الآية ٣ من سورة الطارق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 86 الطارق > الآية ٣ من سورة الطارق

ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة الطارق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الطارق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى "الثاقب" قال ابن عباس المضيء وقال السدي يثقب الشياطين إذا أرسل عليها وقال عكرمة هو مضيء ومحرق للشيطان.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) يعني: المضيء .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) قال: هي الكواكب المضيئة، وثقوبه: إذا أضاء .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، في قوله: ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) قال: الذي يثقب .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( الثَّاقِبُ ) قال: الذي يتوهَّج .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ثقوبه: ضوءه .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) : المضيء .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) قال: كانت العرب تسمِّي الثُّريا النجم، ويقال: إن الثاقبَ النجمُ الذي يقال له زُحَلْ.

والثاقب أيضًا: الذي قد ارتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر - إذا هو لحق ببطن السماء ارتفاعًا -: قد ثَقَبَ، والعرب تقول: أثقِب نارك: أي أضئها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

النجم الثاقب والثاقب : المضيء .

ومنه شهاب ثاقب .

يقال : ثقب يثقب ثقوبا وثقابة : إذا أضاء .

وثقوبه : ضوءه .

والعرب تقول : أثقب نارك أي أضئها .

قال :أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوبالثقوب : ما تشعل به النار من دقاق العيدان .

وقال مجاهد : الثاقب : المتوهج .

القشيري والمعظم على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم ، كما ذكرنا عن مجاهد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم فسر الطارق بقوله: { النَّجْمُ الثَّاقِبُ } أي: المضيء، الذي يثقب نوره، فيخرق السماوات [فينفذ حتى يرى في الأرض]، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب.وقد قيل: إنه \" زحل \" الذي يخرق السماوات السبع وينفذ فيها فيرى منها.

وسمي طارقًا، لأنه يطرق ليلًا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم فسره فقال ( النجم الثاقب ) أي المضيء المنير ، قال مجاهد : المتوهج ، قال ابن زيد : أراد به الثريا ، والعرب تسميه النجم .

وقيل : هو زحل ، سمي بذلك لارتفاعه ، تقول العرب للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا : قد ثقب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«النجم» أي الثريا أو كل نجم «الثاقب» المضيء لثقبه الظلام بضوئه وجواب القسم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أقسم الله سبحانه بالسماء والنجم الذي يطرق ليلا وما أدراك ما عِظَمُ هذا النجم؟

هو النجم المضيء المتوهِّج.

ما كل نفس إلا أوكل بها مَلَك رقيب يحفظ عليها أعمالها لتحاسب عليها يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( النجم الثاقب ) بيان وتفسير للطارق ، والثاقب .

أى : المضئ الذى يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ فيه ويبدده .والجملة الكريمة مستأنفة ، وهى جواب عن سؤال مقدر نشأ مما قبله ، كأنه قيل : وما هو الطارق؟

فكان الجواب : هو النجم الثاقب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أكثر في كتابه ذكر السماء والشمس والقمر لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة، وأما الطارق فهو كل ما أتاك ليلاً سواء كان كوكباً أو غيره فلا يكون الطارق نهاراً، والدليل عليه قول المسلمين في دعائهم: نعوذ بالله من طوارق الليل وروي أنه عليه السلام: نهى عن أن يأتي الرجل أهله طروقاً والعرب تستعمل الطروق في صفة الخيال لأن تلك الحالة إنما تحصل في الأكثر في الليل، ثم إنه تعالى لما قال: ﴿ والطارق ﴾ كان هذا مما لايستغنى سامعه عن معرفة المراد منه، فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطارق ﴾ قال سفيان بن عيينة: كل شيء في القرآن ما أدراك فقد أخبر الرسول به وكل شيء فيه ما يدريك لم يخبر به كقوله: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ  ﴾ ثم قال: ﴿ النجم الثاقب ﴾ أي هو طارق عظيم الشأن، رفيع القدر وهو النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر ويوقف به على أوقات الأمطار، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: إنما وصف النجم بكونه ثاقباً لوجوه: أحدها: أنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل: درئ لأنه يدرؤه أي يدفعه.

وثانيها: أنه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء.

وثالثها: أنه الذي يرى به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه ويحرقه.

ورابعها: قال الفراء: ﴿ النجم الثاقب ﴾ هو النجم المرتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعاً: قد ثقب.

المسألة الثانية: إنما وصف النجم بكونه طارقاً، لأنه يبدو بالليل، وقد عرفت أن ذلك يسمى طارقاً، أو لأنه يطرق الجني، أي صكه.

المسألة الثالثة: اختلفوا في قوله: ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال بعضهم: أشير به إلى جماعة النحو فقيل الطارق، كما قيل: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ  ﴾ وقال آخرون: إنه نجم بعينه، ثم قال ابن زيد: إنه الثريا، وقال الفراء: إنه زحل، لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات، وقال آخرون: إنه الشهب التي يرجم بها الشياطين، لقوله تعالى: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ  ﴾ .

المسألة الرابعة: روي أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ماء ثم ناراً، ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا؟

فقال: هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله، فعجب أبو طالب، ونزلت السورة.

واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ لَّمّاً ﴾ قراءتان إحداهما: قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع والكسائي، وهي بتخفيف الميم والثانية: قراءة عاصم وحمزة والنخعي بتشديد الميم.

قال أبو علي الفاسي: من خفف كانت ﴿ إن ﴾ عنده المخففة من الثقيلة، واللام في ﴿ لَّمّاً ﴾ هي التي تدخل مع هذه المخففة لتخلصها من إن النافية، وما صلة كالتي في قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله  ﴾ ﴿ وعما قليل  ﴾ وتكون ﴿ إن ﴾ متلقية للقسم، كما تتلقاه مثقلة.

وأما من ثقل فتكون ﴿ إن ﴾ عنده النافية، كالتي في قوله: ﴿ فيما إِن مكناكم  ﴾ و ﴿ لَّمّاً ﴾ في معنى ألا، قال: وتستعمل ﴿ لَّمّاً ﴾ بمعنى ألا في موضعين أحدهما: هذا والآخر: في باب القسم، تقول: سألتك بالله لما فعلت، بمعنى ألا فعلت.

وروى عن الأخفش والكسائي وأبي عبيدة أنهم قالوا: لم توجد لما بمعنى ألا في كلام العرب.

قال ابن عون: قرأت عند ابن سيرين لما بالتشديد، فأنكره وقال: سبحان الله، سبحان الله، وزعم العتبي أن ﴿ لَّمّاً ﴾ بمعنى ألا، مع أن الخفيفة التي تكون بمعنى ما موجودة في لغة هذيل.

المسألة الثانية: ليس في الآية بيان أن هذا الحافظ من هو، وليس فيها أيضاً بيان أن الحافظ يحفظ النفس عماذا.

أما الأول: ففيه قولان: الأول: قول بعض المفسرين: أن ذلك الحافظ هو الله تعالى.

أما في التحقيق فلأن كل وجود سوى الله ممكن، وكل ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح وينتهي ذلك إلى الواجب لذاته، فهو سبحانه القيوم الذي بحفظه وإبقائه تبقى الموجودات، ثم إنه تعالى بين هذا المعنى في السموات والأرض على العموم في قوله: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ  ﴾ وبينه في هذه الآية في حق الإنسان على الخصوص وحقيقة الكلام ترجع إلى أنه تعالى أقسم أن كل ما سواه، فإنه ممكن الوجود محدث محتاج مخلوق مربوب هذا إذا حملنا النفس على مطلق الذات، أما إذا حملناها على النفس المتنفسة وهي النفس الحيوانية أمكن أن يكون المراد من كونه تعالى حافظاً لها كونه تعالى عالماً بأحوالها وموصلاً إليها جميع منافعها ودافعاً عنها جميع مضارها.

والقول الثاني: أن ذلك الحافظ هم الملائكة كما قال: ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً  ﴾ وقال: ﴿ ﴾ وقال: ﴿ ﴾ وقال: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله  ﴾ .

وأما البحث الثاني: وهو أنه ما الذي يحفظه هذا الحافظ؟

ففيه وجوه: أحدها: أن هؤلاء الحفظة يكتبون عليه أعماله دقيقها وجليلها حتى تخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً.

وثانيها: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ يحفظ عملها ورزقها وأجلها، فإذا استوفى الإنسان أجله ورزقه قبضه إلى ربه، وحاصله يرجع إلى وعيد الكفار وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نعد لهم عداً  ﴾ ثم ينصرفون عن قريب إلى الآخرة فيجازون بما يستحقونه.

وثالثها: إن كل نفس لما عليها حافظ، يحفظها من المعاطب والمهالك فلا يصيبها إلا ما قدر الله عليها.

ورابعها: قال الفراء: إن كل نفس لما عليها حافظ يحفظها حتى يسلمها إلى المقابر، وهذا قول الكلبي.

واعلم أنه تعالى لما أقسم على أن لكل نفس حافظاً يراقبها ويعد عليها أعمالها، فحينئذ يحق لكل أحد أن يجتهد ويسعى في تحصيل أهم المهمات، وقد تطابقت الشرائع والعقول على أن أهم المهمات معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، واتفقوا على أن معرفة المبدأ مقدمة على معرفة المعاد، فلهذا السبب بدأ الله تعالى بعد ذلك بما يدل على المبدأ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ النجم الثاقب ﴾ المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، كما قيل: درّيء، لأنه يدرؤه، أي: يدفعه.

ووصف بالطارق؛ لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق: أو لأنه يطرق الجني، أي يصكه.

والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها.

فإن قلت: ما يشبه قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق (2) النجم الثاقب (3) ﴾ إلا ترجمة كلمة بأخرى، فبين لي أي فائدة تحته؟

قلت: أراد الله عزّ من قائل: أن يقسم بالنجم الثاقب تعظيماً له، لما عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة، وأن ينبه على ذلك فجاء بما هو صفة مشتركة بينه وبين غيره، وهو الطارق، ثم قال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطارق (2) ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿ النجم الثاقب (3) ﴾ كل هذا إظهار لفخامة شأنه، كما قال ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 75- 76] روي: أنّ أبا طالب كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانحط نجم، فامتلأ ما ثم نوراً فجزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟

فقال عليه السلام: «هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله» فعجب أبو طالب، فنزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الطّارِقِ مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والسَّماءِ والطّارِقِ ﴾ والكَوْكَبِ البادِي بِاللَّيْلِ وهو في الأصْلِ لِسالِكِ الطَّرِيقِ، واخْتُصَّ عُرْفًا بِالآتِي لَيْلًا ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْبادِي فِيهِ.

﴿ وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ ﴾ ﴿ النَّجْمُ الثّاقِبُ ﴾ المُضِيءُ كَأنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ، أوِ الأفْلاكُ والمُرادُ الجِنْسُ أوْ مَعْهُودٌ بِالثَّقْبِ وهو زُحَلُ، عَبَّرَ عَنْهُ أوَّلًا بِوَصْفٍ عامٍّ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِما يَخُصُّهُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ.

﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها ﴾ أيْ إنَّ الشَّأْنَ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها.

﴿ حافِظٌ ﴾ رَقِيبٌ فَإنْ هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ الفاصِلَةُ وما مَزِيدَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ لَما عَلى أنَّها بِمَعْنى إلّا وإنْ نافِيَةٌ، والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ جَوابُ القَسَمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} لأن لما كانت مشددة بمعنى الاكقراءة عاصم وحمزة وابن عامر فتكون إن نافية أي ما كل نفس إلا عليها حافظ وإن كانت مخففة كقراءة غيرهم فتكون إن مخففة من الثقيلة أى انه كل نفس لعليها حافظ يحفظها من الآفات أو يحفظ عملها ورزقها

وأجلها فإذا استوفى ذلك ماتت وقيل هو كاتب الأعمال فما زائدة واللام فارقة بين الثقيلة والخفيفة وحافظ مبتدأ وعليها الخبر والجملة خبر كُلٌّ وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به القسم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ النَّجْمُ الثّاقِبُ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامٍ نَشَأ عَمّا قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هُوَ؟

فَقِيلَ: هو النَّجْمُ إلَخْ...

و«الثّاقِبُ» في الأصْلِ الخارِقُ ثُمَّ صارَ بِمَعْنى المُضِيءِ لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ، وقَدْ يُخَصُّ بِالنُّجُومِ والشُّهُبِ لِذَلِكَ.

وتَصَوُّرِ أنَّها يَنْفُذُ ضَوْءُها في الأفْلاكِ ونَحْوِها.

وقالَ الفَرّاءُ: «الثّاقِبُ» المُرْتَفَعُ، يُقالُ: ثَقَبَ الطّائِرُ أيِ ارْتَفَعَ وعَلا، والمُرادُ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ الجِنْسُ عِنْدَ الحَسَنِ؛ فَإنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ ضَوْءًا ثاقِبًا لا مَحالَةَ، وكَذا كُلُّ كَوْكَبٍ مُرْتَفِعٍ ولا يُضْرَبُ التَّفاوُتُ في ذَلِكَ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْهُودٌ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ الجَدْيُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الثُّرَيّا وهو الَّذِي تُطْلِقُ العَرَبَ عَلَيْهِ اسْمَ النَّجْمِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ زُحَلُ وهو أبْعَدُ السَّيّاراتِ وأرْفَعُها وما يَثْقُبُهُ ضَوْؤُهُ مِنَ الأفْلاكِ أكْثَرَ فِيما يَزْعُمُ المُنَجِّمُونَ المُتَقَدِّمُونَ، وإنَّما قُلْنا أبْعَدُ السَّيّاراتِ لِأنَّ الجَدْيَ والثُّرَيّا عِنْدَهم أبْعَدُ مِنهُ بِكَثِيرٍ، وكَذا عِنْدَ المُحْدَثِينَ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ القَمَرُ؛ لِأنَّهُ آيَةُ اللَّيْلِ وأشَدُّ الكَواكِبِ ضَوْءًا فِيهِ وهو زَمانُ سُلْطانِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ النَّجْمِ عَلَيْهِ ولَوْ مَوْصُوفًا غَيْرُ شائِعٍ وقِيلَ: هو النَّجْمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ كَوْكَبُ الصُّبْحِ.

وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ نَجْمٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها فَمَيَّزَهُ فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ هَبَطَ فَكانَ مَعَها ثُمَّ يَرْجِعُ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.

ولا يَخْفى أنَّ المَعْرُوفَ أنَّ الَّذِي يَسْكُنُ السَّماءَ السّابِعَةَ أعْنِي الفَلَكَ السّابِعَ وحْدَهُ هو زُحَلُ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَوْلًا بِأنَّ النَّجْمَ الثّاقِبَ هو لَكِنْ لا يُعْرَفُ لَهُ نُزُولٌ ولا صُعُودٌ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ وأيْضًا لا يُعْقَلُ لَهُ نُزُولٌ إلى حَيْثُ تَكُونُ النُّجُومُ أعْنِي الثَّوابِتَ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَهم أنَّها في الفَلَكِ الثّامِنِ، ويَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ بَعْضُها في أفْلاكٍ فَوْقَ ذَلِكَ بَلْ نَصَّ المُحْدَثُونَ لِما قامَ عِنْدَهم عَلى تَفاوُتِها في الِارْتِفاعِ ولَمْ يَشُكُّوا في أنَّ كَثِيرًا مِنها أبْعَدُ مِن زُحَلَ بُعْدًا عَظِيمًا وإذا اعْتُبِرَتِ الظَّواهِرُ وقُلْنا بِأنَّها في السَّماءِ الدُّنْيا وإنْ تَفاوَتَتْ في الِارْتِفاعِ فَذَلِكَ أيْضًا مِمّا يَأْباهُ أنَّ النُّجُومَ قَدْ تَأْخُذُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ ولَيْسَ مَعَها زُحَلُ.

وبِالجُمْلَةِ ما يُعَكِّرُ عَلى هَذا الخَبَرِ كَثِيرٌ وكَوْنُهُ كَرَّمَ اللَّهِ تَعالى وجْهَهُ أرادَ كَوْكَبًا آخَرَ هَذا شَأْنُهُ لا يَخْفى حالُهُ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْصافُ وتَرْكُ التَّعَصُّبِ أنَّ الخَبَرَ مَكْذُوبٌ عَلى الأمِيرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ، وجُوِّزَ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ الشُّهُبِ الَّتِي يُرْجَمُ بِها ولَيْسَ بِذاكَ وما رُوِيَ «أنَّ أبا طالِبٍ كانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانْحَطَّ نَجْمٌ فامْتَلَأ ماءً ثُمَّ نُورًا فَفَزِعَ أبُو طالِبٍ فَقالَ: أيُّ شَيْءٍ هَذا؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هَذا نَجْمٌ رُمِيَ بِهِ وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى» فَعَجِبَ أبُو طالِبٍ فَنَزَلَتْ».

لا يَقْتَضِي ذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى.

وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةِ أنَّ المُرادَ بِ ﴿ الطّارِقُ ﴾ جَمِيعُ ما يَطْرُقُ مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ فَيَعُمُّ النَّجْمَ الثّاقِبَ وغَيْرَهُ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ وما أدْراكَ ما الطّارِقُ ﴾ حَقَّ الطّارِقِ بِأنْ تَكُونَ ألْ في ﴿ ما الطّارِقُ ﴾ مِثْلَها فِي: أنْتَ الرَّجُلُ، وما أدْرِي ما الطّارِقُ عَلى هَذا الرَّجُلِ حَتّى رَكِبَ هَذا الطَّرِيقَ الوَعِرَ في التَّفْسِيرِ وفي إيرادِ ذَلِكَ عِنْدَ الإقْسامِ بِهِ بِوَصْفٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ ثُمَّ الإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ غَيْرُ كاشِفٍ عَنْ كُنْهِ أمْرِهِ وأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُهُ أفْكارُ الخَلائِقِ، ثُمَّ تَفْسِيرُهُ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وإجْلالِ مَحَلِّهِ ما لا يَخْفى عَلى ذِي نَظَرٍ ثاقِبٍ، ولِإرادَةِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلِ ابْتِداءً: «والنَّجْمِ الثّاقِبِ» مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ، ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُفَخِّمَ شَأْنَ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ لِما شاءَ ولا دَلالَةَ فِيهِ هاهُنا عَلى شَيْءٍ مِمّا يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ في أمْرِ النُّجُومِ زُحَلَ وغَيْرِهِ مِنَ التَّأْثِيرِ في سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ أوْ نَحْوِهِما، وجَوابُ القَسَمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي سبع عشرة آية مكية قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس-  م- عن قوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ فقال: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ وسكت فقلت له: مالك؟

فقال: والله ما أعلم منها، إلا ما أعلم ربي.

يعني: تفسير الآية ما ذكر في هذه الآية، وهو قوله: والنجم الثاقب.

يعني: هو الطارق.

وروي عن ابن عباس، -  ما- في رواية أخرى.

وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ قال الطارق الكواكب التي تطرق في الليل، وتخفى في النهار، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ على وجه التعجب والتعظيم.

ثم بيّن فقال النَّجْمُ الثَّاقِبُ يعني: هو النجم المضيء.

وقال مجاهد: الثَّاقِبُ الذي يتوهج.

وقال الحسن البصري الثَّاقِبُ هو النجم، حين يرسل على الشياطين، فيثقبه، يعني: فيحرقه.

وقال قتادة: النَّجْمُ الثَّاقِبُ يعني: يطرق بالليل، ويخنس بالنهار فأقسم الله تعالى بالسماء ونجومها.

ويقال: بخالق السماء ونجومها إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ وهذا جواب القسم، يعني: ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ قولها وفعلها.

قرأ عاصم وحمزة، وابن عامر، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها بتشديد الميم، والباقون لَمَّا عَلَيْها بالتخفيف، فمن قرأ بالتشديد، فمعناه ما من نفس إلا وعليها حافظ، فيكون لما بمعنى إلا، ومن قرأ بالتخفيف جعل ما مؤكدة، ومعناه كل نفس عليها حافظ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ توقيفٌ لمنكرِي البعثِ على أصلِ الخِلْقَةِ الدالِّ على أن البعثَ جائزٌ ممكن، ثم بادَرَ اللفظَ إلى الجوابِ اقْتِضَاباً وإسْراعاً إلى إقامَةِ الحجة، فقال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ قال الحسن وغيره: معناه: من بينِ صلبِ كلِّ واحدٍ من الرجلِ والمرأةِ، وترائِبِه «١» ، وقال جماعةُ: من بينِ صلبِ الرجل وترائب المرأةِ [والتَرِيبَةُ من الإنسان: ما بين التَّرْقُوةِ إلى الثدي، قال أبو عبيدة مُعَلَّقُ الحَلْيِ إلى الصَّدْرِ، وقيل غير هذا «٢» .

وقوله تعالى: إِنَّهُ] «٣» عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال ابن عباس وقتادة: المعنى أن اللَّهَ عَلى ردِّ الإنسانِ حيًّا بعد موتهِ لقادرٌ «٤» ، وهذا أظهر الأقوال هنا وأبينها، ودافِقٍ قال كثير من المفسرين: هو بمعنى مَدْفُوقٍ، والعاملُ في يَوْمَ الرَّجْع من قولهِ: عَلى رَجْعِهِ.

وتُبْلَى السَّرائِرُ معناه تُخْتَبَرُ وتكشَفُ بواطنُها، ورَوَى أبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أن/ السرائرَ التي يَبْتَلِيهَا اللَّه من العباد: التوحيدُ، والصلاةُ، والزكاةُ، والغُسْلُ من الجنَابةِ، قال ع «٥» : وهذهِ معظَمُ الأمرِ، وقال قتادة: الوجهُ في الآيةِ العمومُ في جميعِ السرائرِ»

، ونَقَلَ ابنُ العربي في «أحكامِه» عن ابن مسعود: أنَّ هذه المذكوراتِ [مِنَ] الصلاةِ والزكاةِ والوضوءِ والوديعةِ كلَّها أمَانَةٌ، قال: وأَشَدُّ ذلكَ الوديعةُ تَمْثُلُ له، أي: لمن خَانَها على هيئَتِها يوم أخَذَها فَتُرْمَى في قَعْر جهنمَ، فيقالُ له: أخْرِجْها، فيتبعُها فيجعلُها في عنقهِ فإذا أراد أن يخرجَ بهَا زَلَّتْ منه فيتبعُها فهو كذلكَ دَهْرَ الداهرينَ، انتهى، ت: قال أبو عبيد الهروي: قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ الواحدةُ سَرِيرَةٌ وهي الأعمالُ التي أسرَّهَا

العباد، انتهى، والرَّجْعِ المطرُ وماؤُه، وقال ابن عباس: الرجعُ: السحابُ فيه المطرُ «١» ، قال الحسنُ: لأنه يَرْجِعُ بالرزقِ كلَّ عامٍ «٢» ، وقال غيرُه: لأنه يرجع إلى الأرض، والصَّدْعِ النباتُ لأن الأرضَ تَتَصَدَّعُ عنْه، والضمير في إِنَّهُ للقرآن، وفَصْلٌ معناه: جزم فصل الحقائق من الأباطيل، والهزل اللعِبُ الباطلُ، ثم أخبر تعالى عن قريش أنهم يكيدون في أفعالهم وأقوالهم بالنبي ع، وأَكِيدُ كَيْداً وهذا على مَا مَرَّ من تسمية العقوبة باسم الذنب، ورُوَيْداً معناه: قليلاً قاله قتادة «٣» ، وهذهِ حالُ هذهِ اللفظة إذا تقدمَها شيءٌ تَصِفُه كقولك: سيراً رويداً، أو تقدمَها فعل يَعْملُ فيها كهذهِ، وأما إذا ابتدأتَ بها فقُلْتَ: رويداً يا فلان فهي بمعنى الأمر بالتَمَاهُلِ، - ص-:

رُوَيْداً قال أبو البقاء: نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إمْهَالاً رُوَيْداً، و «رويداً» تَصْغِيرُ «رَوْدٍ» وأنشَد أبو عُبَيْدَةَ: [البسيط]

يَمْشِي ولاَ تَكْلِمُ البَطْحَاءَ مِشْيَتُهُ ...

كَأَنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي على رَوْدِ

أي: على مَهْلٍ ورفق، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الطّارِقِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءِ والطّارِقِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ.

ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ: نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ  يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ النَّجْمُ الثّاقِبُ ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .

وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.

والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ.

ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ " إلّا " في مَوْضِعَيْنِ.

أحَدُهُما: هَذا.

والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ.

تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟

والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ دافِقٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ.

سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ.

وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا.

يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ.

يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ.

بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.

وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ: مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ.

وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ.

ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .

والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ عَلى رَجْعِهِ ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ.

وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟

أتَوَضَّأ، أمْ لا؟

فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿ وَلا ناصِرٍ ﴾ يَنْصُرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والسَماءِ والطارِقِ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما الطارِقُ ﴾ ﴿ النَجْمُ الثاقِبُ ﴾ ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ ﴿ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ ﴾ ﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ ﴾ ﴿ فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا وقالَ النابِغَةُ: كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............

وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ  الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ: يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.

فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.

وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ  في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ.

و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ: ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ وقالَ امْرُؤ القَيْسَ: ..........

∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ.

وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.

و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ.

وصَوْمُ رَمَضانَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ.

وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم عليه وتشويق إليه كما تقدم في سوابقها.

ووقع القسم بمخلوقَين عظيمين فيهما دلالة على عظيم قدرة خالقهما هما: السماء، والنجوم، أو نجم منها عظيم منها معروف، أو ما يبدو انقضاضه من الشهب كما سيأتي.

و ﴿ الطارق ﴾ : وصف مشتق من الطروق، وهو المجيء ليلاً لأن عادة العرب أن النازل بالحي ليلاً يطرق شيئاً من حجر أو وتد إشعاراً لرب البيت أن نزيلاً نزل به لأن نزوله يقضي بأن يضيفوه، فأطلق الطروق على النزول ليلاً مجازاً مرسلاً فغلب الطروق على القدوم ليلاً.

وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء، ثم زيد إبهاماً مشوباً بتعظيم أمره بقوله: ﴿ وما أدراك ما الطارق ﴾ ثم بُين بأنه: ﴿ النجم الثاقب ﴾ ليحصل من ذلك مزيد تقرر للمراد بالمقسم به وهو أنه من جنس النجوم، شُبه طلوع النجم ليلاً بطروق المسافر الطارق بيتاً بجامع كونه ظهوراً في الليل.

و ﴿ ما أدراك ﴾ استفهام مستعمل في تعظيم الأمر، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴾ في سورة الشورى (17)، وعند قوله: ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ [الحاقة: 3] وتقدم الفرق بين: ما يدريك، وما أدراك.

وقوله: ﴿ النجم ﴾ خبر عن ضمير محذوف تقديره: هو، أي الطارق النجم الثاقب.

والثقب: خرق شيء ملتئم، وهو هنا مستعار لظهور النور في خلال ظلمة الليل.

شبه النجم بمسمار أو نحوه، وظهورُ ضوئه بظهور ما يبدو من المسمار من خلال الجسم الذي يثقبه مثل لَوح أو ثَوب.

وأحسب أن استعارة الثقب لبروز شعاع النجم في ظلمة الليل من مبتكرات القرآن ولم يرد في كلام العرب قبل القرآن.

وقد سبق قوله تعالى: ﴿ فأتبعه شهاب ثاقب ﴾ في سورة الصافات (10)، ووقع في تفسير القرطبي } : والعرب تقول اثقُب نارك، أي أضئها، وساق بيتاً شاهداً على ذلك ولم يعزه إلى قائل.

والتعريف في ﴿ النجم ﴾ يجوز أن يكون تعريف الجنس كقول النابغة: أقول والنجمُ قد مَالت أواخِره *** البيت.

فيستغرق جميع النجوم استغراقاً حقيقياً وكلها ثاقب فكأنه قِيلَ، والنجوم، إلا أن صيغة الإفراد في قوله: ﴿ الثاقب ﴾ ظاهر في إرادة فرد معيّن من النجوم، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم النجم غالباً، أي والنجم الذي هو طارق.

ويناسب أن يكون نجماً يَطلع في أوائل ظلمة الليل وهي الوقت المعهود لِطروق الطارقين من السائرين.

ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد، وهو نجم يظهر عقب غروب الشمس، وبه سميت صلاة المغرب «صلاةَ الشاهد».

روى النسائي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن هذه الصلاة (أي العصر) فرضت على من كان قبلكم فضيعوها " إلى قوله: " ولا صلاة بعدَها حتى يطلع الشاهد ".

وقيل: أريد ب ﴿ الطارق ﴾ نوع الشهب، روي عن جابر بن زيد: أن النجم الطارق هو كوكب زُحل (لأنه مبرز على الكواكب بقوة شعاعه).

وعنه: أنه الثريا (لأن العرب تطلق عليها النجم علماً بالغَلبة)، وعن ابن عباس: أنه نجوم برج الجَدي، ولعل ذلك النجم كان معهوداً عند العرب واشتهر في ذلك في نجم الثريا.

وقيل: أريد بالطارق نوع الشهب (أي لأن الشهاب ينقضّ فيلوح كأنه يَجري في السماء كما يسير السائر إذا أدركه الليل).

فالتعريف في لفظ ﴿ النجم ﴾ للاستغراق، وخص عمومه بوقوعه خبراً عن ضمير ﴿ الطارق ﴾ أي أن الشهاب عند انقضاضه يرى سائراً بسرعة ثم يغيب عن النظر فيلوح كأنه استقر فأشبه إسراع السائر ليلاً ليبلغ إلى الأحياء المعمورة فإذا بلغها وقف سيره.

وجواب القسم هو قوله: ﴿ إنْ كل نفس لمَا عليها حافظ ﴾ جُعل كناية تلويحية رمزية عن المقصود.

وهو إثبات البعث فهو كالدليل على إثباته، فإن إقامة الحافظ تستلزم شيئاً يحفظه وهو الأعمال خيرُها وشرُّها، وذلك يستلزم إرادة المحاسبة عليها والجزاء بما تقتضيه جزاء مُؤخراً بعد الحياة الدنيا لئلا تذهب أعمال العاملين سدى وذلك يستلزم أن الجزاء مؤخر إلى ما بعد هذه الحياة إذ المُشَاهَدُ تخلُّف الجزاء في هذه الحياة بكثرة، فلو أهمل الجزاء لكان إهماله منافياً لحكمة الإله الحكيم مبدع هذا الكون كما قال: ﴿ أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً ﴾ [المؤمنون: 115] وهذا الجزاء المؤخر يستلزم إعادة حياة للذوات الصادرة منها الأعمالُ.

فهذه لوازم أربعة بها كانت الكناية تلويحية رمزية.

وقد حصل مع هذا الاستدلال إفادةُ أن على الأنفس حفظةً فهو إدماج.

والحافظ: هو الذي يحفظ أمراً ولا يهمله ليترتب عليه غرض مقصود.

وقرأ الجمهور: ﴿ لَمَا ﴾ بتخفيف الميم، وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو جعفر وخلَف بتشديد الميم.

فعلى قراءة تخفيف الميم تكون (إنْ) مخففة من الثقيلة و ﴿ لَمَا ﴾ مركبة من اللام الفارقة بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففةِ من الثقيلة ومعها (مَا) الزائدة بعد اللام للتأكيد وأصل الكلام: إن كل نفس لَعَليْها حافظ.

وعلى قراءة تشديد الميم تكون (إنْ) نافية و ﴿ لمَّا ﴾ حرف بمعنى (إلاّ) فإن (لَمَّا) ترد بمعنى (إلاّ) في النفي وفي القَسم، تقول: سألتُك لَمَّا فعلت كذا أي إلاّ فعلت، على تقدير: ما أسألك إلاّ فعل كذا فآلت إلى النفي وكلٌ من (إنْ) المخففة و(إنْ) النافية يُتلقَّى بها القسم.

وقد تضمن هذا الجواب زيادةً على إفادته تحقيق الجزاء إنذاراً للمشركين بأن الله يعلم اعتقادهم وأفعالهم وأنه سيجازيهم على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الطّارِقِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسَّماءِ والطّارِقِ ﴾ هُما قَسَمانِ: (والسَّماءِ) قَسَمٌ، (والطّارِقِ) قَسَمٌ.

(اَلطّارِقُ) نَجْمٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ ﴾ ﴿ النَّجْمُ الثّاقِبُ ﴾ ومِنهُ قَوْلُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ نَحْنُ بَناتُ طارِقِ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ تَقُولُ: نَحْنُ بَناتُ النَّجْمِ افْتِخارًا بِشَرَفِها، وإنَّما سُمِّيَ النَّجْمُ طارِقًا لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّيْلِ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ قاصِدٍ في اللَّيْلِ طارِقًا، قالَ الشّاعِرُ ألا طَرَقْتَ بِاللَّيْلِ ما هَجَعُوا هِنْدُ ∗∗∗ وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والصَّدُّ وَأصْلُ الطَّرْقِ الدَّقُّ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المِطْرَقَةُ، فَسُمِّيَ قاصِدُ اللَّيْلِ طارِقًا لِاحْتِياجِهِ في الوُصُولِ إلى الدَّقِّ.

وَفِي قَوْلِهِ (اَلنَّجْمُ) الثّاقِبُ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُضِيءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المُتَوَهِّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: المُنْقِصُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: أنَّ الثّاقِبَ الَّذِي قَدِ ارْتَفَعَ عَلى النُّجُومِ كُلِّها، قالَهُ الفَرّاءُ.

الخامِسُ: الثّاقِبُ: الشَّياطِينُ حِينَ تُرْمى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

السّادِسُ: الثّاقِبُ في مَسِيرِهِ ومَجْراهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي هَذا النَّجْمِ الثّاقِبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ.

الثّانِي: الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: (لَمّا) بِمَعْنى إلّا، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ (ما) الَّتِي بَعْدَ اللّامِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

وَفي الحافِظِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أجْلَهُ ورِزْقَهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحافِظُ الَّذِي عَلَيْهِ عَقْلَهُ، لِأنَّهُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ، ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ.

﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: بِمَعْنى أصْلابِ الرِّجالِ وتَرائِبِ النِّساءِ.

وَفي التَّرائِبِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّدْرُ، قالَهُ ابْنُ عِياضٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ.

فَإنْ تُدْبِرُوا نَأْخُذْكم في ظُهُورِكم ∗∗∗ وإنْ تُقْبِلُوا نَأْخُذْكم في التَّرائِبِ الثّانِي: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ إلى الصَّدْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ الرّابِعُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِنَ الجانِبِ الأسْفَلِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ التَّرائِبَ أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يُمْنَةِ الصَّدْرِ وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يُسْرَةِ الصَّدْرِ.

الخامِسُ: أنَّها بَيْنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والعَيْنَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

السّادِسُ: هي عُصارَةُ القَلْبِ، قالَهُ مَعْمَرُ بْنُ أبِي حَبِيبَةَ.

﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى أنْ يَرُدَّ المَنِيَّ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: عَلى أنْ يَرُدَّ الإنْسانَ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: عَلى أنْ يُعِيدَهُ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.

الخامِسُ: عَلى أنْ يَحْبِسَ الماءَ فَلا يَخْرُجُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: عَلى أنْ يُعِيدَهُ إلى الدُّنْيا بَعْدَ بَعْثِهِ في الآخِرَةِ لِأنَّ الكُفّارَ يَسْألُونَ اللَّهَ فِيها الرَّجْعَةَ.

﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ أيْ تَظْهَرُ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ تُبْتَلى بِظُهُورِ السَّرائِرِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اسْتِتارِها في الدُّنْيا.

وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: كُلُّ ما اسْتَتَرَ بِهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وأضْمَرَهُ مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، كَما قالَ الأحْوَصُ سَتُبْلى لَكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ.

الثّانِي: هو ما رَواهُ خالِدٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (اَلْأماناتُ ثَلاثٌ: الصَّلاةُ والصَّوْمُ والجَنابَةُ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الصَّلاةِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدْ صَلَّيْتُ ولَمْ يُصَلِّ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الصَّوْمِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدْ صُمْتُ ولَمْ يَصُمْ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الجَنابَةِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدِ اغْتَسَلْتُ ولَمْ يَغْتَسِلْ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ )» .

﴿ فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُوَّةَ العَشِيرَةُ، والنّاصِرَ: الحَلِيفُ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ في بَدَنِهِ، ولا ناصِرٍ مِن غَيْرِهِ يَمْتَنِعُ بِهِ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَنْتَصِرُ بِهِ عَلى اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ في الِامْتِناعِ، ولا ناصِرٍ في الِاحْتِجاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ والسماء والطارق ﴾ بمكة.

وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ وابن مردويه والطبراني عن خالد العدواني أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ثقيف، وهو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي النصر عندهم، فسمعه يقرأ ﴿ والسماء والطارق ﴾ حتى ختمها.

قال: فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإِسلام.

وأخرج النسائي عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفتان أنت يا معاذ، أما يكفيك أن تقرأ ﴿ والسماء والطارق ﴾ ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [ الشمس: 1] ونحو هذا؟» .

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والسماء والطارق ﴾ قال: أقسم ربك بالطارق وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﴿ والسماء والطارق ﴾ فقال: ﴿ وما أدراك ما الطارق ﴾ فقلت: ﴿ فلا أقسم بالخنس ﴾ [ التكوير: 15] فقال: ﴿ الجواري الكنس ﴾ [ التكوير: 15] فقلت: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ [ النساء: 24] فقال: ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ [ النساء: 24] فقلت: ما هذا؟

فقال: ما أعلم منها إلا ما تسمع.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والسماء والطارق ﴾ قال: وما يطرق فيها ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ قال: كل نفس عليها حفظة من الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال: النجم المضيء ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ قال: إلا عليها حافظ.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ والسماء والطارق ﴾ قال: النجم يخفى بالنهار ويبدو بالليل ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ قال: حفظ كل نفس عمله وأجله ورزقه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ والسماء والطارق ﴾ قال: هو ظهور النجم بالليل، يقول: يطرقك بالليل ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال: المضيء ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ قال: ما كل نفس إلا عليها حافظ.

قال: وهم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك، فإذا توفيته يا ابن آدم قبضت إلى ربك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال: الذي يتوهج.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: ﴿ النجم الثاقب ﴾ الثريا.

وأخرج ابن المنذر عن خصيف ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال: مم يثقب من يسترق السمع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ مثقلة منصوبه اللام.

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فلينظر الإِنسان مم خلق ﴾ قال: هو أبو الأشدين كان يقوم على الأديم فيقول: يا معشر قريش من أزالني عنه فله كذا وكذا، ويقول: إن محمداً يزعم أن خزنة جهنم تسعة عشر، فأنا أكفيكم وحدي عشرة واكفوني أنتم تسعة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: صلب الرجل، وترائب المرأة لا يكون الولد إلا منهما.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبزى قال: الصلب من الرجل والترائب من المرأة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: ما بين الجيد والنحر.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الترائب أسفل من التراقي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والترائب ﴾ قال: تريبة المرأة، وهو موضع القلادة.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: الترائب موضع القلادة من المرأة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال نعم، أما سمعت قول الشاعر: والزعفران على ترائبها ** شرفا به اللبات والنحر وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: صلب الرجل وترائب المرأة أما سمعت قول الشاعر: نظام اللؤلؤ على ترائبها ** شرفاً به اللبات والنحر وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الترائب الصدر.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وعطية وأبي عياض مثله.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: الترائب أربعة أضلاع من كل جانب من أسفل الأضلاع.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: يخلق العظام والعصب من ماء الرجل، ويخلق اللحم والدم من ماء المرأة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: يخرج من بين صلبه ونحره ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: إن الله على بعثه وإعادته لقادر ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ قال: إن هذه السرائر مختبرة فأسروا خيراً وأعلنوه ﴿ فما له من قوة ﴾ يمتنع بها ﴿ ولا ناصر ﴾ ينصره من الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: على أن يجعل الشيخ شاباً والشاب شيخاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: على رجع النطفة في الإِحليل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: على أن يرجعه في صلبه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبزى قال: على أن يرده نطفة في صلب أبيه.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: على إحيائه.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن خيثم ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ قال: السرائر التي تخفين من الناس، وهن لله بواد داووهن بدوائهن، قيل: وما بدوائهن؟

قال: أن تتوب ثم لا تعود.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ تبلى السرائر ﴾ قال: الصوم والصلاة وغسل الجنابة.

وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير مثله.

وأخرج ابن البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضمن الله خلقه أربعة: الصلاة والزكاة وصوم رمضان والغسل من الجنابة، وهن السرائر التي قال الله: ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والسمآء والطارق ﴾ هذه السماء التي أقسم الله بها هي المعروفة.

وقيل: أراد المطر لأن العرب قد تسميه سماء، وهذا بعيد والطارق في اللغة ما يطرق أي يجيء ليلاً، وقد فسره الله هنا بأنه النجم الثاقب وهو يطلع ليلاً، ومعنى الثاقب: المضيء أو المرتفع، فقيل: أراد جنس النجوم وقيل: الثريا لأنه الذي تطلق عليه العرب النجم، وقيل: زحل ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ هذا جواب القسم ومعناه عند الجمهور: أن كل نفس من بني آدم عليها حافظ يكتب أعمالها، يعني: الملائكة الحفظة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: أن لكل نفس حفظة من الله يذبون عنها كما يذب عن العسل، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الآفات والشياطين وإن صح هذا الحديث فهو المعوّل عليه.

وقرئ لما عليها بتخفيف الميم، وعلى هذا تكون إن مخففة من الثقيلة واللام للتأكيد وما زائدة وقرئ لما بالتشديد وعلى هذا تكون إن نافية ولما بمعنى الايجاب بعد النفي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وعاصم وحمزة ويزيد.

الوقوف ﴿ الطارق ﴾ ه لا ﴿ الطارق ﴾ ه ك ﴿ الثاقب ﴾ ه ك ﴿ حافظ ﴾ ه ط ﴿ مم خلق ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ دافق ﴾ ه لا ﴿ والترائب ﴾ ه ط ﴿ لقادر ﴾ ه ك بناء على أن الظرف مفعول " اذكر " ومن جعل ﴿ يوم ﴾ ظرفاً للرجع وهو أولى لم يقف.

﴿ السرائر ﴾ ه لا ﴿ ولا ناصر ﴾ ه ط ﴿ الرجع ﴾ ه ﴿ الصدع ﴾ ه ك ﴿ فصل ﴾ ه ك ﴿ بالهزل ﴾ ه ط ﴿ كيداً ﴾ ه لا ﴿ كيداً ﴾ ج ه ﴿ رويداً ﴾ ه.

التفسير: إنه  أكثر في كتابه الكريم الأقسام بالسمويات لأن أحوالها في مطالعها ومغاربها ومسيراتها عجيبة.

أما الطارق فهو كل ما ينزل بالليل ولهذا جاء في الحديث التعوّذ من طوارق الليل.

وذكر طروق الخيال في أشعار العرب كثير لأن تلك الحالة تحصل في الأغلب ليلاً، وقد نهى رسول الله  أن يأتي الرجل أهله طروقاً.

ثم إنه  بين أنه أراد بالطارق في الآية ﴿ النجم الثاقب ﴾ أي هو طارق عظيم الشأن رفيع القدر وهو جنس النجم الذي يهتدى به في ظلمات البحر والبر.

قال علماء اللغة: سمي ثاقباً لأنه يثقب الظلام بضوئه كما سمي درياً لأن يدرأوه أي يدفعه، أو لأنه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء، أو لأنه إذا رمي به الشيطان ثقبه أي نفذ فيه وأحرقه.

وقد خصه بعضهم بزحل لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات.

وقال ابن زيد: هو الثريا.

وروى أن أبا طالب أتى النبي  فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ما ثم نوراً ففزع أبو طالب وقال: أيّ شيء هذا؟

فقال  : هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله فعجب أبو طالب ونزلت السورة.

من قرأ ﴿ لما ﴾ مشدّدة بمعنى " إلا " فـ " إن " نافية.

ومن قرأها مخففة على أن " ما " صلة كالتي في قوله ﴿ فبما رحمة  ﴾ فـ " إن " مخففة من المثقلة.

والآية على التقديرين جواب القسم.

والحافظ هو الله أو الملك الذي يحصي أعمال العباد كقوله ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ أو الذي يحفظ الإنسان من المكاره حتى يسلمه إلى القبر.

وعن النبي  " "وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين" أو الذي يحفظ عليه رزقه وأجله حتى يستوفيهما.

وحين ذكر أن على كل نفس حافظاً أتبعه بوصيته للإنسان بالنظر في مبدئه ومعاده.

والدفق صب فيه دفع، ولا شك أن الصب فعل الشخص فهو من الإسناد المجازي أو على النسبة أي ماء ذي دفق كما مر في ﴿ عيشة راضية  ﴾ ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب أن أكثره ينفصل من هذين الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والذي ينفصل من اليدين ومن الدماغ يمر عليهما أيضاً.

وطالما أعطى للأكثر حكم الكل وهذا المعنى يشمل ماء الرجل وماء المرأة، ويحتمل أن يقال: أريد به ماء الرجل فقط إما بناء على حكم التغليب وإما بناء على مذهب من لا يرى للمرأة ماء ولا سيما دافقاً.

وذهب جم غفير إلى أن الذي يخرج من بين الصلب ومادّته من النخاع الآتي من الدماغ هو ماء الرجل، والذي يخرج من الترائب وهي عظام الصدر الواحدة تريبة هو ماء المرأة.

وإنما لم يقل من ماءين لاختلاطهما في الرحم واتحادهما عند ابتداء خلق الجنين.

وقد يقال: العظم والعصب من ماء الرجل، واللحم والدم من ماء المرأة، وقد ورد في الخبر أن أيّ الماءين علا وغلب فإن الشبه يكون منه.

ثم بين قدرته على الإعادة بقوله ﴿ إنه على رجعه ﴾ أي على إعادة الإنسان ﴿ لقادر ﴾ يعني بعد ثبوت قدرته على تكوين الإنسان ابتداء من نطفة حقيرة وجب الحكم بأنه قادرعلى رجعه.

وعن مجاهد أن الضمير في ﴿ رجعه ﴾ يعود إلى الماء والمراد إنه قادر على ردّ الماء إلى الإحليل.

وقيل: إلى الصلب والترائب وهذا قول عكرمة والضحاك.

وقال مقاتل بن حيان: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة.

والقول هو الأول بدليل قوله ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ أي يمتحن ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال الحسنة أو القبيحة، وحقيقة البلاء في حقه  ترجع إلى الكشف والإظهار كقوله ﴿ ونبلو أخباركم  ﴾ ويحتمل أن يعود البلاء إلى المكلف كقوله ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت  ﴾ ومثله قول ابن عمر: يبدي الله يوم القيامة كل سرّ منها فيكون زيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه.

يعني من أدّاها كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجهه مغبراً.

ثم نفى القوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان يومئذ بقوله ﴿ فما له من قوّة ولا ناصر ﴾ ثم أكد حقية القرآن الذي فيه هذه البيانات الشافية والمواعظ الوافية فقال ﴿ والسماء ذات الرجع ﴾ أي المطر لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً على سبيل التفاؤل أو زعماً منهم أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعها إليها.

والصدع ما تتصدع عنه الأرض من النبات.

وقيل: الرجع الشمس والقمر يرجعان بعد مغيبهما، والصدع الجبلان بينهما شق وطريق.

والضمير في ﴿ إنه ﴾ للقرآن والفصل الفاصل بين الحق والباطل كما قيل له " فرقان ".

وقال القفال: أراد إن هذا الذي أخبرتكم به من قدرتي على الرجع كقدرتي على الإبداء قول حق.

ثم أكد حقيته بقوله ﴿ وما هو بالهزل ﴾ لأن اليبان الفصل لا يذكر إلا على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وأعلاها أن يكون خاشعاً باكياً كقوله ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ ثم سلى نبيه وحثه على الصبر الجميل فقال ﴿ إنهم ﴾ يعنى أشراف مكة ﴿ يكيدون كيداً ﴾ في إطفاء نور الحق وذلك بإلقاء الشبهات والطعن في النبوّة والتشاور في قتل النبي  كقوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ ﴿ وأكيد كيداً ﴾ سمي جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدّة العذاب كيداً.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فمهل الكافرين ﴾ أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به.

ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة ووصف الإمهال بقوله ﴿ رويداً ﴾ أي سهلاً يسيراً.

والتركيب يدل على الرفق والتأني ومنه قولهم في باب أسماء الأفعال " رويد زيداً " أي أروده إرواداً وأرفق به فكأنه  قال: مهل مهل مهل ثلاث مرات بثلاث عبارات وهذه نهاية الإعجاز.

وأجل الإمهال يوم بدر أو يوم القيامة وهذا أولى ليعم التحذير عن مثل سيرتهم ويتم الترغيب في خلاف طريقهم والله المستعان على ما تصفون.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ﴾ : إن الله - جل وعلا - عظم قدر السماء في أعين الخلق؛ لما جعلها معدن رزقهم ومسكن أولي القدر من خلقه، وهم الملائكة، وفيها خلق الجنة، وخلقها بغير عمد ترى، فأقسم بها؛ لما عظم من شأنها، وجعل مصالح الأغذية بزينتها، وهي الشمس والقمر، وأقسم بالنجم الثاقب، وهو المتلآلئ من النجوم المضيء الذي يثقب الشيطان، [أي: يخرقه]، ولما فيها - أيضا - من عظيم البركات، وبركاتها أنها جعلت بحيث يهتدى بها في البر والبحر، ويوصل بها إلى لطائف التدبير إلى أن ظن بعض الناس أن الأنجم السبعة هي المدبرات، وبها ما منع الشياطين عن الصعود إلى السماء لينتفي بها التلبيس عن الوحي؛ لأنهم لو لم يحفظوا عنها، لكانوا إذا وقفوا على أخبارها أسرعوا بحملها إلى الكهنة؛ فيؤدي ذلك إلى التلبيس.

ومن عظيم قدرها أنها تقطع في الليلة الواحدة مسيرة ألف شهر، فأقسم بها أيضا.

ويجوز أن يكون هذا من الله -  - تعليما لرسوله -  - بأن يقسم به دون أن يكون ذلك قسما منه  ؛ لأنهم لم يكونوا يرتابون في ألوهيته وربوبيته وصدق أخباره؛ فيزال عنهم الريب بالقسم، وإنما كانوا يرتابون في راسلة محمد  ، فعلمه القسم بما ذكر؛ ليؤكد أمره؛ فيحملهم ذلك على النظر في أمره.

ويجوز أن يكون القسم بعين هذه الأشياء؛ لكونها معظمة عند الكفرة، وليس للمسلمين أن يقسموا بها فيما بينهم.

أو يكون القسم بهذه الأشياء هو القسم بخالقها؛ فكأنه أمره بالقسم بخالق هذه الأشياء على الإضمار، والله أعلم.

واختلف في تأويل ﴿ وَٱلطَّارِقِ ﴾ : فقال بعضهم: ما يجيء به الليل؛ يقال: طرقته بالليل؛ إذا أتيته.

وقال الزجاج: ﴿ وَٱلطَّارِقِ ﴾ : هو الساكن؛ يقال: أطرق في الكلام مليا؛ إذا وقف، وسكن.

وقال بعضهم: هو النجم يطرق بالليل، ويخفى بالنهار، وهو النجم الثاقب، ذكره تفسيرا للطارق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ إِن ﴾ : قال بعضهم: أريد به هاهنا: "ما".

وقوله: ﴿ لَّمَّا ﴾ صلة في الكلام، فمعناه: ما كل نفس عليها حافظ، وإنما الحافظ على بعض دون بعض.

والثاني: أن يكون الحافظ على بعض ما في النفس دون بعض، وذلك البعض هو الذي يظهره، فأما الذي يخفيه فإنه لا يشهده كاتباه.

ومنهم من حمل [قوله  ] ﴿ لَّمَّا ﴾ على الاستثناء، فقال: معناه: ما من نفس إلا عليها حافظ.

قال الزجاج: حرف ﴿ لَّمَّا ﴾ استعمل في موضع الاستثناء، يقال في اللغة: "أقسم عليك لما فعلت كذا": أي: إلا فعلت كذا.

فإن كان معناه ما ذكروا، ففيه إلزام التيقظ والتبصر، والنفس من طبعها: أنه إذا سلط عليها من يراقبها ويحفظها، احتشمت من وقتها وخافته، وتكون متيقظة، ولا ترتكب من الأمور إلا ما تعلم أنه لا يلحقها التبعة فيه من الحفاظ؛ فسلط عليه الملكان - أيضا - ليكون متيقظا في كل قول وفعل، فلا يقبل إلا على ما فيه نفع العاجل والآجل.

وسمى الله -  - الملكين: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ  ﴾ ، ومن صحب المكرم من الخلائق احتشم منه، وتوقى عن إتيان ما يُستحْيا من مثله، ومن أراد أن يكتب إلى أحد كتابا، لم يثبت في كتابه شيئا يؤخذ عليه، ويذم به، بل يحكم الأمر، ويصلحه غاية ما يحتمله الوسع؛ فكان في ذكر الحفاظ على الأنفس إلزام التيقظ والتبصر من الوجوه التي ذكرنا.

وقوله: عز وجل -: ﴿ حَافِظٌ ﴾ : قال بعضهم: يحفظ عليها رزقها حتى تستوفيه؛ فإن كان على هذا، فالحفظ يكون لها لا عليها.

وقال بعضهم: يحفظ عليها عملها خيرها وشرها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ : الأصل أن إمعان النظر فيما خلق منه الإنسان مما يوصل المنكرين للبعث والمنكرين للرسالة إلى القول بهما، وذلك أن النطفة التي خلق منها الإنسان لو رئيت موضوعة على طبق، ثم رام أحد أن يعرف وأن يتنزع منها المعنى الذي به صلح أن ينشأ منها العلقة والمضغفة وخلق منها الإنسان - لم يدرك، ولو اجتمع الإنس والجن على أن يركبوا عليها جارحة من جوارح الإنسان، لم يتهيأ لهم تركيبها، أو تعرّف المعنى الذي صلح أن ينشأ منه السمع والبصر، لم يوقفوا عليه؛ فتبين أن الذي بلغت قدرته هذا لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، وتبين لهم حكمته، وإذا عرفوا حكمته أداهم ذلك إلى القول بالبعث؛ لأنه لولا البعث وإلا كان يخرج إنشاء الخلق عبثا باطلا؛ فيخرج عن أن يكون حكيما، ولزمهم أن يصدقوا الرسل بجميع ما أخبرتهم به.

وفيه دلالة خلق الشيء لا من شيء؛ إلا يجوز أن يكون الإنسان بكليته في النطفة مستجنا، فظهر؛ لأنه لا يسمع في الشيء الواحد ما لا يحصى ذلك من الأضعاف، ولا يجوز أن يكون ذلك عمل النطفة - أيضا - لأنها موات، لا يحتمل أن تصير كذلك إلا بتدبير مدبر عليم، فيكون فيما ذكرنا إيجاب القول بحدوث العالم.

ولأنها صارت مضغة وعلقة وخلقا سويا بطبعها، لكانت لا تخلو نطفة إلا وهي تنتقل إلى ما ذكرنا؛ ألا ترى أن النار لما كان من طبعها الإحراق، والثلج إذ كان من طبعه التبريد، لم يجز أن ينتقل واحد منهما عن طبعه الذي أنشئ عليه.

ثم قد وجدنا نطفا تخلو عن هذه المعاني التي ذكرنا؛ فثبت أنها نقلت إلى ما ذكرنا بتدبير مدبر حكيم، لا بطبعها.

ثم الأعجوبة فيما فيه خلق الإنسان ليست بأقل من الأعجوبة مما منه خلق، وذلك أن الإنسان خلق في الظلمات على ما أراد الله  ، وصوره كيف شاء، ولو أراد أحد أن يعلم علم ذلك، أو يصور مثله في حالة العيان لم يملك، وجعل ذلك المكان فيما ينمو فيه الولد، ويغذو فيه خصوصا من بين سائر الأماكن، ولو أراد حكماء الإنس والجن أن يعرفوا الوجه الذي به يصلح ذلك المكان للنماء الغذاء، وأعملوا فيه فنون العلم، لم يعرفوا، فمن تكفر فيما ذكرنا، علم أن قدرته ذاتية لا يلحقها فناء ولا عجز، وعلم أ ن علمه ذاتي ليس بمكتسب؛ فيتوهم خفاء الأمور عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ يعني: النطفة التي يدفقها الرجل في الرحم، والدافق: معناه: مدفوق؛ أي: يدفق به؛ كقولك: "ليل نائم"، أي: ينام فيه، و"هم ناصب"، أي: ينصب به.

وقال الزجاج: ﴿ مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ أي: ذي اندفاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ اختلف في تأويله.

فمنهم من يقوله: بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي الأضلاع الثمانية: أربع عن يمينها، وأربع عن يسارها.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ هي الأطراف.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ موضع القلادة منها.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ ما دون التراقي وفوق الصدر.

ثم من الناس من صرف تأويلها إلى الرجل خاصة، فقال: قوله: ﴿ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ أريد به: صلب الرجل وترائبه، وزعم أن الماء الذي يكون منه الولد ليس معدنه الصلب خاصة؛ بل يجتمع من أطرافه كلها.

ومن حمله على المعاني الأخر صرف الأمر إليهما جميعا، وهو أن الماء الذي يخلق منه الولد يكون منهما جميعا.

و[كذلك] ذكر أبو بكر الأصم أن ﴿ ٱلصُّلْبِ ﴾ كناية عن الرجل، ﴿ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ كناية عن المرأة؛ فيكون هذا اسما لهما مأخوذا عن أصل ما يكون منهما؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ...

 ﴾ ، فأضاف الأبناء إلى الأصلاب.

وي إخراج الماء من بين الصل والترائب لطف من الله  ؛ لأنه لو اجتهد الخلائق باستخراجه من بين ما ذكر بحيلهم وقواهم ووضعه في الرحم، لم يقدروا عليه، ثم الله بلطفه وضع هذه الشهوة فيما بين الخلق، واستخرج بها الماء من بين الصلب والترائب، لا أن يكون أحد يملك إخراجها بالأسباب والحيل، كما وضع فيهم شهوة الأكل والشراب، [فمتى ما أكلوا وشربوا، وقرَّا قرارهما، ظهر من قوة الطعام والشراب] في كل جارحة من جوارح الأكل باللطف، لا أن يكون ذلك العمل بالأكل والشرب خاصة، وكذلك يرى الإنسان إذا سقى أصل شجرة ظهرت منفعة السقي في أغصانها وأوراقها وأثمارها، ولو أراد أحد أن يعرف أنه لأي معنى صلح أن يكون الماء بالمحل الذي ذكرنا؟

وأراد أن يستخرج المعنى المجعول في الطعام من الوقة التي ذكرنا - لم يتدارك ذلك؛ فيكون فيما ذكرنا أبلغ حجة على الثنوية؛ لأنهم ينكرون خلق الأشياء لا عن أشياء، وزعموا أنا لم نشاهد كون الشيء لا من شيء، والشاهد دليل الغائب؛ فلزم ذلك في الذي غاب عنا، فمن قدر على تصوير الولد في تلك الظلمات، وفي الأماكن الضيقة وقدر أن الذي غاب عنا، فمن قدر على تصوير الولد في تلك الظلمات، وفي الأماكن الضيقة وقدر أن يجعل في الماء والطعام المعاني التي يعجز الخلق عن استدراكها - لقادر على إنشاء الخلق لا من شيء؛ إذا الأعجوبة فيما ذكرنا ليست بدون الأعجوبة عن إنشاء شيء لا من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾ قال بعضهم: إنه على رده إلى صل أبيه لقادر.

وقال بعضهم: إنه على بعثه لقادر؛ هذا أشبه التأويلين؛ لأن الآية في موضع الاحتجاج على الكفرة ولم يذكر عن أحد التنازع في نفى الرد إلى الصلب وإنكاره حتى يدفع المنازعة بهذا، وكانوا أهل إنكار بالبعث؛ فاحتج عليهم [بابتداء الخلقة، وكذلك أكثر ما جرى به الاحتجاج في إثبات البعث في القرآن، إنما احتج عليهم] بالابتداء.

وإن كان التأويل على رده إلى صلب أبيه، فوجه الرد هو أن يرد من حالة الشيب إلى حالة الشباب، ثم من حالة الكبر إلى حالة الصغر، ثم إلى حالة الطفولة، ثم يرد مضغة، ثم يرد علقة، ثم نطفة، ثم ترد النطفة إلى صلب أبيه؛ [لا أن] يوصف الله -  - بالقدرة على رده وهو على حاله نسمة عظيمة إلى صلب أبيه مع ضيق ذلك المكان.

ولأن هذا محال، والله  لا يوصف بالقدرة على المحال، وليس فيما لا يوصف بالقدرة على المحال نفي القدرة على عنه في الأزل، وبهذا يجاب من سأل فقال: أيقدر الله -  - على إدخال الدنيا في بيضة؟

فيقال [له]: إن أردت إدخالها في البيضة بأن يصغر الدنيا ويضيقها حتى يجعلها أضيق من البيضة، أو يوسع البيضة حتى تسع الدنيا - فه على ذلك قادر.

وإن أردت أنه قادر على إدخالها فيها على إبقاء البيضة بحالها وبقاء الدنيا بحالها، فهذا محال؛ لما فيه من انقلاب العبض كلا، والكل بعضا؛ك فكذلك يوصف الله -  - [بالقدرة] على رد النسمة إلى الصلب بالوجه الذي ذكرنا، لا أن يردها على ما هي عليه إلى الصلب؛ لما في ذلك من الإحالة، وكذلك إذا سألنا عن حركات أهل الجنة والسكون هل لهما غاية.؟.

فنقول: لا.

فإن قالوا: هل يعلم الله -  - غايتها وعددها.

فنقول له: يعلمها غير منقطعة، لا أن يعلمها منقطعة، ولم يكن قولنا: إنه لم يعلمه منقطعا إثبات الجهل ولا نفي العلم عنه؛ بل الجهل إنما يتحقق إذا وصف بالعلم بالانقطاع فيما لا ينقطع، فكذلك ليس في نفي الوصف بالقدرة على المحال إثبات عجزه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ ﴾ ، أي: يظهر ما كان أخفى منها؛ فجائز أن يكون الإظهار منصرفا إلى التي لم يطلع عليها الملائكة؛ فتكتبها عليه، فيذكره الله -  - تلك السرائر كيف شاء، فيقررها عليه، أو تنطق جوارحه بها كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

أو يكون إظهار القراءة ما عليه؛ فيظهر ذلك للخلق، وإن كان قد أسرها عنهم في الدنيا، ثم سمى ذلك: ابتلاء؛ لأن الابتلاء هو الاختبار، وإنما يكون الابتلاء بالسؤال، أو بالأمر والنهي، فسمى ما يسأل عنه في الآخرة: ابتلاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن ليست له قوة في كتمان ذلك على نفسه، ولا له قوة نفي العذاب عن نفسه لو كنتم.

أو ما له من قوة يمتنع بها، ولا ناصر يمنعه عن نزول العذاب به.

ووجهه: أن الكفار كانوا يتفخرون بقواهم وكثرة أنصارهم في الدنيا فكانوا يظنون أنهم لو أريدوا بالتعذيب، دفعوا ذلك بأنصارهم، وبما لهم من القوى؛ فيخبر الله -  - أن قوةاهم وكثرة أنصارهم لا تنفعهم في الآخرة، ولا تدفع عنهم بأس الله  ، وكانوا يعبدون الأصنام؛ لتقربهم إلى الله -  - وتنصرهم من العذاب؛ كما قال: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ؛ فبين أنها لا تغني عنهم من الله -  - شيئا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو النجم يثقب السماء بضيائه المتوهج.

<div class="verse-tafsir" id="91.9woab"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ  وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ  النَّجْمُ الثَّاقِبُ  ﴾ يقسم سبحانه بالسماء -وقد قلنا إنها كل ما علانا- فهو قسم بالعالم العلوي وما فيه.

ثم خصص بعض ما في ذلك العالم السماوي وأقسم بالطارق.

والطارق عندهم: كل ما أتاك ليلًا.

ولما كان اللفظ عامًا، والمقسم به كائن معين، وشيء خاص مما يصدق عليه الطارق -أراد أن يبين ما قصد منه بما يدل على تفخيم أمره، وتعظيم شأنه (وما أدراك ما الطارق)، وهو استفهام يقصد به -في عرف خطابهم- تعظيم المستفهم عنه، كأنه -في فخامة شأنه- مما لا تمكن إحاطة الإدراك به.

فيقال وما الذي يدريك ما هو كذا؟

(والنجم الثاقب) جنس النجم الذي يثقب ضوؤه الظلماء، كأن الظلام جلد أسود والنجم يثقبه، وإنما عظم الله امره لما فيه من الهداية الحسية والمعنوية والشؤون الأخرى التي يعلمها الله ويعلمها الراسخون في علوم أسراره في خليقته.

وإنما سمي النجم الثاقب بالطارق، لأنه لا يظهر إلا ليلًا، وضوء الشمس في النهار يخفيه (إن كل نفس لما عليها حافظ) قرء (لما) بالتشديد و(لما) بالتخفيف.

والمشددة بمعنى إلا، و "إن" معها تكون نافية.

والمخففة مركبة من اللام و "ما" الزائدة في الإعراب، و "إن" كانت لمعنى التأكيد، وتكون "إن" مخففة من إن.

وعلى كلتا القراءتين فالمعنى أن كل نفس عليها حافظ ورقيب يراقبها في جميع أطوار وجودها حتى تنتهي إلى أجلها، وذلك الحافظ الرقيب هو الله، وهذا هو المقسم عليه.

فالله جل شأنه يقسم لنا أن كل نفس من الأنفس عليها رقيب، وليس في النفوس نفس أهملت من رعاية ذلك الرقيب المدبر لشؤونها.

فإذا ارتاب مرتاب في ذلك (فلينظر الإنسان مم خلق) إلخ فقوله: فلينظر الإنسان، بمنزلة الدليل على الدعوى المقسم عليها زيادة في التأكيد.

ووجه ذلك أن الماء الدافق من المائع الذي لا تصوير فيه ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء ونحوها.

ثم إن هذا السائل ينشأ خلقًا كاملًا كالإنسان، مملوءًا بالحياة والعقل والإدراك، قادرًا على القيام بخلافته في الأرض.

فهذا التصوير والتقدير، وإنشاء الأعضاء والآلات البدنية، وإيداع كل عضو من القوة ما به يتمكن من تأدية عمله في البدن، ثم منح قوة الإدراك والعقل، كل هذا يستحيل أن يكون بدون حافظ يراقب ذلك كله ويدبره، وهو الله جل شأنه.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ  ﴾ من قبيل التفريع على ما ثبت في القضية الأولى.

كأنه يقول فإذا عرفت أن كل نفس عليها رقيب، فمن الواجب على الإنسان أن لا يهمل نفسه، وأن يتفكر في خلقه، وكيف كان ابتداء نشوئه ليصل بذلك إلى أن الذي أنشأه أول مرة قادر على أن يعيده، فيأخذ نفسه بصالح الأعمال والأخلاق، ويعدل بها عن سبل الشر، فإن عين الرقيب لا تغفل عنها في حال من الأحوال.

و(الصلب) هو كل عظم من الظهر فيه فقار.

ويعبر عنه في كلام العامة بسلسلة الظهر.

وقد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقًا لاسم الجزء على الكل.

و(الترائب) موضع القلادة من الصدر، وكنى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأة.

أي أن ذلك الماء الدافق إنما يكون مادة لخلق الإنسان إذا خرج من بين الرجل والمرأة، ووقع في المحل الذي جرت عادة الله أن يخلقه فيه، وهو رحم المرأة.

فقوله ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنَ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ  ﴾ وصف لا بد من ذكره لبيان أن الإنسان إنما خلق من الماء الدافق المستوفي شرائط صحة الخلق منه.

بعد ما لفت الإنسان ووجه نظره إلى بدء نشأته ليعلم أنه في أطوار خلقته ومدة بقائه في قبضة مدبر حفيظ عليه، ساقه إلى نتيجة أخرى لذلك النظر يسهل الوصول إليها بعد أحكامه، وهي أن الذي قدر على خلقه من الماء الدافق الذي لا صورة فيه ولا تقدير ولا مثال فيه للشخص المخلوق، قادر على أن يرجع هذا الشخص بعد موته، بل هذا أسهل وأيسر لسبق مثال الشخص وتقدم صورته في الخلق الأول، فقال سبحانه ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ  يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ  ﴾ فهذه الآية استئناف كلام لبيان نتيجة من نتائج النظر السابق، أي اعلم -بعد ما أحكمت نظرك- أن الله قادر على إزعاجك وإعادتك إلى الحياة في ذلك اليوم إلى يوم القيامة.

وهو اليوم الذي تبلى فيه السرائر، وتتصفح الضمائر، ويظهر الطيب والخبيث، فلا يبقى في سريرة سر، بل تنقلب كل خفية إلى الجهر، فلا يكون جدال ولا حجاج، ولا يستطيع المسيء أن يقول قد كنت محسنًا، ولا يبقى لذوي الأعمال إلا انتظار الجزاء على ما قدموا: فإما حلول عقاب، وإما مصير إلى حسن ثواب، ولا تكون لأحد قوة على الإفلات مما قدر له جزاء لعمله إن كان سيئًا، ولا ناصر ينصره فيحميه مما حتم عليه أن يقع فيه.

وهذا هو معنى ترتيب قوله ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ  ﴾ على قوله ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ  ﴾ .

بعد أن أكد سبحانه بالقسم الأول على أن على الأنفس رقيبًا، واستدل عليه، وذلك إثبات للألوهية، وتقرير لإحاطة علم الله وقدرته بالأنفس في جميع أطوارها -وهو الركن الأول من أركان عقائد الدين- وبعد أن بيَّن قدرته على إعادة الإنسان بعد موته -وهو إثبات لليوم الآخر الذي هو الركن الثاني- جاء بنا إلى الركن الثالث من أركان عقائد الدين، وهو رسالة سيدنا محمد  ، فابتدأ الكلام فيه بقسم أيضًا لشدة نزاع الجاحدين فيها حيث قال ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ  ﴾ إلخ.

إن الله يقسم بالأمر له مزية يعرفها المخاطب إعظامًا لتلك المزية.

لهذا قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ  ﴾ .

الرجع في لسان العرب هو الماء.

وأمتع شيء ينتظره المخاطبون من السماء هو الماء ماء المطر.

ومن فسر الرجع بالمطر لم يبتعد عن المعنى.

(والصدع) النبات، لأنه يصدع الأرض، أي يشقها، وأفضل ما تميل إليه الأنفس من الأرض نباتها.

أقسم بالسماء التي تفيض عليكم بمائها، والأرض التي تقيم معاشكم بنباتها، أن هذا القول الذي جاءكم به محمد  لقول فصل، أي حق واضح ولا مجال للريب فيه، فلا تشتبك فيه الظنون، ولا تتلاحم الأوهام، ولا يعود إليه نقض، وهو لذلك جد الجد فلا يكون هزلًا.

بعد أن بيّن الأركان الثلاثة لعقائد الدين: وهي الألوهية والمعاد والرسالة -أخذ يذكرنا بحال الجاحدين للحق المحاربين له بقوله ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا  ﴾ الكيد: المكر.

فإذا أسند إلى الله للمشاكلة -كما في هذه الآية- أريد منه لازمه، وهو الوصول بالعامل إلى عاقبة عمله من حيث لا يشعر بها.

وقد يكون المكر والكيد إيقاع المكروه على غرة، وأخذ الممكور به من حيث لا يعلم كيف أُخذ.

فيكون استعماله في جانب الحق على الحقيقة لأن الله يمهل الحائدين عن أمره الصادين عن سبيله، ثم يأخذهم وهم نائمون على فراش الأمن، وهذا هو ما يعبر عنه في اللغة بالمكر.

وإن كان في جانب المخلوق يحتاج إلى حيلة لأن لا قوة له هو ما يعبر عنه في اللغة بالمكر.

وإن كان في جانب المخلوق يحتاج إلى حيلة لأنه لا قوة له على مثل هذا إلا بالحيلة، وفي جانب الخالق يتبرأ من الحيلة لأنه -جل شأنه- له الحول كله والقوة جميعها.

يقول -والله أعلم- إن الذين يحرصون على ما كانوا عليه، ولا يستمعون قولك فيما تدعوهم إليه، ويزينون للناس مشايعتهم على أهوائهم، ويموهون الأباطيل ليخدعوا بها عقولهم، أولئك قوم ماكرون خادعون لا يريدون بك ولا بمن ينخدع لهم إلا السوء.

غير أني قد قضيت بأن لا مفر لهم من عاقبة أمرهم، ولا محيد لهم عما تؤدي إليه سيئات أعمالهم، فيصيبهم العقاب من حيث لا يشعرون، فلا يحزنك ما ترى منهم، ولا تستبطئ حلول النكال بهم، بل مهلهم.

أي لا تستعجل عقابهم.

و ﴿ أَمْهِلْهُمْ  ﴾ بمعنى مهلهم، فهو بدل منه للتأكيد، أو تكرير بلفظ آخر للتأكيد كذلك.

و (رويدًا) أي قليلًا.

وفي ذلك وعيد شديد لهم بأن ما يصيبهم قريب، سواء كان في الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت.

ثم فيه الوعد للنبي  ، بل لكان داع إلى الحق الذي جاء به، أنه سيبلغ من النجاح ما يستحقه عمله، وأن المناوئين له هم الخاسرون.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله