الإسلام > القرآن > سور > سورة 82 الانفطار > الآية ٤ من سورة الانفطار
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 65 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة الانفطار: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وإذا القبور بعثرت ) قال ابن عباس بحثت وقال السدي تبعثر تحرك فيخرج من فيها .
( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ) يقول: فجَّر بعضها في بعض، فملأ جميعها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في بعض ذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ) يقول: بعضها في بعض.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ) فُجِّر عذبها في مالحها، ومالحها في عذبها.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ) قال: فجِّر بعضها في بعض، فذهب ماؤها.
وقال الكلبي: ملئت.
أي قلبت وأخرج ما فيها من أهلها أحياء ; يقال : بعثرت المتاع : قلبته ظهرا لبطن , وبعثرت الحوض وبحثرته : إذا هدمته وجعلت أسفله أعلاه .وقال قوم منهم الفراء : " بعثرت " : أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة .وذلك من أشراط الساعة : أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها ." علمت نفس ما قدمت وأخرت " مثل : " ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر " [ القيامة : 13 ] .وتقدم .وهذا جواب " إذا السماء انفطرت " لأنه قسم في قول الحسن وقع على قوله تعالى : " علمت نفس "
وبعثرت القبور بأن أخرجت ما فيها من الأموات،
"وإذا القبور بعثرت"، بحثت وقلب ترابها وبعث ما فيها من الموتى أحياءً، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته، إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه.
«وإذا القبور بُعثرت» قلب ترابها وبعث موتاها وجواب إذا وما عطف عليها.
إذا السماء انشقت، واختلَّ نظامها، وإذا الكواكب تساقطت، وإذا البحار فجَّر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها، وإذا القبور قُلِبت ببعث مَن كان فيها، حينئذ تعلم كلُّ نفس جميع أعمالها، ما تقدَّم منها، وما تأخر، وجوزيت بها.
( وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ ) أى : صار باطنُها ظاهرَهَا ، وخرج ما فيها من الموتى مسرعين ، يقال : بعثر فلان متاعه ، إذا فرقه وبدده وقب بعضه على بعض .والمراد أن التراب الذى كان فيها يبعثر ويزال ، ويخرج الموتى من تلك القبور للحساب والجزاء .
اعلم أن المراد أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر والنشر، وفي تفسير هذه الآيات مقامات الأول: في تفسير كل واحد من هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة وهي هاهنا أربعة، اثنان منها تتعلق بالعلويات، واثنان آخران تتعلق بالسفليات الأول: قوله: ﴿ إِذَا السماء انفطرت ﴾ أي انشقت وهو كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء * بالغمام ﴾ ، ﴿ إِذَا السماء انشقت ﴾ ، ﴿ فَإِذَا انشقت السماء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان ﴾ ، ﴿ وَفُتِحَتِ السماء فَكَانَتْ أبوابا ﴾ و ﴿ السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ قال الخليل: ولم يأت هذا على الفعل، بل هو كقولهم: مرضع وحائض، ولو كان على الفعل لكان منفطرة كما قال: ﴿ إِذَا السماء انفطرت ﴾ أما الثاني وهو قوله: ﴿ وَإِذَا الكواكب انتثرت ﴾ فالمعنى ظاهر لأن عند انتقاض تركيب السماء لابد من انتثار الكواكب على الأرض.
واعلم أنا ذكرنا في بعض السورة المتقدمة أن الفلاسفة ينكرون إمكان الخرق والالتئام على الأفلاك، ودليلنا على إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة في كونها أجساماً، فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر، إنما قلنا: إنها متماثلة لأنه يصح تقسيمها إلى السماوية والأرضية ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فالعلويات والسفليات مشتركة في أنها أجسام، وإنما قلنا: إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات، لأن المتماثلات حكمها واحد فمتى يصح حكم على واحد منها، وجب أن يصح على الباقي، وأما الإثنان السفليان: فأحدهما: قوله: ﴿ وَإِذَا البحار فُجّرَتْ ﴾ وفيه وجوه أحدهما: أنه ينفذ بعض البحار في البعض بارتفاع الحاجز الذي جعله الله برزخاً، وحينئذ يصير الكل بحراً واحداً، وإنما يرتفع ذلك الحاجز لتزلزل الأرض وتصدعها.
وثانيها: أن مياه البحار الآن راكدة مجتمعة، فإذا فجرت تفرقت وذهب ماؤها.
وثالثها: قال الحسن: فجرت أي يبست.
واعلم أن على الوجوه الثلاثة، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها، وهو كما ذكر أنه تغير الأرض عن صفتها في قوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ﴾ وتغير الجبال عن صفتها في قوله: ﴿ ﴾ .
ورابعها: قرأ بعضهم: ﴿ فُجّرَتْ ﴾ بالتخفيف، وقرأ مجاهد: ﴿ فُجّرَتْ ﴾ على البناء للفاعل والتخفيف، بمعنى بغت لزوال البرزخ نظراً إلى قوله: ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ لأن البغي والفجور أخوان.
وأما الثاني: فقوله: ﴿ وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ ﴾ فاعلم أن بعثر وبحثر بمعنى واحد، ومركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما، والمعنى أثيرت وقلب أسفلها أعلاها وباطنها ظاهرها، ثم هاهنا وجهان: أحدهما: أن القبور تبعثر بأن يخرج ما فيها من الموتى أحياء، كما قال تعالى: ﴿ وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا ﴾ والثاني: أنها تبعثر لإخراج ما في بطنها من الذهب والفضة، وذلك لأن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضتها، ثم يكون بعد ذلك خروج الموتى، والأول أقرب، لأن دلالة القبور على الأول أتم.
المقام الثاني: في فائدة هذا الترتيب، واعلم أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف، والسماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار، فإنه يبدأ أولاً بتخريب السقف، وذلك هو قوله: ﴿ إِذَا السماء انفطرت ﴾ ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، وذلك هو قوله: ﴿ وَإِذَا الكواكب انتثرت ﴾ ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض وهو قوله: ﴿ وَإِذَا البحار فُجّرَتْ ﴾ ثم إنه تعالى يخرب آخر الأمر الأرض التي هي البناء، وذلك هو قوله: ﴿ وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ ﴾ فإنه إشارة إلى قلب الأرض ظهراً لبطن، وبطناً لظهر.
المقام الثالث: في تفسير قوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ وفيه احتمالان الأول: أن المراد بهذه الأمور ذكر يوم القيامة، ثم فيه وجوه: أحدها: وهو الأصح أن المقصود منه الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة، أي يعلم كل أحد في هذا اليوم ماقدم، فلم يقصر فيه وما أخر فقصر فيه، لأن قوله: ﴿ مَّا قَدَّمَتْ ﴾ يقتضي فعلاً و ﴿ مَا أخرت ﴾ يقتضي تركاً، فهذا الكلام يقتضي فعلاً وتركاً وتقصيراً وتوفيراً، فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح فمأواه النار، وإن كان قدم العمل الصالح وأخر الكبائر فمأواه الجنة.
وثانيها: ما قدمت من عمل أدخله في الوجود وماأخرت من سنة يستن بها من بعده من خير أو شر.
وثالثها: قال الضحاك: ما قدمت من الفرائض وما أخرت أي ما ضيعت.
ورابعها: قال أبو مسلم: ما قدمت من الأعمال في أول عمرها وما أخرت في آخر عمرها، فإن قيل: وفي أي موقف من مواقف القيامة يحصل هذا العلم؟
قلنا: أما العلم الإجمالي فيحصل في أول زمان الحشر، لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر.
وأما العلم التفصيل، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد قيل: قيام القيامة بل عند ظهور أشراط الساعة وانقطاع التكاليف، وحين لا ينفع العمل بعد ذلك كما قال: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا ﴾ فيكون ما عمله الإنسان إلى تلك الغاية، هو أول أعماله وآخرها، لأنه لا عمل له بعد ذلك، وهذا القول ذكره القفال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ انفطرت ﴾ انشقت ﴿ فُجِّرَتْ ﴾ فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالمالح، وزال البرزخ الذي بينهما، وصارت البحار بحراً واحداً وروي أنّ الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار، فتصير مستوية، وهو معنى التسجير عند الحسن، وقرئ ﴿ فجرت ﴾ بالتخفيف.
وقرأ مجاهد: فجرت على النباء للفاعل والتخفيف.
بمعنى: بغت لزوال البرزخ نظراً إلى قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ [الرحمن: 20] لأنّ البغي والفجور أخوان.
بعثر وبحثر بمعنى، وهما مركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما.
والمعنى: يحثت وأخرج موتاها.
وقيل: لبراءة المبعثرة لأنها بعثرت أسرار المنافقين.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الِانْفِطارِ مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ انْشَقَّتْ.
﴿ وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ تَساقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً.
﴿ وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ ﴾ فُتِحَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ فَصارَ الكُلُّ بَحْرًا واحِدًا.
﴿ وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ قُلِبَ تُرابِها وأُخْرِجَ مَوْتاها.
وقِيلَ: إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بُعِثَ وراءَ الإثارَةِ كَبَسْمَلَ ونَظِيرُهُ بُحْثِرَ لَفْظًا ومَعْنًى.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ} بحثت وأخرج موتاها وجواب إذا
﴿ وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ قُلِبَ تُرابُها الَّذِي حُثِيَ عَلى مَوْتاها وأُزِيلَ وأُخْرِجَ مَن دُفِنَ فِيها عَلى ما فَسَّرَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وأصْلُ البَعْثَرَةِ عَلى ما قِيلَ تَبْدِيدُ التُّرابِ ونَحْوِهِ؛ وهو إنَّما يَكُونُ لِإخْراجِ شَيْءٍ تَحْتَهُ فَقَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ مَعْناهُ ولازِمُهُ مَعًا وعَلَيْهِ ما سَمِعْتَ.
وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ البَعْثِ والإخْراجِ كَما في العادِياتِ حَيْثُ أُسْنِدَ فِيها لِما في القُبُورِ دُونَها كَما هُنا وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّبْشِ والإخْراجِ، وذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسُّهَيْلِيِّ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ اخْتِصارًا، ويُسَمّى ذَلِكَ نَحْتًا، وأصْلُ «بُعْثِرَ» بُعِثَ وأُثِيرَ، ونَظِيرُهُ بَسْمَلَ وحَمْدَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعَزَ؛ أيْ: قالَ بِسْمِ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى وأدامَ اللَّهُ تَعالى عِزَّهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّظائِرِ وهي كَثِيرَةٌ في لُغَةِ العَرَبِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْناهُ النَّبْشَ والإخْراجَ مَعًا، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الرّاءَ لَيْسَتْ مِن أحْرُفِ الزِّيادَةِ، وهو تَوَهُّمٌ مِنهُ؛ فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّرْكِيبِ والنَّحْتِ مِن كَلِمَتَيْنِ والزِّيادَةِ عَلى بَعْضِ الحُرُوفِ الأُصُولِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ كَما فَصَّلَ في الزَّهْرِ نَقْلًا عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، نَعَمْ؛ الأصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي تسع عشرة آية مكية قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ يعني: انفجرت لهيبة الرب تبارك وتعالى ويقال: انفجرت لنزول الملائكة لقوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: 25] وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ يعني: تساقطت وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ يعني: فتحت بعضها في بعض وصارت بحراً واحداً وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ يعني: بعثرت وأخرج ما فيه، ويقال: بعثرت المتاع وبعثرته إذا جعلت أسفله أعلاه ثم قال عز وجل: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ يعني: ما عملت من خير وشر يعني: ما عملت من سنة صالحة أو سيئة، وروى أبو هريرة- - عن النبيّ أنه قال: «أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إلَى الْهُدَى فَاتُّبِعَ فَلَهُ أَجْرُ مَنِ اتَّبَعَهُ إلا أنه لا ينقص مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً وأَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إلَى الضَّلاَلَةِ فَاتُّبِعَ فَلَهُ أَجْرُ مَنِ اتبعه إلا أنه لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئَاً» ويقال: مَّا قَدَّمَتْ أي: ما عملت وما أَخَّرَتْ يعني: أضاعت العمل فلم تعمل.
<div class="verse-tafsir"
بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، دونَ سائر أسمائِه تعالى وصفاته، كأنه لَقَّنَهُ جَوَابَهُ حتى يقولَ: غَرَّنِي كَرَمُكَ، انتهى، وقرأ الجمهور: «فعدّلك» وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا نَظَر إلى الهلالِ قال: «آمنتُ بالذي خلقَك فسوَّاك فَعَدَلَك» وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بتخفيفِ الدال «١» ، والمعنى عَدَّلَ أعضَاءَك بعضَها ببعضٍ، أي: وازن بينها.
وقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ ذهبَ الجمهورُ إلى أن «في» متعلِّقة ب «ركَّبك» ، أي: في صورةٍ حسنةٍ أو قبيحةٍ، أو سليمةٍ، أو مشوهةٍ، ونَحْو هذا، و «ما» في قوله: مَّا شاءَ رَكَّبَكَ زائِدَةٌ فيها معنَى التأكيد، قال أبو حيان «٢» : كَلَّا رَدْعٌ وزَجْرٌ، انتهى، والدِّينُ هنا يحتمل أن يريدَ الشرعَ، ويحتملُ أن يريدَ الجزاءَ والحساب، وباقي الآية واضح لمتأمّله.
يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
وقوله تعالى: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ أي: يوم الجزاءِ.
وقوله تعالى: وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [قال جماعة: معناه: ما هم عنها بغائبين] «٣»
في البَرْزَخِ، وذلك أنهم يرونَ مقاعِدَهم من النارِ غَدْوَةً وعشيَّةً فهم لم يزالُوا مشاهدينَ لَها نسألُ اللَّه العافيةَ في الدارينِ بجُودِه وكرمِه، ثم عظَّم تعالى قدرَ هولِ ذلكَ اليومِ بقوله:
وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ الآية.
سُورَةُ الِانْفِطارِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ انْفِطارُها: انْشِقاقُها.
و ﴿ انْتَثَرَتْ ﴾ بِمَعْنى تَساقَطَتْ.
و ﴿ فُجِّرَتْ ﴾ بِمَعْنى فُتِحَ بَعْضُها في بَعْضٍ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا.
وقالَ الحَسَنُ: ذَهَبَ ماؤُها، و ﴿ بُعْثِرَتْ ﴾ بِمَعْنى أُثِيرَتْ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُلِبَتْ فَأُخْرِجَ ما فِيها.
يُقالُ: بَعْثَرْتُ المَتاعَ وبَحْثَرَتْهُ: إذا جَعَلْتَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ هَذا جَوابُ الكَلامِ.
وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عُنِيَ بِهِ أبُو الأشَدَّيْنِ، وكانَ كافِرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا اسْمَهُ في [المُدَّثِّرِ: ٣٠] .
والثّانِي: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أشارَ إلى كُلِّ كافِرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما غَرَّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ حَتّى أضَعْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ؟
.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ وهو كَرِيمٌ مُتَجاوِزٌ إذْ لَمْ يُعاقِبْكَ عاجِلًا؟
وقِيلَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ: لَوْ أقامَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكِ الكَرِيمِ، ماذا كُنْتَ تَقُولُ؟
قالَ: أقُولُ: غَرَّنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ.
وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: لَوْ قالَ لِي: ما غَرَّكَ بِي؟
قُلْتُ: بِرُّكَ سالِفًا وآنِفًا.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ الصِّفَةَ الَّتِي هي الكَرَمُ هاهُنا دُونَ سائِرِ صِفاتِهِ، كانَ كَأنَّهُ لَقَّنَ عَبْدَهُ الجَوابَ، لِيَقُولَ: غَرَّنِي كَرَمُ الكَرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ ﴾ ولَمْ تَكْ شَيْئًا ﴿ فَسَوّاكَ ﴾ إنْسانًا تَسْمَعُ وتُبْصِرُ ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَعَدَلَكَ " بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَوَجْهُهُ -واللَّهُ أعْلَمُ-: فَصَوَّرَكَ إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، إمّا حَسَنٌ، وإمّا قَبِيحٌ، وإمّا طَوِيلٌ، وإمّا قَصِيرٌ.
وقِيلَ: في صُورَةِ أبٍ، في صُورَةِ عَمٍّ، في صُورَةِ بَعْضِ القَراباتِ تَشْبِيهًا.
ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَإنَّهُ أرادَ -واللَّهُ أعْلَمُ-: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا، مُعَدَّلَ الخِلْقَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ: عَدَّلَ أعْضاءَكَ فَلَمْ تَفْضُلْ يَدٌ عَلى يَدٍ، ولا رِجْلٌ عَلى رِجْلٍ، وعَدَلَ بِكَ أنْ يَجْعَلَكَ حَيَوانًا بَهِيمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " زائِدَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ.
وفي مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في أيِّ صُورَةٍ مِن صُوَرِ القَراباتِ رَكَّبَكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: في أيِّ صُورَةٍ، مِن حُسْنٍ، أوْ قُبْحٍ، أوْ طُولٍ، أوْ قِصَرٍ، أوْ ذَكَرٍ، أوْ أُنْثى، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.
والثّالِثُ: إنْ شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ رَكَّبَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ قِرْدٍ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ.
والرّابِعُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ إنْسانٍ بِأفْعالِ الخَيْرِ.
وإنْ شاءَ في صُورَةِ حِمارٍ بِالبَلادَةِ والبَلَهِ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ كَلْبٍ بِالبُخْلِ، أوْ خِنْزِيرٍ بِالشَّرَهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " بِالياءِ " أيْ بِالجَزاءِ والحِسابِ، تَزْعُمُونَ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ.
ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم ﴿ كِرامًا ﴾ عَلى رَبِّهِمْ ﴿ كاتِبِينَ ﴾ يَكْتُبُونَ أعْمالَكم ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَيَكْتُبُونَهُ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: الظَّلَمَةُ.
ونُقِلَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ أنَّهُ قالَ لِأبِي حازِمٍ: يا لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟
فَقالَ لَهُ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّكَ تَعْلَمُ ما لَكَ عِنْدَهُ، فَقالَ: وأيْنَ أجِدُهُ؟
قالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ قالَ سُلَيْمانُ: فَأيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟
قالَ: قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يَعْنِي: يَدْخُلُونَ الجَحِيمَ مُقاسِينَ حَرَّها ﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ ﴿ وَما هم عَنْها ﴾ أيْ: عَنِ الجَحِيمِ ﴿ بِغائِبِينَ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى تَخْلِيدِ الكُفّارِ.
وأجازَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ تَكُونَ " عَنْها " كِنايَةً عَنِ القِيامَةِ، فَتَكُونُ فائِدَةُ الكَلامِ تَحْقِيقَ البَعْثِ.
ويَشْتَمِلُ هَذا عَلى الأبْرارِ والفُجّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وكانَ ابْنُ السّائِبِ يَقُولُ: الخِطابُ بِهَذا لِلْإنْسانِ الكافِرِ، لا لِرَسُولِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَوْمُ " بِالرَّفْعِ، والباقُونَ: بِالفَتْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ " اليَوْمَ "، فَعَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " يَوْمُ الدِّينِ " .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِإضْمارِ " هو " ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: هَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ تَكُونُ ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَمْلِكُ الأمْرَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَمْ يُمَلِّكْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ شَيْئًا كَما مَلَّكَهم في الدُّنْيا.
وكانَ مُقاتِلٌ يَقُولُ: لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ كافِرَةٍ شَيْئًا مِنَ المَنفَعَةِ.
والقَوْلُ عَلى الإطْلاقِ أصَحُّ، لِأنَّ مُقاتِلًا فِيما أحْسَبُ خافَ نَفْيَ شَفاعَةِ المُؤْمِنِينَ.
والشَّفاعَةُ إنَّما تَكُونُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ وتَمْلِيكِهِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْفِطارِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا السَماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِينِ ﴾ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ ﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ.
و"انْفِطارُ السَماءِ" تَشَقُّقُها عَلى غَيْرِ نِظامٍ مَقْصُودٍ إنَّما هو انْشِقاقٌ لِتَزُولَ زِينَتُها.
و"انْتِثارُ الكَواكِبِ" سُقُوطُها مِن مَواضِعِها الَّتِي هي فِيها كَنِظامٍ.
و"تَفْجِيرُ البِحارِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ امْتِلائِها فَتُفَجَّرُ مِن أعالِيها وتَفِيضُ عَلى ما يَلِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْجِيرَ تَفْرِيعٍ مِن قِيعانِها فَيَذْهَبُ اللهُ تَعالى ماءَها حَيْثُ شاءَ، وقِيلَ: يُفَجِّرُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَيَخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ وتَصِيرُ واحِدًا، وهَذا نَحْوُ الِاخْتِلافِ في "سُجِّرَتْ" في السُورَةِ الَّتِي قَبْلُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: "فَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ.
و"بَعْثَرَةُ القُبُورِ" نَبْشُها عَنِ المَوْتى الَّذِينَ فِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلِمَتْ نَفْسٌ" هو جَوابُ "إذا"، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ: وإفْرادُها لِيُبَيِّنَ لِذِهْنِ السامِعِ حَقارَتَها وقِلَّتَها وضَعْفَها عن مَنفَعَةِ ذاتِها إلّا مَن رَحِمَ اللهُ تَعالى، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ : إنَّها عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ هَذا التَقْسِيمَ يَعُمُّ الطاعاتِ المَعْمُولَةِ والمَتْرُوكَةِ، وكَذَلِكَ المَعاصِي.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: مَعْناهُ: ما قَدَّمَتْ في حَياتِها وما أخَّرَتْ ∗∗∗ مِمّا سَنَّتْهُ فَعَمِلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِها.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى جِنْسَ ابْنِ آدَمَ فَوَقَفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَنْبِيهِ- عَلى أيِّ شَيْءٍ أوجَبَ أنْ يَغْتَرَّ بِرَبِّهِ الكَرِيمِ فَيَعْصِيهِ ويَجْعَلُ لَهُ نِدًّا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، وهو الخالِقُ المُوجِدُ بَعْدَ العَدَمِ.
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قَرَأ: " ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ" فَقالَ: جَهْلُهُ،» وقالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَرَأ ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ: غَرَّهُ عَدُوُّهُ المُسَلَّطُ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: غَرَّهُ سَتْرُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقالَ غَيْرُهُ: غَرَّهُ كَرَمُ اللهِ تَعالى.
ولَفْظَةُ "الكَرِيمِ" تُلَقِّنُ هَذا الجَوابَ، فَهَذا مِن لُطْفِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِعِبادِهِ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "ما أغَرَّكَ" عَلى وزْنِ أفْعَلَكَ، والمَعْنى: ما دَعاكَ إلى الِاغْتِرارِ؟
أنْ يَكُونَ المَعْنى تَعَجُّبًا مَحْضًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَعَدَّلَكَ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "فَعَدَلَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، والمَعْنى: عَدَلَ أعْضاءَكَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، أيْ وازَنَ بَيْنَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ، ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "رَكَّبَكَ"، أيْ: في صُورَةٍ قَبِيحَةٍ أو حَسَنَةٍ أو مُشَوَّهَةٍ أو سَلِيمَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى: فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ، بِمَعْنى: إلى أيِّ صُورَةٍ، حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: المَعْنى: لَمْ يَجْعَلْكَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ ولا حِمارٍ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى الوَعِيدُ والتَهْدِيدُ، أيِ: الَّذِي إنْ شاءَ رَكَّبَكَ في صُورَةِ حِمارٍ أو خِنْزِيرٍ أو غَيْرِهِ، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما شاءَ" زائِدَةٌ، فِيها مَعْنى التَأْكِيدِ والتَرْكِيبِ والتَأْلِيفِ وجَمْعِ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ: "رَكَّبَكَ كُلًّا" بِإدْغامِ الكافِ في الكافِ.
ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى سائِرِ أقْوالِهِمْ ورَدَّ عنها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كَلّا"، ثُمَّ أثْبَتَ تَعالى لَهم تَكْذِيبَهم بِالدِينِ، وهَذا الخِطابُ عامٌّ ومَعْناهُ الخُصُوصُ في الكُفّارِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُكَذِّبُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: "يُكَذِّبُونَ" بِالياءِ، و"الدِينُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الشَرْعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَزاءَ والحِسابَ.
و"الحافِظُونَ" هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ أعْمالَ ابْنِ آدَمَ، ووَصْفَهم تَعالى بِالكَرَمِ الَّذِي هو نَفْيُ المَذامِّ، و"يَعْلَمُونَ ما يَفْعَلُونَ" لِمُشاهَدَتِهِمْ حالَ بَنِي آدَمَ، ووَصْفِهِمْ تَعالى بِالكَرَمِ الَّذِي هو نَفىُ المَذامِّ و"يَعْمَلُونَ ما يَفْعَلُونَ" لِمُشاهَدَتِهِمْ حالَ بَنِي آدَمَ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ سُفْيانُ يَقْتَضِي أنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ سَيِّئَةً مِمّا لا تُرى ولا تُسْمَعُ، مِثْلَ الخَواطِرِ المُسْتَصْحَبَةِ ونَحْوِها أنَّ المَلِكَ يَجِدُ رِيحَ تِلْكَ الخَطِيئَةِ بِإدْراكٍ قَدْ خَلَقَهُ اللهُ تَعالى لَهم.
<div class="verse-tafsir"
الافتتاح ب ﴿ إذا ﴾ افتتاح مشوِّق لما يرد بعدها من متعلقها الذي هو جواب ما في (إذا) من معنى الشرط كما تقدم في أول سورة إذا الشمس كورت، سوى أن الجمل المتعاطفة المضاف إليها هي هنا أقل من اللاتي في سورة التكوير لأن المقام لم يقتض تطويل الإِطناب كما اقتضاه المقام في سورة التكوير وإن كان في كلتيهما مقتض للإِطناب لكنه متفاوت لأن سورة التكوير من أول السور نزولاً كما علمت آنفاً.
وأما سورة الانفطار فبينها وبين سورة التكوير أربع وسبعون سورة تكرر في بعضها إثبات البعث والجزاء والإِنذار وتقرر عند المخاطبين فأغنى عن تطويل الإِطناب والتهويل.
و ﴿ إذا ﴾ ظرف للمستقبل متضمن معنى الشرط.
والمعربون يقولون: خافض لشرطه منصوب بجوابه، وهي عبارة حسنة جامعة.
والقول في الجمل التي أضيف إليها ﴿ إذا ﴾ من كونها جملاً مفتتحة بمسند إليه مخبر عنه بمسند فعلي دون أن يؤتى بالجملة الفعلية ودون تقدير أفعال محذوفة قبل الأسماء، لقصد الاهتمام بالمسند إليه وتقوية الخبر.
وكذلك القول في تكرير كلمة (إذا) بعد حروف العطف كالقول في جمل ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ [التكوير: 1].
و ﴿ انفطرت ﴾ : مطاوع فطر، إذا جعل الشيء مفطوراً، أي مشقوقاً ذا فطور، وتقدم في سورة الملك.
وهذا الانفطار: انفراج يقع فيما يسمى بالسماء وهو ما يشبه القبة في نظر الرائي يراه تسير فيه الكواكب في أسْمات مضبوطة تسمى بالأفلاك تشاهد بالليل، ويعرف سمتها في النهار، ومشاهدتها في صورة متماثلة مع تعاقب القرون تدل على تجانس ما هي مصورة منه فإذا اختلّ ذلك وتخللته أجسام أو عناصر غريبة عن أصل نظامه تفككت تلك الطباق ولاح فيها تشقق فكان علامة على انحلال النظام المتعلق بها كله.
والظاهر أن هذا الانفطار هو المعبر عنه بالانشقاق أيضاً في سورة الانشقاق وهو حدث يكون قبل يوم البعث وأنه من أشراط الساعة لأنه يحصل عند إفساد النظام الذي أقام الله عليه حركات الكواكب وحركة الأرض وذلك يقتضيه قرنه بانتثار الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور.
وأما الكشط الذي تقدم في سورة التكوير (11) في قوله: ﴿ وإذا السماء كشطت ﴾ فذلك عرض آخر يعرض للسماوات يوم الحشر فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ﴾ [الفرقان: 25].
والانتثار: مطاوع النثر ضد الجمع وضد الضم، فالنثر هو رمي أشياء على الأرض بتفرق.
وأما التفرق في الهواء فإطلاق النثر عليه مجاز كما في قوله تعالى: ﴿ فجعلناه هباء منثوراً ﴾ [الفرقان: 23].
فانتثار الكواكب مستعار لتفرق هيئات اجتماعها المعروفة في مواقعها، أو مستعار لخروجها من دوائر أفلاكها وسموتها فتبدو مضطربة في الفضاء بعد أن كانت تلوح كأنها قارّة، فانتثارها تبددها وتفرق مجتمعها، وذلك من آثار اختلال قوة الجاذبية التي أقيم عليها نظام العالم الشمسي.
وتفجير البحار انطلاق مائها من مستواه وفيضانه على ما حولها من الأرضين كما يتفجر ماء العين حين حفرها لِفساد كرة الهواء التي هي ضاغطة على مياه البحار وبذلك التفجير يعمّ الماء على الأرض فيهلك ما عليها ويختل سطحها.
ومعنى: ﴿ بعثرت ﴾ : انقلبَ باطنها ظاهِرَها، والبعثرة: الانقلاب، يقال: بعثر المتاع إذا قلب بعضه على بعض.
قال في «الكشاف»: «بعثر مركب من البعث مع راء ضُمت إليه».
وقال البيضاوي قيل: إن بعثر مركب من بعث وراء الإِثارة كبسمل اه، ونقل مثله عن السهيلي.
وأن بعثر منحوت من بعث وإثارة مثل: بسمل، وحَوْقل، فيكون في بعثر معنى فعلين بَعَثَ وأثَار، أي أخرج وقلب، فكأنه قلب لأجل إخراج ما في المقلوب.
والذي اقتصر عليه أيمة اللغة أن معنى بعثر: قلب بَعض شيء على بعضه.
وبعثرة القبور: حالة من حالات الانقلاب الأرضي والخسف خصت بالذكر من بين حالات الأرض لما فيها من الهول باستحضار حالة الأرض وقد ألقت على ظاهرها ما كان في باطن المقابر من جثث كاملة ورفات، فإن كان البعث عن عدم كما مال إليه بعض العلماء أو عن تفريق كما رآه بعض آخر، فإن بعث الأجساد الكاملة يجوز أن يختص بالبعث عن تفريق ويختص بعث الأجساد البالية والرمم بالكون عن عدم.
وجملة: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ جوابٌ لما في ﴿ إذا ﴾ من معنى الشرط، ويتنازع التعلق به جميع ما ذكر من كلمات ﴿ إذا ﴾ الأربع.
وهذا العلم كناية عن الحساب على ما قدمت النفوس وأخرت.
وعِلم النفوس بما قدمت وأخرت يحصل بعد حصول ما تضمنته جمل الشرط ب ﴿ إذا ﴾ إذ لا يلزم في ربط المشروط بشرطه أن يكون حصوله مقارناً لحصول شرطه لأنّ الشروط اللغوية أسباب وأمارات وليست عِللاً، وقد تقدم بيان ذلك في سورة التكوير.
صيغة الماضي في قوله: ﴿ انفطرت ﴾ وما عطف عليه مستعملة في المستقبل تشبيهاً لتحقيق وقوع المستقبل بحصول الشيء في الماضي.
وإثبات العلم للناس بما قدموا وأخروا عند حصول تلك الشروط لعدم الاعتداد بعلمهم بذلك الذي كان في الحياة الدنيا، فنزل منزلة عدم العلم كما تقدم بيانه في قوله: ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ في سورة التكوير (14).
ونفس } مراد به العموم على نحو ما تقدم في: ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ في سورة التكوير (14).
وما قدمت وأخرت}: هو العمل الذي قدمتْه النفس، أي عملته مقدماً وهو ما عملته في أول العمر، والعملُ الذي أخرته، أي عملته مؤخراً أي في آخر مدة الحياة، أو المراد بالتقديم المبادرة بالعمل، والمراد بالتأخير مقابله وهو ترك العمل.
والمقصود من هذين تعميم التوقيف على جميع ما عملته ومثله قوله تعالى: ﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ في سورة لا أقسم بيوم القيامة (13).
والعلم يتحقق بإدراك ما لم يكن معلوماً من قبل وبتذكر ما نُسي لطول المدة عليه كما تقدم في نظيره في سورة التكوير.
وهذا وعيد بالحساب على جميع أعمال المشركين، وهم المقصود بالسورة كما يشير إليه قوله بعد هذا: ﴿ بل تكذبون بالدين ﴾ [الانفطار: 9]، ووعد للمتقين، ومختلط لمن عملوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الِانْفِطارِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: انْشَقَّتْ.
الثّانِي: سَقَطَتْ، قالَ الشّاعِرُ كانُوا سُعُودًا سَماءَ النّاسِ فانْفَطَرَتْ فَأصْبَحَ الشَّمْلُ لَمْ تُرْفَعْ لَهُ عُمُدُ ﴿ وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَبِسَتْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: خُلِطَتْ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: وهو سَبْعَةُ أبْحُرٍ فَتَصِيرُ بَحْرًا واحِدًا.
الثّالِثُ: فُجِّرَ عَذْبُها في مالِحِها: ومالِحُها في عَذْبِها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أيْ فاضَتْ.
﴿ وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بُحِثَتْ وثُوِّرَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ الفَرّاءُ: فَيُخْرَجُ ما في بَطْنِها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وذَلِكَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُخْرِجَ الأرْضُ ذَهَبَها وفِضَّتَها ثُمَّ تُخْرِجُ المَوْتى.
الثّانِي: حُرِّكَتْ لِلْبَعْثِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: بُعِثَ مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما عَمِلَتْ وما تَرَكَتْ، قالَهُ أبُو رُزَيْنٍ.
الثّانِي: ما قَدَّمَتْ مِن طاعَةٍ، وأخَّرَتْ مِن حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الصَّدَقاتِ وما أخَّرَتْ مِنَ المِيراثِ.
وَيُحْتَمَلُ ما قَدَّمَتْ مِن مَعْصِيَةٍ وأخَّرَتْ مِن طاعَةٍ، لِأنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الوَعِيدِ، وهَذا جَوابُ ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ، وجَعَلَها الحَسَنُ قَسَمًا وقَعَتْ عَلى قَوْلِهِ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ﴾ الآيَةَ.
والأظْهَرُ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِن أنَّهُ خَبَرٌ ولَيْسَ بِقَسَمٍ.
﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ في الإنْسانِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى كُلِّ كافِرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ كَلَدَةَ بْنِ أسَدٍ الجُمَحِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي الَّذِي غَرَّهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَدُّوهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: جَهْلُهُ، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: إنَّهُ إمْهالُهُ.
﴿ الكَرِيمِ ﴾ الَّذِي يَتَجاوَزُ ويَصْفَحُ، ورَوى الحَسَنُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا قَرَأ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ .
.
الآيَةَ، قالَ: حُمْقُهُ وجَهْلُهُ.
﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَسَوّى خَلْقَكَ وعَدَلَ خِلْقَتَكَ.
الثّانِي: فَسَوّى أعْضاءَكَ بِحَسْبِ الحاجَةِ وعَدَلَها في المُماثَلَةِ لا تَفْضُلُ يَدٌ عَلى يَدٍ، ولا رِجْلٌ عَلى رِجْلٍ.
الثّالِثُ: فَسَوّاكَ إنْسانًا كَرِيمًا وعَدَلَ بِكَ عَنْ أنْ يَجْعَلَكَ حَيَوانًا بَهِيمًا.
قالَ أصْحابُ الخَواطِرِ: سَوّاكَ بِالعَقْلِ وعَدَلَكَ بِالإيمانِ.
﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما شاءَ رَكَّبَكَ مِن شَبَهِ أُمٍّ أوْ أبٍ أوْ خالٍ أوْ عَمٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِن حُسْنٍ أوْ قُبْحٍ أوْ طُولٍ أوْ قِصَرٍ أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: في أيِّ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الخَلْقِ رَكَّبَكَ حَتّى صِرْتَ عَلى صُورَتِكَ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها أيُّها الإنْسانُ لا يُشْبِهُكَ شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ.
وَرَوى مُوسى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ لِجَدِّهِ: «ما وُلِدَ لَكَ؟
قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما عَسى أنْ يُولَدَ لِي إمّا غُلامٌ وإمّا جارِيَةٌ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ومَن عَسى أنْ يُشْبِهَ؟
قالَ: إمّا أباهُ وإمّا أُمَّهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَها: مَهْ لا تَقُوَلَنَّ هَكَذا، إنَّ النُّطْفَةَ إذا اسْتَقَرَّتْ في الرَّحِمِ أحْضَرَها اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ أما قَرَأتَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ » .
﴿ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِالحِسابِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِالعَدْلِ والقَضاءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: بِالدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، يَحْفَظُ كُلَّ إنْسانٍ مَلَكانِ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الخَيْرَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ يَكْتُبُ الشَّرَّ.
﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كِرامًا عَلى اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: كِرامًا بِالإيمانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: لِأنَّهم لا يُفارِقُونَ ابْنَ آدَمَ إلّا في مَوْطِنَيْنِ عِنْدَ الغائِطِ وعِنْدَ الجِماعِ يُعْرِضانِ عَنْهُ ويَكْتُبانِ ما تَكَلَّمَ بِهِ، فَلِذَلِكَ كُرِهَ الكَلامُ عِنْدَ الغائِطِ والجِماعِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: كِرامًا لِأداءِ الأمانَةِ فِيما يَكْتُبُونَهُ مِن عَمَلِهِ فَلا يَزِيدُونَ فِيهِ ولا يَنْقُصُونَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ قال: انشقت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ قال: بعضها في بعض ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ قال: بحثت.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن خيثم ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ قال: فجر بعضها في بعض فذهب ماؤها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ خرج ما فيها من الموتى.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قي قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ قال: ما قدمت من خير وأخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً أو سنة سيئة يعمل بها بعده، فإن عليه مثل وزر عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: ما قدمت من عمل خير أو شر وما أخرت من سنة يعمل بها من بعده.
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استن خيراً فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منتقص من أجورهم، ومن استن شراً فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منتقص من أوزارهم» وتلا حذيفة ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ قال: ما أدت إلى الله مما أمرها به وما ضيعت.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ما قدمت ﴾ من خير وما ﴿ أخرت ﴾ من حق الله تعالى لم تعمل به.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ ما قدمت ﴾ من خير ﴿ وما أخرت ﴾ ما حدث به نفسه لم يعمل به.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد «ما قدمت من خير وما أخرت» ما أمرت أن تعمل فتركت.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ ما قدمت ﴾ بين أيديها وما ﴿ أخرت ﴾ وراءها من سنة يعمل بها من بعده.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ فقال: غره والله جهله.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك ﴾ قال: أبيّ بن خلف.
وأخرج عبد بن حميد عن صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ ثم قال: جهله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ربيع بن خيثم ﴿ ما غرك ﴾ قال: الجهل.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ فسوّاك فعدلك ﴾ مثقل.
وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن شاهين وابن قانع والطبراني وابن مردويه من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما ولد لك؟
قال يا رسول الله: ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية.
قال: فمن يشبه؟
قال يا رسول الله: ما عسى أن يشبه أباه وإما أمه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عند هامه لا تقولن هذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم فركب خلقه في صورة من تلك الصور، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ من نسلك ما بينك وبين آدم» .
وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه بسند جيد والبيهقي في الأسماء والصفات عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها، فإذا كان اليوم السابع أحضر الله كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن بريدة «أن رجلاً من الأنصار ولدت له امرأته غلاماً أسود فأخذ بيد امرأته فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والذي بعثك بالحق لقد تزوجني بكراً وما أقعدت مقعده أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت إن لك تسعة وتسعين عرقاً وله مثل ذلك، فإذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها ليس منها عرق إلا يسأل الله أن يجعل الشبه له» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إما قبيحاً وإما حسناً، وشبه أب أو أم أو خال أو عم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والرامهرمزي في الأمثال عن أبي صالح ﴿ في أيّ صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إن شاء حماراً وإن شاء خنزيراً وإن شاء فرساً وإن شاء إنساناً.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ في أيّ صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إن شاء قرداً، وإن شاء صورة خنزير، والله تعالى أعلم.
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ كلا بل تكذبون بالدين ﴾ قال: بالحساب ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.
وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات: الغائط والجنابة والغسل» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظهيرة فرأى رجلاً يغتسل بفلاة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فاتقوا الله واكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم ليس يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين: حيث يكون الرجل على خلائه، أو يكون مع أهله، لأنهم كرام كما سماهم الله فيستتر أحدكم عند ذلك بجرم حائط أو بعيره فإنهم لا ينظرون إليه» .
وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وآخرها استغفاراً إلا قال الله: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ قال: تعظيم يوم القيامة يوم يدان الناس فيه بأعمالهم وفي قوله: ﴿ والأمر يومئذ لله ﴾ قال: ليس ثم أحد يقضي شيئاً ولا يصنع شيئاً غير رب العالمين.
﴿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ ، قال أبو عبيدة (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقال الليث: بعثر يبعثر بعثرة إذا قلب التراب (٦) قال ابن عباس (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال أبو إسحاق: أي قلب ترابها وبُعث الموتى الذين فيها (١١) (١) "مجاز القرآن" 2/ 288.
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) البعثرة، والبحثرة، لغتان، يقال: بعثروا متاعهم وبحثروه إذا قلبوه.
انظر: (بعثر) في: "تهذيب اللغة" 3/ 306، "لسان العرب" 4/ 72.
(٥) في (ع): البعثرة والبحثرة.
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في "فتح القدير" 5/ 395، وجاء في "لسان العرب" 4/ 72، بعثر: بعثرت الشيء فرَقه، وبعثر التراب والمتاع: قلبه.
(٧) ورد قوله مختصرًا في "جامع البيان" 30/ 85، "البحر المحيط" 8/ 436، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 513.
(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١٠) في (أ): عنها.
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 295 بنصه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذَا السمآء انفطرت ﴾ أي انشقت ﴿ وَإِذَا الكواكب انتثرت ﴾ أي سقطت من مواضعها ﴿ وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ ﴾ أي فرغت وقيل: فجر بعضها إلى بعض فاختلط ﴿ وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ ﴾ أي نبشت على الموتى الذين فيها، وقال الزمخشري: أصله من البعث والبحث فضمت إليها الراء والمعنى بحثت وأخرج موتاها ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ هاذ هو الجواب ومعناه: علمت كل نفس جميع أعمالها، وقيل ما قدمت في حياتها وما أخرت مما تركته بعد موتها من سنَّتها أو وصيَّة أوصت بها، وأفردت النفس والمراد به العموم حسبما ذكرنا في التكوير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ فجرت ﴾ بالتخفيف: ابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ فعدلك ﴾ مخففاً: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ركبك كلا ﴾ مدغماً: أبو عمرو وقتيبة عنه ﴿ يكذبون ﴾ عل الغيبة: يزيد ﴿ يوم لا ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالفتح.
الوقوف ﴿ انفطرت ﴾ ه ك ﴿ انتثرت ﴾ ه ك ﴿ فجرت ﴾ ه ك ﴿ بعثرت ﴾ ه ك ﴿ وأخرت ﴾ ه ط ﴿ الكريم ﴾ ه لا ﴿ فعدلك ﴾ ه ط بناء على أن الظرف بعده متعلق بـ ﴿ ركبك ﴾ ومن خفف ﴿ فعدلك ﴾ لم يقف بناء على أنه جعل " في " بمعنى " إلى " أي فعدلك إلى أي صورة ما شاء ﴿ ركبك ﴾ ه ط بناء على أن " كلا " توكيد لتحقيق بل ومن جعله ردعاً عن الاعتراف لم يقف ﴿ بالدين ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف والوصل أجوز إلا من قرأ ﴿ يكذبون ﴾ على الغيبة فإنه يقف مطلقاً للعدول ﴿ لحافظين ﴾ ه لا ﴿ كاتبين ﴾ ه ك ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ج ﴿ جحيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده مستأنف أو صفة جحيم ﴿ بغائبين ﴾ ه ط لابتداء النفي أو الاستفهام ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يوم الدين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ يوم ﴾ بالنصب أي ذلك في يوم ومن رفعه على أنه بدل من يوم الدين فلا وقف.
﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ه ط.
التفسير: إنه يذكر طرفاً آخر من أشراط الساعة في هذه السورة.
فأوّلها انفطار السماء أى انشقاقها كقوله في الفرقان ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ﴾ وكما يجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ وفيه كذا في قوله ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ إبطال قول من زعم أن الفلكيات لا تنخرق.
أما الدليل المعقول الذي ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وهو أن الأجسام متماثلة في الجسمية فيصح على كل واحد منها ما يصح على الباقي لكن السفليات يصح عليها الانخراق فيصح على العلويات أيضاً فغير مفيد ولا مقنع، لأن الخصم لو سلم الصحة فله أن ينازع في الوقوع لمانع كالصورة الفلكية وغيرها.
وأما تفجير البحار فقد فسروها بفتح بعضها إلى بعض حتى تصير البحار كلها بحراً واحداً وذلك التزلزل الأرض وتصدعها حتى يرتفع الحاجز الذي بين البحار الشرقية وبين البحار الغربية.
وقد فسره في الكشاف بزوال البرزخ بين العذب والمالح حتى يختلطا وهو تصوّر فاسد نشأ من مجرّد سماع لفظ ارتفاع البرزخ.
وعن الحسن: إن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عنده كما مر في السورة المتقدّمة.
قال جار الله: بعثر وبحثر بمعنى وهما من البعث والبحث زيد فيهما الراء والمعنى بحثت القبور وأخرج موتاها.
ولأهل التأويل أن يحملوا بعثرة القبور على كشف الأسرار والأحوال الخفية، ومعنى التقديم والتأخير قد سبق في القيامة في قوله ﴿ بنبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخر ﴾ والمراد جميع أعمالها وإنما يحصل بها العلم الإجمالي عند الموت أو في أوائل أشراطه ثم يزيد شيئاً فشيئاً إلى حين مطالعة صحيفة العمل.
ولما أخبر عن وقوع الساعة والحشر بين ما يدل عليه عقلاً فقال ﴿ يا أيها الإنسان ﴾ هو الكافر المنكر للبعث عند طائفة لقوله بعد ذلك ﴿ كلا بل تكذبون ﴾ وقد يخص ببعضهم فروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة.
وعن الكلبي ومقاتل في الأشد بن كلدة.
وذلك أنه ضرب النبي فلم يعاقبه الله وأنزل الآية.
والأقرب أنها تتناول جميع العصاة وخصوص السبب لا يقدح في العموم، وههنا سؤال وهو أنه وصف نفسه في هذا المقام بالكرم وهذا الوصف يقتضي الاغترار به حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
وسمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الخدم فقال: أما يهاب هؤلاء الغلمان.
فقال: إنما يهابنا أعداؤنا.
وعن علي أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال لم لم تجبني؟
فقال: لثقتي بتحملك وأمني من عقوبتك فاستحسن جوابه فأعتقه.
" قال مؤلف الكتاب": إني في عنفوان الشباب رأيت فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أن الله لو خاطبني بقوله ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك ﴾ فمادّا أقول؟
ألهمني الله في المنام أن أقول: غرني كرمك يا رب.
ثم إني وجدت هذا المعنى قد ذكر في بعض التفاسير.
وعن الفضيل بن عياض أنه قال: أقول في الجواب غرتني ستورك المرخاة.
وإذا ثبت أن الكرم يقتضي أن يغتر بصاحبه فكيف وقع الإنكار عليه؟
والجواب من وجهين: الأول أن كل كريم فهو حكيم لأن إيصال النعم إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة كان تبذيراً لا كرماً فكأنه قال: كيف اغتررت بكرمي وكرمي حقيقي صادر عن الحكمة وهي تقتضي أن لا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وأن يعيد الناس لأجل المجازاة حتى يظهر المحسن من المسيء والبر من الفاجر لا يضيع حقوق الناس؟.
والحاصل أن الكرم بالخلق والتسوية وهي انتصاب القامة أو سلامة الأعضاء، وبالتعديل وهو تناسبها أو جعله مستعدّاً لقبول الكمالات لا يقتضي أن لا يعيده إلى الحالة الأولى لأجل المجازاة، بل يجب أن يعيده تتميماً للنعمة وإظهاراً للحكمة.
الثاني أن كرمه السابق بالخلق وغيره لا يوجب كرماً لاحقاً بالعفو والغفران لجميع المعاصي لأن غاية الكرم هو أن يبتدىء بالنعم من غير عوض ولا غرض، أما الكريم إذا أمر المنعم عليه بشيء وإنه يتلقاه بالعصيان فليس من الكرم أن يغمض عن جرمه بل قد يعدّ ذلك ضعفاً وذلة ولا سيما إذا كان المأمور به هو معرفة المنعم ولهذا روي عن عمر مرفوعاً " غره جهله ".
وعن الحسن: غره والله شيطانه الخبيث حتى طمع في الكرم اللاحق لأجل الكرم السابق.
خصوصاً إذا لم يكن ممن حصل له معرفة ربه في الدنيا.
قال النحويون: " ما " في ﴿ ما شاء ﴾ مزيدة قلت: وذلك بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فهي مفيدة للتأكيد أي في كل صورة من الصور شاء كقوله ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ وإنما لم يقل " ففي أي صورة " بالفاء العاطفة على نسق ما تقدّمها لأنها كالبيان بعد ذلك.
والجارّ متعلق بركب أي ركبك في أي صورة اقتضتها حكمته أو بمحذوف أي حاصلاً في بعض الصور المرادة.
وجوّز جار الله أن يتعلق بـ ﴿ عدّلك ﴾ ويكون في أيّ معنى التعجب أي فعدّلك في صورة عجيبة ثم قال ما شاء أي ركبك ما شاء من التركيب.
قال الحسن: منهم من صوّره ليستخلصه له، ومنهم من صوّره ليشغله بغيره.
قلت: الأوّلون مظاهر اللطف والجمال، والآخرون مظاهر القهر والجلال.
ثم زجرهم عن الاغترار بقوله ﴿ كلاً ﴾ وهي حرف وضع في اللغة لنفي ما تقدم وتحقيق غيره أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، ولئن فرض فالله كريم غفار للذنوب، ولئن قدّر أنه معاقب فلعله غير عالم بالجزئيات فكيف يحاسب فنبههم الله على خطئهم بأن تكذيبهم بالجزاء إنما وقع في حال تسليط الحفظة عليهم، وهذا التكذيب أيضاً من جملة ما يكتبونه.
أو نقول: لما ردعهم عن الطمع الفارغ والأمل المنكر أضرب عنه إلى ما هو شر منه وهو إنكار الجزاء أصلاً.
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم إشارة إلى أن أمر الجزاء عند الله من عظائم الأمور والاشغال.
قال بعضهم: من لم يزجره عن المعاصي مراقبة الله إياه كيف يردّه عنها الكرام الكاتبون؟
قلت: لا ريب أن الأول أصل والثاني فرع إلا أن المكلف لإلفه بالمحسوسات يزجره ما هو أقرب إلى عالم الحس أكثر ما يزجره ما هو أقرب إلى عالم الأرواح ولهذا تقع الزواجر والروادع في المدينة الفاضلة.
ثم ذكر فائدة كتابة الحفظة وغايتها فقال ﴿ إن الأبرار ﴾ إلى آخره.
يحكى أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غداً؟
فقال: أما المحسن فالكغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.
قال: فبكى ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله فقال أبو حازم: اعرض عملك على كتاب الله قال: في أي مكان؟
قال في قوله ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ﴾ قال جعفر الصادق: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات.
وقال آخرون: النعيم القناعة والتوكل، والجحيم الطمع والحرص، وقال العارفون: النعيم الاشتغال بالله والجحيم الاشتغال بما سواه.
وقوله ﴿ وما هم عنها بغائبين ﴾ كقوله وما هم بخارجين منها أو أراد ما كانوا يغيبون عنها قبل ذلك أي في قبورهم فيكون قد بين حال البرزخ كما شرح حال المبدأ والمنتهى.
ثم نبه بقوله ﴿ وما أدراك ﴾ مرتين أن يوم الدين مما لا يكتنه كنه شدته، والخطاب للنبي لأنه لم يعرفه إلا بالوحي.
وقيل: للكافر.
ثم وصفه مجملاً بقوله ﴿ يوم لا تملك ﴾ إلى آخره أي لا ملك ولا تصرف في ذلك بظاهر وحقيقة الإله
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ قد ذكرنا أن هذا جواب [عن] سؤال تقدم، لم يبين السؤال عند ذكر الجواب؛ لأن ﴿ إِذَا ﴾ جواب عن سؤال "متى"؛ فجائز أن يكون سؤالهم ما ذكر في إتمام الجواب، وهو قوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ فكأن رسول الله سئل: متى تعلم النفس ما قدمت وأخرت؟
فنزل قوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ الآية إلى آخرها.
ثم ذكر الانفطار هاهنا وهو الشق، وذكر الفتح في موضع آخر، وهو قوله - : ﴿ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ ، وقال في موضع آخر: و ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، فمنهم من ذكر أن شقها وانفطارها أن تفتح أبوابها.
ومنهم من حمله على الشق الذي يعرف من شق الأشياء، وهذا أقرب؛ لأن الآية في موضع التخويف والتهويل، وليس في فتح أبوابها تخويف، وإنما التخويف في انشقاقها بنفسها.
ثم السؤال عن ملاقاة الأعال وعن علم النفس بها سؤال عن الساعة، وفي ذكر انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وتسيير الجبال، وجعل الأرض قاعا صفصفا، وصفُ أحوال الساعة وآثارها، وليس فيه إشارة إلى وقت كونها؛ لأنه ليس في التوقف على حقيقة وقتها تخويف وتهويل، وفي ذكر آثارها تخويف، وهو أنه عظم هول ذلك اليوم، واشتد حتى لا تقوم له الأشياء القوية العلية في أنفسها، وهي الجبال، والسماوات والأرضون، بل يؤثر فيها هذا التأثير، حتى تصير الجبال كالعهن المنفوش، وتصير كثيبا مهيلا، وتنشق السماء، وتصير الأرض قاعا صفصفاً، فكيف يقوم لها الإنسان الضعيف المهين؟!.
أو إذا كانت السماوات والأرضون والجبال مع طواعيتها لربها لا تقوم لها وأفزاعها بل تنقطع، فكيف يقوم لها الآدمي الضعيف مع خبث عمله؛ وكثرة مساوئه مع ربه؟!.
فيذكرهم هذه الأحوال؛ ليخافوه، ويهابوه؟
فيستعدوا له؛ فلهذا - والله أعلم ذكرت الأحوال التي عليها حال ذلك اليوم؛ ولم يبين متى وقته؛ ولهذا ما لم يبين منتهى عمر الإنسان؛ ليكون أبدا على خوف ووجل من حلول الموت به؛ فيأخذ أهبته، ويشمر له، ولو بين له كان يقع له الأمن بذلك؛ فيترك التزود إلى دنو ذلك الوقت، ثم يتأهب له إذا دنا نقضاء عمره.
ثم إن الله - - ذكر أحوال القيامة في غير موضع، وجعل ذلك مترادفا متتابعا في القرآن؛ فيكون في ذلك معنيان: أحدهما: أن للقلوب تغيراً وتقلبا في أوقات، فرب قلب لا يلين لحادثة أول مرة حتى يعاد عليه ذكرها مرة بعد مرة، وحالا بعد حال، ثم تلين؛ فيكون في تتابع ذكر البعث والقيامة مرة بعد مرة إبلاغ في النذارة وقطع عذر المتعذرين يوم القيامة.
والثاني: أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وقد وقع الإسلام في قلوبهم موقعا؛ فيكون في تكرار المواعظ تلقيح لعقولهم، وتليين لقلوبهم على ما أكرمهم الله - - من الإيمان، ونصرة رسول رب العالمين؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ .
وقوله - -: ﴿ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ ﴾ : إما أن يكون انتثارها؛ لأنها مجعولة لمنافع الخلق، فإذا استغنى عنها أهلها فلا معنى لبقائها.
أو لما جعلت زينة للسماء، فإذا انفطرت السماء، لم تحتج إلى زينة بعدها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ ، قال قائلون: أي يفجر ماؤها في بحر واحد، ثم يغور ماء ذلك البحر الذي اجتمعت فيه المياه؛ إما بما تنشفها الأرض، أو تجعل في بطن الحوت الذي ذكر أن الأرضين قرارها على ظهره، أو في بطن الثور، ثم يسوي الله - - الأرض كلها؛ حتى لا يبقى فيها عوج؛ ولا قعر؛ فيبس البحار بما شاء: إما بالجبال، أو بغيرها.
وقال بعضهم: بل يغور ماء كل بحر في مكانه، لا أن تجتمع المياه كلها في مكان واحد وبحر واحد.
وقال بعضهم: بل يمتز بعضها ببعض؛ فتصير نارا يعذب بها أهلها، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ ﴾ ، والله أعلم أي ذلك يكون؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ ، أي: بعث من فيها، وتقذف القبور من فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ ، أي: تعلم الأنفس ما عملت، إلى آخر ما انتهى [إليه عملها] فلا يخفى عليها شيء من أمرها.
ومنهم من يقول: ما قدمت من خيرت وأخرت من شر فستعرفه في ذلك اليوم.
ومنهم من يقول: علمت ما قدمت من العمل؛ اي: بما عملت بنفسها، (وما أخرت) أي: ما سنت من السنة فعمل بها بعدها.
وهذا الذي ذكروه داخل فسي تفسير الجملة التي ذكرنا أنها تعلم من أول ما عملت إلى آخرت ما أنتهى إليه عملها.
<div class="verse-tafsir"
وإذا القبور قُلِب ترابها لبعث من فيها من الأموات.
<div class="verse-tafsir" id="91.8aeWk"
عود إلى التذكير باليوم الآخر، وبأن النفس تشهد ما عملته في الدنيا، لا يغيب عنها منه شيء في ذلك اليوم، فتتجلى لها أعمالها في حقيقتها: لا ترى خيرًا في صورة شر، ولا تتخيل شرًا في مثال خير كما يقع في الدنيا لأغلب النفوس، لأن الذي يحول بين الناس وبين فعل الخير إنما هو تفضيل ما ليس بخير عليه، ولا يفضل الشخص شيئًا على شيء إلا إذا ظنه خيرًا له.
فضد الخير يتمثل للشرار في صورة الخير فيفعلونه، والخير يظهر لنفوسهم على أنه غير خير فيتركونه.
ولكن عندما تتجلى الأفعال كما هي في ذلك اليوم، وينكشف الغطاء عن البصائر، يعرف أهل الخير أنهم وإن نجوا فهم مقصرون، فيأسفون على ما تركوا، ويستبشرون بثواب ما عملوا، وبعض أهل السوء على أيديهم من الندم، ويوقنون بسوء المنقلب، ويتمنون لو كانوا ترابًا.
ذكر اللَّه اليوم الآخر ببعض ما يحدث فيه من عظائم الأمور، كما من علينا بمثل هذا التذكير في السورة السابقة فقال ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ أي انشقت.
وجاء في سورة الفرقان ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ﴾ ، وانشقاق السماء انصداع نظامها، فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما نراه اليوم، فيخرب العالم بأسره، ولذلك عقب انشقاق السماء بما هو من لوازمه حيث قال ﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ أي سقطت فبادت، فإذا كان ذلك اضطربت الأرض أيضًا، وزلزلت زلزالًا شديدًا، ووقع الخلل في جميع أجزائها، فتفجر البحار، وتزول الحواجز بينها، فيختلط عذبها بمالحها، بل تفيض على الأرض حتى يصير سطح الأرض ماء لحظات من الزمان، وذلك قوله في سورة التكوير ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ ، أي ملئت وفاض منها الماء على التأويل الأول.
وقد يصح إجراء ما هنا على التأويل الثاني، وذلك أنه بعد أن تفجر البحار ويفيض ماؤها تظهر النار وتأخذ مكان الماء بعد أن يتحول إلى بخار، كما أشير إليه في السورة السابقة، وإذا وقع ذلك انقلب باطن الأرض إلى ظاهرها، فلا ريب في أن تبعثر القبور -(أي يظهر ما كان قد خفى فيها من بقايا أجساد الموتى)-، وبعد ذلك يكون بعث الأموات وإحياؤهم في النشأة الآخرة، ثم تنشر الصحف وينكشف الغطاء، فتعلم كل نفس ما قدمت من أعمال الخير، وما أخرت منها بالكسل والإهمال والتسويف من يوم إلى آخر، حتى حلت الآجال، وقد يكون المعنى ما فعلت من خير أو شر وما تركت منهما.
جرت العادة بأن كرم السيد يخدع العبيد، فإذا أمر تهاونوا في الإجابة إلى أمره، وإذا نهي تغافلوا عن نهيه، وتمادوا في لزوم ما نهى عنه، والوقوع فيها حذر منه، ويروى عن علي كرم اللَّه وجهه أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: مالك لم تجبني؟
فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه.
وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
وعلى هذه العادة اتكأ بعض ضرب بينه وبين معنى الخطاب بحجاب، أي حجاب، حيث قال إن اللَّه جل شأنه قد ألهم المخاطب الجواب فلعبده أن يجيبه بقوله: غرني كرمك.
ولا يخفى أن هذا تلاعب بالتأويل وتضليل للناظر في كتاب اللَّه أي تضليل: كيف يخطر ببال عاقل أن يقول ذلك في معنى أبلغ الكلام، وهو صادر في مقام التهويل والإرهاب، والتخويف من الحساب وشدة العقاب، وسد السبل وإغلاق الأبواب على أولئك الجاحدين الذين قرعوا بهذا الخطاب؟
.
ولكن أسمع ما يليق بالمقام الكريم، وصف الكريم، ليس خاصًا بمعنى الرحيم والواسع العطاء المحسن الغافر للذنب، بل قد جاء في القرآن وصفًا للرزق وللكتاب وللرسول وللعرش وللمقام وللمدخل وللقول وللأجر، ولا ريب أنه في كل مقام يفيد المعنى الذي يناسبه، والأصل في معنى الكرم الكمال في الوصف والبعد عن النقص، ولقد فسروا الكريم بالعظيم في قوله تعالى: ﴿ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ في سورة المؤمنون، وهو بمقام الخطاب في سورتنا هذه، فكأنه يقول ما غرك بربك العلي العظيم الذي قد علاه في ذاته وصفاته عن كل ما يوهم نقصًا أو عيبًا.
فهل يمكن للرب العلي البالغ الغاية في الكمال أن يترك عبيده سدى، وأن يهمل فعالهم فلا يعاقب شريرًا ولا يثيب خيرًا، ولا يعد لهم ما يردعهم عن القبيح ولا ما يهزهم إلى الحسن؟
كلا، إن اللائق يعلوه وسموه وكرم مقامه العلي، أن يفيض نعمه على أهل الصالحات، ويصب نقمه على مجترحي السيئات تفضلًا منه على الأولين، وحكمه فائقة في التنكيل بالآخرين.
ولئن سلم أن معنى الكريم: الجواد الواسع العطاء فياض النعم، فلا يصح أن يدخل فيه معنى العفو والمغفرة، والخطاب خطاب تقريع، ولكن فيه إشارة إلى معنى رفيع يليق بكتاب اللَّه، ذلك أنه خاطب بــ ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان ﴾ ، ولم يقل أيها المخلوق أو العبد، وفي الإنسان معنى العاقل المتفكر، الذي أوتي من قوة العقل وبسطة القدرة في العمل ما لا حد له لا ينتهي إليه، حتى صار بذلك أفضل المخلوقات وأكملها، ونال بفضل ما أُوتيه قوة السلطان عليها، ولم يكن ذلك كله إلا منحة من ربه الكريم الذي أحسن كل شيء خلقه.
وهذا الكريم إنما يليق به أن يوفي كل مرتبة من الوجود حقها، فالإنسان الذي خص بهذه المنزلة من الكرم الإلهي لا ينبغي أن يعيش كما يعيش سائر الحيوان، ويموت كما يموت الوحش وصغار الذر، وإنما يتساوى مع بعضها في الحياة الأولى من حيث قصر المدة وسرعة الفناء، ولكن الذي يليق بعقله وقوة نفسه الناطقة أن تكون له حياة أبدية لا حد لها ولا فناء يأتي عليها.
ولا ريب في أنه إذا روعي في الكرم الإلهي أن لا يدع مستعدًا إلا منحه ما استعد له، ولا يحرم قابلًا مما أعد لأن يقبله، وهو الذي ينبغي أن يراعي فيه، فقد ارتفع الغرور، وأزيحت الخديعة، وحق اليقين بأنه لابد من حياة أخرى بعد هذه الحياة يوفى فيها كل ذي حق حقه، وكل عامل جزاء عمله، لأن ذلك من تمام معنى الكرم الذي ميز الإنسان على غيره من أنواع الحيوان، إنما تمام تمييزه بأن يجعل له حياة باقية تناسب ما وهبه من العقل والقدرة.
ويؤكد هذا المعنى -لو حمل الكريم عليه- تعقيبه وصف الكريم بقوله ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ ﴾ أي أكمل لك قواك، ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ أي جعلك معتدلًا، متناسب الخلق، معتدل القامة لا كسر البهائم، وفي قراءة عدلك بالتخفيف، ومعناه صرفك عن خلقة غيرك، فخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، ثم أجمل ذلك في قوله ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ أي ركبك في صورة هي من أعجب الصور وأتقنها وأحكمها وأدلها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى بعد هذة النشأة الأولى.
وكلمة "ما" هي التي يسمونها زائدة، ولكنها تدل على تفخيم ما اتصلت به، فزيادتها زيادة إعراب وإن لم تكن خالية عن المعنى.
ويرشد إلى أن المعنى هو ما قلنا، قوله بعد ذلك ﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ إلخ.
كلا، أي لا شيء يغرك ويخدعك، بل إن سعة عطاء ربك وحكمته في كرمه تدلك وتوحي إلى نفسك أنك مبعوث في يوم آخر لثواب أو عقاب، وإنما الذي يقع منك أيها الإنسان هو العناد والتكذيب بالدين، أي الجزاء، أي الانصراف عمدًا وعنادًا عما يدعو إليه الشعور الأول، وعن الدليل الذي تقيمه الرسل والحجة التي يأتي بها الأنبياء، مع أن اللَّه لم يترك عملًا من أعمالك إلا حفظه وأحصاه عليك حتى يوفيك جزاءه.
ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه من أن علينا حفَظةً يكتبون أعمالنا، حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أي شيء خلقوا، ما هو عملهم في حفظهم وكتابهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا -وهو ما يبعد فهمه- أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال؟
وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد، أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث اللَّه الناس؟
كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر في معناه إلى اللَّه، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا هو أن أعمالنا تحفظ وتحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير، و ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ أي مطهرين عن الغرض والنسيان.
ثم بعد أن ذكر ما يدل على أن الغفلة عن اليوم الآخر لا موجب لها إلا التكذيب والعناد، أخذ يؤكد الأمر ويخبر به على القطع الذي لا يدخله الريب، فقال ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ يريد أنه لا شيء في جانب العلي الأعلى يسوغ لأحد من البشر أن يغتر به وأن ينخدع فيه، بل لا بد من يوم يكون فيه الثواب والعقاب، ولابد أن يكون أهل الثواب في دار النعيم، وأهل النقمة وموضع الغضب الإلهي يكونون في الجحيم، وهي دار العذاب.
والأولون هم الأبرار.
و(الأبرار): جمع بر بفتح الباء، وهو الموصوف بالبر بكسرها، قال بعضهم البر بالكسر الصدق، وقال آخر هو التقوى، وهو إجمال قد بينه الكتاب العزيز والسنة النبوية.
ولا يكون الصدق ولا التقوى برًا حتى يكون فيه حسن المعاملة، وإفراغ الوسع في إيصال الخير إلى الناس، فإذا خلا الوصف من ذلك لم يكن برًا، ولم يكن صاحبه داخلًا في هذا الوعد الكريم.
قال اللّه تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ فجعل البر منحصرًا في الإيمان بما يجب الإيمان به، ثم في بذل المال في وجوهه، وفي الصلاة، ثم عاد إلى بذل المال بذكر الزكاة، وبعد هذا ذكر الوفاء بالعهد -وهو ملاك لكثير من الفضائل- وأتبعه بالصبر على المرض والفقر، وكل ما يحوج في عيش أو يؤذي في نفس أو بدن، والصبر في حالة الحرب للدفاع عن الحق.
ثم قال ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ ليشير إلى أن الصدق الذي يؤخذ في معنى البر لا يكون برًا ولا صدقًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف والفعال المتقدمة، وكذلك قوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ يفيد أن التقوى هي ما جمع ذلك.
وقال في سورة آل عمران: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ فلا يعد الشخص برًا ولا بارًا حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب، فلا يغترن أولئك الكسالى الخاملون الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركعات من الخشية خاليات، وبتسبيحات وتكبيرات وتحميدات ملفوظات غير معقولات، وصيحات غير لائقات بأهل المروءات من المؤمنين والمؤمنات، ثم بصوم أيام معدودات لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الذين، قام أم سقط، أرتفع أو انحط، ومع حرصه وطمعه وتطلعه لما في أيدي الناس، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم لا لشيء سوى أنهم عاملون في كسب المال وهو غير عامل، وهم يجرون على سنة الحق وهو متمسك بسنة الباطل، وهم متجملون بحيلة العمل وهو منها عاطل فهؤلاء ليسوا من الأبرار، بل يجدر بهم أن يكونون من الفجار، و(الفجار) جمع فاجر، والفاجر: من يفجر أمر اللَّه، أي يميل عنه ويتركه، والفجور كالفسق في أنه خروج عن الحد الذي وضعه اللَّه في شرعه.
وأوامر اللَّه قد عرفت في البر، فمن لم يستجمعها فقد فجر.
(يصلونها) أي يقاسون حر الجيحم.
(يوم الدين) أي يوم الجزاء، ثم أكد أن هذا العذاب حتم وأنه لا نجاة لهم منه بقوله: ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ ، أي انهم ملازمون لتلك الدار، دار العذاب والعار.
وبعد أن أكد خبر اليوم الآخر أشد التأكيد، وبيّن ما يلقاه فيه المغرورون على التأبيد، عاد يفخم أمر ذلك اليوم ويعظم شأنه فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ، أي من الذي أعلمك أيها الإنسان كنه ذلك اليوم؟
أي عجيب منك ثم عجيب أن تتهاون بنبئه كأنك قد أدركت كنهه، ووزنته فعرفت وجه الخلاص مما يلقاك فيه!
كلا إنك لم تدرك من كنهه شيئًا، وكل ما تصورت فيه من الهول فحقيقته فوق كل ما تصورت، فإنه ذلك اليوم الذي لا محاباة فيه ولا مواساة، ولا يجد المرء ما يعول عليه سوى ما قدمت يداه، يجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقوياء.
﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ فلا تحمل عنها ذنبًا، ولا تدفع عنها عتبًا.
﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ وحده، فلا شفيع ولا نصبر، ولا وزير ولا مشير.
وهو الذي وعد وأوعد على لسان رسله، وهو أصدق قائل في قوله، وأعدل فاعل في فعله، فلا مهرب لعامل من جزاء عمله حيث قد استأثر اللَّه بالأمر كله.
نسأل اللَّه المعونة في دنيانا لننال الأمن من عقابه في أُخرانا.