الكاتبون عن القدامى ، والتى يغلب عليها طابع الخرافة والتخيلات التى لا حقيقة لها .والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم الكذب والتمادى فى الطغيان ، أنهم كانوا إذا تتلى عليهم آيات الله ( قَالُواْ ) بصفاته ووقاحة : ( قَدْ سَمِعْنَا ) أى : قد معنا ما قرأته علينا - يا محمد - ووعيناه ( لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ) أى لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذى تتلوه علينا يا محمد وما هو إلا من قصص الأولين وحكاياتهم التى سطرها بعضهم عنهم وليس من عند الله - تعالى - .ولا شك أن قولهم هذا يدل على تعمدهم الكذب على أنفسهم وعلى الناس فإن هذا القرآن - الذى زعموا أنهم لو شاءوا لقالوا مثله - قد تحداهم فى نهاية المطاف أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وانقلبوا خاسرين .والذى نعتقده أن قولهم هذا ، ما هو إلا من قبيل الحرب النفسية التى كاوا يشنونها على الدعوة الإِسلامية ، بقصد تضليل البسطاء ، والوقوف فى وجه تأثير القرآن فى القلوب ، ومحاولة طمس معالم الحق ولو إلى حين .ولكنهم لم يفلحوا .

فإن نور الحق لا تحجبه الشبهات الزائفة ، ولا يعدم الحق أن يجد له أنصاراً حتى من أعدائه ، يكفى هنا أن نستشهد بما قاله الوليد بن المغيرة فى وصف القرآن الكريم : " إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن اسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر .

.

وما يقول هذا بشر " .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - ( لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا .

.

.

) : نفاجة منهم وصلت تحت الراعدة ، فإنهم لم تيوانوا فى مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة ، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالعجز حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه ، مع فرط أنفتهم ، واستنكافهم أن يغلبوا فى باب البيان خاصة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد.

حكى مكرهم في دين محمد، روى أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم، فيقرأ عليهم أساطير الأولين، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين ﴾ وهاهنا موضع بحث، وذلك لأن الاعتماد في كون القرآن معجزاً عن أنه صلى الله عليه وسلم تحدى العرب بالمعارضة، فلم يأتوا بها، وهذا إشارة إلى أنهم أتوا بتلك المعارضة، وذلك يوجب سقوط الدليل المعول عليه.

والجواب: أن كلمة ﴿ لَوْ ﴾ تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره.

فقوله: ﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ يدل على أنه ما شاء ذلك القول، وما قال.

فثبت أن النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة، وإنما أخبر أنه لو شاءها لأتى بها، وهذا ضعيف.

لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة، أما مجرد هذا القول فلا فائدة فيه.

والشبهة الثانية: لهم قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي بنوع آخر من العذاب أشد من ذلك وأشق منه علينا.

فإن قيل: هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ حكاه الله عن الكفار، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن فقد حصلت المعارضة في هذا القدر، وأيضاً حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا  ﴾ وذلك أيضاً كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته، وذلك يدل على حصول المعارضة.

الثاني: أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد عليه الصلاة والسلام في نزول العذاب، فلو كان نزول القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يصيروا شاكين في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، ولو كانوا كذلك لما أقدموا عى قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة، وحيث أتوا بهذه المبالغة، علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة.

والجواب عن الأول: أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة، لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة، وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدي ما وقع بجميع السور، وإنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام.

والجواب عن الثاني: هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا أنه لما كان معجزاً في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال فيه.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ ﴾ قال الزجاج: القراءة بنصب ﴿ الحق ﴾ على خبر ﴿ كَانَ ﴾ ودخلت ﴿ هُوَ ﴾ للفصل ولا موضع لها، وهي بمنزلة ما المؤكدة ودخلت ليعلم أن قوله: ﴿ الحق ﴾ ليس بصفة لهذا وأنه خبر.

قال: ويجوز هو الحق رفعاً ولا أعلم أحداً قرأ بها ولا خلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة، وروى صاحب الكشاف عن الأعمش أنه قرأ بها.

واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى، وهو قوله: ﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة الثانية، وهو قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تقرير وجه الجواب أن الكفار لما بالغوا وقالوا: اللهم إن كان محمد محقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، ذكر تعالى أن محمداً وإن كان محقاً في قوله إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه، وعلى منكري نبوته، لسببين: الأول: أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما دام يكون حاضراً معهم، فإنه تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيماً له، وهذا أيضاً عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين، فإنه لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها، كما كان في حق هود وصالح ولوط.

فإن قيل: لما كان حضوره فيهم مانعاً من نزول العذاب عليهم، فكيف قال: ﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ .

قلنا: المراد من الأول عذاب الاستئصال، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة.

والسبب الثاني: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وفي تفسيره وجوه: الأول: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون، فاللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد بعضهم كما يقال: قتل أهل المحلة رجلاً، وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد، والمراد بعضهم.

الثاني: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار، وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم.

الثالث: قال قتادة والسدي: ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي لو استغفروا لم يعذبوا، فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم.

أي لو اشتغلوا بالاستغفار لما عذبهم الله.

ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار هاهنا بمعنى الإسلام والمعنى: أنه كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا.

منهم أبو سفيان بن حرب.

وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب.

والحرث بن هشام.

وحكيم بن حزام.

وعدد كثير، والمعنى ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ مع أن في علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان.

قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.

قال ابن عباس: كان فيهم أمانان نبي الله والاستغفار، أما النبي فقد مضى، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة، ثم قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله ﴾ واعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام رسول الله فيهم، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم فكان المعنى أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر، وقيل بل يوم فتح مكة، وقال ابن عباس: هذا العذاب هو عذاب الآخرة، والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم، فقال: ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام ﴾ وقد ظهرت الأخبار أنهم كيف صدوا عنه عام الحديبية، ونبه على أنهم يصدون لادعائهم أنهم أولياؤه، ثم بين بطلان هذه الدعوى بقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاؤُهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ الذين يتحرزون عن المنكرات، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية، والمقصود بيان أن من كانت هذه حاله لم يكن ولياً للمسجد الحرام، فهم إذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا، فقتلهم الله يوم بدر، وأعز الإسلام بذلك على ما تقدم شرحه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ نفاجة منهم وصلف تحت الراعدة، فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحدّاهم وقرعهم بالعجز، حتى يفوزوا بالقدح المعلي دونه، مع فرط أنفتهم واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة، وأن يماتنهم واحد، فيتعللوا بامتناع المشيئة، ومع ما علم وظهر ظهور الشمس، من حرصهم على أن يقهروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهالكهم على أن يغمروه.

وقيل: قائله النضر بن الحرث المقتول صبراً، حين سمع اقتصاص الله أحاديث القرون: لو شئت لقلت مثل هذا.

وهو الذي جاء من بلاد فارس بنسخة حديث رستم وأسفنديار فزعم أن هذا مثل ذاك، وأنه من جملة تلك الأساطير، وهو القائل: ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق ﴾ وهذا أسلوب من الجحود بليغ، يعني إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر.

ومراده نفي كونه حقاً، وإذا انتفى كونه حقاً لم يستوجب منكره عذاباً فكان تعليق العذاب بكونه حقاً مع اعتقاد أنه ليس بحق، كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل حقاً، فأمطر علينا حجارة.

وقوله: ﴿ هُوَ الحق ﴾ تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين: هذا هو الحق.

وقرأ الأعمش ﴿ هُوَ الحق ﴾ بالرفع، على أن هو مبتدأ غير فصل.

وهو في القراءة الأولى فصل.

ويقال: أمطرت السماء، كقولك أنجمت وأسبلت ومطرت، كقولك: هتنت وهتلت، وقد كثر الأمطار في معنى العذاب.

فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ مّنَ السماء ﴾ ؟

والأمطار لا تكون إلا منها.

قلت: كأنه يريد أن يقال: فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسوّمة للعذاب، فوضع ﴿ حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ موضع السجيل، كما تقول: صب عليه مسرودة من حديد، تريد درعاً ﴿ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي بنوع آخر من جنس العذاب الأليم، يعني أن أمطار السجيل بعض العذاب الأليم، فعذبنا به أو بنوع آخر من أنواعه.

وعن معاوية أنه قال لرجل من سبإ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة!

قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.

اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أنّ تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة؛ لأن عادة الله وقضية حكمته أن لا يعذب قوماً عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم وفيه إشعار بأنهم مرصودون بالعذاب إذا هاجر عنهم.

والدليل على هذا الإشعار قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله ﴾ وإنما يصح هذا بعد إثبات التعذيب، كأنه قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذبهم إذا فارقتهم، وما لهم أن لا يعذبهم ﴿ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ في موضع الحال.

ومعناه نفي الاستغفار عنهم: أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [هود: 117] ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، ولا يتوقع ذلك منهم.

وقيل معناه وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين، ﴿ وَمَا لَهُمْ أَن لا يُعَذّبْهُمُ الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم، يعني: لا حظّ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.

وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدّون عن المسجد الحرام كما صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وإخراجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الصدّ، وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء ﴿ مَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ ﴾ وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمره وأربابه ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ من المسلمين ليس كل مسلم أيضاً ممن يصلح لأن يلي أمره، إنما يستأهل ولايته من كان براً تقياً، فكيف بالكفرة عبدة الأصنام ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.

أو أراد بالأكثر: الجميع، كما يراد بالقلة: العدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ، وإسْنادُهُ إلى الجَمِيعِ إسْنادُ ما فَعَلَهُ رَئِيسُ القَوْمِ إلَيْهِمْ فَإنَّهُ كانَ قاصَّهم، أوْ قَوْلُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا غايَةُ مُكابَرَتِهِمْ وفَرْطُ عِنادِهِمْ، إذْ لَوِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ فَما مَنَعَهم أنْ يَشاءُوا وقَدْ تَحَدّاهم وقَرَّعَهم بِالعَجْزِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ قارَعَهم بِالسَّيْفِ فَلَمْ يُعارِضُوا سُورَةً مَعَ أنَفَتِهِمْ وفَرْطِ اسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا خُصُوصًا في بابِ البَيانِ.

﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ مِنَ القِصَصِ.

﴿ وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذا أيْضًا مِن كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ أبْلَغُ في الجُحُودِ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قالَ النَّضْرُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ قالَ لَهُ النَّبِيُّ  : «وَيْلَكَ إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ» فَقالَ ذَلِكَ.

والمَعْنى إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ حَقًّا مُنَزَّلًا فَأمْطِرِ الحِجارَةَ عَلَيْنا عُقُوبَةً عَلى إنْكارِهِ، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ سِواهُ، والمُرادُ مِنهُ التَّهَكُّمُ وإظْهارُ اليَقِينِ والجَزْمِ التّامِّ عَلى كَوْنِهِ باطِلًا.

وقُرِئَ « الحَقُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هو مُبْتَدَأٌ غَيْرُ فَصْلٍ، وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا بِالوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ النَّبِيُّ  وهو تَنْزِيلُهُ لا الحَقُّ مُطْلَقًا لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

كان عليه السلام يقرأ القرآن ويذكر أخبار القرون الماضية فى قرءاته فقال النضر بن الحرث لو شئت لقلت مثل هذا وهو الذي جاء بمن بلاد فارس بنسخة حديث رستم وأحاديث العجم فنزل {وإذا تتلى عليهم آياتنا} أي القرآن {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين} وهذا صلف منه مووقاحة لأنهم دعوا إلى أن يأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القثران فلم يأتوا به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ﴾ الَّتِي لَوْ أنْزَلْناها عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴿ قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ قائِلُهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ عَلى ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وكانَ يَخْتَلِفُ إلى أرْضِ فارِسَ والحِيرَةِ فَيَسْمَعُ أخْبارَهم عَنْ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ وكِبارِ العَجَمِ، وكانَ يَمُرُّ بِاليَهُودِ والنَّصارى فَيَسْمَعُ مِنهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ مِن إسْنادِ فِعْلِ البَعْضِ إلى الكُلِّ؛ لِما أنَّ اللَّعِينَ كانَ رَئِيسَهم وقاضِيَهُمُ الَّذِي يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ ويَعْمَلُونَ بِرَأْيِهِ.

وقِيلَ: قالَهُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في دارِ النَّدْوَةِ، وأيًّا ما كانَ فَهو غايَةُ المُكابَرَةِ ونِهايَةُ العِنادِ، إذْ لَوِ اسْتَطاعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَما مَنَعَهم مِنَ المَشِيئَةِ؟

وقَدْ تَحَدّاهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَرَعَهم بِالعَجْزِ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ قارَعَهم بِالسَّيْفِ فَلَمْ يُعارِضُوا بِما سِواهُ مَعَ أنَفَتِهِمْ واسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا لا سِيَّما في مَيْدانِ البَيانِ فَإنَّهم كانُوا فُرْسانَهُ المالِكِينَ لِأزِمَّتِهِ الحائِزِينَ قَصَبَ السَّبْقِ بِهِ.

واشْتُهِرَ أنَّهم عَلَّقُوا القَصائِدَ السَّبْعَةَ المَشْهُورَةَ عَلى بابِ الكَعْبَةِ مُتَحَدِّينَ بِها، لَكِنْ تُعُقِّبَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا أصْلَ لَهُ وإنِ اشْتُهِرَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مِنهم قَبْلَ أنْ يَنْقَطِعَ طَمَعُهم عَنِ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ عَلى ما قالَهُ المُبَرِّدُ كَأُحْدُوثَةٍ وأحادِيثَ ومَعْناهُ ما سُطِّرَ وكُتِبَ.

وفي القامُوسِ: الأساطِيرُ الأحادِيثُ لا نِظامَ لَها، جَمْعُ أسْطارٍ وإسْطِيرٍ وأُسْطُورٍ وبِالهاءِ في الكُلِّ.

وأصْلُ السَّطْرِ الصَّفُّ مِنَ الشَّيْءِ كالكِتابِ والشَّجَرِ وغَيْرِهِ وجَمْعُهُ أسْطُرٌ وسُطُورٌ وأسْطارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ أساطِيرُ ويُحَرَّكُ في الكُلِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمْعَ سَطْرٍ بِالسُّكُونِ أسْطُرٌ وسُطُورٌ وجَمْعُ سَطْرٍ أسْطارٌ وأساطِيرُ، وهو مُخالِفٌ لِما في القامُوسِ، والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، وأرادُوا: ما هَذا إلّا كَقِصَصِ الأوَّلِينَ وحِكاياتِهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها ولَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وكَأنَّهُ بَيانٌ لِوَجْهِ قُدْرَتِهِمْ عَلى قَوْلِ مِثْلِهِ لَوْ شاؤُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا، يعني: القرآن.

قالُوا قَدْ سَمِعْنا، يعني قد سمعنا قولك.

لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، القرآن.

إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، نزلت في شأن نضر بن الحارث، كان يحدث عن الأمم الخالية من حديث رستم وإسفنديار، فقال: إن الذي يخبركم محمد مثل ما أحدثكم من أحاديث الأولين وكذبهم، فقال له عثمان بن مظعون: اتق الله يا نضر، فإنه ما يقول إلا حقاً، فقال النضر بن الحارث: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، يعني: إن كان ما يقول محمد من القرآن حقاً، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ.

قال أبو عبيدة: كل شيء في القرآن أمطر فهو من العذاب، وما كان من الرحمة فهو مطر.

وروى أسباط عن السدي قال: قال النضر بن الحارث: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا، فأمطر علينا حجارة من السماء، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ فنزل سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [المعارج: 1] فاستجيب دعاؤه، وقتل في بدر.

قال سعيد بن جبير: قتل النبيّ  ثلاثة يوم بدر صبراً: النضر بن الحارث، وطعمة بن عدي، وعتبة بن أبي معيط.

وكان النضر أسره المقداد، فقال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال النبيّ  : «إنه كان يقول في الله وَرَسُولِهِ مَا يَقُولُ» ، فقال: يا رسول الله  أسيري.

فقال: اللَّهُمَّ أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ» .

فقال المقداد: هذا الذي أردت فنزل وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وكان ذلك القول من النضر حين كان النبيّ  في مكة، فأخبر الله تعالى أنه لا يعذبهم وأنت بين ظهرانيهم، حتى يخرجك عنهم كما أخرج الأنبياء قبلك عن قومهم ثم عذبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التقوى والطاعة لله سبحانه، ويَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً: معناه: فرْقاً بين حقِّكم، وباطل مَنْ ينازعكم بالنصْر والتأييد، وعبَّر قتادة، وبعضُ المفسّرين عن «الفرقان» هاهنا بالنجاةِ «١» ، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: معناه: مَخْرَجاً «٢» ، ونحو هذا مما يعمه ما ذكَرْناه، وقد يوجَدُ للعرب استعمال «الفرقان» ، كما ذكر المفسِّرون وعلى ذلك شواهد منها قول الشاعر:

[الطويل]

وَكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي ...

وَمَاليَ مِنْ كَأْسِ المَنيِّةِ فُرْقَانُ «٣»

ت: قال ابن رُشْد: وأَحْسَنُ ما قيلَ في هذا المعنى قوله تعالى: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي: فصلا بين الحق والباطل حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إليه.

انتهى من «البيان» .

وقوله سبحانه: وَإِذْ يَمْكُرُ/ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...

الآية: تذكيرٌ بحال مكَّة وضيقها مع الكفرة، وجميل صُنْع اللَّه تعالى في جميع ذلك، والمَكْرُ: المخاتلة والتداهي تقول:

فلانٌ يَمْكُرُ بفلان إِذا كان يستدرجه، وهذا المكر الذي ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية هو بإِجماع من المفسِّرين: إِشارةٌ إِلى اجتماع قُرَيْش في «دار النَّدْوَةِ» بمحْضَر إِبْليسَ في صورة شيخٍ نَجْدِيٍّ على ما نصَّ ابن إِسحاق في «سِيَرِهِ» الحديثَ بطوله، وهو الذي كان خُرُوجُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بَعْدَ مَوْت أبي طالب، ففي القصَّة: أن أبا جهْلٍ قال: الرأْيُ أنْ نأخذ من كل بطنٍ في قريشٍ فَتًى قويًّا جَلْدياً، فيجتمعون ثم يأخُذ كُلُّ واحد منهم سيفاً، ويأتون محمداً في مَضْجَعه، فيضربونه ضَرْبةَ رجُلٍ واحدٍ، فلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ على قِتالِ قُرَيْشَ بأسرها، فيأخذون العَقْلَ، ونستريحُ منه، فقال النَّجْدِيُّ: صدق الفَتَى هذا الرأيُ: لاَ رَأْيَ غيره، فافترقوا عَلَى ذلك، فأخبر اللَّه تعالَى بذلك نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وأذن له في الخُرُوجِ إِلى المدينة، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ليلته، وقال لعليّ بن أبي

طالب: «التف في بُرْدِيَ الحَضْرَمِيِّ، واضطجع فِي مَضْجَعِي فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ شَيْء، فَفَعَل» ، فجاءَ فتْيَانُ قُرَيْشٍ، فجعلوا يرصُدُون الشخْصَ، وينتظرون قيامه، فيثورون به، فلما قام رَأَوْا عَلِيًّا، فقالوا له: أيْنَ صَاحِبُكَ؟

فقال: لا أدْرِي، وفي «السّير» أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ عَلَيْهِم، وهُمْ في طريقه، فطَمَسَ اللَّه أعينهم عَنْه، وجعل عَلَى رأس كلِّ واحد منهم تراباً، ومضَى لوجهه، فجاءهم رجُلٌ، فقال: مَا تَنْتَظِرُونَ؟

قَالُوا: محمَّداً، قال: إِنِّي رأَيْتُهُ الآن جائياً من ناحيتكم، وهو لا مَحَالَة، وضَعَ الترابَ علَى رؤوسكم، فَمَدّ كلُّ واحدٍ يده إِلى رَأْسِهِ، فإِذا عليه الترابُ، وجاؤوا إلى مضجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَوَجدوا عَلِيًّا، فركبوا وراءه حينئذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وهو بالغارِ، ومعنى: لِيُثْبِتُوكَ: لِيَسْجُنُوكَ قاله عطاء وغيره «١» وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: ليُوثِقُوكَ «٢» .

وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا، يعني: القرآن، قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أي: قَصَصُهُمُ المَكْتُوبةُ المسْطُورة، وأساطيرُ: جمع «أسطورة» ، ويحتمل جمع: «أَسْطَار» ، وتواترتِ الرواياتُ عن ابنِ جُرَيْج وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارِثِ وذلك أنه كان كَثِيرَ السَّفَرِ إِلى فَارسَ والحِيرَة، فكان قد سَمِعَ من قصص الرهبان وأخبار رُسْتُم وإسْفِنْديَار، فلما «٣» سمع القرآن، ورأى فيه أخبار الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلْتُ مثْلَ هذا، وكان النضْرُ من مردة قريش النائلين من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ونزلَتْ فيه آيات كثيرة من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمْكَنَ اللَّه منْهُ يَوْمَ بدر، وقتله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صَبْراً بالصَّفْرَاء مُنْصَرَفَهُ من بَدْرٍ في موضعٍ يقال له «الأَثيل» ، وكان أَسَرَهُ المِقْدادُ، فلما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضرب عُنْقِهِ، قال المقداد:

أَسِيرِي، يا رَسُولَ الله!

فقال/ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ في كِتَابِ اللَّهِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ» ، ثُمَّ أَعَادَ الأَمْرَ بِقَتْلِهِ، فَأَعَادَ المقداد مقالته، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ، أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ» ، فَقَالَ المِقْدَادُ: هذا الّذي أردت، فضربت عنق النّضر «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ﴾ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآَيَهَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كِلْدَةَ، وأنَّهُ لَمّا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  يَذْكُرُ قَصَصَ القُرُونِ الماضِيَةِ، قالَ: لَوْ شِئْتَ لَقُلْتَ مِثْلَ هَذا.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ قَدْ سَمِعْنا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدْ سَمِعْنا مِنكَ ولا نُطِيعُكَ.

والثّانِي: قَدْ سَمِعْنا قَبْلَ هَذا مِثْلَهُ، وكانَ النَّضْرُ يَخْتَلِفُ إلى فارِسٍ تاجِرًا، فَيَسْمَعُ العِبادَ يَقْرَؤُونَ الإنْجِيلَ.

وقَدْ بَيَّنَ التَّحَدِّي كَذِبَ مَن قالَ: ﴿ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الأساطِيرِ في [الأنْعامِ:٢٥] <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَإذْ قالُوا اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والآياتُ هُنا: آياتُ القُرْآنِ خاصَّةً بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ تُتْلى ﴾ ، و ﴿ قَدْ سَمِعْنا ﴾ يُرِيدُ: وقَدْ سَمِعْنا هَذا المَتْلُوَّ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ، وقَدْ سَمِعْنا نَظِيرَهُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّ النَضْرَ سَمِعَ أحادِيثَ أهْلِ الحَيْرَةِ مِنَ العِبادِ، فَلَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ مِنَ القِصَصِ والأنْبِياءِ، فَإنَّ هَذِهِ إنَّما هي أساطِيرُ مَن قَدْ تَقَدَّمَ، أيْ قِصَصُهُمُ المَكْتُوبَةُ المَسْطُورَةُ، وأساطِيرُ: جَمَعَ أُسْطُورَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أسْطارٍ، ولا يَكُونُ جَمْعَ أسْطُرٍ كَما قالَ الطَبَرِيُّ، لِأنَّهُ كانَ يَجِيءُ أساطِرُ دُونَ ياءٍ، هَذا هو قانُونُ البابِ، وقَدْ شَذَّ مِنهُ شَيْءٌ كَصَيْرَفٍ، قالُوا في جَمْعِهِ: صَيارِيفَ، والَّذِي تَواتَرَتْ بِهِ الرِواياتُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، والسُدِّيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الَّذِي قالَ هَذِهِ المَقالَةَ هو النَضْرُ بْنُ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ كَثِيرَ السَفَرِ إلى فارِسَ والحَيْرَةِ، فَكانَ قَدْ سَمِعَ مِن قَصَصِ الرُهْبانِ والأناجِيلِ، وسَمِعَ مِن أخْبارِ رُسْتُمَ واسْبِنْدِيارَ، فَلَمّا سَمِعَ القُرْآنَ ورَأى فِيهِ مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، قالَ: لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ مِثْلَ هَذا، وكانَ النَضْرُ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ النائِلِينَ مِن رَسُولِ اللهِ  ، ونَزَلَتْ فِيهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللهِ، وقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ  صَبْرًا بِالصَفْراءِ مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: الأُثَيْلُ، وكانَ أسَرَهُ المِقْدادُ، «فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِضَرْبِ عُنُقِهِ قالَ المِقْدادُ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللهِ ما قَدْ عَلِمْتُمْ، ثُمَّ أعادَ المِقْدادُ مَقالَتَهُ حَتّى قالَ رَسُولُ اللهِ  : "اللهُمَّ أغْنِ المِقْدادَ مِن فَضْلِكَ"، فَقالَ المِقْدادُ: هَذا الَّذِي أرَدْتُ، فَضَرَبَ عُنُقَ النَضْرِ.» وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا ثَلاثَةَ نَفَرٍ: المُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والنَضْرُ بْنُ الحارِثِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وهْمٌ عَظِيمٌ في خَبَرِ المُطْعَمِ، فَقَدْ كانَ ماتَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، وفِيهِ قالَ النَبِيُّ  : « "لَوْ كانَ المُطْعَمُ حَيًّا وكَلَّمَنِي في هَؤُلاءِ النَتْنى لَتَرَكْتُهم لَهُ"» يَعْنِي أسْرى بَدْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالُوا اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والسُدِّيِّ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ هو النَضْرُ بْنُ الحارِثِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَرَتَّبَ أنْ يَقُولَ النَضْرُ بْنُ الحارِثِ مَقالَةً ويَنْسُبَها القُرْآنُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِأنَّ النَضْرَ كانَ فِيهِمْ مَوْسُومًا بِالنُبْلِ والفَهْمِ مَسْكُونًا إلى قَوْلِهِ، فَكانَ إذا قالَ قَوْلًا قالَهُ مِنهم كَثِيرٌ واتَّبَعُوهُ عَلَيْهِ حَسَبَما يَفْعَلُهُ الناسُ أبَدًا بِعُلَمائِهِمْ وفُقَهائِهِمْ، والمُشارُ إلَيْهِ بِـ "هَذا" هو القُرْآنُ وَشَرْعُ مُحَمَّدٍ  ، والَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ هو الحَسَدُ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُكَرِّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا  هَذِهِ الكَرامَةَ، وعَمِيَتْ بَصائِرُهم عَنِ الهُدى، وصَمَّمُوا عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ بِحَقٍّ فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ قَدْ تَحَقَّقَ بِزَعْمِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ: "إنْ كانَ كَذا وكَذا فَفَعَلَ اللهُ بِي وصَنَعَ"، وحَكى ابْنُ فَوْرَكٍ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ خَرَجَتْ مَخْرَجَ العِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ حَقٌّ، وكَذَلِكَ ألْزَمَ بَعْضُ أهْلِ اليَمَنِ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ القِصَّةَ المَشْهُورَةَ في بابِ الأجْوِبَةِ، وحَكاهُ الطَبَرِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدُ التَأْوِيلِ، ولا يَقُولُ هَذا عَلى جِهَةِ العِنادِ عاقِلٌ.

ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ رَفْعُ "الحَقَّ" عَلى أنَّهُ خَبَرُ "هُوَ"، والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، قالَ الزَجّاجُ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهَذا الجائِزِ، وقِراءَةُ الناسِ إنَّما هي بِنَصْبِ "الحَقِّ" عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ كانَ ويَكُونُ "هُوَ" فَصْلًا، فَهو حِينَئِذٍ اسْمٌ وفِيهِ مَعْنى الإعْلامِ بِأنَّ الَّذِي بَعْدَهُ خَبَرٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ، "فَأمْطِرْ" إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ، و"مَطَرَ" في الرَحْمَةِ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعارِضُ هَذِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا  ﴾ لِأنَّهم ظَنُّوها سَحابَةَ رَحْمَةٍ، وقَوْلُهُمْ: ( مِنَ السَماءِ ) مُبالَغَةٌ وإغْراقٌ.

وهَذانِ النَوْعانِ اللَذانِ اقْتَرَحُوهُما هُما السالِفانِ في الأُمَمِ، عافانا اللهُ وعَفا عَنّا ولا أضَلَّنا بِمَنِّهِ ويُمْنِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال إلى ذكر بهتان آخر من حجاج هؤلاء المشركين، لم تزل آيات هذه السورة يتخللها أخبار كفرهم من قوله: ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ [الأنفال: 7] وقوله ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 13] وقوله ﴿ فلَمْ تقتلوهم ولكن الله قتلهم ﴾ [الأنفال: 17] وقوله ﴿ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ [الأنفال: 21] ثم بقوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [الأنفال: 30].

وهذه الجمل عطف على جملة: ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ [الأنفال: 23].

وهذا القول مقالة المتصدين للطعن على الرسول صلى الله عليه وسلم ومحاجته، والتشغيب عليه: منهم النضر بن الحارث، وطُعمية بن عدي، وعقبة بن أبي مُعَيْط.

ومعنى ﴿ قد سمعنا ﴾ : قد فهمنا ما تحتوي عليه، لو نشاء لقلنا مثلها وإنما اهتموا بالقصص ولم يتَبيّنوا مغزاها ولا ما في القرآن من الآداب والحقائق، فلذلك قال الله تعالى عنهم ﴿ كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ [الأنفال: 21] أي لا يفقهون ما سمعوا.

ومن عجيب بهتانهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم تحدّاهم بمعارضة سورة من القرآن، فعجزوا عن ذلك وأفحموا، ثم اعتذروا بأن ما في القرآن أساطير الأولين وأنهم قادرون على الإتيان بمثل ذلك قيل: قائِل ذلك هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار، كان رجلاً من مردة قريش ومن المستهزئين، وكان كثيرَ الأسفار إلى الحِيره وإلى أطراف بلاد العجم في تجارته، فكان يلقى بالحِيرة ناساً من العِبَاد (بتخفيف الباء اسم طائفة من النصارى) فيحدثونه من أخبار الإنجيل ويلقَى من العرب من ينقل أسطورة حروب (رُسْتُم) و(أسْفندياذ) من مُلوك الفرس في قصصهم الخُرافي، وإنما كانت تلك الأخبار تترجم للعرب باللسان ويستظهرها قصاصهم وأصحاب النوادر منهم ولم يذكر أحد أن تلك الأخبار كانت مكتوبة بالعربية، فيما أحسب، إلاّ ما وقع في «الكشاف» أن النضر بن الحارث جاء بنسخة من خبر (رُستم) و(اسفندياذَ) ولا يبعد أن يكون بعض تلك الأخبار مكتوباً بالعربية كتبها القصاصون من أهل الحِيرة والأنبار تذكرة لأنفسهم، وإنما هي أخبار لا حكمة فيها ولا موعظة، وقد أطال فيها الفردوسي في كتاب «الشاهنامه» تطويلاً مُملاً على عادة أهل القصص، وقال الفخر: اشترى النضر من الحِيرة أحاديث كليلة ودمنة، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأولين، فإسناد قول النضر بن الحارث إلى جماعة المشركين: من حيث إنهم كانوا يؤيدونه ويَحكونه ويُحاكونه، ويحسبون فيه معذرة لهم عن العجز الذي تلبسوا به في معارضة القرآن، وأنه نفّس عليهم بهذه الأغلوطة، فإذا كان الذي ابتكره هو النضر بن الحارث فليس يمتنع أن تصدر أمثال هذا القول من أمثاله وأتباعه، فمن ضمنهم مجلسه الذي جاء فيه بهذه النزاقة.

وقولهم: ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ إيهام بأنهم ترفعوا عن معارضته، وأنهم لو شاءوا لنقلوا من أساطير الأولين إلى العربية ما يوازي قصص القرآن وهذه وقاحة، وإلاّ فما منعهم أن يشاءوا معارضة من تحداهم وقرعهم بالعجز بقوله: ﴿ فإنْ لم تفعلوا ولنْ تفعلوا ﴾ [البقرة: 24] مع تحيزهم وتآمرهم في إيجاد معذرة يعتذرون بها عن القرآن وإعجازه إياهم وتحديه لهم، وما قاله الوليد بن المغيرة في أمر القرآن.

و«الأساطير» جمع أسطورة بضم الهمزة وهي القصة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأولين ﴾ في سورة [الأنعام: 25].

والمخالفة بين شرط ﴿ لو ﴾ وجوابها إذ جعل شرطها مضارعاً والجزاء ماضياً جرى على الاستعمال في (لو) غالباً، لأنها موضوعة للماضي فلزم أن يكون أحد جزَأيْ جملتها ماضياً، أو كلاهما.

فإذا أريد التفنن خولف بينهما، فالتقدير: لو شئنا لقلنا، ولا يبعد عندي في مثل هذا التركيب أن يكون احتباكاً قائماً مقام شرطين وجزاءين فإحدى الجملتين مستقبلة والأخرى ماضية، فالتقدير لو نشاء أن نقول نقولُ، ولو شئنا القول في الماضي لقلنا فيه، فذلك أوعب للأزمان، ويكون هذا هو الفرق بين قوله: ﴿ ولَوْ شئنا لآتينا كل نفسسٍ هداها ﴾ [السجدة: 13] وقوله: ﴿ أنْ لَو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ﴾ [الرعد: 31] فهم لما قالوا: ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ ادعوا القدرة على قول مثله في الماضي وفي المستقبل إغراقاً في النفَاجة والوقاحة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَدْ سَمِعْنا هَذا مِنكم ولا نُطِيعُكم.

والثّانِي: قَدْ سَمِعْنا قَبْلَ هَذا مِثْلَهُ فَماذا أغْناكم.

﴿ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِثْلَ هَذا في النُّظُمِ والبَيانِ مُعارَضَةً لَهُ في الإعْجازِ.

والثّانِي: مِثْلَ هَذا في الِاحْتِجاجِ مُعارَضَةً لَهُ في الِاسْتِدْعاءِ إلى الكُفْرِ.

﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي أحادِيثَ الأوَّلِينَ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قِصَصُ مَن مَضى وأخْبارُ مَن تَقَدَّمَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ولَيْسَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، «وَقَدْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ  صَبْرًا في جُمْلَةِ ثَلاثَةٍ مِن قُرَيْشٍ: عُقْبَهُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والنَّضِرُ بْنُ الحارِثُ وكانَ أسِيرَ المِقْدادِ، فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَتْلِ النَّضِرِ قالَ المِقْدادُ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اللَّهم أعِنِ المِقْدادَ)، فَقالَ: هَذا أرَدْتُ.

» وفِيهِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها.

﴿ وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وفي هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنادًا لِلْحَقِّ وبُغْضًا لِلرَّسُولِ  .

والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ.

وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ  ﴾ وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا  ﴾ .

قالَ عَطاءٌ: لَقَدْ نَزَلَتْ في النَّضِرِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ إكْرامًا لِنَبِيِّهِ وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ أنْ يُعَذِّبَ قَوْمًا هو بَيْنَهم.

تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ.

والثّانِي: إرْسالُهُ فِيهِمْ رَحْمَةً لَهم ونِعْمَةً عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِزْ أنْ يُعَذِّبَهم وهو فِيهِمْ حَتّى يَسْتَحِقُّوا سَلْبَ النِّعْمَةِ بِإخْراجِهِ عَنْهم.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وقَدْ بَقِيَ فِيهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْمٌ يَسْتَغْفِرُونَ وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ وأبِي مالِكٍ وعَطِيَّةَ.

والثّانِي: لا يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا وهم يَسْتَغْفِرُونَ فِيها فَيَقُولُونَ: غُفْرانَكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ  : (قَدْ قَدْ فَيَقُولُونَ: إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ويَقُولُونَ غُفْرانَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ » قالَهُ أبُو مُوسى ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ ومُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الِاسْتِغْفارَ في هَذا المَوْضِعِ الإسْلامُ، ومَعْنى الكَلامِ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يُسَلِمُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: مَعْناهُ أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا اسْتِدْعاءً لَهم إلى الِاسْتِغْفارِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم أيْ مُهْلِكَهم وقَدْ عَلِمَ أنَّ لَهم أوْلادًا وذُرِّيَّةً يُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: «قتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبراً عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله أسيري.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول: وفيه أنزلت هذه الآية ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم، فلما قدم إلى مكة سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فقال: ﴿ قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون: كان النضر بن الحارث (١) (٢) (٣)  شأن القرون الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، إن هذا إلا ما استطر الأولون في كتبهم (٤) ﴿ لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا ﴾ تكذبا وافتراء بعد ما أبان التحدي إفكهم وأنهم عجزة عن سورة مثله؛ وذكرنا معني الأساطير في سورة الأنعام (٥) (١) هو: النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار بن قصي القرشي، كان من شجعان قريش ووجوهها واحد شياطينها وممن آذى رسول الله  وكان له إطلاع على أخبار الأمم السابقة وكتب الفرس، أصيب ببدر مع المشركين فامتنع عن == الطعام والشراب حتى مات، وقيل: قتل صبرًا بعد الانصراف من المعركة.

انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 319، و"الكامل" لابن الأثير 2/ 73، و"زهرة الآداب" 1/ 33، و"جمهرة الإنساب" ص 126، و"نسب قريش" ص 255.

(٢) "كليلة ودمنّة" كتاب وضعه الفيلسوف الهندي بيدبا لأحد ملوك الهند، وجعله على ألسنة البهائم والطيور، وقد نقل من اللغة الهندية إلى الفهلوية الفارسية، ثم نقله عبد الله بن المقفع إلى اللغة العربية، ومنها ترجم إلى سائر اللغات الحية، انظر: "التمهيد لكتاب كليلة ودمنة" بقلم جورجي زيدان.

(٣) هم رهط من قريش تحالفوا على أذى رسول الله  والافتراء عليه، وإذاعة ذلك بكل طريق، وإخبار النزاع إليهم به.

انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 195، و"تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 127، و"الدر المنثور" 3/ 327.

(٤) رواه الثعلبي 6/ 50 أمختصرًا، ومثله البغوي 3/ 351، وكذلك ابن إسحاق في "السيرة" 1/ 319، ورواه ابن جرير 9/ 231 بمعناه عن ابن جريج والسدي.

(٥) انظر: "تفسير البسيط" الأنعام: 25.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ أي تفرقه بين الحق والباطل، وذلك دليل على أن التقوى تنوِّر القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ ﴾ عطف على إذ أنتم قليل، أو استئناف، وهي إشارة إلى اجتماع قريش بدار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي الحديث بطوله ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ أي ليسجنونك ﴿ قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا ﴾ قيل: نزلت في النضر بن الحارث؛ كان قد تعلم من أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن وفيه أخبار الأنبياء قال لو شئت لقلت مثل هذا، وقيل: هي في سائر قريش ﴿ أساطير الأولين ﴾ أي أخبارهم المسطورة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما تعملون ﴾ ، ﴿ بصير ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

الوقوف: ﴿ مثل هذا ﴾ لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنت فيهم ﴾ ط ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وتصدية ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يغلبون ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يحشرون ﴾ ه لا لتعا اللام ﴿ في جهنم ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ ما سلف ﴾ ط لابتداء الشرط مع العطف ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ كله لله ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه.

وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم واسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة.

ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق ﴾ الآية.

وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله ﴿ هو الحق ﴾ بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق.

ومعنى ﴿ حجارة من السماء ﴾ الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع أخر من جنس العذاب الأليم.

ومراده نفي كونه حقاً فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة.

وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة.

قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله  حين دعاهم إلى الحق ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.

ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيماً لشأن النبي ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم.

وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله  من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلاناً وإنما قتله واحد منهم أو اثنان.

وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده.

وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.

قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار.

أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة.

ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال ﴿ ومالهم ألا يعذبهم الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.

قيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر.

وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله ﴿ وهم يصدون ﴾ أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية.

والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله  والمؤمنين من الصدّ.

وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلاً عن مشرك ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.

أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم.

ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ المكاء "فعال" كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر.

والتصدية التصفيق "تفعلة" من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفاً أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة.

قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً.

وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به.

وقيل: تصويب يشبه صوت المكَّاء بالتشديد وهو طائر معروف.

عن ابن عمر: كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون.

فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم.

وفيه أن من كان المكاء والتثدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له.

وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي  في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة.

ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة ﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.

ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ الآية.

قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب.

وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر.

وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة - وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة.

والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً - قاله في الكشاف.

وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً لمن أصيب منا فأنزل الله  الآية.

ومعنى ﴿ ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ أن غرضهم في الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك.

ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال ﴿ فيسنفقونها ﴾ أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً لقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ومعنى "ثمك" في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكوروبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة.

ثم قال ﴿ والذين كفروا ﴾ أي الكافرون منهم ولم يقل "ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون" لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم.

ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال ﴿ ليميز الله الخبيث ﴾ أي الفريق الخبيث من الكفار ﴿ من ﴾ الفريق ﴿ الطيب ﴾ وهم المؤمنون ﴿ ويجعل ﴾ الفريق ﴿ الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً ﴾ عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام.

يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ﴿ أولئك ﴾ الفريق الخبيث ﴿ هم الخاسرون ﴾ وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله  والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم  ﴾ وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ ليميز الله ﴾ يتعلق بقوله ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ قاله في الكشاف.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بـ ﴿ يحشرون ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين كفروا.

ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال ﴿ قل للذين كفروا ﴾ أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام ﴿ يغفر لهم ما قد سلف ﴾ من الكفر والمعاصي.

ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: "أن تنتهوا يغفر لكم".

وقد قرأ بذلك ابن مسعود ﴿ وإن تعودوا ﴾ لقتاله ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر ﴿ وإن يعودوا ﴾ بالعودة إلى الردة.

واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل تبوته أم لا؟

والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار لقوله  : "نحن نحكم بالظاهر" ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق.

ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال ﴿ وقاتلوهم ﴾ الآية.

وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد ههنا لفظة ﴿ كله ﴾ في قوله ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ لأن القتال ههنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿ فإن الله بما يعملون بصير ﴾ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.

ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء.

﴿ وإن تولوا ﴾ ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ فثقوا بولايته ونصرته.

التأويل: قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله.

ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم ﴿ لقلنا مثل هذا ﴾ قولهم ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ﴾ ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقاً فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ ، ﴿ ولكن أكثرهم ﴾ يعني أكثر المتقين أو ﴿ لا يعلمون ﴾ أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ﴿ ثم يغلبون ﴾ لا يظفرون بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس ﴿ إلى جهنم ﴾ البعد والقطعية ﴿ يحشرون ﴾ ، ﴿ ليميز الله ﴾ الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس ﴿ فيركمه جميعاً ﴾ فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطيعة ﴿ قل للذين كفروا ﴾ من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس ﴿ إن ينتهوا ﴾ عن اتباع الهوى ﴿ يغفر لهم ﴾ يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد.

﴿ وقاتلوا ﴾ كفار النفوس ﴿ حتى لا تكون ﴾ آفة مانعة عن الوصول ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ ، من الناس من يقول بأن هذه الآية صلة قوله -  -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ  ﴾ كانوا ضعفاء أذلاء فيما بين الكفرة، خائفين فيما بينهم، فهموا أن يمكروا برسول الله  ، والمكر به ما ذكر من القتل والإثبات؛ وهو الحبس والإخراج؛ كأنهم تشاوروا فيما بينهم، واستأمروا ما يفعل به، فذكر في القصة أن بعضهم أشاروا إلى القتل، وبعضهم إلى الحبس، وبعضهم بالإخراج؛ فكأن مشاورتهم وأمرهم رجعت إلى أحد هذه الوجوه: إما القتل، وإما الحبس، [وإما الأخراج] ثم أخرج الله رسوله من بين أظهرهم على الوجه الذي يكون مطيعاً لله، متعبداً له فيما كان خروجه بأمره، فيكون خروجه على غير الجهة التي أرادوا هم به، وسمى خروجه هجرة، وليعلموا أنه إنما علم بكيدهم ومكرهم به بالله؛ لتكون آية من آيات نبوته ورسالته بعد خروجه من بين أظهرهم، ومفارقته إياهم كما كان له من الآيات وقت مقامه بين أظهرهم، وهو كما كان لعيسى آيات وقت مقامه بين أظهرهم، وآية كانت له بالرفع بعد مفارقة قومهم؛ فعلى ذلك الأول.

ولو كانوا [لم] يتوافقوا بما ذكرنا من القتل أو الحبس دون الإخراج، لم يكن ليخرج رسوله من بين أظهرهم، وهم قد هموا بإخراجه، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، تذكير ما أنعم على رسوله وأصحابه؛ لأنه آواهم إلى الأمن بعد ما كانوا خائفين فيهم، وأنزلهم المدينة بعد ما كانوا في الغيران في الجبال هاربين منهم، ورزقهم من الطيبات طعام البشر بعد ما كانوا يتناولون من طعام البهائم والسباع؛ يذكر نعمه عليهم باستنقاذه إياهم من بين ظهرانيهم، والحيلولة بينه وبين ما قصدوا وهموا بالمكر به والهلاك بقوله: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ .

فيه من الوجوه أحتجاجاً عليهم وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أنهم تشاوروا فيما بينهم بالمكر به لم يطلعوا أحداً، ثم علم ذلك هو فخرج؛ ليعلموا أن الله هو الذي أطلعه على ذلك.

والثاني: كان يخوفهم الهلاك بمكرهم برسوله، فخرج من بينهم من غير أن أصابه ما هموا به، وقد أصابهم من الهلاك الذي كان يخوفهم، وحل بهم ما كانوا هموا به وقصدوه، وذلك ما ذكر من مكر الله بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: أرادوا هم بمكرهم به شرّاً، وهو أن يطفئوا هذا النور؛ ليذهب هذا الدين وتدرس آثاره، وأراد أن يسلم منهم نفر ليكونوا أعواناً ونصراً له، ليأخذوا حظهم بذلك؛ فهر خير الماكرين.

وقيل: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: أرادوا قتله، ﴿ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ : أراد قتلهم [فقتلهم] ببدر، ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ أي: أفضل مكراً منهم، غلب مكره مكرهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء مكرهم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ آيَاتُنَا ﴾ : أيات القرآن التي كان يتلو رسول الله  .

ويحتمل آياته: حججه وبراهينه التي توجب التوحيد وتصديق الرسل؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا ﴾ .

قالوا ذلك متعنتين؛ إذ كان يقرع أسماعهم قوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ...

﴾ الآية [البقرة: 23]، ثم لم يكن يطمع أحد منهم أن يأتي بمثله، وتكلفوا في ذلك؛ دل أن قولهم: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا ﴾ تعنت وعناد.

﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ كذلك كان يقول العرب: إنه أساطير الأولين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا قُرِئت عليهم آياتنا قالوا عنادًا للحق وترفعًا عليه: قد سمعنا مثل هذا من قبل، لو نشاء قول مثل هذا القرآن لقلناه، ما هذا القرآن الذي سمعناه إلا كاذيب الأولين؛ فلن نؤمن به.

<div class="verse-tafsir" id="91.j85Dw"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد