الإسلام > القرآن > سور > سورة 81 التكوير > الآية ٢٢ من سورة التكوير
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة التكوير: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الشعبي وميمون بن مهران وأبو صالح ومن تقدم ذكرهم المراد بقوله "وما صاحبكم بمجنون" يعني محمدا صلى الله عليه وسلم.
وقوله: ( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) يقول تعالى ذكره: وما صاحبكم أيها الناس محمد بمجنون فيتكلم عن جنة، ويهذي هذيان المجانين بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي، قال: ثنا أبي عمرو بن خالد، عن مَعْقل بن عبد الله الجَزَري، قال: قال ميمون بن مهران: ( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) قال: ذاكم محمد صلى الله عليه وسلم .
وما صاحبكم بمجنون يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - بمجنون حتى يتهم في قوله .
وهو من جواب القسم .
وقيل : أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرى جبريل في الصورة التي يكون بها عند ربه جل وعز فقال : ما ذاك إلي ; فأذن له الرب جل ثناؤه ، فأتاه وقد سد الأفق ، فلما نظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - خر مغشيا عليه ، فقال المشركون : إنه مجنون ، فنزلت : إنه لقول رسول كريم وما صاحبكم بمجنون وإنما رأى جبريل على صورته فهابه ، وورد عليه ما لم تحتمل بنيته ، فخر مغشيا عليه .
ولما ذكر فضل الرسول الملكي الذي جاء بالقرآن، ذكر فضل الرسول البشري الذي نزل عليه القرآن، ودعا إليه الناس فقال: { وَمَا صَاحِبُكُمْ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { بِمَجْنُونٍ } كما يقوله أعداؤه المكذبون برسالته، المتقولون عليه من الأقوال، التي يريدون أن يطفئوا بها ما جاء به ما شاءوا وقدروا عليه، بل هو أكمل الناس عقلا، وأجزلهم رأيا، وأصدقهم لهجة.
( وما صاحبكم بمجنون ) يقول لأهل مكة : وما صاحبكم يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - بمجنون .
وهذا أيضا من جواب القسم ، أقسم على أن القرآن نزل به جبريل ، وأن محمدا ليس كما يقوله أهل مكة ، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون ، وما يقول يقوله من عند نفسه .
«وما صاحبكم» محمد صلى الله عليه وسلم عطف على إنه إلى آخر المقسم عليه «بمجنون» كما زعمتم.
وما محمد الذي تعرفونه بمجنون، ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة في الأفق العظيم، وما هو ببخيل في تبليغ الوحي.
وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، مطرود من رحمة الله، ولكنه كلام الله ووحيه.
وقوله : ( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) : الخطاب لأهل مكة ، والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .والمعنى : وما محمد يا أهل مكة بمجنون ، وذكره بوصف الصحبة للإِشعار بأنهم عالمون بأمره ، وأنه ليس مما يرمونه من الجنون وغيره فى شئ ، وأنهم افتروا عليه ذلك ، عن علم منهم ، بأنه عقل الناس وأكملهم ، وهذه الجملة داخلة فى جواب القسم .فأقسم - سبحانه - بأن القرآن نزل به جبريل ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون ، وأنه يأتى القرآن من جهة نفسه .فالمقصود بالآية نفى الجنون عن النبى صلى الله عليه وسلم بأكمل وجه ، وتوبيخ أعدائه الذين اتهموه بتهمة هم أول من يعلم - عن طريق مشاهدتهم لاستقامة تفكيره ، وسمو أخلاقه - أنه أكمل الناس عقلا وأقومهم سلوكا .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ واحتج بهذه الآية من فضل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: إنك إذا وازنت بين قوله: ﴿ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ ظهر التفاوت العظيم: ﴿ وَلَقَدْ رَءاهُ بالأفق المبين ﴾ يعني حيث تطلع الشمس في قول الجميع، وهذا مفسر في سورة النجم ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بِضَنِينٍ ﴾ أي وما محمد على الغيب بظنين والغيب هاهنا القرآن وما فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم يقال: ظننت زيدا في معنى اتهمته، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين، والمعنى ما محمد على القرآن بمتهم أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله، ومن قرأ بالضاد فهو من البخل يقال ضننت به أضن أي بخلت، والمعنى ليس ببخيل فيما أنزل الله، قال الفراء: يأتيه غيب السماء، وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم، وقال أبو علي الفارسي: المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلواناً، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين: أحدهما: أن الكفار لم يبخلوه، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
وثانيها: قوله: ﴿ عَلَى الغيب ﴾ ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال: فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا صَاحِبُكُم ﴾ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ بِمَجْنُونٍ ﴾ كما تبهته الكفرة، وناهيك بهذا دليًلا على جلالة مكان جبريل عليه السلام وفضله على الملائكة، ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس محمد صلى الله عليه وسلم، إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما، وقايست بين قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ القُرْآنَ.
﴿ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ فَإنَّهُ قالَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ كَقَوْلِهِ شَدِيدُ القُوى.
﴿ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ ﴾ عِنْدَ اللَّهِ ذِي مَكانَةٍ.
﴿ مُطاعٍ ﴾ في مَلائِكَتِهِ.
﴿ ثَمَّ أمِينٍ ﴾ عَلى الوَحْيِ، وثَمَّ يَحْتَمِلُ اتِّصالَهُ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، وقُرِئَ «ثُمَّ» تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وتَفْضِيلًا لَها عَلى سائِرِ الصِّفاتِ.
﴿ وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ ﴾ كَما تَبْهَتُهُ الكَفَرَةُ واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى فَضْلِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ عَدَّ فَضائِلَ جِبْرِيلَ واقْتَصَرَ عَلى نَفْيِ الجُنُونِ عَنِ النَّبِيِّ ، وهو ضَعِيفٌ إذِ المَقْصُودُ مِنهُ نَفْيُ قَوْلِهِمْ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ لا تَعْدادُ فَضْلِهِما والمُوازَنَةُ بَيْنَهُما.
<div class="verse-tafsir"
{وما صاحبكم} يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم {بِمَجْنُونٍ} كما تزعم الكفرة وهو عطف على جواب القسم
﴿ وما صاحِبُكُمْ ﴾ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ بِمَجْنُونٍ ﴾ كَما تَبْهَتُهُ الكَفَرَةُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الصُّحْبَةِ مُضافَةً إلى ضَمِيرِهِمْ عَلى ما هو الحَقُّ تَكْذِيبٌ لَهم بِألْطَفِ وجْهٍ؛ إذْ هو إيماءٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِكم مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ إلى الآنِ فَأنْتُمْ أعْرَفُ بِهِ وبِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّ الخَلْقِ عَقْلًا وأرْجَحُهم قِيلًا، وأكْمَلُهم وصْفًا وأصْفاهم ذِهْنًا، فَلا يَسْنِدُ إلَيْهِ الجُنُونَ إلّا مَن هو مُرَكَّبٌ مِنَ الحُمْقِ والجُنُونِ، واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُبالَغَةِ في ذِكْرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَرْكِها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأجابُوا بِما بُحِثَ فِيهِ والوَجْهُ في الجَوابِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحَقِّيَّةِ المَنزِلِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ ما ذُكِرَ فِيهِ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مِن شَأْنِ البَلِيغِ أنْ يُجَرِّدَ الكَلامَ لِما ساقَ لَهُ لِئَلّا يَعُدَّ الزِّيادَةَ لُكْنَةً وفُضُولًا ولا خَفاءَ أنَّ وصْفَ الآتِي بِالقَوْلِ يَشُدُّ مِن عَضُدِ ذَلِكَ أبْلَغَ شَدٍّ، وأمّا وصْفُ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَلا مَدْخَلَ لَهُ في البَيْنِ إلّا إذا كانَ الغَرَضُ الحَثَّ عَلى اتِّباعِهِ؛ فَلِهَذا لَمْ تَدُلَّ المُبالَغَةُ في شَأْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدِّ صِفاتِهِ الكَوامِلِ وتُرِكَ ذَلِكَ في شَأْنِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلَواتِ والتَّسْلِيماتِ عَلى تَفْضِيلِهِ بِوَجْهٍ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُبالَغَةَ في وصْفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَدْحٌ بَلِيغٌ في حَقِّ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا أرْسَلَ لِأحَدِ مَن هو مُعَزَّزٌ مُعَظَّمٌ مُقَرَّبٌ لَدَيْهِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِ بِمَكانِهِ عِنْدَهُ لَيْسَ فَوْقَها مَكانَةٌ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَقامَ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ في مَدْحِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ هو نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالمُرادِ بِالصّاحِبِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ يعني: الذي خنس بالنهار وظهر بالليل، ويقال الخنس النجوم التي تخنس بالنهار وتظهر بالليل الْجَوارِ الْكُنَّسِ الجوار التي تجري والكنس التي ترتفع وتغيب، وقال أهل التفسير الخنس يعني: خمسة من الكواكب فهران، وزحل، ومشتري، وعطارد، وزهرة التي تخنس بالنهار وتظهر بالليل، الجواري لأنهن تجري بالليل في السماء الْكُنَّسِ يعني: تستتر كما تكنس الظباء وقال أهل اللغة الخنس واحدها خانس كراكع وركَّع وقال بعضهم: الخنس أرادها هنا الوحوش والظباء وظباء الوحوش والجواري الكنس التي تدخل الكنائس وهذا غصن من أغصان الشجر ويكون معناه: أقسم برب هذه الأشياء وروى عكرمة عن ابن عباس: الخنس المعز، والكنس: الظباء ألم ترى إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت ببصرها؟
وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود- - قال: الْجَوارِ الْكُنَّسِ هي بقر الوحش وقال علي بن أبي طالب: هي النجوم، وقال القتبي هي النجوم الخمسة الكبار لأنها تخنس أي ترجع في مجراها وتكنس أي تستتر كما تكنس الظباء ثم قال عز وجل: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ يعني: إذا أدبر وقال الزجاج: عَسْعَسَ إذا أقبل.
وعسعس: إذا أدبر والمعنيان يرجع إلى شيء واحد وهذا ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره وقال مجاهد إِذا عَسْعَسَ أي إذا أظلم ثم قال عز وجل: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ يعني: إذا استضاء وارتفع، ويقال إذا امتد حتى يصير النهار بيناً، فأقسم بهذه الأشياء، ويقال يخالف هذه الأشياء إِنَّهُ يعني: القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ على ربه يقرأ على النبي وهو جبريل- - ثم أثنى على جبريل وبيَّن فضله فقال: ذِي قُوَّةٍ يعني: ذا شدة ويقال: أعطاه الله تعالى القوة ومن قوته أنه قلع مدائن قوم لوط بجناحه ثم قال عز وجل: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ يعني: عند رب العرش له منزلة مُطاعٍ يعني: يطيعه أهل السماوات ثَمَّ أَمِينٍ فيما استودعه الله من الرسالات ويقال: مُطاعٍ يعني: طاعته على أهل السموات واجبه كطاعة محمد أمين على أهل الأرض أَمِينٍ على الرسالة والوحي، ويقال: أَمِينٍ في السماء كما أن محمد أمين في الأرض ثم قال عز وجل: وَما صاحِبُكُمْ الذي يدعوكم إلى التوحيد لله تعالى بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ يعني: رأى محمد جبريل- - بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ عند مطلع الشمس ثم قال: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي: ليس فيما يوحَى إليه من القرآن ببخيل وقرأ ابن مسعود- - بظنين بظاء وهكذا قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بظنين يعني: بمتَّهم أنه يزيد فيه أو ينقص والباقون بالضاد يعني: البخيل ثم قال: وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ يعني: القرآن ليس بمنزلة قول الكهان.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ قيل: هي صُحُفُ الأَعْمَالِ، وقيل: هي الصُّحُفُ التي تَتَطَايَرُ بالأَيْمَانِ والشَّمائلِ، والكَشْطُ: التقشيرُ وذلك كما يُكْشَطُ جلدُ الشاةِ حينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَّماءِ هُو طَيُّها/ كَطَيِّ السّجلّ، وسُعِّرَتْ معناه: أُضْرِمَتْ «١» نارُها، وأزلفت الجنة معناه: قُرِّبَتْ ليدخلَها المؤمنونَ، قال الثعلبي: قُرِّبَتْ لأهلها حتى يرونها، نظيرُه، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق: ٣١] .
عَلِمَتْ نَفْسٌ عندَ ذلك مَّا أَحْضَرَتْ من خيرٍ أو شرٍ وهو جوابٌ لقولهِ إِذَا الشَّمْسُ وما بعدها، انتهى.
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ لا إمَّا زائدةٌ وإما أنْ تكونَ رَدّاً لِقَوْلِ قريشٍ في تكذيبهم نبوة نبينا محمّد ع، ثُمَّ أَقْسَمَ تعالى بالخُنَّسِ الجوارِ الكنَّسِ، وهي في قولِ الجمهور: الدَّرَارِي السَّبْعَةُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطَارِدُ والمرِّيخُ والزُّهْرَةُ والمُشترِي، وقال عليّ: المرادُ الخمسةُ دونَ الشمسِ والقمر وذلك أنّ هذه الكواكبَ تَخْنِسُ في جَرْيها أي: تَتَقَهْقَرُ فيما ترى العين، وهي جَوارٍ في السماءِ، وهي تَكْنِسُ في أَبراجها أي: تَسْتَتر «٢» ، الثعلبي: وقال ابن زيدِ تَخْنِسُ أي: تَتَأَخَّرُ عَنْ مَطَالِعِها كلَّ سَنَة، وتَكْنِسُ بالنَّهار، أي: تستترُ فلاَ تُرَى، انتهى «٣» ، وعَسْعَسَ الليلُ في اللغةِ إذا كَان غَيْرَ مُسْتَحْكَمِ الإظْلاَمِ، قال الخليل: عَسْعَسَ الليلُ: إذا أَقْبَلَ وأَدْبَرَ، وقال الحَسَنُ: وقَعَ القَسَمُ بإقبالهِ «٤» ، وقال ابن عباسٍ وغيره: بلْ وَقَعَ بإدبارهِ «٥» ، وقال المبرد: أقسم بإقباله وإدباره «٦»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ لا زائِدَةٌ، والمَعْنى: أُقْسِمُ ﴿ بِالخُنَّسِ ﴾ وفِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها خَمْسَةُ أنْجُمٍ تَخْنَسُ بِالنَّهارِ فَلا تَرى، وهِيَ: زُحَلُ، وعُطارِدُ، والمُشْتَرِي، والمَرِّيخُ، والزُّهْرَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقِيلَ: اسْمُ المُشْتَرِي: البُرْجُسُ.
واسْمُ المَرِّيخِ: بُهْرامُ.
والثّانِي: أنَّها النُّجُومُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ عَلى الإطْلاقِ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والرّابِعُ: الظِّباءُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: المَلائِكَةُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها النُّجُومُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما سَمّاها خُنَّسًا، لِأنَّها تَسِيرُ في البُرُوجِ والمَنازِلِ، كَسَيْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ثُمَّ تَخْنَسُ، أيْ: تَرْجِعُ، بَيْنا يُرى أحَدُها في آخِرِ البُرُوجِ كَرَّ راجِعًا إلى أوَّلِهِ، وسَمّاها كُنَّسًا، لِأنَّها تَكْنُسُ، أيْ: تَسِيرُ كَما تَكْنُسُ الظِّباءُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَخْنَسُ، أيْ: تَغِيبُ، وكَذَلِكَ تَكْنُسُ، أيْ: تَغِيبُ في المَواضِعِ الَّتِي تَغِيبُ فِيها.
وإذا كانَ المُرادُ الظِّباءَ فَهو يَدْخُلُ الكُناسَ، وهو الغُصْنُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ.
ووَقَفَ يَعْقُوبُ عَلى " الجَوارِي " بِالياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ولّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: إذا أقْبَلَ.
قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ: إذا أقْبَلَ.
وعَسْعَسَ: إذا أدْبَرَ.
واسْتَدَلَّ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ: إدْبارُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ ﴾ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِعَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنَفَّسَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ طُلُوعُ الفَجْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ.
والثّانِي: طُلُوعُ الشَّمْسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: إذا امْتَدَّ حَتّى يَصِيرَ نَهارًا بَيِّنًا.
وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ ﴾ وما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ يَعْنِي: أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الحاقَّةِ: ٤٠] .
ثُمَّ وصَفَ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذُو مِرَّةٍ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [النَّجْمِ آيَةُ: ٦] ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ ﴾ يَعْنِي: في المَنزِلَةِ ﴿ مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ ﴾ أيْ: في السَّمَواتِ تُطِيعُهُ المَلائِكَةُ.
فَمِن طاعَةِ المَلائِكَةِ لَهُ: أنَّهُ أمَرَ خازِنَ الجَنَّةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ حَتّى فَتَحَها لِمُحَمَّدٍ فَدَخَلَها ورَأى ما فِيها، وأمَرَ خازِنَ جَهَنَّمَ فَفَتَحَ لَهُ عَنْها حَتّى نَظَرَ إلَيْها.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ: " ثُمَّ " بِضَمِّ الثّاءِ.
ومَعْنى: ﴿ أمِينٍ ﴾ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ.
قالَ أبُو صالِحٍ: أمِينٌ عَلى أنْ يَدْخُلَ سَبْعِينَ سُرادَقًا مِن نُورٍ بِغَيْرِ إذْنٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أيْضًا مِن جَوابِ القَسَمِ، وذَلِكَ أنَّهُ أقْسَمَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ، وأنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِمَجْنُونٍ كَما يَقُولُ أهْلُ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ بِالأُفُقِ.
وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في سُورَةِ [النَّجْمِ:٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هُوَ ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﴿ عَلى الغَيْبِ ﴾ أيْ: عَلى خَبَرِ السَّماءِ الغائِبِ عَنْ أهْلِ الأرْضِ ﴿ بِضَنِينٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ " بِظَنِينَ " بِالظّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضّادِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِالظّاءِ، فالمَعْنى: ما هو بِمُتَّهَمٍ عَلى ما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ، فالمَعْنى: لَيْسَ بِبَخِيلٍ عَلَيْكم بِعِلْمِ ما غابَ عَنْكم مِمّا يَنْفَعُكم.
وقالَ غَيْرُهُ: ما يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ لِيَأْخُذَ الأجْرَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هُوَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا: إنَّما يَجِيءُ بِهِ الشَّيْطانُ، فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَأيَّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبْيَنَ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ؟
﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ أيْ: مَوْعِظَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ عَلى الحَقِّ والإيمانِ.
والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ إنَّما يَتَّعِظُ بِهِ مَنِ اسْتَقامَ عَلى الحَقِّ.
وقَدْ بَيَّنّا سَبِيلَ الِاسْتِقامَةِ، فَمَن شاءَ أخَذَ في تِلْكَ السَّبِيلِ.
ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ المَشِيئَةَ في التَّوْفِيقِ إلَيْهِ بِما بَعْدَ هَذا، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [الإنْسانِ: ٣٠] قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ قالُوا: الأمْرُ إلَيْنا، إنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا، وإنْ شِئْنا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ وقِيلَ: القائِلُ لِذَلِكَ أبُو جَهْلٍ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " وما يَشاؤُونَ " بِالياءِ.
* فَصْلٌ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى في [عَبَسَ: ١٢]: ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ، وقَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ [الإنْسانِ: ٢٩] وفي سُورَةِ [المُزَّمِّلِ: ١٨]: " فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا " كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ولا أرى هَذا القَوْلَ صَحِيحًا، لِأنَّهُ لَوْ جازَ وُقُوعُ مَشِيئَتِهِمْ مَعَ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَوَجَّهَ النَّسْخُ.
فَأمّا إذْ أخْبَرَ أنَّ مَشِيئَتَهم لا تَقَعُ إلّا بَعْدَ مَشِيئَتِهِ، فَلَيْسَ لِلنَّسْخِ وجْهٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ ﴾ ﴿ الجَوارِ الكُنَّسِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ ﴾ ﴿ والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ ﴾ ﴿ مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ ﴾ ﴿ وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ ﴾ ﴿ وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ ﴿ وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ.
و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِنْدَ ذِي العَرْشِ ﴾ ، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ.
وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَما صاحِبُكُمْ ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ.
ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ.
وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ.
ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ.
ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ
عطف على جملة: ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ [التكوير: 19] فهو داخل في خبر القَسَم جواباً ثانياً عن القَسَم، والمعنى: وما هو (أي القرآن) بقول مجنون كما تزعمون، فبعد أن أثنى الله على القرآن بأنه قول رسول مُرسَللٍ من الله وكان قد تضمن ذلك ثناءً على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه صادق فيما بلغه عَن الله تعالى، أعقبه بإبطال بهتان المشركين فيما اختلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم: ﴿ معلّم مجنون ﴾ [الدخان: 14] وقولهم: ﴿ افترى على اللَّه كذباً أم به جنة ﴾ [سبأ: 8]، فأبطل قولهم إبطالاً مؤكداً ومؤيداً، فتأكيده بالقَسم وبزيادة الباء بعد النفي، وتأييده بما أومأ إليه وصفه بأن الذي بلّغه صاحِبُهم، فإن وصف صاحب كناية عن كونهم يعلمون خُلقه وعقلَه ويعلمون أنه ليس بمجنون، إذ شأن الصاحب أن لا تَخفى دقائقُ أحواله على أصحابه.
والمعنى: نفي أن يكون القرآن من وساوس المجانين، فسلامة مُبَلِّغِه من الجنون تقتضي سلامة قوله عن أن يكون وَسْوَسَة.
ويجري على ما تقدم من القول بأن المراد ب ﴿ رسول كريم ﴾ [التكوير: 19] النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون قوله: ﴿ صاحبكم ﴾ هنا إظهاراً في مقام الإِضمار للتعريض بأنه معروف عندهم بصحة العقل وأصالة الرأي.
والصاحب حقيقته: ذو الصحبة، وهي الملازمة في أحوال التجمع والانفراد للمؤانسة والموافقة، ومنه قيل للزوج: صاحبةٌ وللمسافر مع غيره صاحبٌ، قال امرؤ القيس: بَكَى صاحبي لَمَّا رأي الدَّرْبَ دونَه *** وقال تعالى حكاية عن يوسف: ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ [يوسف: 39]، وقال الحريري في «المقامة الحادية والعشرين»: «ولا لَكم مني إلا صُحْبَة السفينة».
وقد يتوسعون في إطلاقه على المخالِط في أحوال كثيرة ولو في الشر، كقول الحجاج يخاطب الخوارج: «ألسْتُم أصحابي بالأهواز حينَ رمتم الغدر، واستبطنتم الكفر».
وقول الفضل اللّهبِي: كلّ له نيَّة في بُغْضضِ صاحبه *** بنعمةِ اللَّه نَقْلِيكم وتَقْلُونا والمعنى: أن الذي تخاصمونه وتكذبونه وتصفونه بالجنون ليس بمجنون وأنكم مخالطوه وملازموه وتعلمون حقيقته فما قولكم عليه: «إنه مجنون» إلا لقصد البهتان وإساءة السمعة.
فهذا موقع هذه الجملة مع ما قبلها وما بعدها، والقصد من ذلك إثبات صدق محمد صلى الله عليه وسلم ولا يخطر بالبال أنها مسوقة في معرض الموازنة والمفاضلة بين جبريل ومحمد عليهما السلام والشهادة لهما بمزاياهما حتى يشم من وفرة الصفات المجراة على جبريل أنه أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أن المبالغة في أوصاف جبريل مع الاقتصاد في أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم تؤذن بتفضيل أولهما على الثاني.
ومن أسمج الكلام وأضعف الاستدلال قول صاحب «الكشاف»: «وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكانة جبريل عليه السلام ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس محمد صلى الله عليه وسلم إذا وازنت بين الذِّكْرين وقايست بين قوله: ﴿ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين ﴾ [التكوير: 19، 20]، وبين قوله: ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ اه.
وكيف انصرف نظرُه عن سياق الآية في الرد على أقوال المشركين في النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقولوا في جبريل شيئاً لأن الزمخشري رام أن ينتزع من الآية دليلاً لمذهب أصحاب الاعتزال من تفضيل الملائكة على الأنبياء، وهي مسألة لها مجال آخر، على أنك قد علمتَ أن الصفات التي أجريت على ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ إلى قوله: ﴿ أمين ﴾ [التكوير: 19 21]، غيرُ متعين انصرافُها إلى جبريل فإنها محتملة الانصراف إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقد يطغى عليه حب الاستدلال لعقائد أهل الاعتزال طغياناً يرمي بفهمه في مهاوي الضَّآلة، وهل يسمح بال ذي مسكة من علم بمجاري كلام العقلاء أن يتصدى متصد لبيان فضل أحد بأن ينفي عنه أنه مجنون، وهذا كله مبني على تفسير: ﴿ رسول كريم ﴾ بجبريل فأما إن أريد به محمد صلى الله عليه وسلم أوْ هو وجبريل عليهما السلام فهذا مقتلَع من جذره.
ولا يخفى أن العدول عن اسم النبي العَلَم إلى ﴿ صاحبكم ﴾ لما يؤذن به ﴿ صاحبكم ﴾ من كونهم على علم بأحواله، وأما العدول عن ضميره إن كان المراد ب ﴿ رسول ﴾ خصوص النبي صلى الله عليه وسلم فمن الإظهار في مقام الإِضمار للوجه المذكور وإذا أريد ب ﴿ رسول ﴾ كلاهما فذكر ﴿ صاحبكم ﴾ لتخصيص الكلام به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: النُّجُومُ الَّتِي تَخْنِسُ بِالنَّهارِ وإذا غَرَبَتْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: خَمْسَةُ الأنْجُمِ وهي: زُحَلُ وعُطارِدُ والمُشْتَرِي والمِرِّيخُ والزَّهْرَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ.
وَفي تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها لا تَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزْنِيُّ.
الثّانِي: لِأنَّها تَقْطَعُ المَجَرَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الخَنَسَ بَقْرُ الوَحْشِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الرّابِعُ: أنَّها الظِّباءُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: أنَّها المَلائِكَةُ لِأنَّها تَخْنِسُ فَلا تُرى، وهَذا قَسَمٌ مُبْتَدَأٌ، و(لا) الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ ﴾ فِيها الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ الَّتِي في ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ﴿ الجَوارِ الكُنَّسِ ﴾ فِيها التَّأْوِيلاتُ الخَمْسَةُ: أحَدُها: النُّجُومُ، قالَهُ الحَسَنُ، سُمِّيَتْ بِالجَوارِي الكُنَّسِ لِأنَّها تَجْرِي في مَسِيرِها.
الثّانِي: أنَّها النُّجُومُ الخَمْسَةُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ.
والكُنَّسُ، الغُيَّبُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الكِناسِ وهو كِناسُ الوَحْشِ الَّتِي تَخْتَفِي فِيهِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مُزْنَهُ وعُفْرُ الظِّباءِ في الكِناسِ تَقْمَعُ الثّالِثُ: أنَّها بَقْرُ الوَحْشِ لِاخْتِفائِها في كِناسِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الرّابِعُ: الظِّباءُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الخامِسُ: هي المَلائِكَةُ.
﴿ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ حَتّى إذْ ما لَيْلُهُنَّ عَسْعَسا ∗∗∗ رَكِبْنَ مِن حَدِّ الظَّلامِ حِنْدِسًا الثّانِي: إذا ولّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ، قالَ الشّاعِرُ حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا الثّالِثُ: إذا أقْبَلَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ، وأصْلُهُ العَسُّ وهو الِامْتِلاءُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْقَدَحِ الكَبِيرِ عَسَّ لِامْتِلائِهِ بِما فِيهِ، فانْطَلَقَ عَلى إقْبالِ اللَّيْلِ لِابْتِداءِ امْتِلائِهِ، وانْطَلَقَ عَلى ظَلامِهِ لِاسْتِكْمالِ امْتِلائِهِ، ﴿ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: طُلُوعُ الفَجْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ.
الثّانِي: طُلُوعُ الشَّمْسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفي ﴿ تَنَفَّسَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بانَ إقْبالُهُ.
الثّانِي: زادَ ضَوْؤُهُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ تَنَفَّسَ بِمَعْنى طالَ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ تَنَفَّسَ النَّهارُ إذا طالَ.
﴿ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ وهو جَوابُ القَسَمِ، يَعْنِي القُرْآنَ.
وَفي الرَّسُولِ الكَرِيمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: النَّبِيُّ ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ جِبْرِيلَ فَمَعْناهُ قَوْلُ رَسُولٍ لِلَّهِ كَرِيمٍ عَنْ رَبِّ العالَمِينَ لِأنَّ أصْلَ القَوْلِ الَّذِي هو القُرْآنُ لَيْسَ مِنَ الرَّسُولِ، إنَّما الرَّسُولُ فِيهِ مُبَلِّغٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ومُبَلَّغٌ إلَيْهِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي.
﴿ مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ ﴾ هو جِبْرِيلُ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ، يَعْنِي مُطاعًا فِيمَن نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأنْبِياءِ، أمِينًا فِيما نَزَلَ بِهِ مِنَ الكُتُبِ.
﴿ وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ .
﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ ﴾ وفي الَّذِي رَآهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: رَأى جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ المُبِينِ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَآهُ بِبَصَرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ.
الثّانِي: بِقَلْبِهِ، ولَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ، قالَهُ أبُو ذَرٍّ.
وَفي (اَلْأُفُقِ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَطْلَعُ الشَّمْسِ.
الثّانِي: أقْطارُ السَّماءِ ونَواحِيها، قالَ الشّاعِرُ أخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ فَعَلى هَذا فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَآهُ في أُفُقِ السَّماءِ الشَّرْقِيِّ، قالَهُ سُفْيانُ.
والثّانِي: في أُفُقِ السَّماءِ الغَرْبِيِّ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ رَآهُ نَحْوَ أجْيادٍ، وهو مُشْرِقُ مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ﴿ وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ قَرَأ بِالظّاءِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أنْ يَأْتِيَ بِما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِضَعِيفٍ عَنْ تَأْدِيَتِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَقَرَأ الباقُونَ بِالضّادِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما هو بِبَخِيلٍ أنْ يُعَلِّمَ كَما تَعَلَّمَ.
الثّانِي: وما هو بِمُتَّهَمٍ أنْ يُؤَدِّيَ ما لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ.
﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَإلى أيْنَ تَعْدِلُونَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: فَأيُّ طَرِيقٍ أهْدى لَكم وأرْشَدُ مِن كِتابِ اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَأيْنَ تَذْهَبُونَ عَنْ عَذابِهِ وعِقابِهِ.
﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وما تَشاءُونَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الحَقِّ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَكم.
الثّانِي: وما تَشاءُونَ الهِدايَةَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِهِ: وقِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: ذَلِكَ إلَيْنا إنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا، وإنْ شِئْنا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾
وأخرج أحمد والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ و ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ و ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ومسلم وابن ماجة والبيهقي في سننه عن عمرو بن حوشب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: أظلمت ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال تغيرت ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ يقول: سألت.
وأخرج ابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: أغورت.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: أغورت ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: تناثرت ﴿ وإذا الجبال سيرت ﴾ قال: ذهبت ﴿ وإذا العشار ﴾ عشار الإِبل ﴿ عطلت ﴾ لا راعي لها ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: أوقدت ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ قال: الأمثال للناس جمع بينهم ﴿ وإذا السماء كشطت ﴾ قال: اجتبذت.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: هي بالفارسية كور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ كورت ﴾ قال: غورت.
قال يعقوب: وهي بالفارسية كور يهود.
وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: « ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: كورت في جهنم ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى ابن مريم وأمه ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحاً دبوراً فتنفخه حتى يرجع ناراً.
وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة، زاد البزار في مسنده في النار» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه قال: ست آيات من هذه السورة في الدنيا والناس ينظرون إليه، وست في الآخرة ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ إلى ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ هذه الدنيا والناس ينظرون إليه ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ ، ﴿ وإذا الجنة أزلفت ﴾ هذه الآخرة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واختلطت ففزعت الجن إلى الإِنس والإِنس إلى الجن، واختلط الدواب والطير والوحش فماجوا بعضهم في بعض ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: اختلطت ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ أهملها أهلها ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: الجن والإِنس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك إذا انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: نكست.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: اضمحلت.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: ذهب ضوءها ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: تساقطت ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: حشرها موتها ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: ذهب ماؤها، غار ماؤها قال: سجرت وفجرت سواء ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ زوجت الأرواح الأجساد.
وأخرج عبد بن حميد وابن حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: ذهب ضوءها فلا ضوء لها ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: تساقطت وتهافتت ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ قال: سيبها أهلوها أتاهم ما شغلهم عنها فلم تصر ولم تحلب ولم يكن في الدنيا مال أعجب إليهم منها ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: إن هذه الخلائق موافيه يوم القيامة فيقضي الله فيها ما يشاء ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: ذهب ماؤها ولم يبق منها قطرة ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: الحق كل إنسان بشيعته اليهود باليهود والنصراني بالنصراني ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ قال: هي في بعض القراءة ﴿ سألت بأي ذنب قتلت ﴾ قال: لا بذنب وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم ﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ قال: صحيفتك يا ابن آدم يملي ما فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة فينظر الرجل ما يمل في صحيفته ﴿ وإذا الجحيم سعرت ﴾ قال: أوقدت ﴿ وإذا الجنة أزلفت ﴾ قال: قربت ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ من عمل قال: قال عمر رضي الله عنه إلى هاهنا آخر الحديث.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ قال: هي الإِبل ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: حشرها موتها ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: ترجع الأرواح إلى أجسادها ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ قال: أطفال المشركين.
قال ابن عباس: الموءودة هي المدفونة، كانت المرأة في الجاهلية إذا هي حملت فكان أوان ولادها حفرت حفرة فتمخضت على رأس تلك الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في تلك الحفرة، وإن ولدت غلاماً حبسته.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فمن زعم أنهم في النار فقد كذب بل هم في الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن خيثم في قوله: ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: رمي بها ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: تناثرت ﴿ وإذا الجبال سيرت ﴾ قال: سارت ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ لم تحلب ولم تصر وتخلى منها أهلها ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: أتى عليها أمر الله ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: فاضت ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: كل رجل مع صاحب عمله ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ قال: كانت العرب من أفعل الناس لذلك ﴿ وإذا الجحيم سعرت ﴾ أوقدت ﴿ وإذا الجنة أزلفت ﴾ قربت إلى هاهنا انتهى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإِنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: يحشر كل شيء حتى إن الذباب ليحشر.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: اختلط ماؤها بماء الأرض.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول: لقد نازعتهم حسباً قديماً ** وقد سجرت بحارهم بحاري وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: فتحت وسيرت.
وأخرج البيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: تسجر حتى تصير ناراً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن والضحاك رضي الله عنه ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: غار ماؤها فذهب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: تسجر كما يسجر التنور.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث وأبو نعيم في الحلية عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس.
وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: هو الرجل يزوّج نظيره من أهل النار يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ [ الصافات: 22] .
وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ إذا النفوس زوّجت ﴾ قال: هما الرجلان يعملان العمل يدخلان الجنة والنار» .
وأخرج ابن منيع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ قال: تزويجها أن يؤلف كل قوم إلى شبههم، وقال: ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصبحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عاماً، فينبت منه كل خلق بلي من الإِنسان أو طير أو دابة ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه الأرض قد نبتوا ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد، فذلك قول الله: ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ قال: زوّج الروح للجسد.
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: زوّج الروح من الجسد وأعيدت الأرواح في الأجساد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي قال: زوّج المؤمنون الحور العين والكفار الشياطين.
وأخرج الفراء عن عكرمة في قوله: ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ قال: يقرن الرجل في الجنة بقرينه الصالح في الدنيا، ويقرن الرجل الذي كان يعمل السوء في الدنيا بقرينه الذي كان يعينه في النار.
وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن سلمة بن زيد الجعفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الوئيد والموءودة في النار، إلا أن تدرك الإِسلام فيعفو الله عنها» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الضحى مسلم بن صبيح أنه قرأ: ﴿ وإذا الموءودة سألت ﴾ قال: طلبت قاتلها بدمائها.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والطبراني وابن مردويه عن خدامة بنت وهب قالت: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: ذاك الوأد الخفي وهو ﴿ الموءودة ﴾ » .
وأخرج الطبراني عن صعصعة بن ناجية المجاشعي وهو جد الفرزدق قال: «قلت يا رسول الله إني عملت أعمالاً في الجاهلية فهل لي فيها من أجر؟
قال: وما عملت؟
قال: أحييت ثلثمائة وستين موءودة أشتري كل واحد منهن بناقتين عشراوين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لك أجره إذ منّ الله عليك بالإِسلام» .
وأخرج البزار والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ قال: «جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعتق عن كل واحدة رقبة، قال إني صاحب إبل.
قال: فأهد عن كل واحدة بدنة» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ قال: إذا مات الإِنسان طويت صحيفته ثم تنشر يوم القيامة فيحاسب بما فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال عمر: لما بلغ ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ قال: لهذا أجري الحديث.
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن علي في قوله: ﴿ فلا أقسم بالخنس ﴾ قال: هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأصبغ بن نباتة عن عليّ في قوله: ﴿ فلا أقسم بالخنس ﴾ قال: خمسة أنجم زحل وعطارد والمشتري وبهرام والزهرة ليس في الكواكب شيء يقطع المجرة غيرها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الخنس نجوم تجري يقطعن المجرة كما يقطع الفرس.
وأخرج ابن مردويه والخطيب في كتاب النجوم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: هي النجوم السبعة زحل وبهرام وعطارد والمشتري والزهرة والشمس والقمر، خنوسها رجوعها، وكنوسها تغيبها بالنهار.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود في قوله: ﴿ بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: هي بقر الوحش.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: البقر تكنس إلى الظل.
وأخرج ابن المنذر من طريق خصيف عن ابن عباس ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: هي الوحش تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالخنس ﴾ قال: الظباء.
وأخرج عبد بن حميد وابن راهويه والبيهقي في البعث عن عليّ ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: هي الكواكب.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: هي النجوم تبدو بالليل وتخفى بالنهار تكنس.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: النجوم تخنس بالنهار.
وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال: سأل إبراهيم مجاهداً عن قول الله: ﴿ فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: لا أدري.
قال إبراهيم: ولم لا تدري؟
قال: إنكم تقولون عن عليّ إنها النجوم، فقال: كذبوا.
فقال مجاهد: هي بقر الوحش، والخنس الجواري حجرتها.
فقال إبراهيم: هو كما قلت.
وأخرج عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال: ﴿ بالخنس الجواري الكنس ﴾ هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي ميسرة قال: ﴿ الجواري الكنس ﴾ بقر الوحش.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: هي الظباء إذا كنست كوانسها.
وأخرج عبد بن حميد عن جابر بن زيد ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: هي الظباء ألم ترها إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت نظرها؟.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: البقر.
وأخرج الحاكم أبو أحمد في الكنى عن العدبس قال: كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما الجواري الكنس؟
فطعن عمر مخصرة معه في عمامة الرجل، فألقاها عن رأسه، فقال عمر: أحروري والذي نفس عمر بن الخطاب بيده؟
لو وجدتك محلوقاً لأنحيت القمل عن رأسك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إذا أدبر ﴿ والصبح إذا تنفس ﴾ قال: إذا بدا النهار حين طلع الفجر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إذا أدبر ﴿ والصبح إذا تنفس ﴾ قال: إذا أضاء وأقبل.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إذا أظلم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إقباله، ويقال: إدباره.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إقبال سواده قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول النابغة: كأنما خدما قالوا وما وعدوا ** ال تضمنه من عسعس وأخرج الطحاوي والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي أنه خرج حين طلع الفجر فقال: نعم ساعة الوتر هذه، ثم تلا ﴿ والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ قال: جبريل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ قال: هو جبريل وفي قوله: ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: كنا نحدث أنه الأفق الذي يجيء منه النهار وفي لفظ إنه الأفق من حيث تطلع الشمس.
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما أحسن ما أثنى عليك ربك ﴿ ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ﴾ فما كانت قوتك وما كانت أمانتك؟
قال: أما قوّتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن، وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهم فقتلتهم، وأما أمانتي فلم أومر بشيء فعدوته إلى غيره» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ليلة الإِسراء اكشف عن النار، فكشف عنها فنظر إليها فذلك قوله: ﴿ مطاع ثم أمين ﴾ على الوحي ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح في قوله: ﴿ مطاع ثم أمين ﴾ قال: أمين على سبعين حجاباً يدخلها بغير إذن ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم وفي قوله: ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: كنا نحدث أنه الأفق الذي يجيء منه النهار، وفي لفظ: إن الأفق من حيث تطلع الشمس.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: جبريل في رفرف أخضر قد سد الأفق.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: رأى جبريل له ستمائة جناح قد سد الأفق.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: إنما عنى جبريل أن محمداً رآه في صورته عند سدرة المنتهى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هو رأى جبريل بالأفق، والأفق الصبح» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: السماء السابعة.
وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب في تاريخه والحاكم وصححه وابن مردويه عن عاشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ بالظاء.
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ وفي لفظ ﴿ بضنين ﴾ بالضاد.
وأخرج عبد بن حميد عن هشام بن عروة قال: كان أبي يقرؤها ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ فقيل له: في ذلك.
فقال: قالت عائشة: إن الكتاب يخطئون في المصاحف.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرأ ﴿ بظنين ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ بضنين ﴾ وقال: ببخيل.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: زعموا أنها في المصاحف وفي مصحف عثمان ﴿ بضنين ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن مجاهد وهرون قال: في حرف أبيّ بن كعب ﴿ بضنين ﴾ يعني بالضاد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ يقول: ما كان يضن عليكم بما يعلم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضن بما أنزل الله عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ قال: كان هذا القرآن غيباً أعطاه الله تعالى محمداً بذله وعلمه ودعا إليه وما ضن به.
وأخرج ابن المنذر عن الزهري ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ قال: لا يضن بما أوحي إليه.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأها ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ قال: ما هو على القرآن بمتهم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ قال: ليس بمتهم على ما جاء به وليس بضنين على ما أوتي به.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: الظنين المتهم، والضنين البخيل.
وأخرج عبد بن حميد عن زر قال: الغيب القرآن في قراءتنا ﴿ بظنين ﴾ متهم وفي قراءتكم ﴿ بضنين ﴾ ببخيل.
وأخرج عبد بن حميد عن زر قال: الغيب القرآن في قراءتنا ﴿ بظنين ﴾ متهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ قال: أن يتبع الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ قالوا: الأمر إليها إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذبوا يا محمد ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سعد والبيهقي في الأسماء والصفات عن وهب بن منبه قال: قرأت اثنين وتسعين كتاباً كلها أنزلت من السماء وجدت في كلها أن من أضاف إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمان بن موسى قال: لما نزلت ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ قال أبو جهل: جعل الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن القاسم بن مخيمرة قال: لما نزلت ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ قال أبو جهل: أرى الأمر إلينا فنزلت ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ .
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ (بِمَجْنُونٍ) (١) -، والخطاب لأهل مكة، وهذا أيضًا من جواب القسم، أقسم الله: أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدًا ليس كما تقوله أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا مجنون، وهذا الذي يأتي به تقوله من تلقاء نفسه، وقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله: ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ \[لحجر: 6\] الآية.
وكذبهم الله فيما قالوا بقوله: ﴿ ن وَالْقَلَمِ ﴾ إلى قوله: ﴿ بِمَجْنُونٍ ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ .
(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ ذكرت نظائره ﴿ بالخنس * الجوار الكنس ﴾ يعني الدراري السبعة وهي الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والمشتري والزهرة وذلك أن هذه الكواكب تخنس في جريها أي تتقهقر، فيكون النجم في البرج ثم بكرّ راجعاً وهي جواري في الفلك، وهي تنكنس في أبراجها أي تستتر وهو مشتق من قولك: كنس الوحش إذا دخل كناسه وهو موضعه.
وقيل: يعني الدراري الخمسة وهو مشتق بضوء الشمس.
وقيل: يعني النجوم كلها، لأنها تخنس في جريها وتنكنس بالنهار أي تستر، وتختفي بضوء الشمس.
وقيل: يعني بقر الوحش، فالخنس على هذا من خنس الأنف والكنس من سكناها في كناسها ﴿ والليل إِذَا عَسْعَسَ ﴾ يقال عسعس إذا كان غير مستحكم الظلام، فقيل: ذلك في أوله، وقيل: في آخره وهذا أرجح، لأن آخر الليل أفضل، ولأنه أعقبه بقوله: ﴿ والصبح إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ أي استطار واتسع ضوؤه ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ الضمير للقرآن والرسول الكريم جبريل، وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم.
قال السهيلي: لا يجوز أن يقال إنه محمد عليه السلام؛ لأن الآية نزلت في الرد على الذين قالوا إن محمداً قال القرآن، فكيف يخبر الله أنه قوله: وإنما أراد جبريل، وإضاف القرآن إليه لأنه جاء به، وهو في الحقيقة قول الله تعالى، وهذا الذي قال السهيلي لا يلزم، فإنه قد يضاف إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه تلقاه عن جبريل عليه السلام، وجاء به إلى الناس، ومع ذلك فالأظهر أنه جبريل وصفه بقوله: ﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ وقد وصف جبريل بهذا لقوله: ﴿ شديد القوى ﴾ و ﴿ ذو مرة ﴾ ﴿ عِندَ ذِي العرش ﴾ يتعلق بذي قوة، وقيل: بمكين، وهذا أظهر والمكين الذي له مكانة أي جاه وتقريب ﴿ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ هذا الظرف إشارة إلى الظرف المذكور قبله.
وهو عند ذي العرش أي مطاع في ملائكة ذي العرش ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم باتفاق ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بالأفق المبين ﴾ ضمير الفاعل لمحمد صلى الله عليه وسلم، وضمير المفعول لجبريل عليه السلام، وهذه الرؤية له بغار حراء على كرسي بين السماء والأرض.
وقيل: الرؤية التي رآه عند سدرة المنتهى في الإسراء، ووصف هذا الأفق بالمبين لأنه روي أنه كان في المشرق من حيث تطلع الشمس، وأيضاً كل أفق فهو مبين ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بِضَنِينٍ ﴾ الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومن قرأ بالضاد فمعناه بخيل أي لا يبخل بأداء ما ألقى إليه من الغيب، وهو الوحي، ومن قرأ بالظاء فمعناه متهم أي لا يتهم على الوحي، بل هو أمين عليه.
ورجح بعضهم هذه القرءاة بأن الكفار لم ينسبوا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى البخل بالوحي بل اتهموه فنفى عنه ذلك ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ الضمير للقرآن ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ خطاب لكفار قريش أي ليس لكم زوال عن هذه الحقائق.
وقد تقدم تفسير بقية السورة في نظائره فيما تقدم.
القراءات ﴿ سجرت ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
﴿ قتلت ﴾ بالتشديد: يزيد و ﴿ نشرت ﴾ مخففاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ الجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو في رواية ﴿ بظنين ﴾ بالظاء: ابن كثير وعلي وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضاد.
الوقوف ﴿ كورت ﴾ ه ص ﴿ انكدرت ﴾ ه ص ﴿ سيرت ﴾ ه ك ﴿ عطلت ﴾ ه ك ﴿ حشرت ﴾ ه ك ﴿ سجرت ﴾ ه ك ﴿ زوّجت ﴾ ه ك ﴿ سئلت ﴾ ه ك ﴿ قتلت ﴾ ه ج لاعتراض الاستفهام بين النسق ﴿ نشرت ﴾ ه ص ﴿ كشطت ﴾ ه ك ﴿ سعرت ﴾ ه ك ﴿ أزلفت ﴾ ه ك الاستفهام بين السنق ﴿ نشرت ﴾ ه ص ﴿ كشطت ﴾ ه ك ﴿ سعرت ﴾ ه ك ﴿ أزلفت ﴾ ه ك ﴿ أحضرت ﴾ ه ط لتمام الشرط والجزاء والتقدير إذا كورت الشمس كورت ارتفعت الشمس بفعل مضمر تفسيره الظاهر وكذلك ما بعدها.
وقوله ﴿ علمت ﴾ جواب عن الكل وهو العامل في " إذا " وما عطف عليها ﴿ بالخنس ﴾ ه لا ﴿ الكنس ﴾ ه لا ﴿ عسعس ﴾ ه ك ﴿ تنفس ﴾ ه ك ﴿ كريم ﴾ ه ك ﴿ مكين ﴾ ه ك ﴿ أمين ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده مستأنف ومن جعل ﴿ وما صاحبكم ﴾ وما بعدها معطوف على جواب القسم لم يقف على ﴿ أمين ﴾ إلى قوله ﴿ فأين تذهبون ﴾ .
﴿ بمجنون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ج ﴿ بضنين ﴾ ه ج ﴿ رجيم ﴾ ه ج ﴿ تذهبون ﴾ ه ط ﴿ للعالمين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل البعض ﴿ يستقيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر الطامة والصاخة في خاتمتي السورتين المتقدمتين أردفهما بذكر سورتين مشتملتين على أمارات القيامة وعلامات يوم الجزاء.
أما هذه ففيها اثنا عشر شيئاً أوّلها تكوير الشمس وفيه وجهان: أحدهما إزالة النور لأن التكوير هو التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة.
وفي الحديث " نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من التشتت بعد الألفة والاجتماع، ومنه كارة القصار وهي ثوب واحد يجمع ثيابه فيه.
ولا يخفى أن الشيء الذي يلف يصير مخفياً عن الأعين فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس وصيرورتها غائبة عن الأعين بالتكوير.
الثاني أن يكون من قولهم طعنه فحوره وكوره إذا ألقاه أي ألقيت ورميت عن الفلك.
وثانيها انكدار النجوم أي تساقطها وتناثرها والأصل في الانكدار الانصباب وكل متراكب ففهي كدورة فلهذا يقال للجيش الكثير دهماء.
قال الخليل: انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالاً فانصبوا عليهم.
قال الكلبي: تمطر السماء يومئذ نجوماً فقال عطاء: وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور وتلك السلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات من في السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة.
ويروى في الشمس والنجوم أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها.
وثالثها تسيير الجبال وقد مر في سورة " عم ".
ورابعها تعطيل العشار وهي جمع عشراء كالنفاس في نفساء.
والعشراء الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع الحمل لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وهم العرب فخوطبوا بما هو مركوز في أذهانهم مصوّر في خزانة خيالهم، والغرض بيان شدّة الاشتغال بأنفسهم حتى يعطلوا ويهملوا ما هو أهم شيء عندهم.
وقيل: العشار هي السحاب تعطلت عما فيها من الماء، ولعله مجاز من حيث إن العرب تشبه السحاب بالحامل.
قال الله ﴿ فالحاملات وقرا ﴾ وخامسها حشر الوحوش والوحش ضد ما يستأنس به من دواب البر.
قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، وفيه أنه إذا كان لا يهمل أمر الوحوش فكيف يهمل أمر المكلفين.
قال الإمام فخر الدين: وفيه دليل على أن هول ذلك اليوم بلغ مبلغاً لا يفرغ الوحوش للنفار عن الإنسان ولا بعضها للاحتراز عن بعض مع العداوة الطبيعية بين بعض الأصناف حتى صار بعضها غذاء بعض.
قلت: هذا الاستدلال ضعيف فإن الوحوش في الدنيا أيضاً مجتمعة مع الناس ومع أضدادها لكن في أمكنة مختلفة، فلم لا يجوز أن تكون في القيامة أيضاً كذلك.
وعن ابن عباس في رواية إن حشر الوحوش عبارة عن موتها وذلك إذا قضى بينها فردّت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاوس ونحوه.
يقال: إذا اجتاحت السنة الناس وأموالهم حشرتهم السنة أي أماتتهم.
السادس تسجير البحار أي تنشيف ما فيها من الرطوبة حتى لا يبقى فيها شيء من المياه وقد سبق في " الطور".
السابع تزويج النفوس وهو اقتران الأرواح بالأجساد.
وقال الحسن: هو كقوله ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ أي صنفتم أصنافاً ثلاثة وقريب منه قول من قال: هو أن يضم كل واحد إلى من يجانسه في طبقته من خير أو شر.
وقول من قال: هو أن يقرن بين الرجل وبين من كان يلازمه في الدنيا من ملك أو سلطان.
وقال ابن عباس: زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين، ويقرب منه قول الزجاج هو أن تقرن النفوس بأعمالها.
الثامن سؤال الموؤدة.
قال جار الله: وأد يئد مقلوب آد يؤد إذا أثقل لأنه إثقال بالتراب، وكانوا يدفنون بناتهم في الأرض أحياء خوفاً من الفقر ولخوف العار كما مر في " النحل " وغيره.
ومعنى هذا السؤال تبكيت قاتلها كما يخاطب عيسى بقوله ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ والغرض تبكيت النصارى.
وقيل: الموؤدة هي التي تسأل نفسها فهي السائلة والمسؤول عنها.
وإنما قيل ﴿ قتلت ﴾ ماضياً مجهولاً غائباً بناء على أن الكلام إخبار عنها، ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت لقيل قتلت مجهولاً مخاطباً، ولو حكى كلامها حين سألت لقيل قتلت متكلماً مجهولاً وبه قرأ ابن عباس.
قالت المعتزلة وبه يحتج صاحب الكشاف: إن في الآية دلالة على أن أطفال المشركين لا يعذبون لأنه إذا بكت الكافر بسببها فلأن لا يعذبها أولى.
ويمكن أن يجاب بأن تعذيب الوائد للوأد من جهة أنه تصرف في ملك الله بغير حق لا ينافي تعذيب الموؤدة من جهة أخرى وهي أن حكمها في الإسلام والكفر حكم أبيها.
التاسع نشر صحف الأعمال.
عن قتادة: هي صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك حين موتك ثم تنشر يوم القيامة فلينظر رجل يملى في صحيفته.
ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم.
وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال قاله في الشكاف.
العاشر كشط السماء كما يكشط الإهاب عن الذبيحة.
والغطاء عن الشيء أي كشفت وأزيلت عما فوقها وهو الجنة وعرش الله تعالى.
الحادي عشر والثاني عشر تسعير الجحيم أي إيقادها وإزلاف الجنة أي إدناؤها.
استدل بعضهم بالآية على أن النار غير مخلوقة الآن لأنه علق تسعيرها بيوم القيامة، ويمكن المعارضة بأنها تدل على أن الجنة مخلوقة وإلا لم يمكن إزلافها على أن تعليق تسعير الجحيم بيوم القيامة لا ينافي وجودها قبل ذلك غير موقدة ايقاداً شديداً.
وقيل: يسعرها غضب الله عز وجل وخطايا بني آدم.
وقوله ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ كقوله ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ﴾ والتنوين في ﴿ نفس ﴾ للتقليل على أنه مفيد للتكثير بحسب المقام نحو ﴿ قد يعلم الله ﴾ ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ ويجوز عندي أن يكون للتعظيم أو للنوع يعني النفس الإنسانية لا النباتية ولا الحيوانية ولا الفلكية عند القائلين بها.
وإسناد الإحضار إلى الأنفس مجاز لأن الملائكة أحضروها في الصحف أو في الموازين إلا أنها لما تسبب منها ذلك أسند إليها على أن آثار أعمالها إنما تلوح عليها.
قال أهل التأويل: هذه الأحوال يمكن اعتبارها في وقت القيامة الصغرى وهي حالة الموت، فالشمس النفس الناطقة، وتكويرها قطع تعلقها، وانكدار النجوم تساقط القوى، وتسيير الجبال انعزال الأعضاء الرئيسة عن أفعالها، والعشار البدن يهمل أمرها، وحشر الوحوش ظهور نتائج الأفعال البهيمية والسبعية على الشخص، وتسجير البحار نفاد الأوهام الباطلة والأماني الفارغة فإنه بحر لا ساحل له دون الموت الاختياري أو الاضطراري، وتزويج النفوس انضمام كل ملكة إلى جنسها الظلمة إلى الظلمة والنور إلى النور، والموؤدة القوّة التي ضيعها المكلف في غير ما خلقت لأجله.
وسمعت بعض المحققين من أساتذتي أنها كل مسألة سنحت للخاطر ولم تقيد بالكتابة حتى غابت.
والسماء سماء الأرواح والباقي ظاهر.
وحين أثبت المعاد شرع في النبوّات فأكدها بالحلف.
والخنس جمع خانس، والكنس جمع كانس.
والأكثرون على أنها السيارات الخمسة الجاريات مع النيرين في أفلاكها بالارتباطات المعلومة من الهيئة وقد ذكرنا طرفاً منها في البقرة بقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ وفي قوله ﴿ فسواهن سبع سموات ﴾ فخنوسها رجوعها ومنه الخناس للشيطان، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس ومنه كنس الوحش إذا دخل كناسه.
والمنجمون يسمون زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد متحيرة لمشاهدة الوقوف والرجوع منها بعد الاستقامة وهي حركتها الخاصة من المغرب إلى المشرق على توالي البروج أي من الحمل إلى الثور ثم إلى الجوزاء وهكذا على الترتيب.
فإذا تحركت القهقرى بعكس هذا الترتيب شبه الحركة اليومية.
يقال: إنها راجعة أقسم الله بها إذ أحوالها أغرب ورباطاتها مع الشمس أعجب كما بين في ذلك العلم.
وعن علي وهو قول عطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها غيبتها عن البصر بالنهار وكنوسها ظهورها للبصر في الليل كما يظهر الوحش من كناسه.
وعن ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش وخنوسها صفة لأنوفها ومنه " رجل أخنس وامرأة خنساء " وفي هذا القول بعد عن الخنس المقسم بها لأنه لا يناسب ما بعده.
وقال أهل التأويل: هي الحواس الخمس تظهر آثارها تارة وتغيب أخرى.
ثم أقسم بالليل والنهار.
ومعنى عسعس أقبل وأدبر فهو من الأضداد، وتنفس الصبح مجاز عن تخلصه من ظلمة الليل كنفس المكروب إذا وجد راحة أو مجاز عما يكون عنده من روح ونسيم.
والضمير في ﴿ إنه ﴾ للقرآن، والرسول الكريم جبرائيل، وكرمه على ربه أن جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء، وكرمه في نفسه أنه لا يدل إلا على الخير والكمال.
ومعنى كون القرآن قول جبرائيل أنه وصل منه إلى النبي وذلك أن النزاع وقع من الكفرة في أنه قول محمد أو هو من السماء فأثبت الثاني ليلزم نفي الأول.
وفي لفظ رسوله دلالة على أنه ليس قوله بالاستقلال.
وقوله ﴿ ذي قوّة ﴾ كقوله ﴿ ذي مرة ﴾ وقد مر بالنجم.
وقوله ﴿ عند ذي العرش ﴾ أي عند ربه بالقرب كقوله ﴿ ومن عنده ﴾ والمكين ذو الجاه الذي يعطى ما يسأل يقال مكن فلان بضم الكاف مكانة.
وقوله ﴿ ثم ﴾ إشارة إلى الظرف المذكور أي مطاع عند الله في الملائكة المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ﴿ أمين ﴾ على الوحي والسفارة وقد عصمه الله من الخيانة والزلل.
استدل في الكشاف بالآيات على تفضيل الملك على الأنبياء وقال: لأنه وصف جبرائيل بصفات الكرامة، ثم وصف النبي بقوله ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ وشتان بين الوصفين.
قلت: أمثال هذا التغليط من باب الجنون وهذا نشأ من سماع لفظ المجنون.
والتحقيق أن ذكر جبرائيل ومدحه وقع استطراداً لبيان مدح النبي والمبالغة في صدقه فإن الكفرة زعموا أن القرآن إفك افتراه مجنون به وأعانه عليه قوم آخرون فلم يكن بد من نفي الجنون عنه.
ووصف جبرائيل بالأمانة والمكانة وغيرهما فإن شرف الرسول يدل على شرف المرسل إليه وصدقه، فالعجب من الزمخشري أنه كيف سمع لفظ المجنون فاعتراه حتى استدل به على مفضولية أشرف المخلوقات، ولم يعلم أن ذكر جبرائيل ووصفه بأوصاف الكمال اتفق لغرض تزكية النبي .
والعجب من الإمام فخر الدين الرازي أيضاً أنه كيف أورد حجته الواهية في تفسيره ولم يتعرض للجواب عنه مع كمال حرصه على تزييف أدلتهم.
ثم حكى أنه قد رأى جبرائيل على صورته الأصلية بحيث حصل عنده علم ضروري بأنه ملك مقرب لا شيطان رجيم فقال ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ وهو أفق الشمس كما مر في " النجم ".
ثم أخبر عن صدقه وإشفاقه فقال ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ ومن قرأ بالظاء الذي مخرجه من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا كالذال والثاء فهو من الظنة التهمة أي ليس بمتهم بل هو ثقة فيما يؤدي عن الله بواسطة جبرائيل.
ومن قرأ بالضاد الذي مخرجه من أصل حافة اللسان وما بينهما من الأضراس ومن يمين اللسان أو يساره وإخراجه من الجانب الأيسر الأسهل، وقد يسهل على بعض الناس كلاهما فمعناه أنه لا يضن بالوحي أي لا يبخل به من الضن وهو البخل، وفيه أنه يكتم شيئاً من الوحي مما أمر بإظهاره وأنه لا يمنع المستعدّين من الإرشاد والكمال ﴿ فأين تذهبون ﴾ بعد هذه البيانات وفيه استضلال لهم كقولك لتارك الجادّة إعتسافاً أين تذهب، مثلت حالهم في ترك الحق والعدول عنه إلى الباطل براكب التعاسيف الذي يستأهل أن يقال له أين تذهب.
قوله ﴿ لمن شاء ﴾ فائدة هذا الإبدال أن نفع التذكير يعود إليهم فكأن غيرهم لم يوعظ والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السموات والأرض.
ولا يخفى ما بينها وبين قوله ﴿ فأين تذهبون ﴾ من التناسب والطباق وفيه دليل القدرية إلا أن قوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ فيه دليل الجبرية كما مر في آخر ﴿ هل أتى ﴾ وغيره والله الموفق.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ ﴾ : الأشياء التي وقع بها القسم تقتضي أحكاما ثلاثة.
أحدها: ما من شيء خلقه الله - - إلا وفيه دليل وحدانيته، وآية ربوبيته، إذا أنعم النظر فيه، ويثبت علمه وحكمته، ويدل على قدرته وسلطانه، وفي تثبيت القدرة والسلطان إيجاب القول بالبعث، وإيجاب القول بالرسل، ونهي عن عبادة غير الله، فلو أنعموا النظر فيها وتفكروا في أمرها، لأداهم ذلك إلى القول بالبعث، ودعاهم إلى وحدانية الرب والإقرار بالرسل؛ فلا يدعون أن معه آلهة أخرى، ولا كانوا ينكرون البعث، ولا يكذبون الرسول؛ فأقسم بهذه الأشياء على التأكيد لحججه؛ ليعلموا أنه رسول من عنده، أو أن القرآن من عنده، أو أن الأوامر من عنده، أو الرسول من عنده.
أو يكون القسم تلقينا من الله - لرسوله بأن يقسم لهم بهذه الآشياء؛ ليزيل عنهم الشبه والشكوك التي اعترضت للكفرة في أمره - - ويدعوهم إلى النظر في حججه وآياته.
ثم القسم بما لطف من الأشياء ودق، وبما كثف وغلظ، وبما كبر وصغر، وبما ظهر وخفي، تنفق كلها في إزالة الشبهة وإثبات التوحيد والرسالة والبعث، بل الأعجوبة فيما لطف من الأشياء أعظم منها فيما كثف وغلظ، فأقسم مرة بالكواكب، ومرة بظلمة الليل وما يضحى، وبما شاء من خلقه؛ إذ الخلائق كلها في الشهادة على وحدانيته وإثبات ربوبيته وإثبات علمه وحكمته وقدرته وسلطانه - متفقة.
ولأن ما لطف من الأشياء وخفي منها يتصل بما ظهر منها، فيتضمن ذكر ما خفي منها واستتر ذكر ما ظهر منهاـ وفي ذكر ما ظهر منها ذكر منشئها؛ فيكون القسم في الحقيقة بالله .
ثم اختلف في (الخنس) و(الكنس): قال أبو بكر: إن (الخنس) هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل.
وقال الحسن: الخنس: هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالها ويغبن في مغاربها، و ﴿ ٱلْكُنَّسِ ﴾ : هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالعها [ثم] يكنسن ويختفين إلى أن يعدن إلى مطالعهن فيطلعن.
وقيل: ﴿ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ ﴾ هي خمس كواكب لهن مجار في السماء يظهرن بالليل ويستترن بالنهار، وسائر الكواكب ثوابت.
ثم قيل: الخنوس والكنوس واحد، وهو الاختفاء والغروب في مغاربها والدخول فيها.
وقيل: الخنوس: الاختفاء، والكنوس: التأخر، وكذا قال الفراء: هي النجوم الخمسة تخنس في مجراها، وترجع.
وفي حديث كعب: "فتخنس بهم النار كما تخنس النجوم الخنس"، أي: تحيد بهم وتتأخر، والله أعلم.
وعن ابن مسعود - - أنه قال: هي الوحوش اللاتي تخنس من الإنس، وتكنس في مكانسهن، وأيما كان فهي كلها دالة على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴾ قيل: إذا أقبل؟
وقيل: إذا أقبل وإذا أدبر.
وقوله: ﴿ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ : إذا انفجر، وإذا ارتفع، وفي إقبال الليل وإقبال النهار تثبيت القدرة والسلطان؛ وذلك أن ظلمة الليل إذا غشت سترت عن وجوه الأشياء وكشف [النهار] عنها الستر، ولو أراد أحد أن يغطي الأشياء كلها بالحيل والأسباب لم يتمكن منها، ولو أراد نزع الغطاء عنها، لم يملك، فذكرهم هذا؛ ليعلموا أن من بلغت قدرته هذا لا يعجزه أمر، ولا يتعذر عليه البعث؛ بل هو قادر على إحيائهم وبعثهم.
وقوله - -: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ فموضع القسم على هذا، وعلى قوله - -: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ .
ثم تأويل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ ، أي: هذا الذي أتاكم به محمد تلقاه عن رسول كريم على ربه، وهو جبريل - - ثم نسب هاهنا إلى الرسول؛ لما سمع منه، ولم يكن من قبله، وقال في آية أخرى: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فسماه: كلام الله؛ على الموافقة، أو لما أن ابتداءه يرجع إليه، لا أن يكون المسموع كلامه، كما يقال: هذا قول أبي حنيفة رحمه الله ، وهذا قول فلان الشاعر، وليس الذي سمعته قول من نسب إليه، ولكن نسب إليه؛ لأن ابتداءه يرجع إليه؛ فكذلك سمي: كلام الله؛ لأنه يدل على كلامه، ولما يرجع إليه ابتداؤه، لا أن يكون هو نفس كلامه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ وفي وصفه بالقوة فائدتان: إحداهما: ما ذكرنا أن فيه بيان الأمن عن تغيير يقع فيه من الأعداء من الجن والشياطين والإنس، يحتجز عنهم بقوته؛ فلا يتمكنون منه حتى يغيروه ويبدلوه، ووصفه بالأمنة في نفسه ليأمن الخلق ناحيته.
أو وصفه بالقوة على التخويف والتحذير للذين عادوا محمدا فيخبرهم أن معه من يدفع عنه شرهم وكيدهم إن هموا ذلك به.
وروي أن رسول الله قال لجبريل - -: "إن الله وصفك بالقوة فما أثرك قوتك؟
فقال: لما أمرني الله بإهلاك قوم لوط - - فقلعت قرياتهم ورفعتها بجناح واحد إلى السماء ثم قبلتها" وليس بنا إلى أن نعرف قوته حاجة، وإنما بنا الحاجة إلى أن نعرف ما المعنى والحكمة في ذكر قوته؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ : إن كان المراد من العرش: الملك، فمعناه: عندي ذي الملك مكين؛ أي: ذو قدرة ومنزلة.
وقيل: العرش: السرير، فإن كان كذلك، فتأويله: أنه مكين عند من له سرير الملك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ قيل: إن جبريل - - رسول إلى الملائكة كما هو رسول إلى الناس، فإن كان كذلك ففيه إخبار أن الملائكة الذين يعبدها بعض الكفرة يطيعون جبريل - - فيما يأرمرهم وينهاهم، فما بالهم يتركون طاعته والائتمار بأمره؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ ، أي: هم يأتمنونه، ولا يتهمونه في شيء مما يجيء به إليهم، فكيف يتهمه هؤلاء فيما يأتي إلى الرسول من الوحي؟!.
وقوله: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ منهم من يقول بأن الكفرة نسبوه إلى الجنون حين رأى رسول الله جبريل على صورته فغشي عليه، وكان يتغير في كل مرة يأتي به جبريل - - بالوحي لون وجهه؛ فينسبونه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من يقول: إما نسوبه إلى الجنون؛ لأنه أظهر المخالفة لأهل الأرض، وكان في أهل الأرض الجبابرة والفراعنة الذين من عادتهم القتل والتعذيب لمن أظهر الخلاف لهم؛ فكان ذلك منه مخاطرة بنفسه وروحه؛ حيث انتصب لمعاداة من لا طاقة له بهم، ومن قام بخلاف من لا طاقة له به، وانتصب لمعاداته، فذلك منه حمق وجنون في الشاهد؛ فنسبوه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من ذكر أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لما ذكرنا، ولكن شدة سفههم هو الذي حملهم على هذا؛ فنسبوه إلى الجنون مرة، وإلى أنه ساحر أخرى، ومرة قالوا: علمه بشر، ومرة قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ ؛ فكانوا ينسبونه إلى كل ما ذكرنا، لا عن بحث منهم في حاله، ولكن على السفه والعناد؛ ألا ترى أنهم نسبوه إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانيا، وهما أمران متناقضان؛ لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم غايته، والجنون هو النهاية في الجهل، ولو كانوايقولونه عن بحث وتدبر لكانوا لا يأتون بالمختلف من القول؛ فيظهر جهلهم لمن يريدون صده عن اتباع النبي ، بل كانتوا يتفقون على كلمة واحدة، فيصدرون عنها حتى يقع التلبيس منهم موقعه؛ فيصلون إلى مرادهم من صد الناس عن اتباع النبي .
وكذلك فيما زعموا أنه علمه بشر، وأنه إفك افتراه؛ أتوا بالمختلف من القول؛ لأن اختلافه وافتراءه يثبت أنه عالم بنفسه، مستغنٍ عن تعليم غيره، وحاجته إلى أن يتعلم من غيره تثبت عجزه وجهله عن الاختلاق بنفسه، فهذا كله يدل على أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لأعلام ظهرت لهم منه، ولكنهم قذفوه بكل ما حضرهم؛ سفها منهم وعنادا.
ثم إن كانوا نسبوه إلى الجنون لما غشي عليه عندما رأى جبريل - - على صورته فقد أتاهم بما لم تفكروا فيه لعلموا أنه ليس بصاحبهم جنة؛ كما قال [الله] - -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ ، وذلك أنه أتاهم بحكم عجز حكماء الإنس والجن [عن] إتيان مثله، وأتاهم بكتاب عجز أهل الكتاب عن إتياه مثله، فلو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس من فعل المجانين، ولا من علومهم، ولكنه من عند الله أكرم به.
وإن كانوا بما نسبوه إلى الجنون لما خاطر بروحه، فهم - بحمد الله - لم يتهيأ لهم أن يمكروا به، ولا أن يقتلوه؛ بل أظفره الله عليهم، وأظهره على الدين كله؛ فصار ذلك الوجه الذي به نسبوه إلى الجنون آية رسالته، وعلم نبوته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ ﴾ قال الحسن: إنه رأى ربه بقلبه؛ أي: عظمته وسلطانه من وجه لا يقع به تشابه، وخص بالأفق؛ لأنه من الأفق تنزل البركات وتنزل الملائكة وأنواع الخير كلها، والمراد من ذلك الأماكن كلها.
وغيره من أهل التفسير صرف الرؤية إلى جبريل، .
وذكر أن رسول الله سأل جبريل - - أن يراه على صورته، فقال له جبريل - -: "إن الأرض لا تسعني، ولكن إذا صليت الفجر، فانظر إلى أفق السماء؛ فهنالك تراني"، ففعل فرآه على صورته، ثم دنا منه، فكان قاب قوصين أو أدنى، فذكر الأفق؛ لأن الشيء من البعد لا يتهيأ أن يرى من أقطار الأرض؛ لذلك خصت الأفق؛ إذ كذلك تقع رؤية ما بعد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ ، وقرئ (بظنين).
قال أبو عبيد: والظنين أولى؛ [لأن الظنين] هو المتهم، والضنين: البخيل، ولم نيسب أحد رسول الله إلى البخل حتى ينفي عنه البخل بهذه الآية، وقد كنوا يتهمونه على الغيب، وهو القرآن، فكانوا يقولون: علمه بشر، وليس من عند الله، ويقولون - أيضا -: إن هذا إلا إفك افتراه؛ فبرأه الله مما قالوا بقوله: ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ .
ومن قرأه بالضاد فهو يحتمل أوجها: أحدها: ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن رسول الله لم يكن يضن بشيء علمه الله - - عن أحد من أصحابه كما يفعله غيره من العلماء؛ لأن العلماء لا يريدون أن يعلموا من اخلتف إليهم كل ما عندهم من العلوم حتى يُستغنى عنهم، ورسول الله كان يود أن يعلم جميع ما علم من العلوم أصحابه؛ فكان يقوم على تعليم كل منهم بقدر طاقته، ولم يكن يمتنع عن التعليم بُخلآ منه وضنّاً.
وجائز أن يكون برأه الله - - من هذا؛ لما علم أنه يكون في أمة محمد من يزعم أن رسول الله خص بعض أصحابه بتعليم أشياء لم يطلع عليها غيرهم، وتخصيص بعض دمون بعض بتعليم ما عنده بخل في الشاهد؛ فكان في قوله: ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ تكذيب أولئك الذين يدعون هذا، وهذا كما روي عن النبي أنه قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" ، فكأنه قال هذا لما علم أنه يكون في أمته من يتقدم الشهر بالصيام، فقال هذا؛ ليعرف خطأ من يتقدم الشهر بالصيام عل الخطأ والجهالة، ليس على إصابة الحق؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكرنا.
ثم صرفوا تأويل الغيب إلى القرآن، وهو عندنا في القرآن وفي غيره من الأشياء التي أطلع الله - - نبيه عليها.
وجائز أن يكون الضن منصرفا إلى الشفاعة التي أكرم الله - - نبيه بها، فهو لا يخص بعض أمته دون بعض بالشفاعة، بل يعمهم جميعا؛ فيكون في هذا تحريض على الاتباع له، والانقياد لطاعته.
ويحتمل وجها آخر: وهو أنه ليس بضنين في أداء شكر ما أنعم الله - - عليه؛ حيث غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل اجتهد في أداء شكره حتى ذكر أنه تورمت قدماه من طول القيام، فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!.
فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟!".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن النبي ليس من شياطين الإنس، ولا بمجنون كما ذكرتم؛ بل هو رسول كريم.
أو الذي أتاكم به من القرآن لم يتلق من الشياطين، ولا هو من قبلهم كما تلقته الكهنة والسحرة من أقوالهم؛ بل هو ذكر من الله - - للعالمين أنزله الروح الأمين القوي الذي لا يصل إليه الشيطان فيغيره ويبدله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ ، أي: فأين تذهبون عن طاعته واتباعه والانقياد له وقد أتاكم ما يلزمكم طاعته واتباعه.
وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: عظة للعالمين، يذكرهم بما يحق عليهم في حالهم، ويبين لهم ما يؤتى وما يتقى، وما تصير إليه عواقبهم.
أو أن يكون قوله: ﴿ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: شرف لهم، يشرف قدرهم به، ويصيرون أئمة يقتدى بهم ويختلف إليهم؛ ليتعلم منهم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ يحتمل أوجها غير ما ذكرنا: أحدهما: أن هذا القرآن الذي جاء به محمد تلقاه من رسول كريم على الله - - فإذا لم تؤمنوا به، ولم يتقبلوه فما ذهبتم إلا إلى قول شيطان رجيم.
ويحتمل ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ ؟
وإلى من تفزعون إذا أتاكم بأس الله - عز وجل - ونقمته إذا لم تؤمنوا بالله ، وأنكرتم البعث، ولم تصدقوا الرسول فيما أخبركم به؟!
فإذا حل بكم ما أنذركم به فإلى من تلجئون؟!
وهو كقوله - -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .
أو إذا لم تؤمنوا بالله - - ولم تتبعوا ما أتاكم به محمد وقد تقرر عندكم صدقه أنما أتاكم من الآيات بالمعجزة، فبأي حديث تصدقونه بعد ذلك وتذهبون إليه؟!
وهو كقوله : ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ ؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾ معناه - والله أعلم -: أن هذا القرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم من العالمين، فهو في نفسه ذكر وآيات وهدى، ولكن ينتفع بهذا الذكر من شاء الاستقامة، ويهتدي به من طلب الهداية؛ قال - -: ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ وهو في نفسه هدى، ولكن يهتدي بهداه المتقون، ومن ليس بمتقٍ فهو عمى عليه ورجس، وقال: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ ، وهو كان ينذر من اتبع ومن لم يتبع، ولكن معناه: أنه ينتفع بالذي تنذر به من اتبع الذكر، وقال: آيات لأولي الأبصار، وهي في أنفسها آيات، ولكن ينتفع بآياته أولو الأبصار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يحمل على تحقيق المشيئة، ويكون تأويله: أن من أراد الاستقامة على أمر الله - - أو على الحق، فهذا الذكر - وهو القرآن - يقيمه على الحق وعلى الأمر، ويهديه إلى ذلك.
أو أن يكون هذا على تحقيق الفعل؛ فيكون معناه: من استقام منكم على الحق والأمر فهو ذكر له.
والأصل أن المشيئة وصف فعل كل مختار، وإذا كان هكذا، صارت المشيئة مقترنة [بالفعل]، فإذا فعل فقد شاء؛ فكان في إثبات الفعل إثبات المشيئة؛ لذلك استقام حمله على ما ذكرنا، وهو أن يجعل أحدهما كناية عن الآخر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فإن كان قوله: ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ ﴾ على تحقيق المشيئة، فمعناه، أنكم لا تشاءون الاستقامة - على ما ذكرنا - إلا أن يشاء الله.
وإن كان على تحقيق الفعل، فتأويله: أنكم ما استقمتم على الطريقة إلا بمشيئة الله .
وقال بعضهم: تأويل قوله: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ ﴾ ، أي: لم تكونوا تشاءون إنزال هذا الكتاب، فأنزله الله على رسوله - - بغير مشيئتكم.
وهذا غير محتمل عندنا؛ لأنه قد سبق من القوم الإرادة والسؤال بإرسال الرسول إليهم بقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ ﴾ ، فثبت أنه قد سبق منهم السؤال بإرسال الرسول وإنزال الكتاب عليه، لكن تأويله ما ذكرنا.
ثم في هذه الآية دلالة أن كل من شاء الله منه الاستقامة توجد منه الاستقامة، ولا يجوز أن يشاء من أحد استقامته ولا يستقيم، كما قالت المعتزلة؛ لأن الله - - مَنَّ على من استقام بمشيئته استقامته، فلو لم توجد الاستقامة من كل من شاء منه الاستقامة، لم يكن للامتنان معنى؛ لأن الاستقامة وغير الاستقامة تكون به، لا بالله ، والله المستعان، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].
وما محمد الملازم لكم الَّذي تعرفون عقله وأمانته وصدقه بمجنون كما تدّعون بهتانًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.M0Yrp"
ابتدأ سبحانه بذكر يوم القيامة بما يكون فيه من الحوادث، ليعظم شأنه، ويفخم هوله.
ويقول في ذلك اليوم تعلم كل نفس ما أحضرته من أعمالها، أي يتبين لها ما كان منها من خير أو شر، ويذهب الالتباس الذي كان يغر المغرورين، وينكشف الغطاء عن تلبيس المرائين، ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾ .
والحوادث التي تقع من أول يوم القيامة إلى ساعة الحساب -على ما هو مذكور في هذه السورة- هي: أولًا، تكوير الشمس، وتكويرها دهورتها وسقوطها، وذلك عند خراب العالم الذي يعيش فيه الحي حياته الدنيا، فإن عالمه الآخر الذي ينقلب إليه لا يبقى فيه شيء من هذه الأجرام.
فالشمس تسقط ويمحى ضوؤها، وثانيًا: انكدار النجوم، وهو تناثرها وانقضاضها حتى تذهب ويمحى لألاؤها.
يقال انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالًا حتى ينصبوا عليهم.
وتسيير الجبال: يكون عند الرجفة التي تزلزل الأرض، فتقطع أوصالها، وتفصل منها جبالها، فتسير مقذوفة في الفضاء، وقد تمر على الرؤوس مر السحاب.
وهذه الحوادث تقع متى جاء الأجل، واقتضت الحكمة الإلهية أن تخرب الأرض ويتبدل نظام هذا الكون الحاضر بالنظام الذي يستقر عليه أمره بعد ذلك الاضطراب.
ولا ريب في أنه إذا كورت الشمس وتناثرت الكواكب وأرجفت الأرض حتى انفصلت عنها جبالها كان الخوف عظيمًا والعرب عميمًا.
فمن كان حيًا إذ ذاك غشيه من أمر نفسه ما يذهله عن أفضل ما له لديه، فتعطل (العشار) وهي جمع عشراء بضم العين وفتح الشين، وهي النياق إذا مضى على حملها عشرة أشهر حتى تلد، وهي أكرم مال كان عند المخاطبين، فيهملونها ويدعونها تذهب حيث شاءت، لعظم الهول وشدة الكرب.
قيل إن تعطيل العشار حقيقي، لأنه حكاية الحال في بداية الخراب.
والناس والحيوان لا يزالون أحياء فيصيبهم ما يصيبهم ثم يهلكون.
ويدل عليه قوله بعد ذلك (وإذا الوحوش حشرت) وحشر الوحوش إما جمعها لاستيلاء الرعب عليها وخروجها من أحجارها وأوكارها ونسيانها ما كانت تخافه، فتفر منه فتحشر هائمة لا يخشى بعضها بعضًا، ولا يخشى جميعها سطوة الإنسان.
وقيل حشر الوحوش موتها وهلاكها.
يقال: إذا أجحفت السنة بالقحط والجدب وأضرت بالناس، حشرتهم السنة، أي أهلكتهم.
وهلاكها من هول ذلك الحادث الأعظم.
وقال القرطبي: إن تعطيل العشار تمثيل لشدة الكرب، وإلا فلا عشار ولا تعطيل.
كأنه قال بعد ذكر ما سبق من تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال: "وكان من هول هذه الحوادث ما يصرف حاضرها عن أكرم الأشياء عليه، حتى لو كان عنده عشار لعطلها وأهملها".
وقيد قيل في حشر الوحوش إنه جمعها يوم القيامة للحساب، وهو ضعيف بعيد، لأن الكلام الآن في حوادث التخريب قبل البعث بالفعل.
وأول الكلام في البعث قوله: (وإذا النفوس زوجت).
أما تسجير البحار فهو أن يفجر الزلزال ما بينها حتى تختلط وتعود بحرًا وحدًا، وهو بمعنى الملء، فإن كل واحد منها يمتلئ حتى يفيض ويختلط بالآخر.
وتسجير البحار على هذا المعنى لازم لما سبقه من تقطع أوصال الأرض وانفصال الجبال.
ويدل على رجحان هذا التأويل ظاهر قوله تعالى في سورة الانفطار (وإذا البحار فجرت).
وقد يكون تسجيرها إضرامها نارًا، فإن ما في بطن الأرض من النار يظهر إذ ذاك بتشققها وتمزق طبقاتها العليا.
أما الماء فيذهب عند ذلك بخارًا ولا يبقى في البحار إلا النار، أما كون باطن الأرض يحتوي على نار فقد ورد به بعض الأخبار، ورد أن البحر غطاء جهنم، وإن لم يعرف في صحيحها، ولكن البحث العلمي أثبت ذلك، ويشهد عليه غليان البراكين -وهي جبال النار- كما تشهد عليه الزلازل الشديدة التي تشق الأرض والجبال في بعض الأطراف كما وقع في (جاوا) من عدة سنوات، فإن آثار النار في بطن الأرض قد ظهرت فيها ظهورًا لا شبهة تطرأ على الذهن بعده.
وبعد أن عدد ما يحدث من مقدمات الفناء، وبطلان الحياة في الأرض، وامتناع المعيشة فيها، أخذ يذكر ما يكون بعد ذلك من البعث والنشور، وما يأتي بعده فقال (وإذا النفوس زوجت)، أي زوجت الأرواح بأبدانها، وهي النشأة الآخرة.
وفي الآية ما يشعر بأن النفوس كانت باقية من يوم الموت المعتاد إلى يوم المعاد، وإنما تزوج بالبدن بعد أن كانت منفردة عنه.
وبعد البعث يكون الشروع في الحساب.
ومنه أن يؤتى بالموءودة فتسأل بين يدي وائدها عن السبب الذي قتلت لأجله ليكون الجواب أشد وقعًا على الوائد، فإنها ستجيب أنها قتلت بلا ذنب جنته.
وذلك أن الوأد هو دفن البنت في صغرها حية.
وكان عادة من أشنع العوائد فاشية في العرب أيام الجاهلية.
وكان لهم في ذلك تفنن.
فمنهم من كان إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ولا يقتلها أمسكها مهانة إلى أن تقدر على الرعي ثم ألبسها جبة من صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى له أبله.
وإن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية قال لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض.
وعند بعضهم كانت الوالدة إذا جاءها المخاض حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة.
فإذا ولدت بنتًا رمت بها فيها، وإن ولدت ابنًا حبسته.
فانظر إلى هذه القسوة، وغلظ القلب، وقتل البنات البريئات بغير ذنب سوى خوف الفقر أو العار- كيف استبدلت بالرحمة والرأفة بعد أن خالط الإسلام قلوب العرب.
فما أعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها بمحوه هذه العادة القبيحة!
الصحف التي تنشر يوم القيامة بعد البعث هي صحف الأعمال.
والذي يجب علينا اعتقاده أن أعمال العباد تظهر لهم ثابتة مبينة لا يرتابون فيها يوم الجزاء.
ويعبر عن معنى ذلك الثبوت والبيان بنشر صحف الأعمال، أما كون الصحف على مثال الأوراق التي نكتب عليها في الدنيا أو على مثال الألواح أو ما يشبه ذلك مما جرى استعماله للكتابة عليه، فذلك مما لم يصل علمنا إليه، ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرو عن المعصوم فيه نص قاطع.
وكشط السماء: إزالتها كما يكشط الجلد عن الذبيحة، أي وإذا السماء كشفت وطويت ولم يبق هناك شيء يسمى سماء أو غطاء.
وهذا إنما يكون بخلو ذلك العالم الجديد من الكواكب، بل بخلوه مما يطلق عليه في الدنيا اسم الأعلى والأسفل.
(والجحيم) جهنم التي يعاقب بالعذاب فيها أهل الكفر والطغيان.
(وتسعيرها) إيقادها إيقادًا شديدًا.
والواجب على المؤمن أن يعلم أن هناك نارًا للعذاب اسمها جهنم، وأنها تسعر وتوقد على المعنى الذي يريده اللَّه، أي أن ألم من قضي عليه بالدخول فيها من أشد الآلام التي تحدث عن إمساس النيران للأجسام الحية.
أما كون الإيقاد بالحطب أو الفحم الحجري أو الخشبي أو ما أشبه ذلك مما هو معروف عندنا في حياتنا هذه، فذلك غير واجب أن يعتقد به.
وإزلاف الجنة إدناؤها وتقريبها من المتقين، كقوله تعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ .
والجنة دار الثواب كما هو معروف.
وقوله ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾ جواب لجميع ما سبق من الشروط.
والمقصود، كما قدمنا، أن ذلك يكون يوم القيامة، وهو ممتد من تكوير الشمس وما بعده إلى أن يرى أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
وليس يلزم من ذلك أن علم النفس بما جاءت به أعمالها يبتدئ من أول جزء منه، بل إنما يكون بعد البعث ونشر الصحف.
وقد أورد الجواب على هذا الأسلوب، ولم يأت بلفظ يفيد التعميم كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ .
وإن كان المعنى ههنا عليه ليفيد ما أراده من وجه أبلغ على ما جرت به عادتهم في الخطاب عند إرادة التهويل، فإن التقليل في مقام التهويل إنما يؤتى به للمبالغة في التكثير، كما في قوله تعالى: ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ .
ومعناه المقصود: كم يود.
وكما يقول قائد لمن سأله: كم عندك من الفرسان؟
رب فارس عندي.
أو لا تعدم عندي فارسًا.
وهو يريد أن ما عنده من الفرسان كثير لا يحصيه، ولا يريد أن يتزيد به.
فإن قال قائل: لم جيء بذكر كشط السماء بعد ذكر البعث ونشر الصحف وشيء من الحساب، وقبل ذكر تسعير الجحيم وإزلاف الجنة- وكان من حق كشط السماء أن يذكر في حوادث التخريب بعد انكدار النجوم؟
قلنا: هذا يدل على أن كشط السماء ههنا لا يقصد منه تخريب العالم العلوي كما قال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ فإن هذا قد تقدم في تكوير الشمس وانكدار النجوم، وإنما يقصد الغطاء والحجاب الذي يعلوك فلا تبصر ما وراءه.
وقد فصل في هذه السورة ما أجمله في سورة "ق" عند بيان ما يسبق الحساب، فقد قال هناك: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد) وقال هنا ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ إلى آخر قوله: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ .
وفصل هناك في بيان الحساب ما أجمله في هذه السورة، فإنه اكتفى منه هنا بذكر سؤال الموءودة ونشر الصحف وكشط السماء، وقال هناك: ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .
وهو في مقابلة قوله هنا: ﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ ، ثم ذكر ست آيات فيما يتعلق بأهل جهنم، وقال بعدها: ﴿ وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ .
وأتبع ذلك بوصف حال أهل الجنة في آيات كثيرة أيضًا- فهذا يدلك على أن كشف الغطاء هناك هو كشط السماء هنا، وكل من السورتين تفسر الأخرى.
ما أجمل هناك فصل هنا، وما أجمل هنا فصل هناك.
وأنه بكشف الغطاء أو كشط السماء يظهر لكل نفس عملها، وتقوم عليها شهودها، فتبصر ما لم تكن تبصره من قبل، ثم ترى ما أعد لها من جنة أو نار..
فسبحان من أودع في كتابه ما يهدينا إلى لبابه.
(فلا أقسم) عبارة من عبارات العرب في القسم يراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم.
ويقال إنه يؤتى بها في القسم إذا أريد تعظيم المقسم به.
كأن القائل يقول: إني لا أعظمه بالقسم، لأنه عظيم في نفسه.
والمعنى في كل حال على القسم.
وقال تعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ إلخ..
و(الخنس) جمع خانسة، من خنس إذا رجع.
و(الكنس) جمع كانسة، من كنس الظبي إذا استتر في كناسه، وهو موضع في الشجر يأوي إليه من شدة الحر أو غيرها و(الجواري): جمع جارية من الجري.
(الخنس، الجواري الكنس).
قيل هي الدراري الخمسة وهي: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، وذلك لأنها تجري مع الشمس، ثم ترى راجعة حتى تختفي في ضوء الشمس.
فرجوعها في رأي العين هو خنوسها، واختفاؤها هو كنوسها.
وقيل هي الكواكب جميعها، فإنها لا تزال جارية راجعة علينا بعد مغيبها، غائبة عنا بعد طلوعها.
(وعسعس) الليل أدبر.
قال العجاج: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا وتنفس الصبح تبلج وامتد حتى صار نهارًا بينًا.
وأقسم بهذه الدراري أو الكواكب جميعها لينوه بشأنها من جهة ما في حركاتها في الدلائل على قدرة مصرفها ومقدرها، وإرشاد تلك الحركات إلى ما في كونها من بديع الصنع وإحكام النظام، مع نعتها في القسم بما يبعدها عن مراتب الألوهية من الخنوس والكنوس تقريعًا لمن خصها بالعبادة واتخذها من دونه أربابًا.
وفي الليل إذا أدبر زوال تلك الغمة التي تغمر الأحياء بانسدال الظلمة بعد ما استعادت الأبدان نشاطها، وانتعشت من فتورها.
وفي الصبح إذا تنفس بشرى الأنفس بالحياة الجديدة في النهار الجديد، تنطلق فيه الإرادات إلى تحصيل الرغبات، وسد الحاجات، واستدراك ما فات، والاستعداد لما هو آت.
وقوله (إنه لقول رسول كريم) جواب القسم، وهو المقسم عليه المراد توكيده.
وقرن لا أقسم بالفاء حيث قال: (فلا أقسم) -وهي تدل على تعلق ما بعدها بما قبلها- يدلنا على أن الضمير في أنه لذلك الخبر المتقدم، وهو (إذا الشمس كورت) إلخ، ويفهم منه القرآن ضمنًا كأنه يقول: إذا وقعت هذه الأمور كلها كان ما ذكرت، وذلك خبر لا ريبة فيه فإني أقسم إلخ.
وهذا أظهر من إعادة الضمير على القرآن بجملته، لأنه لم يتقدم له ذكر حتى يقرن القسم على أنه كذلك بالفاء.
و(الرسول الكريم) هو جبريل.
وإنما كان قوله لأنه هو حامله إلى النبي .
وقد وصفه بأنه (ذو قوة)، كما وصفه في سورة أخرى بأنه شديد القوى، ذو مرة- وهي الحصافة في العقل والرأي، والمتانة فيهما.
ومكين عند ذي العرش، أي صاحب مكانة وشرف لديه سبحانه.
وصاحب العرش هو اللَّه.
ومن معاني العرش الملك.
وهو مطاع في الملأ الأعلى أمين فيه.
و(ثم) بمعنى هناك، أي في العالم الإلهي.
وهو عالم لا يعلم حقيقته إلا اللَّه وهو علام الغيوب.
(وما صاحبكم بمجنون) صاحبهم هو نبينا .
ونفى عنه وصف الجنون لأن بعض قريش كان يرميه بذلك عندما يسمع منه غريب الخبر عن اليوم الآخر وغيره من مواضع العبر، مما لم يكن معروفًا لهم ولا مألوفًا لعقولهم.
والتعبير عنه بصاحبهم أبلغ في الاستدلال عليهم، فإنه معهم من صغره إلى كبره، وما عرفوا منه إلا كمال العقل والتبريز في الفضل، فكيف يوصف بالجنون عندما يدعي الرسالة من ربه، وعلم شيء من غيبه بإذنه؟
(ولقد رآه) أي أن محمدًا قد رأى جبريل بالأفق الأعلى الواضح المظهر لما يرى فيه من جهة المشرق أو المغرب، أو عند سدرة المنتهى، فذلك مما لا يفهم من هذه الآية.
وهذه الرؤية بتمثل جبريل للنبي في مثال يبصر، فهو قد ظهر له وتجلى لعينيه على أنه جبريل فعرفه.
(وما هو على الغيب بضنين) قرئ بالظاء وبالضاد.
والمعنى على القراءة الأولى: وما محمد بمتهم على الغيب، أي أنه صادق في أخباره عن اليوم الآخر وحوادثه والوحي وما يجيء به.
وكما أنه لم يعرف عنه الكذب في ماضي حياته فهو غير متهم فيما يحكيه عن رؤية جبريل.
وعلى الثانية يكون المعنى إنه لا يبخل بما يأتيه من الوحي ولا يقصر في تبليغه.
وسمي الوحي غيبًا لا يعرفه ولا يفهم حقيقته من البشر إلا الذي يوحى إليه.
(وما هو بقول شيطان رجيم) أي لما كان صاحبكم قد عرف بصحة العقل، وبالأمانة على الغيب، فلا يكون ما يحدث به من خبر الآخرة والجنة والنار والشرائع والأحكام قول شيطان رجيم، تظنون أنه قد تبعه وخالط عقله.
(فأين تذهبون) أي مسلك تسلكون، وقد قامت عليكم الحجة، وأحاط بكم الحق من جميع جوانبكم؟
ما هذا الذي يتلوه عليكم محمد (إلا ذكر للعالمين) موعظة يتذكرون بها ما غرز اللَّه في طباعهم من الميل إلى الخير، وإنما أنساهم ذكره ما طرأ على اطباعهم من ملكات السوء التي تحدثها أمراض الاجتماع وقوله ﴿ لِمَنْ شَاءَ ﴾ إلخ بدل من العالمين، أي أنه ذكر يتذكر به من وجه إرادته لأن يستقيم على الجادة الواضحة، جادة الحق والعدل.
أما من صرف نفسه عن ذلك ولم يرد إلا الاعوجاج والانحراف عن طريق الحق والصواب، فذلك الذكر لا يؤثر فيه ولا يخرجه من غفلته.
فعلى مشيئة المكلف تتوقف الهداية.
ولا ريب في أن كل مكلف قد فرض عليه أن يوجه فكره نحو الحق ليطلبه وأن يحفز عزمه إلى الخير ليكسبه.
ولما كان ترتيب الذكر والانتفاع به على مشيئة العبد أن يستقيم ربما يوهم أن الإنسان مستقل باختياره، سلطان لنفسه، وحاكم لأمره، منقطع العلاقة في إرادة عن سلطان إلهه، استدرك لدفع هذا الوهم بقوله (وما تشاءون إلا أن يشاء اللَّه)، أي إن إرادتكم إنما هي لو مخلوقة، وهو الذي أودعها فيكم، ولو شاء لسلبكم إياها، وجعلكم من الحيوانات التي ليس لها إرادة العاقل أو أحط من ذلك بحيث لا تكون لكم إرادة بالمرة.
وأتى بالوصف لبيان العلة في الحكم حيث قال (رب العالمين)، أي أنه لما كان رب العالمين أجمعين، وهو مانحهم كل ما يتمتعون به من القوى: إرادة أو غيرها، وهو مع ذلك صاحب السلطان الأعلى عليهم-كانت إرادتكم مستندة في الحقيقة إلى إرادته، وخاضعة لسلطانه، فلو شاء أن يحولها إلى وجه غير الذي اتجهت إليه لتحولت، ولو شاء محوها بالمرة لمحيت.
له الأمر وهو على كل شيء قدير.