الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٥٨ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٨ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ) يقول تعالى لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ( وإما تخافن من قوم ) قد عاهدتهم ( خيانة ) أي : نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود ، ( فانبذ إليهم ) أي : عهدهم ( على سواء ) أي : أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم ، وهم حرب لك ، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء ، أي : تستوي أنت وهم في ذلك ، قال الراجز : فاضرب وجوه الغدر [ الأعداء ] حتى يجيبوك إلى السواء وعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله : ( فانبذ إليهم على سواء ) أي : على مهل ، ( إن الله لا يحب الخائنين ) أي : حتى ولو في حق الكافرين ، لا يحبها أيضا .
قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن أبي الفيض ، عن سليم بن عامر ، قال : كان معاوية يسير في أرض الروم ، وكان بينه وبينهم أمد ، فأراد أن يدنو منهم ، فإذا انقضى الأمد غزاهم ، فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر [ الله أكبر ] وفاء لا غدرا ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء قال : فبلغ ذلك معاوية ، فرجع ، وإذا الشيخ عمرو بن عبسة ، رضي الله عنه .
وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن حبان في صحيحه من طرق عن شعبة ، به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري ، حدثنا إسرائيل ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي البختري عن سلمان - يعني الفارسي - رضي الله عنه - : أنه انتهى إلى حصن - أو : مدينة - فقال لأصحابه : دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ، فقال : إنما كنت رجلا منهم فهداني الله - عز وجل - للإسلام ، فإذا أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون ، فإن أبيتم نابذناكم على سواء ، ( إن الله لا يحب الخائنين ) يفعل بهم ذلك ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله .
القول في تأويل قوله : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وإما تخافن)، يا محمد، من عدو لك بينك وبينه عهد وعقد، أن ينكث عهد.
وينقض عقده، ويغدر بك =وذلك هو " الخيانة " والغدر (13) =(فانبذ إليهم على سواء)، يقول: فناجزهم بالحرب, وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، (14) حتى تصير أنتَ وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب, فيأخذوا للحرب آلتها, وتبرأ من الغدر =(إن الله لا يحب الخائنين)، الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر به فيحاربه، قبل إعلامه إياه أنه له حرب، وأنه قد فاسخه العقد.
* * * فإن قال قائل: وكيف يجوز نقضُ العهد بخوف الخيانة، و " الخوف " ظنٌّ = لا يقين؟
(15) قيل: إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت, وإنما معناه: إذا ظهرت أمارُ الخيانة من عدوك، (16) وخفت وقوعهم بك, فألق إليهم مقاليد السَّلم وآذنهم بالحرب.
(17) وذلك كالذي كان من بني قريظة إذ أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم معهم، (18) بعد العهد الذي كانوا عاهدوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على المسالمة, ولن يقاتلوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم .
(19) فكانت إجابتهم إياه إلى ذلك، موجبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه منهم.
فكذلك حكم كل قوم أهل موادعةٍ للمؤمنين، ظهر لإمام المسلمين منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريظة منها, فحقٌّ على إمام المسلمين أن ينبذ إليهم على سواء، ويؤذنهم بالحرب.
* * * ومعنى قوله: (على سواء)، أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بأن كل فريق منكم حرب لصاحبه لا سِلْم.
(20) * * * وقيل: نـزلت الآية في قريظة.
* ذكر من قال ذلك: 16221- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فانبذ إليهم على سواء)، قال: قريظة.
* * * وقد كان بعضهم يقول: " السواء "، في هذا الموضع، المَهَل.
(21) * ذكر من قال ذلك: 16222- حدثني علي بن سهل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: إنه مما تبين لنا أن قوله: (فانبذ إليهم على سواء)، أنه: على مهل =كما حدثنا بكير، عن مقاتل بن حيان في قول الله: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، [التوبة: 1-2] * * * وأما أهل العلم بكلام العرب, فإنهم في معناه مختلفون.
فكان بعضهم يقول: معناه: فانبذ إليهم على عدل =يعني: حتى يعتدل علمك وعلمهم بما عليه بعضكما لبعض من المحاربة، واستشهدوا لقولهم ذلك بقول الراجز: (22) وَاضْــرِبْ وُجُـوهَ الغُـدُرِ الأعْـدَاءِ حَــتَّى يُجِــيبُوكَ إلَــى السَّــوَاءِ (23) يعني: إلى العدل.
* * * وكان آخرون يقولون: معناه: الوسَط، من قول حسان: يَـا وَيْـحَ أَنْصَـارِ الرَّسُـولِ ورَهْطِهِ بَعْــدَ الُمغيَّـبِ فِـي سَـوَاءِ المُلْحَـدِ (24) بمعنى: في وسط اللَّحْد.
* * * وكذلك هذه المعاني متقاربة, لأن " العدل "، وسط لا يعلو فوق الحق ولا يقصّر عنه, وكذلك " الوسط" عدل, واستواء علم الفريقين فيما عليه بعضهم لبعض بعد المهادنة، (25) عدل من الفعل ووسط.
وأما الذي قاله الوليد بن مسلم من أن معناه: " المهل ", فما لا أعلم له وجهًا في كلام العرب.
-------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف 13 : 480 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(14) انظر تفسير " النبذ " فيما سلف 2 : 401 ، 402 7 : 459 .
وفي المطبوعة : " آثار الغدر " ، وأثبت ما في المخطوطة ، و " الأمار " و " الأمارة " ، العلامة ، ويقال : " أمار " جمع " أمارة " .
(15) انظر تفسير " الخوف " فيما سلف 11 : 373 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(16) في المطبوعة : " آثار الخيانة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر التعليق السالف رقم : 2 .
(17) في المخطوطة : " وأد " ، وبعدها بياض ، صوابه ما في المطبوعة .
(18) في المطبوعة : " ومحاربتهم معه " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(19) في المخطوطة : " ولم يقاتلوا " ، وما في المطبوعة شبيه بالصواب .
(20) انظر تفسير " السواء " فيما سلف 10 : 488 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(21) في المطبوعة : " وقد قال بعضهم " ، غير الجملة كلها بلا شيء .
(22) لم أعرف قائله .
(23) كان في المطبوعة : " الغدر للأعداء " .
وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة و " الغدر " ( بضمتين ) ، جمع " غدور " ، مثل " صبور " ، وهو الغادر المستمرئ للغدر .
(24) سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما مضى 2 : 496 ، تعليق 2 .
(25) في المطبوعة : " واستواء الفريقين " ، وفي المخطوطة " واستواء على الفريقين " .
وصواب قراءتها ما أثبت ، وهو حق المعنى .
قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنينفيه ثلاث مسائل :قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة أي غشا ونقضا للعهد .
فانبذ إليهم على سواء وهذه الآية نزلت في بني قريظة وبني النضير .
وحكاه الطبري عن مجاهد .
قال ابن عطية : والذي يظهر في ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله فشرد بهم من خلفهم ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بأمره فيما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة ، فتترتب فيهم هذه الآية .
وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته ، وإنما كانت خيانتهم ظاهرة مشهورة .الثانية : قال ابن العربي : فإن قيل كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة ، والخوف ظن لا يقين معه ، فكيف يسقط يقين العهد مع ظن الخيانة .
فالجواب من وجهين : أحدهما - أن الخوف قد يأتي بمعنى اليقين ، كما قد يأتي الرجاء بمعنى العلم ، قال الله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا .
الثاني - إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها ، وجب نبذ العهد لئلا [ ص: 390 ] يوقع التمادي عليه في الهلكة ، وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورة .
وأما إذا علم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم ، وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عام الفتح ، لما اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم .
والنبذ : الرمي والرفض .
وقال الأزهري : معناه إذا عاهدت قوما فعلمت منهم النقض بالعهد فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تلقي إليهم أنك قد نقضت العهد والمواعدة ، فيكونوا في علم النقض مستويين ، ثم أوقع بهم .
قال النحاس : هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه .
والمعنى : وإما تخافن من قوم بينك وبينهم عهد خيانة فانبذ إليهم العهد ، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم ، وأنا مقاتلكم ، ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء ، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك ، فيكون ذلك خيانة وغدرا .
ثم بين هذا بقوله : إن الله لا يحب الخائنين .قلت : ما ذكره الأزهري والنحاس من إنباذ العهد مع العلم بنقضه يرده فعل النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة ، فإنهم لما نقضوا لم يوجه إليهم بل قال : اللهم اقطع خبري عنهم وغزاهم .
وهو أيضا معنى الآية ، لأن في قطع العهد منهم ونكثه مع العلم به حصول نقض عهدهم والاستواء معهم .
فأما مع غير العلم بنقض العهد منهم فلا يحل ولا يجوز .
روى الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال : كان بين معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم ، فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، وفاء لا غدر ، فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة ، فأرسل إليه معاوية فسأل فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء فرجع معاوية بالناس .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
والسواء : المساواة والاعتدال .
وقال الراجز :فاضرب وجوه الغدر الأعداء حتى يجيبوك إلى السواءوقال الكسائي : السواء العدل .
وقد يكون بمعنى الوسط ، ومنه قوله تعالى : في سواء الجحيم .
ومنه قول حسان :يا ويح أصحاب النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد[ ص: 391 ] الفراء : ويقال فانبذ إليهم على سواء جهرا لا سرا .الثالثة : روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة .
قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة ، فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم ولم ينبذوا بالعهد لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح ، فتشتد شوكته ويعظم ضرره ، ويكون ذلك منفرا عن الدخول في الدين ، وموجبا لذم أئمة المسلمين .
فأما إذا لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يتحيل عليه بكل حيلة ، وتدار عليه كل خديعة .
وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : الحرب خدعة .
وقد اختلف العلماء هل يجاهد مع الإمام الغادر ، على قولين .
فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقاتل معه ، بخلاف الخائن والفاسق .
وذهب بعضهم إلى الجهاد معه .
والقولان في مذهبنا .
أي: وإذا كان بينك وبين قوم عهد وميثاق على ترك القتال فخفت منهم خيانة،بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة. {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ} عهدهم، أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنه لا عهد بينك وبينهم. {عَلَى سَوَاءٍ} أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بذلك، ولا يحل لك أن تغدرهم، أو تسعى في شيء مما منعه موجب العهد، حتى تخبرهم بذلك. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} بل يبغضهم أشد البغض، فلا بد من أمر بيِّنٍ يبرئكم من الخيانة. ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة منهم لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم، لأنه لم يخف منهم، بل علم ذلك، ولعدم الفائدة ولقوله: {عَلَى سَوَاءٍ} وهنا قد كان معلوما عند الجميع غدرهم. ودل مفهومها أيضًا أنه إذا لم يُخَفْ منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته.
( وإما تخافن ) أي : تعلمن يا محمد ، ( من قوم ) معاهدين ، ( خيانة ) نقض عهد بما يظهر لكم منهم من آثار الغدر كما ظهر من قريظة والنضير ، ( فانبذ إليهم ) فاطرح إليهم عهدهم ، ( على سواء ) يقول : أعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء ، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب معهم ، ( إن الله لا يحب الخائنين ) أخبرنا محمد بن الحسن المروزي ، أنا أبو سهل محمد بن عمر بن طرفة السجزي ، أنا أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسة التمار ، ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، ثنا حفص بن عمر النمري ، ثنا شعبة عن أبي الفيض عن سليم بن عامر عن رجل من حمير قال : كان بين معاوية وبين الروم عهد ، وكان يسير نحو بلادهم ، حتى إذا انقضى العهد غزاهم ، فجاء رجل على فرس وهو يقول : الله أكبر الله أكبر ، وفاء لا غدر ، فنظر فإذا هو عمرو بن عبسة ، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء " .
فرجع معاوية رضي الله عنه .
«وإما تخافن من قوم» عاهدوك «خيانة» في عهد بأمارةٍ تلوح لك «فانبذ» اطرح عهدهم «إليهم على سواء» حال أي مستويا أنت وهم في العلم بنقض العهد بأن تعلمهم به لئلا يتهموك بالغدر «إن الله لا يحب الخائنين».
وإن خفت -أيها الرسول- من قومٍ خيانة ظهرت بوادرها فألق إليهم عهدهم، كي يكون الطرفان مستويين في العلم بأنه لا عهد بعد اليوم.
إن الله لا يحب الخائنين في عهودهم الناقضين للعهد والميثاق.
هذا هو حكم المصرين على كفرهم الناقضين لعهودهم .
.
أما الذين تخشى منهم الخيانة فقد بين - سبحانه - حكمهم بقوله : ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين ) .وقوله : ( تَخَافَنَّ ) من الخوف والمراد به هنا العلم .وقوله : ( فانبذ ) من النبذ بمعنى الطرح ، وهو مجاز عن إعلامهم بأنهم لا عهد لهم بعد اليوم ، فشبه - سبحانه - العهد بالشئ الذى يرمى لعدم الرغبة فيه ، وثبت النبذ له على سبيل التخييل ، ومفعول " فانبد " محذوف أى : فانبذ إليهم عهودهم .قال الجمل : وقوله : ( على سَوَآء ) حال من الفاعل والمفعول معا ، أى : فاعل الفعل وهو ضمير النبى - صلى الله عليه وسلم - ومفعوله وهو المجرور بإلى .أى : حال كونكم مستوين فى العلم بطرح العهد .
فعلمك أنت به لأنه فعل نفسك ، وعلمهم به بإعلامك إياهم ، فكأنه قيل فى الآية : فانبذ عهدهم وأعلمهم بنبذه ، ولا تقاتلهم بغتة لئلا يتهموك بالغدر وليس هذا من شأنك ولا من صفاتك .والمعنى : وإما تعلمن - يا محمد - من قومك بينك وبينهم عهد أنهم على وشك نقضه منهم ، بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم ، فاطرح إليهم عهدهم على طريق مستو ظاهر : بأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم ، حتى تكون أنت وهم فى العلم بنبذ العهد سواء ، لأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم ، حتى تكون أنت وهم فى العلم بنبذ العهد سواء ، لأن الله - تعالى - لا يحب الخائنين وإن من ظاهر الخيانة التى يبغضها الله - تعالى - أن يحارب أحد المتعاهد معه دون أن بعلمه بإنهاء عهده .قال ابن كثير : " قال الإِمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شبعة عن أبى الفيض عن سليم بن عامر قال : كان بين معاوية وبين الروم عهد ، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب منها ، حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر الله أكبر ، وفاء لا غدرا : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ، ولا يشدها حتى ينقضى أمدها أو ينبذ إليهم على سواء " " .قال : فبلغ ذلك معاوية فرجع ، فإذا بالشيخ عمرو بن عيسة .ثم قال ابن كثير ، وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسى عن شبعة ، وأخرجه أبو داود والترمذى والنسائى وابن نحبان فى صحيح من طرق عن شعبة به ، وقال الترمذى حسن صحيح .وروى الإِمام أحمد " عن سلمان الفارسى أنه انتهى إلى حصن أو مدينة فقال لأصحابه : دعونى ادعوهم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ، فقال : إنما كنت رجلا منكم فهدانى الله إلى الإِسلام؛ فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ، وإن أنتم أبيتم ، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون فإن أبيتم نابذناكم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ، يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله " .وقال الفخر الرازى : قال أهل العلم : آثار نقض العهد إذا ظهرت ، فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً ، أو ظهورا مقطوعا به .فإن كان الأول : وجب الإِعلام على ما هو مذكور فى هذه الآية ، وذلك لأن بنى قريظة عاهدوا النبى - صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله ، فحصل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم خوف الغدر منهم به وأصحابه ، فهنا يجب على الإِمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب .أما إذا ظهر نقض لعهد ظهوراً مقطوعاً به ، فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد ، وذلك كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأهل مكة ، فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم فى ذمة النبى - صلى الله عليه وسلم - وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران ، وذلك على أربعة فراسخ من مكة .أى : أنهم لم يعلموا بجيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى جاء لمحاربتهم إلا بعد وصوله إلى هذا المكان .وبذلك ترى أن تعاليم الإِسلام ترتفع بالبشرية إلى أسمى آفاق الوفاء والشر والأمان .
.
وتحقر من شان الخيانة والخائنين ، وتتوعدهم بالطرد من رحمة الله ، وبالبعد عن رضوانه ومحبته .
اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله إلى الرفق واللطف في آيات كثيرة.
منها قوله: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ ومنها قوله: ﴿ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الامر ﴾ وتارة يرشد إلى التغليظ والتشديد كما في هذه الآية، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الذين ينقضون عهدهم في كل مرة، بين ما يجب أن يعاملوا به فقال: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب ﴾ قال الليث: ثقفنا فلاناً في موضع كذا، أي أخذناه وظفرنا به، والتشريد عبارة عن التفريق مع الاضطراب.
يقال: شرد يشرد شروداً، وشرده تشريداً، فمعنى الآية أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار الذين ينقضون العهد فافعل بهم فعلاً يفرق بهم من خلفهم.
قال عطاء: تثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم، وقيل: نكل بهم تنكيلاً يشرد غيرهم من ناقضي العهد ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ أي لعل من خلفهم يذكرون ذلك النكال فيمنعهم ذلك عن نقض العهد، وقرأ ابن مسعود فشرذ بالذال المنقطة من فوق بمعنى ففرق وكأنه مقلوب شذر، وقرأ أبو حيوة من خلفهم، والمعنى: فشرد تشريداً متلبساً بهم من خلفهم لأن أحد العسكرين إذا كسروا الثاني، فالكاسرون يعدون خلف المكسرين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشردهم في ذلك الوقت.
وأما قوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ يعني من قوم معاهدين خيانة ونكثاً بأمارات ظاهرة ﴿ فانبذ إِلَيْهِمْ ﴾ فاطرح إليهم العهد على طريق مستو ظاهر، وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم أخباراً مكشوفاً بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم، ولاتبادرهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة منك ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين ﴾ في العهود وحاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه.
قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت، فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به، فإن كان الأول وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك لأن قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فهاهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً مقطوعاً به فهاهنا لا حاجة إلى نبذ العهد كما فعل رسول الله بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم من ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة.
والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ ﴾ معاهدين ﴿ خِيَانَةً ﴾ ونكثا بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إِلَيْهِمْ ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سَوَاء ﴾ على طريق مستو قصد، وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم إخباراً مكشوفاً بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين ﴾ فلا يكن منك إخفاء نكث العهد والخداع وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.
وقيل على استواء في العداوة.
والجار والمجرور في موضع الحال، كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوى، أو حاصلين على استواء في العلم أو العداوة، على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ ﴾ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِهِمْ، ﴿ فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ ﴾ فَفَرِّقْ عَنْ مُناصِبَتِكَ ونَكِّلْ عَنْها بِقَتْلِهِمْ والنِّكايَةِ فِيهِمْ ﴿ مَن خَلْفَهُمْ ﴾ مَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ والتَّشْرِيدُ تَفْرِيقٌ عَلى اضْطِرابٍ.
وقُرِئَ « فَشَرِّذْ» بِالذّالِ المُعْجَمَةِ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ شَذَرَ و ﴿ مَن خَلْفَهُمْ ﴾ ، والمَعْنى واحِدٌ فَإنَّهُ إذا شَرَدَ مَن وراءَهم فَقَدْ فَعَلَ التَّشْرِيدُ في الوَراءِ.
﴿ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ لَعَلَّ المُشَرَّدِينَ يَتَّعِظُونَ.
﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ ﴾ مُعاهَدِينَ.
﴿ خِيانَةً ﴾ نَقْضَ عَهْدٍ بِأماراتٍ تَلُوحُ لَكَ.
﴿ فانْبِذْ إلَيْهِمْ ﴾ فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم.
﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ عَلى عَدْلٍ وطَرِيقِ قَصْدٍ في العَداوَةِ ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ فَإنَّهُ يَكُونُ خِيانَةً مِنكَ، أوْ عَلى سَواءٍ في الخَوْفِ أوِ العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّابِذِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْ ثابِتًا عَلى طَرِيقٍ سَوِيٍّ أوْ مِنهُ أوْ مِنَ المَنبُوذِ إلَيْهِمْ أوْ مِنهُما عَلى غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ والنَّهْيِ عَنْ مُناجَزَةِ القِتالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالحالِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ} معاهدين {خِيَانَةً} نكثاً بأمارات تلوح لك {فانبذ إِلَيْهِمْ} فاطرح إليهم العهد {على سَوَاءٍ} على استواء منك ومنهم في العلم ينقض العهد وهو حال من النابذ والمنبوذ إليهم أي حاصلين على استواء في العلم {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين} الناقضين للعهود
﴿ وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً ﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ المُشْرِفِينَ إلى نَقْضِ العَهْدِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ النّاقِضِينَ لَهُ بِالفِعْلِ، والخَوْفُ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ، أيْ وإما تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ لَكَ نَقْضَ عَهْدٍ فِيما سَيَأْتِي بِما يَلُوحُ لَكَ مِنهم مِنَ الدَّلائِلِ ( ﴿ فانْبِذْ إلَيْهِمْ ﴾ ) أيْ فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مُكَنِّيَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ ( ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ ) أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ وحالِ قَصْدٍ بِأنْ تُظْهِرَ لَهُمُ النَّقْضَ وتُخْبِرَهُمُ إخْبارًا مَكْشُوفًا بِأنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ ولا تُناجِزُهُمُ الحَرْبُ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ كَيْلا يَكُونَ مِن قِبَلِكَ شائِبَةُ خِيانَةٍ أصْلًا، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في ( انْبِذْ ) أيْ فانْبِذْ إلَيْهِمْ ثابِتًا عَلى سَواءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ إلَيْهِمْ أوْ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ مَعًا، أيْ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِيهِ أقْصاهم وأدْناهم، أوْ حالَ كَوْنِكَ أنْتَ وهم عَلى اسْتِواءٍ في ذَلِكَ، ولُزُومِ الإعْلامِ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ الأعْلامِ إذا لَمْ تُنْقَضْ مُدَّةُ العَهْدِ أوْ لَمْ يَسْتَفِضْ نَقْضُهم لَهُ ويَظْهَرْ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ أمّا إذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أوِ اسْتَفاضَ النَّقْضُ وعَلِمَهُ النّاسُ فَلا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ، ولِهَذا غَزا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أهْلَ مَكَّةَ مِن غَيْرِ نَبْذٍ ولَمْ يُعْلِمْهم بِأنَّهم كانُوا نَقَضُوا العَهْدَ عَلانِيَةً بِمُعاوَنَتِهِمْ بَنِي كِنانَةَ عَلى قَتْلِ خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُناجَزَةِ الَّتِي هي خِيانَةٌ فَيَكُونُ تَحْذِيرًا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنها.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِلْقِتالِ بِالآخِرَةِ فَتَكُونَ حَثًّا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى النَّبْذِ أوَّلًا وعَلى قِتالِهِمْ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ ثُمَّ قاتِلْهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ وهم مِن جُمْلَتِهِمْ لِما عَلِمْتَ حالَهم، والأوَّلُ هو المُتَبادَرُ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المُرادُ مِن نَفْيِ الحُبِّ إثْباتُ البُغْضِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الحُبِّ والبُغْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، قال ابن عباس: «نزلت في بني قريظة، كعب بن الأشرف وأصحابه، لأنهم عاهدوا رسول الله ، ثم نقضوا العهد وأعانوا أهل مكة بالسلاح على قتال النبيّ ، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم مرة أُخرى، فنقضوا العهد» ، فذلك قوله تعالى: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يعني: في كل حين وفي كلّ وقت وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ نقض العهد.
قوله تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ يقول: إن تظفر بهم في الحرب، يعني: في القتال، ويقال: إن أدركتهم في القتال (١) قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، يعني: وإن علمت من قوم نقض العهد.
والخيانة: أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة، وسمي ناقض العهد خائناً، لأنه اؤتمن بالعهد فغدر ونكث.
فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، يعني: فأعلمهم بأنك قد نقضت العهد، وأعلمهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء.
وقال القتبي: إذا أردت أن تعرف فضل العربية على غيرها، فانظر في الآية، وقد ترجموا سائر الكتب، ومن أراد أن يترجم القرآن إلى لغة أُخرى فلا يمكنه ذلك، لأنك لو أردت أن تنقل قوله: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً لم تستطع بهذا للفظ، ما لم تبسط مجموعها وتظهر مستورها فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم خيانة ونقضاً، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم وآذنهم بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ، يعني: الناقضين للعهد.
قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: لا يظنن الذين كفروا من العرب وغيرهم من الذين جحدوا بوحدانية الله تعالى سَبَقُوا، يعني: فاتوا بأعمالهم الخبيثة إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ، يقول: لن يفوتوا الله حتى يعاقبهم، ويقال: لا يجدون الله تعالى عاجزاً عن عقوبتهم.
قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص: وَلا يَحْسَبَنَّ بالياء على وجه المغايبة ونصب السين، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلاَ تَحْسَبَنَّ بالتاء على وجه المخاطبة ونصب السين، وقرأ الباقون على وجه المخاطبة وكسر السين، وقرأ ابن عامر أَنَّهُمْ بالنصب على معنى البناء، وقرأ الباقون بالكسر على معنى الابتداء.
فمن قرأ بالنصب، معناه: لأنهم لا يعجزون، يعني: لا يفوتون.
وقرأ بعضهم بكسر النون لاَ يُعْجِزُونَ يعني: لا يعجزونني وهي قراءة شاذة.
(١) في النسخة «أ» «في القيام» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...
الآية: معنى هذه الآية إِخبارٌ من اللَّه سبحانه، إِذا أنعم على قومٍ نعمةً، فإِنه بلُطْفه ورحمته لا يبدأُ بتغييرها وتنْكِيدها، حتى يجيءَ ذلك منْهم بأنْ يغيِّروا حالهم الَّتي تُرَادُ، أو تَحْسُنُ منهم، فإِذا فعلوا ذلك، غيَّر اللَّه نعمته عنْدَهم بِنِقْمته منْهم، ومثالُ هذه نِعْمَةُ اللَّه عَلَى قُرَيْشٍ بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فكَفَروا به، فغيَّر اللَّه تلك النعمة، بأنْ نقلها إِلى غيرهم من الأنصار، وأَحَلَّ بهم عقوبَتَهُ.
وقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ/ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، هذا التكريرُ هو لمعنًى ليس للأول إذ الأول دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لما كَفَرُوا، وهذا الثَّاني دأْبٌ في أَنَّهُ لم يغيِّرْ نعمتهم حتَّى غيروا ما بأنْفُسِهِم، والإِشارة بقوله:
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، إِلى قومِ شعيبٍ وصالحٍ وهود ونوح وغيرهم.
وقوله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ، أجمع المتأوِّلون أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله:
فِي كُلِّ مَرَّةٍ: يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم.
وحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهدوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا اجتمعت الأحزاب على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوْا قريشاً، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما انجلت تلك الحالُ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فاستنزلوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، واستيعاب قصَّتهم في «السِّير» وإِنما اقتضبت منها ما يخُصُّ تفسير الآية.
وقوله سبحانه: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ...
الآية: معنى تَثْقَفَنَّهُمْ تأسرهم، وتحصِّلهم في ثِقَافِكَ، أو تَلْقَاهم بحالٍ تقدرُ عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى: فَشَرِّدْ أي:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الخَوْفُ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ، والمَعْنى: إنْ عَلِمْتَ مَن قَوْمٍ قَدْ عاهَدَتْهم خِيانَةً، وهي نَقْضُ عَهْدٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَألْقِ إلَيْهِمْ نَقْضَكَ العَهْدَ لِتَكُونَ وإيّاهم في العِلْمِ بِالنَّقْضِ سَواءً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: فانْبِذْ إلَيْهِمْ جَهْرًا غَيْرَ سِرٍّ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ أيْضًا في آَخَرِينَ.
والثّالِثُ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى مَهْلٍ، قالَهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ.
والرّابِعُ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى عَدْلٍ مِن غَيْرِ حَيْفٍ، وأنْشَدُوا: فاضْرِبْ وُجُوهَ الغَدْرِ الأعْداءَ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى السَّواءِ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ ﴾ دَخَلَتِ النُونُ مَعَ "فَإمّا" تَأْكِيدًا، ولِتُفَرِّقَ بَيْنَها وبَيْنَ"إمّا" الَّتِي هي حَرْفُ انْفِصالٍ في قَوْلِكَ: "جاءَنِي إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو "، ( وتُثَقِّفُهم ) مَعْناهُ: تَأْسِرُهم وتُحَصِّلُهم في ثِقافِكَ، أو تَلْقاهم بِحالِ ضَعْفٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيها وتَغْلِبُهُمْ، وهَذا لازِمٌ مِنَ اللَفْظِ لِقَوْلِهِ: ﴿ فِي الحَرْبِ ﴾ ، وقِيلَ: ثَقِفَ: أخَذَ بِسُرْعَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْناهُ: تُصادِفَنَّهُمْ، إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لا تَرْتَبِطُ في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ المُصادِفَ يَغْلِبُ فَيُمْكِنُ التَشْرِيدُ بِهِ، وقَدْ لا يَغْلِبُ، والثِقافُ في اللُغَةِ: ما تُشَدُّ بِهِ القَناةُ ونَحْوُها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ قَناتِي لَنَبْعٌ ما يُؤَيِّسُها ∗∗∗ عَضُّ الثِقافِ ولا دُهْنٌ ولا نارُ وَقالَ آخَرُ: تَدْعُو قُعَيْنًا وقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِها ∗∗∗ ∗∗∗ عَضَّ الثِقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَشَرِّدْ ﴾ مَعْناهُ طَرِّدْ وخَوِّفْ وأبْعِدْهُ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، والشَرِيدُ: المُبْعَدُ عن وطَنٍ أو نَحْوِهِ، والمَعْنى: بِفِعْلٍ تَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن قَتْلٍ أو نَحْوِهِ يَكُونُ تَخْوِيفًا لِمَن خَلْفَهُمْ، أيْ: لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ، وسَواءٌ كانَ مُعاصِرًا لَهم أمْ لا.
وما تَقَدَّمَ الشَيْءَ فَهو بَيْنَ يَدَيْهِ وما تَأخَّرَ عنهُ فَهو خَلْفُهُ، فَمَعْنى الآيَةِ: فَإنْ أسَرْتَ هَؤُلاءِ الناقِضِينَ في حَرْبِكَ لَهُمْ، فافْعَلْ بِهِمْ مِنَ النِقْمَةِ ما يَكُونُ تَشْرِيدًا لِمَن يَأْتِي خَلْفَهم في مِثْلِ طَرِيقَتِهِمْ، والضَمِيرُ في "لَعَلَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الفِرْقَةِ المُشَرَّدَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: نَكِّلْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "شَرِّدْ بِهِمْ" مَعْناهُ: سَمِّعْ بِهِمْ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ عن أبِي عُبَيْدَةَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ لِأنَّ التَسْمِيعَ بِهِمْ في ضِمْنِ ما فَسَّرْناهُ أوَّلًا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "فَشَرِّذْ" بِالذالِ مَنقُوطَةً، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ولَمْ يُحْفَظْ "شَرِّذْ" في لُغَةِ العَرَبِ، ولا وجْهَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ الذالُ المَنقُوطَةُ تُبْدَلُ مِنَ الدالِ كَما قالُوا: لَحْمٌ خَرادِيلُ وخَراذِيلُ، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ -وَحَكاها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْمَشِ بِخِلافٍ عنهُ-: "مِن خَلْفِهِمْ" بِكَسْرِ المِيمِ مِن قَوْلِهِ: "مَن" وخَفْضِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "خَلْفَهُمْ" والتَرَجِّي في قَوْلِهِ" "لَعَلَّهُمْ" بِحَسَبِ البَشَرِ، و ﴿ يَذَّكَّرُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَتَّعِظُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ ﴾ الآيَةُ قالَ أكْثَرُ المُؤَلِّفِينَ في التَفْسِيرِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في بَنِي قُرَيْظَةَ، وحَكاهُ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ أنَّ أمْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدِ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأمْرِهِ بِما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَن يَخافُ مِنهُ خِيانَةً إلى سالِفِ الدَهْرِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ لَمْ يَكُونُوا في حَدِّ مَن تُخافُ خِيانَتُهُ فَتُرَتَّبَ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، وإنَّما كانَتْ خِيانَتُهم ظاهِرَةً مُشْتَهِرَةً، فَهَذِهِ الآيَةُ هي عِنْدِي فِيمَن يُسْتَقْبَلُ حالُهُ مِن سائِرِ الناسِ غَيْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وخَوْفُ الخِيانَةِ بِأنْ تَبْدُوَ جَنادِعُ الشَرِّ مِن قِبَلِ المُعاهِدِينَ، وتَتَّصِلُ عنهم أقْوالُ، وتُحَسُّ مِن تِلْقائِهِمْ مَبادِئُ الغَدْرِ، فَتِلْكَ المَبادِئُ مَعْلُومَةٌ، والخِيانَةُ الَّتِي هي غايَتُهم مَخُوفَةٌ لا مُتَيَقَّنَةٌ، وحِينَئِذٍ يَنْبِذُ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، فَإنِ التَزَمُوا السِلْمَ عَلى ما يَجِبُ وإلّا حُورِبُوا، وبَنُو قُرَيْظَةَ نَبَذُوا العَهْدَ مَرَّتَيْنِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: "تَخافُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: تَعْلَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خِيانَةً ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ عَهْدٍ، لِأنَّ مَن لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَهْدٌ فَلَيْسَتْ مُحارَبَتُهُ لَكَ خِيانَةً، فَأمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا إذا أحَسَّ مِن أهْلِ عَهْدٍ ما ذَكَرْنا وخافَ خِيانَتَهم أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وهو النَبْذُ، ومَفْعُولُ قَوْلِهِ: "فانْبِذْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إلَيْهِمْ عَهْدَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَقْتَضِي قُوَّةُ هَذا اللَفْظِ الحَضَّ عَلى حَرْبِهِمْ ومُناجِزَتِهِمْ إنْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: حَتّى يَكُونَ الأمْرُ في بَيانِهِ والعِلْمُ بِهِ عَلى سَواءٍ مِنكَ ومِنهُمْ، فَتَكُونُونَ فِيهِ أيْ: في اسْتِشْعارِ الحَرْبِ- سَواءً، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ عَلى مَعْدَلَةٍ، أيْ: فَذَلِكَ هو العَدْلُ والِاسْتِواءُ في الحَقِّ، قالَ المَهْدَوِيُّ: مَعْناهُ: جَهْرًا لا سِرًّا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ، وقالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ مَعْناهُ: عَلى مَهَلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللُغَةُ تَأْبى هَذا القَوْلَ، وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: انْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى اعْتِدالٍ وسَواءٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ: بَيِّنْ لَهم عَلى قَدْرِ ما ظَهَرَ مِنهُمْ، لا تُفْرِطْ ولا تَفْجَأْ بِحَرْبٍ، بَلِ افْعَلْ بِهِمْ مِثْلَما فَعَلُوا بِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي مُوازَنَةً ومُقايَسَةً، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ طَعْنًا عَلى الخائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ عاهَدَهُمُ النَبِيُّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ حَتّى تَبْعُدَ عَنِ الخِيانَةِ، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ، فَيَكُونُ النَبْذُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- لِأجْلِ أنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ.
والسَواءُ في كَلامِ العَرَبِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العَدْلِ والمَعْدَلَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأعْداءِ ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى السَواءِ وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوَسَطِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ .
وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يا ويْحَ أنْصارِ النَبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "وَلا تَحْسِبَنَّ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ ، وبِكَسْرِ السِينِ -غَيْرَ عاصِمٍ فَإنَّهُ فَتَحَها- "الَّذِينَ كَفَرُوا" مَفْعُولٌ أوَّلُ، و"سَبَقُوا" مَفْعُولٌ ثانٍ، والمَعْنى: فاتُوا بِأنْفُسِهِمْ وأنْجَوْها، "إنَّهم لا يُعْجِزُونَ" بِكَسْرِ ألِفِ "إنَّ" عَلى القَطْعِ والِابْتِداءِ، و"يُعْجِزُونَ" مَعْناهُ: يُفْلِتُونَ ويُعْجِزُونَ طالَبَهُمْ، فَهو مُعَدّى "عَجَزَ" بِالهَمْزَةِ، تَقُولُ: عَجَزَ زَيْدٌ وأعْجَزَهُ غَيْرُهُ وعَجَّزَهُ أيْضًا، قالَ سُوِيدٌ: وأعْجَزَنا أبُو لَيْلى طُفَيْلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ صَحِيحُ الجِلْدِ مِن أثَرِ السِلاحِ ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِنَ الكُفّارِ في حَرْبِ النَبِيِّ ، كَقُرَيْشٍ في بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ، فالمَعْنى: لا تَظُنَّهم ناجِينَ بَلْ هم مُدْرَكُونَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا يُعْجِزُونَ في الدُنْيا، وقِيلَ: المُرادُ: في الآخِرَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ مُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلٌ: "وَلا تِحْسَبَنَّ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وعاصِمٌ، وخالِدُ بْنُ إلْياسٍ: "تَحْسَبَنَّ" بِفَتْحِ التاءِ مِن فَوْقُ وبِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَلا يَحْسَبُ" بِفَتْحِ السِينِ والياءِ مِن تَحْتُ وحَذْفِ النُونِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى: "وَلا يَحْسِبَنَّ" بِياءٍ مِن تَحْتُ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "وَلا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عن غائِبٍ وبِفَتْحِ السِينِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ في الفِعْلِ ضَمِيرُ النَبِيِّ ، أو يَكُونُ التَقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "الَّذِينَ كَفَرُوا" مَفْعُولًا أوَّلًا، و"سَبَقُوا" مَفْعُولًا ثانِيًا، وإمّا أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" هُمُ الفاعِلُونَ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مُضْمَرًا، و"سَبَقُوا" مَفْعُولٌ ثانِيًا، وتَقْدِيرُ هَذا الوَجْهِ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا، وإمّا أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" هو الفاعِلُ وتُضْمَرُ "أنْ" فَيَكُونُ التَقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، وتَسُدُّ "أنْ سَبَقُوا" مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.
قالَ الفارِسِيُّ: ويَكُونُ هَذا كَما تَأوَّلَهُ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ ﴾ ، فالتَقْدِيرُ: "أنْ أعْبُدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا أيُّهَذا الزاجِرِي أحْضُرَ الوَغى ∗∗∗ ∗∗∗.................
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ حُذِفَتْ "أنْ" وهي مَعَ صِلَتِها في مَوْضِعِ الفاعِلِ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى في ذَلِكَ: وما راعَنا إلّا يَسِيرُ بِشُرْطَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَهْدِي بِهِ قَيْنًا يُسِيرُ بِكِيرِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "أنَّهم لا يُعْجِزُونَ" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّهُمْ"، ووَجْهُهُ أنْ يُقَدَّرَ بِمَعْنى لِأنَّهم لا يُعْجِزُونَ، أيْ: لا تَحْسَبَنَّ عَلَيْهِمُ النَجاةَ لِأنَّهم لا يَنْجُونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُعْجِزُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ: "يُعَجِّزُونَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُعْجِزُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، ومَنحاها "يُعْجِزُونِي" بِإلْحاقِ الضَمِيرِ، قالَ الزَجّاجُ: الِاخْتِيارُ فَتْحُ النُونِ، ويَجُوزُ كَسْرُها عَلى أنَّ المَعْنى: "إنَّهم لا يُعْجِزُونَنِي"، وتُحْذَفُ النُونُ الأُولى لِاجْتِماعِ النُونَيْنِ، كَما قالَ الشاعِرُ: تَراهُ كالثَغامِ يُعْلُّ مِسْكًا ∗∗∗ ∗∗∗ يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: البَيْتُ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في قَوْلِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ: ولَقَدْ عَلِمْتُ ولا مَحالَةَ أنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ لِلْحادِثاتِ فَهَلْ تَرَيْنِي أجْزَعُ هَذا يَجُوزُ عَلى الِاضْطِرارِ، فَقالَ قَوْمٌ: حَذَفَ النُونَ الأُولى وحَذْفُها لا يَجُوزُ لِأنَّها مَوْضِعُ الإعْرابِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أرى فِيما كانَ مِثْلَ هَذا حَذْفَ الثانِيَةِ، وهَكَذا كانَ يَقُولُ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَلا يَحْسَبُ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونِ"، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: بِالياءِ مِن تَحْتٍ وبِغَيْرِ نُونٍ في "يَحْسَبُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ ها الطَبَرِيُّ بِنُونٍ.
<div class="verse-tafsir"
عطف حكم عام لمعاملة جميع الأقوام الخائنين بعد الحكم الخاصّ بقوم معينين الذين تلوح منهم بوارق الغدر والخيانة، بحيث يبدو من أعمالهم ما فيه مخيلة بعدم وفائهم، فأمَره الله أن يردّ إليهم عهدهم، إذ لا فائدة فيه وإذ هم ينتفعون من مسالمة المؤمنين لهم، ولا ينتفع المؤمنون من مسالمتهم عند الحاجة.
والخوف توقع ضر من شيء، وهو الخوف الحقّ المحمود.
وأمّا تخيل الضرّ بدون أمارة فليس من الخوف وإنّما هو الهَوس والتوهّم.
وخوف الخيانة ظهور بوارقها.
وبلوغُ إضمارهم إيّاها، بما يتّصل بالمسلمين من أخبار أولئك وما يأتي به تجسّس أحوالهم كقوله تعالى: ﴿ فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ [البقرة: 229] وقوله: ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة ﴾ [النساء: 3].
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله ﴾ في سورة [البقرة: 229].
وقوم} نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، أي كلّ قوم تخاف منهم خيانة.
والخيانة: ضد الأمانة، وهي هنا: نقض العهد، لأنّ الوفاء من الأمانة.
وقد تقدّم معنى الخيانة عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ﴾ في هذه السورة [27].
والنبذ: الطرح وإلقاء الشيء.
وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ﴾ في سورة [البقرة: 100].
وإنّما رتّب نبذ العهد على خوف الخيانة، دون وقوعها، لأن شؤون المعاملات السياسية والحربية تجري على حسب الظنون ومخائل الأحوال ولا ينتظر تحقّق وقوع الأمر المظنون لأنّه إذا تريَّث وُلاة الأمور في ذلك يكونون قد عرضوا الأمة للخطر، أو للتورّط في غفلة وضياع مصلحة، ولا تُدار سياسة الأمّة بما يدار به القضاء في الحقوق، لأنّ الحقوق إذا فاتت كانت بليّتها على واحد، وأمكن تدارك فائتها.
ومصالح الأمّة إذا فاتت تمكّن منها عدوّها، فلذلك علّق نبذ العهد بتوقّع خيانة المعاهدين من الأعداء، ومن أمثال العرب: خُذ اللص قبل يَأخُذَك، أي وقد علمت أنّه لص.
وعلى سواء} صفة لمصدر محذوف، أي نبذاً على سواء، أو حال من الضمير في (انبذ) أي حالة كونك على سواء.
و ﴿ على ﴾ فيه للاستعلاء المجازي فهي تؤذن بأنّ مدخولها ممّا شأنه أن يعتلى عليه.
و ﴿ سواء ﴾ وصف بمعنى مستو، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم ﴾ في سورة [البقرة: 6].
وإنما يصلح للاستواء مع معنى (على) الطريق، فعلم أن سواء } وصف لموصوف محذوف يدلّ عليه وصفه، كما في قوله تعالى: ﴿ على ذات ألواح ﴾ [القمر: 13]، أي سفينة ذات ألواح.
وقوله النابغة: كما لقيت ذاتُ الصَّفا من حليفها *** أي الحية ذات الصفا.
ووصف النبذ أو النابذ بأنّه على سواء، تمثيل بحال الماشي على طريق جادّة لا التواء فيها، فلا مخاتلة لصاحبها كقوله تعالى: ﴿ فقل آذنتكم على سواء ﴾ [الأنبياء: 109] وهذا كما يقال، في ضدّه: هو يتبعُ بنيات الطريق، أي يراوغ ويخاتل.
والمعنى: فانبذ إليهم نبذاً واضحاً علناً مكشوفاً.
ومفَعول (انبذ) محذوف بقرينة ما تقدّم من قوله: ﴿ ثم ينقضون عهدهم ﴾ [الأنفال: 56] وقوله: ﴿ وإما تخافنّ من قوم خيانة ﴾ أي انبذ عهدهم.
وعُدّي «انبِذْ» ب (إلى) لتضمينه معنى اردد إليهم عهدهم، وقد فهم من ذلك لا يستمرّ على عهدهم لئلا يقع في كيدهم وأنّه لا يخونهم لأنّ أمره ينبذ عهده معهم ليستلزم أنّه لا يخونهم.
وجملة: ﴿ إن الله لا يحب الخائنين ﴾ تذييل لما اقتضته جملة: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة ﴾ إلخ تصريحاً واستلزاماً.
والمعنى: لأنّ الله لا يحبّهم، لأنّهم متّصفون بالخيانة فلا تستمرَّ على عهدهم فتكون معاهداً لمن لا يحبّهم الله؛ ولأنّ الله لا يحبّ أن تكون أنت من الخائنين كما قال تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما ﴾ في سورة [النساء: 107].
وذكر القرطبي عن النحّاس أنّه قال: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه.
قلت: وموقع (إنّ) فيه موقع التعليل للأمر برد عهدهم ونبذه إليهم فهي مغنية غناء فاء التفريع كما قال عبد القاهر، وتقدّم في غير موضع وهذا من نكت الإعجاز.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً ﴾ يَعْنِي في نَقْضِ العَهْدِ.
﴿ فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ﴾ أيْ فَألْقِ إلَيْهِمْ عَهْدَهم حَتّى لا يَنْسِبُوكَ إلى الغَدْرِبِهِمْ.
والنَّبْذُ هو الإلْقاءُ.
قالَ الشّاعِرُ: فَهُنَّ يَنْبِذْنَ مِن قَوْلٍ يُصِبْنَ بِهِ مَواقِعَ الماءِ مِن ذِي الغَلَّةِ الصّادِي وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى مَهْلٍ، قالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ.
والثّانِي: عَلى مُحاجَزَةٍ مِمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّالِثُ: عَلى سَواءٍ في العِلْمِ حَتّى لا يَسْبِقُوكَ إلى فِعْلِ ما يُرِيدُونَهُ بِكَ.
والرّابِعُ: عَلى عَدْلٍ مِن غَيْرِ حَيْفٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: فاضْرِبْ وُجُوهَ الغَدِ والأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى السَّواءِ أيْ إلى العَدْلِ.
والخامِسُ: عَلى الوَسَطِ واسْتَشْهَدَ قائِلُهُ بِقَوْلِ حَسّانَ: يا ويْحُ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ وَذَكَرَ مُجاهِدٌ أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: نزلت ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ﴾ في ستة رهط من اليهود منهم ابن تابوت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم ﴾ قال: قريظة يوم الخندق مالأوا على محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ قال: نكل بهم من بعدهم.
وأخرج ابن جريرعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ قال: نكل بهم من وراءهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ قال: نكل بهم الذين خلفهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ قال: أنذرهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ قال: اصنع بهم كما تصنع بهؤلاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: دخل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت السلاح وما زلنا في طلب القوم فاخرج فان الله قد أذن لك في قريظة، وأنزل فيهم ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة ﴾ قال: قريظة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة...
﴾ الآية.
قال: من عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خفت أن يختانوك ويغدروا فتأتيهم فانبذ إليهم على سواء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: لا تقاتل عدوّك حتى تنبذ إليهم على سواء ﴿ إن الله لا يحب الخائنين ﴾ .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن سليم بن عامر رضي الله عنه قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير حتى يكون قريباً من أرضهم، فإذا انقضت المدة أغار عليهم، فجاءه عمرو بن عبسة فقال: الله أكبر وفاء لا غدر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمرها أو ينبذ إليهم على سواء» قال: فرجع معاوية بالجيوش.
وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء.
من عاهدته فوفى بعهده مسلماً كان أو كافراً فإنما العهد لله، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها مسلماً كان أو كافراً، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه مسلماً كان أو كافراً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: تعلمن (١) ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ (٢) ومعنى (خيانة) أي نقضًا للعهد، وقوله تعالى: ﴿ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قال الزجاج: أي انبذ عهدهم الذي عاهدتهم (٣) ﴿ عَلَى سَوَاءٍ ﴾ أي: لتكون أنت وهم سواء في العداوة (٤) (٥) هذا معنى الآية، فأما حكمها فإن حملنا الخوف على العلم كما ذكره ابن عباس فلا إشكال فيه، والإمام إذا علم الخيانة ونقض العهد ممن هادنهم من المشركين بأمر ظاهر مستفيض استغنى عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب لأنه حينئذ لا يكون خائنًا إذا ناصبهم الحرب، وإن علم الخيانة بأمارات ظاهرة تلوح وتتضح له من غير أمر مستفيض، فحينئذ يجب على الإمام أن ينبذ العهد إليهم، وهذا هو (٦) قال المفسرون وأهل العلم (٧) (٨) بعد العهد الذي كانوا عاهدوه، فكان ذلك موجبًا لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه، وكذلك الحكم في كل قوم كانوا أهل موادعة للمؤمنين ظهر للإمام منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله من قريظة، فحق على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب.
وإذا اشتهرت دلائل النقض أغنت عن النبذ كما فعل رسول الله بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي لم (٩) بمر الظهران، وذلك على أربعة (١٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد الذين خانوا مع النبي (١١) (١٢) (١٣) (١) المصدر السابق، نفس الموضع.
(٢) قال في هذا الموضع: (إلا أن يخافا: أي يعلما، وإنما كان الخوف بمعنى العلم؛ لأن الخوف مضارع للظن، وحكى الفراء: العرب تقول للرجل: قد خرج غلامك بغير إذنك، فيقول له: قد خفت ذاك، يريد: قد ظننته وتوهمته ..).
(٣) في (ح) و (س): (عاهدتم)، وهو خطأ.
(٤) اهـ.
كلام الزجاج.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 420.
(٥) "تأويل مشكل القرآن" ص 21.
(٦) ساقط من (ح).
(٧) انظر: "الطبري" 10/ 27، والزمخشري 2/ 165، والبغوي 3/ 370، و"المغني" 13/ 158، والنص للحوفي في "البرهان" 11/ 94 إلى قوله: وإذا اشتهرت.
(٨) في (ح): (جابوا).
(٩) في (ح): (ثم لم).
(١٠) في (ح): (أربع).
(١١) "تنوير المقباس" ص 184 بمعناه.
(١٢) في (م) و (س): (عهدهم).
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 420 بتصرف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين عاهدت مِنْهُمْ ﴾ يريد بني قريظة ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ أي افعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ أي نقضاً للعهد ﴿ فانبذ إِلَيْهِمْ ﴾ أي ردّ العهد الذي بينك وبينهم والمفعول محذوف تقديره فانبذ إليهم عهدهم ﴿ على سَوَآءٍ ﴾ أي على معادلة، وقيل: معناه أن تستوي معهم في العلم بنقض العهد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.
الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.
الآخرون: بتاء الخطاب.
﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.
الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.
الآخرون بالضم.
﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.
وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.
﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.
﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.
وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.
ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.
﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.
وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.
وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.
وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.
وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.
ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.
وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.
قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.
ولما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.
ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.
ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.
والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.
ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.
ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.
قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.
ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.
والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.
ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.
ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.
ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.
ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.
ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.
جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.
ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.
قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.
ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.
وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.
والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.
وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.
وقيل: على استواء في العداوة.
قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.
قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.
قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.
فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.
وذلك أن قريظة عاهدوا النبي ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله بأهل مكة لما نقضوا العهد.
ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟
فأجيب بما أجيب.
والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.
أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.
والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.
ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.
ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.
ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.
ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.
ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.
وعن عقبة بن عامر أن رسول الله قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.
وقوله : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.
ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.
روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.
فقيل له: إنما أوصى في الحصون.
فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.
وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.
والظاهر العموم.
ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.
واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.
وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.
وعن السدي: هم أهل فارس.
وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.
وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.
ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.
ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.
وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.
عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.
والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.
وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله منصرفه من تبوك.
وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.
ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.
إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.
وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.
وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.
ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.
ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.
ثم أكد كون الله كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.
﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.
ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.
والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.
ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.
ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي إلى عبادة الله والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.
﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.
قال القاضي: لولا ألطاف الله ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.
ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.
ثم إنه لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.
فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.
ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.
وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله الآية.
ثم بيّن أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.
في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.
وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.
وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.
واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.
قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.
قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.
كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.
قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.
فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.
فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.
والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.
الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.
وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.
وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.
وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.
عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.
وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.
قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟
قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.
وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.
والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.
سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.
ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.
ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.
وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.
ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.
والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.
والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ .
التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.
﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ \[ذكر هاهنا شر الدواب عند الله الذين لا يؤمنون وذكر\] في آية أخرى: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، هم شر الدواب؛ حيث سمعوا الآيات والحق وعقلوها فلم يؤمنوا بها، أي: لم ينتفعوا بما عقلوا مما وقع في مسامعهم، ومما درسوا كمن لا سمع له ولا لسان، نفى عنهم ذلك؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا.
ويحتمل أن يكون في الآخرة، أي: يبعثون يوم القيامة صمّاً بكماً عمياً؛ لما لم ينتفعوا في الدنيا بهذه الحواس؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً...
﴾ الآية [الإسراء: 97].
وقوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ هو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ ، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام، وقد ذكرنا فائدة قوله: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ في موضعه.
ويحتمل قوله: ﴿ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ ﴾ أي: شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: نزل في بني قريظة؛ حيث عاهدوا رسول الله، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول الله بالسلاح وغيره، فأقالهم رسول الله، وكانوا يقولون: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد، فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ﴾ : نقض العهد، أو لا يتقون الشرك.
وقال بعضهم: نزل قوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ...
﴾ إلى آخر الآية، في المردة والفراعنة من الكفار، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا، ولكن غيروه فلم يؤمنوا به؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا، وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ ﴾ .
قيل: تأمرنهم في الحرب.
وقيل: تلقينهم في الحرب.
وقيل: تجدنهم في الحرب.
﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ .
قيل: نكل بهم من بعدهم، أي: اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم، أي: يمتنعون.
وقيل: فعظ بهم من خلفهم، أي: من سواهم.
الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت عادتهم نقض العهد، فأمر - عز وجل - رسوله أن ينكل هؤلاء؛ ليكون ذلك عبرة وزجراً لمن بعدهم إن لم يكن ذلك لهم زجراً، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم، إذا رأي غيرهم أنه فعل بهؤلاء ما ذكر يكون ذلك زجراً لهم عن مثل صنيعهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ ﴾ ، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر، فيكون في ذلك حياة الخلق.
وكذلك جعل الله في القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة؛ لأن في الطباع النفار عن القتل، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك؛ إشفاقاً على نفسه، وخوفاً على تلف مهجته، فيكون في القتال رحمة، وكذلك جميع ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ : عظة وزجراً لمن بعدهم.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .
لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد في الآخرة [في الجنة]، وكل كريه وقبيح زاجراً له عن الموعود في الآخرة في النار؛ على هذا بناء أمر الدنيا.
والتشريد: قال أبو عبيدة: معناه من التفرقة، أي: فرق بهم.
وقال القتبي: قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ أي: افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق به من وراءهم من الأعداء.
قال: ويقال: شرد بهم: سمع بهم، بلغة قريش.
وقيل: نكلهم، أي: اجعلهم عظة لمن وراءهم وعبرة، وهو ما ذكرنا.
وقال أبو عوسجة: التنكيل: التخويف والرد عما يكره، والنكال: العذاب.
وقال غيره: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ ، أي: اخلفهم بهم بما صنع هؤلاء.
وقال أبو عبيدة: التشريد في الكلام: التبديد والتفريق؛ وبعضه قريب من بعض.
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم ﴾ ، أي: نكل بهم حتى يخافك من خلفهم، والشريد: الطريد، والشريد - أيضاً -: القليل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ \[قال بعضهم: قوله تخافن: تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء\].
أي: لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة فتكون أنت وهم في الخيانة سواء؛ لأن عندهم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد، ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب فيما بينهم الحرب.
وقال بعضهم: هو على حقيقة الخوف، يقول: إذا خفت منهم النقض أو الخيانة ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي: ألق إليهم نقضك؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء.
قال أبو عبيدة: قوله: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: أظهر لهم أنك عدو، وأنك مناصب لهم؛ حتى يعلموا ذلك فيصيروا على ذلك سواء.
وقال بعضهم: ﴿ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: على أمرين.
قال أبو عبيد: قال غير واحد من أهل العلم: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ : أعلمهم أنك تريد أن تحاربهم؛ حتى يصيروا مثلك في العلم؛ فذلك السواء.
قال الكيساني: السواء: العدل.
وقال: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: سر إليهم، وقد علموا بك وعلمت بهم.
وبعضه قريب من بعض.
وحاصل التأويل: هو التأويلان اللذان ذكرتهما، والله أعلم.
وأصل العهد ما ذكر عز وجل في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .
أمر - عز وجل - بإتمام العهد إلى المدة، إذا لم ينقضونا شيئاً ولم يخونوا، ولم يظاهروا علينا أحداً منهم، فإذا فعلوا شيئاً من ذلك قلنا أن ننقض العهد الذي كان بيننا وبينهم.
وكذلك ابتداء العهد [فيما] بيننا وبينهم إذا سألونا ليس للإمام أن يعطي لهم العهد إذا لم يكن في العهد منفعة للمسلمين - منفعة ظاهرة - وخير لهم؛ فعلى ذلك ما دام يرجو في العهد منفعة للمسلمين وخيراً لهم فعليه مراعاة ذلك العهد وحفظه، فإذا خاف منهم أو اطلع على خيانة منهم، فله نقضه، والله أعلم.
ثم إذا كانت تلك الخيانة من جملتهم أو ممن له منعة، فله أن يناصبهم الحرب، وإن لم ينبذ إليهم.
وإذا كان ذلك من بعض على سبيل التلصص والسرقة، فليس له أن يحاربهم إلا بعد النبذ إليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ .
قال بعضهم: لا تحسبن الذين نجوا وتخلصوا منك - يا محمد - من المشركين [يوم بدر] أني لا أظفرك بهم في غيره من الحروب والمغازي، وأنهم يفوتون ويعجزون الله عن ذلك.
وقال بعضهم: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم يعجزون ويفوتون عن نقمة الله وعذابه.
وقرأ بعضهم بنصب الألف: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ ، فمن قرأ بالنصب طرح "لا" وجعلها صلة، وقال: لا تحسبن أنهم يعجزون.
وأما قراءة العامة: فهي بالخفض: ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ فهو على الابتداء، فقال: إنهم لا يعجزون [على الابتداء].
[وقيل: العجز: السبق].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ولا تخرجوا إلى الحرب في المغازي، كما خرجتم إلى بدر بلا سلاح ولا قوة؛ لأنه أراد أن يجعل حرب بدر آية؛ ليميز بين المحق والمبطل، وبين الحق والباطل؛ لذلك أمركم بالخروج إليها بلا سلاح ولا عدة، وأما غيرها من الحروب والمغازي فلا تخرجوا إليها إلا مستعدين لها.
وبعد: فإنهم إنما تركوا الاستعداد طاعة لربهم، وفي الاشتغال بالاستعداد ترك للطاعة له، وأمر - عز وجل - بالاعتداد لهم ما استطاعوا من الأسباب؛ لما أن ذلك أرهب للعدو من ترك الاستعداد، وإن كان - عز وجل - قادراً أن ينصرهم على عدوهم بلا سبب يجعله لأنفسهم، وهو كقوله: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
فأمر الله بالأسباب في الحروب، وإن كان قادراً على نصر أوليائه على عدوه بلا سبب، لكنه أمر بالأسباب؛ لما أن جميع أمور الدنيا جعلها بالأسباب، من نحو الموت والحياة وجميع الأشياء، وإن كان يقدر على إبقاء الإنسان والخلائق جميعاً بلا غذاء يجعل لهم، والموت بلا مرض ولا سبب؛ ولكن فصل بما ذكرنا.
ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّن قُوَّةٍ ﴾ ؛ قال بعضهم: القوة: الرمي، وعلى ذلك رووا عن رسول الله قال: " ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ فقال: ألا إن القوة الرمي، قال ذلك ثلاثاً" .
ويحتمل قوله: ﴿ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ : ما تقوون به [في] الحروب.
قال بعضهم: القوة: السلاح.
وقال غيرهم: الخيل.
وأمكن أن تكون جميع أسباب الحرب.
وفيه دلالة أن القوة التي هي أسباب الفعل يجوز أن تتقدم، ويكون قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أراد استطاعة الأسباب لا استطاعة الفعل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ، أمر برباط الخيل والإعداد للحرب؛ رهبة للعدو.
﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ اختلف [أهل التأويل فيه]: قال بعضهم: ترهبون برباط الخيل المشركين.
وقال: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ .
اليهود والنصارى، وهؤلاء الذين كانوا فيما بينهم يرهب هؤلاء أيضاً.
وقال بعضهم: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : [المنافقين] الذين كانوا فيما بينهم لا يعرفونهم كانوا طلائع للمشركين وعيوناً لهم يخبرونهم عن حال المؤمنين ما يرهب هؤلاء أيضاً.
وقال آخرون: قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : هم الشياطين، ورووا على ذلك [خبراً] عن رسول الله [أنه] قال: "هم الشياطين" ، وقال: "لن يخبل الشياطين إنساناً في داره فرس عتيق" ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ \[هم\] الأعداء الذين يكونون من بعد إلى يوم القيامة ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ، فإن كان ذلك، ففيه دلالة بقاء الجهاد إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : الشياطين، ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ وهو كقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ .
فإن قيل: [أي] رهبة تقع للشياطين فيما ذكر من رباط الخيل والسلاح الذي ذكر؛ قيل: يكون لهم رهبة في قمع أوليائهم، أو يكون لأوليائهم رهبة نسب ذلك إليهم، وذلك كثير في القرآن.
وقوله: ﴿ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ .
سمى عدواً لله وعدواً للمؤمنين؛ ليعلم أن من اعتقد عداوة الله صار عدوّاً للمؤمنين، ومن اعتقد ولاية الله صار وليّاً للمؤمنين، ومن كان وليّاً للمؤمنين يكون وليّاً لله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ .
أخبر أن ما أنفقوا في سبيل الله يوفى إليهم ذلك، إما الخلف في الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ ، وإما في الآخرة الثواب.
﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ]: فيما يأمركم بالجهاد في سبيل الله، واتخاذ العدة والإنفاق فيها؛ إذ أنفسكم وأموالكم لله له أن يأخذها منكم.
والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ في الثواب في الآخرة، أي: يعطيكم الثواب في الآخرة أو الخلف في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ .
قرئ بالنصب: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، وقرئ بالخفض: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ .
وقال أهل اللغة: من قرأ بالنصب: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، حمله على المصالحة والموادعة، ومن قرأ بالخفض: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، جعل ذلك في الإسلام.
وتأويله - والله أعلم -: أي: إذا خضعوا للصلح وطلبوه منك فاجنح لهم، أي: مل إليهم، ولا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من نقض العهد؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ ، يقول: لا يمنعك عن الصلح إذا طلبوا ذلك ما كان منهم من النقض ونكث العهود.
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .
ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد، فإن الله يطلعك ويكفيك على ذلك.
ومنهم من قال: قوله: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ ﴾ ، أي: إذا خضعوا وتواضعوا للإسلام، فاقبل منهم واخضع لهم؛ كقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أمره بخفض الجناح لهم.
ذكر - هاهنا - أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن نعطيهم، وإذا لم يطلبوا منا ذلك لا يحل لنا أن نطلب منهم الصلح، إلا أن نضطر إلى ذلك، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ ، نهانا أن ندعوهم إلى الصلح ولنا قوة وعدة للقتال معهم، وأما إذا كانوا طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك.
ويحتمل ما ذكرنا، أي: لا يمنعك ما كان منهم من نقض العهد.
وقوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ يحتمل ذكره بالتأنيث، أي: للمسالمة والمصالحة.
وقال بعضهم: السلم هو مؤنث؛ كقول القائل: السلم تأخذ منا ما رضيت به *** والحرب يكفيك من أنفاسها جرع فإن قيل: ما المعنى في قول من قال بالإسلام بقوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ وهو كان يدعو إلى الإسلام، وهو لا شك أنه كان يقبل منهم الإسلام؟
قيل: يحتمل أن يكون الأمر بالقبول أمراً بترك المؤاخذة بما كان منهم في حال نقض العهد؛ لأن من قولنا: أن ما أصابوا في حال العهد من الجراحات والأخذ يتبعون بها ويؤاخذون إذا أسلموا، وإذا نقضوا العهد ثم أصابوا شيئاً من ذلك ثم أسلموا، لم يؤاخذوا بذلك، فيحتمل أن يقول له: فاجنح لها، ولا تؤاخذهم بما كان منهم في حال نقض العهد.
وقال الحسن: هذا منسوخ، نسخة قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [التوبة: 29].
وقال بعضهم نسخة قوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ...
﴾ الآية [التوبة: 5].
وقال بعضهم: نسخة قوله: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ .
والوجه فيه ما ذكرنا: أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نظراً للمسلمين، أجابهم إلى ذلك وصالحهم، فإذا طلبوا منه الصلح وبالمسلمين قوة القتال والحرب معهم، لم يجبهم إلى ذلك، وما ذكر هؤلاء من نسخة فذلك لا نعرفه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإن خفت -أيها الرسول- من قوم عاهدتهم غشًّا ونقضًا للعهد بأمارة تظهر لك فأعلمهم بطَرْح عهدهم حتى يستووا معك في العلم بذلك، ولا تباغتهم قبل إعلامهم، فإن مباغتتهم قبل إعلامهم من الخيانة، والله لا يحب الخائنين، بل يمقتهم، فاحذر أنت من الخيانة.
<div class="verse-tafsir" id="91.3WydQ"