الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٦٣ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٣ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) أي : لما كان بينهم من العداوة والبغضاء فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية ، بين الأوس والخزرج ، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر ، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان ، كما قال تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) [ آل عمران : 103 ] .
وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين قال لهم : يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ، كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن .
ولهذا قال تعالى : ( ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) أي : عزيز الجناب ، فلا يخيب رجاء من توكل عليه ، حكيم في أفعاله وأحكامه .
قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا علي بن بشر الصيرفي القزويني في منزلنا ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحسن القنديلي الإستراباذي ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار ، حدثنا ميمون بن الحكم ، حدثنا بكر بن الشرود ، عن محمد بن مسلم الطائفي ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : قرابة الرحم تقطع ، ومنة النعمة تكفر ، ولم ير مثل تقارب القلوب ؛ يقول الله تعالى : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) وذلك موجود في الشعر : إذا مت ذو القربى إليك برحمه فغشك واستغنى فليس بذي رحم ولكن ذا القربى الذي إن دعوته أجاب ومن يرمي العدو الذي ترمي قال : ومن ذلك قول القائل : ولقد صحبت الناس ثم سبرتهم وبلوت ما وصلوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعا وإذا المودة أقرب الأسباب قال البيهقي : لا أدري هذا موصول بكلام ابن عباس ، أو هو من قول من دونه من الرواة ؟
.
وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - سمعته يقول : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) الآية ، قال : هم المتحابون في الله ، وفي رواية : نزلت في المتحابين في الله .
رواه النسائي والحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : إن الرحم لتقطع ، وإن النعمة لتكفر ، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء ، ثم قرأ : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) رواه الحاكم أيضا .
وقال أبو عمرو الأوزاعي : حدثني عبدة بن أبي لبابة ، عن مجاهد - ولقيته فأخذ بيدي فقال : إذا تراءى المتحابان في الله ، فأخذ أحدهما بيد صاحبه ، وضحك إليه ، تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر .
قال عبدة : فقلت له : إن هذا ليسير !
فقال : لا تقل ذلك ؛ فإن الله تعالى يقول : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) !
.
قال عبدة : فعرفت أنه أفقه مني .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن يمان عن إبراهيم الخوزي عن الوليد بن أبي مغيث ، عن مجاهد قال : إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما ، قال : قلت لمجاهد : بمصافحة يغفر لهما ؟
فقال مجاهد : أما سمعته يقول : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) ؟
فقال الوليد لمجاهد : أنت أعلم مني .
وكذا روى طلحة بن مصرف ، عن مجاهد .
وقال ابن عون ، عن عمير بن إسحاق قال : كنا نحدث أن أول ما يرفع من الناس - [ أو قال : عن الناس ] - الألفة .
وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني - رحمه الله - : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، حدثنا سالم بن غيلان ، سمعت جعدا أبا عثمان ، حدثني أبو عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم ، فأخذ بيده ، تحاتت عنهما ذنوبهما ، كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف ، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحار .
القول في تأويل قوله : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) قال أبو جعفر: يريد جل ثناؤه بقوله: (وألف بين قلوبهم)، وجمع بين قلوب المؤمنين من الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، على دينه الحق, فصيَّرهم به جميعًا بعد أن كانوا أشتاتًا, وإخوانًا بعد أن كانوا أعداء.
وقوله: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لو أنفقت، يا محمد، ما في الأرض جميعا من ذهب ووَرِق وعَرَض, ما جمعت أنت بين قلوبهم بحيْلك, (5) ولكن الله جمعها على الهدى فأتلفت واجتمعت، تقوية من الله لك وتأييدًا منه ومعونة على عدوك.
يقول جل ثناؤه: والذي فعل ذلك وسبَّبه لك حتى صاروا لك أعوانًا وأنصارًا ويدًا واحدة على من بغاك سوءًا هو الذي إن رام عدوٌّ منك مرامًا يكفيك كيده وينصرك عليه, فثق به وامض لأمره، وتوكل عليه.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16256- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وألف بين قلوبهم)، قال: هؤلاء الأنصار، ألف بين قلوبهم من بعد حرب، فيما كان بينهم.
(6) 16257- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن بشير بن ثابت، رجل من الأنصار: أنه قال في هذه الآية: (لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم)، يعني: الأنصار (7) 16258- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (وألف بين قلوبهم)، على الهدى الذي بعثك به إليهم =(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)، بدينه الذي جمعهم عليه =يعني الأوس والخزرج.
(8) 16259- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن إبراهيم الخوزيّ, عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غُفِر لهما.
قال قلت لمجاهد: بمصافحةٍ يغفر لهما؟
(9) فقال مجاهد: أما سمعته يقول: (لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم) ؟
فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني.
(10) 16260- حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد, عن أبي عمرو قال، حدثني عبدة بن أبي لبابة, عن مجاهد, ولقيته وأخذ بيدي فقال: إذا تراءى المتحابَّان في الله، (11) فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه, تحاتّت خطاياهما كما يتحاتُّ ورق الشجر.
(12) قال عبدة: فقلت له: إنّ هذا ليسير!
قال: لا تقل ذلك, فإن الله يقول: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)!
قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني.
(13) 16261- حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا فضيل بن غزوان قال، أتيت أبا إسحاق فسلمت عليه فقلت (14) أتعرفني؟
فقال فضيل: نعم!
لولا الحياء منك لقبَّلتك = حدثني أبو الأحوص, عن عبد الله, قال: نـزلت هذه الآية في المتحابين في الله: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم).
(15) 16262- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون, عن عمير بن إسحاق قال: كنا نُحدَّث أن أوّل ما يرفع من الناس =أو قال: عن الناس= الألفة.
(16) 16263- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أيوب بن سويد, عن الأوزاعي قال، حدثني عبدة بن أبى لبابة, عن مجاهد =ثم ذكر نحو حديث عبد الكريم, عن الوليد.
(17) 16264- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، وابن نمير، وحفص بن غياث=, عن فضيل بن غزوان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص قال: سمعت عبد الله يقول: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)، الآية, قال: هم المتحابون في الله.
(18) * * * وقوله: (إنه عزيز حكيم)، يقول: إن الله الذي ألف بين قلوب الأوس والخزرج بعد تشتت كلمتهما وتعاديهما، وجعلهم لك أنصارًا =(عزيز)، لا يقهره شيء، ولا يردّ قضاءه رادٌّ, ولكنه ينفذ في خلقه حكمه.
يقول: فعليه فتوكل, وبه فثق=(حكيم)، في تدبير خلقه.
(19) ------------------ الهوامش : (5) " الحيل " ( بفتح فسكون ) ، القوة ، مثل " الحول " ، يقال : " إنه لشديد الحيل " ، وفي الحديث : " اللهم ذا الحيل الشديد " .
وهو لا يزال يستعمل كذلك في عامية مصر .
(6) ما بين " من بعد حرب " و " فيما كان بينهم " ، بياض في المخطوطة ، فيه معقوفة بالحمرة ، لا أدري أهو بياض تركه لسقط ، أم هو سهو من الناسخ ملأه بالحمرة .
(7) الأثر : 16257 - " بشير بن ثابت الأنصاري " ، مولى النعمان " بن بشير " ، ذكره ابن حبان في الثقات .
روى عنه شعبة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 97 ، وابن أبي حاتم 1 1 372 .
(8) الأثر : 16258 - سيرة ابن هشام 2 : 331 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16254 .
(9) في المخطوطة : " يغفر الله له " والذي في المطبوعة أجود .
(10) الأثر : 16259 - " إبراهيم الخوزي " ، هو : " إبراهيم بن يزيد الخوزي الأموي " ، مولى عمر بن عبد العزيز ، ضعيف ، مضى برقم : 7484 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة : " إبراهيم الجزري " ، وهو خطأ محض .
و " الوليد بن أبي مغيث " ، نسب إلى جده ، ولم أجده منسوبًا إليه في غير هذا المكان ، وإنما هو : " الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث " ، مولى بني عبد الدار ، ثقة .
روى عن يوسف بن ماهك ، ومحمد بن الحنفية .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 146 ، وابن أبي حاتم 4 2 9 .
(11) " تراءى الرجلان " ، رأى أحدهما الآخر .
(12) " تحات ورق الشجر " ، تساقط من غصنه إذا ذبل ، ثم انتثر .
(13) الأثر : 16260 - " عبد الكريم بن أبي عمير " ، شيخ الطبري ، سلف برقم : 7578 ، 11368 ، 12867 .
و " الوليد " ، هو " الوليد بن مسلم " ، سلف مرارًا .
و " أبو عمرو " ، هو الأوزاعي الإمام .
و " عبدة بن أبي لبابة الأسدي " ، مضى برقم : 5859 .
وانظر الخبر الآتي رقم : 16263 .
(14) في المستدرك : " لقيت أبا إسحاق بعد ما ذهب بصره " .
(15) الأثر : 16261 - " أبو إسحاق " هو : السبيعي .
و " أبو الأحوص " ، هو " عوف بن مالك بن نضلة " ، تابعي ثقة ، مضى مرارًا .
و " عبد الله " ، هو " عبد الله بن مسعود " .
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 329 ، من طريق يعلي بن عبيد ، عن فضيل ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 27 ، 28 ، من طريق أخرى ، وقال : " رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح ، غير جنادة بن مسلم ، وهو ثقة " .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 199 ، وزاد نسبته إلى ابن المبارك ، وابن أبي شيبة ، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان ، والنسائي ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان .
وسيأتي من طريق أخرى رقم : 16264 .
(16) الأثر : 16262 - " عمير بن إسحاق " ، مضى قريبًا برقم : 16148 .
(17) الأثر : 16263 - انظر ما سلف رقم : 16260 ، والتعليق عليه .
(18) الأثر : 16264 - طريق أخرى للأثر السالف رقم : 16261 .
(19) انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز ) ، ( حكم ) .
وألف بين قلوبهم أي جمع بين قلوب الأوس والخزرج .
وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته ، لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها .
وكانوا أشد خلق الله حمية ، فألف الله بالإيمان بينهم ، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين .
وقيل : أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار .
والمعنى متقارب .
{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة اللّه،فلو أنفقت ما في الأرض جميعا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة {مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا اللّه تعالى. {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة كما قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}.
( وألف بين قلوبهم ) أي : بين الأوس والخزرج ، كانت بينهم إحن وثارات في الجاهلية ، فصيرهم الله إخوانا بعد أن كانوا أعداء ، ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم )
«وألَّف» جمع «بين قلوبهم» بعد الإحن «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألَّفت بين قلوبهم ولكنَّ الله ألف بينهم» بقدرته «إنه عزيز» غالب على أمره «حكيم» لا يخرج شيء عن حكمته.
وإن أراد الذين عاهدوك المكر بك فإن الله سيكفيك خداعهم؛ إنه هو الذي أنزل عليك نصره وقوَّاك بالمؤمنين من المهاجرين والأنصار، وجَمَع بين قلوبهم بعد التفرق، لو أنفقت مال الدنيا على جمع قلوبهم ما استطعت إلى ذلك سبيلا ولكن الله جمع بينها على الإيمان فأصبحوا إخوانًا متحابين، إنه عزيز في مُلْكه، حكيم في أمره وتدبيره.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله فى كيفية تأييده لرسوله بالمؤمنين فقال - تعالى - : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) .أى : أن من مظاهر فضل الله عليك يا محمد أن أيدك - سبحانه - بنصره وأن أيدك بالمؤمنين ، بأن حبب إليهم الإِيمان وزينه فى قلوبهم ، وجعل منهم قوة موحدة ، فاصاروا بفضله - تعالى - كالنفس الواحدة ، بعد أن كانوا متنازعين متفرقين وأنت يا محمد ( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً ) من الذهب والفضة وغيرهما ما استطعت أن تؤلف بين قلوبهم المتنافرة المتنازعة ( ولكن الله ) بفضله وقدرته هو وحده الذى ( أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) فصاروا إخواناً متحابين متصافين ( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( عَزِيزٌ ) أى : غالب فى ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن ( حَكِيمٌ ) فى كل أفعاله وأحكامه ..وهذه الآية الكريمة يؤديها التاريخ ، ويشهد بصدقها أحداثه ، فنحن نعلم أن العرب - وخصوصاً الأوس والخزرج - كانوا قبل الإِسلام فى حالة شديدة من التفرق والتخاصم والتنزاع التحارب .
.
فلما دخلوا فى الإِسلام تحول بغضهم إلى حب ، وتخاصمهم إلى مودة ، وتفرقهم إلى اتحاد .
.
وصاروا فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل .
.ولقد أجاد صاحب الكشاف - رحمه الله - فى تصويره لهذه المعانى حيث قال : " التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآيات الباهرة ، لأن العرب - لما فيهم من الحمية والعصبية ، والانطاء على الضغينة .
.
لا يكاد يأتلف منهم قلبان ، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتحدوا ، وأنشأوا يرمون عن وس واحدة ، وذلك لما نظم الله من ألفتهم ، وجمع من كلمتهم ، وأحدث بينهم من التحاب والتواد ، وأماط عنهم عن التباغض والتماقت ، وكلفهم من الحب ، فى الله والبغض فى الله ، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب ، فهو يقلبها كيف يشاء ، ويصنع فيها ما يريد .قيل : هم الأوس والخزرج ، كان بينهم من الرحوب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم ، ودق جماجمهم .
ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى .
وبينهما التاور الذى يهيج الضغائن ، ويديم التحاسد والتنافس .
وعادة كل طائفتين كانتا بهذه الماثبة أن تتجنب هذه ما ىثرته أختها ، وتكرهه وتنفر منه .فأنساهم الله - تعالى - ذلك كله ، حتى اتفقوا على الطاعة ، وتصافوا وصاروا أنصاراً ، وعادوا أعواناً ، وما ذاك إلا بلطيف صنعه ، وبليغ قدرته " .
هذا ، وفى الصحيحين " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خطب الأنصار فى شأن غنائم " حنين " قال لهم : يا معشر الأنصار!!
ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى؛ وعالة فأغناكم الله بى؟
وكنتم متفرقين فألفكم الله بى؟
فكانوا يقولون كلما قال شيئا : الله ورسوله آمن " .وروى الحاكم أن ابن عباس كان يقول : إن الرحم لقتطع ، وإن النعمة لتنكر ، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شئ .
ثم يقرأ قوله - تعالى - : ( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) .
اعلم أنه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بالصلح، ذكر في هذه الآية حكماً من أحكام الصلح وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة، وجب قبول ذلك الصلح، لأن الحكم يبنى على الظاهر لأن الصلح لا يكون أقوى حالاً من الإيمان، فلما بنينا أمر الإيمان عن الظاهر لا على الباطن، فهاهنا أولى ولذلك قال: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ ﴾ المراد من تقدم ذكره في قوله: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ ﴾ .
فإن قيل: أليس قال: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ ﴾ أي أظهر نقض ذلك العهد، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية؟
قلنا: قوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير، إلا أنه لم تظهر أمارات تدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسألة وترك المنازعة، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك.
قال: ﴿ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله ﴾ أي فالله يكفيك، وهو حسبك وسواء قولك هذا يكفيني، وهذا حسبي.
هو الذي أيدك بنصره.
قال المفسرون: يرد قواك وأعانك بنصره يوم بدر، وأقول هذا التقييد خطأ لأن أمر النبي عليه السلام من أول حياته إلى آخر وقت وفاته، ساعة فساعة.
كان أمراً إلهياً وتدبيراً علوياً، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل، ثم قال: ﴿ وبالمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: يعني الأنصار.
فإن قيل: لما قال: ﴿ هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ﴾ فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، حتى قال: ﴿ وبالمؤمنين ﴾ .
قلنا: التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة.
والثاني: ما يحصل بواسطة أسباب معلومة معتادة.
فالأول: هو المراد من قوله أيدك بنصره، والثاني: هو المراد من قوله: ﴿ وبالمؤمنين ﴾ ثم إنه تعالى بين أنه كيف أيده بالمؤمنين.
فقال: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الارض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة وحميتهم عظيمة حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً، وعادوا أعواناً.
وقيل هم الأوس والخزرج، فإن الخصومة كانت بينهم شديدة والمحاربة دائمة، ثم زالت الضغائن، وحصلت الألفة والمحبة، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية والمخالصة التامة مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد والإرادات والكرامات كلها من خلق الله تعالى، وذلك لأن تلك الألفة والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بسبب الإيمان ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام.
فلو كان الإيمان فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، لكانت المحبة المرتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، وذلك على خلاف صريح الآية.
قال القاضي: لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة، لما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى على هذا التأويل، ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، فكذا هاهنا.
والجواب: كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر وحمل للكلام على المجاز، وأيضاً كل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكفار، مثل حصولها في حق المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة، وأيضاً فالبرهان العقلي مقو لظاهر هذه الآية، وذلك لأن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرغبة بدلاً عن النفرة وبالعكس، فرجحان أحد الطرفين على الآخر لابد له من مرجح، فإن كان ذلك المرجح هو العبد عاد التقسيم، وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود، فعلم أن صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي في هذا الباب.
المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن القوم كانوا قبل شروعهم في الإسلام ومتابعة الرسول في الخصومة الدائمة والمحاربة الشديدة يقتل بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على البعض، فلما آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر.
زالت الخصومات، وارتفعت الخشونات، وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة.
واعلم أن التحقيق في هذا الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير وكمال، فالمحبة حالة معللة بهذا التصور المخصوص، فمتى كان هذا التصور حاصلاً كانت المحبة حاصلة، ومتى حصل تصوير الشر والبغضاء: كانت النفرة حاصلة، ثم إن الخيرات والكمالات على قسمين: أحدهما: الخيرات والكمالات الباقية الدائمة، المبرأة عن جهات التغيير والتبديل، وذلك هو الكمالات الروحانية والسعادات الإلهية.
والثاني: وهو الكمالات المتبدلة المتغيرة، وهي الكمالات الجسمانية والسعادات البدنية، فإنها سريعة التغيير والتبدل، كالزئبق ينتقل من حال إلى حال، فالإنسان يتصور أن له في صحبة زيد مالاً عظيماً فيحبه، ثم يخطر بباله أن ذلك المال لا يحصل فيبغضه، ولذلك قيل إن العاشق والمعشوق ربما حصلت الرغبة والنفرة بينهما في اليوم الواحد مراراً لأن المعشوق إنما يريد العاشق لماله، والعاشق إنما يريد المعشوق لأجل اللذة الجسمانية، وهذان الأمران مستعدان للتغير والانتقال، فلا جرم كانت المحبة الحاصلة بينهما والعداوة الحاصلة بينهما غير باقيتين بل كانتا سريعتي لزوال والانتقال.
إذا عرفت هذا فنقول: الموجب للمحبة والمودة، إن كان طلب الخيرات الدنيوية والسعادات الجسمانية كانت تلك المحبة سريعة الزوال والانتقال، لأجل أن المحبة تابعة لتصور الكمال، وتصور الكمال تابع لحصول ذلك الكمال، فإذا كان ذلك الكمال سريع الزوال والانتقال، كانت معلولاته سريعة التبدل والزوال، وأما إن كان الموجب للمحبة تصور الكمالات الباقية المقدسة عن التغير والزوال، كانت تلك المحبة أيضاً باقية آمنة من التغير، لأن حال المعلول في البقاء والتبدل تبع لحالة العلة، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿ الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: العرب كانوا قبل مقدم الرسول طالبين للمال والجاه والمفاخرة، وكانت محبتهم معللة بهذه العلة، فلا جرم كانت تلك المحبة سريعة الزوال، وكانوا بأدنى سبب يقعون في الحروب والفتن، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، زالت الخصومة والخشونة عنهم.
وعادوا إخواناً متوافقين، ثم بعد وفاته عليه السلام لما انفتحت عليهم أبواب الدنيا وتوجهوا إلى طلبها عادوا إلى محاربة بعضهم بعضاً، ومقاتلة بعضهم مع بعض، فهذا هو السبب الحقيقي في هذا الباب ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: ﴿ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب.
ويقلبها من العداوة إلى الصداقة، ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم بفعل ما يفعله على وجه الإحكام والإتقان.
أو مطابقاً للمصلحة والصواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله ﴾ فإن محسبك الله: قال جرير: إنِّي وَجَدّتُ مِنَ الْمَكَارِمِ حَسْبَكُم ** أَنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة، لأنّ العرب- لما فيهم من الحمية والعصبية، والإنطواء على الضغينة في أدنى شيء وإلقائه بين أعينهم إلى أن ينتقموا- لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتحدوا، وأنشؤا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتوادّ، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب في الله والبغض في الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب.
فهو يقلبها كما شاء.
ويصنع فيها ما أراد، وقيل: هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤسائهم ودق جماجمهم، ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى، وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن ويديم التحاسد والتنافس، وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها وتكرهه وتنفر عنه، فأنساهم الله تعالى ذلك كله حتى اتفقوا على الطاعة وتصافوا وصاروا أنصاراً وعادوا أعواناً، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّ مَحْسَبَكَ اللَّهُ وكافِيكَ قالَ جَرِيرٌ: إنِّي وجَدْتُ مِنَ المَكارِمْ حَسْبَكم.
.
.
أنْ تَلْبِسُوا حُرَّ الثِّيابِ وتَشْبَعُوا ﴿ هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ ﴾ جَمِيعًا.
﴿ وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ مَعَ ما فِيهِمْ مِنَ العَصَبِيَّةِ والضَّغِينَةِ في أدْنى شَيْءٍ، والتَّهالُكُ عَلى الِانْتِقامِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا كَنَفْسِ واحِدَةٍ، وهَذا مِن مُعْجِزاتِهِ ، وبَيانُهُ: ﴿ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ تَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ لَوْ أنْفَقَ مُنْفِقٌ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ ما فى الأرْضِ مِنَ الأمْوالِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الأُلْفَةِ والإصْلاحِ.
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِقُدْرَتِهِ البالِغَةِ، فَإنَّهُ المالِكُ لِلْقُلُوبِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ.
﴿ إنَّهُ عَزِيزٌ ﴾ تامُّ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ لا يَعْصى عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيدُهُ، وقِيلَ الآيَةُ في الأوْسِ والخَزْرَجِ كانَ بَيْنَهم مِحَنٌ لا أمَدَ لَها ووَقائِعُ هَلَكَتْ فِيها ساداتُهم، فَأنْساهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ وألَّفَ بَيْنَهم بِالإسْلامِ حَتّى تَصافَوْا وصارُوا أنْصارًا.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} قلوب الأوس والخزرج بعد تعايدهم مائة وعشرين سنة {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي بلغت عداوتهم مبلغاً لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر عليه {ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بفضله ورحمته وجمع بين كلمتهم بقدرته فاحدث بينهم التوادد والتحابب واماط عنهم التباعض والتماقت {إنه عزيز} يقهر من يخدعونك {حَكِيمٌ} ينصر من يتبعونك
﴿ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ مَعَ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ كَسائِرِ العَرَبِ مِنَ الحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ والِانْطِواءِ عَلى الضَّغِينَةِ والتَّهالُكِ عَلى الِانْتِقامِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا بِتَوْفِيقِهِ تَعالى كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.
وقِيلَ: إنَّ الأنْصارَ وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ ما أهْلَكَ ساداتِهِمْ ودَقَّ جَماجِمَهم ولَمْ يَكُنْ لِبُغَضائِهِمْ أمَدٌ وبَيْنَهُمُ التَّجاوُرُ الَّذِي يُهَيِّجُ الضَّغائِنَ ويُدِيمُ التَّحاسُدَ والتَّنافُسَ فَأنْساهُمُ اللَّهُ تَعالى ما كانَ بَيْنَهم فاتَّفَقُوا عَلى الطّاعَةِ وتَصافَوْا وصارُوا أنْصارًا وعادُوا أعْوانًا وما ذاكَ إلّا بِلَطِيفِ صُنْعِهِ تَعالى وبَلِيغِ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا، واعْتَرَضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ في السِّياقِ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ كَوْنَ المُؤْمِنِينَ مُؤَيَّدًا بِهِمْ يُشْعِرُ بِكَوْنِهِمْ أنْصارًا ولا يَخْفى ضَعْفُهُ ولا تَجِدُ لَهُ أنْصارًا، وبِالجُمْلَةِ ما وقَعَ مِنَ التَّأْلِيفِ مِن أبْهَرِ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ أيْ لِتَأْلِيفِ ما بَيْنَهم ﴿ ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ لِتَناهِي عَداوَتِهِمْ وقُوَّةِ أسْبابِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُبَيِّنٌ لِعِزَّةِ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ المَأْخَذِ، والخِطابُ لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في انْتِفاءِ ذَلِكَ مِن مُنْفِقٍ مُعَيَّنٍ، وذَكَرَ القُلُوبَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ التَّأْلِيفَ بَيْنَها لا يَتَسَنّى وإنْ أمْكَنَ التَّأْلِيفُ ظاهِرًا ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ ﴾ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ﴿ ألَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ قَلْبًا وقالَبًا بِقُدْرَتِهِ البالِغَةِ ﴿ إنَّهُ عَزِيزٌ ﴾ كامِلُ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُ ( ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ) يَعْلَمُ ما يَلِيقُ تَعَلُّقُ الإرادَةِ بِهِ فَيُوجِدُهُ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِن آثارِ عِزَّتِهِ سُبْحانَهُ تَصَرُّفُهُ بِالقُلُوبِ الأبِيَّةِ المَمْلُوءَةِ مِنَ الحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، ومِن آثارِ حِكْمَتِهِ تَدْبِيرُ أُمُورِهِمْ عَلى وجْهٍ أحْدَثَ فِيهِمُ التَّوادَّ والتَّحابَّ فاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم، وصارُوا جَمِيعًا كِنانَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الذّابِّينَ عَنْهُ بِقَوْسٍ واحِدَةٍ، والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ كالتَّعْلِيلِ لِلتَّأْلِيفِ.
* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ طَبَّقَهُ بَعْضُ العارِفِينَ عَلى ما في الأنْفُسِ فَقالَ: ( ﴿ واعْلَمُوا ﴾ ) أيْ: أيُّها القُوى الرُّوحانِيَّةُ ( ﴿ أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ ) مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ ( فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) وهي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي هي الأساسُ الأعْظَمُ لِلدِّينِ ( ﴿ ولِلرَّسُولِ ﴾ ) الخاصِّ وهو القَلْبُ ( ﴿ ولِذِي القُرْبى ﴾ ) الَّذِي هو السِّرُّ ( ﴿ واليَتامى ﴾ ) مِنَ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ ( ﴿ والمَساكِينِ ﴾ ) مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ ( ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ) الَّذِي هو النَّفْسُ السّالِكَةُ الدّاخِلَةُ في الغُرْبَةِ السّائِحَةِ في مَنازِلِ السُّلُوكِ النّائِيَةِ عَنْ مَقَرِّها الأصْلِيِّ بِاعْتِبارِ التَّوْحِيدِ التَّفْصِيلِيِّ والأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ بَعْدَ هَذا الخُمُسِ مِنَ الغَنِيمَةِ تُقَسَّمُ عَلى الجَوارِحِ والأرْكانِ والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ ﴾ تَعالى الإيمانَ الحَقِيقِيَّ جَمْعًا ﴿ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ ﴾ وقْتَ التَّفْرِقَةِ بَعْدَ الجَمْعِ تَفْصِيلًا ﴿ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ مِن فَرِيقَيِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلى مُشاهَدَةِ التَّفْصِيلِ في الجَمْعِ ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿ إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا ﴾ أيِ: القَرِيبَةِ مِن مَدِينَةِ العِلْمِ ومَحَلِّ العَقْلِ الفُرْقانِيِّ ﴿ وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى ﴾ أيِ: البَعِيدَةِ مِنَ الحَقِّ ( ﴿ والرَّكْبُ ﴾ ) أيْ: رَكْبُ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ المُمْتارَةِ ﴿ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ مَعْشَرَ الفَرِيقَيْنِ ﴿ ولَوْ تَواعَدْتُمْ ﴾ اللِّقاءَ لِلْمُحارَبَةِ مِن طَرِيقِ العَقْلِ دُونَ طَرِيقِ الرِّياضَةِ ﴿ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ﴾ لِكَوْنِ ذَلِكَ أصْعَبَ مِن خَرْطِ القَتادِ ﴿ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا ﴾ قَدْرًا مُحَقَّقًا، فَعَلَ ذَلِكَ ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ وهي النَّفْسُ المُلازِمَةُ لِلْبَدَنِ الواجِبِ الفَناءِ ﴿ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ وهي الرُّوحُ المُجَرَّدَةُ المُتَّصِلَةُ بِعالَمِ القُدُسِ الَّذِي هو مَعْدِنُ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ الدّائِمُ البَقاءِ، وبَيِّنَةُ الأوَّلِ تِلْكَ المُلازَمَةُ وبَيِّنَةُ الثّانِي ذَلِكَ التَّجَرُّدُ والِاتِّصالُ ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيُّها القَلْبُ ﴿ فِي مَنامِكَ ﴾ وهو وقْتُ تَعَطُّلِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ وهُدُوءِ القُوى البَدَنِيَّةِ ( ﴿ قَلِيلا ﴾ ) أيْ: قَلِيلَ القَدْرِ ضِعافَ الحالِ ﴿ ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا ﴾ في حالِ غَلَبَةِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ أمْرِ كَسْرِها وقَهْرِها لِانْجِذابِ كُلٍّ مِنكم إلى جِهَةٍ ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ بِتَأْيِيدِهِ وعِصْمَتِهِ ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ أيْ بِحَقِيقَتِها فَيُثْبِتُ عِلْمُهُ بِما فِيها مِن بابِ الأوْلى ﴿ ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ وهُمُ القُوى النَّفْسانِيَّةُ خَرَجُوا مِن مَقارِّهِمْ وحُدُودِهِمْ ( ﴿ بَطَرًا ﴾ ) فَخْرًا وأشَرًا ﴿ ورِئاءَ النّاسِ ﴾ وإظْهارًا لِلْجَلادَةِ.
وقالَ بَعْضُهم: حَذَّرَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أوْلِياءَهُ عَنْ مُشابَهَةِ أعْدائِهِ في رُؤْيَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والمَعْرِفَةُ ﴿ وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ: شَيْطانُ الوَهْمِ ( ﴿ أعْمالَهُمْ ﴾ ) في التَّغَلُّبِ عَلى مَمْلَكَةِ القَلْبِ وقُواهُ ﴿ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ ﴾ أوْهَمَهم تَحْقِيقَ أُمْنِيَتِهِمْ بِأنْ لا غالِبَ لَكم مِن ناسِ الحَواسِّ وكَذا سائِرُ القُوى ﴿ وإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ أمُدُّكم وأُقَوِّيكم وأمْنَعُكم مِن ناسِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ لِشُعُورِهِ بِحالِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ وغَلَبَتِها لِمُناسَبَتِهِ إيّاها مِن حَيْثِيَّةِ إدْراكِ المَعانِي ﴿ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ ﴾ لِأنِّي لَسْتُ مِن جِنْسِكم ﴿ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ مِنَ المَعانِي ووُصُولِ المَدَدِ إلَيْهِمْ مِن سَماءِ الرُّوحِ ومَلَكُوتِ عالَمِ القُدُسِ ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ سُبْحانَهُ لِشُعُورٍ بِبَعْضِ أنْوارِهِ وقَهْرِهِ، وذَكَرَ الواسِطِيُّ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الشَّيْطانِ الظّاهِرِ، أنَّ اللَّعِينَ تَرَكَ ذَنْبَ الوَسْوَسَةِ إذْ ذاكَ لَكِنَّ تَرْكَ الذَّنْبِ إنَّما يَكُونُ حَسَنًا إذا كانَ إجْلالًا وحَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى لا خَوْفًا مِنَ البَطْشِ فَقَطْ وهو لَمْ يَخَفْ إلّا كَذَلِكَ ﴿ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ إذْ صِفاتُهُ الذّاتِيَّةُ والفِعْلِيَّةُ في غايَةِ الكَمالِ ا هـ بِأدْنى تَغْيِيرٍ وزِيادَةٍ.
وذُكِرَ أنَّ الفائِدَةَ في مِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ تَصْوِيرُ طَرِيقِ السُّلُوكِ لِلتَّنْشِيطِ في التَّرَقِّي والعُرُوجِ ﴿ ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ النَّفْسِ ( ﴿ المَلائِكَةُ ﴾ ) أيْ: مَلائِكَةُ القَهْرِ والعَذابِ ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ﴾ لِإعْراضِهِمْ عَنْ عالَمِ الأنْوارِ ومَزِيدِ الكِبْرِ والعُجْبِ ( ﴿ وأدْبارَهُمْ ﴾ ) لِمَيْلِهِمْ إلى عالَمِ الطَّبِيعَةِ ومَضاعِفِ الشَّهْوَةِ والحِرْصِ ويَقُولُونَ لَهم ﴿ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ وفَواتُ المَقْصُودِ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ: حَتّى يُفْسِدُوا اسْتِعْدادَهم فَلا تَبْقى لَهم مُناسِبَةٌ لِلْخَيْرِ وحِينَئِذٍ يُغَيِّرُ سُبْحانَهُ النِّعْمَةَ إلى النِّقْمَةِ لِطَلَبِهِمْ إيّاها بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وإلّا فاللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يَسْلُبَ نِعْمَةَ شَخْصٍ مَعَ بَقاءِ اسْتِحْقاقِها فِيهِ.
﴿ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِرَبِّهِمْ وعِصْيانِهِمْ لَهُ دُونَ سائِرِ الدَّوابِّ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِغَلَبَةِ شَقاوَتِهِمْ ومَزِيدِ عُتُوِّهِمْ وغَيِّهِمْ ﴿ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ لِأنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةٌ فِيهِمْ مَعَ مَوْلاهم، ألا تَرى كَيْفَ نَقَضُوا عَهْدَ التَّوْحِيدِ الَّذِي أُخِذَ مِنهم في مَنزِلِ ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ ، ﴿ وهم لا يَتَّقُونَ ﴾ العارَ ولا النّارَ ﴿ وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الرُّوزْبارِيُّ: القُوَّةُ هي الثِّقَةُ بِاللَّهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُهم: هي الرَّمْيُ بِسِهامِ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى عَنْ قِسِيِّ الخُضُوعِ والِاسْتِكانَةِ ﴿ هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ﴾ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ ( ﴿ وبِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ) بِجَذْبِها إلَيْهِ تَعالى وتَخْلِيصِها مِمّا يُوجِبُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، أوْ لِكَشْفِهِ سُبْحانَهُ لَها عَنْ حَجْبِ الغَيْبِ حَتّى تَعارَفُوا فِيهِ والأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ ﴿ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ لِصُعُوبَةِ الأمْرِ وكَثافَةِ الحِجابِ ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ والتَّأْلِيفُ مِن آثارِ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، يعني: السلاح.
وروى عقبة بن عامر أن النبي قرأ على المنبر: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال: «أَلاَ إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» ثلاثاً.
وفي خبر آخر زيادة: «لَهْوَ المُؤْمِنِ فِي الخَلاءِ وَقُوَّتُهُ عِنْدَ القِتَالِ» .
وروي عن عكرمة قال أي ثلاثا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال: الحصون.
وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، قال: الإناث من الخيل.
ثم قال: تُرْهِبُونَ بِهِ، يعني: تخوفون بالسلاح عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، يعني: كفار العرب، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ، يعني: بني قريظة.
لاَ تَعْلَمُونَهُمُ، يعني: لا تعرفونهم.
اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، يعني: يعرفهم ويعرفكم، فأعدوا لهم أيضا.
وقال مقاتل: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي: من دون كفار العرب، يعني: اليهود.
وقال السدي: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أهل فارس.
ثم قال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: السلاح والخيل.
يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه.
وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ، أي: لا تنقصون من ثواب أعمالكم.
ويقال: إن الجن لا يدخل في بيت فيه قوس وسهام.
قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ، يقول: إن أرادوا الصلح ومالوا إليه، فَاجْنَحْ لَها يعني: مل إليها وأرده يعني: صالحهم.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ بالكسر، وقرأ الباقون بالنصب.
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، يعني: ثق بالله وإن نقضوا العهد والصلح، فإني أنصرك ولا أخذلك.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، يعني السَّمِيعُ بمقالتهم، الْعَلِيمُ بنقض العهد.
قال الفقيه: إنما يجوز الصلح إذا لم يكن للمسلمين قوة القتال، فأما إذا كان للمسلمين قوة فلا ينبغي أن يصالحوهم، وينبغي أن يقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية إن لم يكونوا من العرب.
وإنّما لم توضع الجزية على العرب وتوضع على غير العرب، حتى لا تبقى بقية الكفر في أنساب النبيّ ، لأن العرب كلهم من نسبه، ولا توضع حتى يسلموا أو يقتلوا.
وإنما أمر الله تعالى نبيه بالصلح، حين كانت الغلبة للمشركين، وكانت بالمسلمين قلة.
ثم قال الله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ بالصلح، يعني: يهود بني قريظة أرادوا أن يصالحوك لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب أعانوهم عليك.
قال الله تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، يعني: إن أرادوا إن يخدعوك، حسبك الله بالنصرة لك.
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ، وأعانك وقواك بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، يعني: الأنصار وهم قبيلتان: الأوس والخزرج.
قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، يعني: ليّن قلوبهم من العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية.
لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، يعني: ما قدرت أن تؤلف بينهم، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بالإسلام.
إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ حكم بالألفة بين الأنصار بعد العداوة، وحكم بالنصر على أعدائه.
وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: «نزلت هذه الآية في المتحابين في الله» لَوْ أَنْفَقْتَ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ وقال عبد الله: «المؤمن متألف يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» .
<div class="verse-tafsir"
وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ، فيه أقوال: قيل: هم المنافِقُونَ، وقيل: فَارس، وقيل: غير هذا.
قال ع «١» : ويحسُنُ أن يقدَّر قوله: لاَ تَعْلَمُونَهُمُ، بمعنى: لا تَعْلَمُونهم فَازِعِينَ رَاهِبينَ.
وقال ص: لا تعلمُونَهُمْ بمعنى: لا تَعْرِفُونهم، فيتعدَّى لواحدٍ، ومَنْ عدَّاه إِلى اثنين، قدَّره: محاربين، واستُبْعِدَ لعدم تقدُّم ذكره، فهو ممنوعٌ عند بعضهم، وعزيز جدّا عند بعضهم انتهى.
وقوله سبحانه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها جَنَحَ الرَّجُلُ إِلى الأمْرِ إِذا مال إِليه، وعاد الضميرُ في «لها» مؤنَّثاً إِذ «السَّلْم» بمعنى المسالمة والهُدْنَة، وذهب جماعةٌ من المفسِّرين إِلى أَن هذه الآية منسوخةٌ، والضمير في «جَنَحُوا» هو للذين نُبِذَ إِليهم على سواءٍ.
وقوله سبحانه: وَإِنْ يُرِيدُوا/ أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ...
الآية: الضمير في قوله: «وإِن يريدوا» عائدٌ على الكفَّار الذين قال فيهم: وَإِنْ جَنَحُوا، أي: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ، بأنْ يُظْهِروا السَّلْم، ويُبْطِنُوا الغَدْر والخيانة، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، أي:
كافيك ومعطيك نصره، وأَيَّدَكَ: معناه: قوَّاك وَبِالْمُؤْمِنِينَ، يريد الأنصارَ، بذلك تظاهَرَتْ أقوالُ المفسَّرين.
وقوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ...
الآية: إشارة إلى العداوة التي كانَتْ بين الأوْسِ والخَزْرَجِ.
قال ع «٢» : ولو ذَهَبَ ذاهبٌ إِلى عمومِ المؤمنين في المهاجرين والأنصارِ، وجعل التأليف ما كَانَ بيْنَ جميعهم من التحابِّ، لساغ ذلك، وقال ابنُ مَسْعُود: نزلَتْ هذه الآية في المتحابِّين في الله «٣» .
وقال مجاهد: إِذا تَرَاءَى المتحابَّانِ في اللَّه، وتصَافَحَا، تَحَاتَّتْ خطاياهما، فقال له عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ «١» : إِن هذا لَيَسِيرٌ، فقال له: لا تَقُلْ ذلك، فإِن اللَّه تعالَى يَقُولُ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، قال عَبْدَةُ: فعرفْتُ أنه أفْقَهُ مني «٢» .
قال ع «٣» : وهذا كلُّه تمثيلٌ حَسَنٌ بالآية، لا أنَّ الآية نزلَتْ في ذلك، وقد رَوَى سهْلُ بن سعد، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «المؤمن مَألَفَةٌ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤلَفُ» «٤» .
قال ع «٥» : والتشابه سَبَبُ الأُلْفَة، فمَنْ كان من أهْل الخَيْر، أَلِفَ أشباهَهُ وأَلِفُوهُ.
ت: وفي «صحيح البخاريِّ» : «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تَعَارَفَ مِنْهَا ائتلف، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اختلف» «٦» .
انتهى، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن أبي هريرة قال: قَالَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَهُودَ قُرَيْظَةَ (أنْ يَخْدَعُوكَ) بِالصُّلْحِ لَتَكُفَّ عَنْهم، حَتّى إذا جاءَ مُشْرِكُو العَرَبِ، أعانُوهم عَلَيْكَ (فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّ الَّذِي يَتَوَلّى كِفايَتَكَ اللَّهُ ﴿ هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ ﴾ أيْ: قَوّاكَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: قَوّاكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الأنْصارِ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ يَعْنِي الأوْسَ والخَزْرَجَ، وهُمُ الأنْصارُ، كانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ.
وهَذا مِن أعْجَبِ الآَياتِ، لِأنَّهم كانُوا ذَوِي أنَفَةٍ شَدِيدَةٍ؛ فَلَوْ أنَّ رَجُلًا لَطَمَ رَجُلًا، لَقاتَلَتْ عَنْهُ قَبِيلَتُهُ حَتّى تُدْرِكَ ثَأْرَهُ، فَآَلَ بِهِمُ الإسْلامُ إلى أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ ابْنَهُ وأباهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ ﴾ يُرِيدُ: بِأنْ يُظْهِرُوا لَهُ السَلْمَ ويُبْطِنُوا الغَدْرَ والخِيانَةَ، أيْ فاجْنَحْ وما عَلَيْكَ مِن نِيّاتِهِمُ الفاسِدَةِ.
﴿ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ ﴾ أيْ كافِيكَ ومُعْطِيكَ نُصْرَةً وإظْهارًا، وهَذا وعْدٌ مَحْضٌ.
و ﴿ أيَّدَكَ ﴾ مَعْناهُ: قَوّاكَ، ﴿ وَبِالمُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِالأنْصارِ بِقَرِينَةِ قَوْلُهُ: ﴿ وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ الآيَةُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى العَداوَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الأوسِ والخَزْرَجِ في حُرُوبِ بُعاثٍ، فَألَّفَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهم عَلى الإسْلامِ، ورَدَّهم مُتَحابِّينَ في اللهِ، وعُدِّدَتْ هَذِهِ النِعْمَةُ تَأْنِيسًا لِمُحَمَّدٍ ، أيْ: كَما لَطَفَ بِكَ رَبُّكَ أوَّلًا فَكَذَلِكَ يَفْعَلُ آخِرًا.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُتَحابِّينَ في اللهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إذا تَراءى المُتَحابّانِ فَتَصافَحا وتَضاحَكا، تَحاتَّتْ خَطاياهُمْ، فَقالَ لَهُ عَبْدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ: إنَّ هَذا لَيَسِيرٌ، فَقالَ لَهُ: لا تَقُلْ ذَلِكَ، فَإنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قالَ عَبَدَةُ: فَعَرَفْتُ أنَّهُ أفْقَهُ مِنِّي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَمَثُّلٌ حَسَنٌ بِالآيَةِ، لا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، بَلْ تَظاهَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ أنَّها في الأوسِ والخَزْرَجِ كَما ذَكَرْنا، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى عُمُومِ المُؤْمِنِينَ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وجَعَلَ التَأْلِيفَ ما كانَ مِن جَمِيعِهِمْ مِنَ التَحابِّ حَتّى تَكُونَ أُلْفَةُ الأوسِ والخَزْرَجِ جُزْءًا مِن ذَلِكَ لَساغَ ذَلِكَ، وكُلُّ تَأْلُّفٍ في اللهِ فَتابِعٌ لِذَلِكَ التَألُّفِ الكائِنِ في صَدْرِ الإسْلامِ، وقَدْ رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَبِيِّ ، أنَّهُ قالَ: « "المُؤْمِنُ مَأْلَفَةٌ، لا خَيْرَ فِيمَن لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَفُ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَشابُهُ هو سَبَبُ الأُلْفَةِ، فَمَن كانَ مِن أهْلِ الخَيْرِ ألِفَ أشْباهَهُ وألِفُوهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ .
قالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها نَزَلَتْ في الأوسِ والخَزْرَجِ خاصَّةً، قالَ: ويُقالُ: إنَّها نَزَلَتْ حِينَ أسْلَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وكَمُلَ المُسْلِمُونَ أرْبَعِينَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، فَهي -عَلى هَذا- مَكِّيَّةٌ.
و ﴿ حَسْبُكَ ﴾ في كَلامِ العَرَبِ، و"شَرْعُكَ" بِمَعْنى: كافِيكَ ويَكْفِيكَ، والمُحْسِبُ: الكافِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: يَكْفِيكَ اللهُ ويَكْفِيكَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَـ "مَن" -فِي هَذا التَأْوِيلِ- رَفْعٌ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: حَسْبُكَ اللهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَـ "مَنِ" -فِي هَذا التَأْوِيلِ- في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الكافِ، لِأنَّ مَوْضِعَها نَصَبَ عَلى المَعْنى لِـ"يَكْفِيكَ" الَّتِي سَدَّتْ "حَسْبُكَ" مَسَدَّها، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ: وحَسْبُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَيْلِ نارا؟
التَقْدِيرُ: "وَكُلَّ نارٍ"، وهَذا الوَجْهُ مِن حَذْفِ المُضافِ مَكْرُوهٌ، بابُهُ ضَرُورَةُ الشَعْرِ، ويُرْوى البَيْتُ "وَنارًا"، ومِن نَحْوِ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗ فَحَسْبُكَ والضَحّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ يُرْوى " الضَحّاكُ " مَرْفُوعًا، و" الضَحّاكَ " مَنصُوبًا، و" الضَحّاكِ " مَخْفُوضًا، فالرَفْعُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "سَيْفٌ" بِنِيَّةِ التَأْخِيرِ، كَما قالَ الشاعِرُ: .................
∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ السَلامُ ويَكُونُ " الضَحّاكُ " -عَلى هَذا- مُحْسِبًا لِلْمُخاطَبِ، والنَصْبُ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الكافِ مِن قَوْلِهِ: "حَسْبُكَ"، والمُهَنَّدُ -عَلى هَذا- مُحْسِبٌ لِلْمُخاطَبِ، و" الضَحّاكِ " عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: "فَحَسْبُكَ وحَسْبُ الضَحّاكِ ".
<div class="verse-tafsir"
لمّا كان طلب السلم والهدنة من العدوّ قد يكون خديعة حربية، ليَغرُّوا المسلمين بالمصالحة ثمّ يأخذوهم على غرّة، أيقظ الله رسوله لهذا الاحتمال فأمره بأن يأخذ الأعداء على ظاهر حالهم، ويحملهم على الصدق، لأنّه الخُلق الإسلامي، وشأن أهل المُروءة، ولا تكون الخديعة بمثل نكث العهد، فإذا بعث العدوَّ كفرُهم على ارتكاب مثل هذا التسفّل، فإنّ الله تكفّل، للوفي بعهده، أن يقيه شرّ خيانة الخائنِين.
وهذا الأصل، وهو أخذ الناس بظواهرهم، شعبة من شعب دين الإسلام قال تعالى: ﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إن الله يحب المتقين ﴾ [التوبة: 4] وفي الحديث: آية المنافق ثلاث، منها: وإذا وعد أخلف.
ومن أحكام الجهاد عن المسلمين أن لا يخفر للعدوّ بعهد.
والمعنى: إنْ كانوا يريدون من إظهار ميلهم إلى المسالمة خديعةً فإنّ الله كافيك شرّهم.
وليس هذا هو مقام نبذ العهد الذي في قوله: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ﴾ [الأنفال: 58] فإنّ ذلك مقام ظهور أمارات الخيانة من العدوّ، وهذا مقام إضمارهم الغدر دون أمارة على ما أضمروه.
فجملة: ﴿ فإن حسبك الله ﴾ دلّت على تكفّل كفايته، وقد أريد منه أيضاً الكناية عن عدم معاملتهم بهذا الاحتمال، وأن لا يتوجّس منه خيفة، وأنّ ذلك لا يضرّه.
والخديعة تقدّمت في قوله تعالى: ﴿ يخادعون الله ﴾ من سورة [البقرة: 9].
وحسب معناه كاف وهو صفة مشبّهة بمعنى اسم الفاعل، أي حاسبك، أي كافيك وقد تقدّم قوله تعالى: ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ في سورة [آل عمران: 173].
وتأكيد الخبر ب (إنْ) مراعى فيه تأكيد معناه الكنائي، لأنّ معناه الصريح ممّا لا يشكّ فيه أحد.
وجَعْل حسبك} مسنداً إليه، مع أنّه وصف، وشأن الإسناد أن يكون للذات، باعتيار أنّ الذي يخطر بالبال باديء ذي بدء هو طلب من يكفيه.
وجملة ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ مستأنفة مسوقة مساق الاستدلال: على أنّه حَسبه، وعلى المعنى التعريضي وهو عدم التحَرّج من احتمال قصدهم الخيانة والتوجّس من ذلك الاحتمال خيفة، والمعنى: فإنّ الله قد نصرك من قبل وقد كنت يومئذ أضعف منك اليوم، فنصَرك على العدوّ وهو مجاهر بعدْوَانِه، فنصرُه إيَّاك عليهم مع مخاتلتهم، ومع كونك في قوّة من المؤمنين الذين معك، أولى وأقرب.
وتعدية فعل ﴿ يخدعوك ﴾ إلى ضمير النبي عليه الصلاة والسلام باعتبار كونه وليّ أمر المسلمين، والمقصود: وإن يريدوا أن يخدعوك فإنّ حسبك الله، وقد بُدّل الأسلوب إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ليتوصّل بذلك إلى ذكر نصره من أول يوم حين دعا إلى الله وهو وحده مخالفاً أمّة كاملة.
والتأييد التقوية بالإعانة على عمل.
وتقدّم في قوله: ﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيّدناه بروح القدس ﴾ في سورة [البقرة: 87].
وجعلت التقوية بالنصر: لأنّ النصر يقوي العزيمة، ويثبت رأي المنصور، وضدّه يشوش العقل، ويوهن العزم، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض خطبه وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان حتّى قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا معرفة له بالحرب.
وإضافة النصر إلى الله: تنبيه على أنّه نصر خارق للعادة، وهو النصر بالملائكة والخوارق، من أوّل أيّام الدعوة.
وقوله: وبالمؤمنين } عطف على ﴿ بنصره ﴾ وأعيد حرف الجرّ بعد واو العطف لدفع توهّم أن يكون معطوفاً على اسم الجلالة فيوهم أنّ المعنى ونصر المؤمنين مع أنّ المقصود أنّ وجود المؤمنين تأييد من الله لرسوله إذ وفّقهم لاتّباعه فشرح صدره بمشاهدة نجاح دعوته وتزايد أمته ولكون المؤمنين جيشاً ثابتي الجنان، فجعل المؤمنون بذاتهم تأييداً.
والتأليف بين قلوب المؤمنين مِنّة أخرى على الرسول، إذ جعَل أتباعه متحابّين وذلك أعون له على سياستهم، وأرجى لاجتناء النفع بهم، إذ يكونون على قلب رجل واحد، وقد كان العرب يفضلون الجيش المؤلف من قبيلة واحدة، لأنّ ذلك أبعد عن حصول التنازع بينهم.
وهو أيضاً منة على المؤمنين إذ نزع من قلوبهم الأحقاد والإحن، التي كانت دأب الناس في الجاهلية، فكانت سبب التقاتل بين القبائل، بعضها مع بعض، وبين بطون القبيلة الواحدة.
وأقوالهم في ذلك كثيرة.
ومنها قول الفضل بن العبّاس اللهَبي مَهْلاً بني عمّنا مهلاً موالينا *** لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا اللَّه يعلم أنّا لا نحبكمو *** ولا نلومكمو أنْ لا تحبونا فلمّا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم انقلبت البغضاء بينهم مودّة، كما قال تعالى: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ﴾ [آل عمران: 103]، وما كان ذلك التآلف والتحابّ إلاّ بتقدير الله تعالى فإنّه لم يحصل من قبل بوشائِج الأنساب، ولا بدعوات ذوي الألباب.
ولذلك استأنف بعدَ قوله: ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قوله: ﴿ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ﴾ استئنافا ناشئاً عن مساق الامتنان بهذا الائتلاف، فهو بياني، أي: لو حاولت تأليفهم ببذل المال العظيم ما حصل التآلف بينهم.
فقوله: ﴿ ما في الأرض جميعاً ﴾ مبالغة حسنة لوقوعها مع حرف (لو) الدالّ على عدم الوقوع.
وأمّا ترتّب الجزاء على الشرط فلا مبالغة فيه، فكان التأليف بينهم من آيات هذا الدين، لما نظّم الله من ألفتهم، وأماط عنهم من التباغض.
ومن أعظم مشاهد ذلك ما حدث بين الأوس والخزرج من الإحن قبل الإسلام ممّا نشأت عنه حرب بُعاث بينهم، ثم أصبحوا بعد حين إخواناً أنصاراً لله تعالى، وأزال الله من قلوبهم البغضاءِ بينهم.
و ﴿ جميعاً ﴾ منصوباً على الحال من ﴿ ما في الأرض ﴾ وهو اسم على وزن فعيل بمعنى مجتمع، وسيأتي بيانه عند قوله تعالى: ﴿ فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون ﴾ في سورة [هود: 55].
وموقع الاستدراك في قوله: ولكن الله ألف بينهم } لأجل ما يتوهّم من تعذّر التأليف بينهم في قوله: ﴿ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ﴾ أي ولكن تكوين الله يلين به الصلب ويحصل به المتعذر.
والخطاب في ﴿ أنفقت ﴾ و ﴿ ألَّفت ﴾ للرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار أنّه أول من دعا إلى الله.
وإذْ كان هذا التكوين صنعاً عجيباً ذَيّل الله الخبر عنه بقوله: ﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قوي القدرة فلا يعجزه شيء، محكم التكوين فهو يكوّن المتعذر، ويجعله كالأمر المسنون المألوف.
والتأكيد ب«إنَّ» لمجرّد الاهتمام بالخبر باعتبار جعله دليلاً على بديع صنع الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وإنْ مالُوا إلى المُوادَعَةِ فَمِلْ إلَيْها.
والثّانِي: وإنْ تَوَقَّفُوا عَنِ الحَرْبِ مُسالَمَةً لَكَ فَتَوَقَّفْ عَنْهم مُسالَمَةً لَهم.
والثّالِثُ: وإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ فاقْبَلْ مِنهم ظاهِرَ إسْلامِهِمْ وإنْ تَخَلَّفَ باطِنُ اعْتِقادِهِمْ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عامَّةٌ في مُوادَعَةِ كُلِّ مَن سَألَها مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها في قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ سَألُوا المُوادَعَةَ فَأمَرَ بِإجابَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن يردوا أن يخدعوك ﴾ قال: قريظة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ قال: الأنصار.
وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ الآية قال: نزلت في الأنصار.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ قال: هم الأنصار.
وأخرج ابن عساكرعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مكتوب على العرش: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي، وذلك قوله: ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ .
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الاخوان والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه.
أن هذه الآية نزلت في المتحابين ﴿ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب واللفظ له، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة المنعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب.
يقول الله: ﴿ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ﴾ وذلك موجود في الشعر قال الشاعر: إذا مت ذو القربى إليك برحمه ** فغشك واستغنى فليس بذي رحم ولكن ذا القربى الذي ان دعوته ** أجاب: ومن يرمي العدوّ الذي ترمي ومن ذلك قول القائل: ولقد صحبت الناس ثم خبرتهم ** وبلوت ما وصلوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ** وإذ المودّة أقرب الأسباب قال البيهقي: هكذا وجدته موصولاً بقول ابن عباس رضي الله عنهما، ولا أدري قوله وذلك موجود في الشعر من قوله أو من قبل من قبله من الرواة.
وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: النعمة تكفر، والرحم يقطع، وإن الله تعالى إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم تلا ﴿ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: إذا لقي الرجل أخاه فصافحه، تحاتت الذنوب بينهما كما ينثر الريح الورق.
فقال رجل: إن هذا من العمل اليسير.
فقال: ألم تسمع الله قال: ﴿ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي قال: كتب إلي قتادة: إن يكن الدهر فرق بيننا فإن ألفة الله الذي ألف بين المسلمين قريب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قال الليث: كل شيء ضممت بعضه إلى بعض فقد ألفته تأليفًا (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قال عطية: يعني للعداوة التي كانت بينهم (٤) ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: إن قلوبهم بيده يؤلفها كيف شاء (٥) ﴿ إِنَّهُ عَزِيزٌ ﴾ أي: قدير لا يمتنع عليه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ عليم بما يفعله (٦) قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أن تأليف قلوب المؤمنين من الآيات العظام، وذلك أن النبي بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، ونصرة بعضهم لبعض بحيث لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل (٧) (٨) (١) كتاب "العين" (ألف) 8/ 336.
(٢) هو: الحوفي في "البرهان في علوم القرآن" 11/ 101 ب، وقد اختصر المؤلف قوله.
(٣) رواه ابن مردويه، عن ابن عباس والنعمان بن بشير، كما في "الدر المنثور" 3/ 362، ورواه ابن جرير 10/ 35 - 36، عن السدي وبشير بن ثابت وابن إسحاق، كلهم بمعناه وهو قول الفراء 1/ 417، والثعلبي 6/ 70/ أ، والبغوي 3/ 474 وغيرهم.
(٤) لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 469 بلا نسبة.
(٥) "تنوير المقباس" ص 185 بمعناه.
(٦) تفسير الحكمة بالعلم معروف في اللغة.
قال الجوهري: الحكيم: العالم وصاحب الحكمة.
انظر: "الصحاح" (حكم) 5/ 1901، والمشهور في معنى الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها من الإتقان، قال ابن الأثير في "النهاية" (حكم) 1/ 418: الحكيم: فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل، وقال ابن جرير 1/ 558: الحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.
(٧) هكذا في جميع النسخ، وكذلك في "الوسيط" 2/ 469، باعتبار معنى القبيلة، وفي "معاني القرآن": فيقاتل عنه حتى يدرك ثأره، بالبناء للمجهول.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 423، وقد نقل الواحدي قوله بتصرف واختصار.
﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ﴾ السلم هنا المهادنة، والآية منسوخة بآية القتال في براءة، لأن مهادنة كفار العرب لا تجوز ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ قيل: المراد، بين قلوب الأوس والخزرج إذ كانت بينهما عداوة فذهبت بالإسلام، واللفظ عام.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.
الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.
الآخرون: بتاء الخطاب.
﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.
الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.
الآخرون بالضم.
﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.
وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.
﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.
﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.
وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.
ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.
﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.
وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.
وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.
وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.
وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.
ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.
وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.
قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.
ولما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.
ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.
ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.
والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.
ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.
ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.
قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.
ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.
والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.
ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.
ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.
ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.
ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.
ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.
جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.
ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.
قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.
ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.
وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.
والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.
وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.
وقيل: على استواء في العداوة.
قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.
قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.
قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.
فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.
وذلك أن قريظة عاهدوا النبي ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله بأهل مكة لما نقضوا العهد.
ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟
فأجيب بما أجيب.
والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.
أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.
والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.
ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.
ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.
ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.
ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.
ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.
وعن عقبة بن عامر أن رسول الله قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.
وقوله : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.
ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.
روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.
فقيل له: إنما أوصى في الحصون.
فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.
وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.
والظاهر العموم.
ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.
واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.
وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.
وعن السدي: هم أهل فارس.
وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.
وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.
ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.
ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.
وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.
عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.
والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.
وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله منصرفه من تبوك.
وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.
ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.
إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.
وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.
وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.
ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.
ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.
ثم أكد كون الله كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.
﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.
ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.
والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.
ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.
ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي إلى عبادة الله والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.
﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.
قال القاضي: لولا ألطاف الله ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.
ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.
ثم إنه لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.
فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.
ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.
وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله الآية.
ثم بيّن أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.
في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.
وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.
وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.
واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.
قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.
قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.
كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.
قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.
فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.
فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.
والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.
الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.
وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.
وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.
وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.
عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.
وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.
قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟
قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.
وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.
والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.
سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.
ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.
ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.
وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.
ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.
والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.
والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ .
التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.
﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ ﴾ .
في الصلح ويخونوك.
﴿ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ﴾ .
أي: مكنك الله منهم؛ كقوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ .
[فأمكن منهم] وإن كان قوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ في الإسلام، فيكون قوله: ﴿ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ﴾ أي: يطلعك الله على ما في قلوبهم من النفاق، أي: وإن خفت منهم أنهم يظهرون لك الإسلام في الظاهر ويكونون في السر على ما كانوا من قبل؛ فلا يمنعك ذلك عن قبول الإسلام منهم، فإن الله يطلعك على ذلك، ويكفيك ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : بالملائكة الذين أنزلهم معونة للمؤمنين يوم بدر.
ويحتمل: بالمؤمنين الذين كانوا معه، فأخبر أنه يؤيده بنصره وبنصر المؤمنين، وكان النصر له بالله في الحقيقة، فقوله: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ ، النصر من الله مرة يكون بالأسباب بالمؤمنين، وبغير ذلك من الأسباب، ومرة باللطف منه بلا سبب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: ألف بين قلوبهم بالدين الذي اجتمعوا عليه؛ كقوله: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ ، أخبر أنهم كانوا أعداء ما داموا في الكفر، فلما أسلموا صاروا إخوانا.
ولكن عندنا الإسلام يوجب التأليف والاجتماع بينهم، ولكن يجوز ألا يوجد التأليف وإن وجد [الإسلام]؛ ليعلم أن الله هو الذي يؤلف بينهم بلطفه وفضله لقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ .
وقد يجوز أن يكون ما ذكر من تأليف القلوب يكون مرة بالدين، ومرة باللطف من الله، فإذا كان الخلاف والعداوة بينهم بسبب الدين فإنه إذا وجد الوفاق ارتفع الخلاف والعداوة، وإذا كان للأطماع فهو يرتفع باللطف من الله.
﴿ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
عزيز: لا يعجزه شيء، حكيم، في أمره وحكمه.
<div class="verse-tafsir"
وجمع بين قلوب المؤمنين الذين نصرك بهم بعد أن كانت متفرقة، لو أنفقت ما في الأرض من مال لتجمع بين قلوبهم المتفرقة ما جمعت بينها، لكن الله وحده جمع بينها، إنه عزيز في ملكه لا يغالبه أحد، حكيم في قدره وتدبيره وشرعه.
<div class="verse-tafsir" id="91.wg1om"