الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٢ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 86 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٢ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم وشدة تكذيبهم ، وهذا مما عيبوا به ، وكان الأولى لهم أن يقولوا : اللهم ، إن كان هذا هو الحق من عندك ، فاهدنا له ، ووفقنا لاتباعه .
ولكن استفتحوا على أنفسهم ، واستعجلوا العذاب ، وتقديم العقوبة كما قال تعالى : ( ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ) [ العنكبوت : 53 ] ، ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) ، ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج ) [ المعارج : 1 - 3 ] ، وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة ، كما قال قوم شعيب له : ( فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ) [ الشعراء : 187 ] ، وقال هؤلاء : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) قال شعبة ، عن عبد الحميد ، صاحب الزيادي ، عن أنس بن مالك قال : هو أبو جهل بن هشام قال : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) فنزلت ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) الآية .
رواه البخاري عن أحمد ومحمد بن النضر ، كلاهما عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة ، به .
وأحمد هذا هو : أحمد بن النضر بن عبد الوهاب .
قاله الحاكم أبو أحمد ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، والله أعلم .
وقال الأعمش ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) قال : هو النضر بن الحارث بن كلدة ، قال : فأنزل الله : ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع ) [ المعارج : 1 - 2 ] وكذا قال مجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والسدي : إنه النضر بن الحارث - زاد عطاء : فقال الله تعالى : ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) وقال ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) [ الأنعام : 94 ] وقال ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع ) [ المعارج : 1 ، 2 ] ، قال عطاء : ولقد أنزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله ، عز وجل .
وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث ، حدثنا أبو غسان حدثنا أبو تميلة ، حدثنا الحسين ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : رأيت عمرو بن العاص واقفا يوم أحد على فرس ، وهو يقول : اللهم ، إن كان ما يقول محمد حقا ، فاخسف بي وبفرسي .
وقال قتادة في قوله : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ) الآية ، قال : قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها .
القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر، يا محمد، أيضًا ما حلّ بمن قال: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "، إذ مكرت بهم, فأتيتهم بعذاب أليم= (70) وكان ذلك العذاب، قتلُهم بالسيف يوم بدر.
* * * وهذه الآية أيضًا ذكر أنها نـزلت في النضر بن الحارث.
* ذكر من قال ذلك.
15981 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير, في قوله: " وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء "، قال: نـزلت في النضر بن الحارث.
(71) 15982 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " إن كان هذا هو الحق من عندك "، قال: قول النضر بن الحارث= (72) أو: ابن الحارث بن كَلَدة.
15983- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "، قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، من بني عبد الدار.
15984- ......قال، أخبرنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " إن كان هذا هو الحق من عندك "، قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة.
15985 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء قال: قال رجل من بني عبد الدار, يقال له النضر بن كلدة: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "، فقال الله: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [سورة ص: 16]، وقال: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [سورة الأنعام: 94]، وقال: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ [سورة المعارج: 1-2].
قال عطاء: لقد نـزل فيه بضعَ عشرة آية من كتاب الله.
15986 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: فقال= يعني النضر بن الحارث =: اللهم إن كان ما يقول محمد هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم!
قال الله: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ .
15987 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن ليث, عن مجاهد في قوله: " إن كان هذا هو الحق من عندك " الآية، قال: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ .
15988 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "، الآية قال: قال ذلك سُفَّهُ هذه الأمة وجهلتها, (73) فعاد الله بعائدته ورحمته على سَفَهة هذه الأمة وجهلتها.
(74) 15989 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر غِرَّة قريش واستفتاحهم على أنفسهم, إذ قالوا: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "، أي: ما جاء به محمد= " فأمطر علينا حجارة من السماء "، كما أمطرتها على قوم لوط = " أو ائتنا بعذاب أليم "، أي: ببعض ما عذبت به الأمم قبلنا.
(75) * * * واختلف أهل العربية في وجه دخول " هو " في الكلام.
فقال بعض البصريين: نصب " الحق ", لأن " هو " والله أعلم، حُوِّلت زائدة في الكلام صلةَ توكيدٍ، كزيادة " ما ", ولا تزاد إلا في كل فعل لا يستغني عن خبر, وليس هو بصفة، ل " هذا "، لأنك لو قلت: " رأيت هذا هو "، لم يكن كلامًا.
ولا تكون هذه المضمرة من صفة الظاهرة, ولكنها تكون من صفة المضمرة, نحو قوله: وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [سورة الزخرف: 76] و خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [سورة المزمل: 20].
لأنك تقول: " وجدته هو وإياي"، فتكون " هو " صفة.
(76) وقد تكون في هذا المعنى أيضا غير صفة, ولكنها تكون زائدة، كما كان في الأول.
وقد تجري في جميع هذا مجرى الاسم, فيرفع ما بعدها، إن كان بعدها ظاهرًا أو مضمرًا في لغة بني تميم, يقولون في قوله: " إن كان هذا هو الحق من عندك "، " ولكن كانوا هم الظالمون "، (77) و " تجدوه عند الله هو خيرٌ وأعظم أجرًا " (78) كما تقول: " كانوا آباؤهم الظالمون ", جعلوا هذا المضمر نحو " هو " و " هما " و " أنت " زائدًا في هذا المكان، ولم تجعل مواضع الصفة, لأنه فصْلٌ أراد أن يبين به أنه ليس ما بعده صفةً لما قبله, ولم يحتج إلى هذا في الموضع الذي لا يكون له خبر.
* * * وكان بعض الكوفيين يقول: لم تدخل " هو " التي هى عماد في الكلام، (79) إلا لمعنى صحيح.
وقال: كأنه قال: " زيد قائم "، فقلت أنت: " بل عمرو هو القائم " ف " هو " لمعهود الاسم، و " الألف واللام " لمعهود الفعل، (80) [ " والألف واللام "] التي هي صلة في الكلام، (81) مخالفة لمعنى " هو ", لأن دخولها وخروجها واحد في الكلام.
وليست كذلك " هو ".
وأما التي تدخل صلة في الكلام, فتوكيدٌ شبيه بقولهم: " وجدته نفسَه "، تقول ذلك, وليست بصفة " كالظريف " و " العاقل ".
(82) -------------------- الهوامش : (70) في المطبوعة والمخطوطة : " مكرت لهم " ، وليست بشيء .
(71) الأثر : 15981 - " أبو بشر " ، هو " جعفر بن إياس " ، " جعفر بن أبي وحشية " ، مضى مرارًا كثيرة .
وكان في تعليق ابن كثير ، الذي نقلته في التعليق على الخبر السالف " جعفر بن أبي دحية " ، وهو خطأ محض .
(72) الأثر : 15982 - في المطبوعة : " النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة " .
والصواب ما في المخطوطة ، لأن الاختلاف في نسبة هكذا : " النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار " أو : " النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار " انظر سيرة ابن هشام 2 : 320 ، 321 .
وقد غير ما في المخطوطة بلا حرج ولا ورع .
(73) في المطبوعة : " سفهة هذه الأمة " ، غير ما في المخطوطة ، طرح الصواب المحض يقال : " سفيه " ، والجمع " سفهاء " " وسفاه " ( بكسر السين ) و " سفه " ، بضم السين وتشديد الفاء المفتوحة .
والذي في كتب اللغة أن " سفاه " و " سفه " ، و " سفائه " جمع " سفيهة " .
وسيأتي في المخطوطة بعد قليل " سفهه " ، وكأنها جائزة أيضًا .
(74) هكذا في المخطوطة أيضًا " سفهة " ، فتركتها على حالها .
انظر التعليق السالف .
وكأنه إتباع لقوله " جهلة " ، وهذا من خصائص العربية .
(75) الأثر : 15989 - سيرة ابن هشام 2 : 325 ، وهو تبع الأثر السالف رقم : 15975 .
وكان في المطبوعة : " ثم ذكر غيرة قريش " ، وهو لا معنى له ، صوابه من المخطوطة وابن هشام .
يعني : اغترارهم بأمرهم ، وغفلتهم عن الحق .
(76) " الصفة " ، هو " ضمير الفصل " ، وانظر التعليق التالي رقم : 4 .
(77) في المطبوعة : " هم الظالمين " ، خالف المخطوطة وأساء .
(78) في المطبوعة والمخطوطة : " هو خيرًا " ، ولا شاهد فيه ، وصوابه ما أثبت .
(79) " العماد " ، اصطلاح الكوفيين ، والبصريون يقولون : " ضمير الفصل " ، ويقال له أيضًا : " دعامة " و " صفة " .
انظر ما سلف 2 : 312 ، تعليق 2 ، ثم ص 313 ، 374 ثم 7 : 429، تعليق : 2 .
(80) " الفعل " ، يعني الخبر .
(81) ما بين القوسين ، مكانه بياض في المخطوطة ، ولكن ناشر المطبوعة ضم الكلام بعضه إلى بعض .
وأثبت ما بين القوسين استظهارًا ، وكأنه الصواب إن شاء الله .
وقوله : " صلة " ، أي : زيادة ، انظر تفسير ذلك فيما سلف 1 : 190، 405 ، 406 ، 548 4 : 282 5 : 460 ، 462 7 : 340 ، 341 .
(82) انظر مبحث ضمير " العماد " في معاني القرآن للفراء 1 : 50 - 52 ، 104 ، 248 ، 249 ، 409 ، 410 .
وما سلف من التفسير 2 : 312 ، 313 7 : 429 ، 430 ، وغيرها في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما .
قوله تعالى وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم القراء على نصب الحق على خبر كان .
ودخلت هو للفصل .
ويجوز " هو الحق " بالرفع .من عندك قال الزجاج : ولا أعلم أحدا قرأ بها .
ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها ولكن القراءة سنة ، لا يقرأ فيها إلا بقراءة مرضية .
واختلف فيمن قال هذه المقالة ; فقال مجاهد وابن جبير : قائل هذا هو النضر بن الحارث .
أنس بن مالك : قائله أبو جهل ; رواه البخاري ومسلم .
ثم يجوز أن يقال : قالوه لشبهة كانت في صدورهم ، أو على وجه العناد والإبهام على الناس أنهم على بصيرة ، ثم حل بهم يوم بدر ما سألوا .
حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود ; فقال اليهودي : ممن أنت ؟
قال : من قريش .
فقال : أنت من القوم الذين قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية .
فهلا عليهم أن يقولوا : إن كان هذا هو [ ص: 357 ] الحق من عندك فاهدنا له !
إن هؤلاء قوم يجهلون .
قال ابن عباس : وأنت يا إسرائيلي ، من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه ، وأنجى موسى وقومه ; حتى قالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال لهم موسى : إنكم قوم تجهلون فأطرق اليهودي مفحما .فأمطر أمطر في العذاب .
ومطر في الرحمة ; عن أبي عبيدة .
وقد تقدم .
{وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا} الذي يدعو إليه محمد {هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم، والجهل بما ينبغي من الخطاب. فلو أنهم إذ أقاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرة ويقين منه، قالوا لمن ناظرهم وادعى أن الحق معه: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له، لكان أولى لهم وأستر لظلمهم.فمنذ قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الآية، علم بمجرد قولهم أنهم السفهاء الأغبياء، الجهلة الظالمون
قوله تعالى : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ) الآية نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدار .
قال ابن عباس : لما قص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شأن القرون الماضية ، قال النضر : لو شئت لقلت مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين - أي : ما هذا إلا ما سطره الأولون في كتبهم - فقال له عثمان بن مظعون رضي الله عنه : اتق الله فإن محمدا يقول الحق ، قال : فأنا أقول الحق ، قال عثمان : فإن محمدا يقول لا إله إلا الله ، قال : وأنا أقول : لا إله إلا الله ، ولكن هذه بنات الله ، يعني الأصنام ، ثم قال : اللهم إن كان هذا الذي يقول محمد هو الحق من عندك - " والحق " نصب بخبر كان ، وهو عماد وصلة - ( فأمطر علينا حجارة من السماء ) كما أمطرتها على قوم لوط ، ( أو ائتنا بعذاب أليم ) أي : ببعض ما عذبت به الأمم ، وفيه نزل : " سأل سائل بعذاب واقع " .
( المعارج - 1 ) .
.
وقال عطاء : لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر .
قال سعيد بن جبير : قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ثلاثة صبرا من قريش : طعيمة بن عدي وعقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث .
وروى أنس رضي الله عنه أن الذي قاله أبو جهل .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا محمد بن النضر ، ثنا عبيد الله بن معاذ ، ثنا أبي ، ثنا شعبة ، عن عبد الحميد صاحب الزيادي ، سمع أنس بن مالك قال : قال أبو جهل : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فنزلت :( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله ) .
«وإذ قالوا اللهم إن كان هذا» الذي يقرؤه محمد «هو الحقَّ» المنزل «من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» مؤلم على إنكاره قاله النصر، وغيره استهزاءً وإيهاما أنه على بصيرة وجزم ببطلانه.
واذكر -أيها الرسول- قول المشركين من قومك داعين الله: إن كان ما جاء به محمد هو الحق مِن عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب شديد موجع.
ثم تمضى السورة فى حديثها عن رذائل مشركى قريش ، فتحكى لونا عجيبا من ألوان عنادهم ، وجحودهم للحق .
فتقول : ( وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) .
.وقائل هذا القول : النضر بن الحارث صاحب القول السالف ( لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا .
.
.
) ذكر ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير .وأخرج البخارى عن أنس بن مالك أن قائل ذلك : أبو جهل بن هشام .وأخرجه ابن جرير عن ابن رومان ومحمد بن قيس أن قريشا قال بعضها لبعض : أأكرم الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء .والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم العناد والجحود أنهم لم يكتفوا بإنكار أن القرآن من عند الله ، وأن محمدا قد جاءهم بالحق .
.
بل أضافوا إلى ذلك قولهم : اللهم إن كان هذا الذى جاء به محمد بن قرآن وغيره وهو الحق المنزل من عندك ، فعاقبنا على إنكاره والكفر به ، بأن تنزل علينا حجارة من السماء تهلكنا .
أو تنزل علينا عذابا أليما يقضى علينا .قال الجمل : قوله : ( هُوَ الحق ) قرأ العامة " الحق " بالنصب على أنه خبر الكون ولفظ ( هُوَ ) للفصل .
وقرأ الأعمش وزيد بن على " الحق " بالرفع ووجوهها ظاهر برفع لفظ " هو " على الابتداء ، والحق خبره ، الجملة خبر الكون .وفى إطلاقهم ( الحق ) على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجعله من عند الله؛ تهكم بمن يقول ذلك سواء أكان هذا القائل - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو المؤمنين .وأل فيه للعهد : أى الحق الذى ادعى محمد أنه جاء به من عند الله .وقوله : ( مِّنَ السمآء ) متعلق بمحذوف صفة لقوله ( حِجَارَةً ) وفائدة هذا الوصف الدلالة على أن المراد بها حجارة معينة مخصوصة لتعذيبا لظالمين .قال صاحب الكشاف : وهذا أسلوب من الجحود بليغ .
يعن إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل ، أو بعذاب آخر .
.
ومرادهم نفى كونه حقا ، وإذا انتفى كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا ، فكان تعليق العذاب بكونه حقا ، مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال فى قولك : إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة من السماء .فإن قلت : ما فائدة قوله ( مِّنَ السمآء ) والأمطار لا تكون إلا منها؟قلت : كأنهم يريدون أن يقولوا : فامطر علينا السجيل وهى الحجارة المسومة للعذاب ، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل .وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ، فقال الرجل : أجهل من قومى قومك ، فقد قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دعاهم إلى الحق : ( إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء .
.
.
) ولم يقولوا : إن كان هذا هو الحق فاهدنا له .ولقد كان هذا الرجل حكيما فى رده على معاوية ، لأنه كان الأولى بأولئك المشركين أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه .
.
ولكن العناد الجامع الذى استولى عليهم جعلهم يؤثرون الهلاك على الإِذعان للحق ويفضلون عبادة الأصنام على اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - الذى دعاهم إلى عبادة الله وحده ..
وهكذا النفوس عندما تنغمس فى الأحقاد وتتمادى فى الجحود .
وتنقاد للأهواء والشهوات ، وتأخذها للأهواء والشهوات ، وتأخذها العزة بالإِثم .
ترى الباطل حقا ، والحق باطلا ، وتؤثر العذاب وهى سادرة فى باطلها ، على الخضوع للحق والمنطق والصواب .
اعلم أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد.
حكى مكرهم في دين محمد، روى أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم، فيقرأ عليهم أساطير الأولين، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين ﴾ وهاهنا موضع بحث، وذلك لأن الاعتماد في كون القرآن معجزاً عن أنه صلى الله عليه وسلم تحدى العرب بالمعارضة، فلم يأتوا بها، وهذا إشارة إلى أنهم أتوا بتلك المعارضة، وذلك يوجب سقوط الدليل المعول عليه.
والجواب: أن كلمة ﴿ لَوْ ﴾ تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره.
فقوله: ﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ يدل على أنه ما شاء ذلك القول، وما قال.
فثبت أن النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة، وإنما أخبر أنه لو شاءها لأتى بها، وهذا ضعيف.
لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة، أما مجرد هذا القول فلا فائدة فيه.
والشبهة الثانية: لهم قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي بنوع آخر من العذاب أشد من ذلك وأشق منه علينا.
فإن قيل: هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ حكاه الله عن الكفار، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن فقد حصلت المعارضة في هذا القدر، وأيضاً حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا ﴾ وذلك أيضاً كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته، وذلك يدل على حصول المعارضة.
الثاني: أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد عليه الصلاة والسلام في نزول العذاب، فلو كان نزول القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يصيروا شاكين في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، ولو كانوا كذلك لما أقدموا عى قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة، وحيث أتوا بهذه المبالغة، علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة.
والجواب عن الأول: أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة، لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة، وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدي ما وقع بجميع السور، وإنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام.
والجواب عن الثاني: هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا أنه لما كان معجزاً في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال فيه.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ ﴾ قال الزجاج: القراءة بنصب ﴿ الحق ﴾ على خبر ﴿ كَانَ ﴾ ودخلت ﴿ هُوَ ﴾ للفصل ولا موضع لها، وهي بمنزلة ما المؤكدة ودخلت ليعلم أن قوله: ﴿ الحق ﴾ ليس بصفة لهذا وأنه خبر.
قال: ويجوز هو الحق رفعاً ولا أعلم أحداً قرأ بها ولا خلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة، وروى صاحب الكشاف عن الأعمش أنه قرأ بها.
واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى، وهو قوله: ﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة الثانية، وهو قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تقرير وجه الجواب أن الكفار لما بالغوا وقالوا: اللهم إن كان محمد محقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، ذكر تعالى أن محمداً وإن كان محقاً في قوله إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه، وعلى منكري نبوته، لسببين: الأول: أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما دام يكون حاضراً معهم، فإنه تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيماً له، وهذا أيضاً عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين، فإنه لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها، كما كان في حق هود وصالح ولوط.
فإن قيل: لما كان حضوره فيهم مانعاً من نزول العذاب عليهم، فكيف قال: ﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ ﴾ .
قلنا: المراد من الأول عذاب الاستئصال، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة.
والسبب الثاني: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وفي تفسيره وجوه: الأول: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون، فاللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد بعضهم كما يقال: قتل أهل المحلة رجلاً، وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد، والمراد بعضهم.
الثاني: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار، وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم.
الثالث: قال قتادة والسدي: ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي لو استغفروا لم يعذبوا، فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم.
أي لو اشتغلوا بالاستغفار لما عذبهم الله.
ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار هاهنا بمعنى الإسلام والمعنى: أنه كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا.
منهم أبو سفيان بن حرب.
وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب.
والحرث بن هشام.
وحكيم بن حزام.
وعدد كثير، والمعنى ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ مع أن في علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان.
قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.
قال ابن عباس: كان فيهم أمانان نبي الله والاستغفار، أما النبي فقد مضى، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة، ثم قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله ﴾ واعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام رسول الله فيهم، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم فكان المعنى أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر، وقيل بل يوم فتح مكة، وقال ابن عباس: هذا العذاب هو عذاب الآخرة، والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم، فقال: ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام ﴾ وقد ظهرت الأخبار أنهم كيف صدوا عنه عام الحديبية، ونبه على أنهم يصدون لادعائهم أنهم أولياؤه، ثم بين بطلان هذه الدعوى بقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاؤُهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ الذين يتحرزون عن المنكرات، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية، والمقصود بيان أن من كانت هذه حاله لم يكن ولياً للمسجد الحرام، فهم إذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا، فقتلهم الله يوم بدر، وأعز الإسلام بذلك على ما تقدم شرحه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ نفاجة منهم وصلف تحت الراعدة، فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحدّاهم وقرعهم بالعجز، حتى يفوزوا بالقدح المعلي دونه، مع فرط أنفتهم واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة، وأن يماتنهم واحد، فيتعللوا بامتناع المشيئة، ومع ما علم وظهر ظهور الشمس، من حرصهم على أن يقهروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهالكهم على أن يغمروه.
وقيل: قائله النضر بن الحرث المقتول صبراً، حين سمع اقتصاص الله أحاديث القرون: لو شئت لقلت مثل هذا.
وهو الذي جاء من بلاد فارس بنسخة حديث رستم وأسفنديار فزعم أن هذا مثل ذاك، وأنه من جملة تلك الأساطير، وهو القائل: ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق ﴾ وهذا أسلوب من الجحود بليغ، يعني إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر.
ومراده نفي كونه حقاً، وإذا انتفى كونه حقاً لم يستوجب منكره عذاباً فكان تعليق العذاب بكونه حقاً مع اعتقاد أنه ليس بحق، كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل حقاً، فأمطر علينا حجارة.
وقوله: ﴿ هُوَ الحق ﴾ تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين: هذا هو الحق.
وقرأ الأعمش ﴿ هُوَ الحق ﴾ بالرفع، على أن هو مبتدأ غير فصل.
وهو في القراءة الأولى فصل.
ويقال: أمطرت السماء، كقولك أنجمت وأسبلت ومطرت، كقولك: هتنت وهتلت، وقد كثر الأمطار في معنى العذاب.
فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ مّنَ السماء ﴾ ؟
والأمطار لا تكون إلا منها.
قلت: كأنه يريد أن يقال: فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسوّمة للعذاب، فوضع ﴿ حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ موضع السجيل، كما تقول: صب عليه مسرودة من حديد، تريد درعاً ﴿ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي بنوع آخر من جنس العذاب الأليم، يعني أن أمطار السجيل بعض العذاب الأليم، فعذبنا به أو بنوع آخر من أنواعه.
وعن معاوية أنه قال لرجل من سبإ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة!
قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.
اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أنّ تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة؛ لأن عادة الله وقضية حكمته أن لا يعذب قوماً عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم وفيه إشعار بأنهم مرصودون بالعذاب إذا هاجر عنهم.
والدليل على هذا الإشعار قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله ﴾ وإنما يصح هذا بعد إثبات التعذيب، كأنه قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذبهم إذا فارقتهم، وما لهم أن لا يعذبهم ﴿ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ في موضع الحال.
ومعناه نفي الاستغفار عنهم: أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [هود: 117] ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، ولا يتوقع ذلك منهم.
وقيل معناه وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين، ﴿ وَمَا لَهُمْ أَن لا يُعَذّبْهُمُ الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم، يعني: لا حظّ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.
وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدّون عن المسجد الحرام كما صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وإخراجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الصدّ، وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء ﴿ مَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ ﴾ وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمره وأربابه ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ من المسلمين ليس كل مسلم أيضاً ممن يصلح لأن يلي أمره، إنما يستأهل ولايته من كان براً تقياً، فكيف بالكفرة عبدة الأصنام ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.
أو أراد بالأكثر: الجميع، كما يراد بالقلة: العدم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ، وإسْنادُهُ إلى الجَمِيعِ إسْنادُ ما فَعَلَهُ رَئِيسُ القَوْمِ إلَيْهِمْ فَإنَّهُ كانَ قاصَّهم، أوْ قَوْلُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا غايَةُ مُكابَرَتِهِمْ وفَرْطُ عِنادِهِمْ، إذْ لَوِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ فَما مَنَعَهم أنْ يَشاءُوا وقَدْ تَحَدّاهم وقَرَّعَهم بِالعَجْزِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ قارَعَهم بِالسَّيْفِ فَلَمْ يُعارِضُوا سُورَةً مَعَ أنَفَتِهِمْ وفَرْطِ اسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا خُصُوصًا في بابِ البَيانِ.
﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ مِنَ القِصَصِ.
﴿ وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذا أيْضًا مِن كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ أبْلَغُ في الجُحُودِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قالَ النَّضْرُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ قالَ لَهُ النَّبِيُّ : «وَيْلَكَ إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ» فَقالَ ذَلِكَ.
والمَعْنى إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ حَقًّا مُنَزَّلًا فَأمْطِرِ الحِجارَةَ عَلَيْنا عُقُوبَةً عَلى إنْكارِهِ، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ سِواهُ، والمُرادُ مِنهُ التَّهَكُّمُ وإظْهارُ اليَقِينِ والجَزْمِ التّامِّ عَلى كَوْنِهِ باطِلًا.
وقُرِئَ « الحَقُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هو مُبْتَدَأٌ غَيْرُ فَصْلٍ، وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا بِالوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ النَّبِيُّ وهو تَنْزِيلُهُ لا الحَقُّ مُطْلَقًا لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا} أي القرآن {هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ} هذا اسم كان هو فصل والحق خي كلان رُوي أن النضر لما قال إِنْ هذا إلا أساطير الاولين قال له النبى عليه السلام ويلك هذا كلام الله فرفع النضر رأسه إلى السماء وقال إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء} أى أن كان القرانهو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل {أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ} أَلِيمٍ بنوع آخر ن جنس العذاب الأليم فقتل يوم بدر صبراً وعن معاية أنه قال لرجل من سبأ ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة قال أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله عليه السلام حين دعاهم إلى الحق إِن كَانَ هذه هُوَ
الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} اللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم لأنك بعثت رحمة للعالمين وسنته أن لا يعذب قوماً عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم
﴿ وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ قائِلُ هَذا النَّضْرُ أيْضًا عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ لَمّا قالَ أوَّلًا ما قالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ويْلَكَ، إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى».
فَقالَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أنَّ قُرَيْشًا قالَ بَعْضُها لِبَعْضٍ أكْرَمَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بَيْنِنا؛ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ إلَخْ وهو أبْلَغُ في الجُحُودِ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّهم عَدُّوا حَقِيقَتَهُ مُحالًا؛ فَلِذا عَلَّقُوا عَلَيْها طَلَبَ العَذابِ الَّذِي لا يَطْلُبُهُ عاقِلٌ، ولَوْ كانَتْ مُمْكِنَةً لَفَرُّوا مِن تَعْلِيقِهِ عَلَيْها، وما يُقالُ إنَّ إنْ لِلْخُلُوِّ عَنِ الجَزْمِ فَكَيْفَ اسْتُعْمِلَتْ في صُورَةِ الجَزْمِ؟
أجابَ عَنْهُ القُطْبُ بِأنَّها لِعَدَمِ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، ومَتى جُزِمَ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ عُدِمَ الجَزْمُ بِوُقُوعِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، واللّامُ في (الحَقَّ) قِيلَ لِلْعَهْدِ، ومَعْنى العَهْدِ في أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي ادَّعاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى النَّمَطِ المَخْصُوصِ (ومِن عِنْدِكَ) إنْ سَلِمَ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ فَهو لِلتَّأْكِيدِ وحِينَئِذٍ فالمُعَلَّقُ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا بِالوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا الحَقَّ مُطْلَقًا لِتَجْوِزِيهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ (كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ) وفي الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُمْ: هو الحَقَّ تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ والتَّعْيِينِ: هَذا هو الحَقُّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، وأشارَ إلى أنَّ الأوْلى حَمْلُها عَلى العَهْدِ الخارِجِيِّ عَلى مَعْنى الحَقِّ المَعْهُودِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى هَذا لا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، فالتَّرْكِيبُ مُفِيدٌ لِتَخْصِيصِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ عَلى آكَدِ وجْهٍ، وحُمِلَ كَلامُ البَيْضاوِيِّ عَلى ذَلِكَ وطُعِنَ في مَسْلَكِ الكَشّافِ بِعَدَمِ ثُبُوتِ قائِلٍ أوَّلًا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ يُتَهَكَّمُ بِهِ.
ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ المَنعِ والتَّعَسُّفِ، (وأمْطِرْ) اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ لِأنْزِلْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَطَرِ والأمْطارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (مِنَ السَّماءِ) صِفَةُ (حِجارَةً) وذَكَرَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ بِها السِّجِّيلُ والحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ.
يُرْوى أنَّها حِجارَةٌ مِن طِينٍ طُبِخَتْ بِنارِ جَهَنَّمَ مَكْتُوبٌ فِيها أسْماءُ القَوْمِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ غَيْرُ إمْطارِ الحِجارَةِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وتَعَلُّقُ ﴿ مِن عِنْدِكَ ﴾ بِمَحْذُوفٍ قِيلَ: هو حالٌ مِمّا عِنْدَهُ أوْ صِفَةٌ لَهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأعْمَشُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى أنْ هو مُبْتَدَأٌ لا فَصْلٌ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ: إنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِذَلِكَ لَيْسَ بِذاكَ، ولا أرى فَرْقًا بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مِن جِهَةِ المُرادِ بِالتَّعْرِيفِ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا، يعني: القرآن.
قالُوا قَدْ سَمِعْنا، يعني قد سمعنا قولك.
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، القرآن.
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، نزلت في شأن نضر بن الحارث، كان يحدث عن الأمم الخالية من حديث رستم وإسفنديار، فقال: إن الذي يخبركم محمد مثل ما أحدثكم من أحاديث الأولين وكذبهم، فقال له عثمان بن مظعون: اتق الله يا نضر، فإنه ما يقول إلا حقاً، فقال النضر بن الحارث: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، يعني: إن كان ما يقول محمد من القرآن حقاً، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ.
قال أبو عبيدة: كل شيء في القرآن أمطر فهو من العذاب، وما كان من الرحمة فهو مطر.
وروى أسباط عن السدي قال: قال النضر بن الحارث: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا، فأمطر علينا حجارة من السماء، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ فنزل سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [المعارج: 1] فاستجيب دعاؤه، وقتل في بدر.
قال سعيد بن جبير: قتل النبيّ ثلاثة يوم بدر صبراً: النضر بن الحارث، وطعمة بن عدي، وعتبة بن أبي معيط.
وكان النضر أسره المقداد، فقال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال النبيّ : «إنه كان يقول في الله وَرَسُولِهِ مَا يَقُولُ» ، فقال: يا رسول الله أسيري.
فقال: اللَّهُمَّ أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ» .
فقال المقداد: هذا الذي أردت فنزل وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وكان ذلك القول من النضر حين كان النبيّ في مكة، فأخبر الله تعالى أنه لا يعذبهم وأنت بين ظهرانيهم، حتى يخرجك عنهم كما أخرج الأنبياء قبلك عن قومهم ثم عذبهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله عز وجل: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ...
الآية: رُوِيَ عن مجاهدٍ وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بْنُ الحَارثِ المذكورُ، وفيه نزلَتْ هذه الآية «١» .
قال ع «٢» : وترتَّب أن يقول النَّضْرُ مقالَةً، وينسبها القُرآن إِلى جميعهم لأن النضر كان فيهم موسُوماً بالنُّبْل والفَهْم، مسكوناً إِلى قوله، فكان إِذا قال قولاً قاله منهم كثيرٌ، واتبعوه عليه حَسَب ما يفعله الناسُ أبداً بعلمائهم وفقهائهم.
ت: وخرَّج البخاريُّ بسنده، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قَالَ أَبو جَهْلٍ: اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عندكْ، فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلَتْ:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، إِلى: عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «٣» اه، والمشار إِليه ب هذا هو القرآن وشَرْعُ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحَسَدُ، فعَمِيَتْ بصائرهم عن الهدَى، وصَمَّموا على أنَّ هذا ليس بحقٍّ، نعوذ باللَّه من جَهْدِ البلاءِ، وسُوء القضاء، وحكى ابن فُورَكَ: أن هذه المقالة خرجَتْ منهم مَخْرَجَ العنادِ، وهذا بعيدٌ في التأويل، ولا يقولُ هذا على جهة العناد عاقلٌ، وقراءةُ الناسِ إِنما هي بنَصْب «٤» «الحق» على أنه خَبَرَ «كان» ، ويكون «هو» فصلا، فهو حينئذٍ اسم، و «أمْطِرْ» إِنما تستَعْملُ غالباً في المكروه، و «مَطَرَ» في الرحمة قاله أبو عُبَيْدة «٥» .
وقوله سبحانه: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ...
الآية: قالَتْ فرقة: نزلَتْ هذه الآية كلُّها بمكَّة، وقالت فرقة: نزلَتْ كلُّها بعد وقعة بَدْرٍ حكاية عما مضى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ أيْضًا، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، فَهو القائِلُ لِهَذا؛ قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وهو مُخَرَّجٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" .
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، قالُوا هَذا، ثُمَّ نَدِمُوا فَقالُوا: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، رَواهُ أبُو مَعْشَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وفي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ كانَ هَذا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ.
والثّانِي: كُلُّ ما يَقُولُهُ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إكْرامُ مُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ مِن بَيْنِ قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَإذْ قالُوا اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والآياتُ هُنا: آياتُ القُرْآنِ خاصَّةً بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ تُتْلى ﴾ ، و ﴿ قَدْ سَمِعْنا ﴾ يُرِيدُ: وقَدْ سَمِعْنا هَذا المَتْلُوَّ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ، وقَدْ سَمِعْنا نَظِيرَهُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّ النَضْرَ سَمِعَ أحادِيثَ أهْلِ الحَيْرَةِ مِنَ العِبادِ، فَلَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ مِنَ القِصَصِ والأنْبِياءِ، فَإنَّ هَذِهِ إنَّما هي أساطِيرُ مَن قَدْ تَقَدَّمَ، أيْ قِصَصُهُمُ المَكْتُوبَةُ المَسْطُورَةُ، وأساطِيرُ: جَمَعَ أُسْطُورَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أسْطارٍ، ولا يَكُونُ جَمْعَ أسْطُرٍ كَما قالَ الطَبَرِيُّ، لِأنَّهُ كانَ يَجِيءُ أساطِرُ دُونَ ياءٍ، هَذا هو قانُونُ البابِ، وقَدْ شَذَّ مِنهُ شَيْءٌ كَصَيْرَفٍ، قالُوا في جَمْعِهِ: صَيارِيفَ، والَّذِي تَواتَرَتْ بِهِ الرِواياتُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، والسُدِّيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الَّذِي قالَ هَذِهِ المَقالَةَ هو النَضْرُ بْنُ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ كَثِيرَ السَفَرِ إلى فارِسَ والحَيْرَةِ، فَكانَ قَدْ سَمِعَ مِن قَصَصِ الرُهْبانِ والأناجِيلِ، وسَمِعَ مِن أخْبارِ رُسْتُمَ واسْبِنْدِيارَ، فَلَمّا سَمِعَ القُرْآنَ ورَأى فِيهِ مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، قالَ: لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ مِثْلَ هَذا، وكانَ النَضْرُ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ النائِلِينَ مِن رَسُولِ اللهِ ، ونَزَلَتْ فِيهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللهِ، وقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَبْرًا بِالصَفْراءِ مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: الأُثَيْلُ، وكانَ أسَرَهُ المِقْدادُ، «فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ بِضَرْبِ عُنُقِهِ قالَ المِقْدادُ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللهِ ما قَدْ عَلِمْتُمْ، ثُمَّ أعادَ المِقْدادُ مَقالَتَهُ حَتّى قالَ رَسُولُ اللهِ : "اللهُمَّ أغْنِ المِقْدادَ مِن فَضْلِكَ"، فَقالَ المِقْدادُ: هَذا الَّذِي أرَدْتُ، فَضَرَبَ عُنُقَ النَضْرِ.» وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا ثَلاثَةَ نَفَرٍ: المُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والنَضْرُ بْنُ الحارِثِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وهْمٌ عَظِيمٌ في خَبَرِ المُطْعَمِ، فَقَدْ كانَ ماتَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، وفِيهِ قالَ النَبِيُّ : « "لَوْ كانَ المُطْعَمُ حَيًّا وكَلَّمَنِي في هَؤُلاءِ النَتْنى لَتَرَكْتُهم لَهُ"» يَعْنِي أسْرى بَدْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالُوا اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والسُدِّيِّ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ هو النَضْرُ بْنُ الحارِثِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَرَتَّبَ أنْ يَقُولَ النَضْرُ بْنُ الحارِثِ مَقالَةً ويَنْسُبَها القُرْآنُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِأنَّ النَضْرَ كانَ فِيهِمْ مَوْسُومًا بِالنُبْلِ والفَهْمِ مَسْكُونًا إلى قَوْلِهِ، فَكانَ إذا قالَ قَوْلًا قالَهُ مِنهم كَثِيرٌ واتَّبَعُوهُ عَلَيْهِ حَسَبَما يَفْعَلُهُ الناسُ أبَدًا بِعُلَمائِهِمْ وفُقَهائِهِمْ، والمُشارُ إلَيْهِ بِـ "هَذا" هو القُرْآنُ وَشَرْعُ مُحَمَّدٍ ، والَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ هو الحَسَدُ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُكَرِّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا هَذِهِ الكَرامَةَ، وعَمِيَتْ بَصائِرُهم عَنِ الهُدى، وصَمَّمُوا عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ بِحَقٍّ فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ قَدْ تَحَقَّقَ بِزَعْمِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ: "إنْ كانَ كَذا وكَذا فَفَعَلَ اللهُ بِي وصَنَعَ"، وحَكى ابْنُ فَوْرَكٍ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ خَرَجَتْ مَخْرَجَ العِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ حَقٌّ، وكَذَلِكَ ألْزَمَ بَعْضُ أهْلِ اليَمَنِ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ القِصَّةَ المَشْهُورَةَ في بابِ الأجْوِبَةِ، وحَكاهُ الطَبَرِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدُ التَأْوِيلِ، ولا يَقُولُ هَذا عَلى جِهَةِ العِنادِ عاقِلٌ.
ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ رَفْعُ "الحَقَّ" عَلى أنَّهُ خَبَرُ "هُوَ"، والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، قالَ الزَجّاجُ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهَذا الجائِزِ، وقِراءَةُ الناسِ إنَّما هي بِنَصْبِ "الحَقِّ" عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ كانَ ويَكُونُ "هُوَ" فَصْلًا، فَهو حِينَئِذٍ اسْمٌ وفِيهِ مَعْنى الإعْلامِ بِأنَّ الَّذِي بَعْدَهُ خَبَرٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ، "فَأمْطِرْ" إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ، و"مَطَرَ" في الرَحْمَةِ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعارِضُ هَذِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ لِأنَّهم ظَنُّوها سَحابَةَ رَحْمَةٍ، وقَوْلُهُمْ: ( مِنَ السَماءِ ) مُبالَغَةٌ وإغْراقٌ.
وهَذانِ النَوْعانِ اللَذانِ اقْتَرَحُوهُما هُما السالِفانِ في الأُمَمِ، عافانا اللهُ وعَفا عَنّا ولا أضَلَّنا بِمَنِّهِ ويُمْنِهِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [الأنفال: 30] أو على ﴿ قالوا قد سمعنا ﴾ [الأنفال: 31] وقائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث صاحب المقالة السابقة، وقالها أيضاً أبو جهل وإسناد القول إلى جميع المشركين للوجه الذي أسند له قولُ النضر ﴿ قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ [الأنفال: 31] فارجع إليه، وكذلك طريق حكاية كلامهم إنما هو جار على نحو ما قررته هنالك من حكاية المعنى.
وكلامهم هذا جار مجرى القَسَم، وذلك أنهم يقسمون بطريقة الدعاء على أنفسهم إذا كان ما حصل في الوجود على خلاف ما يحكونه أو يعتقدونه، وهم يحسبون أن دعوة المرء على نفسه مستجابة، وهذه طريقة شهيرة في كلامهم قال النابغة: ما إنْ أتيتُ بشيء أنتَ تكرهه *** إذَنْ فلا رَفَعَتْ سَوطي إِليَّ يدي وقال معدان بنُ جَواس الكِندي، أو حُجَيّة بن المضرب السَّكوني: إن كان ما بُلِّغْت عني فلامني *** صديقي وشَلَّتْ من يديّ الأنامل وكَفّنْتُ وحدي مُنذراً برِدائِه *** وصادَفَ حَوْطاً من أعاديّ قاتل وقال الأشتر النّخَعي: بُقَّيْتُ وفْري وانحرفتُ عن العلا *** ولقيتُ أضيافي بوجهِ عبوسِ إنْ لم أَشُنّ على ابن حرب غارة *** لم تخلُ يوماً من نهاب نفوس وقد ضَمّن الحريري في «المقامة العاشرة» هذه الطريقة في حكاية يمين وجّهها أبو زيد السروجي على غُلامه المزعوم لدى والي رَحبة مالك بن طوْق حتى اضطرَّ الغلامَ إلى أن يقول: «الاصطلاء بالبلية، ولا الابتلاءُ بهذه الإِلِيّة».
فمعنى كلامهم: إن هذا القرآن ليس حقاً من عندك فإن كان حقاً فأصبنا بالعذاب، وهذا يقتضي أنهم قد جزموا بأنه ليس بحق وليسَ الشرط على ظاهره حتى يفيد ترددهم في كونه حقاً ولكنه كناية عن اليمين وقد كانوا لجهلهم وضلالهم يحسبون أن الله يتصدى لمخاطرتهم، فإذا سألوه أن يمطر عليهم حجارة إن كان القرآن حقاً منه أمطر عليهم الحجارة وأرادوا أن يظهروا لقومهم صحة جزمهم بعدم حقية القرآن فأعلنوا الدعاء على أنفسهم بأن يصيبهم عذاب عاجل إن كان القرآن حقاً من الله ليستدلوا بعدم نزول العذاب على أن القرآن ليس من عند الله، وذلك في معنى القسم كما علمت.
وتعليق الشرط بحرف ﴿ إن ﴾ لأن الأصل فيها عدم اليقين بوقوع الشرط، فهم غير جازمين بأن القرآن حق ومنزل من الله بل هم موقنون بأنه غير حق واليقين بأنه غير حق أخص من عدم اليقين بأنه حق.
وضمير ﴿ هو ﴾ ضميرُ فصل فهو يقتضي تقوي الخبر أي: إن كان هذا حقاً ومن عندك بلا شك.
وتعريف المسند بلام الجنس يقتضي الحصر فاجتمع في التركيب تقو وحصر وذلك تعبيرهم يحكون به أقوال القرآن المنوهة بصدقه كقوله تعالى: ﴿ إن هذا لَهو القصص الحق ﴾ [آل عمران: 62] وهم إنما أرادوا إن كان القرآن حقاً ولا داعي لهم إلى نفي قوة حقيته ولا نفي انحصار الحقية فيه، وإن كان ذلك لازماً لكونه حقاً، لأنه إذا كان حقاً كان ما هم عليه باطلاً فصح اعتبار انحصار الحقية فيه انحصاراً إضافياً، إلاّ أنه لا داعي إليه لولا أنهم أرادوا حكاية الكلام الذي يبطلونه.
وهذا الدعاء كناية منهم عن كون القرآن ليس كما يوصف به، للتلازم بين الدعاء على أنفسهم وبين الجزم بانتفاء ما جعلوه سبب الدعاء بحسب عرف كلامهم واعتقادهم.
و ﴿ من عندك ﴾ حال من الحق أي منزلاً من عندك فهم يطْعنون في كونه حقاً وفي كونه منزلاً من عند الله.
وقوله: ﴿ من السماء ﴾ وصف لحجارة أي حجارةَ مخلوقة لعذاب مَن تصيبه لأن الشأن أن مطر السماء لا يكون بحجارة كقوله تعالى: ﴿ فصَب عليهم ربك سوط عذابٍ ﴾ [الفجر: 13] (والصب قريب من الأمطار).
وذكروا عذاباً خاصاً وهو مطر الحجارة ثم عمموا فقالوا: ﴿ أو ائِتنا بعذاب أليم ﴾ ويريدون بذلك كله عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالآخرة.
ووصفوا العذاب بالأليم زيادة في تحقيق يقينهم بأن المحلوف عليه بهذا الدعاء ليس منزلاً من عند الله فلذلك عرضوا أنفسهم لخَطر عظيم على تقدير أن يكون القرآن حقاً ومنزلاً من عند الله.
وإذ كان هذا القول إنما يلزم قائله خاصة ومن شاركه فيه ونطقَ به مثل النضر وأبي جهل ومَن التزم ذلك وشارك فيه من أهل ناديهم، كانوا قد عرضوا أنفسهم به إلى تعذيب الله إياهم انتصاراً لنبيه وكتابه، وكانت الآية نزلت بعد أن حق العذاب على قائلي هذا القول وهو عذاب القتل المُهين بأيدي المسلمين يومَ بدر، قال تعالى: ﴿ يُعذبْهُم الله بأيديكم ويُخْزِهم وينْصُرْكم عليهم ﴾ [التوبة: 14] وكان العذاب قد تأخر عنهم زمناً اقتضته حكمة الله، بين الله لرسوله في هذه الآية سبب تأخر العذاب عنهم حين قالوا ما قالوا، وأيقظ النفوس إلى حلوله بهم وهم لا يشعرون.
فقوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنتَ فيهم ﴾ كناية عن استحقاقهم، وإعلام بكرامة رسوله صلى الله عليه وسلم عنده، لأنه جَعل وجوده بين ظهراني المشركين مع استحقاقهم العقاب سبباً في تأخير العذاب عنهم، وهذه مكرمة أكرم الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فجعل وجوده في مكان مانعاً من نزول العذاب على أهله، فهذه الآية إخبار عما قدره الله فيما مضى.
وقال ابن عطية قالت فرقه نزلت هذه الآية كلها بمكة، وقال ابن أَبزى نزل قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ بمكة إثر قولهم: ﴿ أو ائِتنا بعذاب أليم ﴾ ، ونزل قوله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون، ونزل قوله: ﴿ وما لهم أن لا يُعذبهم الله ﴾ [الأنفال: 34] بعد بدر.
وفي توجيه الخطاب بهذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم واجتلاب ضمير خطابه بقوله: ﴿ وأنتَ فيهم ﴾ لطيفة من التكرمة إذ لم يقل: وما كان الله ليعذبهم وفيهم رسوله، كما قال: <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَدْ سَمِعْنا هَذا مِنكم ولا نُطِيعُكم.
والثّانِي: قَدْ سَمِعْنا قَبْلَ هَذا مِثْلَهُ فَماذا أغْناكم.
﴿ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِثْلَ هَذا في النُّظُمِ والبَيانِ مُعارَضَةً لَهُ في الإعْجازِ.
والثّانِي: مِثْلَ هَذا في الِاحْتِجاجِ مُعارَضَةً لَهُ في الِاسْتِدْعاءِ إلى الكُفْرِ.
﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي أحادِيثَ الأوَّلِينَ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قِصَصُ مَن مَضى وأخْبارُ مَن تَقَدَّمَ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ولَيْسَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، «وَقَدْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ صَبْرًا في جُمْلَةِ ثَلاثَةٍ مِن قُرَيْشٍ: عُقْبَهُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والنَّضِرُ بْنُ الحارِثُ وكانَ أسِيرَ المِقْدادِ، فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَتْلِ النَّضِرِ قالَ المِقْدادُ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (اللَّهم أعِنِ المِقْدادَ)، فَقالَ: هَذا أرَدْتُ.
» وفِيهِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها.
﴿ وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وفي هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنادًا لِلْحَقِّ وبُغْضًا لِلرَّسُولِ .
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ.
وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ .
قالَ عَطاءٌ: لَقَدْ نَزَلَتْ في النَّضِرِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ إكْرامًا لِنَبِيِّهِ وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ أنْ يُعَذِّبَ قَوْمًا هو بَيْنَهم.
تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ.
والثّانِي: إرْسالُهُ فِيهِمْ رَحْمَةً لَهم ونِعْمَةً عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِزْ أنْ يُعَذِّبَهم وهو فِيهِمْ حَتّى يَسْتَحِقُّوا سَلْبَ النِّعْمَةِ بِإخْراجِهِ عَنْهم.
﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وقَدْ بَقِيَ فِيهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْمٌ يَسْتَغْفِرُونَ وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ وأبِي مالِكٍ وعَطِيَّةَ.
والثّانِي: لا يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا وهم يَسْتَغْفِرُونَ فِيها فَيَقُولُونَ: غُفْرانَكَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ : (قَدْ قَدْ فَيَقُولُونَ: إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ويَقُولُونَ غُفْرانَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ » قالَهُ أبُو مُوسى ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ ومُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الِاسْتِغْفارَ في هَذا المَوْضِعِ الإسْلامُ، ومَعْنى الكَلامِ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يُسَلِمُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: مَعْناهُ أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا اسْتِدْعاءً لَهم إلى الِاسْتِغْفارِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم أيْ مُهْلِكَهم وقَدْ عَلِمَ أنَّ لَهم أوْلادًا وذُرِّيَّةً يُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو جهل بن هشام ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ فنزلت ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ذكر لنا أنها أنزلت في أبي جهل بن هشام.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ﴾ قال: نزلت في النضر بن الحارث.
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: نزلت في النضر ﴿ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ﴾ [ ص: 16] .
﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ﴾ [ الأنعام: 94] و ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ [ المعارج: 1] قال عطاء رضي الله عنه: لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله.
وأخرج ابن مروديه عن بريدة رضي الله عنه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفاً على فرس يوم أحد وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فاخسف بي وبفرسي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك لا شريك لك لبيك.
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: قد، قد.
ويقولون: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك.
فأنزل الله تعالى ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم...
﴾ الآية.
فقال ابن عباس رضي الله عنه: كان فيهم أمانان النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ قال: هو عذاب الآخرة وذلك عذاب الدنيا.
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد صلى الله عليه وسلم أكرمه الله من بيننا ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء...
﴾ الآية.
فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا: غفرانك اللهم.
فأنزل الله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يعلمون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن أبزى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ فلما خرجوا أنزل الله: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله...
﴾ الآية فأذن في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ يعني المشركين حتى يخرجك منهم ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال: يعني المؤمنين، ثم أعاد المشركين فقال: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ يقول: لو استغفروا وأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين.
وفي قوله: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ يقول: وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ قال: بين أظهرهم ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ يقول: وما كان الله معذبهم وهو لا يزال الرجل منهم يدخل في الإِسلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال: وهم يدخلون في الإِسلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار رضي الله عنه قال: سئل سعيد بن جبير رضي الله عنه عن الاستغفار؟
فقال: قال الله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ يقول: يعملون على الغفران، وعلمت أن ناساً سيدخلون جهنم ممن يستغفرون بألسنتهم ممن يدعي الإِسلام وسائر الملل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة والحسن رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قالا: نسختها الآية التي تليها ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والحصر.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ وما كان الله معذبهم ﴾ وفيهم المؤمنون يستغفرون.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة رضي الله عنه قال: إن القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، أما داءكم فذنوبكم، وأما دواؤكم فالاستغفار.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: إن العبد ليذنب الذنب الصغير فيحتقره ولا يندم عليه ولا يستغفر منه، فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود، ويذنب الذنب فيندم عليه ويستغفر منه فيصغر عند الله عز وجل حتى يعفو له.
وأخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل الله علي أمانين لأمتي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» .
وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان فيكم أمانان مضى أحدهما وبقي الآخر.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله تعالى إليه، وأمان بقي فيكم قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وابن عساكر عن أبي موسى رضي الله عنه قال: إنه قد كان فيكم أمانان، مضى أحدهما وبقي الآخر ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى لسبيله، وأما الاستغفار فهو كائن إلى يوم القيامة.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في هذه الأمة أمانان: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، فذهب أمان- يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- وبقي أمان، يعني الاستغفار.
وأخرج أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله» .
وأخرج أحمد والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم.
قال الرب: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكثر من الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن استطعتم أن تكثروا من الاستغفار فافعلوا، فإنه ليس شيء أنجح عند الله ولا أحب إليه منه» .
وأخرج أحمد في الزهد عن مغيث بن أسماء رضي الله عنه قال: كان رجل ممن كان قبلكم يعمل بالمعاصي، فبينما هو ذات يوم يسير إذ تفكر فيما سلف منه فقال: اللهم غفرانك.
فادركه الموت على تلك الحال فغفر له.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: طوبى لمن وجد في صحيفته بنداً من الاستغفار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه خمس مرات، غفر له وإن كان عليه مثل زبد البحر.
وأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله، فقام فلم يكد يركع، ثم ركع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم نفخ في آخر سجوده، ثم قال: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرك.
ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته وقد انمخضت الشمس» .
وأخرج الديلمي عن عثمان ابن أبي العاص قال: قال رسول الله «في الأرض أمانان: أنا امان، والاستغفار أمان، وأنا مذهوب بي ويبقى أمان الاستغفار، فعليكم بالاستغفار عند كل حدث وذنب» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ قال: ما كان الله ليعذب قوماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإِيمان: وهو الاستغفار.
وقال للكافر ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ [ آل عمران: 179] فيميز الله أهل السعادة من أهل الشقاوة ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ فعذبهم يوم بدر بالسيف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والنحاس وأبو الشيخ عن الضحاك ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ قال: المشركين الذين بمكة ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال: المؤمنين بمكة ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ قال: كفار مكة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ قال: عذابهم فتح مكة.
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ وهم يجحدون آيات الله ويكذبون رسله، وإن كان فيهم ما يدعون.
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ أي من آمن بالله وعبده أنت ومن اتبعك.
﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ الذين يخرجون منه ويقيمون الصلاة عنده، أي أنت ومن آمن بك.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ قال: من كانوا حيث كانوا.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: «اجمع لي قومك، فجمعهم فلما حضروا باب النبي صلى الله عليه وسلم دخل عمر رضي الله عنه عليه فقال: قد جمعت لك قومي.
فسمع ذلك الأنصار فقالوا: قد نزل في قريش الوحي.
فجاء المستمع والناظر ما يقال لهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقام بين أظهرهم فقال: هل فيكم من غيركم؟
قالوا: نعم، فينا حليفنا وابن أختنا وموالينا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: حليفنا منا، وابن أختنا منا، ومولانا منا، أنتم تسمعون أن أوليائي منكم إلا المتقون، فإن كنتم أولئك فذلك، وإلا فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم» .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أوليائي يوم القيامة المتقون وإن كان نسب أقرب من نسب، فلا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فأقول هكذا وهكذا إلا وأعرض في كل عطفيه» .
وأخرج ابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آلك؟
فقال: كل تقي، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين» .
وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ ، قال أبو إسحاق: القراءة بنصب (الحق) على خبر كان، ودخلت (هو) للفصل، ولا موضع لها وهي بمنزلة (ما) المؤكدة، ودخلت ليعلم أن (الحق) ليس بصفة لـ (هذا)، وأنه (١) (٢) (٣) وقولى تعالى: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ ، قال الليث: مطرتنا السماء وأمطرتنا وأمطرهم الله مطرًا و (٤) (٥) وقال أبو عبيدة: ما كان من العذاب يقال فيه: أمطر، ومن الرحمة: مطر (٦) ﴿ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: ببعض ما عذبت به الأمم (٧) قال أهل العلم وأصحاب التأويل في هذه الآية: يجوز أن يكون هذا القول عنادًا منهم، وذلك أن المعاند قد تحمله شدة عداوته للمحق (٨) ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ مع علمهم أن الله قادر على ذلك يدل على أنهم لم يعتقدوا ولم يعرفوا أن ما أتى به محمد هو حق من عند الله، وإذا لم يكن هو الحق عندهم لم يصبهم هذا النبلاء الذي طلبوه عند أنفسهم؛ لأنهم شرطوا كونه حقًّا (٩) قال عطاء: ثم حاق بالنضر ما سأل من العذاب الأليم يوم بدر؛ لأن رسول الله قتله صبرًا (١٠) وقال أهل المعاني: هذه الآية ذم لهم في دفع الحق بأغلظ ما يكون من المناصبة له (١١) (١٢) (١٣) (١) في "معاني القرآن وإعرابه": أو أنه، وهو خطأ ينبغي تصويبه.
(٢) لعله يعني من القراء المعتبرين، وإلا فقد قرئ بها شذوذًا، وهي قراءة الحسن بن سعيد المطوعي عن الأعمش، وكذلك زيد بن علي، انظر: "مختصر في شواذ القرآن" ص 49، و"الكشاف" 2/ 155، و"البحر المحيط" 5/ 310، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 236.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 411، وقد اختصر الواحدي كلام الزجاج.
(٤) في "تهذيب اللغة" وكتاب "العين": أو.
(٥) "تهذيب اللغة" (مطر) 13/ 341، والنص بنحوه في كتاب "العين" (مطر) 7/ 425.
(٦) "مجاز القرآن" ص 245.
وقد ذكر الواحدي قول أبي عبيدة بمعناه.
(٧) رواه ابن جرير 13/ 505 - 506، عن سعيد بن جبير ومجاهد عطاء وكلها مراسيل، وقد أسنده ابن أبي حاتم 3/ 241 أعن ابن عباس، ولكن بسند ضعيف إذ فيه راو لم يسم، والثابت أن القائل هو أبو جهل، كما رواه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة الأنفال 6/ 119، ويمكن الجمع بين القولين بأن كليهما قال ذلك، هذا لو صح ما روي عن النضر بن الحارث.
(٨) في (ح): (للحق).
(٩) انظر: "النكت والعيون" 2/ 313، و"المحرر الوجيز" 6/ 279، و"الكشاف" 2/ 155، و"البحر المحيط" 4/ 488 - 489.
(١٠) رواه الثعلبي 6/ 57 أ، والبغوي 3/ 351 دون ذكر القتل، وقد رويا قتله صبرًا عن سعيد بن جبير، ورواه أيضًا عنه أبو عبيد في كتاب "الأموال" ص 171، وابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 372.
(١١) ساقط من (ح).
(١٢) ساقط من (س).
(١٣) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللهم ﴾ الآية، قالها النضر بن الحارث أو سائر قريش لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا على أنفسهم إن كان أمره هو الحق، والصحيح أن الذي دعا بذلك أبو جهل رواه البخاري ومسلم في كتابيهما، وانتصب الحقَ لأنه خبر كان.
وقال الزمخشري: معنى كلامهم جحود أي: إن كان هذا هو الحق فعاقبنا على إنكاره، ولكنه ليس بحق فلا نستوجب عقاباً، وليس مرادهم الدعاء على أنفسهم، إنما مرادهم نفي العقوبة عن أنفسهم.
﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي لو آمنوا واستغفروا فإن الاستغفار أمان من العذاب قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب وهما وجود النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر، وقيل: الضمير في يعذبهم للكفار، وفي وهم يستغفرون للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله ﴾ المعنى أي شيء يمنع من عذابهم وهم يصدون المؤمنين من المسجد الحرام والجملة في موضع الحال، وذلك من الموجب لعذابهم ﴿ وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ ﴾ الضمير للمسجد الحرام أو لله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ المكاء: التصفير بالفم.
والتصدية: التصفيق باليد.
وكانوا يفعلونها إذ صلى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما تعملون ﴾ ، ﴿ بصير ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.
الوقوف: ﴿ مثل هذا ﴾ لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنت فيهم ﴾ ط ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وتصدية ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يغلبون ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يحشرون ﴾ ه لا لتعا اللام ﴿ في جهنم ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ ما سلف ﴾ ط لابتداء الشرط مع العطف ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ كله لله ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.
التفسير: لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه.
وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم واسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة.
ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق ﴾ الآية.
وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله ﴿ هو الحق ﴾ بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق.
ومعنى ﴿ حجارة من السماء ﴾ الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع أخر من جنس العذاب الأليم.
ومراده نفي كونه حقاً فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة.
وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة.
قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله حين دعاهم إلى الحق ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.
ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيماً لشأن النبي ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم.
وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلاناً وإنما قتله واحد منهم أو اثنان.
وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده.
وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.
قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار.
أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة.
ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال ﴿ ومالهم ألا يعذبهم الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.
قيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر.
وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله ﴿ وهم يصدون ﴾ أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية.
والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله والمؤمنين من الصدّ.
وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلاً عن مشرك ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.
أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم.
ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ المكاء "فعال" كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر.
والتصدية التصفيق "تفعلة" من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفاً أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة.
قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً.
وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به.
وقيل: تصويب يشبه صوت المكَّاء بالتشديد وهو طائر معروف.
عن ابن عمر: كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون.
فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم.
وفيه أن من كان المكاء والتثدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له.
وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة.
ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة ﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.
ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ الآية.
قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب.
وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر.
وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة - وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة.
والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً - قاله في الكشاف.
وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً لمن أصيب منا فأنزل الله الآية.
ومعنى ﴿ ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ أن غرضهم في الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك.
ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال ﴿ فيسنفقونها ﴾ أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً لقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ ومعنى "ثمك" في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكوروبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة.
ثم قال ﴿ والذين كفروا ﴾ أي الكافرون منهم ولم يقل "ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون" لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم.
ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال ﴿ ليميز الله الخبيث ﴾ أي الفريق الخبيث من الكفار ﴿ من ﴾ الفريق ﴿ الطيب ﴾ وهم المؤمنون ﴿ ويجعل ﴾ الفريق ﴿ الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً ﴾ عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام.
يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ﴿ أولئك ﴾ الفريق الخبيث ﴿ هم الخاسرون ﴾ وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم ﴾ وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ ليميز الله ﴾ يتعلق بقوله ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ قاله في الكشاف.
ولا يبعد عندي أن يتعلق بـ ﴿ يحشرون ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين كفروا.
ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال ﴿ قل للذين كفروا ﴾ أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام ﴿ يغفر لهم ما قد سلف ﴾ من الكفر والمعاصي.
ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: "أن تنتهوا يغفر لكم".
وقد قرأ بذلك ابن مسعود ﴿ وإن تعودوا ﴾ لقتاله ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر ﴿ وإن يعودوا ﴾ بالعودة إلى الردة.
واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل تبوته أم لا؟
والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار لقوله : "نحن نحكم بالظاهر" ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق.
ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال ﴿ وقاتلوهم ﴾ الآية.
وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد ههنا لفظة ﴿ كله ﴾ في قوله ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ لأن القتال ههنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿ فإن الله بما يعملون بصير ﴾ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.
ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء.
﴿ وإن تولوا ﴾ ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ فثقوا بولايته ونصرته.
التأويل: قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله.
ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم ﴿ لقلنا مثل هذا ﴾ قولهم ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ﴾ ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقاً فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ ، ﴿ ولكن أكثرهم ﴾ يعني أكثر المتقين أو ﴿ لا يعلمون ﴾ أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ﴿ ثم يغلبون ﴾ لا يظفرون بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس ﴿ إلى جهنم ﴾ البعد والقطعية ﴿ يحشرون ﴾ ، ﴿ ليميز الله ﴾ الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس ﴿ فيركمه جميعاً ﴾ فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطيعة ﴿ قل للذين كفروا ﴾ من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس ﴿ إن ينتهوا ﴾ عن اتباع الهوى ﴿ يغفر لهم ﴾ يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد.
﴿ وقاتلوا ﴾ كفار النفوس ﴿ حتى لا تكون ﴾ آفة مانعة عن الوصول ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...
﴾ الآية.
ذكر نهاية سفههم، وغاية جرأتهم على الله، وبغضهم الحق، مع علمهم أن الله هو الإله، وأنه قادر على إنزال العذاب، وله السلطان على إمطار الحجارة بقولهم: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، فلم يبالوا هلاك أنفسهم؛ لشدة سفههم، وجرأتهم على الله، وبغضهم الحق، وذكر هذا - والله أعلم - ليعلم الناس ما لحق رسول الله بدعاء هؤلاء السفهاء إلى دين الله الذين لم يبالوا هلاك أنفسهم؛ لشدة بغضهم الحق، وجرأتهم على الله، وما يتحمل منهم من العظيم.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ أي: في جملة المؤمنين أنه لا يعذب أحداً في الدنيا ما دام هو فيهم، وما دام مؤمن فيهم بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، أي: يؤمنون، وهو كما ذكر أنه أرسله رحمة بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، ومن رحمته ألا يعذب أحداً من أمته في الدنيا، إنما يؤخر ذلك إلى يوم التناد بقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...
﴾ وقوله: ﴿ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ : في أهل مكة خاصة أنه لا يعذبهم ما دام هو فيهم، وما دام فيهم أحد من المسلمين؛ من نحو النساء والذراري؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ...
﴾ الآية [الفتح: 25]، أي: لا نعذبهم وأنت يا محمد فيهم، أي: بين أظهرهم حتى نخرجك من بينهم، ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي: يصلون.
وقيل: يؤمنون؛ وكذلك روي عن ابن عباس - - ولكن يعذبهم تعذيب القتال والجهاد، ولا يعذبهم تعذيب استئصال على ما أهلك سائر الأمم.
ثم إن المعتزلة تعلقت بظاهر قوله - -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، أي سيؤمنون؛ أي: لا يعذبهم ما دام يعلم أن فيهم أحداً يؤمن في آخر عمره، أو من قولهم ألا يجوز لله أن يهلك أحداً إذا كان في علمه أنه سيؤمن في آخر عمره؛ لقولهم في الأصلح: إن الله لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ فعلى ذلك تأولوا ظاهر هذه الآية أنه لا يعذبهم وهم يستغفرون، أي: سيؤمنون.
لكن لو كان كما قالوا، لكان لا يجوز الجهاد معهم أبداً، ويسقط الأمر بالقتال؛ إذ لعل فيهم من يسلم، فإذا أمره بالجهاد والقتال معهم، دل أن ذلك ليس ما توهموا، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ : أي: وهم يدخلون في الإسلام.
وقيل: يسلمون.
وقال بعضهم: ﴿ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ : بقية من بقي في مكة من المسلمين، فلما خرجوا منها قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ ...
﴾ الآية.
وروي عن أبي هريرة - - قال: فيكم أمانان: أحدهما: رسول الله ؛ لقول الله : ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ .
والآخر: الاستغفار؛ لقول الله : ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .
قال: فذهب أمان، وهو رسول الله، وبقي أمان، وهو الاستغفار.
وعن ابن عباس - ما - قال: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين؛ لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم؛ فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم، وهو الاستغفار الذي ذكر.
وروي عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله كان ساجداً في آخر سجوده في صلاة الآيات، فقال: أف!
أف!، فقال: رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم؟
رب ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون" وعن بعضهم: أمانان أنزلهما الله؛ أما أحدهما: فمضى، وهو نبي الله، وأمّا الآخر: فأبقاه الله - - بين أظهركم، وهو الاستغفار والتوبة.
وفي إثبات قول السفهاء ودعائهم بإمطار الحجارة عليهم، وجعل ذلك كتاباً يتلى عليهم في الصلوات - أوجه ثلاثة من الحكمة: أحدها: تعريف لهذه الأمة المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنهم إذا تمادوا في غيهم واستقبلوه بالمكروه والأذى ألا يترك الأمر لهم بالمعروف، ولا يؤيس من خيرهم اقتداء بالنبي أنه لم يترك دعاءهم، وأمرهم بالمعروف مع شدة سفههم وتمردهم.
والثاني: ليعلم الخلق أن حجة الله تلزم العباد وإن كانوا قد جهلوه، إذا كان التضييع جاء من قبلهم في ترك النظر والتفكر؛ إذ لو علموا حقيقة العلم أنه الحق، لم يكونوا ليدعوا على أنفسهم بالهلاك.
والثالث: يكون فيه بيان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .
أي: ما لهم من عذر في صرف العذاب عن أنفسهم؛ إذ قد كان منهم من أنواع ما كان لو كان واحد من ذلك لكانوا يستوجبون العذاب؛ من تكذيبهم الرسول والآيات التي أرسلها إليهم، وصدهم الناس عن المسجد الحرام، وهو مكان العبادة، وسؤالهم بقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، أي: ليس لهم عذر في صرف العذاب عن أنفسهم، والاحتجاج على الله أنه لم يرسل رسولاً بقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً...
﴾ الآية [طه: 134]؛ بل أرسل إليهم الرسول، فكذبوه، وبعث إليهم الآيات فكذبوها، وصدّوا الناس عن المسجد الحرام، فلا عذر لهم في وجه من الوجوه أن يصرف العذاب [عنهم]، إلا أن الله بفضله ورحمته يصرف العذاب عنهم ببركة النبي واستغفار المؤمنين، وإلا قد كان منهم جميع أسباب العذاب التي يستوجبونه بها.
وقوله: ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .
أي: عن الصلاة فيه.
ويحتمل أن يكونوا صدّوا الناس عن رسول الله، لكنه ذكر المسجد لما كان رسول الله فيه؛ لئلا يروا رسول الله فيتبعوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ ﴾ .
أي: لم يكونوا أولياء ليصرفوا العذاب عن أنفسهم بالولاية، وهو صلة قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، وهم ليسوا بأوليائه.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ ﴾ : أنهم كانوا يصدون الناس عن المسجد الحرام؛ لما ادعوا أنهم أولياؤه، وأنهم أولى بالمسجد الحرام [منهم]، أخبر أنهم ليسوا أولياءه، إنما أولياؤه المتقون الذين اتقوا ما أتوا هم، أو أولياؤه الموحدون، لا الذين أشركوا غيره في عبادته وألوهيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .
قال بعضهم: [كان أحسن حالهم التي هم عليها هي حال الصلاة]، فإذا كان صلاتهم مكاء وتصدية فكيف حالهم في غير الصلاة؟!
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ وذلك أن النبي - - وأصحابه إذا صلوا في المسجد الحرام، قام طائفة من المشركين عن يمين النبي وأصحابه، فيصفرون كما يصفر المكاء، وطائفة تقوم عن يسارهم فيصفقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النبي وأصحابه صلاتهم، فنزل قوله - -: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .
ثم اختلف في المكاء والتصدية؛ قال بعضهم: المكاء: هو مثل نفخ البوق، والتصدية: هي طوافهم على الشمال.
وقال القتبي: المكاء: الصفير؛ يقال: مكا يمكو، وهو مثل ما قيل للطائر: مكاء؛ لأنه يمكو، أي: يصفر، يعني: يصوت، والتصدية: هي التصفيق؛ يقال: صدى: إذا صفق بيديه.
وقال أبو عوسجة: المكاء: شبه الصفير، والتصدية: ضرب باليدين، وهو من الصدى؛ من الصوت.
وقيل: المكاء: صفير كان أهل الجاهلية يلعبون به، والتصدية: الصدّ عن سبيل الله ودينه.
وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ذوقوا العذاب يوم بدر، وهو الهزيمة والقتل الذي كان عليهم يوم بدر.
ويحتمل قوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ : في الآخرة؛ بكفرهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
واذكر -أيها الرسول- إذا قال المشركون: اللَّهُمَّ إن كان ما جاء به محمد حقًّا فأسقط علينا حجارة من السماء تهلكنا، أو ائتنا بعذاب شديد.
قالوا ذلك مبالغة في الجحود والإنكار.
<div class="verse-tafsir" id="91.k28L4"