الآية ١٥ من سورة الطارق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 86 الطارق > الآية ١٥ من سورة الطارق

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًۭا ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 44 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة الطارق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الطارق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ) يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المكذّبين بالله ورسوله والوعد والوعيد يمكرون مكرًا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

" إنهم " أي إن أعداء الله " يكيدون كيدا " أي يمكرون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مكرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يَكِيدُونَ كَيْدًا } ليدفعوا بكيدهم الحق، ويؤيدوا الباطل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم أخبر عن مشركي مكة فقال: "إنهم يكيدون كيداً"، يخافون النبي صلى الله عليه وسلم ويظهرون ما هم على خلافه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنهم» أي الكفار «يكيدون كيدا» يعملون المكايد للنبي صلى الله عليه وسلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم، وللقرآن، يكيدون ويدبرون؛ ليدفعوا بكيدهم الحق ويؤيدوا الباطل، وأكيد كيدًا لإظهار الحق، ولو كره الكافرون، فلا تستعجل لهم -أيها الرسول- بطلب إنزال العقاب بهم، بل أمهلهم وأنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم، وسترى ما يحلُّ بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَمَا هوَ بالهزل ) أى : وأن هذا القرآن ، ليس فيه شائبة من شوائب الهزل أو اللعب أو المزاح .

بل هو جد كله ، فيجب على كل عاقل ، أن يتبع هداه ، وأن يستجيب لأمره ونهيه .وفى هذه الآيات الكريمة رد بليغ ، على أولئك المشركين الجاهلين ، الذين وصفوا القرآن ، بأنه نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ليهزل به ، لأنه يخبرهم بأن الأموات سيعادون إلى الحياة مرة أخرى ، وذلك أمر تستبعده نفوسهم المطموسة .وفى قوله - تعالى - : ( والسمآء ذَاتِ الرجع .

والأرض ذَاتِ الصدع ) مقابلة لطيفة ، حيث وصف - سبحانه - السماء والأرض بما ينسابهما ، وبما يشير إلى أن البعث حق ، لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحيى الأرض بعد موتها .

كذلك يحيى الله - تعالى - بقدرته الأجساد بعد موتها ، وعاد الضمير فى قوله ( إنه ) إلى القرآن - مع أنه لم يسبق له ذكر - لأنه معلوم من المقام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد، والمعاد أقسم قسماً آخر، أما قوله: ﴿ والسماء ذَاتِ الرجع ﴾ فنقول: قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجيء ويتكرر.

واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن الرجع ليس اسماً موضوعاً للمطر بل سمي رجعاً على سبيل المجاز، ولحسن هذا المجاز وجوه: أحدها: قال القفال: كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل الحروف به، فكذا المطر لكونه عائداً مرة بعد أخرى سمي رجعاً.

وثانيها: أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض.

وثالثها: أنهم أرادوا التفاؤل فسموه رجعاً ليرجع.

ورابعها: أن المطر يرجع في كل عام، إذا عرفت هذا فنقول للمفسرين أقوال: أحدها: قال ابن عباس: ﴿ والسماء ذَاتِ الرجع ﴾ أي ذات المطر يرجع لمطر بعد مطر.

وثانيها: رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالاً بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعاً، أي تعطيه مرة بعد مرة.

وثالثها: قال ابن زيد: هو أنها ترد وترجع شمسها وقمرها بعد مغيبهما، والقول هو الأول، أما قوله تعالى: ﴿ والأرض ذَاتِ الصدع ﴾ فاعلم أن الصدع هو الشق ومنه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ  ﴾ أي يتفرقون وللمفسرين أقوال قال ابن عباس: تنشق عن النبات والأشجار، وقال مجاهد: هو الجبلان بينهما شق وطريق نافذ.

كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً  ﴾ وقال الليث: الصدع نبات الأرض، لأنه يصدع الأرض فتنصدع به، وعلى هذا سمي النبات صدعاً لأنه صادع للأرض، واعلم أنه سبحانه كما جعل، كيفية خلقة الحيوان دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقة النبات، فالسماء ذات الرجع كالأب، والأرض ذات الصدع كالأم وكلاهما من النعم العظام لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء من المطر متكرراً، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك، ثم إنه تعالى أردف هذا القسم بالمقسم عليه فقال: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذا الضمير قولان: الأول: ما قال القفال وهو: أن المعنى أن ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم في اليوم الذي تبلى فيه سرائركم قول فصل وحق.

والثاني: أنه عائد إلى القرآن أي القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل: له فرقان، والأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أولى.

المسألة الثانية: ﴿ قَوْلَ فَصْلٌ ﴾ أي حكم ينفصل به الحق عن الباطل، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم، ويقال: هذا فصل أي قاطع للمراء والنزاع، وقال بعض المفسرين: معناه أنه جد حق لقوله: ﴿ وَمَا هوَ بالهزل ﴾ أي باللعب، والمعنى أن القرآن أنزل بالجد، ولم ينزل باللعب، ثم قال: ﴿ وَمَا هوَ بالهزل ﴾ والمعنى أن البيان الفصل قد يذكر على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وقد يكون على غير سبيل الجد وهذا الموضع من ذلك، ثم قال: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾ وذلك الكيد على وجوه.

منها بإلقاء الشبهات كقولهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا  ﴾ ﴿ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ  ﴾ ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا  ﴾ ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  ﴾ ﴿ فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً  ﴾ ومنها بالطعن فيه بكونه ساحراً وشاعراً ومجنوناً، ومنها بقصد قتله على ما قاله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ  ﴾ ثم قال: ﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ .

واعلم أن الكيد في حق الله تعالى محمول على وجوه: أحدها: دفعه تعالى كيد الكفرة عن محمد عليه الصلاة والسلام ويقابل ذلك الكيد بنصرته وإعلاء دينه تسمية لأحد المتقابلين باسم كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ وقال الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا وكقوله تعالى: ﴿ نَسُواْ الله فأنساهم أَنفُسَهُمْ  ﴾ ﴿ يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ .

وثانيها: أن كيده تعالى بهم هو إمهاله إياهم على كفرهم حتى يأخذهم على غرة، ثم قال: ﴿ فَمَهّلِ الكافرين ﴾ أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل، ثم إنه تعالى لما أمره بإمهالهم بين أن ذلك الإمهال المأمور به قليل، فقال: ﴿ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾ فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين من الرسول عليه الصلاة والسلام والتصبر وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عبيدة: إن تكبير رويد رود، وأنشد: يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته *** كأنه ثمل يمشي على ورد أي على مهلة ورفق وتؤدة، وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال رويداً زيداً يريد أرود زيداً، ومعناه أمهله وارفق به، قال النحويون: رويد في كلام العرب على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون اسماً للأمر كقولك: رويد زيداً تريد أرود زيد أي خله ودعه وأرفق به ولا تنصرف رويد في هذا الوجه لأنها غير متمكنة والثاني: أن يكون بمنزلة سائر المصادر فيضاف إلى ما بعده كما تضاف المصادر تقول: رويد زيد، كما تقول: ضرب زيد قال تعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب  ﴾ ، والثالث: أن يكون نعتاً منصوباً كقولك: ساروا سيراً رويداً، ويقولون أيضاً: ساروا رويداً، يحذفون المنعوت ويقيمون رويداً مقامه كما يفعلون بسائر النعوت المتمكنة، ومن ذلك قول العرب: ضعه رويداً أي وضعاً رويداً، وتقول للرجل: يعالج الشيء الشيء رويداً، أي علاجاً رويداً، ويجوز في هذا الوجه أمران أحدهما: أن يكون رويداً حالاً والثاني: أن يكون نعتاً فإن أظهرت المنعوت لم يجز أن يكون للحال، والذي في الآية هو ما ذكرنا في الوجه الثالث، لأنه يجوز أن يكون نعتاً للمصدر كأنه قيل: إمهالاً رويداً، ويجوز أن يكون للحال أي أمهلهم غير مستعجل.

المسألة الثانية: منهم من قال: أمهلهم رويداً إلى يوم القيامة وإنما صغر ذلك من حيث علم أن كل ما هو آت قريب، ومنهم من قال: أمهلهم رويداً إلى يوم بدر والأول أولى، لأن الذي جرى يوم بدر وفي سائر الغزوات لا يعم الكل، وإذا حمل على أمر الآخرة عم الكل، ولا يمتنع مع ذلك أن يدخل في جملته أمر الدنيا، مما نالهم يوم بدر وغيره، وكل ذلك زجر وتحذير للقوم، وكما أنه تحذير لهم فهو ترغيب في خلاف طريقهم في الطاعات، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّهُمْ ﴾ يعني أهل مكة يعملون المكايد في إبطال أمر الله وإطفاء نور الحق، وأنا أقابلهم بكيدي: من استدراجي لهم وانتظاري بهم الميقات الذي وقته للانتصار منهم ﴿ فَمَهِّلِ الكافرين ﴾ يعني لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به ﴿ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾ أي إمهالا يسيراً؛ وكرّر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتصبير.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الطارق أعطاه الله بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّهُ ﴾ إنَّ القُرْآنَ.

﴿ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

﴿ وَما هو بِالهَزْلِ ﴾ فَإنَّهُ جِدٌّ كُلُّهُ.

﴿ إنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ.

﴿ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ في إبْطالِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.

﴿ وَأكِيدُ كَيْدًا ﴾ وأُقابِلُهم بِكَيْدٍ في اسْتِدْراجِي لَهم وانْتِقامِي مِنهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.

﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ ﴾ فَلا تَشْتَغِلْ بِالِانْتِقامِ مِنهُمْ، أوْ لا تَسْتَعْجِلْ بِإهْلاكِهِمْ.

﴿ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ إمْهالًا يَسِيرًا والتَّكْرِيرُ وتَغْيِيرُ البِنْيَةِ لِزِيادَةِ التَّسْكِينِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الطّارِقِ أعْطاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ في السَّماءِ عَشْرَ حَسَناتٍ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَنَّهُمْ} يعني مشركي مكة {يَكِيدُونَ كَيْداً} يعملون المكايد في إبطال أمر الله وأطفاء نور الحق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّهُمْ ﴾ أيْ: كُفّارَ مَكَّةَ.

﴿ يَكِيدُونَ ﴾ يَعْمَلُونَ المَكايِدَ في إبْطالِ أمْرِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ أوْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ، والأوَّلُ أتَمُّ انْتِظامًا وهَذا قِيلَ أمْلَأُ فائِدَةً.

﴿ كَيْدًا ﴾ أيْ: عَظِيمًا حَسْبَما تَفِي بِهِ قُدْرَتُهُمْ، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ حالُ القُرْآنِ ما ذُكِرَ فَما حالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِيهِ ما يَقُولُونَ فَقِيلَ: ﴿ إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ ﴿ وأكِيدُ كَيْدًا ﴾ أيْ: أُقابِلُهم بِكَيْدٍ مَتِينٍ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ حَيْثُ أسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أوْ أُقابِلُهم بِكَيْدِي في إعْلاءِ أمْرِهِ وإكْثارِ نُورِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ والفَصْلُ لِهَذا، وقِيلَ: لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُها عَلى جَوابِ القَسَمِ مَعَ أنَّها غَيْرُ مُقْسَمٍ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ فهو قسم، أقسم الله تعالى بخالق السماء ذات الرجع، يعني: يرجع السحاب بالمطر، بعد المطر والسحابة بعد السحابة وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ يعني: يتصدع فيخرج ما بالنبات والثمار، فيجعلها قوتاً لبني آدم-  - ويقال: ذات الصدع يعني: ذات الأودية، وهو قول مجاهد وقال قتادة: يعني: ذات النبات إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ يعني: القرآن قول حق وجد وَما هُوَ بِالْهَزْلِ يعني: باللعب ويقال لم ينزل بالباطل قوله تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً يعني: يمكرون مكراً وهم أهل مكة في دار الندوة ويقال يكيدون كيداً يعني: يصنعون أمراً وهو الشرك والمعصية وَأَكِيدُ كَيْداً يعني: أصنع لهم أمراً، وهو القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة قوله تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ يعني: أجل الكافرين ويقال: خل عنهم أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً يعني: أجلهم قليلاً أي إلى وقت الموت ويقال إنهم يكيدون كيداً بمعنى: الخراصون الذين يحبسون في كل طريق يعني: يصدون الناس عن دينه يعني يحبسون الناس في كل طريق يصدون الناس عن دينه.

وروى عبد الرزاق عن أبي وائل عن همام مولى عثمان قال لما كتبوا المصحف شكوا في ثلاث آيات فكتبوها في كتف شاة وأرسلوها إلى أبي بن كعب وزيد بن ثابت فدخلت عليهما فناولتهما أبياً فقرأها فكان فيها لا تبديل لخلق الله وكان فيها لم يتسن فكتب لم يتسنه وكان فيها فأمهل الكافرين فمحى الألف وكتب فمهل الكافرين ونظر فيها زيد بن ثابت فانطلقت بها إليهم فناولتها زيد بن ثابت إليهم فأثبتوها في المصحف أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً يعني: أجلهم قليلاً فإن أجل الدنيا كلها قليل.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ توقيفٌ لمنكرِي البعثِ على أصلِ الخِلْقَةِ الدالِّ على أن البعثَ جائزٌ ممكن، ثم بادَرَ اللفظَ إلى الجوابِ اقْتِضَاباً وإسْراعاً إلى إقامَةِ الحجة، فقال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ قال الحسن وغيره: معناه: من بينِ صلبِ كلِّ واحدٍ من الرجلِ والمرأةِ، وترائِبِه «١» ، وقال جماعةُ: من بينِ صلبِ الرجل وترائب المرأةِ [والتَرِيبَةُ من الإنسان: ما بين التَّرْقُوةِ إلى الثدي، قال أبو عبيدة مُعَلَّقُ الحَلْيِ إلى الصَّدْرِ، وقيل غير هذا «٢» .

وقوله تعالى: إِنَّهُ] «٣» عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال ابن عباس وقتادة: المعنى أن اللَّهَ عَلى ردِّ الإنسانِ حيًّا بعد موتهِ لقادرٌ «٤» ، وهذا أظهر الأقوال هنا وأبينها، ودافِقٍ قال كثير من المفسرين: هو بمعنى مَدْفُوقٍ، والعاملُ في يَوْمَ الرَّجْع من قولهِ: عَلى رَجْعِهِ.

وتُبْلَى السَّرائِرُ معناه تُخْتَبَرُ وتكشَفُ بواطنُها، ورَوَى أبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أن/ السرائرَ التي يَبْتَلِيهَا اللَّه من العباد: التوحيدُ، والصلاةُ، والزكاةُ، والغُسْلُ من الجنَابةِ، قال ع «٥» : وهذهِ معظَمُ الأمرِ، وقال قتادة: الوجهُ في الآيةِ العمومُ في جميعِ السرائرِ»

، ونَقَلَ ابنُ العربي في «أحكامِه» عن ابن مسعود: أنَّ هذه المذكوراتِ [مِنَ] الصلاةِ والزكاةِ والوضوءِ والوديعةِ كلَّها أمَانَةٌ، قال: وأَشَدُّ ذلكَ الوديعةُ تَمْثُلُ له، أي: لمن خَانَها على هيئَتِها يوم أخَذَها فَتُرْمَى في قَعْر جهنمَ، فيقالُ له: أخْرِجْها، فيتبعُها فيجعلُها في عنقهِ فإذا أراد أن يخرجَ بهَا زَلَّتْ منه فيتبعُها فهو كذلكَ دَهْرَ الداهرينَ، انتهى، ت: قال أبو عبيد الهروي: قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ الواحدةُ سَرِيرَةٌ وهي الأعمالُ التي أسرَّهَا

العباد، انتهى، والرَّجْعِ المطرُ وماؤُه، وقال ابن عباس: الرجعُ: السحابُ فيه المطرُ «١» ، قال الحسنُ: لأنه يَرْجِعُ بالرزقِ كلَّ عامٍ «٢» ، وقال غيرُه: لأنه يرجع إلى الأرض، والصَّدْعِ النباتُ لأن الأرضَ تَتَصَدَّعُ عنْه، والضمير في إِنَّهُ للقرآن، وفَصْلٌ معناه: جزم فصل الحقائق من الأباطيل، والهزل اللعِبُ الباطلُ، ثم أخبر تعالى عن قريش أنهم يكيدون في أفعالهم وأقوالهم بالنبي ع، وأَكِيدُ كَيْداً وهذا على مَا مَرَّ من تسمية العقوبة باسم الذنب، ورُوَيْداً معناه: قليلاً قاله قتادة «٣» ، وهذهِ حالُ هذهِ اللفظة إذا تقدمَها شيءٌ تَصِفُه كقولك: سيراً رويداً، أو تقدمَها فعل يَعْملُ فيها كهذهِ، وأما إذا ابتدأتَ بها فقُلْتَ: رويداً يا فلان فهي بمعنى الأمر بالتَمَاهُلِ، - ص-:

رُوَيْداً قال أبو البقاء: نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إمْهَالاً رُوَيْداً، و «رويداً» تَصْغِيرُ «رَوْدٍ» وأنشَد أبو عُبَيْدَةَ: [البسيط]

يَمْشِي ولاَ تَكْلِمُ البَطْحَاءَ مِشْيَتُهُ ...

كَأَنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي على رَوْدِ

أي: على مَهْلٍ ورفق، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ﴾ أيْ: ذاتُ المَطَرِ، وسُمِّي المَطَرُ رَجْعًا لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ ﴿ والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ﴾ أيْ: ذاتُ الشَّقِّ، وقِيلَ لَها هَذا، لِأنَّها تَتَصَدَّعُ وتَتَشَقَّقُ بِالنَّباتِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ في الحَرْفَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ.

والفَصْلُ: الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالبَيانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿ وَما هو بِالهَزْلِ ﴾ أيْ: بِاللَّعِبِ.

والمَعْنى: أنَّهُ جِدٌّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: الهاءُ في " إنَّهُ " كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ \[أيْ: يَحْتالُونَ\] وهَذا الِاحْتِيالُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ  حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ.

﴿ وَأكِيدُ كَيْدًا ﴾ أيْ: أُجازِيهِمْ [عَلى كَيْدِهِمْ] بِأنْ أسْتَدْرِجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَأنْتَقِمَ مِنهم في الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.

﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ ﴾ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم.

ومَهِّلْ وأمْهِلْ لُغَتانِ جُمِعَتا هاهُنا.

ومَعْنى الآيَةِ: مَهِّلْهم قَلِيلًا حَتّى أُهْلِكَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، ونُسِخَ الإمْهالُ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " رُوَيْدًا " مَهْلًا، ورُوَيْدَكَ بِمَعْنى أمْهِلْ.

قالَ تَعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإذا لَمْ يَتَقَدَّمْها " أمْهِلْهم " كانَتْ بِمَعْنى " مَهْلًا " .

ولا يُتَكَلَّمُ بِها إلّا مُصَغَّرَةً ومَأْمُورًا بِها، وجاءَتْ في الشِّعْرِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ في غَيْرِ مَعْنى الأمْرِ.

قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّها مِثْلُ مَن يَمْشِي عَلى رُودِ أيْ: عَلى مَهْلٍ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ ﴾ ﴿ والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ ﴿ وَما هو بِالهَزْلِ ﴾ ﴿ إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ ﴿ وَأكِيدُ كَيْدًا ﴾ ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ "السَماءِ" في هَذا القِسْمِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَعْرُوفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السَحابَ، و"الرَجْعِ": المَطَرُ وماؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: أبْيَضَ كالرَجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرَجْعِ: السَحابُ والمَطَرُ، قالَ الحَسَن: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِزْقِ كُلَّ عامٍ، قالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الأرْضِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَجْعِ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ مَنزِلَةٌ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ.

و"الصَدْعُ": النَباتُ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَتَصَدَّعُ عنهُ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَجْعَ هو المَطَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِعابٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ القَوْلَ الثانِيَ في "الرَجْعِ".

والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ -وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ- مِن حَيْثُ القَوْلُ في جُزْءٍ مِنهُ والحالُ تَقْتَضِيهِ.

و"فَصْلٌ": مَعْناهُ: جُزِمَ، فَصْلُ الحَقائِقِ مِنَ الأباطِيلِ، و"الهَزْلُ": اللَعِبُ الباطِلُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُرَيْشٍ إنَّهم يَكِيدُونَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وتَمَرُّسِهِمْ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وتَدْبِيرِهِمْ رَدِّ أمْرِهِ، ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ وأكَّدَهُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عن أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ عِقابًا سَمّاهُ كَيْدًا، عَلى العُرْفِ في تَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَهِّلِ الكافِرِينَ" أنَّ عِقابَهُ لَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ كَيْدًا مُتَأخِّرٌ حَتّى ظَهَرَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أمْهِلْهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "مَهِّلْهُمْ"، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "رُوَيْدًا" مَعْناهُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذِهِ حالٌ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا تَقَدَّمَها شَيْءٌ تَصِفُهُ، كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ رُوَيْدًا، وتَقَدَّمَها فِعْلٌ يَعْمَلُ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا إذا ابْتَدَأتَ بِها فَقُلْتُ: "رُوَيْدًا يا فُلانُ" فَهي بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَمَهُّلِ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِمْ: صَبَرًا يا زَيْدُ وقَلِيلًا يا عَمْرُو.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطارِقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني ينبئ عن سؤال سائل يَعْجَب من إعراضهم عن القرآن مع أنه قول فصل ويعْجَب من معاذيرهم الباطلة مثل قولهم: هو هزل أو هذيان أو سحر، فبُين للسامع أن عملهم ذلك كيد مقصود.

فهم يتظاهرون بأنهم ما يصرفهم عن التصديق بالقرآن إلا ما تحققوه من عدم صدقه، وهم إنما يصرفهم عن الإِيمان به الحفاظ على سيادتهم فيضللون عامتهم بتلك التعلات الملفقة.

والتأكيد ب (إنَّ) لتحقيق هذا الخبر لغرابته، وعليه فقوله: ﴿ وأكيد كيداً ﴾ تتميم وإدماج وإنذار لهم حين يسمعونه.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ إنهم يكيدون كيداً ﴾ موجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له على أقوالهم في القرآن الراجعة إلى تكذيب من جاء بالقرآن.

أي إنما يدَّعون أنه هزل لقصد الكيد وليس لأنهم يحسبونك كاذباً على نحو قوله تعالى: ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون ﴾ [الأنعام: 33].

والضمير الواقع اسماً ل (إنّ) عائد إلى ما فهم من قوله تعالى: ﴿ إنه لقول فصل وما هو بالهزل ﴾ [الطارق: 13، 14] من الرد على الذين يزعمون القرآن بعكس ذلك، أي أن المشركين المكذبين يكيدون.

وجملة: ﴿ وأكيد كيداً ﴾ تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم ووعد بالنصر.

و ﴿ كيداً ﴾ في الموضعين مفعول مطلق مؤكد لعامله وقصد منه مع التوكيد تنوين تنكيره الدال على التعظيم.

والكيد: إخفاء قَصد الضر وإظهار خلافه، فكيدهم مستعمل في حقيقته، وأما الكيد المسند إلى ضمير الجلالة فهو مستعمل في الإِمهال مع إرادة الانتقام عند وجود ما تقتضيه الحكمة من إنزاله بهم وهو استعارة تمثيلية، شبهت هيئة إمهالهم وتركهم مع تقدير إنزال العقاب بهم بهيئة الكائد يخفي إنزال ضره ويظهر أنه لا يريده وحسَّنها محسن المشاكلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ذاتُ المَطَرِ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي ذاتُ السَّحابِ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ.

الثّالِثُ: ذاتُ الرُّجُوعِ إلى ما كانَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: ذاتُ النُّجُومِ الرّاجِعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: ذاتُ المَلائِكَةِ لِرُجُوعِهِمْ إلَيْها بِأعْمالِ العِبادِ، وهَذا قَسَمٌ.

﴿ والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ذاتُ النَّباتِ لِانْصِداعِ الأرْضِ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ذاتُ الأوْدِيَةِ، لِأنَّ الأرْضَ قَدِ انْصَدَعَتْ بِها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: ذاتُ الطُّرُقِ الَّتِي تُصَدِّعُها المُشاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: ذاتُ الحَرْثِ لِأنَّهُ يُصَدِّعُها.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: ذاتُ الأمْواتِ، لِانْصِداعِها عَنْهم لِلنُّشُورِ وهَذانَ قَسَمانِ: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ عَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ، وفي المُرادِ بِأنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما قَدَّمَهُ عَنِ الوَعِيدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ الآيَةَ.

تَحْقِيقًا لِوَعِيدِهِ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ (فَصْلٌ) وجْهانِ: أحَدُها: حَدٌّ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: عَدْلٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

القَوْلُ: إنَّ المُرادَ بِالفَصْلِ القُرْآنُ تَصْدِيقًا لِكِتابِهِ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ (فَصْلٌ) وجْهانِ: أحَدُهُما: حَقٌّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ما رَواهُ الحارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (كِتابُ اللَّهِ فِيهِ خَيْرُ ما قَبْلَكم، وحُكْمُ ما بَعْدَكم، هو الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَن تَرَكَهُ مِن جَبّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، ومَنِ ابْتَغى الهُدى في غَيْرِهِ أضَلَّهُ اللَّهُ)» .

﴿ وَما هو بِالهَزْلِ ﴾ وهَذا تَمامُ ما وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِاللَّعِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِالباطِلِ، قالَهُ وكِيعٌ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: بِالكَذِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ عَلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ  ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ فَقالَ ها هُنا: ﴿ إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ أيْ يَمْكُرُونَ مَكْرًا.

﴿ وَأكِيدُ كَيْدًا ﴾ يَعْنِي بِالِانْتِقامِ في الآخِرَةِ بِالنّارِ، وفي الدُّنْيا بِالسَّيْفِ.

﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَرِيبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: انْتِظارًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ رُوَيْدَكَ حَتّى تَنْطَوِيَ ثُمَّ تَنْجَلِي عَمايَةُ هَذا العارِضِ المُتَألِّقِ الثّالِثُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ الضَّحّاكُ: فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ.

وَفي (مَهَّلَ (وَأمْهَلَ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ.

الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فَمَهَّلَ الكَفُّ عَنْهم، وأمْهَلَ انْتِظارُ العَذابِ لَهم.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والسماء ذات الرجع ﴾ قال: المطر بعد المطر ﴿ والأرض ذات الصدع ﴾ قال: صدعها عن النبات.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعكرمة وأبي مالك وابن أبزى والربيع بن أنس مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والسماء ذات الرجع ﴾ قال: السحاب تمطر ثم ترجع بالمطر ﴿ والأرض ذات الصدع ﴾ قال: المازم غير الأودية والجروف.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ والسماء ذات الرجع ﴾ قال: ترجع بالمطر كل عام ﴿ والأرض ذات الصدع ﴾ قال: تصدع بالنبات كل عام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والأرض ذات الصدع ﴾ قال: صدع الأودية.

وأخرج ابن مندة والديلمي عن معاذ بن أنس مرفوعاً ﴿ والأرض ذات الصدع ﴾ قال: تصدع بإذن الله عن الأموال والنبات.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والسماء ذات الرجع ﴾ قال: ترجع إلى العباد برزقهم كل عام لولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم ﴿ والأرض ذات الصدع ﴾ قال: تصدع عن النبات والثمار كما رأيتم ﴿ إنه لقول فصل ﴾ قال: قول حكم ﴿ وما هو بالهزل ﴾ قال: ما هو باللعب ﴿ فمهل الكافرين أمهلهم رويداً ﴾ قال: الرويد القليل.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: عز وجل ﴿ وما هو بالهزل ﴾ قال: القرآن ليس بالباطل واللعب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قيس بن رفاعة وهو يقول: وما أدري وسوف أخال أدري ** أهزل ذا كم أم قول جد وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن جبير ﴿ وما هو بالهزل ﴾ قال: وما هو باللعب.

وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أتاني جبريل فقال يا محمد: إن أمتك مختلفة بعدك.

قلت فأين المخرج يا جبريل؟

فقال: كتاب الله به يقصم كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك، قول فصل ليس بالهزل» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أنه لقول فصل ﴾ قال: حق ﴿ وما هو بالهزل ﴾ قال: بالباطل، وفي قوله: ﴿ أمهلهم رويداً ﴾ قال: قريباً.

وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ فمهل الكافرين أمهلهم رويداً ﴾ قال: أمهلهم حتى آمر بالقتال.

وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي والترمذي ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف عن الحارث الأعور قال: «دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث، فأتيت عليّاً فأخبرته، فقال: أوقد فعلوها؟

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟

قال: كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس منه الألسن، ولا يخلق من الرد، ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿ إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد ﴾ [ الجن: 1] ، من قال به صدق، ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» .

وأخرج محمد بن نصر والطبراني عن معاذ بن جبل قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الفتن فعظمها وشددها فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله فما المخرج منها؟

قال: «كتاب الله فيه المخرج، فيه حديث ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم، من تركه من جبار يقصمه الله، ومن يبتغي الهدى في غيره يضله الله، وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم.

هو الذي لما سمعته الجن لم تتناه أن قالوا: ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد ﴾ [ الجن: 1] هو الذي لا تختلف به الألسن ولا تخلقه كثرة الرد» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أخبر عن مشركي مكهَ فقال: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ .

قال أبو إسحق: إنهم يخاتلون (١)  - ويظهرون ما هم على خلافه (٢) (١) معنى يخاتلون أي يخادعون، جاء في: مختار "الصحاح" خاتله: خدعه، والتَّخَاتُل: التخادع.

169: مادة: (ختل).

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 313 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾ الضمير لكفار قريش، وكيدهم هو ما دبروه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإضرار به وإبطال أمره ﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ هذا تسيمة للعقوبة باسم الذنب، للمشاكلة بين الفعلين ﴿ فَمَهِّلِ الكافرين ﴾ أي لا تستعجل عليهم بالعقوبة لهم أو بالدعاء عليهم، وهذا منسوخ بالسيف ﴿ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾ أي إمهالاً يسيراً قليلاً يعني إلى قتلهم يوم بدر، أو إلى الدار الآخرة، وجعله يسيراً، لأن كل آتٍ قريب، ولفظ رويداً هذا صفة لمصدر محذوف، وقد تقع بمعنى الأمر بالتساهل كقولك: رويداً يا فلان، وكرّر الأمر في قوله: أمهلهم وخالف بينه وبين لفظ مهل لزيادة التسكين والتصبير، قاله الزمخشري.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وعاصم وحمزة ويزيد.

الوقوف ﴿ الطارق ﴾ ه لا ﴿ الطارق ﴾ ه ك ﴿ الثاقب ﴾ ه ك ﴿ حافظ ﴾ ه ط ﴿ مم خلق ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ دافق ﴾ ه لا ﴿ والترائب ﴾ ه ط ﴿ لقادر ﴾ ه ك بناء على أن الظرف مفعول " اذكر " ومن جعل ﴿ يوم ﴾ ظرفاً للرجع وهو أولى لم يقف.

﴿ السرائر ﴾ ه لا ﴿ ولا ناصر ﴾ ه ط ﴿ الرجع ﴾ ه ﴿ الصدع ﴾ ه ك ﴿ فصل ﴾ ه ك ﴿ بالهزل ﴾ ه ط ﴿ كيداً ﴾ ه لا ﴿ كيداً ﴾ ج ه ﴿ رويداً ﴾ ه.

التفسير: إنه  أكثر في كتابه الكريم الأقسام بالسمويات لأن أحوالها في مطالعها ومغاربها ومسيراتها عجيبة.

أما الطارق فهو كل ما ينزل بالليل ولهذا جاء في الحديث التعوّذ من طوارق الليل.

وذكر طروق الخيال في أشعار العرب كثير لأن تلك الحالة تحصل في الأغلب ليلاً، وقد نهى رسول الله  أن يأتي الرجل أهله طروقاً.

ثم إنه  بين أنه أراد بالطارق في الآية ﴿ النجم الثاقب ﴾ أي هو طارق عظيم الشأن رفيع القدر وهو جنس النجم الذي يهتدى به في ظلمات البحر والبر.

قال علماء اللغة: سمي ثاقباً لأنه يثقب الظلام بضوئه كما سمي درياً لأن يدرأوه أي يدفعه، أو لأنه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء، أو لأنه إذا رمي به الشيطان ثقبه أي نفذ فيه وأحرقه.

وقد خصه بعضهم بزحل لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات.

وقال ابن زيد: هو الثريا.

وروى أن أبا طالب أتى النبي  فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ما ثم نوراً ففزع أبو طالب وقال: أيّ شيء هذا؟

فقال  : هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله فعجب أبو طالب ونزلت السورة.

من قرأ ﴿ لما ﴾ مشدّدة بمعنى " إلا " فـ " إن " نافية.

ومن قرأها مخففة على أن " ما " صلة كالتي في قوله ﴿ فبما رحمة  ﴾ فـ " إن " مخففة من المثقلة.

والآية على التقديرين جواب القسم.

والحافظ هو الله أو الملك الذي يحصي أعمال العباد كقوله ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ أو الذي يحفظ الإنسان من المكاره حتى يسلمه إلى القبر.

وعن النبي  " "وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين" أو الذي يحفظ عليه رزقه وأجله حتى يستوفيهما.

وحين ذكر أن على كل نفس حافظاً أتبعه بوصيته للإنسان بالنظر في مبدئه ومعاده.

والدفق صب فيه دفع، ولا شك أن الصب فعل الشخص فهو من الإسناد المجازي أو على النسبة أي ماء ذي دفق كما مر في ﴿ عيشة راضية  ﴾ ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب أن أكثره ينفصل من هذين الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والذي ينفصل من اليدين ومن الدماغ يمر عليهما أيضاً.

وطالما أعطى للأكثر حكم الكل وهذا المعنى يشمل ماء الرجل وماء المرأة، ويحتمل أن يقال: أريد به ماء الرجل فقط إما بناء على حكم التغليب وإما بناء على مذهب من لا يرى للمرأة ماء ولا سيما دافقاً.

وذهب جم غفير إلى أن الذي يخرج من بين الصلب ومادّته من النخاع الآتي من الدماغ هو ماء الرجل، والذي يخرج من الترائب وهي عظام الصدر الواحدة تريبة هو ماء المرأة.

وإنما لم يقل من ماءين لاختلاطهما في الرحم واتحادهما عند ابتداء خلق الجنين.

وقد يقال: العظم والعصب من ماء الرجل، واللحم والدم من ماء المرأة، وقد ورد في الخبر أن أيّ الماءين علا وغلب فإن الشبه يكون منه.

ثم بين قدرته على الإعادة بقوله ﴿ إنه على رجعه ﴾ أي على إعادة الإنسان ﴿ لقادر ﴾ يعني بعد ثبوت قدرته على تكوين الإنسان ابتداء من نطفة حقيرة وجب الحكم بأنه قادرعلى رجعه.

وعن مجاهد أن الضمير في ﴿ رجعه ﴾ يعود إلى الماء والمراد إنه قادر على ردّ الماء إلى الإحليل.

وقيل: إلى الصلب والترائب وهذا قول عكرمة والضحاك.

وقال مقاتل بن حيان: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة.

والقول هو الأول بدليل قوله ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ أي يمتحن ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال الحسنة أو القبيحة، وحقيقة البلاء في حقه  ترجع إلى الكشف والإظهار كقوله ﴿ ونبلو أخباركم  ﴾ ويحتمل أن يعود البلاء إلى المكلف كقوله ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت  ﴾ ومثله قول ابن عمر: يبدي الله يوم القيامة كل سرّ منها فيكون زيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه.

يعني من أدّاها كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجهه مغبراً.

ثم نفى القوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان يومئذ بقوله ﴿ فما له من قوّة ولا ناصر ﴾ ثم أكد حقية القرآن الذي فيه هذه البيانات الشافية والمواعظ الوافية فقال ﴿ والسماء ذات الرجع ﴾ أي المطر لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً على سبيل التفاؤل أو زعماً منهم أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعها إليها.

والصدع ما تتصدع عنه الأرض من النبات.

وقيل: الرجع الشمس والقمر يرجعان بعد مغيبهما، والصدع الجبلان بينهما شق وطريق.

والضمير في ﴿ إنه ﴾ للقرآن والفصل الفاصل بين الحق والباطل كما قيل له " فرقان ".

وقال القفال: أراد إن هذا الذي أخبرتكم به من قدرتي على الرجع كقدرتي على الإبداء قول حق.

ثم أكد حقيته بقوله ﴿ وما هو بالهزل ﴾ لأن اليبان الفصل لا يذكر إلا على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وأعلاها أن يكون خاشعاً باكياً كقوله ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ ثم سلى نبيه وحثه على الصبر الجميل فقال ﴿ إنهم ﴾ يعنى أشراف مكة ﴿ يكيدون كيداً ﴾ في إطفاء نور الحق وذلك بإلقاء الشبهات والطعن في النبوّة والتشاور في قتل النبي  كقوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ ﴿ وأكيد كيداً ﴾ سمي جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدّة العذاب كيداً.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فمهل الكافرين ﴾ أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به.

ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة ووصف الإمهال بقوله ﴿ رويداً ﴾ أي سهلاً يسيراً.

والتركيب يدل على الرفق والتأني ومنه قولهم في باب أسماء الأفعال " رويد زيداً " أي أروده إرواداً وأرفق به فكأنه  قال: مهل مهل مهل ثلاث مرات بثلاث عبارات وهذه نهاية الإعجاز.

وأجل الإمهال يوم بدر أو يوم القيامة وهذا أولى ليعم التحذير عن مثل سيرتهم ويتم الترغيب في خلاف طريقهم والله المستعان على ما تصفون.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ ﴾ قال: أبو عبيدة: الرجع: هو الماء؛ أي: السماء ذات المطر.

وقال غيره: ﴿ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ ﴾ ، أي: تعود في كل عام إلى ما كانت عليه في العام الذي قبله بالمطر، والرجع: هو العود.

ويحتمل: ﴿ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ ﴾ ، أي: يتكرر إدرار بركتها على الخلق استوفوا منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ ﴾ قيل: ﴿ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ ﴾ بالنبات.

أو ﴿ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ ﴾ ، أي: ذات أودية وأنهار يجتمع فيها الماء، فينتفع بها الخلق لسقي أراضيهم ودوابهم؛ فعظم أمر السماء والأرض؛ فأقسم بهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ يعني: القرآن، وليس بالهزل.

وفي إخراج النبات من الأرض حكمة عجيبة ولطف تدبير؛ وذلك أن النبات شيء لين ينثني بأدنى مس، ثم إن الله -  - بلطفه صدع له الأرض اليابسة الصلبة، وأخرجه منها غير منثنٍ ولا منكسر؛ ليعلموا أن مدبره حكيم؛ فيلزمهم به التوحيد.

وجعل منافع الأرض بمنافع السماء متصلة؛ إذ الأرض إنما تتصدع للنبات إذا أصابها المطر من السماء؛ فيكمون في ذلك إنباء - أيضا - أن مدبرهما واحد، ولولا ذلك لم تتصل منفعة إحداهما بالأخرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ أي: بَيِّن، بَيَّنَ فيه الحلال والحرام، وما يتقى عنه، وما يؤتى، وبيَّن فيه الصواب من الخطأ، وبيَّن فيه الوعد والوعيد.

أو يكون معنى الفصل: التفريق، وهو أن فرق الوعد من الوعيد، والحلال من الحرام، والحق من الباطل، فوضع كل شيء موضعه، ولم يخلط أحدهما بالآخر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ ﴾ ، أي: باللعب الباطل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ ، فقوله: ﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما أي: أجزيهم جزاء كيدهم؛ فسمى الجزاء باسم ما له الجزاء وإن لم يكن ذلك كيداً، كما سمى الجزاء للسيئة: سيئة مثلها، وإن لم يكن الجزاء سيئة، وكما سمى جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن الجزاء اعتداء بقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ ، أي: جزاهم جزاء النسيان، أو جعلهم كالشيء المنسي الذي [لا] يعبأ به، لا أن يكون منه في الحقيقة نسيان؛ فكذا سمى جزاء الكيد: كيدا، لا أن يكون الجزاء كيدا.

ووجه آخر: أن الكيد في الحقيقة والمكر هو أن يأخذه من وجه أمنه؛ فيلحق الكائد اسم الذم؛ لأنه أخذه من وجه لم يشعر به، وهذا المعنى في الكيد الذي أضيف إلى الله -  - غير موجود؛ لأن الله -  - قد بين له الطريق الذي إذا سلكه وقع له به الأمن من الطريق الذي إذا سلكه حل به البوار والهلاك، فإذا سلك هذا الطريق، كان سلوكه عن عناد منه، أو عن ترك الإنصاف من نفسه؛ فوجد ما يكره من الكيد [لا من الكائد]؛ فلم يلحقه بذلك الوصف المعنى المكروه.

ثم كيدهم برسول الله  وبالمؤمنين ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله -  -: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ مهل وأمهل لغتان؛ فكأنه يقول: ﴿ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾ ، ولا تجاوزهم بصنيعهم؛ فإن الله -  - يجازيهم بصنيعهم عن قريب، وقد فعل ذلك بما سلط رسوله  بقتلهم وسببهم؛ فيكون في هذا بشارة منه لرسوله  النصر عليهم وبغلبته إياهم، وفي ذلك آية رسالته؛ لأنه قال لهم هذا عند قلة أعوانه وضعفه، ثم إن الله -  - كثر أنصاره وأظهره عليهم كما قال لهم؛ ليعلموا أنه علم ذلك بالوحي؛ والله الموفق.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن المكذبين بما جاءهم رسولهم يكيدون كيدًا كثيرًا ليردّوا دعوته، ويبطلوها.

<div class="verse-tafsir" id="91.Nq0n8"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ  وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ  النَّجْمُ الثَّاقِبُ  ﴾ يقسم سبحانه بالسماء -وقد قلنا إنها كل ما علانا- فهو قسم بالعالم العلوي وما فيه.

ثم خصص بعض ما في ذلك العالم السماوي وأقسم بالطارق.

والطارق عندهم: كل ما أتاك ليلًا.

ولما كان اللفظ عامًا، والمقسم به كائن معين، وشيء خاص مما يصدق عليه الطارق -أراد أن يبين ما قصد منه بما يدل على تفخيم أمره، وتعظيم شأنه (وما أدراك ما الطارق)، وهو استفهام يقصد به -في عرف خطابهم- تعظيم المستفهم عنه، كأنه -في فخامة شأنه- مما لا تمكن إحاطة الإدراك به.

فيقال وما الذي يدريك ما هو كذا؟

(والنجم الثاقب) جنس النجم الذي يثقب ضوؤه الظلماء، كأن الظلام جلد أسود والنجم يثقبه، وإنما عظم الله امره لما فيه من الهداية الحسية والمعنوية والشؤون الأخرى التي يعلمها الله ويعلمها الراسخون في علوم أسراره في خليقته.

وإنما سمي النجم الثاقب بالطارق، لأنه لا يظهر إلا ليلًا، وضوء الشمس في النهار يخفيه (إن كل نفس لما عليها حافظ) قرء (لما) بالتشديد و(لما) بالتخفيف.

والمشددة بمعنى إلا، و "إن" معها تكون نافية.

والمخففة مركبة من اللام و "ما" الزائدة في الإعراب، و "إن" كانت لمعنى التأكيد، وتكون "إن" مخففة من إن.

وعلى كلتا القراءتين فالمعنى أن كل نفس عليها حافظ ورقيب يراقبها في جميع أطوار وجودها حتى تنتهي إلى أجلها، وذلك الحافظ الرقيب هو الله، وهذا هو المقسم عليه.

فالله جل شأنه يقسم لنا أن كل نفس من الأنفس عليها رقيب، وليس في النفوس نفس أهملت من رعاية ذلك الرقيب المدبر لشؤونها.

فإذا ارتاب مرتاب في ذلك (فلينظر الإنسان مم خلق) إلخ فقوله: فلينظر الإنسان، بمنزلة الدليل على الدعوى المقسم عليها زيادة في التأكيد.

ووجه ذلك أن الماء الدافق من المائع الذي لا تصوير فيه ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء ونحوها.

ثم إن هذا السائل ينشأ خلقًا كاملًا كالإنسان، مملوءًا بالحياة والعقل والإدراك، قادرًا على القيام بخلافته في الأرض.

فهذا التصوير والتقدير، وإنشاء الأعضاء والآلات البدنية، وإيداع كل عضو من القوة ما به يتمكن من تأدية عمله في البدن، ثم منح قوة الإدراك والعقل، كل هذا يستحيل أن يكون بدون حافظ يراقب ذلك كله ويدبره، وهو الله جل شأنه.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ  ﴾ من قبيل التفريع على ما ثبت في القضية الأولى.

كأنه يقول فإذا عرفت أن كل نفس عليها رقيب، فمن الواجب على الإنسان أن لا يهمل نفسه، وأن يتفكر في خلقه، وكيف كان ابتداء نشوئه ليصل بذلك إلى أن الذي أنشأه أول مرة قادر على أن يعيده، فيأخذ نفسه بصالح الأعمال والأخلاق، ويعدل بها عن سبل الشر، فإن عين الرقيب لا تغفل عنها في حال من الأحوال.

و(الصلب) هو كل عظم من الظهر فيه فقار.

ويعبر عنه في كلام العامة بسلسلة الظهر.

وقد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقًا لاسم الجزء على الكل.

و(الترائب) موضع القلادة من الصدر، وكنى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأة.

أي أن ذلك الماء الدافق إنما يكون مادة لخلق الإنسان إذا خرج من بين الرجل والمرأة، ووقع في المحل الذي جرت عادة الله أن يخلقه فيه، وهو رحم المرأة.

فقوله ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنَ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ  ﴾ وصف لا بد من ذكره لبيان أن الإنسان إنما خلق من الماء الدافق المستوفي شرائط صحة الخلق منه.

بعد ما لفت الإنسان ووجه نظره إلى بدء نشأته ليعلم أنه في أطوار خلقته ومدة بقائه في قبضة مدبر حفيظ عليه، ساقه إلى نتيجة أخرى لذلك النظر يسهل الوصول إليها بعد أحكامه، وهي أن الذي قدر على خلقه من الماء الدافق الذي لا صورة فيه ولا تقدير ولا مثال فيه للشخص المخلوق، قادر على أن يرجع هذا الشخص بعد موته، بل هذا أسهل وأيسر لسبق مثال الشخص وتقدم صورته في الخلق الأول، فقال سبحانه ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ  يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ  ﴾ فهذه الآية استئناف كلام لبيان نتيجة من نتائج النظر السابق، أي اعلم -بعد ما أحكمت نظرك- أن الله قادر على إزعاجك وإعادتك إلى الحياة في ذلك اليوم إلى يوم القيامة.

وهو اليوم الذي تبلى فيه السرائر، وتتصفح الضمائر، ويظهر الطيب والخبيث، فلا يبقى في سريرة سر، بل تنقلب كل خفية إلى الجهر، فلا يكون جدال ولا حجاج، ولا يستطيع المسيء أن يقول قد كنت محسنًا، ولا يبقى لذوي الأعمال إلا انتظار الجزاء على ما قدموا: فإما حلول عقاب، وإما مصير إلى حسن ثواب، ولا تكون لأحد قوة على الإفلات مما قدر له جزاء لعمله إن كان سيئًا، ولا ناصر ينصره فيحميه مما حتم عليه أن يقع فيه.

وهذا هو معنى ترتيب قوله ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ  ﴾ على قوله ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ  ﴾ .

بعد أن أكد سبحانه بالقسم الأول على أن على الأنفس رقيبًا، واستدل عليه، وذلك إثبات للألوهية، وتقرير لإحاطة علم الله وقدرته بالأنفس في جميع أطوارها -وهو الركن الأول من أركان عقائد الدين- وبعد أن بيَّن قدرته على إعادة الإنسان بعد موته -وهو إثبات لليوم الآخر الذي هو الركن الثاني- جاء بنا إلى الركن الثالث من أركان عقائد الدين، وهو رسالة سيدنا محمد  ، فابتدأ الكلام فيه بقسم أيضًا لشدة نزاع الجاحدين فيها حيث قال ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ  ﴾ إلخ.

إن الله يقسم بالأمر له مزية يعرفها المخاطب إعظامًا لتلك المزية.

لهذا قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ  ﴾ .

الرجع في لسان العرب هو الماء.

وأمتع شيء ينتظره المخاطبون من السماء هو الماء ماء المطر.

ومن فسر الرجع بالمطر لم يبتعد عن المعنى.

(والصدع) النبات، لأنه يصدع الأرض، أي يشقها، وأفضل ما تميل إليه الأنفس من الأرض نباتها.

أقسم بالسماء التي تفيض عليكم بمائها، والأرض التي تقيم معاشكم بنباتها، أن هذا القول الذي جاءكم به محمد  لقول فصل، أي حق واضح ولا مجال للريب فيه، فلا تشتبك فيه الظنون، ولا تتلاحم الأوهام، ولا يعود إليه نقض، وهو لذلك جد الجد فلا يكون هزلًا.

بعد أن بيّن الأركان الثلاثة لعقائد الدين: وهي الألوهية والمعاد والرسالة -أخذ يذكرنا بحال الجاحدين للحق المحاربين له بقوله ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا  ﴾ الكيد: المكر.

فإذا أسند إلى الله للمشاكلة -كما في هذه الآية- أريد منه لازمه، وهو الوصول بالعامل إلى عاقبة عمله من حيث لا يشعر بها.

وقد يكون المكر والكيد إيقاع المكروه على غرة، وأخذ الممكور به من حيث لا يعلم كيف أُخذ.

فيكون استعماله في جانب الحق على الحقيقة لأن الله يمهل الحائدين عن أمره الصادين عن سبيله، ثم يأخذهم وهم نائمون على فراش الأمن، وهذا هو ما يعبر عنه في اللغة بالمكر.

وإن كان في جانب المخلوق يحتاج إلى حيلة لأن لا قوة له هو ما يعبر عنه في اللغة بالمكر.

وإن كان في جانب المخلوق يحتاج إلى حيلة لأنه لا قوة له على مثل هذا إلا بالحيلة، وفي جانب الخالق يتبرأ من الحيلة لأنه -جل شأنه- له الحول كله والقوة جميعها.

يقول -والله أعلم- إن الذين يحرصون على ما كانوا عليه، ولا يستمعون قولك فيما تدعوهم إليه، ويزينون للناس مشايعتهم على أهوائهم، ويموهون الأباطيل ليخدعوا بها عقولهم، أولئك قوم ماكرون خادعون لا يريدون بك ولا بمن ينخدع لهم إلا السوء.

غير أني قد قضيت بأن لا مفر لهم من عاقبة أمرهم، ولا محيد لهم عما تؤدي إليه سيئات أعمالهم، فيصيبهم العقاب من حيث لا يشعرون، فلا يحزنك ما ترى منهم، ولا تستبطئ حلول النكال بهم، بل مهلهم.

أي لا تستعجل عقابهم.

و ﴿ أَمْهِلْهُمْ  ﴾ بمعنى مهلهم، فهو بدل منه للتأكيد، أو تكرير بلفظ آخر للتأكيد كذلك.

و (رويدًا) أي قليلًا.

وفي ذلك وعيد شديد لهم بأن ما يصيبهم قريب، سواء كان في الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت.

ثم فيه الوعد للنبي  ، بل لكان داع إلى الحق الذي جاء به، أنه سيبلغ من النجاح ما يستحقه عمله، وأن المناوئين له هم الخاسرون.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله