الآية ٨ من سورة الانفطار

الإسلام > القرآن > سور > سورة 82 الانفطار > الآية ٨ من سورة الانفطار

فِىٓ أَىِّ صُورَةٍۢ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة الانفطار: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الانفطار عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( في أي صورة ما شاء ركبك ) قال مجاهد في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم وقال ابن جرير حدثني محمد بن سنان القزاز حدثنا مطهر بن الهيثم حدثنا موسى بن علي بن رباح حدثني أبي عن جدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ما ولد لك قال يا رسول الله ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية قال فمن يشبه ؟

قال يا رسول الله من عسى أن يشبه إما أباه وإما أمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها : مه لا تقولن هكذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت هذه الآية في كتاب الله ( في أي صورة ما شاء ركبك ) " قال سلكك .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني من حديث مطهر بن الهيثم به وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية ولكن إسناده ليس بالثابت لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس كان متروك الحديث وقال ابن حبان يروى عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات ولكن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود قال هل لك من إبل قال نعم .

قال فما ألوانها قال حمر .

قال فهل فيها من أورق قال نعم .

قال فأنى أتاها ذلك ؟

قال عسى أن يكون نزعة عرق .

قال وهذا عسى أن يكون نزعة عرق " وقد قال عكرمة في قوله ( في أي صورة ما شاء ركبك ) إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير وكذا قال أبو صالح إن شاء في صورة كلب وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة خنزير وقال قتادة ( في أي صورة ما شاء ركبك ) قال : قادر والله ربنا على ذلك ومعنى هذا القول عند هؤلاء أن الله عز وجل قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ ) يقول: الذي خلقك أيها الإنسان فسوّى خلقك ( فَعَدَلَكَ ) واختلفت القرَّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرَّاء المدينة ومكة والشام والبصرة ( فعدّلك ) بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها، وكأن من قرأ ذلك بالتشديد وجَّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدّل الخلق مقوَّما، وكأن الذين قرءوه بالتخفيف، وجَّهوا معنى الكلام إلى صرفك وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجبهما إليّ أن أقرأ به قراءة من قَرَأ ذلك بالتشديد، لأن دخول " في" للتعديل أحسن في العربية من دخولها للعدل، ألا ترى أنك تقول: عدّلتك في كذا، وصرفتك إليه، ولا تكاد تقول: عدلتك &; 24-270 &; إلى كذا وصرفتك فيه، فلذلك اخترت التشديد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك وذكرنا أن قارئي ذلك تأوّلوه، جاءت الرواية عن أهل التأويل أنهم قالوه.

ذكر الرواية بذلك:

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أما قرأت هذه الآية في أي صورة ما شاء ركبك فيما بينك وبين آدم ، وقال عكرمة وأبو صالح : في أي صورة ما شاء ركبك إن شاء في صورة إنسان ، وإن شاء في صورة حمار ، وإن شاء في صورة قرد ، وإن شاء في صورة خنزير .

وقال مكحول : إن شاء ذكرا ، وإن شاء أنثى .

قال مجاهد : في أي صورة أي في أي شبه من أب أو أم أو عم أو خال أو غيرهم .

و " في " متعلقة ب ركبك ، ولا تتعلق ب عدلك ، على قراءة من خفف ; لأنك تقول عدلت إلى كذا ، ولا تقول عدلت في كذا ; ولذلك منع الفراء التخفيف ; لأنه قدر ( في ) متعلقة ب عدلك ، و ( ما ) يجوز أن تكون صلة مؤكدة ; أي في أي صورة شاء ركبك .

ويجوز أن تكون شرطية أي إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة قرد أو حمار أو خنزير ، ف " ما " بمعنى الشرط والجزاء ; أي في صورة ما شاء يركبك ركبك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

إن هذا إلا من جهلك وظلمك وعنادك وغشمك، فاحمد الله أن لم يجعل صورتك صورة كلب أو حمار، أو نحوهما من الحيوانات؛ فلهذا قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( في أي صورة ما شاء ركبك ) قال مجاهد والكلبي ومقاتل : في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم .

وجاء في الحديث : أن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ " في أي صورة ما شاء ركبك " .

وذكر الفراء قولا آخر : " في أي صورة ما شاء ركبك " إن شاء في صورة إنسان وإن شاء في صورة دابة أو حيوان آخر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«في أي صورة ما» صلة «شاء ركَّبك».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الإنسان المنكر للبعث، ما الذي جعلك تغتَرُّ بربك الجواد كثير الخير الحقيق بالشكر والطاعة، أليس هو الذي خلقك فسوَّى خلقك فعَدَلك، وركَّبك لأداء وظائفك، في أيِّ صورة شاءها خلقك؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فقوله : ( في أَىِّ صُورَةٍ ) متعلق بركبك .

و " ما " مزيدة ، و " شاء " صفة لصورة ولم يعطف " ركبك " على ما قبله بالفاء ، كما عطف ما قبله بها ، لأنه بيان لقوله ( فَعَدَلَكَ ) .

والتقدير : فعلدك بأن ركبك فى أى صورة من الصور التى شاءها لك ، وهى صورة فيها ما فيها من العجائب والأسرار ، فضلا عن أنها أحسن صورة وأكملها ، كما قال - تعالى - : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) فالمقصود من الآيات الكريمة ، تذكير الإِنسان بفضل ربه - تعالى - عليه ، وحضه على طاعته وشكره ، وتوبيخه على تقصيره وجحوده ، وتهديده بسوء المصير إذا ما استمر فى غفلته وغروره .قال بعض العلماء : إن خلق الإِنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة ، الكاملة الشكل والوظيفة .

أمر يستحق التدبر الطويل ، والشكر العميق ، والأدب الجم لربه الكريم الذى أكرمه بهذه الخلقة .وهناك مؤلفات كاملة فى وصف كمال التكوين الإِنسان العضوى ودقته وإحكامه .كاكتمال التكوين الجسدى ، والعضلى ، والجلدى ، والهضمى ، والدموى والعظمى ، والتنفسى ، والتناسلى ، والعصبى .

.

للإِنسان .وإن جزءا من أذن الإِنسان " الأذن الوسطى " لهو سلسلة من نحو أربعة آلاف جزئية دقيقة معقدة ، متدرجة بنظام بالغ الدقة فى الحجم والشكل .ومركز حاسة الإِبصار فى العين التى تحتوى على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء .وهى أطراف الأعصاب ، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذى يقيها ليلا ونهارا .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما أخبر في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلاً على إمكانه أو على وقوعه، وذلك من وجهين: الأول: أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع موائد نعمه عن المذنبين، كيف يجوز في كرمه أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم؟

الثاني: أن القادر الذي خلق هذه البنية الإنسانية ثم سواها وعدلها، إما أن يقال: إنه خلقها لا لحكمة أو لحكمة، فإن خلقها لا لحكمة كان ذلك عبثاً، وهو غير جائز على الحكيم، وإن خلقها لحكمة، فتلك الحكمة، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد، والأول باطل لأنه سبحانه متعال عن الاستكمال والانتفاع.

فتعين الثاني، وهو أنه خلق الخلق لحكمة عائدة إلى العبد، وتلك الحكمة إما أن تظهر في الدنيا أو في دار سوى الدنيا.

والأول باطل لأن الدنيا دار بلاء وامتحان، لا دار الانتفاع والجزاء، ولما بطل كل ذلك ثبت أنه لابد بعد هذه الدار من دار أخرى، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق والتسوية والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع بأنه سبحانه يبعث الأموات ويحشرهم، وذلك يمنعهم من الاعتراف بعدم الحشر والنشر، وهذا الاستدلال هو الذي ذكر بعينه في سورة التين حيث قال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ﴾ إلى أن قال: ﴿ فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بالدين  ﴾ وهذه المحاجة تصلح مع العرب الذين كانوا مقرين بالصانع وينكرون الإعادة، وتصلح أيضاً مع من ينفي الإبتداء والإعادة معاً، لأن الخلق المعدل يدل على الصانع وبواسطته يدل على صحة القول بالحشر والنشر، فإن قيل: بناء هذا الاستدلال على أنه تعالى حكيم، ولذلك قال في سورة التين بعد هذا الاستدلال: ﴿ أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين  ﴾ فكان يجب أن يقول في هذه السورة: ما غرك بربك الحكيم الجواب: أن الكريم يجب أن يكون حكيماً، لأن إيصال النعمة إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة لكان ذلك تبذيراً لا كرماً.

أما إذا كان مبنياً على داعية الحكمة فحينئذ يسمى كرماً، إذا ثبت هذا فنقول: كونه كريماً يدل على وقوع الحشر من وجهين كما قررناه، أما كونه حكيماً فإنه يدل على وقوع الحشر من هذا الوجه الثاني، فكان ذكر الكريم هاهنا أولى من ذكر الحكيم، هذا هو تمام الكلام في كيفية النظم، ولنرجع إلى التفسير.

أما قوله: ﴿ يا أيها الإنسانُ ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنه الكافر، لقوله من بعد ذلك: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُكَذّبُونَ بالدين  ﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في ابن الأسد بن كلدة بن أسيد وذلك أنه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية والقول الثاني: أنه يتناول جميع العصاة وهو الأقرب، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ.

أما قوله: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم ﴾ فالمراد الذي خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات، والمعنى ما الذي أمنك من عقابه، يقال: غره بفلان إذا أمنه المحذور من جهته مع أنه غير مأمون، وهو كقوله: ﴿ لا يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور  ﴾ هذا إذا حملنا قوله: ﴿ يا أيها الإنسانُ ﴾ على جميع العصاة، وأما إذا حملناه على الكافر، فالمعنى ما الذي دعاك إلى الكفر والجحد بالرسل، وإنكار الحشر والنشر، وهاهنا سؤالات: الأول: أن كونه كريماً يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه بدليل المعقول والمنقول، أما المعقول فهو أن الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض، فلما كان الحق تعالى جواداً مطلقاً لم يكن مستعيضاً، ومتى كان كذلك استوى عنده طاعة المطيعين، وعصيان المذنبين، وهذا يوجب الاغترار لأنه من البعيد أن يقدم الغني على إيلام الضعيف من غير فائدة أصلاً، وأما المنقول فما روي عن علي عليه السلام، أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: لم لم تجبني؟

فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه، وأعتقه، وقالوا أيضاً: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، ولما ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به، فكيف جعله هاهنا مانعاً من الاغترار به؟

والجواب: من وجوه: أحدها: أن معنى الآية أنك لماكنت ترى حلم الله على خلقه ظننت أن ذلك لأنه لا حساب ولا دار إلا هذه الدار، فما الذي دعاك إلى هذا الاغترار، وجرأك على إنكار الحشر والنشر؟

فإن ربك كريم، فهو لكرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطاً في مدة التوبة، وتأخيراً للجزاء إلى أن يجمع الناس في الدار التي جعلها لهم للجزاء، فالحاصل أن ترك المعاجلة بالعقوبة لأجل الكرم، وذلك لا يقتضي الاغترار بأنه لا دار بعد هذه الدار.

وثالثها: أن كرمه لما بلغ إلى حيث لا يمنع من العاصي موائد لطفه، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم، كان أولى فإذن كونه كريماً يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار، وترك الجراءة والاغترار.

وثالثها: أن كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة والاستحياء من الاغترار والتواني.

ورابعها: قال بعض الناس: إنما قال: ﴿ بِرَبّكَ الكريم ﴾ ليكون ذلك جواباً عن ذلك السؤال حتى يقول غرني كرمك، ولولا كرمك لما فعلت لأنك رأيت فسترت، وقدرت فأمهلت، وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد من قوله: ﴿ يا أيها الإنسانُ ﴾ ليس الكافر.

السؤال الثاني: ما الذي ذكره المفسرون في سبب هذا الاغترار؟

قلنا وجوه: أحدها: قال قتادة: سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان له.

وثانيها: قال الحسن: غره حمقه وجهله.

وثالثها: قال مقاتل: غره عفو الله عنه حين لم يعاقبه في أول أمره، وقيل: للفضيل بن عياض إذا أقامك الله يوم القيامة، وقال لك: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم ﴾ ماذا تقول؟

قال: أقول غرتني ستورك المرخاة.

السؤال الثالث: ما معنى قراءة سعيد بن جبير ما أغرك؟

قلنا: هو إما على التعجب وإما على الاستفهام من قولك غر الرجل فهو غار إذا غفل، ومن قولك بيتهم العدو وهم غارون، وأغره غيره جعله غاراً، أما قوله تعالى: ﴿ الذي خَلَقَكَ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقق ذلك الكرم أولها: الخلق وهو قوله: ﴿ الذي خَلَقَكَ ﴾ ولا شك أنه كرم وجود لأن الوجود خير من العدم، والحياة خير من الموت، وهو الذي قال: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم  ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ فَسَوَّاكَ ﴾ أي جعلك سوياً سالم الأعضاء تسمع وتبصر، ونظيره قوله: ﴿ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً  ﴾ قال ذو النون: سواك أي سخر لك المكونات أجمع، وما جعلك مسخراً لشيء منها، ثم أنطق لسانك بالذكر، وقلبك بالعقل، وروحك بالمعرفة، وسرك بالإيمان، وشرفك بالأمر والنهي وفضك على كثير ممن خلق تفضيلاً.

وثالثها: قوله: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال مقاتل: يريد عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع، وهو كقوله: ﴿ بلى قادرين على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ  ﴾ وتقريره ما عرف في علم التشريح أنه سبحانه ركب جانبي هذه الجثة على التسوي حتى أنه لا تفاوت بين نصفيه لا في العظام ولا في أشكالها ولا في ثقبها ولا في الأوردة والشرايين والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها، واستقصاء القول فيه لا يليق بهذا العلم، وقال عطاء عن ابن عباس: جعلك قائماً معتدلاً حسن الصورة لا كالبهيمة المنحنية، وقال أبو علي الفارسي: عدل خلقك فأخرجك في أحسن التقويم، وبسبب ذلك الاعتدال جعلك مستعداً لقبول العقل والقدرة والفكر، وصيرك بسبب ذلك مستولياً على جميع الحيوان والنبات، وواصلاً بالكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا العالم.

البحث الثاني: قرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، وفيه وجوه: أحدها: قال أبو علي الفارسي: أن يكون المعنى عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت والثاني: قال الفراء: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ أي فصرفك إلى أي صورة شاء، ثم قال: والتشديد أحسن الوجهين لأنك تقول: عدلتك إلى كذا كما تقول صرفتك إلى كذا، ولا يحسن عدلتك فيه ولا صرفتك فيه، ففي القراءة الأولى جعل في من قوله: ﴿ في أي صُورَةٍ ﴾ صلة للتركيب، وهو حسن، وفي القراءة الثانية جعله صلة لقوله: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ وهو ضعيف، واعلم أن اعتراض القراء إنما يتوجه على هذا الوجه الثاني، فأما على الوجه الأول الذي ذكره أبو علي الفارسي فغير متوجه والثالث: نقل القفال عن بعضهم أنهما لغتان بمعنى واحد، أما قوله: ﴿ في أي صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ﴾ ففيه مباحث الأول: ما هل هي مزيدة أم لا؟

فيه قولان: الأول: أنها ليست مزيدة، بل هي في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك، وبناء على هذا الوجه، قال أبو صالح ومقاتل: المعنى إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة كلب أو صورة حمار أو خنزير أو قرد والقول الثاني: أنها صلة مؤكدة والمعنى في أي صورة تقتضيها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة، فإنه سبحانه يركبك على مثلها، وعلى هذا القول تحتمل الآية وجوهاً أحدها: أن المراد من الصور المختلفة شبه الأب والأم، أو أقارب الأب أو أقارب الأم، ويكون المعنى أنه سبحانه يركبك على مثل صور هؤلاء ويدل على صحة هذا ما روى أنه عليه السلام قال في هذا الآية: إذا استقرت النطفة في الرحم، أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، والثاني: وهو الذي ذكره الفراء والزجاج أن المراد من الصور المختلفة الاختلاف بحسب الطول والقصر والحسن والقبح والذكورة والأنوثة، ودلالة هذه الحالة على الصانع القادر في غاية الظهور، لأن النطفة جسم متشابه الأجزاء وتأثير طبع الأبوين فيه على السوية، فالفاعل المؤثر بالطبيعة في القابل المتشابه لا يفعل إلا فعلاً واحداً، فلما اختلفت الآثار والصفات دل ذلك الاختلاف على أن المدبر هو القادر المختار، قال القفال: اختلاف الخلق والألوان كاختلاف الأحوال في الغنى والفقر والصحة والسقم، فكما أنا نقطع أنه سبحانه إنما ميز البعض عن البعض في الغنى والفقر، وطول العمر وقصره، بحكمة بالغة لا يحيط بكنهها إلا هو، فكذلك نعلم أنه إنما جعل البعض مخالفاً للبعض، في الخلق والألوان بحكمة بالغة، وذلك لأن بسبب هذا الاختلاف يتميز المحسن عن المسيء والقريب عن الأجنبي، ثم قال: ونحن نشهد شهادة لا شك فيها أنه سبحانه لم يفرق بين المناظر والهيئات إلا لما علم من صلاح عباده فيه وإن كنا جاهلين بعين الصلاح القول الثالث: قال الواسطي: المراد صورة المطيعين والعصاة فليس من ركبه على صورة الولاية كمن ركبه على صورة العداوة، قال آخرون: إنه إشارة إلى صفاء الأرواج وظلمتها، وقال الحسن: منهم من صوره ليستخلصه لنفسه، ومنهم من صوره ليشغله بغيره مثال الأول: أنه خلق آدم ليخصه بألطاف بره وإعلاء قدره وأظهر روحه من بين جماله وجلاله، وتوجه بتاج الكرامة وزينه برداء الجلال والهيبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم ﴾ وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به، وإنما يغتر بالكريم، كما يروى عن عليّ رضي اللَّه عنه أنه صاح بغلام له كرّات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: ما لك لم تجبني؟

قال: لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه، وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.

قلت معناه أنّ حق الإنسان أن لا يغترّ بتكرم الله عليه، حيث خلقه حياً لينفعه، وبتفضله عليه بذلك حتى يطمع بعدما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها أن يتفضل عليه بالثواب وطرح العقاب، اغتراراً بالتفضل الأوّل، فإنه منكر خارج من حد الحكمة، ولهذا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلاها.

«غرّه جهله» وقال عمر رضي الله عنه: غرّه حمقه وجهله.

وقال الحسن: غره والله شيطانه الخبيث، أي: زين له المعاصي وقال له: أفعل ما شئت، فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أوّلا وهو متفضل عليك آخراً، حتى ورطه وقيل للفضيل ابن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم ﴾ ماذا تقول؟

قال أقول: غرّتني ستورك المرخاة.

وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر، وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ويطّن به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم: إنما قال ﴿ بِرَبّكَ الكريم ﴾ دون سائر صفاته، ليلقن عبده الجواب حتى يقول: غرّني كرم الكريم.

وقرأ سعيد بن جبير: ﴿ ما أغرّك ﴾ إما على التعجب، وإما على الاستفهام؛ من قولك: غرّ الرجل فهو غارّ: إذا غفل، من قولك: بيتهم العدوّ وهم غارّون.

وأغرّه غيره: جعله غاراً ﴿ فسواك ﴾ فجعلك سويا سالم الأعضاء ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ فصيرك معتدلاً متناسب الخلق من غير تفاوت فيه، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، ولا بعض الشعر فاحماً وبعضه أشقر.

أو جعلك معتدل الخلق تمشي قائماً لا كالبهائم.

وقرئ ﴿ فعدلك ﴾ بالتخفيف وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى المشدّد، أي: عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت والثاني ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ فصرفك.

يقال: عدله عن الطريق يعني: فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق.

أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيآت.

﴿ مَّا ﴾ في ﴿ مَّا شَآءَ ﴾ مزيدة، أي: ركبك في أيّ صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلقة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه فإن قلت: هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها؟

قلت: لأنها بيان لعدلك.

فإن قلت: بم يتعلق الجار؟

قلت: يجوز أن يتعلق بركبك.

على معنى: وضعك في بعض الصور ومكنك فيه، وبمحذوف أي ركبك حاصلاً في بعض الصور؛ ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف ويجوز أن يتعلق بعدلك، ويكون في (أي) معنى التعجب، أي فعدلك في صورة عجيبة، ثم قال: ما شاء ركبك.

أي ركبك ما شاء من التراكيب، يعني تركيباً حسناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَرَمِ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أوَّلًا قَدَرَ عَلَيْهِ ثانِيًا، والتَّسْوِيَةُ جَعْلُ الأعْضاءِ سَلِيمَةً مُسَوّاةً مُعَدَّةً لِمَنافِعِها، والتَّعْدِيلُ جَعْلُ البِنْيَةِ مُعْتَدِلَةً مُتَناسِبَةَ الأعْضاءِ، أوْ مُعَدَّلَةً بِما تُسْعِدُها مِنَ القُوى.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ فَعَدَلَكَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ عَدَلَ بَعْضَ أعْضائِكَ بِبَعْضٍ حَتّى اعْتَدَلَتْ، أوْ فَصَرَفَكَ عَنْ خَلْقِهِ غَيْرَكَ ومَيَّزَكَ بِخِلْقَةٍ فارَقَتْ خِلْقَةَ سائِرِ الحَيَوانِ.

﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ أيْ رَكَّبَكَ في أيِّ صُورَةٍ شاءَها، وما مَزِيدَةٌ وقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ، ورَكَّبَكَ جَوابُها والظَّرْفُ صِلَةُ فَعَدَلَكَ، وإنَّما لَمْ يَعْطِفِ الجُمْلَةَ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها بَيانٌ لِـ عَدَلَكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فِى أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} ما مزيد للتوكيد أي

ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر ولم تعطف هذه الجملة كما عطف ما قبلها لأنها بيان لعدلك والجار يتعلق بركبك على معنى وضعك في بعض الصور ومكنك فيها أو بمحذوف أي ركبك حاصلاً في بعض الصور {كَلاَّ} ردع عن الغفلة عن الله تعالى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ أيْ: رَكَّبَكَ ووَضَعَكَ في أيِّ صُورَةٍ اقْتَضَتْها مَشِيئَتُهُ تَعالى وحِكْمَتُهُ جَلَّ وعَلا مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ في الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ في الطُّولِ والقِصَرِ ومَراتِبِ الحُسْنِ ونَحْوِها، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «رَكَّبَكَ، وأيِّ» لِلصِّفَةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ: أرَأيْتَ أيَّ سَوالِفٍ وخُدُودِ بَرَزَتْ لَنا بَيْنَ اللِّوى وزَرُودِ ولَمّا أُرِيدَ التَّعْمِيمُ لَمْ يُذْكَرْ مَوْصُوفُها، وجُمْلَةُ: ( شاءَ ) صِفَةٌ لَها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وما مَزِيدَةٌ، وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها بَيانٌ لِعَدَلَكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: رَكَّبَكَ كائِنًا في أيِّ صُورَةٍ شاءَها، وقِيلَ: «أيِّ» مَوْصُولَةٌ صِلَتُها جُمْلَةُ شاءَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: رَكَّبَكَ في الصُّورَةِ الَّتِي شاءَها.

وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ أبُو عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّ أيًّا المَوْصُولَةَ لا تُضافُ إلى نَكِرَةٍ، وقالَ ابْنُ مالِكٍ في الألْفِيَّةِ: واخْصُصَنْ بِالمَعْرِفَهْ مَوْصُولَةً أيًّا.

وفِي شَرْحِها لِلسُّيُوطِيِّ مَعَ اشْتِراطِ ما سَبَقَ يَعْنِي كَوْنَ المَعْرِفَةِ غَيْرَ مُفْرَدَةٍ فَلا تُضِفْها إلى نَكِرَةٍ خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ «إيِّ» شَرْطِيَّةً والماضِي في جَوابِها في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ إذا نُظِرَ إلى تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ وتَرَتُّبِ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ فَجِيءَ بِصُورَةٍ إلى الماضِي نَظَرًا إلى المَشِيئَةِ، وأداةُ الشَّرْطِ نَظَرًا إلى المُتَعَلِّقِ والتَّرَتُّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا «بِعَدَلَكَ» وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ في «أيِّ» الصِّفَةُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: «فَعَدَلَكَ في صُورَةٍ أيِّ صُورَةٍ في صُورَةٍ عَجِيبَةٍ» ثُمَّ حَذَفَ المَوْصُوفَ زِيادَةً لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْجِيبِ.

و«أيِّ» هَذِهِ مَنقُولَةٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةِ لَكِنَّها لِانْسِلاخِ مَعْناها عَنْها بِالكُلِّيَّةِ عَمَلِ فِيها ما قَبْلَها، ويَكُونُ ﴿ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وما إمّا مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً مُبْتَدَأً أوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِ «رَكَّبَكَ»؛ أيْ: ما شاءَ مِنَ التَّرْكِيبِ رَكَّبَكَ فِيهِ أوْ تَرْكِيبًا شاءَ رَكَّبَكَ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، و«شاءَ» فِعْلَ الشَّرْطِ و«رَكَّبَكَ» جَزاؤُهُ؛ أيْ: إنْ شاءَ تَرْكِيبَكَ في أيِّ صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ رَكَّبَكَ فِيها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِصُورَةٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ولَمْ يُجَوِّزُوا عَلى هَذا الوَجْهِ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِرَكَّبَكَ لِأنَّ مَعْمُولَ «ما» في حَيِّزِ الشَّرْطِ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ يعني: يا أيها الكافر مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ يعني: لم يعجل بالعقوبة، وقال مقاتل: نزلت في كلدة بن أسيد حيث ضرب النبيّ  بقوسه فلم يعاقبه النبيّ  ، فبلغ ذلك حمزة فأسلم حمية لذلك ثم أراد أن يعود كلدة لضرب رسول الله  فأنزل الله تعالى هذه الآية فأسلم حمزة يومئذٍ» .

ويقال نزلت في جميع الكفار ما غرك يعني: ما خدعك حين كفرت بربك الكريم المتجاوز لمن تاب الَّذِي خَلَقَكَ من النطفة فَسَوَّاكَ يعني: فسوى خلقك فَعَدَلَكَ يعني: خلقك معتدل القامة فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ يعني: شبهك بأي صورة شاء إن شاء بالوالد وإن شاء بالوالدة قرأ عاصم والكسائي وحمزة فعدلك بالتخفيف والباقون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف جعل في المعنى إلى فكأنه قال فعدلك إلى أي صورة شاء أن يركبك يعني صرفك إلى ما شاء من الصور من الحسن والقبح ومن قرأ بالتشديد فمعناه قومك ويكون ما صلة وقد تم الكلام عند قوله فعدلك ثم ابتدأ فقال: في أي صورة شاء ركبك، ويقال: في ما معنى الشرط والجزاء والمعنى أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك ويكون شاء بمعنى يشاء ثم قال عز وجل: كَلَّا يعني: لا يؤمن هذا الإنسان بما ذكره من أمره وصورته بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ يعني: تكذبون بأنكم مبعوثون يوم القيامة ثم أعلم الله تعالى أن أعمالكم محفوظة عليهم فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ من الملائكة يحفظون أعمالكم كِراماً كاتِبِينَ يعني: كراماً على الله تعالى كاتبين يعني يكتبون أعمال بني آدم-  - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ من الخير والشر، وروى مجاهد عن النبيّ  قال: «أَكْرِمُوا الكِرَامَ الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ لاَ يُفَارِقُونَكُمْ إلاَّ عِنْدَ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ الجَنَابَةِ والغائط» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، دونَ سائر أسمائِه تعالى وصفاته، كأنه لَقَّنَهُ جَوَابَهُ حتى يقولَ: غَرَّنِي كَرَمُكَ، انتهى، وقرأ الجمهور: «فعدّلك» وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا نَظَر إلى الهلالِ قال: «آمنتُ بالذي خلقَك فسوَّاك فَعَدَلَك» وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بتخفيفِ الدال «١» ، والمعنى عَدَّلَ أعضَاءَك بعضَها ببعضٍ، أي: وازن بينها.

وقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ ذهبَ الجمهورُ إلى أن «في» متعلِّقة ب «ركَّبك» ، أي: في صورةٍ حسنةٍ أو قبيحةٍ، أو سليمةٍ، أو مشوهةٍ، ونَحْو هذا، و «ما» في قوله: مَّا شاءَ رَكَّبَكَ زائِدَةٌ فيها معنَى التأكيد، قال أبو حيان «٢» : كَلَّا رَدْعٌ وزَجْرٌ، انتهى، والدِّينُ هنا يحتمل أن يريدَ الشرعَ، ويحتملُ أن يريدَ الجزاءَ والحساب، وباقي الآية واضح لمتأمّله.

يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)

وقوله تعالى: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ أي: يوم الجزاءِ.

وقوله تعالى: وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [قال جماعة: معناه: ما هم عنها بغائبين] «٣»

في البَرْزَخِ، وذلك أنهم يرونَ مقاعِدَهم من النارِ غَدْوَةً وعشيَّةً فهم لم يزالُوا مشاهدينَ لَها نسألُ اللَّه العافيةَ في الدارينِ بجُودِه وكرمِه، ثم عظَّم تعالى قدرَ هولِ ذلكَ اليومِ بقوله:

وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ الآية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الِانْفِطارِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ انْفِطارُها: انْشِقاقُها.

و ﴿ انْتَثَرَتْ ﴾ بِمَعْنى تَساقَطَتْ.

و ﴿ فُجِّرَتْ ﴾ بِمَعْنى فُتِحَ بَعْضُها في بَعْضٍ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا.

وقالَ الحَسَنُ: ذَهَبَ ماؤُها، و ﴿ بُعْثِرَتْ ﴾ بِمَعْنى أُثِيرَتْ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُلِبَتْ فَأُخْرِجَ ما فِيها.

يُقالُ: بَعْثَرْتُ المَتاعَ وبَحْثَرَتْهُ: إذا جَعَلْتَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ هَذا جَوابُ الكَلامِ.

وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عُنِيَ بِهِ أبُو الأشَدَّيْنِ، وكانَ كافِرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

وقَدْ ذَكَرْنا اسْمَهُ في [المُدَّثِّرِ: ٣٠] .

والثّانِي: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أشارَ إلى كُلِّ كافِرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما غَرَّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ حَتّى أضَعْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ؟

.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ وهو كَرِيمٌ مُتَجاوِزٌ إذْ لَمْ يُعاقِبْكَ عاجِلًا؟

وقِيلَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ: لَوْ أقامَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكِ الكَرِيمِ، ماذا كُنْتَ تَقُولُ؟

قالَ: أقُولُ: غَرَّنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ.

وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: لَوْ قالَ لِي: ما غَرَّكَ بِي؟

قُلْتُ: بِرُّكَ سالِفًا وآنِفًا.

قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ الصِّفَةَ الَّتِي هي الكَرَمُ هاهُنا دُونَ سائِرِ صِفاتِهِ، كانَ كَأنَّهُ لَقَّنَ عَبْدَهُ الجَوابَ، لِيَقُولَ: غَرَّنِي كَرَمُ الكَرِيمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ ﴾ ولَمْ تَكْ شَيْئًا ﴿ فَسَوّاكَ ﴾ إنْسانًا تَسْمَعُ وتُبْصِرُ ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَعَدَلَكَ " بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَوَجْهُهُ -واللَّهُ أعْلَمُ-: فَصَوَّرَكَ إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، إمّا حَسَنٌ، وإمّا قَبِيحٌ، وإمّا طَوِيلٌ، وإمّا قَصِيرٌ.

وقِيلَ: في صُورَةِ أبٍ، في صُورَةِ عَمٍّ، في صُورَةِ بَعْضِ القَراباتِ تَشْبِيهًا.

ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَإنَّهُ أرادَ -واللَّهُ أعْلَمُ-: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا، مُعَدَّلَ الخِلْقَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ: عَدَّلَ أعْضاءَكَ فَلَمْ تَفْضُلْ يَدٌ عَلى يَدٍ، ولا رِجْلٌ عَلى رِجْلٍ، وعَدَلَ بِكَ أنْ يَجْعَلَكَ حَيَوانًا بَهِيمًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " زائِدَةً.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ.

وفي مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: في أيِّ صُورَةٍ مِن صُوَرِ القَراباتِ رَكَّبَكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: في أيِّ صُورَةٍ، مِن حُسْنٍ، أوْ قُبْحٍ، أوْ طُولٍ، أوْ قِصَرٍ، أوْ ذَكَرٍ، أوْ أُنْثى، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

والثّالِثُ: إنْ شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ رَكَّبَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ قِرْدٍ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ.

والرّابِعُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ إنْسانٍ بِأفْعالِ الخَيْرِ.

وإنْ شاءَ في صُورَةِ حِمارٍ بِالبَلادَةِ والبَلَهِ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ كَلْبٍ بِالبُخْلِ، أوْ خِنْزِيرٍ بِالشَّرَهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " بِالياءِ " أيْ بِالجَزاءِ والحِسابِ، تَزْعُمُونَ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ.

ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم ﴿ كِرامًا ﴾ عَلى رَبِّهِمْ ﴿ كاتِبِينَ ﴾ يَكْتُبُونَ أعْمالَكم ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَيَكْتُبُونَهُ عَلَيْكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: الظَّلَمَةُ.

ونُقِلَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ أنَّهُ قالَ لِأبِي حازِمٍ: يا لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟

فَقالَ لَهُ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّكَ تَعْلَمُ ما لَكَ عِنْدَهُ، فَقالَ: وأيْنَ أجِدُهُ؟

قالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ قالَ سُلَيْمانُ: فَأيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟

قالَ: قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يَعْنِي: يَدْخُلُونَ الجَحِيمَ مُقاسِينَ حَرَّها ﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ ﴿ وَما هم عَنْها ﴾ أيْ: عَنِ الجَحِيمِ ﴿ بِغائِبِينَ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى تَخْلِيدِ الكُفّارِ.

وأجازَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ تَكُونَ " عَنْها " كِنايَةً عَنِ القِيامَةِ، فَتَكُونُ فائِدَةُ الكَلامِ تَحْقِيقَ البَعْثِ.

ويَشْتَمِلُ هَذا عَلى الأبْرارِ والفُجّارِ.

ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وكانَ ابْنُ السّائِبِ يَقُولُ: الخِطابُ بِهَذا لِلْإنْسانِ الكافِرِ، لا لِرَسُولِ اللَّهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَوْمُ " بِالرَّفْعِ، والباقُونَ: بِالفَتْحِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ " اليَوْمَ "، فَعَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " يَوْمُ الدِّينِ " .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِإضْمارِ " هو " ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: هَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ تَكُونُ ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَمْلِكُ الأمْرَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَمْ يُمَلِّكْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ شَيْئًا كَما مَلَّكَهم في الدُّنْيا.

وكانَ مُقاتِلٌ يَقُولُ: لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ كافِرَةٍ شَيْئًا مِنَ المَنفَعَةِ.

والقَوْلُ عَلى الإطْلاقِ أصَحُّ، لِأنَّ مُقاتِلًا فِيما أحْسَبُ خافَ نَفْيَ شَفاعَةِ المُؤْمِنِينَ.

والشَّفاعَةُ إنَّما تَكُونُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ وتَمْلِيكِهِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْفِطارِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا السَماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِينِ ﴾ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ ﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ.

و"انْفِطارُ السَماءِ" تَشَقُّقُها عَلى غَيْرِ نِظامٍ مَقْصُودٍ إنَّما هو انْشِقاقٌ لِتَزُولَ زِينَتُها.

و"انْتِثارُ الكَواكِبِ" سُقُوطُها مِن مَواضِعِها الَّتِي هي فِيها كَنِظامٍ.

و"تَفْجِيرُ البِحارِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ امْتِلائِها فَتُفَجَّرُ مِن أعالِيها وتَفِيضُ عَلى ما يَلِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْجِيرَ تَفْرِيعٍ مِن قِيعانِها فَيَذْهَبُ اللهُ تَعالى ماءَها حَيْثُ شاءَ، وقِيلَ: يُفَجِّرُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَيَخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ وتَصِيرُ واحِدًا، وهَذا نَحْوُ الِاخْتِلافِ في "سُجِّرَتْ" في السُورَةِ الَّتِي قَبْلُ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: "فَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ.

و"بَعْثَرَةُ القُبُورِ" نَبْشُها عَنِ المَوْتى الَّذِينَ فِيها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلِمَتْ نَفْسٌ" هو جَوابُ "إذا"، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ: وإفْرادُها لِيُبَيِّنَ لِذِهْنِ السامِعِ حَقارَتَها وقِلَّتَها وضَعْفَها عن مَنفَعَةِ ذاتِها إلّا مَن رَحِمَ اللهُ تَعالى، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ : إنَّها عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ هَذا التَقْسِيمَ يَعُمُّ الطاعاتِ المَعْمُولَةِ والمَتْرُوكَةِ، وكَذَلِكَ المَعاصِي.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: مَعْناهُ: ما قَدَّمَتْ في حَياتِها وما أخَّرَتْ ∗∗∗ مِمّا سَنَّتْهُ فَعَمِلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِها.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى جِنْسَ ابْنِ آدَمَ فَوَقَفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَنْبِيهِ- عَلى أيِّ شَيْءٍ أوجَبَ أنْ يَغْتَرَّ بِرَبِّهِ الكَرِيمِ فَيَعْصِيهِ ويَجْعَلُ لَهُ نِدًّا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، وهو الخالِقُ المُوجِدُ بَعْدَ العَدَمِ.

ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ: " ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ" فَقالَ: جَهْلُهُ،» وقالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَرَأ ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا  ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ: غَرَّهُ عَدُوُّهُ المُسَلَّطُ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: غَرَّهُ سَتْرُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقالَ غَيْرُهُ: غَرَّهُ كَرَمُ اللهِ تَعالى.

ولَفْظَةُ "الكَرِيمِ" تُلَقِّنُ هَذا الجَوابَ، فَهَذا مِن لُطْفِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِعِبادِهِ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "ما أغَرَّكَ" عَلى وزْنِ أفْعَلَكَ، والمَعْنى: ما دَعاكَ إلى الِاغْتِرارِ؟

أنْ يَكُونَ المَعْنى تَعَجُّبًا مَحْضًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَعَدَّلَكَ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "فَعَدَلَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، والمَعْنى: عَدَلَ أعْضاءَكَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، أيْ وازَنَ بَيْنَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ، ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "رَكَّبَكَ"، أيْ: في صُورَةٍ قَبِيحَةٍ أو حَسَنَةٍ أو مُشَوَّهَةٍ أو سَلِيمَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى: فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ، بِمَعْنى: إلى أيِّ صُورَةٍ، حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: المَعْنى: لَمْ يَجْعَلْكَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ ولا حِمارٍ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى الوَعِيدُ والتَهْدِيدُ، أيِ: الَّذِي إنْ شاءَ رَكَّبَكَ في صُورَةِ حِمارٍ أو خِنْزِيرٍ أو غَيْرِهِ، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما شاءَ" زائِدَةٌ، فِيها مَعْنى التَأْكِيدِ والتَرْكِيبِ والتَأْلِيفِ وجَمْعِ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ: "رَكَّبَكَ كُلًّا" بِإدْغامِ الكافِ في الكافِ.

ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى سائِرِ أقْوالِهِمْ ورَدَّ عنها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كَلّا"، ثُمَّ أثْبَتَ تَعالى لَهم تَكْذِيبَهم بِالدِينِ، وهَذا الخِطابُ عامٌّ ومَعْناهُ الخُصُوصُ في الكُفّارِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُكَذِّبُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: "يُكَذِّبُونَ" بِالياءِ، و"الدِينُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الشَرْعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَزاءَ والحِسابَ.

و"الحافِظُونَ" هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ أعْمالَ ابْنِ آدَمَ، ووَصْفَهم تَعالى بِالكَرَمِ الَّذِي هو نَفْيُ المَذامِّ، و"يَعْلَمُونَ ما يَفْعَلُونَ" لِمُشاهَدَتِهِمْ حالَ بَنِي آدَمَ، ووَصْفِهِمْ تَعالى بِالكَرَمِ الَّذِي هو نَفىُ المَذامِّ و"يَعْمَلُونَ ما يَفْعَلُونَ" لِمُشاهَدَتِهِمْ حالَ بَنِي آدَمَ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ سُفْيانُ يَقْتَضِي أنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ سَيِّئَةً مِمّا لا تُرى ولا تُسْمَعُ، مِثْلَ الخَواطِرِ المُسْتَصْحَبَةِ ونَحْوِها أنَّ المَلِكَ يَجِدُ رِيحَ تِلْكَ الخَطِيئَةِ بِإدْراكٍ قَدْ خَلَقَهُ اللهُ تَعالى لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لأن ما قبله بمنزلة المقدمة له لتهيئة السامع لتلقي هذه الموعظة لأن ما سبقه من التهويل والإِنذار يهيّئ النفس لقبول الموعظة إذ الموعظة تكون أشدّ تغلغلاً في القلب حينئذ لما يشعر به السامع من انكسار نفسه ورقّة قلبه فيزول عنه طغيان المكابرة والعناد فخطر في النفوس ترقب شيء بعد ذلك.

النداء للتنبيه تنبيهاً يشعر بالاهتمام بالكلام والاستدعاء لسماعه فليس النداء مستعملاً في حقيقته إذ ليس مراداً به طلب إقبال ولا هو موجّه لشخص معين أو جماعة معينة بل مثلُه يجعله المتكلم موجّهاً لكل من يسمعه بقصد أو بغير قصد.

فالتعريف في ﴿ الإِنسان ﴾ تعريف الجنس، وعلى ذلك حمله جمهور المفسرين، أي ليس المراد إنساناً معيناً، وقرينة ذلك سياق الكلام مع قوله عَقِبَه ﴿ بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين ﴾ [الانفطار: 9، 10] الآية.

وهذا العموم مراد به الذين أنكروا البعث بدلالة وقوعه عقب الإِنذار بحصول البعث ويدل على ذلك قوله بعده: ﴿ بل تكذبون بالدين ﴾ [الانفطار: 9] فالمعنى: يا أيها الإنسان الذي أنكر البعث ولا يكون منكر البعث إلا مشركاً لأن إنكار البعث والشرك مُتلازمان يومئذ فهو من العامّ المراد به الخصوص بالقرينة أو من الاستغراق العرفي لأن جمهور المخاطبين في ابتداء الدعوة الإِسلامية هم المشركون.

و ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ ما غرك بربك ﴾ استفهامية عن الشيء الذي غرّ المشرك فحمله على الإِشراك بربه وعلى إنكار البعث.

وعن ابن عباس وعطاء: الإِنسان هنا الوليد بن المغيرة، وعن عكرمة المراد أبيّ بن خلف، وعن ابن عباس أيضاً: المراد أبو الأشد بن كَلَدَة الجُمحِي، وعن الكلبي ومقاتل: نزلت في الأسود بن شَريق.

والاستفهام مجاز في الإِنكار والتعجيب من الإِشراك بالله، أي لا موجب للشرك وإنكار البعث إلا أن يكون ذلك غروراً غرّه عنا كناية عن كون الشرك لا يخطر ببال العاقل إلا أن يغره به غار، فيحتمل أن يكون الغرور موجوداً ويحتمل أن لا يكون غروراً.

والغرور: الإِطماع بما يتوهمه المغرور نفعاً وهو ضرّ، وفعلُه قد يسند إلى اسم ذات المُطمع حقيقة مثل: ﴿ ولا يغرنكم باللَّه الغرور ﴾ [لقمان: 33] أو مجازاً نحو: ﴿ وغرتكم الحياة الدنيا ﴾ [الجاثية: 35] فإن الحياة زمان الغرور، وقد يسند إلى اسم معنى من المعاني حقيقة نحو: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ [آل عمران: 196].

وقول امرئ القيس: أغرَّك مني أن حبك قاتلي *** أو مجازاً نحو قوله تعالى: ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ [الأنعام: 112].

ويتعدى فعله إلى مفعول واحد، وقد يذكر مع مفعوله اسم ما يتعلق الغرور بشؤونه فيعدى إليه بالباء، ومعنى الباء فيه الملابسة كما في قوله: ﴿ ولا يغرنكم باللَّه الغرور ﴾ [لقمان: 33]، أي لا يغرنكم غروراً متلبساً بشأن الله، أي مصاحباً لشؤون الله مصاحبة مجازية وليست هي بَاء السببية كما يقال: غره ببذل المال، أو غرّه بالقول.

وإذ كانت الملابسة لا تتصوّر ماهيتها مع الذوات فقد تعين في باء الملابسة إذا دخلت على اسم ذات أن يكون معها تقدير شأن من شؤون الذات يفهم من المقام، فالمعنى هنا: ما غرك بالإِشراك بربك كما يدل عليه قوله: ﴿ الذي خلقك فسواك فعدلك ﴾ الآية فإن منكر البعث يومئذ لا يكون إلاّ مشركاً.

وإيثار تعريف الله بوصف «ربك» دون ذكر اسم الجلالة لما في معنى الرب من الملك والإِنشاء والرفق، ففيه تذكير للإِنسان بموجبات استحقاق الرب طاعة مربوبه فهو تعريض بالتوبيخ.

وكذلك إجراء وصف الكريم دون غيره من صفات الله للتذكير بنعمته على الناس ولطفه بهم فإن الكريم حقيق بالشكر والطاعة.

والوصف الثالث الذي تضمنته الصلة: ﴿ فعَدَّلك في أيّ صورة ﴾ جامع لكثير مما يؤذن به الوصفان الأولان فإن الخلق والتسوية والتعديل وتحسين الصورة من الرفق بالمخلوق، وهي نعم عليه وجميع ذلك تعريض بالتوبيخ على كفران نعمته بعبادة غيره.

وذكر عن صالح بن مسمار قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال: «غره جهله»، ولم يذكر سنداً.

وتعداد الصلات وإن كان بعضها قد يغني عن ذكر البعض فإن التسوية حالة من حالات الخلق، وقد يغني ذكرها عن ذكر الخلق كقوله: ﴿ فسواهن سبع سماوات ﴾ [البقرة: 29] ولكن قُصد إظهار مراتب النعمة.

وهذا من الإِطناب المقصود به التذكير بكل صلة والتوقيف عَليها بخصوصها، ومن مقتضيات الإِطناب مقام التوبيخ.

والخَلق: الإِيجاد على مقدار مقصود.

والتسْوية: جعل الشيء سويّاً، أي قويماً سليماً، ومن التسوية جعل قواه ومنافعه الذاتية متعادلة غير متفاوتة في آثار قيامها بوظائفها بحيث إذا اختل بعضها تطرق الخلل إلى البقية فنشأ نقص في الإِدراك أو الإِحساس أو نشأ انحراف المزاج أو ألم فيه، فالتسوية جامعة لهذا المعنى العظيم.

والتعديل: التناسب بين أجزاء البدن مثل تناسب اليدين، والرجلين، والعينين، وصورة الوجه، فلا تفاوت بين متزاوجها، ولا بشاعة في مجموعها.

وجعَلَه مستقيم القامة، فلو كانت إحدى اليدين في الجنب، والأخرى في الظهر لاختلّ عملهما، ولو جعل العينان في الخلف لانعدمت الاستفادة من النظر حال المشي، وكذلك مواضع الأعضاء الباطنة من الحَلق والمعدة والكبد والطحال والكليتين.

وموضع الرئتين والقلب وموضع الدماغ والنخاع.

وخلق الله جسد الإِنسان مقسمةً أعضاؤه وجوارحه على جهتين لا تفاوت بين جهة وأخرى منهما وجعل في كل جهة مثل ما في الأخرى من الأوردة والأعصاب والشرايين.

وفرع فعل «سواك» على ﴿ خلقك ﴾ وفِعل «عدَّلك» على «سوّاك» تفريعاً في الذكر نظراً إلى كون معانيها مترتبة في اعتبار المعتبر وإن كان جميعاً حاصلاً في وقت واحد إذ هي أطوار التكوين من حين كونه مضغة إلى تمام خلقه فكان للفاء في عطفها أحسن وقع كما في قوله تعالى: ﴿ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ﴾ [الأعلى: 2، 3].

وقرأ الجمهور: ﴿ فعدَّلك ﴾ بتشديد الدال.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف الدال، وهما متقاربان إلا أن التشديد يدل على المبالغة في العدل، أي التسوية فيفيد إتقان الصنع.

وقوله: ﴿ في أي صورة ﴾ اعلم أن أصل ﴿ أي ﴾ أنها للاستفهام عن تمييز شيء عن مشاركيه في حاله كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ في سورة عبس (18) وقوله تعالى: ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ [الأعراف: 185].

والاستفهام بها كثيراً ما يراد به الكناية عن التعجب أو التعجيب من شأن ما أضيفت إليه ﴿ أيّ ﴾ لأن الشيء إذا بلغ من الكمال والعظمة مبلغاً قوياً يُتساءل عنه ويُستفهم عن شأنه، ومن هنا نشأ معنى دلالة ﴿ أيّ ﴾ على الكمال، وإنما تحقيقه أنه معنى كنائي كثر استعماله في كلامهم، وإنما هي الاستفهامية، و ﴿ أيّ ﴾ هذه تقع في المعنى وصفاً لنكرة إمّا نعتاً نحو: هو رجل أيُّ رجل، وإما مضافة إلى نكرة كما في هذه الآية، فيجوز أن يتعلق قوله: ﴿ في أي صورة ﴾ بأفعال خلقَك، فسوَّاك، فعدَّلك» فيكون الوقف على ﴿ في أي صورة ﴾ .

ويجوز أن يتعلق بقوله ﴿ ركبك ﴾ فيكون الوقف على قوله ﴿ فعدلك ﴾ ويكون قوله ﴿ ما شاء ﴾ معترضاً بين ﴿ في أي صورة ﴾ وبين ﴿ ركَبَّك ﴾ .

والمعنى على الوجهين: في صورة أيّ صورة، أي في صورة كاملة بديعة.

وجملة ﴿ ما شاء ركبك ﴾ بيان لجملة ﴿ عدَّلك ﴾ باعتبار كون جملة ﴿ عدّلك ﴾ مفرعة عن جملة ﴿ فسوَّاك ﴾ المفرغة عن جملة ﴿ خلقك ﴾ فبيانها بيان لهما.

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة، أي خلقك فسوّاك فعدلك ملابساً صورة عجيبة فمحل ﴿ في أي صورة ﴾ محل الحال من كاف الخطاب وعامل الحال ﴿ عدّلك ﴾ ، أو ﴿ ركّبك ﴾ ، فجعلت الصورة العجيبة كالظرف للمصوّر بها للدلالة على تمكنها من موصوفها.

و ﴿ ما ﴾ يجوز أن تكون موصولة مَا صدقُها تركيب، وهي في موضع نصب على المفعولية المطلقة و ﴿ شاء ﴾ صلة ﴿ ما ﴾ والعائد محذوف تقديره: شاءه.

والمعنى: ركّبك التركيب الذي شاءه قال تعالى: ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ [آل عمران: 6].

وعُدل عن التصريح بمصدر ﴿ ركّبك ﴾ إلى إبهامه ب ﴿ ما ﴾ الموصولة للدلالة على تقحيم الموصول بما في صلته من المشيئة المسندة إلى ضمير الرب الخالق المبدع الحكيم وناهيك بها.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ شاء ﴾ صفة ل ﴿ صورة ﴾ ، والرابط محذوف و ﴿ ما ﴾ مزيدة للتأكيد، والتقدير: في صورة عظيمة شاءها مشيئةً معينة، أي عن تدبير وتقدير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الِانْفِطارِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: انْشَقَّتْ.

الثّانِي: سَقَطَتْ، قالَ الشّاعِرُ كانُوا سُعُودًا سَماءَ النّاسِ فانْفَطَرَتْ فَأصْبَحَ الشَّمْلُ لَمْ تُرْفَعْ لَهُ عُمُدُ ﴿ وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَبِسَتْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: خُلِطَتْ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: وهو سَبْعَةُ أبْحُرٍ فَتَصِيرُ بَحْرًا واحِدًا.

الثّالِثُ: فُجِّرَ عَذْبُها في مالِحِها: ومالِحُها في عَذْبِها، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أيْ فاضَتْ.

﴿ وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بُحِثَتْ وثُوِّرَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ الفَرّاءُ: فَيُخْرَجُ ما في بَطْنِها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وذَلِكَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُخْرِجَ الأرْضُ ذَهَبَها وفِضَّتَها ثُمَّ تُخْرِجُ المَوْتى.

الثّانِي: حُرِّكَتْ لِلْبَعْثِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: بُعِثَ مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما عَمِلَتْ وما تَرَكَتْ، قالَهُ أبُو رُزَيْنٍ.

الثّانِي: ما قَدَّمَتْ مِن طاعَةٍ، وأخَّرَتْ مِن حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الصَّدَقاتِ وما أخَّرَتْ مِنَ المِيراثِ.

وَيُحْتَمَلُ ما قَدَّمَتْ مِن مَعْصِيَةٍ وأخَّرَتْ مِن طاعَةٍ، لِأنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الوَعِيدِ، وهَذا جَوابُ ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ، وجَعَلَها الحَسَنُ قَسَمًا وقَعَتْ عَلى قَوْلِهِ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ﴾ الآيَةَ.

والأظْهَرُ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِن أنَّهُ خَبَرٌ ولَيْسَ بِقَسَمٍ.

﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ في الإنْسانِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى كُلِّ كافِرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ كَلَدَةَ بْنِ أسَدٍ الجُمَحِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي الَّذِي غَرَّهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَدُّوهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: جَهْلُهُ، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: إنَّهُ إمْهالُهُ.

﴿ الكَرِيمِ ﴾ الَّذِي يَتَجاوَزُ ويَصْفَحُ، ورَوى الحَسَنُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا قَرَأ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ .

.

الآيَةَ، قالَ: حُمْقُهُ وجَهْلُهُ.

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَسَوّى خَلْقَكَ وعَدَلَ خِلْقَتَكَ.

الثّانِي: فَسَوّى أعْضاءَكَ بِحَسْبِ الحاجَةِ وعَدَلَها في المُماثَلَةِ لا تَفْضُلُ يَدٌ عَلى يَدٍ، ولا رِجْلٌ عَلى رِجْلٍ.

الثّالِثُ: فَسَوّاكَ إنْسانًا كَرِيمًا وعَدَلَ بِكَ عَنْ أنْ يَجْعَلَكَ حَيَوانًا بَهِيمًا.

قالَ أصْحابُ الخَواطِرِ: سَوّاكَ بِالعَقْلِ وعَدَلَكَ بِالإيمانِ.

﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما شاءَ رَكَّبَكَ مِن شَبَهِ أُمٍّ أوْ أبٍ أوْ خالٍ أوْ عَمٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مِن حُسْنٍ أوْ قُبْحٍ أوْ طُولٍ أوْ قِصَرٍ أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: في أيِّ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الخَلْقِ رَكَّبَكَ حَتّى صِرْتَ عَلى صُورَتِكَ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها أيُّها الإنْسانُ لا يُشْبِهُكَ شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ.

وَرَوى مُوسى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ لِجَدِّهِ: «ما وُلِدَ لَكَ؟

قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما عَسى أنْ يُولَدَ لِي إمّا غُلامٌ وإمّا جارِيَةٌ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ومَن عَسى أنْ يُشْبِهَ؟

قالَ: إمّا أباهُ وإمّا أُمَّهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَها: مَهْ لا تَقُوَلَنَّ هَكَذا، إنَّ النُّطْفَةَ إذا اسْتَقَرَّتْ في الرَّحِمِ أحْضَرَها اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ أما قَرَأتَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ » .

﴿ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِالحِسابِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِالعَدْلِ والقَضاءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: بِالدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، يَحْفَظُ كُلَّ إنْسانٍ مَلَكانِ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الخَيْرَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ يَكْتُبُ الشَّرَّ.

﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كِرامًا عَلى اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: كِرامًا بِالإيمانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لِأنَّهم لا يُفارِقُونَ ابْنَ آدَمَ إلّا في مَوْطِنَيْنِ عِنْدَ الغائِطِ وعِنْدَ الجِماعِ يُعْرِضانِ عَنْهُ ويَكْتُبانِ ما تَكَلَّمَ بِهِ، فَلِذَلِكَ كُرِهَ الكَلامُ عِنْدَ الغائِطِ والجِماعِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: كِرامًا لِأداءِ الأمانَةِ فِيما يَكْتُبُونَهُ مِن عَمَلِهِ فَلا يَزِيدُونَ فِيهِ ولا يَنْقُصُونَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ قال: انشقت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ قال: بعضها في بعض ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ قال: بحثت.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن خيثم ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ قال: فجر بعضها في بعض فذهب ماؤها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ خرج ما فيها من الموتى.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قي قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ قال: ما قدمت من خير وأخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً أو سنة سيئة يعمل بها بعده، فإن عليه مثل وزر عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: ما قدمت من عمل خير أو شر وما أخرت من سنة يعمل بها من بعده.

وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استن خيراً فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منتقص من أجورهم، ومن استن شراً فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منتقص من أوزارهم» وتلا حذيفة ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ قال: ما أدت إلى الله مما أمرها به وما ضيعت.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ما قدمت ﴾ من خير وما ﴿ أخرت ﴾ من حق الله تعالى لم تعمل به.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ ما قدمت ﴾ من خير ﴿ وما أخرت ﴾ ما حدث به نفسه لم يعمل به.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد «ما قدمت من خير وما أخرت» ما أمرت أن تعمل فتركت.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ ما قدمت ﴾ بين أيديها وما ﴿ أخرت ﴾ وراءها من سنة يعمل بها من بعده.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ فقال: غره والله جهله.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك ﴾ قال: أبيّ بن خلف.

وأخرج عبد بن حميد عن صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ ثم قال: جهله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ربيع بن خيثم ﴿ ما غرك ﴾ قال: الجهل.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ فسوّاك فعدلك ﴾ مثقل.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن شاهين وابن قانع والطبراني وابن مردويه من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما ولد لك؟

قال يا رسول الله: ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية.

قال: فمن يشبه؟

قال يا رسول الله: ما عسى أن يشبه أباه وإما أمه.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عند هامه لا تقولن هذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم فركب خلقه في صورة من تلك الصور، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ من نسلك ما بينك وبين آدم» .

وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه بسند جيد والبيهقي في الأسماء والصفات عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها، فإذا كان اليوم السابع أحضر الله كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ » .

وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن بريدة «أن رجلاً من الأنصار ولدت له امرأته غلاماً أسود فأخذ بيد امرأته فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والذي بعثك بالحق لقد تزوجني بكراً وما أقعدت مقعده أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت إن لك تسعة وتسعين عرقاً وله مثل ذلك، فإذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها ليس منها عرق إلا يسأل الله أن يجعل الشبه له» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إما قبيحاً وإما حسناً، وشبه أب أو أم أو خال أو عم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والرامهرمزي في الأمثال عن أبي صالح ﴿ في أيّ صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إن شاء حماراً وإن شاء خنزيراً وإن شاء فرساً وإن شاء إنساناً.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ في أيّ صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إن شاء قرداً، وإن شاء صورة خنزير، والله تعالى أعلم.

أخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ كلا بل تكذبون بالدين ﴾ قال: بالحساب ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.

وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات: الغائط والجنابة والغسل» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظهيرة فرأى رجلاً يغتسل بفلاة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فاتقوا الله واكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم ليس يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين: حيث يكون الرجل على خلائه، أو يكون مع أهله، لأنهم كرام كما سماهم الله فيستتر أحدكم عند ذلك بجرم حائط أو بعيره فإنهم لا ينظرون إليه» .

وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وآخرها استغفاراً إلا قال الله: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» .

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ قال: تعظيم يوم القيامة يوم يدان الناس فيه بأعمالهم وفي قوله: ﴿ والأمر يومئذ لله ﴾ قال: ليس ثم أحد يقضي شيئاً ولا يصنع شيئاً غير رب العالمين.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله (١) (٢) ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ قال مجاهد: في صورة أب، أو خال، أو عم (٣)  - قال (٤) (٥) وذكر الفراء (٦) (٧) وقال (٨) (٩) (١٠) وعلى هذا يكون "مَا" في معنى الشرط، والجزاء، فيكون المعنى: في أي صورة مَا شاء أن يركبك فيها ركبك.

ذكره أبو إسحاق (١١) (١) في (أ): قوله.

(٢) ما بين القوسين ساقط من: ع.

(٣) "تفسير الإمام مجاهد" 710، "جامع البيان" 30/ 87، "الكشف والبيان" ج 13: 50/ ب، "النكت والعيون" 6/ 222، "معالم التنزيل" 4/ 456، وبمعناه في "زاد المسير" 8/ 197، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 245، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 514، "الدر المنثور" 8/ 440 وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(٤) ورد في نسخة (أ): "لا في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم إلا وعنه أنه قال -  -".

وأرى أن هذه العبارات خلط من الناسخ لذا لم أثبتها.

(٥) وردت الرواية كاملة عند الطبري بإسنادها قال: حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا مطهر بن الهيثم قال: ثنا موسى بن علي بن أبي رباح اللَّخمي قال: ثني أبي عن جدي: أن النبي -  - قال له: (ما وُلد لك؟

قال: يا رسول الله ما عسى أن يولد لي إما غلامًا، وإما جارية، قال: فمن يُشبِه قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه؟

إما أباه، وإما أمه، فقال النبي -  - عندها مَهْ، لا تقولن هكذا إن النُّطْفَةَ إذا استقرت في الرحم أحضر الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ، قال: سلكك).= كما أوردها الثعلبي في "الكشف والبيان" ج 13/ 50/ ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 456، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 514، والسيوطي في "الدر المنثور" 8/ 439 وعزاه إلى البخاري في: تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن شاهين، وابن قانع، والطبراني، وابن مردويه.

وسند الحديث ضعيف، لوجود المطهر بن الهيثم الراوي عن موسى بن علي، والمطهر متروك، وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 135، قال: رواه الطبراني وفيه مطهر بن الهيثم وهو متروك.

وقال الحافظ ابن كثير: 4/ 514: وهذا الحديث لو صح لكان فيصلًا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث، وقال ابن حبان عن موسى بن علي وغيره مالا يشبه حديث الأثبات.

وانظر كتاب "المجروحين" لابن حبان: 3/ 26.

نقلًا عن حاشية كتاب: "النكت والعيون" 6/ 222.

وقال ابن حجر: مطهَّر بتشديد الهاء المفتوحة ابن الهيثم بن الحجاج الطائي البصري، متروك.

"تقريب التهذيب" 2/ 254، ت 1179.

(٦) "معاني القرآن" 3/ 244.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 295 والنص للزجاج.

(٨) في (أ): قال.

(٩) ورد معنى قوله في "جامع البيان" 30/ 87، "الكشف والبيان" ج 13: 50/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 456، "التفسير الكبير" 31/ 82، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 245، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 514، "الدر المنثور" 8/ 440 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والرامهرمزي في: الأمثال.

(١٠) "تفسير مقاتل" 231/ أ، "زاد الميسر" 8/ 197، "التفسير الكبير" 31/ 82.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 296 وقال الكرماني: وقول من قال "ما" شرط، و"في"، متصل بقوله: "ركبك" سهو، لأن ما يتعلق بالجزاء لا يتقدم على الشرط، وقول من قال: متصل بـ"فعدلك" سهو، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فصح أن ما صله و"في" متصل بـ "ركبك".انظر: غرائب التفسير: 2/ 1316.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها الإنسان ﴾ خطاب لجنس بني آدم ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم ﴾ هذا توبيخ وعتاب معناه: أي شيء غرّك بربك حتى كفرت به أو عصيته، أو غفلت عنه فدخل في العتاب الكفار وعصاة المؤمنين، ومن يغفل عن الله في بعض الأحياء من الصالحين.

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ما غرّك بربك الكريم فقال: غرّه جهله وقال عمر: غرّه جهله وحمقه.

وقرأ: إنه كان ظلوماً جهولاً، وقيل: غرّه الشيطان المسلط عليه.

وقيل: غرّه ستر الله عليه وقيل: غرّه طمعه في عفو الله عنه.

ولا تعارض بين هذه الأقوال لأن كل واحد منهما مما يغرّ الإنسان، إلا أن بعضها يغرّ قوماً وبعضها يغر قوماً آخرين، فإن قيل: ما مناسبة وصفه بالكريم هنا للتوبيخ على الغرور؟

فالجواب: أن الكريم ينبغي أن يعبد ويطاع شكراً لإحسانه ومقابلة لكرمه، ومن لم يفعل ذلك فقد كفر النعمة وأضاع الشكر الواجب ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بالتشديد والتخفيف أي عدل أعضاءك وجعلها متوازية فلم يجعل إحدى اليدين أطول من الأخرى، ولا إحدى العينين أكبر من الأخرى ولا إحداهما كحلاء والأخرى زرقاء ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود وشبه ذلك من الموازنة ﴿ في أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ﴾ المجرور يتعلق بركبك وما زائدة، والمعنى ركبك في أي صورة شاء من الحسن والقبح، والطول والقصر، والذكورة والأنوثة، وغير ذلك من اختلاف الصور، ويحتمل أن يتعلق المجرور بمحذوف تقديره: ركبك حاصلاً في أي صورة، وقيل: يتعلق بعدلك علىأن يكون بمعنى صرفك إلى أي صورة شاء، هذا بعيد، ولا يمكن إلا مع قرءاة عدلك بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ فجرت ﴾ بالتخفيف: ابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ فعدلك ﴾ مخففاً: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ركبك كلا ﴾ مدغماً: أبو عمرو وقتيبة عنه ﴿ يكذبون ﴾ عل الغيبة: يزيد ﴿ يوم لا ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالفتح.

الوقوف ﴿ انفطرت ﴾ ه ك ﴿ انتثرت ﴾ ه ك ﴿ فجرت ﴾ ه ك ﴿ بعثرت ﴾ ه ك ﴿ وأخرت ﴾ ه ط ﴿ الكريم ﴾ ه لا ﴿ فعدلك ﴾ ه ط بناء على أن الظرف بعده متعلق بـ ﴿ ركبك ﴾ ومن خفف ﴿ فعدلك ﴾ لم يقف بناء على أنه جعل " في " بمعنى " إلى " أي فعدلك إلى أي صورة ما شاء ﴿ ركبك ﴾ ه ط بناء على أن " كلا " توكيد لتحقيق بل ومن جعله ردعاً عن الاعتراف لم يقف ﴿ بالدين ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف والوصل أجوز إلا من قرأ ﴿ يكذبون ﴾ على الغيبة فإنه يقف مطلقاً للعدول ﴿ لحافظين ﴾ ه لا ﴿ كاتبين ﴾ ه ك ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ج ﴿ جحيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده مستأنف أو صفة جحيم ﴿ بغائبين ﴾ ه ط لابتداء النفي أو الاستفهام ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يوم الدين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ يوم ﴾ بالنصب أي ذلك في يوم ومن رفعه على أنه بدل من يوم الدين فلا وقف.

﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ه ط.

التفسير: إنه  يذكر طرفاً آخر من أشراط الساعة في هذه السورة.

فأوّلها انفطار السماء أى انشقاقها كقوله في الفرقان ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام  ﴾ وكما يجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت  ﴾ وفيه كذا في قوله ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ إبطال قول من زعم أن الفلكيات لا تنخرق.

أما الدليل المعقول الذي ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وهو أن الأجسام متماثلة في الجسمية فيصح على كل واحد منها ما يصح على الباقي لكن السفليات يصح عليها الانخراق فيصح على العلويات أيضاً فغير مفيد ولا مقنع، لأن الخصم لو سلم الصحة فله أن ينازع في الوقوع لمانع كالصورة الفلكية وغيرها.

وأما تفجير البحار فقد فسروها بفتح بعضها إلى بعض حتى تصير البحار كلها بحراً واحداً وذلك التزلزل الأرض وتصدعها حتى يرتفع الحاجز الذي بين البحار الشرقية وبين البحار الغربية.

وقد فسره في الكشاف بزوال البرزخ بين العذب والمالح حتى يختلطا وهو تصوّر فاسد نشأ من مجرّد سماع لفظ ارتفاع البرزخ.

وعن الحسن: إن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عنده كما مر في السورة المتقدّمة.

قال جار الله: بعثر وبحثر بمعنى وهما من البعث والبحث زيد فيهما الراء والمعنى بحثت القبور وأخرج موتاها.

ولأهل التأويل أن يحملوا بعثرة القبور على كشف الأسرار والأحوال الخفية، ومعنى التقديم والتأخير قد سبق في القيامة في قوله ﴿ بنبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخر  ﴾ والمراد جميع أعمالها وإنما يحصل بها العلم الإجمالي عند الموت أو في أوائل أشراطه ثم يزيد شيئاً فشيئاً إلى حين مطالعة صحيفة العمل.

ولما أخبر عن وقوع الساعة والحشر بين ما يدل عليه عقلاً فقال ﴿ يا أيها الإنسان ﴾ هو الكافر المنكر للبعث عند طائفة لقوله بعد ذلك ﴿ كلا بل تكذبون ﴾ وقد يخص ببعضهم فروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة.

وعن الكلبي ومقاتل في الأشد بن كلدة.

وذلك أنه ضرب النبي  فلم يعاقبه الله  وأنزل الآية.

والأقرب أنها تتناول جميع العصاة وخصوص السبب لا يقدح في العموم، وههنا سؤال وهو أنه  وصف نفسه في هذا المقام بالكرم وهذا الوصف يقتضي الاغترار به حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.

وسمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الخدم فقال: أما يهاب هؤلاء الغلمان.

فقال: إنما يهابنا أعداؤنا.

وعن علي  أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال لم لم تجبني؟

فقال: لثقتي بتحملك وأمني من عقوبتك فاستحسن جوابه فأعتقه.

" قال مؤلف الكتاب": إني في عنفوان الشباب رأيت فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أن الله  لو خاطبني بقوله ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك ﴾ فمادّا أقول؟

ألهمني الله في المنام أن أقول: غرني كرمك يا رب.

ثم إني وجدت هذا المعنى قد ذكر في بعض التفاسير.

وعن الفضيل بن عياض أنه قال: أقول في الجواب غرتني ستورك المرخاة.

وإذا ثبت أن الكرم يقتضي أن يغتر بصاحبه فكيف وقع الإنكار عليه؟

والجواب من وجهين: الأول أن كل كريم فهو حكيم لأن إيصال النعم إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة كان تبذيراً لا كرماً فكأنه  قال: كيف اغتررت بكرمي وكرمي حقيقي صادر عن الحكمة وهي تقتضي أن لا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وأن يعيد الناس لأجل المجازاة حتى يظهر المحسن من المسيء والبر من الفاجر لا يضيع حقوق الناس؟.

والحاصل أن الكرم بالخلق والتسوية وهي انتصاب القامة أو سلامة الأعضاء، وبالتعديل وهو تناسبها أو جعله مستعدّاً لقبول الكمالات لا يقتضي أن لا يعيده إلى الحالة الأولى لأجل المجازاة، بل يجب أن يعيده تتميماً للنعمة وإظهاراً للحكمة.

الثاني أن كرمه السابق بالخلق وغيره لا يوجب كرماً لاحقاً بالعفو والغفران لجميع المعاصي لأن غاية الكرم هو أن يبتدىء بالنعم من غير عوض ولا غرض، أما الكريم إذا أمر المنعم عليه بشيء وإنه يتلقاه بالعصيان فليس من الكرم أن يغمض عن جرمه بل قد يعدّ ذلك ضعفاً وذلة ولا سيما إذا كان المأمور به هو معرفة المنعم ولهذا روي عن عمر مرفوعاً " غره جهله ".

وعن الحسن: غره والله شيطانه الخبيث حتى طمع في الكرم اللاحق لأجل الكرم السابق.

خصوصاً إذا لم يكن ممن حصل له معرفة ربه في الدنيا.

قال النحويون: " ما " في ﴿ ما شاء ﴾ مزيدة قلت: وذلك بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فهي مفيدة للتأكيد أي في كل صورة من الصور شاء كقوله ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ وإنما لم يقل " ففي أي صورة " بالفاء العاطفة على نسق ما تقدّمها لأنها كالبيان بعد ذلك.

والجارّ متعلق بركب أي ركبك في أي صورة اقتضتها حكمته أو بمحذوف أي حاصلاً في بعض الصور المرادة.

وجوّز جار الله أن يتعلق بـ ﴿ عدّلك ﴾ ويكون في أيّ معنى التعجب أي فعدّلك في صورة عجيبة ثم قال ما شاء أي ركبك ما شاء من التركيب.

قال الحسن: منهم من صوّره ليستخلصه له، ومنهم من صوّره ليشغله بغيره.

قلت: الأوّلون مظاهر اللطف والجمال، والآخرون مظاهر القهر والجلال.

ثم زجرهم عن الاغترار بقوله ﴿ كلاً ﴾ وهي حرف وضع في اللغة لنفي ما تقدم وتحقيق غيره أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، ولئن فرض فالله كريم غفار للذنوب، ولئن قدّر أنه معاقب فلعله غير عالم بالجزئيات فكيف يحاسب فنبههم الله  على خطئهم بأن تكذيبهم بالجزاء إنما وقع في حال تسليط الحفظة عليهم، وهذا التكذيب أيضاً من جملة ما يكتبونه.

أو نقول: لما ردعهم عن الطمع الفارغ والأمل المنكر أضرب عنه إلى ما هو شر منه وهو إنكار الجزاء أصلاً.

وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم إشارة إلى أن أمر الجزاء عند الله  من عظائم الأمور والاشغال.

قال بعضهم: من لم يزجره عن المعاصي مراقبة الله إياه كيف يردّه عنها الكرام الكاتبون؟

قلت: لا ريب أن الأول أصل والثاني فرع إلا أن المكلف لإلفه بالمحسوسات يزجره ما هو أقرب إلى عالم الحس أكثر ما يزجره ما هو أقرب إلى عالم الأرواح ولهذا تقع الزواجر والروادع في المدينة الفاضلة.

ثم ذكر فائدة كتابة الحفظة وغايتها فقال ﴿ إن الأبرار ﴾ إلى آخره.

يحكى أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غداً؟

فقال: أما المحسن فالكغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.

قال: فبكى ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله فقال أبو حازم: اعرض عملك على كتاب الله قال: في أي مكان؟

قال في قوله ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ﴾ قال جعفر الصادق: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات.

وقال آخرون: النعيم القناعة والتوكل، والجحيم الطمع والحرص، وقال العارفون: النعيم الاشتغال بالله والجحيم الاشتغال بما سواه.

وقوله ﴿ وما هم عنها بغائبين ﴾ كقوله وما هم بخارجين منها أو أراد ما كانوا يغيبون عنها قبل ذلك أي في قبورهم فيكون قد بين حال البرزخ كما شرح حال المبدأ والمنتهى.

ثم نبه بقوله ﴿ وما أدراك ﴾ مرتين أن يوم الدين مما لا يكتنه كنه شدته، والخطاب للنبي  لأنه لم يعرفه إلا بالوحي.

وقيل: للكافر.

ثم وصفه مجملاً بقوله ﴿ يوم لا تملك ﴾ إلى آخره أي لا ملك ولا تصرف في ذلك بظاهر وحقيقة الإله 

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ يحتمل: عن ربك؛ فيكون تأويله: أي شيء غرك عن ربك الكريم؛ حتى اغتررت به؟!

واغتراره عن ربه الإعراض عن طاعته وعبادته، وقد تستعمل الباء في موضع "عن"؛ قال الله -  -: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ومعناها: يشرب عنها، لا أن يشربوا فيها كرعا، أو تجعل العين آنية لهم.

ثم وجه الجواب للمغتر بالله -  - في قوله - عز وجل -: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ هو أن كرمه دعا الإنسان إلى ركوب المعاصي؛ لأنه لم يأخذه بالعقوبة وقت جريرته فتجاوزه عنه أو تأخيره العقوبة، حَمَله على الاغترار؛ إذ ظن أنه يعفى عنه أبدا كذلك؛ فأقدم عليها، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكابه المعصية، لكان لا يتعاطى المعاصي، ولا يرتكبها، فعذره أن يقول: الذي حملني على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقي، كما قال عمر بن الخطاب -  - حين تلا هذه الآية: "الحمق يا رب".

أو يكون قوله: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ أي: أي شيء غرك حتى ادعيت على الله  أنه أمرك باتباع آبائك؟!

أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن الله  أمرك به؛ على ما قال: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا  ﴾ ، ألم أبعث إليك السول؟!

ألم أنزل إليك الكتاب فتبين لك ما أمرت به عما نهيت عنه؟!.

وقيل: نزلت الآية في شأن كلدة؛ حيث ضرب النبي  ؛ فلم يعاقبه الله -  - فأسم حمزة حمية لقومه؛ فَهَمَّ كلدة أن يضربه ثانية، فنزلت الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ حيث لم يهلكك عند تناولك رسول الله  .

لكن لو كانت الآية فيه فكل الناس في معنى الخطاب على السواء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ ففي ذكر هذا تعريف المنة؛ ليستأذي منه الشكر.

وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته في تلك الظلمات الثلاثة التي لا ينتهي إليها تدبير البشر، ولا يجري عليها سلطانهم؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته.

وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته ي تلك الظلمات الثلاث التي لا ينتهي إليها تدبير البشر، ولا يجري عليها سلطانهم؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته.

وفيه ذكر حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنهم لم يخلقوا عبثا ولا سدى؛ لأن الذي بلغت حكمته ما ذكر من إنشائه في تلك الظلمات الثلاث من وجوه لا يعرفها الخلق، لا يجوز أن يخرج خلقه عبثا باطلا؛ بل خلقهم ليأمرهم وينهاهم، ويرسل إليهم الرسل، وينزل عليهم الكتب؛ فيلزمهم اتباعها، ويعاقبهم إذا أعرضوا عنها، وتركوا اتباعها، وسنذكر وجه التسوية في قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ  ﴾ : أنه سواه على ما توجبه الحكمة.

أو سواه بما به مصالحه.

أو سواه من وجه الدلالة على معرفة الصانع.

أو سواه فيما خلق له من اليدين، والرجلين، والسمع، والبصر.

وقوله: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ أي: سواك.

ووجه التسوية: أن [جعل له يدين] مستويتين، ولم يجعل إحداما أطول من الأخرى، وكذلك سوى بين رجليه.

وقرئ بالتخفيف والتشديد.

قال أبو عبيد: معنى قوله: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بالتخفيف، أي: أمالك، وليس في ذكره كثير حكمة، واختار التشديد فيه.

وليس كما ذكر، بل في ذكرها هذا من الأعجوبة ما ذكر في الآخر؛ فقول: (عدلك)، أي: صرفك من حال إلىحال، ووجه صرفه - والله أعلم -: أنه كان في الأصل ماء مهينا في صلب الأب، فصرف ذلك عن الماء إلى رحم الأم، ثم أنشأه نطفة، ثم صرفها إلى العلقة، وإلى المضغة إلى أن أنشأه خلقا سويا.

أو صرفه على ما عليه من الحال من الصحة إلى السقم، من القسم إلى البرء؛ فيكون في ذكر هذا تعريف المنة والقدرة والحكمة، كما في الأول، ففيه أعظم الفوائد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ﴾ : منهم من جعل ﴿ مَّا ﴾ هاهنا صلة زائدة، ومعناه: ي أي صورة شاء ركبك.

ومنهم من ج عل ﴿ مَّا ﴾ هاهنا بمعنى الذي.

ثم قوله: ﴿ شَآءَ رَكَّبَكَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا عبارة عما تقدم من الأوقات، هو أنه قد شاء تركيبك على الصورة التي أنت عليها، لا على صورة البهائم وغيرها؛ فيكون [في] ذكره تذكير المنن والنعم؛ ليستأدي منه الشكر.

ووجه التذكير أنه أنشأه على صورة يرضاها، ولا يتمنى أن يكون بغير هذه الصورة من الجواهر، وأنشأه على صورة يعرف المحاسن والمساوئ، ويعرف الحكمة والسفة، ويميز بينهما، ويميز بين المضار والمنافع، وأنشأه على صورة سخر له السماوات والأرضين والأنعام، كما قال الله  : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الجاثية: 13]، وقال - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...

﴾ الآية [الإسراء: 70]، ولم يسخره لغيره؛ فثبت أن فيه تذكير النعم؛ ليشكروه، ويقوموا بحمده.

وجائز أن يكون هذا على الاستئناف في أن يركبه على ما هو عليه، [على] أي صورة شاء من الصور التي يستقذرها؛ ويمسخه قردا أو خنزيرا؛ لمكان ما يتعاطى من المعاصي؛ فيكون في ذكره تذكير القدرة والقوة؛ ليراقب الله -  - ويهابه؛ فيترك معاصيه، ويتسارع إلى طاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ ﴾ فإن حملت قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على التنبيه والردع فممكن أن يعطف على ما قبله وعلى ما بعده، وكذلك إذا حملته على القسم بمعنى: حقا؛ فإنه يستقيم عطفه على الأمرين جميعا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلدِّينِ ﴾ يحتمل أن يكون أريد به دين الإسلام.

والأصل: أن الدين إذا أطلق أريد به الدين الحق، وهو الإسلام، وكذلك الكتاب المطلق كتاب الله  .

ويجوز أن يكون أريد به: البعث والجزاء، وسمي: يوم الدين؛ لما ذكرنا أن الناس يدانون بأعمالهم.

والحكمة فيه - والله أعلم - أنهم قد أقروا بأن الله -  - أحكم الحاكمين، وتكذيبهم بيوم الدين يوجب أن يكون أسفه السفهاء، لا أن يكون أحكم الحاكمين؛ لأن الدنيا عواقبها الفناء والهلاك، فهم إذا كذبوا بالبعث فقد زعموا: أنهم ما أنشئوا إلا للهلاك والفناء، ومن بنى بناء، ولم يقصد ببنائه سوى أن ينقصه ويهدمه، فهوسفيه، عابث في الفعل؛ فلم يحصلوا من تكذيبهم إلا على نفي الحكمة من الصانع، وتثبيت السفه لله  ،  الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهو قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ، وهم لم يكونوا يدعونهم أنهم خلقتا باطلا، ولا كانوا يظنون ذلك، ولكن الإنكار الذي وجد منهم بالبعث والجزاء يقتضي خلقهما باطلا؛ فعلى ذلك إنكارهم بالبعث يزيل عنه القول بأنه أحكم الحاكمين، ويثبت ما ذكرنا من السفه،  وتعالى عما يصفون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ ، وهم لم يكونوا يقبلون الأخبار، ولا كانوا يؤمنون بها، ثم أخرهم أن عليهم حفاظا؛ لأن الذي حملهم على الجهل تركهم الإنصاف من أنفسهم، وإلا لو أنصفوا من أنفسهم، لكان إعطاؤهم النصفة يوصلهم إلى تاردك الحق ومعرفة ما عليهم من الواجب.

ثم قد ذكرنا أن المرء إذا كان عليه حافظٌ، أداه ذلك [إلى] المراقبة؛ فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه: فنبهنا أن علينا حفاظا؛ ليحتشم عنهم، ولا يأتي من الأمور ما يسؤهم، ووصف أنهم كرام؛ ليصحبهم صحبة الكرام، [ومن صحبه الكرام أن يحترمهم]، ويتقي مخالفتهم، ولا يتعاطى ما يسوءهم، وذلك قوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ .

وفي ذكر الكرام فائدة أخرى، وذلك أن قوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ ، أي: كرام على الله  ، والكريم على الله -  - هو المتقي؛ قال الله -  -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ  ﴾ ؛ فيكون فيه أمان له: أنهم لا يزيدون، ولا ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون [على] قدر أعمالهم، كما ذكرنا من الفائدة في وصف جبريل -  - بالقوة والأمانة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يعلمون ما نفعله قبل أن نفعل بما عرفهم الله -  - فيكون في تعريفه إياهم إلزام الحجة عليهم، ويكون الذي يكتبون امتحانا امتحنوا به؛ إذ قد فوض إلى بعضهم أمر كتابة الأعمال، وإلى البعض إرسال الأمطار، ونحو ذلك.

أو ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ وقت فعلكم جهل الفعل من خير أو شر؛ فيكون لفعل الخير آثار بها يعرفون أن الفاعل قصد به جهة الخير، ويكون لفعل الشر آثار بها يعرفون ذلك أيضا.

ثم عُذْر المسلمين في ترك المراقبة أقل من عذر المكذبين بالدين؛ لأن المسلمين علموا أن عليهم حفاظا يحفظون عليهم أعمالهم، ويكتبونها عليه، ثم هم مع ذلك يغفلون، ولا يصحبونهم صحبة الكرام، ويتركون التقيظ والتبصر، والكفرة ينكرون أن يكون عليهم حفاظ، ومن كان هذا حاله فالإغفال من مثله غير مستبعد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

في أي صورة شاء أن يخلقك خلقك، وقد أنعم عليك إذ لم يخلقك في صورة حمار ولا قرد ولا كلب ولا غيرها.

<div class="verse-tafsir" id="91.zmWGB"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

عود إلى التذكير باليوم الآخر، وبأن النفس تشهد ما عملته في الدنيا، لا يغيب عنها منه شيء في ذلك اليوم، فتتجلى لها أعمالها في حقيقتها: لا ترى خيرًا في صورة شر، ولا تتخيل شرًا في مثال خير كما يقع في الدنيا لأغلب النفوس، لأن الذي يحول بين الناس وبين فعل الخير إنما هو تفضيل ما ليس بخير عليه، ولا يفضل الشخص شيئًا على شيء إلا إذا ظنه خيرًا له.

فضد الخير يتمثل للشرار في صورة الخير فيفعلونه، والخير يظهر لنفوسهم على أنه غير خير فيتركونه.

ولكن عندما تتجلى الأفعال كما هي في ذلك اليوم، وينكشف الغطاء عن البصائر، يعرف أهل الخير أنهم وإن نجوا فهم مقصرون، فيأسفون على ما تركوا، ويستبشرون بثواب ما عملوا، وبعض أهل السوء على أيديهم من الندم، ويوقنون بسوء المنقلب، ويتمنون لو كانوا ترابًا.

ذكر اللَّه اليوم الآخر ببعض ما يحدث فيه من عظائم الأمور، كما من علينا بمثل هذا التذكير في السورة السابقة فقال ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ  ﴾ أي انشقت.

وجاء في سورة الفرقان ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ  ﴾ ، وانشقاق السماء انصداع نظامها، فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما نراه اليوم، فيخرب العالم بأسره، ولذلك عقب انشقاق السماء بما هو من لوازمه حيث قال ﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ  ﴾ أي سقطت فبادت، فإذا كان ذلك اضطربت الأرض أيضًا، وزلزلت زلزالًا شديدًا، ووقع الخلل في جميع أجزائها، فتفجر البحار، وتزول الحواجز بينها، فيختلط عذبها بمالحها، بل تفيض على الأرض حتى يصير سطح الأرض ماء لحظات من الزمان، وذلك قوله في سورة التكوير ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ  ﴾ ، أي ملئت وفاض منها الماء على التأويل الأول.

وقد يصح إجراء ما هنا على التأويل الثاني، وذلك أنه بعد أن تفجر البحار ويفيض ماؤها تظهر النار وتأخذ مكان الماء بعد أن يتحول إلى بخار، كما أشير إليه في السورة السابقة، وإذا وقع ذلك انقلب باطن الأرض إلى ظاهرها، فلا ريب في أن تبعثر القبور -(أي يظهر ما كان قد خفى فيها من بقايا أجساد الموتى)-، وبعد ذلك يكون بعث الأموات وإحياؤهم في النشأة الآخرة، ثم تنشر الصحف وينكشف الغطاء، فتعلم كل نفس ما قدمت من أعمال الخير، وما أخرت منها بالكسل والإهمال والتسويف من يوم إلى آخر، حتى حلت الآجال، وقد يكون المعنى ما فعلت من خير أو شر وما تركت منهما.

جرت العادة بأن كرم السيد يخدع العبيد، فإذا أمر تهاونوا في الإجابة إلى أمره، وإذا نهي تغافلوا عن نهيه، وتمادوا في لزوم ما نهى عنه، والوقوع فيها حذر منه، ويروى عن علي كرم اللَّه وجهه أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: مالك لم تجبني؟

فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه.

وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.

وعلى هذه العادة اتكأ بعض ضرب بينه وبين معنى الخطاب بحجاب، أي حجاب، حيث قال إن اللَّه جل شأنه قد ألهم المخاطب الجواب فلعبده أن يجيبه بقوله: غرني كرمك.

ولا يخفى أن هذا تلاعب بالتأويل وتضليل للناظر في كتاب اللَّه أي تضليل: كيف يخطر ببال عاقل أن يقول ذلك في معنى أبلغ الكلام، وهو صادر في مقام التهويل والإرهاب، والتخويف من الحساب وشدة العقاب، وسد السبل وإغلاق الأبواب على أولئك الجاحدين الذين قرعوا بهذا الخطاب؟

.

ولكن أسمع ما يليق بالمقام الكريم، وصف الكريم، ليس خاصًا بمعنى الرحيم والواسع العطاء المحسن الغافر للذنب، بل قد جاء في القرآن وصفًا للرزق وللكتاب وللرسول وللعرش وللمقام وللمدخل وللقول وللأجر، ولا ريب أنه في كل مقام يفيد المعنى الذي يناسبه، والأصل في معنى الكرم الكمال في الوصف والبعد عن النقص، ولقد فسروا الكريم بالعظيم في قوله تعالى: ﴿ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ  ﴾ في سورة المؤمنون، وهو بمقام الخطاب في سورتنا هذه، فكأنه يقول ما غرك بربك العلي العظيم الذي قد علاه في ذاته وصفاته عن كل ما يوهم نقصًا أو عيبًا.

فهل يمكن للرب العلي البالغ الغاية في الكمال أن يترك عبيده سدى، وأن يهمل فعالهم فلا يعاقب شريرًا ولا يثيب خيرًا، ولا يعد لهم ما يردعهم عن القبيح ولا ما يهزهم إلى الحسن؟

كلا، إن اللائق يعلوه وسموه وكرم مقامه العلي، أن يفيض نعمه على أهل الصالحات، ويصب نقمه على مجترحي السيئات تفضلًا منه على الأولين، وحكمه فائقة في التنكيل بالآخرين.

ولئن سلم أن معنى الكريم: الجواد الواسع العطاء فياض النعم، فلا يصح أن يدخل فيه معنى العفو والمغفرة، والخطاب خطاب تقريع، ولكن فيه إشارة إلى معنى رفيع يليق بكتاب اللَّه، ذلك أنه خاطب بــ ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان  ﴾ ، ولم يقل أيها المخلوق أو العبد، وفي الإنسان معنى العاقل المتفكر، الذي أوتي من قوة العقل وبسطة القدرة في العمل ما لا حد له لا ينتهي إليه، حتى صار بذلك أفضل المخلوقات وأكملها، ونال بفضل ما أُوتيه قوة السلطان عليها، ولم يكن ذلك كله إلا منحة من ربه الكريم الذي أحسن كل شيء خلقه.

وهذا الكريم إنما يليق به أن يوفي كل مرتبة من الوجود حقها، فالإنسان الذي خص بهذه المنزلة من الكرم الإلهي لا ينبغي أن يعيش كما يعيش سائر الحيوان، ويموت كما يموت الوحش وصغار الذر، وإنما يتساوى مع بعضها في الحياة الأولى من حيث قصر المدة وسرعة الفناء، ولكن الذي يليق بعقله وقوة نفسه الناطقة أن تكون له حياة أبدية لا حد لها ولا فناء يأتي عليها.

ولا ريب في أنه إذا روعي في الكرم الإلهي أن لا يدع مستعدًا إلا منحه ما استعد له، ولا يحرم قابلًا مما أعد لأن يقبله، وهو الذي ينبغي أن يراعي فيه، فقد ارتفع الغرور، وأزيحت الخديعة، وحق اليقين بأنه لابد من حياة أخرى بعد هذه الحياة يوفى فيها كل ذي حق حقه، وكل عامل جزاء عمله، لأن ذلك من تمام معنى الكرم الذي ميز الإنسان على غيره من أنواع الحيوان، إنما تمام تمييزه بأن يجعل له حياة باقية تناسب ما وهبه من العقل والقدرة.

ويؤكد هذا المعنى -لو حمل الكريم عليه- تعقيبه وصف الكريم بقوله ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ  ﴾ أي أكمل لك قواك، ﴿ فَعَدَلَكَ  ﴾ أي جعلك معتدلًا، متناسب الخلق، معتدل القامة لا كسر البهائم، وفي قراءة عدلك بالتخفيف، ومعناه صرفك عن خلقة غيرك، فخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، ثم أجمل ذلك في قوله ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  ﴾ أي ركبك في صورة هي من أعجب الصور وأتقنها وأحكمها وأدلها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى بعد هذة النشأة الأولى.

وكلمة "ما" هي التي يسمونها زائدة، ولكنها تدل على تفخيم ما اتصلت به، فزيادتها زيادة إعراب وإن لم تكن خالية عن المعنى.

ويرشد إلى أن المعنى هو ما قلنا، قوله بعد ذلك ﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ  ﴾ إلخ.

كلا، أي لا شيء يغرك ويخدعك، بل إن سعة عطاء ربك وحكمته في كرمه تدلك وتوحي إلى نفسك أنك مبعوث في يوم آخر لثواب أو عقاب، وإنما الذي يقع منك أيها الإنسان هو العناد والتكذيب بالدين، أي الجزاء، أي الانصراف عمدًا وعنادًا عما يدعو إليه الشعور الأول، وعن الدليل الذي تقيمه الرسل والحجة التي يأتي بها الأنبياء، مع أن اللَّه لم يترك عملًا من أعمالك إلا حفظه وأحصاه عليك حتى يوفيك جزاءه.

ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه من أن علينا حفَظةً يكتبون أعمالنا، حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أي شيء خلقوا، ما هو عملهم في حفظهم وكتابهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا -وهو ما يبعد فهمه- أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال؟

وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد، أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث اللَّه الناس؟

كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر في معناه إلى اللَّه، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا هو أن أعمالنا تحفظ وتحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير، و ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ  ﴾ أي مطهرين عن الغرض والنسيان.

ثم بعد أن ذكر ما يدل على أن الغفلة عن اليوم الآخر لا موجب لها إلا التكذيب والعناد، أخذ يؤكد الأمر ويخبر به على القطع الذي لا يدخله الريب، فقال ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ  وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ  ﴾ يريد أنه لا شيء في جانب العلي الأعلى يسوغ لأحد من البشر أن يغتر به وأن ينخدع فيه، بل لا بد من يوم يكون فيه الثواب والعقاب، ولابد أن يكون أهل الثواب في دار النعيم، وأهل النقمة وموضع الغضب الإلهي يكونون في الجحيم، وهي دار العذاب.

والأولون هم الأبرار.

و(الأبرار): جمع بر بفتح الباء، وهو الموصوف بالبر بكسرها، قال بعضهم البر بالكسر الصدق، وقال آخر هو التقوى، وهو إجمال قد بينه الكتاب العزيز والسنة النبوية.

ولا يكون الصدق ولا التقوى برًا حتى يكون فيه حسن المعاملة، وإفراغ الوسع في إيصال الخير إلى الناس، فإذا خلا الوصف من ذلك لم يكن برًا، ولم يكن صاحبه داخلًا في هذا الوعد الكريم.

قال اللّه تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ  ﴾ فجعل البر منحصرًا في الإيمان بما يجب الإيمان به، ثم في بذل المال في وجوهه، وفي الصلاة، ثم عاد إلى بذل المال بذكر الزكاة، وبعد هذا ذكر الوفاء بالعهد -وهو ملاك لكثير من الفضائل- وأتبعه بالصبر على المرض والفقر، وكل ما يحوج في عيش أو يؤذي في نفس أو بدن، والصبر في حالة الحرب للدفاع عن الحق.

ثم قال ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا  ﴾ ليشير إلى أن الصدق الذي يؤخذ في معنى البر لا يكون برًا ولا صدقًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف والفعال المتقدمة، وكذلك قوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ  ﴾ يفيد أن التقوى هي ما جمع ذلك.

وقال في سورة آل عمران: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  ﴾ فلا يعد الشخص برًا ولا بارًا حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب، فلا يغترن أولئك الكسالى الخاملون الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركعات من الخشية خاليات، وبتسبيحات وتكبيرات وتحميدات ملفوظات غير معقولات، وصيحات غير لائقات بأهل المروءات من المؤمنين والمؤمنات، ثم بصوم أيام معدودات لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الذين، قام أم سقط، أرتفع أو انحط، ومع حرصه وطمعه وتطلعه لما في أيدي الناس، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم لا لشيء سوى أنهم عاملون في كسب المال وهو غير عامل، وهم يجرون على سنة الحق وهو متمسك بسنة الباطل، وهم متجملون بحيلة العمل وهو منها عاطل فهؤلاء ليسوا من الأبرار، بل يجدر بهم أن يكونون من الفجار، و(الفجار) جمع فاجر، والفاجر: من يفجر أمر اللَّه، أي يميل عنه ويتركه، والفجور كالفسق في أنه خروج عن الحد الذي وضعه اللَّه في شرعه.

وأوامر اللَّه قد عرفت في البر، فمن لم يستجمعها فقد فجر.

(يصلونها) أي يقاسون حر الجيحم.

(يوم الدين) أي يوم الجزاء، ثم أكد أن هذا العذاب حتم وأنه لا نجاة لهم منه بقوله: ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ  ﴾ ، أي انهم ملازمون لتلك الدار، دار العذاب والعار.

وبعد أن أكد خبر اليوم الآخر أشد التأكيد، وبيّن ما يلقاه فيه المغرورون على التأبيد، عاد يفخم أمر ذلك اليوم ويعظم شأنه فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ  ﴾ ، أي من الذي أعلمك أيها الإنسان كنه ذلك اليوم؟

أي عجيب منك ثم عجيب أن تتهاون بنبئه كأنك قد أدركت كنهه، ووزنته فعرفت وجه الخلاص مما يلقاك فيه!

كلا إنك لم تدرك من كنهه شيئًا، وكل ما تصورت فيه من الهول فحقيقته فوق كل ما تصورت، فإنه ذلك اليوم الذي لا محاباة فيه ولا مواساة، ولا يجد المرء ما يعول عليه سوى ما قدمت يداه، يجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقوياء.

﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ فلا تحمل عنها ذنبًا، ولا تدفع عنها عتبًا.

﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ وحده، فلا شفيع ولا نصبر، ولا وزير ولا مشير.

وهو الذي وعد وأوعد على لسان رسله، وهو أصدق قائل في قوله، وأعدل فاعل في فعله، فلا مهرب لعامل من جزاء عمله حيث قد استأثر اللَّه بالأمر كله.

نسأل اللَّه المعونة في دنيانا لننال الأمن من عقابه في أُخرانا.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله