الآية ٦٤ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٦٤ من سورة الأنفال

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

حرض تعالى نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران ، ويخبرهم أنه حسبهم ، أي : كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم ، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم ، ولو قل عدد المؤمنين .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أنبأنا سفيان ، عن شوذب عن الشعبي في قوله : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) قال : حسبك الله ، وحسب من شهد معك .

قال : وروي عن عطاء الخراساني ، وعبد الرحمن بن زيد [ بن أسلم ] مثله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (يا أيها النبي حسبك الله), وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله.

يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا عدوكم, فإن الله كافيكم أمرهم, ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم, فإن الله مؤيدكم بنصره.

(20) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16265- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان, عن شوذب أبي معاذ، عن الشعبي في قوله: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، قال: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله.

(21) 16266- حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا سفيان, عن شوذب, عن الشعبي في قوله: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، قال: حسبك الله، وحسب من معك.

16267- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن سفيان, عن شوذب, عن عامر, بنحوه =إلا أنه قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك.

16268- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب, عن ابن زيد في قوله: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، قال: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين, إنّ حسبك أنت وهم، الله.

* * * فـ " منْ" قوله: (ومن اتبعك من المؤمنين)، على هذا التأويل الذي ذكرناه عن الشعبي، نصب، عطفا على معنى " الكاف " في قوله: (حسبك الله) لا على لفظه, لأنها في محل خفض في الظاهر، وفي محل نصب في المعنى, لأن معنى الكلام: يكفيك الله, ويكفي من اتبعك من المؤمنين.

* * * وقد قال بعض أهل العربية في " من "، أنها في موضع رفع على العطف على اسم " الله ", كأنه قال: حسبك الله ومتبعوك إلى جهاد العدو من المؤمنين، دون القاعدين عنك منهم.

واستشهد على صحة قوله ذلك بقوله: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ .

(22) -------------------- الهوامش : (20) انظر تفسير " حسب " فيما سلف ص : 44 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(21) الأثر : 16265 - " شوذب ، أبو معاذ " ، ويقال : " أبو عثمان " ، مولى البراء بن عازب .

قال سفيان ، عن شوذب : " كنت تياسًا ، فنهاني البراء بن عازب عن عسب الفحل " روى عنه سفيان الثوري ، وشعبة .

مترجم في الكبير 2 2 261 ، وابن أبي حاتم 2 1 377 ، وكان في المطبوعة: "شوذب بن معاذ" وهو خطأ، صوابه في المخطوطة.

وسيأتي في الإسنادين التاليين .

(22) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 417 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنينليس هذا تكريرا ، فإنه قال فيما سبق وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله وهذه كفاية خاصة .

وفي قوله ياأيها النبي حسبك الله أراد التعميم ، أي حسبك الله في كل حال وقال ابن عباس : نزلت في إسلام عمر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، فأسلم عمر وصاروا أربعين .

والآية مكية ، كتبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة مدنية ، ذكره القشيري .قلت : ما ذكره من إسلام عمر رضي الله عنه عن ابن عباس ، فقد وقع في السيرة خلافه .

عن عبد الله بن مسعود قال : ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه .

وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة .

قال ابن إسحاق : وكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين ، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها ، ثلاثة وثمانين رجلا ، إن كان عمار بن ياسر منهم .

وهو يشك فيه .

وقال الكلبي : نزلت الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال .قوله تعالى ومن اتبعك من المؤمنين قيل : المعنى حسبك الله ، وحسبك المهاجرون والأنصار .

وقيل : المعنى كافيك الله ، وكافي من تبعك ، قاله الشعبي وابن زيد .

والأول عن الحسن .

واختاره النحاس وغيره .

ف " من " على القول الأول في موضع رفع ، عطفا على اسم الله تعالى .

على معنى : فإن حسبك الله وأتباعك من المؤمنين .

وعلى الثاني على إضمار .

ومثله قوله صلى الله عليه وسلم : يكفينيه الله وأبناء قيلة .

وقيل : يجوز أن يكون المعنى ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله ، فيضمر الخبر .

ويجوز أن يكون من في موضع نصب ، على معنى : يكفيك الله ويكفي من اتبعك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ كافيك ‏{‏وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ وكافي أتباعك من المؤمنين،‏.‏وهذا وعد من اللّه لعباده المؤمنين المتبعين لرسوله، بالكفاية والنصرة على الأعداء‏.‏ فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع، فلابد أن يكفيهم ما أهمهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلف الكفاية بتخلف شرطها‏.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) قال سعيد بن جبير : أسلم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، ثم أسلم عمر بن الخطاب فتم به الأربعون ، فنزلت هذه الآية .

واختلفوا في محل " من " فقال أكثر المفسرين محله خفض ، عطفا على الكاف في قوله : " حسبك الله " وحسب من اتبعك ، وقال بعضهم : هو رفع عطفا على اسم الله معناه : حسبك الله ومتبعوك من المؤمنين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها النبي حسبُك اللهُ و» حسبك «من اتبعك من المؤمنين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها النبي إن الله كافيك، وكافي الذين معك من المؤمنين شرَّ أعدائكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مضت السورة الكريمة فى تثبيت الطمأنينة فى قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى قلوب أصحابه فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم ، وأن القلة منهم تغلب الكثرة من أعداء الله وأعدائهم فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي .

.

.

مَعَ الصابرين ) .قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء ، وعده بالنصر والظفر فى هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات ، وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار؛ لأن المعنى فى الآية الأولى؛ إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم .والمعنى فى هذه الآية عام فى كل ما يحتاج إليه فى الدين والدنيا .وهذه الآية نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل القتال .

.وقوله : ( حَسْبُكَ ) صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل ، والكاف فى محل جر .والواو فى قوله ( وَمَنِ اتبعك ) بمعنى مع ، و ( مَنِ ) فى محل نصب عطفاً على الموضع ، فإن قوله ( حَسْبُكَ ) بمعنى كافيك فى جميع أمورك .والمعنى : يأيها النبى كافيك الله وكافى متبعيك من المؤمنين فهو - سبحانه - ناصركم ومؤيدكم على أعدائكم وإن كثر عددهم وقل عددكم ، وما دام الأمر كذلك ، فاعتمدوا عليه وحده ، وأطيعوا فى السر والعلن؛ لكى يديم عليكم عونه وتأييده ونصره .قال بعض العلماء : قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية : أى : الله وحده كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد .

ثم قال : وههنا تقديران :أحدهما : أن تكون الواو عاطفة للفظ " من " على الكاف المجرروة .

.والثانى : أن تكون الواو بمعنى " مع " وتكون " من " فى محل نصب عطفاً على الموضع .

فإن " حسبك " فى معنى كافيك أى : الله يكفيك ويكفى من اتبعك ، كما يقول العرب : حسبك وزيدا درهم ، قال الشاعر :وإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ...

فحسبك والضحاك سيف مهندوهذا أصح التقديرين .

وفيها تقدير ثالث : أن تكون " من " فى موضع رفع بالابتداء : أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله .وفيها تقدير رابع وهو خطأ من جهة المعنى ، وهو أن يكون " من " فى موضع رفع عطفا على اسم الله .

ويكون المعنى : حسبك الله وأتباعك .هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض ، لا يجوز حمل الآية عليه ، فإن الحسب والكفاية لله وحده ، كالتوكل والتقوى والعبادة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء.

وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار، لأن المعنى في الآية الأولى، إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم.

والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال والمراد بقوله: ﴿ وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ الأنصار وعن ابن عباس رضي الله عنهما، نزلت في إسلام عمر، قال سعيد بن جبير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية.

قال المفسرون: فعلى هذا القول هذه الآية مكية، كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الآية قولان: الأول: التقدير، الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين.

قال الفراء: الكاف في حسبك خفض و ﴿ مِنْ ﴾ في موضع نصب والمعنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك، قال الشاعر: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا *** فحسبك والضحاك سيف مهند قال وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا حسبك وأخاك، بل المعتاد أن يقال حسبك وحسب أخيك.

والثاني: أن يكون المعنى كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين.

قال الفراء وهذا أحسن الوجهين، أي ويمكن أن ينصر القول الأول بأن من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله أو ينقص بسبب نصرة غير الله، وأيضاً إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أن الواحد من ذلك المجموع لا يكفي في حصول ذلك المهم.

وتعالى الله عنه ويمكن أن يجاب عنه بأن الكل من الله، إلا أن من أنواع النصرة ما لا يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة، ومنها ما يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة.

فلهذا الفرق اعتبر نصرة المؤمنين، ثم بين أنه تعالى وإن كان يكفيك بنصره وبنصر المؤمنين، فليس من الواجب أن تتكل على ذلك إلا بشرط أن تحرض المؤمنين على القتال فإنه تعالى إنما يكفيك بالكفاية بشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة.

فقال: ﴿ المؤمنين ياأيها النبى حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال ﴾ والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجهاً آخر بعيداً، فقال: التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثاً يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضاً، والحارض الذي قارب الهلاك، أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حارضين، أي هالكين.

فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض.

ثم قال: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ وليس المراد منه الخبر بل المراد الأمر كأنه قال: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ ﴾ فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى ﴿ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ والذي يدل على أنه ليس المراد من هذا الكلام الخبر وجوه: الأول: لو كان المراد منه الخبر، لزم أن يقال: إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ومعلوم أنه باطل.

الثاني: أنه قال: ﴿ الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ  ﴾ والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر.

الثالث: قوله من بعد: ﴿ والله مَعَ الصابرين  ﴾ وذلك ترغيباً في الثبات على الجهاد، فثبت أن المراد من هذا الكلام هو الأمر وإن كان وارداً بلفظ الخبر، وهو كقوله تعالى: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ  ﴾ ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون ﴾ يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قاهراً على ذلك، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء؛ منها: أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً، ومنها: أن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، ومنها: أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزاً إلى فئة، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة.

واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى: ﴿ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلاً لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟

وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة، وكان رسول الله يبعث السرايا، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين.

المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ ءانٍ تَكُنْ ﴾ بالتاء، وكذلك الذي بعده ﴿ وَأَنْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ ﴾ وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما.

المسألة الرابعة: أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة، وهو قوله: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ وتقرير هذا الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية.

ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزناً، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح، ومتى كان الأمر كذلك، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول.

الوجه الثاني: أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستعينون بربهم بالدعاء والتضرع، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى.

الوجه الثالث: وهو وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات، وهو أن كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيباً عند الخلق، ولذلك إذا حضر الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء، فإن أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه، بل نقول: إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيباً، وأيضاً الرجل الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى، فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه، وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت.

إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان الله.

فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال الله فيقوى قلبه وتكمل روحه ويقدر على ما لا يقدر غيره عليه، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من الكافر فإن لم يحصل فذاك لأن ظهور هذا التجلي لا يحصل إلا نادراً وللفرد بعد الفرد.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَنِ اتبعك ﴾ الواو بمعنى مع وما بعده منصوب، تقول: حسبك وزيداً درهم، ولا تجرّ؛ لأنّ عطف الظاهر المجرور على المكنى ممتنع قال: فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ عَضْبٌ مُهَنَّدُ والمعنى: كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً أو يكون في محل الرفع: أي كفاك الله وكفاك المؤمنون، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وعن ابن عباس رضي الله عنه نزلت في إسلام عمر رضي الله عنه، وعن سعيد بن جبير: أنه أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر، فنزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ كافِيكَ.

﴿ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ إمّا في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ كَقَوْلِهِ: إذا كانَتِ الهَيْجاءُ واشْتَجَرَ القَنا.

.

.

فَحَسْبُكَ والضَّحّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ أوِ الجَرِّ عَطْفًا عَلى المَكْنِيِّ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، أوِ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ كَفاكَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ.

والآيَةُ نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وقِيلَ أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ  ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَزَلَتْ.

ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَتْ في إسْلامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين} الواو بمعنى مع وما بعده منصوب والمعنى كفاك وكفى اتبعاك من المؤمنين الله ناصراً ويجوز أن يكون في محل الرفع أى كفاك الله وكافك أتباعك من المؤمنين قيل أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ وحْدَهُ أوْ مَعَ أُمُورِ المُؤْمِنِينَ أوْ في الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالكَفّارِ كافَّةً إثْرَ بَيانِ الكِفايَةِ في مادَّةٍ خاصَّةٍ؛ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِلنِّداءِ والتَّنْبِيهِ عَلى الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الحُكْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها النَّبِيُّ ﴿ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ أيْ: كافِيكَ في جَمِيعِ أُمُورِكَ أوْ فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَفَرَةِ مِنَ الحِرابِ لِنُبُوَّتِكَ.

﴿ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ كَقَوْلِهِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ: فَحَسْبُكَ والضَّحاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدٌ إذا كانَتِ الهَيْجاءُ واشْتَجَرَ القَنا وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِكَلامِ سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ جَعَلَ زَيْدًا في قَوْلِهِمْ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ وكَفى زَيْدًا دِرْهَمٌ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ عِنْدَهُ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ سِيبَوَيْهِ كَما قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِأبِي حَيّانَ لَمّا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِكَلامِهِ حِينَ أنْشَدَ لَهُ قَصِيدَةً فَغَلَّطَهُ فِيها لَيْسَ نَبِيُّ النَّحْوِ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يُقَدَّرُ نَصْبُهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ورَدَّهُ السَّفاقِسِيُّ بِأنَّ إضافَتَهُ حَقِيقِيَّةٌ لا لَفْظِيَّةٌ فَلا مَحَلَّ لَهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ وفِيهِ ما فِيهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهو جائِزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ بِدُونِ ذَلِكَ لِأنَّهُ كَجُزْءِ الكَلِمَةِ فَلا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ إمّا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ أيْ حَسْبُهُمُ اللَّهُ تَعالى، وإمّا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وحَسْبُكَ مَنِ اتَّبَعَكَ، وإمّا عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ واخْتارَهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ، وضُعِّفَ بِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ ولا يَحْسُنُ هاهُنا كَما لَمْ يَحْسُنْ فِي: ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وشِئْتَ والحُسْنُ فِيهِ، ثُمَّ وفي الإخْبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ بِالفَرْقِ بَيْنَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى وبَيْنَ وُقُوعِهِ مِنّا، والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ نَزَلَتْ في البَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، والظّاهِرُ شُمُولُها لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ أسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُكَمِّلًا أرْبَعِينَ مُسْلِمًا ذُكُورًا وإناثًا هُنَّ سِتٌّ وحِينَئِذٍ تَكَوَّنَ مَكِّيَّةً.

و( مِن ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً وأنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً وذَلِكَ لِلِاخْتِلافِ في المُرادِ بِالمَوْصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ بالنصر والعون لك، وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

قال بعضهم: مَنِ في موضع الرفع، ومعناه: حسبك من اتبعك من المؤمنين خاصة وهم الأنصار.

ويقال: يعني عمر بن الخطاب  ، ويقال: هذه الآية خاصة من هذه السورة، نزلت بمكة، حين أسلم عمر وكان المسلمون تسعة وثلاثين، فلما أسلم عمر  تمّ أربعون، وظهر الإسلام بمكة بإسلام عمر (١) ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، يعني: حثَّهم على قتال الكفار.

إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ، يعني: محتسبين في الجهاد، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ يعني: يقاتلون مائتين، ويثبتوا على القتال لينصرهم الله.

وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابرة يعني: محتسبة يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ أمر الله تعالى.

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ألفاً يوم بدر، جعل على كل رجل منهم قتال عشرة، فرفعوا أصواتهم بالدعاء فضجوا، فجعل على كل رجل قتال رجلين تخفيفاً من الله، وهو قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ يعني: هوَّن الله عليكم القتال الذي افترض الله عليكم يوم بدر.

وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً يعني: عجزاً عن القتال.

فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ، يعني: محتسبة صادقة، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ من المشركين.

وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ من المشركين بِإِذْنِ اللَّهِ، يعني: بأمر الله تعالى وبنصرته.

وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة لهم على عدوهم.

وقال مقاتل: لم تكن فريضة، ولكن كان تحريضاً، فلم يطق المؤمنون، فخفف الله عنهم بعد قتال بدر فنزل: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وروى عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: «فرض على المسلمين أن لا يفر رجل من عشرة، ولا عشرة من مائة، فجهد الناس وشقّ عليهم، فنزلت هذه الآية (٢) (١) عزاه السيوطي 4/ 101 إلى الطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 102 إلى البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ لَجَلاَلي؟

اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي» «١» .

قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» : ورُوينا عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قال: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟

قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الوِلاَيَةُ في اللَّهِ: الحُبُّ والبُغْضُ فِيهِ» «٢» ، ورواه البراءُ بنُ عَازِبٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أيضاً «٣» ، وعن عبد اللَّهِ في قوله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، قال: نزلَتْ في المتحابِّين في اللَّه «٤» قال أبو عمر: وأما قوله: الَيْومَ أُظلُّهُمْ فِي ظِلِّي، فإِنه أراد- واللَّه أعلم- في ظلِّ عرشه، وقد يكونُ الظِّلُّ كنايةً عن الرحْمةِ كما قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات: ٤١] ، يعني: بذلك مَا هُمْ فيه مِنَ الرحمة والنعيم.

انتهى.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قال النَّقَّاش:

نزلَتْ هذه الآية بالبَيْداء «١» في غزوة بَدْر، وحُكِيَ عن ابنِ عبَّاس: أنها نزلَتْ في الأوس والخزرج.

وقيل: إِنها نزلَتْ حين أسلم عمر وكمَلَ المسلمون أَربَعِينَ.

قاله ابن عمر، وأنس فهي على هذا مكِّيَّة: و «حسبك» في كلام العرب، وشرعك: بمعنى كافِيكَ ويَكْفِيك، والمحسب: الكافي، قالت فرقة: معنى الآية: يَكْفِيكَ اللَّهِ، ويكفيكَ مَنِ اتبعك، ف «مَنْ» في موضع رفع.

وقال الشَّعْبِيُّ وابن زَيْد: معنى الآية: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتبعك من المؤمنين، ف «مَنْ» في موضع نَصْب عطفاً على موضع الكاف لأن موضعها نَصْبٌ على المعنى ب «يكفيك» التي سدَّتْ «حَسْبُكَ» مسدَّها.

قال ص: ورد بأنَّ الكاف لَيْسَ موضعها نصْب لأن إضافة حسب إليها إضافة صحيحة انتهى.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ...

الآية: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: حُثَّهم وحُضَّهم، وقوله سبحانه: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ...

إلى آخر الآية، لفظُ خبرٍ، مضمَّنه وعدٌ بشرط لأن قوله: إِنْ يَكُنْ/ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ، بمنزلة أنْ يقال: إِنْ يَصْبِرْ منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصَّبر، قال الفخر: وحَسُنَ هذا التكليفُ لما كان مسبوقاً بقوله: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فلمَّا وعد اللَّه المؤمنين بالكِفَايَة والنصرِ، كان هذا التكليفُ سَهْلاً لأن مَنْ تكلَّف اللَّه بنصره، فإِن أَهْلَ العَالَمِ لاَ يقدرون على إذاءته انتهى، وتظاهرت الرواياتُ عن ابن عبَّاس وغيره من الصحابة بأنَّ ثبوت الواحدِ للعَشَرةِ، كان فرضاً على المؤمنين، ثم لمَّا شَقَّ ذلك عليهم، حطّ الله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: حَسْبُكَ اللَّهُ، وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: حَسْبُكَ اللَّهُ ومُتَّبِعُوكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وعَنَ الشَّعْبِيِّ كالقَوْلَيْنِ.

وَأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ الوَجْهَيْنِ.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ فَصارُوا أرْبَعِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذا لا يُحْفَظُ، والسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ ﴾ يُرِيدُ: بِأنْ يُظْهِرُوا لَهُ السَلْمَ ويُبْطِنُوا الغَدْرَ والخِيانَةَ، أيْ فاجْنَحْ وما عَلَيْكَ مِن نِيّاتِهِمُ الفاسِدَةِ.

﴿ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ ﴾ أيْ كافِيكَ ومُعْطِيكَ نُصْرَةً وإظْهارًا، وهَذا وعْدٌ مَحْضٌ.

و ﴿ أيَّدَكَ ﴾ مَعْناهُ: قَوّاكَ، ﴿ وَبِالمُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِالأنْصارِ بِقَرِينَةِ قَوْلُهُ: ﴿ وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ الآيَةُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى العَداوَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الأوسِ والخَزْرَجِ في حُرُوبِ بُعاثٍ، فَألَّفَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهم عَلى الإسْلامِ، ورَدَّهم مُتَحابِّينَ في اللهِ، وعُدِّدَتْ هَذِهِ النِعْمَةُ تَأْنِيسًا لِمُحَمَّدٍ  ، أيْ: كَما لَطَفَ بِكَ رَبُّكَ أوَّلًا فَكَذَلِكَ يَفْعَلُ آخِرًا.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُتَحابِّينَ في اللهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إذا تَراءى المُتَحابّانِ فَتَصافَحا وتَضاحَكا، تَحاتَّتْ خَطاياهُمْ، فَقالَ لَهُ عَبْدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ: إنَّ هَذا لَيَسِيرٌ، فَقالَ لَهُ: لا تَقُلْ ذَلِكَ، فَإنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قالَ عَبَدَةُ: فَعَرَفْتُ أنَّهُ أفْقَهُ مِنِّي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَمَثُّلٌ حَسَنٌ بِالآيَةِ، لا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، بَلْ تَظاهَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ أنَّها في الأوسِ والخَزْرَجِ كَما ذَكَرْنا، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى عُمُومِ المُؤْمِنِينَ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وجَعَلَ التَأْلِيفَ ما كانَ مِن جَمِيعِهِمْ مِنَ التَحابِّ حَتّى تَكُونَ أُلْفَةُ الأوسِ والخَزْرَجِ جُزْءًا مِن ذَلِكَ لَساغَ ذَلِكَ، وكُلُّ تَأْلُّفٍ في اللهِ فَتابِعٌ لِذَلِكَ التَألُّفِ الكائِنِ في صَدْرِ الإسْلامِ، وقَدْ رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "المُؤْمِنُ مَأْلَفَةٌ، لا خَيْرَ فِيمَن لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَفُ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَشابُهُ هو سَبَبُ الأُلْفَةِ، فَمَن كانَ مِن أهْلِ الخَيْرِ ألِفَ أشْباهَهُ وألِفُوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ .

قالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها نَزَلَتْ في الأوسِ والخَزْرَجِ خاصَّةً، قالَ: ويُقالُ: إنَّها نَزَلَتْ حِينَ أسْلَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وكَمُلَ المُسْلِمُونَ أرْبَعِينَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، فَهي -عَلى هَذا- مَكِّيَّةٌ.

و ﴿ حَسْبُكَ ﴾ في كَلامِ العَرَبِ، و"شَرْعُكَ" بِمَعْنى: كافِيكَ ويَكْفِيكَ، والمُحْسِبُ: الكافِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: يَكْفِيكَ اللهُ ويَكْفِيكَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَـ "مَن" -فِي هَذا التَأْوِيلِ- رَفْعٌ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: حَسْبُكَ اللهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَـ "مَنِ" -فِي هَذا التَأْوِيلِ- في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الكافِ، لِأنَّ مَوْضِعَها نَصَبَ عَلى المَعْنى لِـ"يَكْفِيكَ" الَّتِي سَدَّتْ "حَسْبُكَ" مَسَدَّها، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ: وحَسْبُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَيْلِ نارا؟

التَقْدِيرُ: "وَكُلَّ نارٍ"، وهَذا الوَجْهُ مِن حَذْفِ المُضافِ مَكْرُوهٌ، بابُهُ ضَرُورَةُ الشَعْرِ، ويُرْوى البَيْتُ "وَنارًا"، ومِن نَحْوِ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗ فَحَسْبُكَ والضَحّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ يُرْوى " الضَحّاكُ " مَرْفُوعًا، و" الضَحّاكَ " مَنصُوبًا، و" الضَحّاكِ " مَخْفُوضًا، فالرَفْعُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "سَيْفٌ" بِنِيَّةِ التَأْخِيرِ، كَما قالَ الشاعِرُ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ السَلامُ ويَكُونُ " الضَحّاكُ " -عَلى هَذا- مُحْسِبًا لِلْمُخاطَبِ، والنَصْبُ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الكافِ مِن قَوْلِهِ: "حَسْبُكَ"، والمُهَنَّدُ -عَلى هَذا- مُحْسِبٌ لِلْمُخاطَبِ، و" الضَحّاكِ " عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: "فَحَسْبُكَ وحَسْبُ الضَحّاكِ ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي بالإقبال على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأوامر وتعاليم عظيمة، مُهّد لقبولها وتسهيلها بما مضى من التذكير بعجيب صنع الله والامتنان بعنايته برسوله والمؤمنين، وإظهار أن النجاح والخير في طاعته وطاعة الله، من أوّل السورة إلى هنا، فموقع هذه الآية بعد التي قبلها كَامل الاتّساق والانتظام، فإنّه لمّا أخبره بأنّه حَسبه وكافيه، وبيّن ذلك بأنّه أيّده بنصره فيما مضى وبالمؤمنين، فقد صار للمؤمنين حظّ في كفاية الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فلا جرم أنتج ذلك أنّ حسبه الله والمؤمنون، فكانت جملة: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ كالفذلكة للجملة التي قبلها.

وتخصيص النبي بهذه الكفاية لتشريف مقامه بأنّ الله يكفي الأمّة لأجله.

والقول في وقوع «حسب» مسنداً إليه هنا كالقول في قوله آنفاً ﴿ فإنّ حسبك الله ﴾ [الأنفال: 62].

وفي عطف المؤمنين «على اسم الجلالة هنا: تنويه بشأن كفاية الله النبي صلى الله عليه وسلم بهم، إلاّ أنّ الكفاية مختلفة وهذا من عموم المشترك لا من إطلاَق المشترك على معنيين، فهو كقوله: ﴿ إن الله وملائكة يصلون على النبي ﴾ .

وقيل يُجعل ﴿ ومن اتبعك ﴾ مفعولاً معه لقوله: ﴿ حسبك ﴾ بناء على قول البصريين إنّه لا يعطف على الضمير المجرور اسم ظاهر، أو يجعل معطوفاً على رأي الكوفيين المجوّزين لمثل هذا العطف.

وعلى هذا التقدير يكون التنويه بالمؤمنين في جعلهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التشريف، والتفسير الأول أولى وأرشق.

وقد روي عن ابن عبّاس: أنّ قوله: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ نزلت يوم أسلم عمر بن الخطاب.

فتكون مكّيّة، وبقيت مقروءة غير مندرجة في سورة، ثم وقعت في هذا الموضع بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم لكونه أنسب لها.

وعن النقّاش نزلت هذه الآية بالبيداء في بدر، قبل ابتداء القتال، فيكون نزولها متقدّما على أوّل السورة ثم جعلت في هذا الموضع من السورة.

والتناسب بينها وبين الآية التي بعدها ظاهر مع اتّفاقهم على أنّ الآية التي بعدها نزلت مع تمام السورة فهي تمهيد لأمر المؤمنين بالقتال ليحقّقوا كِفايتهم الرسول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَسْبُكَ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: حَسْبُكَ اللَّهُ أنْ تَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ والمُؤْمِنُونَ أنْ تُقاتِلَ بِهِمْ.

قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالبَيْداءِ مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا ﴾ يَعْنِي يُقاتِلُوا ألْفًا قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قِتال عَشَرَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ كُلَّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى عَشَرَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن قَبْلُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر رضي الله عنه قال المشركون: قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ .

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة، ثم إن عمر رضي الله عنه أسلم، فصاروا أربعين فنزل ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم عمر نزلت ﴿ يا أيها النبي حسبك الله...

﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما أسلم عمر رضي الله عنه، أنزل الله في إسلامه ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن الزهري رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ قال: فقال: نزلت في الأنصار.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ قال: حسبك الله وحسبك من اتبعك.

وأخرج أبو محمد إسماعيل بن علي الحطبي في الأول من تحديثه من طريق طارق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أسلمت رابع أربعين، فنزلت ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ .

وأخرج عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: يقول: حسبك الله والمؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، قال أهل المعاني: كرر في ﴿ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ بعد ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ﴾ ؛ لأن المعنى هناك: إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم، والمعنى هاهنا عام في كل كفاية تحتاج إليها (١) (٢)  ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت هذه الآية (٣) قال أهل التفسير فعلى هذا القول هذه الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله  (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يعني الأنصار (٨) (٩) واختلفوا في محل (من) في قوله: ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَكَ ﴾ .

نحو اختلاف المفسرين فقال الفراء: الكاف في (حسبك) خفض و (من) في موضع نصب على معنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك، كما قال الشاعر: إذا كانت الهيجا وانشقت العصا ...

فحسبك والضحاك سيف مهند (١٠) قال: وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا: حسبك وأخاك حتى يقولوا: حسبك وحسب أخيك، ولكنا أجزناه؛ لأن في (حسبك) معنى واقع من الفعل فرددنا (من) (١١) (١٢) (١٣) وهذا الوجه من الإعراب في محل (من) على قول ابن زيد [وإحدى الروايتين عن الشعبي، قال ابن زيد] (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وذكر الكسائي الوجهين أيضًا في محل (من) (٢١) فإذا قلنا أن في محل (من) رفع فهو معنى قول الشعبي: حسبك الله وحسبك من اتبعك (٢٢) (٢٣) (٢٤) (١) لم أجد من ذكر هذا القول من أهل المعاني، وقد ذكره بمعناه الفخر الرازي 15/ 191، والقرطبي 8/ 42.

(٢) رواه المصنف في "أسباب النزول" ص 241 - 242، والطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 60 (12470)، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 362، وهو موضوع؛ إذ مداره على إسحاق بن بشر الكوهلي، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 101 (11032): هو كذاب اهـ.

وقال ابن أبي هاشم في "الجرح والتعديل" 2/ 214 (734): كان يكذب، يحدث عن مالك وأبي معشر بأحاديث موضوعة.

(٣) رواه الثعلبي 6/ 70 أ، والبغوي 3/ 374، وهو مرسل، ثم إن في سندهما إبراهيم == ابن نصر، قال ابن حجر في "تعجيل المنفعة" ص 22: كذبه ابن معين، وقال صالح جزرة: كان يكذب عشرين سنة، وأشكل أمره على أحمد حتى ظهر بعد، وقال النسائي: ليس بثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.

اهـ.

باختصار.

وفي السند المذكور أيضًا جعفر بن أبي المغيرة، قال عنه الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص 141 (960): صدوق يهم، والأثر رواه ابن أبي حاتم 5/ 1728، وفي سنده جعفر المذكور، ويحيى الحماني: شيخ حافظ، لكنه متهم بسرقة الحديث كما في "تقريب التهذيب" ص 593 (7591).

وعلى فرض صحة السند فإن المتن لا يصح لما يأتي: 1 - قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 358 معلقًا على هذه الرواية: وفي هذا نظر لأن هذه الآية مدنية وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة.

وقال أبو سليمان الدمشقي: هذا لا يحفظ، والسورة مدنية بإجماع.

"زاد المسير" 3/ 377.

2 - أن الثابت تاريخيًا أن عدد المهاجرين إلى أرض الحبشة من المؤمنين ثلاثة وثمانون رجلاً سوى النساء والأبناء.

انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 343 - 363 وإسلام عمر كان بعد هذه الهجرة.

3 - أن المعنى الصحيح للآية -كما سيأتي إيضاحه-: يا أيها النبي يكفيك الله ويكفي أتباعك، بينما هذا الأثر يقتضي أن يكون المعنى: يكفيك الله ويكفيك أتباعك من المؤمنين مثل عمر.

انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 25، وهذا المعنى فاسد كما سيأتي بيانه.

(٤) هذا قول القشيري، كما في "تفسير القرطبي" 8/ 42، وانظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 25، وابن عطية 6/ 362، والرازي 15/ 191.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٦) الأرجح في تعريف المكي والمدني أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة أم بسفر من الأسفار.

انظر: "الإتقان" 1/ 36، وعلى هذا فالآية مدنية أيضًا.

(٧) ذكره مختصرًا الماوردي 2/ 331، والقرطبي 8/ 430، عن الكلبي، وذكره ابن عطية 6/ 362 بلا نسبة.

(٨) لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكر الأنصار في الآية السابقة مرتين، انظر "تفسيره" 123 ب.

أما قوله في هذه الآية فنصه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ وحسب من اتبعك من المؤمنين الله عز وجل.

(٩) "تنوير المقباس" ص 185 بنحوه من رواية الكلبي، وكلا الروايتين موضوعتان.

(١٠) البيت لجرير كما قال البغدادي في "ذيل الأمالي" ص 140، وليس في "ديوانه"، وانظره بلا نسبة في: "خزانة الأدب" 7/ 581، و"سمط اللآلئ" 2/ 899، و"لسان العرب" (حسب) 2/ 865.

(١١) ساقط من (س).

(١٢) يعني: إن لفظ (الكاف) في محل جر بالإضافة، وتأويلها في محل نصب مفعول به؛ لأن معنى (حسبك) يكفيك.

(١٣) "معاني القرآن" 1/ 417 مع اختلاف يسير.

(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٥) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 47، وابن أبي حاتم 5/ 1727.

(١٦) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع.

(١٧) "معاني القرآن" 1/ 417.

(١٨) في (ح): (وهو قول).

(١٩) بضم التاء وتشديد الباء.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 423.

(٢١) انظر: "عناية القاضي" للخفاجي 4/ 289، و"محاسن التأويل" 8/ 3032.

(٢٢) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 362 أنه أخرجه البخاري في "تاريخه"، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، ولم أجد هذه الرواية في "تفسير ابن أبي حاتم"، بل ذكر عنه الرواية الأولى.

(٢٣) انظر: "تفسير القرطبي" 8/ 43، و"البحر المحيط" 4/ 516، و"الدر المصون" 5/ 632، وفي هذا القول نظر من عدة أوجه منها: == أولاً: نظائر هذه الآية تدل على أن المعنى الصحيح للآية هو: يا أيها النبي يكفيك الله وحده ويكفي أتباعك المؤمنين، قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ  ﴾ ، ومعلوم أن خير ما يفسر القرآن القرآن نفسه، وقد ذهب إلى هذا المعنى الصحيح جمهور المفسرين، انظر: "زاد المسير" 3/ 377.

ثانيًا: قال الإمام ابن القيم في سياق بيان أوجه التقدير في الآية: وفيه تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن تكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم (الله) ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك، وهذا -وإن قاله بعض الناس- فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن (الحسب) و (الكفاية) لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  ﴾ ، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب تعالى لهم بذلك فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك، وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟

هذا من أمحل الأمحال، وأبطل الباطل.

"زاد المعاد" 1/ 36.

ثالثًا: قال جمال الدين القاسمي بعد أن ذكر رد الخفاجي قول ابن القيم محتجًا بأن الفراء والكسائي رجحا وجه الرفع: أقول: هذا من الخفاجي من الولع بالمناقشة، كما هو دأبه، ولو أمعن النظر فيما برهن عليه ابن القيم وأيده بما لا يبقى معه وقفة لما ضعفه، والفراء والكسائي من علماء العربية، ولأئمة التأويل فقه آخر، فتبصر ولا تكن أسير التقليد.

"محاسن التأويل" 8/ 3032.

(٢٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 614 - 685 بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ عطف على اسم الله، وقال الزمخشري مفعول معه، والواو بمعنى مع أي حسبك وحسب من اتبعك الله ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون ﴾ الآية: إخبار يتضمن وعداً بشرط الصبر ووجود ثبوت الواحد للعشرة ثم نسخ بثبوت الواحد للاثنين ذلك ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ أي: يقاتلون على غير دين ولا بصيرة فلا يثبتون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.

الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.

الآخرون: بتاء الخطاب.

﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.

الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.

الآخرون بالضم.

﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.

وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.

﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.

﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.

وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.

ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.

﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.

وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.

وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.

وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.

وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.

ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.

وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.

قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.

ولما بين  ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.

ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.

ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.

والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.

ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.

ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.

قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.

ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.

والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.

ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.

ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.

ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.

ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.

ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.

جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.

ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.

قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله  وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.

ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.

وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.

والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.

وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.

وقيل: على استواء في العداوة.

قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.

قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.

فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.

وذلك أن قريظة عاهدوا النبي  ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله  بأهل مكة لما نقضوا العهد.

ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟

فأجيب بما أجيب.

والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.

أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.

والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.

ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.

ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.

ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.

ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.

ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي  في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.

وعن عقبة بن عامر أن رسول الله  قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.

وقوله  : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.

ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.

روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.

فقيل له: إنما أوصى في الحصون.

فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.

وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.

والظاهر العموم.

ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.

واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.

وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.

وعن السدي: هم أهل فارس.

وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.

وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.

ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.

وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.

عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.

والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.

وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله  ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله  منصرفه من تبوك.

وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله  حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.

ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.

إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.

وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.

وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.

ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.

ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم  ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.

ثم أكد كون الله  كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.

﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.

ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله  ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله  من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.

والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.

ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.

ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي  مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي  إلى عبادة الله  والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.

﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.

قال القاضي: لولا ألطاف الله  ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.

ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله  وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.

ثم إنه  لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.

فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.

ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.

وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي  ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله  الآية.

ثم بيّن  أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.

في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.

وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.

وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.

قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن  ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن  ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.

قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.

كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.

قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.

فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.

فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.

والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.

الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس  ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.

وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.

وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم  ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.

وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم  ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.

عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى  أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.

وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.

قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟

قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله  وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.

وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.

والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.

سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.

ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.

ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.

وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.

ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه  لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.

والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.

والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً  ﴾ .

التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.

﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، أي: كفاك الله في العون والنصر لك، وكفاك المؤمنين - أيضاً - فيما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ حَسْبُكَ ٱللَّهُ ﴾ : نصر الله، وحسبك نصر المؤمنين، وهو على ما ذكر: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

والأول أشبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ﴾ .

التحريض على القتال يكون بوجهين: أحدهما: أن يعدهم من المنافع في الدنيا، ويطمع لهم ذلك، من نحو ما جاء من التنفيل: أن من فعل كذا فله كذا، أو يعدهم المنافع في الآخرة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 111]، وما ذكر من الثواب في الآخرة بالنفقة التي ينفقونها في سبيل الله؛ كقوله: ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ الآية [الصف: 10]، فما ذكرنا فيه وعد المنافع لهم في الدنيا والآخرة، ووعد النصر لهم.

والثاني: يكون التحريض بضرر يلحق أولئك، ونكبة تصل إليهم؛ كقوله: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 13]، إلى قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ  ﴾ ، جمع الله - عز وجل - في هذه الآية جميع أنواع الخير الذي يكون في القتال مع العدو، من وعد النصر للمؤمنين عليهم، وإدخال السرور في صدورهم، ونفي الحزن عنهم، وتعذيب أولئك بأيديهم.

وفيه إغراء على العدو بقوله: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ  ﴾ ، فذلك كله يحرض على القتال، ويرغبهم في الحرب مع العدو، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية.

اختلف في معنى هذا: قال بعضهم: قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ...

﴾ ، على الأمر، كأنه قال: ليكن منكم عشرون صابرون يغلبوا؛ أمر العشرة القيام للمائة؛ وقالوا: دليل أنه على الأمر قوله: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ الآية، ولو لم يكن على الأمر والعزيمة، لم يكن لذكر التخفيف معنى.

وقال آخرون: هو على الوعد أنهم إذا صبروا وثبتوا لعدوهم غلبوا عدوهم؛ على ما أخبر: ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 249]، ليس على الأمر؛ لأنه قال: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ ، أخبر أنهم إذا صبروا غلبوهم، وهو كذلك - والله أعلم - إذ ظاهره وعد وخبر.

والأشبه: أن يكون على الأمر، ليس على الخبر، على ما ذكرنا من قوله: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ .

ما لهم وعليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ .

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ ، وقد كان يعلم أن فيهم ضعفاً وقت ما أمر العشرة القيام لمائة، والعشرين لمائتين؟!

قيل: أمر بذلك مع علمه أن فيهم ضعفاً، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسهم، وذلك منه عدل؛ إذ له الأنفس إن شاء أتلفها بالموت، وإن شاء بالقتل بقتل العدو، والتخفيف منه رحمة وفضل، أمر الواحد القيام لعشرة على علم منه بالضعف ابتداء؛ امتحاناً منه، وله أن يمتحن عباده بما فيه وسعهم وبما لا وسع لهم فيه، وفي الحكمة ذلك؛ إذ له الأنفس، له أن يتلفها كيف شاء بما شاء، وهو ما ذكر بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [النساء: 66]، ولو لم يكن له في الحكمة ذلك لا يحتمل أن يكتب ذلك عليهم.

والثاني: يعلم فيهم الضعف كائناً شاهداً كما علم أنه يكون، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ...

﴾ الآية [محمد: 31]، أي: يعلمه مجاهداً كما علم أنه يجاهد؛ فعلى ذلك هذا.

ثم ذكر العشرة والعشرين يحتمل على التحديد.

ويحتمل لا على التحديد.

ألا ترى أنه ذكر في الناسخ عدداً غير العدد الذي في المنسوخ؛ ذكر العشرين لمائتين، وفي الناسخ ذكر الألف لألفين بقوله: ﴿ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

فإن كان لا على التحديد فيلزم الواحد القيام لاثنين، وفي الأول الواحد لعشرة؛ وعلى ذلك روي عن عمر -  - قال: إذا لقي الرجل رجلين من الكفار فاستأسر، فلا فداء له علينا، فإذا لقي ثلاثة فأسر، فعلينا فداؤه.

ولم يجعل للواحد الفرار من اثنين؛ حيث لم يوجب عليه الفداء، وقد جعل له الفرار عن ثلاثة؛ حيث جعل عليه الفداء.

وكذلك روي عن ابن عباس -  - أنه قال ذلك.

ويحتمل على التحديد، إذ كمل العدد الذي ذكر لم يسع الفرار، ويلزمهم القيام لهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يلزم.

وكذلك قال الحسن: أمر أن يصبر عشرون لمائتين، إن فروا منهم لم يعذروا، وإن يصبر الألف لألفين، إن فروا منهم لم يعذروا.

قال: ثم أنزل الله: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ فأمر أن يصبر مائة لمائتين، وإن فروا منهم لم يعذروا، وأن يصبر الألف لألفين، إن فروا منهم لم يعذروا؛ فإن كان على التحديد، فهو على ما يقولون أنهم [ما] لم يكونوا منعة فإنه يسعهم ألا يقاتلوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ ﴾ .

قال بعضهم: الصبر: هو حبس النفس على ما أمر الله، وكفها عن جميع شهواتها ولذاتها، فإذا فعل ذلك غلب على العدو وقهره.

وقال بعضهم: الصبر: هو أن يوطن نفسه في القتال مع العدو ويحبسها في ذلك.

والشكر، قيل: هو أن يبذل نفسه وما تحويه يده لله، لا يجعل لغيره، فيكون الشكر والصبر في الحاصل سواء، وإن كانا في العبادة مختلفين؛ لأن الشكر: هو بذل النفس وما حوته يده لله، والصبر: هو الكف والإحباس على جميع ما أمر الله ، وأداء ما فرض الله عليه، فإذا حبسها عن غيره يكون باذلاً؛ ولهذا سمي الصبر إيماناً بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...

﴾ الآية [هود: 11]، ذكر الصبر - هاهنا - مكان ما ذكر في غيرها الإيمان بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ الآية [الشعراء: 227].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

في النصر لهم على عدوهم والغلبة عليهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها النبي إن الله كافيك شر أعدائك، وكافي المؤمنين معك، فثق بالله واعتمد عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.ykrJl"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد