الآية ٥٩ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٥٩ من سورة الأنفال

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا تحسبن ) يا محمد ( الذين كفروا سبقوا ) أي : فاتونا فلا نقدر عليهم ، بل هم تحت قهر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا ، كما قال تعالى : ( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ) [ العنكبوت : 4 ] أي : يظنون ، وقال تعالى : ( لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير ) [ النور : 57 ] ، وقال تعالى ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) [ آل عمران : 196 ، 197 ] .

ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: " وَلا تحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ " بكسر الألف من " إنهم "، وبالتاء في " تحسبن " =بمعنى: ولا تحسبن، يا محمد، الذين كفروا سبقونا ففاتونا بأنفسهم.

ثم ابتدئ الخبر عن قدرة الله عليهم فقيل: إن هؤلاء الكفرة لا يعجزون ربهم، إذا طلبهم وأراد تعذيبهم وإهلاكهم، بأنفسهم فيفوتوه بها.

* * * وقرأ ذلك بعض قرأة المدينة والكوفة: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا )، بالياء في " يحسبن ", وكسر الألف من (إِنَّهُمْ) .

* * * وهي قراءة غير حميدة، لمعنيين، (26) أحدهما خروجها من قراءة القرأة وشذوذها عنها =والآخر: بعدها من فصيح كلام العرب.

وذلك أن " يحسب " يطلب في كلام العرب منصوبًا وخبره, كقوله: " عبد الله يحسب أخاك قائمًا " و " يقوم " و " قام ".

فقارئ هذه القراءة أصحب " يحسب " خبرًا لغير مخبر عنه مذكور.

وإنما كان مراده، ظنّي: (27) ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزوننا =فلم يفكر في صواب مخرج الكلام وسُقمه, واستعمل في قراءته ذلك كذلك، ما ظهر له من مفهوم الكلام.

وأحسب أن الذي دعاه إلى ذلك، الاعتبارُ بقراءة عبد الله.

وذلك أنه فيما ذكر في مصحف عبد الله: " وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ "، وهذا فصيح صحيح، إذا أدخلت " أنهم " في الكلام, لأن " يحسبن " عاملة في " أنهم ", وإذا لم يكن في الكلام " أنهم " كانت خالية من اسم تعمل فيه.

وللذي قرأ من ذلك من القرأة وجهان في كلام العرب، وإن كانا بعيدين من فصيح كلامهم: أحدهما: أن يكون أريد به: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا, أو: أنهم سبقوا =ثم حذف " أن " و " أنهم ", كما قال جل ثناؤه: وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ، [الروم: 24].

بمعنى: أن يريكم، وقد ينشد في نحو ذلك بيت لذي الرمة: أَظُـنّ ابْـنُ طُرْثُـوثٍ عُتَيْبَـةُ ذَاهِبًـا بِعَـــادِيَّتِي تَكْذَابُـــهُ وَجَعَائِلُــهْ (28) بمعنى: أظن ابن طرثوث أن يذهب بعاديتي تكذابه وجعائله؟

وكذلك قراءة من قرأ ذلك بالياء, يوجه " سبقوا " إلى " سابقين " على هذا المعنى.

(29) والوجه الثاني على أنه أراد إضمار منصوب بـ " يحسب ", كأنه قال: ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا =ثم حذف " أنهم " وأضمر.

(30) وقد وجه بعضهم معنى قوله: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ، [سورة آل عمران: 175]: إنما ذلكم الشيطان يخوف المؤمن من أوليائه, وأن ذكر المؤمن مضمر في قوله: " يخوف ", إذ كان الشيطان عنده لا يخوف أولياءه.

(31) * * * وقرأ ذلك بعض أهل الشأم: " وَلا تحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " بالتاء من " تحسبن " =( سَبَقُوا أَنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ)، بفتح الألف من " أنهم ", بمعنى: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون.

* * * قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه القراءة يُعقل، إلا أن يكون أراد القارئ بـ " لا " التي في " يعجزون "، " لا " التي تدخل في الكلام حشوًا وصلة، (32) فيكون معنى الكلام حينئذ: ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم يعجزون =ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله إلى التطويل، (33) بغير حجة يجب التسليم لها، وله في الصحة مخرج.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: (لا تَحْسَبَنَّ)، بالتاء ( الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ )، بكسر الألف من " إنهم "، ( لا يُعْجِزُونَ)، بمعنى: ولا تحسبن أنت، يا محمد، الذين جحدوا حجج الله وكذبوا بها، سبقونا بأنفسهم ففاتونا, إنهم لا يعجزوننا =أي: يفوتوننا بأنفسهم, ولا يقدرون على الهرب منا، (34) كما:- 16223- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون)، يقول: لا يفوتون.

----------------- الهوامش : (26) هذه القراءة التي ردها أبو جعفر ، هي قراءتنا اليوم .

(27) في المطبوعة : " وإنما كان مراد بطي ولا يحسبن " ، فأتى بعجب لا معنى له .

وقول الطبري : " ظني " ، يقول كما نقول اليوم : " فيما أظن " .

(28) ديوانه 473 ، من قصيدة ذكر فيها " المهاجر بن عبد الله الكلابي " والي اليمامة ، وكان للمهاجر عريف من السعاة بالبادية يقال له : " رومي " ، فاختلف ذو الرمة ، وعتيبة بن طرثوث في بئر عادية ، فخاصم ذو الرمة إلى رومي ، فقضى رومي لابن طرثوث قبل فصل الخصومة ، وكتب له بذلك سجلا ، فقال ذو الرمة من قصيدته تلك ، برواية ديوانه : أقُـولُ لِنَفْسِـي , لا أُعَـاتِبُ غَيْرَهَـا وَذُو اللُّـبِّ مَهْمَـا كَـانَ , لِلنَّفْسِ قائِلُهْ لَعَـلَّ ابْـنَ طُرْثُـوثٍ عَتَيْبَـةُ ذَاهِـبٌ بِعَـــادِيَّتِي تَكْذَابُـــهُ وَجَعَائِلُــهْ بِقَــاعٍ , مَنَعْنَــاهُ ثَمَــانينَ حِجَّـةً وَبِضْعًــا , لَنَـا أَحْرَاجُـه وَمَسَـايِلُهْ ثم ذكر المهاجر بالذكر الجميل ، ثم قال : يَعِـزُّ , ابْـنَ عَبْدِ اللهِ , مَنْ أَنْتَ نَاصِرٌ وَلا يَنْصُـرُ الرَّحْـمَنُ مَـنْ أنْتَ خَاذِلُهْ إذَا خَـافَ قَلْبِـي جَـوْرَ سَـاعٍ وَظُلْمَهُ ذَكَــرْتُكَ أُخْـرَى فَاطْمَـأَنَّتْ بَلابِلُـهْ تَـرَى اللـهَ لا تَخْـفَى عَلَيْهِ سَـرِيرَةٌ لِعَبْــدٍ , ولا أَسْـبَابُ أَمْـرٍ يُحَاوِلـهْ لَقَــدْ خَــطَّ رُومِـيٌّ, وَلا زَعَمَاتِـهِ, لِعُتْبَــةَ خَطًّـا لَـمْ تُطَبَّـقْ مَفَاصِلُـهْ بِغَـيْرِ كتـابٍ وَاضِـحٍ مِـنْ مُهَـاجِرٍ وَلا مُقْعَــدٍ مِنِّــي بخَـصْمٍ أُجَادِلـهْ هذه قصة حية .

وكان في المطبوعة : " عيينة " ، والصواب من الديوان ، ومما يدل عليه الشعر السالف إذ سماه " عتبة " ، ثم صغره .

و " العادية " ، البئر القديمة ، كأنها من زمن " عاد " .

و " التكذاب " ، مصدر مثل " الكذب " .

و " الجعائل " ، الرشي ، تجعل للعامل المرتشي .

(29) انظر هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 414 - 416 .

(30) كان في المطبوعة : " ثم حذف الهمز وأضمر " ، وهو كلام لا تفلته الخساسة .

وصواب قراءة المخطوطة : " أنهم " كما أثبتها ، وهو واضح جدًا .

(31) انظر ما سلف 7 : 417 ، تفسير هذه الآية .

(32) " الصلة " ، الزيادة ، كما سلف مرارًا ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف .

(33) " التطويل " ، الزيادة أيضًا .

انظر ما سلف 1 : 118 ، 224 ، 405 ، 406 ، 440 ، 441 ، وهو هناك " التطول " .

(34) انظر تفسير " أعجز " فيما سلف 12 : 128 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أي من أفلت من وقعة بدر سبق إلى الحياة .

ثم استأنف فقال : إنهم لا يعجزون أي في الدنيا حتى يظفرك الله بهم .

وقيل : يعني في الآخرة .

وهو قول الحسن .

وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة يحسبن بالياء والباقون بالتاء ، على أن يكون في الفعل ضمير الفاعل .

و الذين كفروا مفعول أول .

و سبقوا مفعول ثان .

وأما قراءة الياء فزعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن هذا لحن لا تحل القراءة به ، ولا تسمع لمن عرف الإعراب أو عرفه .

قال أبو حاتم : لأنه لم يأت ل يحسبن بمفعول وهو يحتاج إلى مفعولين .

قال النحاس : وهذا تحامل شديد ، والقراءة تجوز ويكون المعنى : ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا ، فيكون الضمير يعود على ما تقدم ، إلا أن القراءة بالتاء أبين .

المهدوي : ومن قرأ بالياء احتمل أن يكون في الفعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون الذين كفروا سبقوا المفعولين .

ويجوز أن يكون الذين كفروا فاعلا ، والمفعول الأول محذوف ، المعنى : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا .

مكي : ويجوز أن يضمر مع [ ص: 392 ] " سبقوا " " أن " فيسد مسد المفعولين والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، فهو مثل أحسب الناس أن يتركوا في سد " أن " مسد المفعولين .

وقرأ ابن عامر ( أنهم لا يعجزون ) بفتح الهمزة .

واستبعد هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد .

قال أبو عبيد : وإنما يجوز على أن يكون المعنى : ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون .

قال النحاس : الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحويين البصريين ، لا يجوز حسبت زيدا أنه خارج ، إلا بكسر الألف ، وإنما لم يجز لأنه في موضع المبتدأ ، كما تقول : حسبت زيدا أبوه خارج ، ولو فتحت لصار المعنى حسبت زيدا خروجه .

وهذا محال ، وفيه أيضا من البعد أنه لا وجه لما قاله يصح به معنى ، إلا أن يجعل ( لا ) زائدة ، ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله عز وجل إلى التطول بغير حجة يجب التسليم لها .

والقراءة جيدة على أن يكون المعنى : لأنهم لا يعجزون .

مكي : فالمعنى لا يحسبن الكفار أنفسهم فاتوا لأنهم لا يعجزون ، أي لا يفوتون .

ف " أن " في موضع نصب بحذف اللام ، أو في موضع خفض على إعمال اللام لكثرة حذفها مع " أن " وهو يروى عن الخليل والكسائي .

وقرأ الباقون بكسر " إن " على الاستئناف والقطع مما قبله ، وهو الاختيار ، لما فيه من معنى التأكيد ، ولأن الجماعة عليه .

وروي عن ابن محيصن أنه قرأ ( لا يعجزون ) بالتشديد وكسر النون .

النحاس : وهذا خطأ من وجهين : أحدهما أن معنى عجزه ضعفه وضعف أمره .

والآخر - أنه كان يجب أن يكون بنونين .

ومعنى أعجزه سبقه وفاته حتى لم يقدر عليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ لا يحسب الكافرون بربهم المكذبون بآياته، أنهم سبقوا اللّه وفاتوه، فإنهم لا يعجزونه، واللّه لهم بالمرصاد‏.‏ وله تعالى الحكمة البالغة في إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، التي من جملتها ابتلاء عباده المؤمنين وامتحانهم، وتزودهم من طاعته ومراضيه، ما يصلون به المنازل العالية، واتصافهم بأخلاق وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا ) قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص " يحسبن " بالياء ، وقرأ الآخرون بالتاء ، " سبقوا " أي : فأتوا ، نزلت في الذين انهزموا يوم بدر من المشركين .

فمن قرأ بالياء يقول " لا يحسبن الذين كفروا " أنفسهم سابقين فائتين في عذابنا ، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب .

قرأ ابن عامر : ( أنهم لا يعجزون ) بفتح الألف ، أي : لأنهم لا يعجزون ، ولا يفوتونني .

وقرأ الآخرون بكسر الألف على الابتداء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل فيمن أفلت يوم بدر «ولا تحسبنَّ» يا محمد «الذين كفروا سبقوا» الله أي فأتوه «إنهم لا يعجزون» لا يفوتونه وفي قراءة بالتحتانية فالمفعول الأول محذوف أي أنفسهم وفي أخرى بفتح إن على تقدير اللام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا يظنن الذين جحدوا آيات الله أنهم فاتوا ونجَوْا، وأن الله لا يقدر عليهم، إنهم لن يُفْلِتوا من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الكافرين لن ينجوا من عقابه ، وبشر المؤمنين بالنصر فقال : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ) وقوله ( يَحْسَبَنَّ ) من الحسبان بمعنى الظن ، وقد قرأ ابن عامر وحفص وحمزة " يحسبن " بالياء ، وقرأ الباقون بالتاء .وقوله : ( يُعْجِزُونَ ) من العجز ، وأصله - كما يقول الراغب - : التأخر عن الشئ .

.

ثم صار فى التعارف اسماً للقصور عن فعل الشئ ، وهو ضد القدرة .

.

والعجوز سميت بذلك لعجزها فى كثير من الأمور .

.والمعنى - على القراءة بالياء - : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أنهم قد سبقوا الله فنجوا من عقابه ، وخلصوا من عذابه ..

كلا إن حسبانهم هذا باطل - لأنهم لا يعجزون الله ، بل هو - سبحانه - قادر على إهلاكهم وتعذيبهم فى كل وقت .

.وأن نجاتهم من القتل أو السر فى الدنيا لن تنفعهم شيئاً من العذاب المهين فى الآخرة .وعلى هذه القراءة يكون فاعل ( يَحْسَبَنَّ ) قوله ( الذين كَفَرُواْ ) ويكون المفعول الأول ليحسبن محذوف أى : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم ، والمفعول الثانى جملة ( سبقوا ) .وأما على القراءة الثانية ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ ) فيكون قوله ( الذين كَفَرُواْ ) هو المفعول الأول .

وجملة ( سبقوا ) هى المفعول الثانى .أى : ولا تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء الكافرين قد سبقونا خيانتهم لك ، أو أفلتوا من عقابنا وصاروا فى مأمن منا .

.

كلا ، إنهم لا يعجزوننا عن إدراكهم وإنزال العقوبة بهم فى أى وقت نريده فنحن لا يعجزنا شئ .

.وعلى كلتا القراءتين فالمقصود من الآية الكريمة قطع أطماع الكافرين فى النجاة ، وإقناطهم من الخلاص ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن من لم يصبه عذاب الدنيا ، فسوف يصيبه عذاب الآخرة ، ولا مفر له من ذلك ما دام قد استحب الكفر على الإِيمان ، أما المؤمنون فلهم من الله - تعالى - التأييد والنصر وحسن العقابة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين ما يفعل الرسول في حق من يجده في الحرب ويتمكن منه وذكر أيضاً ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد، بين أيضاً حال من وفاته في يوم بدر وغيره، لئلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذية الرسول عليه الصلاة والسلام مبلغاً عظيماً فقال: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ * سَبَقُواْ ﴾ والمعنى: أنهم لما سبقوا فقد فاتوك ولم تقدر على إنزال ما يستحقونه بهم، ثم هاهنا قولان: الأول: أن المراد ولا تحسبن أنهم انفلتوا منك، فإن الله يظفرك بعيرهم.

والثاني: لا تحسبن أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل أنهم قد تخلصوا من عقاب الله ومن عذاب الآخرة ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ أي أنهم بهذا السبق لا يعجزون الله من الانتقام منهم والمقصود تسلية الرسول فيمن فاته ولم يتمكن من التشفي والانتقام منه.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم لا يحسبن بالياء المنقطة من تحت، وفي تصحيحه ثلاثة أوجه: الأول: قال الزجاج: ولا يحسبن الذين كفروا أن يسبقونا، لأنها في حرف ابن مسعود أنهم سبقونا فإذا كان الأمر كذلك فهي بمنزلة قولك حسبت أن أقوم، وحسبت أقوم وحذف أن كثير في القرآن قال تعالى: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ ﴾ والمعنى: أن أعبد.

الثاني: أن نضمر فاعلاً للحسبان ونجعل الذين كفروا المفعول الأول، والتقدير: ولا يحسبن أحد الذين كفروا.

والثالث: قال أبو علي: ويجوز أيضاً أن يضمر المفعول الأول، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا أو إياهم سبقوا، وأما أكثر القراء فقرؤا ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ بالتاء المنقطة من فوق على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والذين كفروا المفعول الأول وسبقوا المفعول الثاني وموضعه نصب والمعنى: ولا تحسبن الذين كفروا سابقين.

المسألة الثالثة: أكثر القراء على كسر ﴿ ءانٍ ﴾ في قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لا ﴾ وهو الوجه لأنه ابتداء كلام غير متصل بالأول كقوله: ﴿ الكاذبين أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا ﴾ وتم الكلام ثم قال: ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ فكما أن قوله: ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ منقطع من الجملة التي قبلها، كذلك قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿ أَنَّهُمْ ﴾ بفتح الألف، وجعله متعلقاً بالجملة الأولى، وفيه وجهان: الأول: التقدير لا تحسبنهم سبقوا، لأنهم لا يفوتون فهم يجزون على كفرهم.

الثاني: قال أبو عبيد: يجعل ﴿ لا ﴾ صلة، والتقدير: لا تحسبن أنهم يعجزون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَبَقُواْ ﴾ أفلتوا وفاتوا من أن يظفر بهم ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم وقرئ: أنهم بالفتح بمعنى: لأنهم، كل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل إلاَّ أنَّ المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح وقرئ: ﴿ يعجزون ﴾ بالتشديد وقرأ ابن محيضن: ﴿ يعجزون ﴾ ، بكسر النون وقرأ الأعمش ﴿ ولا تحسبِ الذين كفروا ﴾ بكسر الباء وبفتحها على حذف النون الخفيفة وقرأ حمزة: ﴿ ولا يحسبن ﴾ بالياء على أن الفعل للذين كفروا وقيل فيه: أصله أن سبقوا، فحذفت أن، كقوله: ﴿ وَمِنْ ءاياته يُرِيكُمُ البرق ﴾ [الروم: 24] واستدل عليه بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ أنهم سبقوا ﴾ .

وقيل: وقع الفعل على أنهم لا يعجزون، على أن (لا) صلة، وسبقوا في محل الحال، بمعنى سابقين أي مفلتين هاربين.

وقيل معناه: ولا يحسبنهم الذين كفروا سبقوا، فحذف الضمير لكونه مفهوماً.

وقيل: ولا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.

وهذه الأقاويل كلها متمحلة، وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة.

وعن الزهري أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

(وَلا تَحْسَبَنَّ) خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ﴾ مَفْعُولاهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ بِالياءِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ أحَدٍ أوْ ﴿ مَن خَلْفَهُمْ ﴾ ، أوِ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ أنْفُسُهم فَحُذِفَ لِلتَّكْرارِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ أنْ سَبَقُوا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةَ كالمَوْصُولِ فَلا تُحْذَفُ أوْ عَلى إيقاعِ الفِعْلِ عَلى (أنَّهم لا يُعْجِزُونَ) بِالفَتْحِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وأنَّ ﴿ لا ﴾ صِلَةٌ و ﴿ سَبَقُوا ﴾ حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ أيْ مُفْلِتِينَ، والأظْهَرُ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ: لا تَحْسَبَنَّهم سَبَقُوا فَأفْلَتُوا لِأنَّهم لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، أوْ لا يَجِدُونَ طالِبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ وكَذا إنْ كَسَرْتَ إنَّ إلّا أنَّهُ تَعْلِيلٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّ الآيَةَ إزاحَةٌ لِما يُحَذِّرُ بِهِ مِن نَبْذِ العَهْدِ وإيقاظِ العَدُوِّ، وقِيلَ نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فُلِّ المُشْرِكِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ يَحْسَبَنَّ} بالياء وفتح السين شامي وحمزة ويزيد وحفص وبالتاء وفتح السين أبو بكر وبالتاء وكسر السين غيرهم {الذين كَفَرُواْ سَبَقُواْ} فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم أَنَّهُمْ شامي أي لأنهم كل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل غير أن المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح فمن قرأ بالتاء فالذين كَفَرُواْ مفعول أول والثاني سَبَقُواْ ومن قرأ بالياء الذين كفروا فاعل وسبقوا مفعول تقديره أن سبقوا فحذف أن وأن مخففة من الثقيلة أي أنهم سبقوا فسد مسد المفعولين أو يكون الفاعل مضمراً أي ولا يحسبن محمد الكافرين سابقين ومن ادعى تفرد حمزة بالقراءة ففيه نظر لما بيننا من عدم تفرده بها وعن الزهري أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وحَمْزَةَ، وزُعِمَ تَفَرُّدُ الأخِيرِ بِها وهم كَزَعْمِ أنَّها غَيْرُ نَيِّرَةٍ، فَقَدْ نَصَّ في التَّيْسِيرِ عَلى أنَّهُ قَرَأ بِها إلّا ولِأنَّ أيْضًا، وفي المُجْمَعِ عَلى أنَّهُ قَرَأ بِها الأرْبَعَةُ، وقالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّها أنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ لِأنَّ فاعِلَ يَحْسَبَنَّ المَوْصُولُ بَعْدَهُ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ أيْ: أنْفُسَهم وحُذِفَ لِلتَّكْرارِ والثّانِي جُمْلَةُ سَبَقُوا، أيْ لا يَحْسَبَنَّ أُولَئِكَ الكافِرُونَ أنْفُسَهم سابِقِينَ أيْ مُفْلَتِينَ مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ.

والمُرادُ مِن هَذا إقْناطُهم مِنَ الخَلاصِ وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالنَّبْذِ، والِاقْتِصارُ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ وعَدَمُ دَفْعِ تَوَهُّمِ سائِرِ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ أمانِيهِمُ الباطِلَةُ مِن مُقاوَمَةِ المُؤْمِنِينَ أوِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحُومُ عَلَيْهِ عِقابُ وهْمُهم وحُسْبانُهم وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَدُورَ في خَلَدِهِمْ حُسْبانُ المَناصِ فَقَطْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا، والحَذْفُ لا يَخْطُرُ بِالبالِ كَما تُوُهِّمَ، أيْ لا يَحْسَبَنَّ هو أيَّ قُبَيْلِ المُؤْمِنِينَ أوِ الرَّسُولِ أوِ الحاسِبِ أوْ مَن خَلْفَهم أوْ أحَدٌ، وهو مَعْلُومٌ مِنَ الكَلامِ فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَفْعُولا الفِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا وسَبَقُوا، وحُكِيَ عَنِ الفِراءِ أنَّ الفاعِلَ الَّذِينَ كَفَرُوا وإنْ سَبَقُوا بِتَقْدِيرِ إنْ سَبَقُوا فَتَكُونُ أنْ وما بَعْدَها سادَّةً مَسَدِّ المَفْعُولَيْنِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( أنَّهم سَبَقُوا ) .

واعْتَرَضَهُ أبُو البَقاءِ، وغَيْرُهُ بِأنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةَ مَوْصُولٌ وحَذْفُ المَوْصُولِ ضَعِيفٌ في القِياسِ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ لَمْ يَرِدْ مِنهُ إلّا شَيْءٌ يَسِيرٌ كَتَسَمُّعٍ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ ونَحْوِهِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

وقَرَأ مَن عَدا مَن ذَكَرَ ( تَحْسَبَنَّ ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن لَهُ حَظٌّ في الخِطابِ و( ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ﴾ ) مَفْعُولاهُ ولا كَلامَ في ذَلِكَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ) بِكَسْرِ الباءِ وفَتْحِها عَلى حَذْفِ النُّونِ الخَفِيفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ إنَّهم لا يُعْجِزُونَ ﴾ ) أيْ لا يَفُوتُونَ اللَّهَ تَعالى أوْ لا يَجِدُونَ طالِبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( أنَّهم ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو تَعْلِيلٌ أيْضًا بِتَقْدِيرِ اللّامِ المُطَّرَدِ حَذْفُها في مَثَلِهِ.

وقِيلَ: الفِعْلُ واقِعٌ عَلَيْهِ، و( لا ) صِلَةٌ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِحَذْفِها و( ﴿ سَبَقُوا ﴾ ) حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ أيْ مُفْلِتِينَ هارِبِينَ.

وضُعِّفَ بِأنَّ ( لا ) لا تَكُونُ صِلَةً في مَوْضِعٍ يَجُوزُ أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، وبِأنَّ المَعْهُودَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ في المَفْعُولِ الثّانِي لِحَسَبٍ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ أنْ فِيهِ مَكْسُورَةً، وهَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ لِإزاحَةِ ما عَسى أنْ يَحْذَرَ مِن عاقِبَةِ النَّبْذِ لِما أنَّهُ إيقاظٌ لِلْعَدُوِّ وتَمْكِينٌ لَهم مِنَ الهَرَبِ والخَلاصِ مِن أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ نَفْيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى المُقاوَمَةِ والمُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ.

وذَكَرَ الجُبّائِيُّ أنَّ ( ﴿ لا يُعْجِزُونَ ﴾ ) عَلى مَعْنى لا يُعْجِزُونَكَ عَلى أنَّهُ خِطابٌ أيْضًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْلُو عَنْ حَسَنٍ، والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ الإعْجازِ كَيْفَما قُدِّرَ المَفْعُولُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُمَكَّنُ مِنهم في الدُّنْيا، فَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى لا يُفُوتُونَ اللَّهَ تَعالى حَتّى لا يَبْعَثَهم في الآخِرَةِ غَرِيبٌ مِنهُ إنْ صَحَّ، وادَّعى الخازِنُ أنَّ المَعْنى عَلى العُمُومِ عَلى مَعْنى لا يَعْجِزُونَ اللَّهَ تَعالى مُطْلَقًا إمّا في الدُّنْيا بِالقَتْلِ وإمّا في الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ، وذُكِرَ أنَّ فِيهِ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيمَن فاتَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ ولَمْ يَنْتَقِمْ مِنهُ، وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فَلِّ المُشْرِكِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وقُرِئَ ( يُعَجِّزُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( يُعْجِزُونِ ) بِكَسْرِ النُّونِ بِتَقْدِيرِ يُعْجِزُونَنِي فَحُذِفَتْ إحْدى النُّونَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ والياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، قال ابن عباس: «نزلت في بني قريظة، كعب بن الأشرف وأصحابه، لأنهم عاهدوا رسول الله  ، ثم نقضوا العهد وأعانوا أهل مكة بالسلاح على قتال النبيّ  ، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم مرة أُخرى، فنقضوا العهد» ، فذلك قوله تعالى: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يعني: في كل حين وفي كلّ وقت وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ نقض العهد.

قوله تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ يقول: إن تظفر بهم في الحرب، يعني: في القتال، ويقال: إن أدركتهم في القتال (١) قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، يعني: وإن علمت من قوم نقض العهد.

والخيانة: أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة، وسمي ناقض العهد خائناً، لأنه اؤتمن بالعهد فغدر ونكث.

فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، يعني: فأعلمهم بأنك قد نقضت العهد، وأعلمهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء.

وقال القتبي: إذا أردت أن تعرف فضل العربية على غيرها، فانظر في الآية، وقد ترجموا سائر الكتب، ومن أراد أن يترجم القرآن إلى لغة أُخرى فلا يمكنه ذلك، لأنك لو أردت أن تنقل قوله: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً لم تستطع بهذا للفظ، ما لم تبسط مجموعها وتظهر مستورها فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم خيانة ونقضاً، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم وآذنهم بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ، يعني: الناقضين للعهد.

قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: لا يظنن الذين كفروا من العرب وغيرهم من الذين جحدوا بوحدانية الله تعالى سَبَقُوا، يعني: فاتوا بأعمالهم الخبيثة إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ، يقول: لن يفوتوا الله حتى يعاقبهم، ويقال: لا يجدون الله تعالى عاجزاً عن عقوبتهم.

قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص: وَلا يَحْسَبَنَّ بالياء على وجه المغايبة ونصب السين، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلاَ تَحْسَبَنَّ بالتاء على وجه المخاطبة ونصب السين، وقرأ الباقون على وجه المخاطبة وكسر السين، وقرأ ابن عامر أَنَّهُمْ بالنصب على معنى البناء، وقرأ الباقون بالكسر على معنى الابتداء.

فمن قرأ بالنصب، معناه: لأنهم لا يعجزون، يعني: لا يفوتون.

وقرأ بعضهم بكسر النون لاَ يُعْجِزُونَ يعني: لا يعجزونني وهي قراءة شاذة.

(١) في النسخة «أ» «في القيام» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...

الآية: معنى هذه الآية إِخبارٌ من اللَّه سبحانه، إِذا أنعم على قومٍ نعمةً، فإِنه بلُطْفه ورحمته لا يبدأُ بتغييرها وتنْكِيدها، حتى يجيءَ ذلك منْهم بأنْ يغيِّروا حالهم الَّتي تُرَادُ، أو تَحْسُنُ منهم، فإِذا فعلوا ذلك، غيَّر اللَّه نعمته عنْدَهم بِنِقْمته منْهم، ومثالُ هذه نِعْمَةُ اللَّه عَلَى قُرَيْشٍ بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فكَفَروا به، فغيَّر اللَّه تلك النعمة، بأنْ نقلها إِلى غيرهم من الأنصار، وأَحَلَّ بهم عقوبَتَهُ.

وقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ/ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، هذا التكريرُ هو لمعنًى ليس للأول إذ الأول دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لما كَفَرُوا، وهذا الثَّاني دأْبٌ في أَنَّهُ لم يغيِّرْ نعمتهم حتَّى غيروا ما بأنْفُسِهِم، والإِشارة بقوله:

وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، إِلى قومِ شعيبٍ وصالحٍ وهود ونوح وغيرهم.

وقوله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ، أجمع المتأوِّلون أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله:

فِي كُلِّ مَرَّةٍ: يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم.

وحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهدوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا اجتمعت الأحزاب على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوْا قريشاً، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما انجلت تلك الحالُ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فاستنزلوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، واستيعاب قصَّتهم في «السِّير» وإِنما اقتضبت منها ما يخُصُّ تفسير الآية.

وقوله سبحانه: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ...

الآية: معنى تَثْقَفَنَّهُمْ تأسرهم، وتحصِّلهم في ثِقَافِكَ، أو تَلْقَاهم بحالٍ تقدرُ عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى: فَشَرِّدْ أي:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: " ولا تَحْسَبْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "وَلا تَحْسَبْنَّ" بِالتّاءِ وكَسْرِ السِّينِ إلّا أنَّ عاصِمًا فَتَحَ السِّينَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ وحَفَصٌ، عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ وفَتَحِ السِّينِ.

وفي الكافِرِينَ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ وغَيْرُهُ.

"وَسَبَقُوا" بِمَعْنى فاتُوا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وذَلِكَ أنَّهم أشْفَقُوا مِن هَلَكَةٍ تَنْزِلُ بِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ؛ فَلَمّا سَلِمُوا مِنها، قِيلَ: لا تَحْسَبْنَّ أنَّهم فاتُوا بِسَلامَتِهِمُ الآَنَ، فَإنَّهم لا يُعْجِزُونا، أيْ: لا يَفُوتُونا فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الأوْقاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لا يُعْجِزُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِ الألِفِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِها؛ وعَلى قِراءَتِهِ اعْتِراضٌ.

لَقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَ قَدْ قَرَأ "يَحْسَبْنَّ" بِالياءِ، وقَرَأ "أنَّهُمْ" بِالفَتْحِ، فَقَدْ أقَرَّهم عَلى أنَّهم لا يُعْجِزُونَ؛ ومَتى عَلِمُوا أنَّهم لا يُعْجِزُونَ، لَمْ يُلامُوا.

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: المَعْنى: "لا يَحْسَبْنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا" لا يَحْسَبْنَّ أنَّهم يُعْجِزُونَ؛ "وَلا" زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: لا يَحْسَبْنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا وآَباءَهم سَبَقُوا، لِأنَّهم لا يُفَوِّتُونَ، فَهم يُجْزَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ ﴾ دَخَلَتِ النُونُ مَعَ "فَإمّا" تَأْكِيدًا، ولِتُفَرِّقَ بَيْنَها وبَيْنَ"إمّا" الَّتِي هي حَرْفُ انْفِصالٍ في قَوْلِكَ: "جاءَنِي إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو "، ( وتُثَقِّفُهم ) مَعْناهُ: تَأْسِرُهم وتُحَصِّلُهم في ثِقافِكَ، أو تَلْقاهم بِحالِ ضَعْفٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيها وتَغْلِبُهُمْ، وهَذا لازِمٌ مِنَ اللَفْظِ لِقَوْلِهِ: ﴿ فِي الحَرْبِ ﴾ ، وقِيلَ: ثَقِفَ: أخَذَ بِسُرْعَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْناهُ: تُصادِفَنَّهُمْ، إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لا تَرْتَبِطُ في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ المُصادِفَ يَغْلِبُ فَيُمْكِنُ التَشْرِيدُ بِهِ، وقَدْ لا يَغْلِبُ، والثِقافُ في اللُغَةِ: ما تُشَدُّ بِهِ القَناةُ ونَحْوُها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ قَناتِي لَنَبْعٌ ما يُؤَيِّسُها ∗∗∗ عَضُّ الثِقافِ ولا دُهْنٌ ولا نارُ وَقالَ آخَرُ: تَدْعُو قُعَيْنًا وقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِها ∗∗∗ ∗∗∗ عَضَّ الثِقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَشَرِّدْ ﴾ مَعْناهُ طَرِّدْ وخَوِّفْ وأبْعِدْهُ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، والشَرِيدُ: المُبْعَدُ عن وطَنٍ أو نَحْوِهِ، والمَعْنى: بِفِعْلٍ تَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن قَتْلٍ أو نَحْوِهِ يَكُونُ تَخْوِيفًا لِمَن خَلْفَهُمْ، أيْ: لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ، وسَواءٌ كانَ مُعاصِرًا لَهم أمْ لا.

وما تَقَدَّمَ الشَيْءَ فَهو بَيْنَ يَدَيْهِ وما تَأخَّرَ عنهُ فَهو خَلْفُهُ، فَمَعْنى الآيَةِ: فَإنْ أسَرْتَ هَؤُلاءِ الناقِضِينَ في حَرْبِكَ لَهُمْ، فافْعَلْ بِهِمْ مِنَ النِقْمَةِ ما يَكُونُ تَشْرِيدًا لِمَن يَأْتِي خَلْفَهم في مِثْلِ طَرِيقَتِهِمْ، والضَمِيرُ في "لَعَلَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الفِرْقَةِ المُشَرَّدَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: نَكِّلْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "شَرِّدْ بِهِمْ" مَعْناهُ: سَمِّعْ بِهِمْ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ عن أبِي عُبَيْدَةَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ لِأنَّ التَسْمِيعَ بِهِمْ في ضِمْنِ ما فَسَّرْناهُ أوَّلًا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "فَشَرِّذْ" بِالذالِ مَنقُوطَةً، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ولَمْ يُحْفَظْ "شَرِّذْ" في لُغَةِ العَرَبِ، ولا وجْهَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ الذالُ المَنقُوطَةُ تُبْدَلُ مِنَ الدالِ كَما قالُوا: لَحْمٌ خَرادِيلُ وخَراذِيلُ، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ -وَحَكاها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْمَشِ بِخِلافٍ عنهُ-: "مِن خَلْفِهِمْ" بِكَسْرِ المِيمِ مِن قَوْلِهِ: "مَن" وخَفْضِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "خَلْفَهُمْ" والتَرَجِّي في قَوْلِهِ" "لَعَلَّهُمْ" بِحَسَبِ البَشَرِ، و ﴿ يَذَّكَّرُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَتَّعِظُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ ﴾ الآيَةُ قالَ أكْثَرُ المُؤَلِّفِينَ في التَفْسِيرِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في بَنِي قُرَيْظَةَ، وحَكاهُ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ أنَّ أمْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدِ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأمْرِهِ بِما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَن يَخافُ مِنهُ خِيانَةً إلى سالِفِ الدَهْرِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ لَمْ يَكُونُوا في حَدِّ مَن تُخافُ خِيانَتُهُ فَتُرَتَّبَ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، وإنَّما كانَتْ خِيانَتُهم ظاهِرَةً مُشْتَهِرَةً، فَهَذِهِ الآيَةُ هي عِنْدِي فِيمَن يُسْتَقْبَلُ حالُهُ مِن سائِرِ الناسِ غَيْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وخَوْفُ الخِيانَةِ بِأنْ تَبْدُوَ جَنادِعُ الشَرِّ مِن قِبَلِ المُعاهِدِينَ، وتَتَّصِلُ عنهم أقْوالُ، وتُحَسُّ مِن تِلْقائِهِمْ مَبادِئُ الغَدْرِ، فَتِلْكَ المَبادِئُ مَعْلُومَةٌ، والخِيانَةُ الَّتِي هي غايَتُهم مَخُوفَةٌ لا مُتَيَقَّنَةٌ، وحِينَئِذٍ يَنْبِذُ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، فَإنِ التَزَمُوا السِلْمَ عَلى ما يَجِبُ وإلّا حُورِبُوا، وبَنُو قُرَيْظَةَ نَبَذُوا العَهْدَ مَرَّتَيْنِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: "تَخافُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: تَعْلَمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خِيانَةً ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ عَهْدٍ، لِأنَّ مَن لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَهْدٌ فَلَيْسَتْ مُحارَبَتُهُ لَكَ خِيانَةً، فَأمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا  إذا أحَسَّ مِن أهْلِ عَهْدٍ ما ذَكَرْنا وخافَ خِيانَتَهم أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وهو النَبْذُ، ومَفْعُولُ قَوْلِهِ: "فانْبِذْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إلَيْهِمْ عَهْدَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَقْتَضِي قُوَّةُ هَذا اللَفْظِ الحَضَّ عَلى حَرْبِهِمْ ومُناجِزَتِهِمْ إنْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا.

وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: حَتّى يَكُونَ الأمْرُ في بَيانِهِ والعِلْمُ بِهِ عَلى سَواءٍ مِنكَ ومِنهُمْ، فَتَكُونُونَ فِيهِ أيْ: في اسْتِشْعارِ الحَرْبِ- سَواءً، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ عَلى مَعْدَلَةٍ، أيْ: فَذَلِكَ هو العَدْلُ والِاسْتِواءُ في الحَقِّ، قالَ المَهْدَوِيُّ: مَعْناهُ: جَهْرًا لا سِرًّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ، وقالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ مَعْناهُ: عَلى مَهَلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ  ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللُغَةُ تَأْبى هَذا القَوْلَ، وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: انْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى اعْتِدالٍ وسَواءٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ: بَيِّنْ لَهم عَلى قَدْرِ ما ظَهَرَ مِنهُمْ، لا تُفْرِطْ ولا تَفْجَأْ بِحَرْبٍ، بَلِ افْعَلْ بِهِمْ مِثْلَما فَعَلُوا بِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي مُوازَنَةً ومُقايَسَةً، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ طَعْنًا عَلى الخائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ عاهَدَهُمُ النَبِيُّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ حَتّى تَبْعُدَ عَنِ الخِيانَةِ، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ، فَيَكُونُ النَبْذُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- لِأجْلِ أنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ.

والسَواءُ في كَلامِ العَرَبِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العَدْلِ والمَعْدَلَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأعْداءِ ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى السَواءِ وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوَسَطِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ  ﴾ .

وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يا ويْحَ أنْصارِ النَبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "وَلا تَحْسِبَنَّ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ  ، وبِكَسْرِ السِينِ -غَيْرَ عاصِمٍ فَإنَّهُ فَتَحَها- "الَّذِينَ كَفَرُوا" مَفْعُولٌ أوَّلُ، و"سَبَقُوا" مَفْعُولٌ ثانٍ، والمَعْنى: فاتُوا بِأنْفُسِهِمْ وأنْجَوْها، "إنَّهم لا يُعْجِزُونَ" بِكَسْرِ ألِفِ "إنَّ" عَلى القَطْعِ والِابْتِداءِ، و"يُعْجِزُونَ" مَعْناهُ: يُفْلِتُونَ ويُعْجِزُونَ طالَبَهُمْ، فَهو مُعَدّى "عَجَزَ" بِالهَمْزَةِ، تَقُولُ: عَجَزَ زَيْدٌ وأعْجَزَهُ غَيْرُهُ وعَجَّزَهُ أيْضًا، قالَ سُوِيدٌ: وأعْجَزَنا أبُو لَيْلى طُفَيْلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ صَحِيحُ الجِلْدِ مِن أثَرِ السِلاحِ ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِنَ الكُفّارِ في حَرْبِ النَبِيِّ  ، كَقُرَيْشٍ في بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ، فالمَعْنى: لا تَظُنَّهم ناجِينَ بَلْ هم مُدْرَكُونَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا يُعْجِزُونَ في الدُنْيا، وقِيلَ: المُرادُ: في الآخِرَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ مُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلٌ: "وَلا تِحْسَبَنَّ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وعاصِمٌ، وخالِدُ بْنُ إلْياسٍ: "تَحْسَبَنَّ" بِفَتْحِ التاءِ مِن فَوْقُ وبِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَلا يَحْسَبُ" بِفَتْحِ السِينِ والياءِ مِن تَحْتُ وحَذْفِ النُونِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى: "وَلا يَحْسِبَنَّ" بِياءٍ مِن تَحْتُ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "وَلا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عن غائِبٍ وبِفَتْحِ السِينِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ في الفِعْلِ ضَمِيرُ النَبِيِّ  ، أو يَكُونُ التَقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "الَّذِينَ كَفَرُوا" مَفْعُولًا أوَّلًا، و"سَبَقُوا" مَفْعُولًا ثانِيًا، وإمّا أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" هُمُ الفاعِلُونَ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مُضْمَرًا، و"سَبَقُوا" مَفْعُولٌ ثانِيًا، وتَقْدِيرُ هَذا الوَجْهِ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا، وإمّا أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" هو الفاعِلُ وتُضْمَرُ "أنْ" فَيَكُونُ التَقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، وتَسُدُّ "أنْ سَبَقُوا" مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.

قالَ الفارِسِيُّ: ويَكُونُ هَذا كَما تَأوَّلَهُ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ  ﴾ ، فالتَقْدِيرُ: "أنْ أعْبُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا أيُّهَذا الزاجِرِي أحْضُرَ الوَغى ∗∗∗ ∗∗∗.................

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ حُذِفَتْ "أنْ" وهي مَعَ صِلَتِها في مَوْضِعِ الفاعِلِ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى في ذَلِكَ: وما راعَنا إلّا يَسِيرُ بِشُرْطَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَهْدِي بِهِ قَيْنًا يُسِيرُ بِكِيرِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "أنَّهم لا يُعْجِزُونَ" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّهُمْ"، ووَجْهُهُ أنْ يُقَدَّرَ بِمَعْنى لِأنَّهم لا يُعْجِزُونَ، أيْ: لا تَحْسَبَنَّ عَلَيْهِمُ النَجاةَ لِأنَّهم لا يَنْجُونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُعْجِزُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ: "يُعَجِّزُونَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُعْجِزُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، ومَنحاها "يُعْجِزُونِي" بِإلْحاقِ الضَمِيرِ، قالَ الزَجّاجُ: الِاخْتِيارُ فَتْحُ النُونِ، ويَجُوزُ كَسْرُها عَلى أنَّ المَعْنى: "إنَّهم لا يُعْجِزُونَنِي"، وتُحْذَفُ النُونُ الأُولى لِاجْتِماعِ النُونَيْنِ، كَما قالَ الشاعِرُ: تَراهُ كالثَغامِ يُعْلُّ مِسْكًا ∗∗∗ ∗∗∗ يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: البَيْتُ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في قَوْلِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ: ولَقَدْ عَلِمْتُ ولا مَحالَةَ أنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ لِلْحادِثاتِ فَهَلْ تَرَيْنِي أجْزَعُ هَذا يَجُوزُ عَلى الِاضْطِرارِ، فَقالَ قَوْمٌ: حَذَفَ النُونَ الأُولى وحَذْفُها لا يَجُوزُ لِأنَّها مَوْضِعُ الإعْرابِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أرى فِيما كانَ مِثْلَ هَذا حَذْفَ الثانِيَةِ، وهَكَذا كانَ يَقُولُ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ.

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَلا يَحْسَبُ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونِ"، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: بِالياءِ مِن تَحْتٍ وبِغَيْرِ نُونٍ في "يَحْسَبُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ ها الطَبَرِيُّ بِنُونٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما بدأه به أعداؤه من الخيانة مثل ما فعلت قريظة، وما فعل عبد الله بن أبي سلول وغيرهم من فلول المشركين الذين نجوا يوم بدر، وطمأنة له وللمسلمين بأنّهم سيدالون منهم، ويأتون على بقيتهم، وتهديد للعدوّ بأنّ الله سيمكّن منهم المسلمين.

والسبق مستعار للنجاة ممّن يَطلب، والتفلّت من سلطته.

شبه المتخلّص من طالبه بالسابق كقوله تعالى: ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ﴾ [العنكبوت: 4] وقال بعض بني فقعس: كأنكَ لم تُسبَق من الدهر مرة *** إذا أنت أدركتَ الذي كنت تطلب أي كأنّك لم يفتك ما فاتك إذا أدركته بعد ذلك، ولذلك قوبل السبق هنا بقوله تعالى: ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ ، أي هم وإن ظهرت نجاتهم الآن، فما هي إلاّ نجاة في وقت قليل، فهم لا يعجزون الله، أو لا يعجزون المسلمين، أي لا يُصِيِّرون من أفلِتوا منه عاجزاً عن نوالهم، كقول إياس بن قبيصة الطائي: ألم تر أنّ الأرض رحب فسيحة *** فهل تعج زَنِّي بُقعة من بقاعها وحذف مفعول ﴿ يعجزون ﴾ لظهور المقصود.

وقرأ الجمهور ﴿ ولا تحسبن ﴾ بالتاء الفوقية.

وقرأه ابن عامر، وحمزة، وحفص، وأبو جعفر ﴿ ولا تحسبن ﴾ بالياء التحتية وهي قراءة مشكلة لعدم وجود المفعول الأول لحسب، فزعم أبو حاتم هذه القراءة لحناً، وهذا اجتراء منه على أولئك الايمة وصحة روايتهم، واحتجّ لها أبو علي الفارسي بإضمار مفعول أول يدلّ عليه قوله: ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، واحتج لها الزجاج بتقدير (أنَّ) قبل ﴿ سبقوا ﴾ فيكون المصدر سادّاً مسدّ المفعولين، وقيل: حذف الفاعل لدلالة الفعل عليه.

والتقدير: ولا يحسبنّ حاسب.

وقوله: ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ قرأه الجمهور بكسر همزة ﴿ إنهم ﴾ استئناف بياني جواباً عن سؤال تثيره جملة: ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿ أنهم بفتح همزة (أنّ) على حذف لام التعليل فالجملة في تأويل مصدر هو علة للنهي، أي لأنّهم لا يعجزون، قال في الكشّاف ﴾ : كلّ واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل إلاّ أنّ المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُوَّةَ ذُكُورُ الخَيْلِ، ورِباطُ الخَيْلِ إناثُها، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّانِي: القُوَّةُ السِّلاحُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّالِثُ: القُوَّةُ التَّصافِي واتِّفاقُ الكَلِمَةِ.

والرّابِعُ: القُوَّةُ الثِّقَةُ بِاللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةُ إلَيْهِ.

والخامِسُ: القُوَّةُ الرَّمْيُ.

رَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الهَمَذانِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: « ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا.

» ﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ إناثُها خاصَّةً، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ عَلى العُمُومِ الذُّكُورُ والإناثُ.

وَقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ارْتَبِطُوا الخَيْلَ فَإنَّ ظُهُورَها لَكم عِزٌّ، وأجْوافَها لَكم كَنْزٌ» .

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَدُوُّ اللَّهِ بِالكُفْرِ وعَدُوُّكم بِالمُبايَنَةِ.

والثّانِي: عَدُوُّ اللَّهِ هو عَدُوُّكم لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ عَدُوٌّ لِأوْلِيائِهِ.

والإرْهابُ: التَّخْوِيفُ.

﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أهْلُ فارِسَ والرُّومِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: المُنافِقُونَ; قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ.

والخامِسُ: كُلُّ مَن لا تَعْرِفُونَ عَداوَتَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ يقول: لا يفوتونا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ ، قال الزجاج: معناه لا تحسبن من أفلت من هذا (١) (٢) (٣) ﴿ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم لا يعجزونني، وما أعجز عن خلقي، ولا أضعف (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وذكرنا فيما مضى أن الحسبان يقتضي مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما، إلا أن المفعول الثاني خبر عن الأول، والفعل الذي هو (حسبت) متعلق بما دلت عليه الجملة.

والآية بيان عن اقتدار الله عز وجل الذي لا ينفع معه حسبان للنجاة من العقاب، وأكثر القراء قرؤوا ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ بالتاء (٩)  و ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ المفعول الأول، و ﴿ سَبَقُوا ﴾ المفعول الثاني، وموضعه نصب، والمعنى: لا تحسبن الذين كفروا سابقين، ومن قرأ بالياء (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وحذف (أن) قد جاء في غير شيء (١٤) ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ  ﴾ ، قال سيبويه: حذف (أن) والمعنى: أن أعبد (١٥) وهو كثير في الشعر (١٦) ﴿ أحسبت الناس أن يتركوا  ﴾ كذلك، وذكر أبو الحسن (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وأكثر القراء على كسر (إن) (٢٢) ﴿ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ وهو الوجه (٢٣) ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا  ﴾ وتم الكلام ثم قال: ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ فكما أن قوله: ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ منقطع من الجملة التي قبلها، كذلك قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ .

وقرأ ابن عامر: (أنهم) بفتح الألف (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال أبو عبيد: لا أعرف لفتح (أن) وجهًا إلا أن تجعل (لا) صلة، فتقول: لا تحسبن أنهم يعجزون (٢٨) ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ  ﴾ (٢٩) وهذا الوجه من كون (لا) زيادة ذكره الفراء (٣٠) (٣١) (١) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن وإعرابه": هذه، قال ابن منظور: العرب: نقيض السلم، أنثى، ...

وحكى ابن الأعرابي فيها التذكير ..

قال: والأعرف تأنيثها.

"لسان العرب" (حرب) 2/ 815 - 816 (٢) في (م): (الخيانة).

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 421.

(٤) "تنوير المقباس" ص 184 بمعناه، وفي "البرهان" للحوفي 11/ 95 أ: لا يفوتون.

(٥) في "الوسيط" 2/ 468: (يوم بدر) بدلاً من قوله: (من ذلك الحرب).

وانظر: التعليق السابق رقم (5).

(٦) ساقط من (ح).

(٧) نص ما بين المعقوفين في "زاد المسير" هو: فلما سلموا قيل: لا تحسبن ...

إلخ.

(٨) " الوسيط" 2/ 468، وذكره ابن الجوزي "زاد المسير" 3/ 374 باختصار.

(٩) وبها قرأ ابن كثير وشعبة، عن عاصم وأبو عمرو ونافع والكسائي ويعقوب وخلف.

انظر: الغاية في القراءات العشر ص 162، و"تقريب النشر" ص 119، و"تحبير التيسير" ص 118.

(١٠) وبذلك قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر وحمزة.

انظر: المصادر السابقة نفس المواضع.

(١١) وصف الزمخشري أيضًا هذه القراءة بأنها ليست نيرة، في "الكشاف" 2/ 165، وتضعيف قراءة متواترة يُعلم قطعاً أن رسول الله  تلقاها عن ربه وأقرأها أصحابه وهم أهل العربية، من خطل القول، سببه الغلو في أقيسة علماء اللغة، وقصور العلم عن الإحاطة بالأوجه القوية للقراءة، وقد ذكر الواحدي عدة أوجه لهذه القراءة وهناك أوجه أخرى منها: أ- أن الفاعل ضمير يعود إلى المذكورين في الآية السابقة والتقدير: ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا، وهذا اختيار أبي جعفر النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 682.

ب- أن الفاعل ضمير يعود للكفار لتقدم ذكرهم في قوله: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ ثُمَّ يَنْقُضُونَ ﴾ ، و ﴿ لَا يَتَّقُونَ ﴾ ، و ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، ذكره مكي بن أبي طالب في "مشكل إعراب القرآن" ص 318.

ج - أن الفاعل محذوف يفهم من السياق والتقدير: ولا يحسبن حاسب أو أحد.

انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 421، و"البحر المحيط" 4/ 510 - 511، و"التحرير والتنوير" 10/ 54.

وإذا تبين أن لهذه القراءة أكثر من وجه قائم على تقدير المحذوف، حسن التنبيه إلى أن أسلوب الحذف من الأساليب البلاغية العاليه لتذهب النفس في تقدير المحذوف كل مذهب لائق بالمقام.

(١٢) ذكر هذه القراءة عنه، الزمخشري في "الكشاف" 2/ 165، وأبو حيان في "البحر" 4/ 510 - 511، ولم يذكرها ابن أبي داود في "المصاحف"، ولا ابن جني في "المحتسب" ولابن خالويه في "المختصر".

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 421.

(١٤) يعني في أكثر من موضع.

(١٥) هذا القول مفهوم من عبارة سيبويه، حيث جعل الآية بمنزلة قول طرفة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى بعد بيان أن (أن) محذوفة في قوله (أحضر).

انظر: "كتاب سبويه" 3/ 100، و"الحجة" 4/ 155، وضعف السيرافي هذا الوجه.

انظر: "حاشية كتاب سيبويه" 1/ 452، ط/ بولاق.

(١٦) انظر بعض الأبيات في "الحجة" 4/ 156.

(١٧) يعني الأخفش الأوسط، انظر قوله في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 155، لم يذكره في كتاب "معاني القرآن".

(١٨) في (م): (فاعلاً آخر).

(١٩) ساقط من (م).

(٢٠) في (ح): (والذين)، وهو خطأ.

(٢١) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 155.

(٢٢) هذه قراءة الجمهور، ولم يخالف إلا ابن عامر الذي قرأ بالفتح، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 162، و"التبصرة في القراءات" ص 212، و"تقريب النشر" ص 119.

(٢٣) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 157، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 312، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 1/ 230.

(٢٤) انظر التخريج السابق لقراءة الجمهور.

(٢٥) في (ح): (يقولون)، وهو خطأ.

(٢٦) في (س): (منها)، ولا معنى له.

(٢٧) انظر هذا التوجيه في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 158، و"حجة القراءات" ص 312.

(٢٨) ذكر بعض هذا القول الرازي في "تفسيره" 15/ 184 وأشار إليه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 683، وأبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 510، والسمين في "الدر المصون" 5/ 625.

(٢٩) انظر: قول ابن الأنباري في "زاد المسير" 3/ 374 بنحوه.

(٣٠) "معاني القرآن" 1/ 415.

(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 422، وقد ضعف أبو إسحاق الزجاج هذا الوجه، وعلل ذلك بقوله: لأن (لا) لا تكون لغوًا في موضع يجوز أن تقع فيه غير لغو.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا ﴾ أي لا تظن أنهم فاتوا ونجوا بأنفسهم ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ أي لا يفوتون في الدنيا ولا في الآخرة ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ ﴾ الضمير للذين ينبذ لهم العهد أو للذين لا يعجزون، وحكمه عام في جميع الكفار ﴿ مِّن قُوَّةٍ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن القوة الرمي» ﴿ وَمِن رِّبَاطِ الخيل ﴾ قال الزمخشري: الرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله.

وقال ابن عطية: رباط الخيل جمع ربط أو مصدر ﴿ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ﴾ يعني الكفار ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ يعني المنافقين: وقيل: بني قريظة، وقيل: الجن لأنها تنفر من صهيل الخيل، وقيل: فارس، والأول أرجح لقوله مردوا على النفاق ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ ﴾ قال السهيلي: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء، لأن الله تعالى قال: لا تعلمونهم، فكيف يعلمهم أحد، وهذا لا يلزم، لأن معنى قوله لا تعلمونهم: لا تعرفونهم: أي لا تعرفون آحادهم وأعيانهم وقد يعرف صنفهم من الناس، ألا ترى أنه قال مثل ذلك في المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.

الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.

الآخرون: بتاء الخطاب.

﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.

الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.

الآخرون بالضم.

﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.

وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.

﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.

﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.

وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.

ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.

﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.

وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.

وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.

وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.

وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.

ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.

وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.

قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.

ولما بين  ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.

ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.

ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.

والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.

ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.

ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.

قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.

ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.

والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.

ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.

ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.

ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.

ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.

ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.

جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.

ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.

قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله  وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.

ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.

وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.

والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.

وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.

وقيل: على استواء في العداوة.

قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.

قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.

فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.

وذلك أن قريظة عاهدوا النبي  ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله  بأهل مكة لما نقضوا العهد.

ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟

فأجيب بما أجيب.

والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.

أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.

والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.

ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.

ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.

ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.

ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.

ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي  في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.

وعن عقبة بن عامر أن رسول الله  قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.

وقوله  : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.

ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.

روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.

فقيل له: إنما أوصى في الحصون.

فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.

وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.

والظاهر العموم.

ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.

واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.

وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.

وعن السدي: هم أهل فارس.

وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.

وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.

ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.

وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.

عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.

والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.

وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله  ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله  منصرفه من تبوك.

وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله  حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.

ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.

إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.

وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.

وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.

ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.

ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم  ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.

ثم أكد كون الله  كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.

﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.

ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله  ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله  من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.

والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.

ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.

ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي  مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي  إلى عبادة الله  والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.

﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.

قال القاضي: لولا ألطاف الله  ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.

ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله  وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.

ثم إنه  لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.

فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.

ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.

وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي  ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله  الآية.

ثم بيّن  أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.

في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.

وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.

وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.

قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن  ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن  ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.

قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.

كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.

قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.

فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.

فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.

والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.

الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس  ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.

وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.

وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم  ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.

وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم  ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.

عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى  أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.

وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.

قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟

قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله  وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.

وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.

والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.

سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.

ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.

ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.

وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.

ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه  لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.

والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.

والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً  ﴾ .

التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.

﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ \[ذكر هاهنا شر الدواب عند الله الذين لا يؤمنون وذكر\] في آية أخرى: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، هم شر الدواب؛ حيث سمعوا الآيات والحق وعقلوها فلم يؤمنوا بها، أي: لم ينتفعوا بما عقلوا مما وقع في مسامعهم، ومما درسوا كمن لا سمع له ولا لسان، نفى عنهم ذلك؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا.

ويحتمل أن يكون في الآخرة، أي: يبعثون يوم القيامة صمّاً بكماً عمياً؛ لما لم ينتفعوا في الدنيا بهذه الحواس؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً...

﴾ الآية [الإسراء: 97].

وقوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ هو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ ، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام، وقد ذكرنا فائدة قوله: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ في موضعه.

ويحتمل قوله: ﴿ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ ﴾ أي: شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: نزل في بني قريظة؛ حيث عاهدوا رسول الله، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول الله بالسلاح وغيره، فأقالهم رسول الله، وكانوا يقولون: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد، فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ﴾ : نقض العهد، أو لا يتقون الشرك.

وقال بعضهم: نزل قوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ...

﴾ إلى آخر الآية، في المردة والفراعنة من الكفار، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا، ولكن غيروه فلم يؤمنوا به؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا، وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ ﴾ .

قيل: تأمرنهم في الحرب.

وقيل: تلقينهم في الحرب.

وقيل: تجدنهم في الحرب.

﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ .

قيل: نكل بهم من بعدهم، أي: اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم، أي: يمتنعون.

وقيل: فعظ بهم من خلفهم، أي: من سواهم.

الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت عادتهم نقض العهد، فأمر - عز وجل - رسوله أن ينكل هؤلاء؛ ليكون ذلك عبرة وزجراً لمن بعدهم إن لم يكن ذلك لهم زجراً، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم، إذا رأي غيرهم أنه فعل بهؤلاء ما ذكر يكون ذلك زجراً لهم عن مثل صنيعهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ ، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر، فيكون في ذلك حياة الخلق.

وكذلك جعل الله في القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة؛ لأن في الطباع النفار عن القتل، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك؛ إشفاقاً على نفسه، وخوفاً على تلف مهجته، فيكون في القتال رحمة، وكذلك جميع ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ : عظة وزجراً لمن بعدهم.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .

لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد في الآخرة [في الجنة]، وكل كريه وقبيح زاجراً له عن الموعود في الآخرة في النار؛ على هذا بناء أمر الدنيا.

والتشريد: قال أبو عبيدة: معناه من التفرقة، أي: فرق بهم.

وقال القتبي: قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ أي: افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق به من وراءهم من الأعداء.

قال: ويقال: شرد بهم: سمع بهم، بلغة قريش.

وقيل: نكلهم، أي: اجعلهم عظة لمن وراءهم وعبرة، وهو ما ذكرنا.

وقال أبو عوسجة: التنكيل: التخويف والرد عما يكره، والنكال: العذاب.

وقال غيره: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ ، أي: اخلفهم بهم بما صنع هؤلاء.

وقال أبو عبيدة: التشريد في الكلام: التبديد والتفريق؛ وبعضه قريب من بعض.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم ﴾ ، أي: نكل بهم حتى يخافك من خلفهم، والشريد: الطريد، والشريد - أيضاً -: القليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ \[قال بعضهم: قوله تخافن: تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء\].

أي: لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة فتكون أنت وهم في الخيانة سواء؛ لأن عندهم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد، ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب فيما بينهم الحرب.

وقال بعضهم: هو على حقيقة الخوف، يقول: إذا خفت منهم النقض أو الخيانة ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي: ألق إليهم نقضك؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء.

قال أبو عبيدة: قوله: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: أظهر لهم أنك عدو، وأنك مناصب لهم؛ حتى يعلموا ذلك فيصيروا على ذلك سواء.

وقال بعضهم: ﴿ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: على أمرين.

قال أبو عبيد: قال غير واحد من أهل العلم: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ : أعلمهم أنك تريد أن تحاربهم؛ حتى يصيروا مثلك في العلم؛ فذلك السواء.

قال الكيساني: السواء: العدل.

وقال: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: سر إليهم، وقد علموا بك وعلمت بهم.

وبعضه قريب من بعض.

وحاصل التأويل: هو التأويلان اللذان ذكرتهما، والله  أعلم.

وأصل العهد ما ذكر عز وجل في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ  ﴾ .

أمر - عز وجل - بإتمام العهد إلى المدة، إذا لم ينقضونا شيئاً ولم يخونوا، ولم يظاهروا علينا أحداً منهم، فإذا فعلوا شيئاً من ذلك قلنا أن ننقض العهد الذي كان بيننا وبينهم.

وكذلك ابتداء العهد [فيما] بيننا وبينهم إذا سألونا ليس للإمام أن يعطي لهم العهد إذا لم يكن في العهد منفعة للمسلمين - منفعة ظاهرة - وخير لهم؛ فعلى ذلك ما دام يرجو في العهد منفعة للمسلمين وخيراً لهم فعليه مراعاة ذلك العهد وحفظه، فإذا خاف منهم أو اطلع على خيانة منهم، فله نقضه، والله أعلم.

ثم إذا كانت تلك الخيانة من جملتهم أو ممن له منعة، فله أن يناصبهم الحرب، وإن لم ينبذ إليهم.

وإذا كان ذلك من بعض على سبيل التلصص والسرقة، فليس له أن يحاربهم إلا بعد النبذ إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لا تحسبن الذين نجوا وتخلصوا منك - يا محمد - من المشركين [يوم بدر] أني لا أظفرك بهم في غيره من الحروب والمغازي، وأنهم يفوتون ويعجزون الله عن ذلك.

وقال بعضهم: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم يعجزون ويفوتون عن نقمة الله وعذابه.

وقرأ بعضهم بنصب الألف: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ ، فمن قرأ بالنصب طرح "لا" وجعلها صلة، وقال: لا تحسبن أنهم يعجزون.

وأما قراءة العامة: فهي بالخفض: ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ فهو على الابتداء، فقال: إنهم لا يعجزون [على الابتداء].

[وقيل: العجز: السبق].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ولا تخرجوا إلى الحرب في المغازي، كما خرجتم إلى بدر بلا سلاح ولا قوة؛ لأنه أراد أن يجعل حرب بدر آية؛ ليميز بين المحق والمبطل، وبين الحق والباطل؛ لذلك أمركم بالخروج إليها بلا سلاح ولا عدة، وأما غيرها من الحروب والمغازي فلا تخرجوا إليها إلا مستعدين لها.

وبعد: فإنهم إنما تركوا الاستعداد طاعة لربهم، وفي الاشتغال بالاستعداد ترك للطاعة له، وأمر - عز وجل - بالاعتداد لهم ما استطاعوا من الأسباب؛ لما أن ذلك أرهب للعدو من ترك الاستعداد، وإن كان - عز وجل - قادراً أن ينصرهم على عدوهم بلا سبب يجعله لأنفسهم، وهو كقوله: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ  ﴾ .

فأمر الله بالأسباب في الحروب، وإن كان قادراً على نصر أوليائه على عدوه بلا سبب، لكنه أمر بالأسباب؛ لما أن جميع أمور الدنيا جعلها بالأسباب، من نحو الموت والحياة وجميع الأشياء، وإن كان يقدر على إبقاء الإنسان والخلائق جميعاً بلا غذاء يجعل لهم، والموت بلا مرض ولا سبب؛ ولكن فصل بما ذكرنا.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّن قُوَّةٍ ﴾ ؛ قال بعضهم: القوة: الرمي، وعلى ذلك رووا عن رسول الله  قال: " ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ فقال: ألا إن القوة الرمي، قال ذلك ثلاثاً" .

ويحتمل قوله: ﴿ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ : ما تقوون به [في] الحروب.

قال بعضهم: القوة: السلاح.

وقال غيرهم: الخيل.

وأمكن أن تكون جميع أسباب الحرب.

وفيه دلالة أن القوة التي هي أسباب الفعل يجوز أن تتقدم، ويكون قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ  ﴾ أراد استطاعة الأسباب لا استطاعة الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ، أمر برباط الخيل والإعداد للحرب؛ رهبة للعدو.

﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ اختلف [أهل التأويل فيه]: قال بعضهم: ترهبون برباط الخيل المشركين.

وقال: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ .

اليهود والنصارى، وهؤلاء الذين كانوا فيما بينهم يرهب هؤلاء أيضاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : [المنافقين] الذين كانوا فيما بينهم لا يعرفونهم كانوا طلائع للمشركين وعيوناً لهم يخبرونهم عن حال المؤمنين ما يرهب هؤلاء أيضاً.

وقال آخرون: قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : هم الشياطين، ورووا على ذلك [خبراً] عن رسول الله  [أنه] قال: "هم الشياطين" ، وقال: "لن يخبل الشياطين إنساناً في داره فرس عتيق" ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ \[هم\] الأعداء الذين يكونون من بعد إلى يوم القيامة ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ، فإن كان ذلك، ففيه دلالة بقاء الجهاد إلى يوم القيامة.

وقال بعضهم: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : الشياطين، ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ وهو كقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ .

فإن قيل: [أي] رهبة تقع للشياطين فيما ذكر من رباط الخيل والسلاح الذي ذكر؛ قيل: يكون لهم رهبة في قمع أوليائهم، أو يكون لأوليائهم رهبة نسب ذلك إليهم، وذلك كثير في القرآن.

وقوله: ﴿ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ .

سمى عدواً لله وعدواً للمؤمنين؛ ليعلم أن من اعتقد عداوة الله صار عدوّاً للمؤمنين، ومن اعتقد ولاية الله صار وليّاً للمؤمنين، ومن كان وليّاً للمؤمنين يكون وليّاً لله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ .

أخبر أن ما أنفقوا في سبيل الله يوفى إليهم ذلك، إما الخلف في الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ  ﴾ ، وإما في الآخرة الثواب.

﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ]: فيما يأمركم بالجهاد في سبيل الله، واتخاذ العدة والإنفاق فيها؛ إذ أنفسكم وأموالكم لله له أن يأخذها منكم.

والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ في الثواب في الآخرة، أي: يعطيكم الثواب في الآخرة أو الخلف في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ .

قرئ بالنصب: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، وقرئ بالخفض: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ .

وقال أهل اللغة: من قرأ بالنصب: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، حمله على المصالحة والموادعة، ومن قرأ بالخفض: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، جعل ذلك في الإسلام.

وتأويله - والله أعلم -: أي: إذا خضعوا للصلح وطلبوه منك فاجنح لهم، أي: مل إليهم، ولا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من نقض العهد؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ ، يقول: لا يمنعك عن الصلح إذا طلبوا ذلك ما كان منهم من النقض ونكث العهود.

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد، فإن الله يطلعك ويكفيك على ذلك.

ومنهم من قال: قوله: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ ﴾ ، أي: إذا خضعوا وتواضعوا للإسلام، فاقبل منهم واخضع لهم؛ كقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أمره بخفض الجناح لهم.

ذكر - هاهنا - أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن نعطيهم، وإذا لم يطلبوا منا ذلك لا يحل لنا أن نطلب منهم الصلح، إلا أن نضطر إلى ذلك، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ  ﴾ ، نهانا أن ندعوهم إلى الصلح ولنا قوة وعدة للقتال معهم، وأما إذا كانوا طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك.

ويحتمل ما ذكرنا، أي: لا يمنعك ما كان منهم من نقض العهد.

وقوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ يحتمل ذكره بالتأنيث، أي: للمسالمة والمصالحة.

وقال بعضهم: السلم هو مؤنث؛ كقول القائل: السلم تأخذ منا ما رضيت به *** والحرب يكفيك من أنفاسها جرع فإن قيل: ما المعنى في قول من قال بالإسلام بقوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ وهو كان يدعو إلى الإسلام، وهو لا شك أنه كان يقبل منهم الإسلام؟

قيل: يحتمل أن يكون الأمر بالقبول أمراً بترك المؤاخذة بما كان منهم في حال نقض العهد؛ لأن من قولنا: أن ما أصابوا في حال العهد من الجراحات والأخذ يتبعون بها ويؤاخذون إذا أسلموا، وإذا نقضوا العهد ثم أصابوا شيئاً من ذلك ثم أسلموا، لم يؤاخذوا بذلك، فيحتمل أن يقول له: فاجنح لها، ولا تؤاخذهم بما كان منهم في حال نقض العهد.

وقال الحسن: هذا منسوخ، نسخة قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

وقال بعضهم نسخة قوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وقال بعضهم: نسخة قوله: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ  ﴾ .

والوجه فيه ما ذكرنا: أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نظراً للمسلمين، أجابهم إلى ذلك وصالحهم، فإذا طلبوا منه الصلح وبالمسلمين قوة القتال والحرب معهم، لم يجبهم إلى ذلك، وما ذكر هؤلاء من نسخة فذلك لا نعرفه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا يظنن الذين كفروا أنهم فاتوا عقاب الله وأفلتوا منه، إنهم لا يفوتونه ولا يفلتون من عقابه، بل هو مدركهم ولاحق بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.rXYEv"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله