الآية ٥ من سورة الطارق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 86 الطارق > الآية ٥ من سورة الطارق

فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الطارق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الطارق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فلينظر الإنسان مم خلق ) تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه ، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد ; لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى ، كما قال : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) يقول تعالى ذكره: فلينظر الإنسان المكذّب بالبعث بعد الممات، المُنكر قُدرة الله على إحيائه بعد مماته، ( مِمَّ خُلِقَ ) يقول: من أيّ شيءٍ خلقه ربه، ثم أخبر جلّ ثناؤه عما خلقه منه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي ابن أدم " مم خلق " وجه الاتصال بما قبله توصية الإنسان بالنظر في أول أمره , وسنته الأولى , حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل ليوم الإعادة والجزاء , ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره .و " مم خلق " ؟

استفهام أي من أي شيء خلق ؟

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ } أي: فليتدبر خلقته ومبدأه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"فلينظر الإنسان مم خلق"، أي من أي شيء خلقه ربه، أي فلينظر نظر المتفكر.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلينظر الإنسان» نظر اعتبار «ممَّ خُلق» من أي شيء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلينظر الإنسان المنكر للبعث مِمَّ خُلِقَ؟

ليعلم أن إعادة خلق الإنسان ليست أصعب من خلقه أوّلا خلق من منيٍّ منصبٍّ بسرعة في الرحم، يخرج من بين صلب الرجل وصدر المرأة.

إن الذي خلق الإنسان من هذا الماء لَقادر على رجعه إلى الحياة بعد الموت.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أعمالها ، أتبع ذلك بأمر الإِنسان بالتفكر فيما ينفعه ، بأن يعتبر بأول نشأته ، وليعلم أن من خلقه من ماء مهين ، قادر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى ، فقال - تعالى - : ( فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ .

خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ .

يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب .

.

.

) .والفاء فى قوله ( فَلْيَنظُرِ .

.

.

) للتفريع على ما تقدم ، وهى بمعنى الفصيحة .أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم - أيها الناس - ، من أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أقوالها وأفعالها .

.

فلينظر الإِنسان منكم نظر تأمل وتدبر واعتبار ، وليسأل نفسه من أى شئ عليها أقوالها وأفعالها .

.

فلينظر الإِنسان منكم نظر تأمل وتدبر واعتبار ، وليسأل نفسه من أى شئ خلق؟

لقد خلقه الله - تعالى - بقدرته ، من ماء متدفق ، يخرج بقوة وسرعة من الرجل ، ليصب فى رحم الأنثى .وهذا الماء الدافق من صفاته أنه يخرج من بين صلب الرجل ، ومن بين ترائب المرأة ، حيث يختلط الماءان ، ويتكون منهما الإِنسان فى مراحله المختلفة بقدرة الله - تعالى - .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه اتصال قوله : ( فلينظر ) بما قبله؟قلت : وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظا ، أتبعه بتوصية الإِنسان بالنظر فى أول أمره .

ونشأته الأولى ، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه ، فيعمل ليوم الإِعادة والجزاء ، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره فى عاقبته ." مم خلق " استفهام جوابه : ( خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ) ، والدفق : صَبٌّ فيه دفع .ومعنى " دافق " النسبة إلى الدفق الذى هو مصدر دفق ، كالابن والتامر .

أو الإِسناد المجازى ، والدفق فى الحقيقة لصاحبه .ولم يقل ماءين لامتزاجهما فى الرحم ، واتحادهما حين ابتدئ فى خلقه .

.وقال بعض العلماء : قوله : ( خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ) أى : من ماء ذى دفق .

.

وكل من منى الرجل .

ومنى المرأة ، اللذين يتخلق منهما الجنين ، ذو وفق فى الرحم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: الدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء، أي صببته وهو مدفوق، أي مصبوب، ومندفق أي منصب، ولما كان هذا الماء مدفوقاً اختلفوا في أنه لم وصف بأنه دافق على وجوه: الأول: قال الزجاج: معناه ذو اندفاق، كما يقال: دراع وفارس ونابل ولابن وتامر، أي درع وفرس ونبل ولبن وتمر، وذكر الزجاج أن هذا مذهب سيبويه الثاني: أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل.

قال الفراء: وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم، يجعلون المفعول فاعلاً إذا كان في مذهب النعت، كقوله سر كاتم، وهم ناصب، وليل نائم، وكقوله تعالى: ﴿ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ  ﴾ أي مرضية الثالث: ذكر الخليل في الكتاب المنسوب إليه دفق الماء دفقاً ودفوقاً إذا انصب بمرة، واندفق الكوز إذا انصب بمرة، ويقال في الطيرة عند انصباب الكوز ونحوه: دافق خير، وفي كتاب قطرب: دفق الماء يدفق إذا انصب الرابع: صاحب الماء لما كان دافقاً أطلق ذلك على الماء على سبيل المجاز.

المسألة الثانية: قرئ الصلب بفتحتين، والصلب بضمتين، وفيه أربع لغات: صلب وصلب وصلب وصالب: المسألة الثالثة: ترائب المرأة عظام صدرها حيث تكون القلادة، وكل عظم من ذلك تريبة، وهذا قول جميع أهل اللغة.

قال امرؤ القيس: ترائبها مصقولة كالسجنجل *** المسألة الرابعة: في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الولد مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة.

وقال آخرون: إنه مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائبه، واحتج صاحب القول الثاني على مذهبه بوجهين: الأول: أن ماء الرجل خارج من الصلب فقط، وماء المرأة خارج من الترائب فقط، وعلى هذا التقدير لا يحصل هناك ماء خارج من بين الصلب والترائب، وذلك على خلاف الآية الثاني: أنه تعالى بين أن الإنسان مخلوق ﴿ مِن مَّاء دَافِقٍ ﴾ والذي يوصف بذلك هو ماء الرجل، ثم عطف عليه بأن وصفه بأنه يخرج، يعني هذا الدافق من بين الصلب والترائب، وذلك يدل على أن الولد مخلوق من ماء الرجل فقط أجاب: القائلون بالقول الأول عن الحجة الأولى: أنه يجوز أن يقال للشيئين المتباينين: أنه يخرج من بين هذين خير كثير، ولأن الرجل والمرأة عند اجتماعهما يصيران كالشيء الواحد، فحسن هذا اللفظ هناك، وأجابوا عن الحجة الثانية: بأن هذا من باب إطلاق اسم البعض على الكل، فلما كان أحد قسمي المني دافقاً أطلق هذا الاسم على المجموع، ثم قالوا: والذي يدل على أن الولد مخلوق من مجموع الماءين أن مني الرجل وحده صغير فلا يكفي، ولأنه روي أنه عليه السلام قال: «إذا غلب ماء الرجل يكون الولد ذكراً ويعود شبه إليه وإلى أقاربه، وإذا غلب ماء المرأة فإليها وإلى أقاربها يعود الشبه»، وذلك يقتضي صحة القول الأول.

واعلم أن الملحدين طعنوا في هذه الآية، فقالوا: إن كان المراد من قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب ﴾ أن المني إنما ينفصل من تلك المواضع فليس الأمر كذلك، لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل عن جميع أجزاء البدن حتى يأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، فيصير مستعداً لأن يتولد منه مثل تلك الأعضاء، ولذلك فإن المفرط في الجماع يستولي الضعف على جميع أعضائه، وإن كان المراد أن معظم أجزاء المني يتولد هناك فهو ضعيف، بل معظم أجزائه إنما يتربى في الدماغ، والدليل عليه أن صورته يشبه الدماغ، ولأن المكثر منه يظهر الضعف أولاً في عينيه، وإن كان المراد أن مستقر المني هناك فهو ضعيف، لأن مستقر المني هو أوعية المني، وهي عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين، وإن كان المراد أن مخرج المني هناك فهو ضعيف، لأن الحس يدل على أنه ليس كذلك الجواب: لا شك أن أعظم الأعضاء معونة في توليد المني هو الدماغ، والدماغ خليفة وهي النخاع وهو في الصلب، وله شعب كثيرة نازلة إلى مقدم البدن وهو التريبة، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بالذكر، على أن كلامكم في كيفية تولد المني، وكيفية تولد الأعضاء من المني محض الوهم والظن الضعيف، وكلام الله تعالى أولى بالقبول.

المسألة الخامسة: قد بينا في مواضع من هذا الكتاب أن دلالة تولد الإنسان عن النطفة على وجود الصانع المختار من أظهر الدلائل، لوجوه: أحدها: أن التركيبات العجيبة في بدن الإنسان أكثر، فيكون تولده عن المادة البسيطة أدل على القادر المختار.

وثانيها: أن اطلاع الإنسان على أحوال نفسه أكثر من اطلاعه على أحوال غيره، فلا جرم كانت هذه الدلالة أتم.

وثالثها: أن مشاهدة الإنسان لهذه الأحوال في أولاده وأولاد سائر الحيوانات دائمة، فكان الاستدلال به على الصانع المختار أقوى.

ورابعها: وهو أن الاستدلال بهذا الباب، كما أنه يدل قطعاً على وجود الصانع المختار الحكيم، فكذلك يدل قطعاً على صحة البعث والحشر والنشر، وذلك لأن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين، بل في جميع العالم، فلما قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنساناً سوياً، وجب أن يقال: إنه بعد موته وتفرق أجزائه لابد وأن يقدر الصانع على جمع تلك الأجزاء وجعلها خلقاً سوياً، كما كان أولاً ولهذا السر لما بين تعالى دلالته على المبدأ، فرع عليه أيضاً دلالته على صحة المعاد فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما وجه اتصال قوله ﴿ فَلْيَنظُرِ ﴾ بما قبله؟

قلت: وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظاً، أتبعه توصية الإنسان بالنظر في أوّل أمره ونشأته الأولى، حتى يعلم أنّ من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره في عاقبته؛ و ﴿ مِمَّ خُلِقَ ﴾ استفهام جوابه ﴿ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) ﴾ والدفق: صبّ فيه دفعٌ.

ومعنى دافق: النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق، كاللابن والتامر.

أو الإسناد المجازي.

والدفق في الحقيقة لصاحبه، ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه ﴿ مِن بَيْنِ الصلب والترائب ﴾ من بين صلب الرجل وترائب المرأة: وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة.

وقرئ ﴿ الصلب ﴾ بفتحتين، والصلب بضمتين.

وفيه أربع لغات: صَلْب، وصُلْب، وصَلَب وصَاْلب قال العجاج: في صَلَبٍ مِثْلِ الْعِنَانِ الْمُؤْدَمِ وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ أتْبَعَهُ تَوْصِيَةَ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في مَبْدَئِهِ لِيَعْلَمَ صِحَّةَ إعادَتِهِ فَلا يُمْلِيَ عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ.

﴿ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ ﴾ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ وماءٍ بِمَعْنى ذِي دَفْقٍ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ والمُرادُ المُمْتَزِجُ مِنَ الماءَيْنِ في الرَّحِمِ لِقَوْلِهِ: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ﴾ مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ وهي عِظامُ صَدْرِها، ولَوْ صَحَّ أنَّ النُّطْفَةَ تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ وتَنْفَصِلُ عَنْ جَمِيعِ الأعْضاءِ حَتّى تَسْتَعِدَّ لِأنْ يَتَوَلَّدَ مِنها مِثْلُ تِلْكَ الأعْضاءِ، ومَقَرُّها عُرُوقٌ مُلْتَفٌّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ البَيْضَتَيْنِ، فَلا شَكَّ أنَّ الدِّماغَ أعْظَمُ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِها، ولِذَلِكَ تُشْبِهُهُ، ويُسْرِعُ الإفْراطُ في الجِماعِ بِالضَّعْفِ فِيهِ ولَهُ خَلِيفَةٌ وهو النُّخاعُ وهو في الصُّلْبِ وشُعَبٌ كَثِيرَةٌ نازِلَةٌ إلى التَّرائِبِ، وهُما أقْرَبُ إلى أوْعِيَةِ المَنِيِّ فَلِذَلِكَ خُصّا بِالذَّكَرِ.

وقُرِئَ «الصَّلَبِ» بِفَتْحَتَيْنِ و «الصُّلُبِ» بِضَمَّتَيْنِ وفِيهِ لُغَةٌ رابِعَةٌ وهي «صالِبٌ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ} لما ذكر أن على كل نفس حافظاً أمره بالنظر في أول أمره ليعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل ليوم الجزاء ولا يملى على حافظه الاما يسره فى عاقبته ومم خلق استفهام أى من أى شئ خلتى جوابه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ ولَيْسَتِ الفاءُ بِفَصِيحَةٍ خِلافًا لِلطِّيبِيِّ؛ إذْ لا يَحْتاجُ إلى حَذْفٍ في اسْتِقامَةِ الكَلامِ إمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الحافِظُ هو اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوِ المَلَكَ الَّذِي وكَّلَهُ تَعالى شَأْنُهُ لِلْحِفْظِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَمِعْتَ؛ فَلِأنَّهُ لَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ أنَّ عَلَيْهِ رَقِيبًا مِنهُ تَعالى حَثَّهُ عَلى النَّظَرِ المُعَرِّفِ لِذَلِكَ مَعَ أوْصافِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَعْرِفِ المُهَيْمَنُ عَلَيْهِ بِنَصْبِهِ الرَّقِيبَ أوْ بِنَفْسِهِ، ولْيَعْلَمْ رُجُوعَهُ إلَيْهِ تَعالى، ولْيَفْعَلْ ما يُسَرُّ بِهِ حالَ الرُّجُوعِ.

وعَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ ﴾ لِيُبَيِّنَ طَرِيقَهُ المُعَرِّفَةَ فَهو بَسْطٌ فِيهِ إيجازٌ، وأُدْمِجَ فِيهِ الأخِيرانِ وإمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَقْلَ فَلِأنَّهُ لَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ أنَّ لَهُ عَقْلًا يُرْشِدُ إلى المَصالِحِ ويَكُفُّ عَنِ المَضارِّ حَثَّهُ عَلى اسْتِعْمالِهِ فِيما يَنْفَعُهُ وعَدَمِ تَعْطِيلِهِ وإلْغائِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَنْظُرْ بِعَقْلِهِ ولْيَتَفَكَّرْ بِهِ في مَبْدَأِ خَلْقِهِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهُ قُدْرَةُ واهِبِهِ وأنَّهُ إذا قَدَرَ عَلى إنْشائِهِ مِن مَوادَّ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ فَهو سُبْحانُهُ عَلى إعادَتِهِ أقْدَرُ وأقْدُرُ فَيَعْمَلُ بِما يُسِرَّ بِهِ حِينَ الإعادَةِ وقَدْ يُقَرَّرُ التَّفْرِيعُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ بِنَحْوٍ واحِدٍ فَتَأمَّلْ.

و ﴿ مِمَّ خُلِقَ ﴾ اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِخُلِقَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ «يَنْظُرْ» وهي مُعَلَّقَةٌ بِالِاسْتِفْهامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ يعني: فليعتبر الإنسان من ماذا خلق.

قال بعضهم: نزلت في شأن أبي طالب، ويقال نزلت في جميع من أنكر البعث.

ثم بين أول خلقهم ليعتبروا فقال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يعني: من ماء مهراق في رحم الأم، ويقال: دافق بمعنى مدفوق.

كقوله فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [القارعة: 7] أي: مرضية ثم قال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ يعني: خلق من مائين، من ماء الأب يخرج من بين الصلب، ومن ماء الأم يخرج من الترائب.

والترائب: موضع القردة كما قال امرؤ القيس: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ...

ترائبها مصقولة كالسجنجل ثم قال: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يعني: على بعثه وإعادته بعد الموت لقادر، ويقال على رجعه إلى صلب الآباء، وترائب الأمهات لقادر، والتفسير الأول أصح لأنه قال: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ يعني: تظهر الضمائر.

ويقال: يختبر السرائر فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ يعني: ليس له قوة يدفع العذاب عن نفسه، ولا مانع يمنع العذاب عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ توقيفٌ لمنكرِي البعثِ على أصلِ الخِلْقَةِ الدالِّ على أن البعثَ جائزٌ ممكن، ثم بادَرَ اللفظَ إلى الجوابِ اقْتِضَاباً وإسْراعاً إلى إقامَةِ الحجة، فقال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ قال الحسن وغيره: معناه: من بينِ صلبِ كلِّ واحدٍ من الرجلِ والمرأةِ، وترائِبِه «١» ، وقال جماعةُ: من بينِ صلبِ الرجل وترائب المرأةِ [والتَرِيبَةُ من الإنسان: ما بين التَّرْقُوةِ إلى الثدي، قال أبو عبيدة مُعَلَّقُ الحَلْيِ إلى الصَّدْرِ، وقيل غير هذا «٢» .

وقوله تعالى: إِنَّهُ] «٣» عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال ابن عباس وقتادة: المعنى أن اللَّهَ عَلى ردِّ الإنسانِ حيًّا بعد موتهِ لقادرٌ «٤» ، وهذا أظهر الأقوال هنا وأبينها، ودافِقٍ قال كثير من المفسرين: هو بمعنى مَدْفُوقٍ، والعاملُ في يَوْمَ الرَّجْع من قولهِ: عَلى رَجْعِهِ.

وتُبْلَى السَّرائِرُ معناه تُخْتَبَرُ وتكشَفُ بواطنُها، ورَوَى أبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أن/ السرائرَ التي يَبْتَلِيهَا اللَّه من العباد: التوحيدُ، والصلاةُ، والزكاةُ، والغُسْلُ من الجنَابةِ، قال ع «٥» : وهذهِ معظَمُ الأمرِ، وقال قتادة: الوجهُ في الآيةِ العمومُ في جميعِ السرائرِ»

، ونَقَلَ ابنُ العربي في «أحكامِه» عن ابن مسعود: أنَّ هذه المذكوراتِ [مِنَ] الصلاةِ والزكاةِ والوضوءِ والوديعةِ كلَّها أمَانَةٌ، قال: وأَشَدُّ ذلكَ الوديعةُ تَمْثُلُ له، أي: لمن خَانَها على هيئَتِها يوم أخَذَها فَتُرْمَى في قَعْر جهنمَ، فيقالُ له: أخْرِجْها، فيتبعُها فيجعلُها في عنقهِ فإذا أراد أن يخرجَ بهَا زَلَّتْ منه فيتبعُها فهو كذلكَ دَهْرَ الداهرينَ، انتهى، ت: قال أبو عبيد الهروي: قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ الواحدةُ سَرِيرَةٌ وهي الأعمالُ التي أسرَّهَا

العباد، انتهى، والرَّجْعِ المطرُ وماؤُه، وقال ابن عباس: الرجعُ: السحابُ فيه المطرُ «١» ، قال الحسنُ: لأنه يَرْجِعُ بالرزقِ كلَّ عامٍ «٢» ، وقال غيرُه: لأنه يرجع إلى الأرض، والصَّدْعِ النباتُ لأن الأرضَ تَتَصَدَّعُ عنْه، والضمير في إِنَّهُ للقرآن، وفَصْلٌ معناه: جزم فصل الحقائق من الأباطيل، والهزل اللعِبُ الباطلُ، ثم أخبر تعالى عن قريش أنهم يكيدون في أفعالهم وأقوالهم بالنبي ع، وأَكِيدُ كَيْداً وهذا على مَا مَرَّ من تسمية العقوبة باسم الذنب، ورُوَيْداً معناه: قليلاً قاله قتادة «٣» ، وهذهِ حالُ هذهِ اللفظة إذا تقدمَها شيءٌ تَصِفُه كقولك: سيراً رويداً، أو تقدمَها فعل يَعْملُ فيها كهذهِ، وأما إذا ابتدأتَ بها فقُلْتَ: رويداً يا فلان فهي بمعنى الأمر بالتَمَاهُلِ، - ص-:

رُوَيْداً قال أبو البقاء: نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إمْهَالاً رُوَيْداً، و «رويداً» تَصْغِيرُ «رَوْدٍ» وأنشَد أبو عُبَيْدَةَ: [البسيط]

يَمْشِي ولاَ تَكْلِمُ البَطْحَاءَ مِشْيَتُهُ ...

كَأَنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي على رَوْدِ

أي: على مَهْلٍ ورفق، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الطّارِقِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءِ والطّارِقِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ.

ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ: نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ  يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ النَّجْمُ الثّاقِبُ ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .

وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.

والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ.

ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ " إلّا " في مَوْضِعَيْنِ.

أحَدُهُما: هَذا.

والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ.

تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟

والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ دافِقٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ.

سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ.

وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا.

يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ.

يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ.

بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.

وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ: مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ.

وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ.

ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .

والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ عَلى رَجْعِهِ ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ.

وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟

أتَوَضَّأ، أمْ لا؟

فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿ وَلا ناصِرٍ ﴾ يَنْصُرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والسَماءِ والطارِقِ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما الطارِقُ ﴾ ﴿ النَجْمُ الثاقِبُ ﴾ ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ ﴿ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ ﴾ ﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ ﴾ ﴿ فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا وقالَ النابِغَةُ: كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............

وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ  الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ: يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.

فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.

وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ  في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ.

و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ: ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ وقالَ امْرُؤ القَيْسَ: ..........

∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ.

وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.

و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ.

وصَوْمُ رَمَضانَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ.

وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع الأمر بالنظر في الخلقة الأولى، على ما أريد من قوله: ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ [الطارق: 4] من لوازم معناه، وهو إثبات البعث الذي أنكروه على طريقة الكناية التلويحية الرمزية كما تقدم آنفاً، فالتقدير: فإن رأيتم البعثَ محالاً فلينظر الإِنسان مِمّ خُلق ليعلَمَ أن الخلق الثاني ليس بأبعد من الخلق الأول.

فهذه الفاء مفيدة مفاد فاء الفصيحة.

والنظر: نظر العقل، وهو التفكر المؤدي إلى علم شيء بالاستدلال فالمأمور به نظر المُنكر للبعث في أدلة إثباته كما يقتضيه التفريع على: ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ [الطارق: 4].

و (مِنْ) من قوله: ﴿ مم خلق ﴾ ابتدائية متعلقة ب ﴿ خلق ﴾ .

والمعنى: فليتفكر الإِنسان في جواب: مَا شيء خلق منه؟

فقدّم المتعلِّق على عامله تبعاً لتقديم ما اتصلت به من (من) اسم الاستفهام.

و (ما) استفهامية عَلّقت فعل النَّظر العقلي عن العمل.

والاستفهام مستعمل في الإِيقاظ والتنبيه إلى ما يجب علمه كقوله تعالى: ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ [عبس: 18] فالاستفهام هنا مجاز مرسل مركب.

وحذف ألف (ما) الاستفهامية على طريقة وقوعها مجرورة.

ولكون الاستفهام غير حقيقي أجاب عنه المتكلم بالاستفهام على طريقة قوله: ﴿ عم يتساءلون عن النبأ العظيم ﴾ [النبأ: 1، 2].

و ﴿ الإِنسان ﴾ مراد به خصوص منكر البعث كما علمت آنفاً من مقتضى التفريع في قوله: ﴿ فلينظر ﴾ إلخ.

ومعنى ﴿ دافق ﴾ خارج بقوة وسرعة والأشهر أنه يقال على نطفة الرجل.

وصيغة ﴿ دافق ﴾ اسم فاعل من دفق القاصر، وهو قول فريق من اللغويين.

وقال الجمهور: لا يستعمل دفَق قاصراً.

وجعلوا دافقاً بمعنى اسم المفعول وجعلوا ذلك من النادر.

وعن الفراء: أهل الحجاز يجعلون المفعول فاعلاً، إذا كان في طريقة النعت.

وسيبويه جعله من صيغ النسب كقولهم: لاَبن وتَامِر، ففسر دافق: بذي دَفْق.

والأحسن أن يكون اسم فاعل ويَكون دفق مطاوع دفقه كما جعل العجاج جَبَر بمعنى انْجبر في قوله: قد جبر الدينَ الإله فجبر *** وأنه سماعي.

وأُطنب في وصف هذا الماء الدافق لإِدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علماً ويقيناً.

ووُصف أنه يخرج من ﴿ بين الصلب والترائب ﴾ لأن الناس لا يتفطنون لذلك.

والخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان ولو بدون بروز فإن بروز هذا الماء لا يكون من بين الصلب والترائب.

و ﴿ الصلب ﴾ : العمود العظمي الكائن في وسط الظهر، وهو ذو الفقرات.

و ﴿ الترائب ﴾ : جمع تريبة، ويقال: تَريب.

ومحرّر أقوال اللغويين فيها أنها عظام الصدر التي بين الترقُوَتَيْن والثَّديين ووسموه بأنه موضع القلادة من المرأة.

والترائب تضاف إلى الرجل وإلى المرأة، ولكن أكثر وقوعها في كلامهم في أوصاف النساء لعدم احتياجهم إلى وصفها في الرجال.

وقوله: ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ الضمير عائد إلى ﴿ ماء دافق ﴾ وهو المتبادر فتكون جملة ﴿ يخرج ﴾ حالاً من ﴿ ماء دافق ﴾ أي يمر ذلك الماء بعد أن يفرز من بين صلب الرجل وترائبه.

وبهذا قال سفيان والحسن، أي أن أصل تكَوُّن ذلك الماء وتنقله من بين الصلب والترائب، وليس المعنى أنه يمر بين الصلب والترائب إذ لا يتصور ممر بين الصلب والترائب لأن الذي بينهما هو ما يحويه باطن الصدر والضلوع من قلب ورِئَتَيْن.

فجعل الإِنسان مخلوقاً من ماء الرجل لأنه لا يتكوّن جسم الإنسان في رحم المرأة إلا بعد أن يخالطها ماء الرجل فإذا اختلط ماء الرجل بما يُسمى ماء المرأة وهو شيء رطب كالماء يحتوي على بُوَيضات دقيقة يثبت منها ما يتكوّن منه الجنين ويُطرح ما عداه.

وهذا مخاطبة للناس بما يعرفون يومئذ بكلام مجمل مع التنبيه على أن خلق الإِنسان من ماء الرجل وماءِ المرأة بذكر الترائب لأن الأشهر أنها لا تطلق إلا على ما بين ثديي المرأة.

ولا شك أن النسل يتكون من الرجل والمرأة فيتكون من ماء الرجل وهو سائل فيه أجسام صغيرة تسمى في الطب الحيوانات المنوية، وهي خيوط مستطيلة مؤلفة من طرف مسطح بيضوي الشكل وذَنب دقيق كخيط، وهذه الخيوط يكون منها تلقيح النسل في رحم المرأة، ومقرها الأنثيان وهما الخصيتان فيندفع إلى رحم المرأة.

ومن ماء هو للمرأة كالمني للرجل ويسمى ماء المرأة، وهو بويضات دقيقة كروية الشكل تكون في سائل مقره حُويصلة من حويصلات يشتمل عليها مَبيضان للمرأة وهما بمنزلة الأنثيين للرجل فهما غدتان تكونان في جانبي رحم المرأة، وكل مَبيض يشتمل على عدد من الحُويصلات يتراوح من عشر إلى عشرين.

وخروج البيضة من الحُويصلة يكون عند انتهاء نمو الحويصلة فإذا انتهى نموها انفجرتْ فخرجت البَيضة في قناة تبلغ بها إلى تجويف الرحم، وإنما يتم بلوغ البيضة النموَّ وخروجُها من الحويصلة في وقت حيض المرأة فلذلك يكثر العلوق إذا باشر الرجل المرأة بقرب انتهاء حيضها.

وأصل مادة كِلا الماءين مادة دموية تنفصل عن الدماغ وتنزل في عرقين خلف الأذنين، فأما في الرجل فيتصل العرقان بالنخاع، وهو الصلب ثم ينتهي إلى عرق يسمى الحَبْل المَنَوي مؤلف من شرايين وأوْرِدَةٍ وأعصاببٍ وينتهي إلى الأنثيين وهما الغدتان اللتان تُفرزاننِ المني فيتكون هنالك بكيفية دُهنية وتبقى منتشرة في الأنثيين إلى أن تفرزها الأنْثيان مادةً دهنية شحمية وذلك عند دغدغة ولَذع القضيب المتصل بالأنثيين فيندفق في رحم المرأة.

وأما بالنسبة إلى المرأة فالعرقان اللذان خلف الأذنين يمران بأعلى صدر المرأة وهو الترائب لأن فيه موضع الثديين وهما من الأعضاء المتصلة بالعروق التي يسير فيها دم الحيض الحاملُ للبويضات التي منها النسل، والحيض يسيل من فَوهات عروق في الرحم، وهي عروق تنفتح عند حلول إبان المحيض وتنقبض عقب الطُّهر.

والرحم يأتيها عصب من الدماغ.

وهذا من الإِعجاز العلمي في القرآن الذي لم يكن علمٌ به للذين نزل بينهم، وهو إشارة مجملة وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن احتلام المرأة، فقال: تغتسل إذا أبصرت الماء فقيل له: أترى المرأة ذلك فقال: وهل يكون الشبه إلا من قِبَل ذلك إذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءَها أشبه أعمامه».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الطّارِقِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسَّماءِ والطّارِقِ ﴾ هُما قَسَمانِ: (والسَّماءِ) قَسَمٌ، (والطّارِقِ) قَسَمٌ.

(اَلطّارِقُ) نَجْمٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ ﴾ ﴿ النَّجْمُ الثّاقِبُ ﴾ ومِنهُ قَوْلُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ نَحْنُ بَناتُ طارِقِ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ تَقُولُ: نَحْنُ بَناتُ النَّجْمِ افْتِخارًا بِشَرَفِها، وإنَّما سُمِّيَ النَّجْمُ طارِقًا لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّيْلِ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ قاصِدٍ في اللَّيْلِ طارِقًا، قالَ الشّاعِرُ ألا طَرَقْتَ بِاللَّيْلِ ما هَجَعُوا هِنْدُ ∗∗∗ وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والصَّدُّ وَأصْلُ الطَّرْقِ الدَّقُّ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المِطْرَقَةُ، فَسُمِّيَ قاصِدُ اللَّيْلِ طارِقًا لِاحْتِياجِهِ في الوُصُولِ إلى الدَّقِّ.

وَفِي قَوْلِهِ (اَلنَّجْمُ) الثّاقِبُ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُضِيءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المُتَوَهِّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: المُنْقِصُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: أنَّ الثّاقِبَ الَّذِي قَدِ ارْتَفَعَ عَلى النُّجُومِ كُلِّها، قالَهُ الفَرّاءُ.

الخامِسُ: الثّاقِبُ: الشَّياطِينُ حِينَ تُرْمى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

السّادِسُ: الثّاقِبُ في مَسِيرِهِ ومَجْراهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي هَذا النَّجْمِ الثّاقِبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ.

الثّانِي: الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: (لَمّا) بِمَعْنى إلّا، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ (ما) الَّتِي بَعْدَ اللّامِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

وَفي الحافِظِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أجْلَهُ ورِزْقَهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحافِظُ الَّذِي عَلَيْهِ عَقْلَهُ، لِأنَّهُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ، ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ.

﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: بِمَعْنى أصْلابِ الرِّجالِ وتَرائِبِ النِّساءِ.

وَفي التَّرائِبِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّدْرُ، قالَهُ ابْنُ عِياضٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ.

فَإنْ تُدْبِرُوا نَأْخُذْكم في ظُهُورِكم ∗∗∗ وإنْ تُقْبِلُوا نَأْخُذْكم في التَّرائِبِ الثّانِي: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ إلى الصَّدْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ الرّابِعُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِنَ الجانِبِ الأسْفَلِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ التَّرائِبَ أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يُمْنَةِ الصَّدْرِ وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يُسْرَةِ الصَّدْرِ.

الخامِسُ: أنَّها بَيْنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والعَيْنَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

السّادِسُ: هي عُصارَةُ القَلْبِ، قالَهُ مَعْمَرُ بْنُ أبِي حَبِيبَةَ.

﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى أنْ يَرُدَّ المَنِيَّ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: عَلى أنْ يَرُدَّ الإنْسانَ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: عَلى أنْ يُعِيدَهُ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.

الخامِسُ: عَلى أنْ يَحْبِسَ الماءَ فَلا يَخْرُجُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: عَلى أنْ يُعِيدَهُ إلى الدُّنْيا بَعْدَ بَعْثِهِ في الآخِرَةِ لِأنَّ الكُفّارَ يَسْألُونَ اللَّهَ فِيها الرَّجْعَةَ.

﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ أيْ تَظْهَرُ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ تُبْتَلى بِظُهُورِ السَّرائِرِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اسْتِتارِها في الدُّنْيا.

وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: كُلُّ ما اسْتَتَرَ بِهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وأضْمَرَهُ مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، كَما قالَ الأحْوَصُ سَتُبْلى لَكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ.

الثّانِي: هو ما رَواهُ خالِدٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (اَلْأماناتُ ثَلاثٌ: الصَّلاةُ والصَّوْمُ والجَنابَةُ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الصَّلاةِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدْ صَلَّيْتُ ولَمْ يُصَلِّ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الصَّوْمِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدْ صُمْتُ ولَمْ يَصُمْ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الجَنابَةِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدِ اغْتَسَلْتُ ولَمْ يَغْتَسِلْ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ )» .

﴿ فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُوَّةَ العَشِيرَةُ، والنّاصِرَ: الحَلِيفُ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ في بَدَنِهِ، ولا ناصِرٍ مِن غَيْرِهِ يَمْتَنِعُ بِهِ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَنْتَصِرُ بِهِ عَلى اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ في الِامْتِناعِ، ولا ناصِرٍ في الِاحْتِجاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ والسماء والطارق ﴾ بمكة.

وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ وابن مردويه والطبراني عن خالد العدواني أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ثقيف، وهو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي النصر عندهم، فسمعه يقرأ ﴿ والسماء والطارق ﴾ حتى ختمها.

قال: فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإِسلام.

وأخرج النسائي عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفتان أنت يا معاذ، أما يكفيك أن تقرأ ﴿ والسماء والطارق ﴾ ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [ الشمس: 1] ونحو هذا؟» .

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والسماء والطارق ﴾ قال: أقسم ربك بالطارق وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﴿ والسماء والطارق ﴾ فقال: ﴿ وما أدراك ما الطارق ﴾ فقلت: ﴿ فلا أقسم بالخنس ﴾ [ التكوير: 15] فقال: ﴿ الجواري الكنس ﴾ [ التكوير: 15] فقلت: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ [ النساء: 24] فقال: ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ [ النساء: 24] فقلت: ما هذا؟

فقال: ما أعلم منها إلا ما تسمع.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والسماء والطارق ﴾ قال: وما يطرق فيها ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ قال: كل نفس عليها حفظة من الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال: النجم المضيء ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ قال: إلا عليها حافظ.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ والسماء والطارق ﴾ قال: النجم يخفى بالنهار ويبدو بالليل ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ قال: حفظ كل نفس عمله وأجله ورزقه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ والسماء والطارق ﴾ قال: هو ظهور النجم بالليل، يقول: يطرقك بالليل ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال: المضيء ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ قال: ما كل نفس إلا عليها حافظ.

قال: وهم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك، فإذا توفيته يا ابن آدم قبضت إلى ربك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال: الذي يتوهج.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: ﴿ النجم الثاقب ﴾ الثريا.

وأخرج ابن المنذر عن خصيف ﴿ النجم الثاقب ﴾ قال: مم يثقب من يسترق السمع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ مثقلة منصوبه اللام.

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فلينظر الإِنسان مم خلق ﴾ قال: هو أبو الأشدين كان يقوم على الأديم فيقول: يا معشر قريش من أزالني عنه فله كذا وكذا، ويقول: إن محمداً يزعم أن خزنة جهنم تسعة عشر، فأنا أكفيكم وحدي عشرة واكفوني أنتم تسعة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: صلب الرجل، وترائب المرأة لا يكون الولد إلا منهما.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبزى قال: الصلب من الرجل والترائب من المرأة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: ما بين الجيد والنحر.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الترائب أسفل من التراقي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والترائب ﴾ قال: تريبة المرأة، وهو موضع القلادة.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: الترائب موضع القلادة من المرأة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال نعم، أما سمعت قول الشاعر: والزعفران على ترائبها ** شرفا به اللبات والنحر وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: صلب الرجل وترائب المرأة أما سمعت قول الشاعر: نظام اللؤلؤ على ترائبها ** شرفاً به اللبات والنحر وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الترائب الصدر.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وعطية وأبي عياض مثله.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: الترائب أربعة أضلاع من كل جانب من أسفل الأضلاع.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: يخلق العظام والعصب من ماء الرجل، ويخلق اللحم والدم من ماء المرأة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ قال: يخرج من بين صلبه ونحره ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: إن الله على بعثه وإعادته لقادر ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ قال: إن هذه السرائر مختبرة فأسروا خيراً وأعلنوه ﴿ فما له من قوة ﴾ يمتنع بها ﴿ ولا ناصر ﴾ ينصره من الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: على أن يجعل الشيخ شاباً والشاب شيخاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: على رجع النطفة في الإِحليل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: على أن يرجعه في صلبه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبزى قال: على أن يرده نطفة في صلب أبيه.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ قال: على إحيائه.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن خيثم ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ قال: السرائر التي تخفين من الناس، وهن لله بواد داووهن بدوائهن، قيل: وما بدوائهن؟

قال: أن تتوب ثم لا تعود.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ تبلى السرائر ﴾ قال: الصوم والصلاة وغسل الجنابة.

وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير مثله.

وأخرج ابن البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضمن الله خلقه أربعة: الصلاة والزكاة وصوم رمضان والغسل من الجنابة، وهن السرائر التي قال الله: ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَلْيَنْظُرْ ﴾ (١) (٢) (٣) ﴿ مِمَّ خُلِقَ ﴾ .

أي من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكير والاستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه (٤) ثم ذكر من أي شيء خلقه فقال: (١) ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ .

(٢) ما بين القوسين ساقط من: ع.

(٣) "فتح القدير" 5/ 419، ورد بمعناه في "تفسير مقاتل" 236/ ب.

(٤) في: أ: ابتدأ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ ﴾ حذف ألف ما لأنها استفهامية وجوابها خلق من ماء دافق، وسمي المني ماء دافقاً من الدفق، بمعنى الدفع، فقيل: معناه مدفوق وصاحبه هو الدافق في الحقيقة قال سيبويه: هو على النسب أي ذو دفق، وقال ابن عطية: يصح أن يكون الماء دافقاً لأن بعضه يدفع بعضاً، ومقصود الآية إثبات الحشر، فأمر الإنسان أن ينظر أصل خلقته ليعلم أن الذي خلقه من ماء دافق قادر على أن يعيده، ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أنه لما أخبر أن كل نفس عليها حافظ يحفظ أعمالها بالتنبيه على الحشر حيث تجازى كل نفس بأعمالها ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب ﴾ الضمير في يخرج للماء وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون للإنسان، وهذا بعيد جداً والترائب: عظام الصدر واحدها: تربية وقيل: هي الأطراف كاليدين والرجلين، وقيل: هي عصارة القلب، ومنها يكون الولد، وقيل: هي الأضلاع التي أسفل الصلب، والأول هو الصحيح المعروف في اللغة، ولذلك قال ابن عباس: هي موضع القلادة ما بين ثديي المرأة، ويعني صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وقيل: أراد صلب الرجل وترائب المرأة ﴿ إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾ الضمير في إنه لله تعالى وفي رجعه للإنسان، والمعنى: أن الله قادر على رجع الإنسان حياً بعد موته، والمراد إثبات البعث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وعاصم وحمزة ويزيد.

الوقوف ﴿ الطارق ﴾ ه لا ﴿ الطارق ﴾ ه ك ﴿ الثاقب ﴾ ه ك ﴿ حافظ ﴾ ه ط ﴿ مم خلق ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ دافق ﴾ ه لا ﴿ والترائب ﴾ ه ط ﴿ لقادر ﴾ ه ك بناء على أن الظرف مفعول " اذكر " ومن جعل ﴿ يوم ﴾ ظرفاً للرجع وهو أولى لم يقف.

﴿ السرائر ﴾ ه لا ﴿ ولا ناصر ﴾ ه ط ﴿ الرجع ﴾ ه ﴿ الصدع ﴾ ه ك ﴿ فصل ﴾ ه ك ﴿ بالهزل ﴾ ه ط ﴿ كيداً ﴾ ه لا ﴿ كيداً ﴾ ج ه ﴿ رويداً ﴾ ه.

التفسير: إنه  أكثر في كتابه الكريم الأقسام بالسمويات لأن أحوالها في مطالعها ومغاربها ومسيراتها عجيبة.

أما الطارق فهو كل ما ينزل بالليل ولهذا جاء في الحديث التعوّذ من طوارق الليل.

وذكر طروق الخيال في أشعار العرب كثير لأن تلك الحالة تحصل في الأغلب ليلاً، وقد نهى رسول الله  أن يأتي الرجل أهله طروقاً.

ثم إنه  بين أنه أراد بالطارق في الآية ﴿ النجم الثاقب ﴾ أي هو طارق عظيم الشأن رفيع القدر وهو جنس النجم الذي يهتدى به في ظلمات البحر والبر.

قال علماء اللغة: سمي ثاقباً لأنه يثقب الظلام بضوئه كما سمي درياً لأن يدرأوه أي يدفعه، أو لأنه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء، أو لأنه إذا رمي به الشيطان ثقبه أي نفذ فيه وأحرقه.

وقد خصه بعضهم بزحل لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات.

وقال ابن زيد: هو الثريا.

وروى أن أبا طالب أتى النبي  فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ما ثم نوراً ففزع أبو طالب وقال: أيّ شيء هذا؟

فقال  : هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله فعجب أبو طالب ونزلت السورة.

من قرأ ﴿ لما ﴾ مشدّدة بمعنى " إلا " فـ " إن " نافية.

ومن قرأها مخففة على أن " ما " صلة كالتي في قوله ﴿ فبما رحمة  ﴾ فـ " إن " مخففة من المثقلة.

والآية على التقديرين جواب القسم.

والحافظ هو الله أو الملك الذي يحصي أعمال العباد كقوله ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ أو الذي يحفظ الإنسان من المكاره حتى يسلمه إلى القبر.

وعن النبي  " "وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين" أو الذي يحفظ عليه رزقه وأجله حتى يستوفيهما.

وحين ذكر أن على كل نفس حافظاً أتبعه بوصيته للإنسان بالنظر في مبدئه ومعاده.

والدفق صب فيه دفع، ولا شك أن الصب فعل الشخص فهو من الإسناد المجازي أو على النسبة أي ماء ذي دفق كما مر في ﴿ عيشة راضية  ﴾ ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب أن أكثره ينفصل من هذين الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والذي ينفصل من اليدين ومن الدماغ يمر عليهما أيضاً.

وطالما أعطى للأكثر حكم الكل وهذا المعنى يشمل ماء الرجل وماء المرأة، ويحتمل أن يقال: أريد به ماء الرجل فقط إما بناء على حكم التغليب وإما بناء على مذهب من لا يرى للمرأة ماء ولا سيما دافقاً.

وذهب جم غفير إلى أن الذي يخرج من بين الصلب ومادّته من النخاع الآتي من الدماغ هو ماء الرجل، والذي يخرج من الترائب وهي عظام الصدر الواحدة تريبة هو ماء المرأة.

وإنما لم يقل من ماءين لاختلاطهما في الرحم واتحادهما عند ابتداء خلق الجنين.

وقد يقال: العظم والعصب من ماء الرجل، واللحم والدم من ماء المرأة، وقد ورد في الخبر أن أيّ الماءين علا وغلب فإن الشبه يكون منه.

ثم بين قدرته على الإعادة بقوله ﴿ إنه على رجعه ﴾ أي على إعادة الإنسان ﴿ لقادر ﴾ يعني بعد ثبوت قدرته على تكوين الإنسان ابتداء من نطفة حقيرة وجب الحكم بأنه قادرعلى رجعه.

وعن مجاهد أن الضمير في ﴿ رجعه ﴾ يعود إلى الماء والمراد إنه قادر على ردّ الماء إلى الإحليل.

وقيل: إلى الصلب والترائب وهذا قول عكرمة والضحاك.

وقال مقاتل بن حيان: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة.

والقول هو الأول بدليل قوله ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ أي يمتحن ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال الحسنة أو القبيحة، وحقيقة البلاء في حقه  ترجع إلى الكشف والإظهار كقوله ﴿ ونبلو أخباركم  ﴾ ويحتمل أن يعود البلاء إلى المكلف كقوله ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت  ﴾ ومثله قول ابن عمر: يبدي الله يوم القيامة كل سرّ منها فيكون زيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه.

يعني من أدّاها كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجهه مغبراً.

ثم نفى القوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان يومئذ بقوله ﴿ فما له من قوّة ولا ناصر ﴾ ثم أكد حقية القرآن الذي فيه هذه البيانات الشافية والمواعظ الوافية فقال ﴿ والسماء ذات الرجع ﴾ أي المطر لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً على سبيل التفاؤل أو زعماً منهم أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعها إليها.

والصدع ما تتصدع عنه الأرض من النبات.

وقيل: الرجع الشمس والقمر يرجعان بعد مغيبهما، والصدع الجبلان بينهما شق وطريق.

والضمير في ﴿ إنه ﴾ للقرآن والفصل الفاصل بين الحق والباطل كما قيل له " فرقان ".

وقال القفال: أراد إن هذا الذي أخبرتكم به من قدرتي على الرجع كقدرتي على الإبداء قول حق.

ثم أكد حقيته بقوله ﴿ وما هو بالهزل ﴾ لأن اليبان الفصل لا يذكر إلا على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وأعلاها أن يكون خاشعاً باكياً كقوله ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ ثم سلى نبيه وحثه على الصبر الجميل فقال ﴿ إنهم ﴾ يعنى أشراف مكة ﴿ يكيدون كيداً ﴾ في إطفاء نور الحق وذلك بإلقاء الشبهات والطعن في النبوّة والتشاور في قتل النبي  كقوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ ﴿ وأكيد كيداً ﴾ سمي جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدّة العذاب كيداً.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فمهل الكافرين ﴾ أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به.

ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة ووصف الإمهال بقوله ﴿ رويداً ﴾ أي سهلاً يسيراً.

والتركيب يدل على الرفق والتأني ومنه قولهم في باب أسماء الأفعال " رويد زيداً " أي أروده إرواداً وأرفق به فكأنه  قال: مهل مهل مهل ثلاث مرات بثلاث عبارات وهذه نهاية الإعجاز.

وأجل الإمهال يوم بدر أو يوم القيامة وهذا أولى ليعم التحذير عن مثل سيرتهم ويتم الترغيب في خلاف طريقهم والله المستعان على ما تصفون.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ﴾ : إن الله - جل وعلا - عظم قدر السماء في أعين الخلق؛ لما جعلها معدن رزقهم ومسكن أولي القدر من خلقه، وهم الملائكة، وفيها خلق الجنة، وخلقها بغير عمد ترى، فأقسم بها؛ لما عظم من شأنها، وجعل مصالح الأغذية بزينتها، وهي الشمس والقمر، وأقسم بالنجم الثاقب، وهو المتلآلئ من النجوم المضيء الذي يثقب الشيطان، [أي: يخرقه]، ولما فيها - أيضا - من عظيم البركات، وبركاتها أنها جعلت بحيث يهتدى بها في البر والبحر، ويوصل بها إلى لطائف التدبير إلى أن ظن بعض الناس أن الأنجم السبعة هي المدبرات، وبها ما منع الشياطين عن الصعود إلى السماء لينتفي بها التلبيس عن الوحي؛ لأنهم لو لم يحفظوا عنها، لكانوا إذا وقفوا على أخبارها أسرعوا بحملها إلى الكهنة؛ فيؤدي ذلك إلى التلبيس.

ومن عظيم قدرها أنها تقطع في الليلة الواحدة مسيرة ألف شهر، فأقسم بها أيضا.

ويجوز أن يكون هذا من الله -  - تعليما لرسوله -  - بأن يقسم به دون أن يكون ذلك قسما منه  ؛ لأنهم لم يكونوا يرتابون في ألوهيته وربوبيته وصدق أخباره؛ فيزال عنهم الريب بالقسم، وإنما كانوا يرتابون في راسلة محمد  ، فعلمه القسم بما ذكر؛ ليؤكد أمره؛ فيحملهم ذلك على النظر في أمره.

ويجوز أن يكون القسم بعين هذه الأشياء؛ لكونها معظمة عند الكفرة، وليس للمسلمين أن يقسموا بها فيما بينهم.

أو يكون القسم بهذه الأشياء هو القسم بخالقها؛ فكأنه أمره بالقسم بخالق هذه الأشياء على الإضمار، والله أعلم.

واختلف في تأويل ﴿ وَٱلطَّارِقِ ﴾ : فقال بعضهم: ما يجيء به الليل؛ يقال: طرقته بالليل؛ إذا أتيته.

وقال الزجاج: ﴿ وَٱلطَّارِقِ ﴾ : هو الساكن؛ يقال: أطرق في الكلام مليا؛ إذا وقف، وسكن.

وقال بعضهم: هو النجم يطرق بالليل، ويخفى بالنهار، وهو النجم الثاقب، ذكره تفسيرا للطارق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ إِن ﴾ : قال بعضهم: أريد به هاهنا: "ما".

وقوله: ﴿ لَّمَّا ﴾ صلة في الكلام، فمعناه: ما كل نفس عليها حافظ، وإنما الحافظ على بعض دون بعض.

والثاني: أن يكون الحافظ على بعض ما في النفس دون بعض، وذلك البعض هو الذي يظهره، فأما الذي يخفيه فإنه لا يشهده كاتباه.

ومنهم من حمل [قوله  ] ﴿ لَّمَّا ﴾ على الاستثناء، فقال: معناه: ما من نفس إلا عليها حافظ.

قال الزجاج: حرف ﴿ لَّمَّا ﴾ استعمل في موضع الاستثناء، يقال في اللغة: "أقسم عليك لما فعلت كذا": أي: إلا فعلت كذا.

فإن كان معناه ما ذكروا، ففيه إلزام التيقظ والتبصر، والنفس من طبعها: أنه إذا سلط عليها من يراقبها ويحفظها، احتشمت من وقتها وخافته، وتكون متيقظة، ولا ترتكب من الأمور إلا ما تعلم أنه لا يلحقها التبعة فيه من الحفاظ؛ فسلط عليه الملكان - أيضا - ليكون متيقظا في كل قول وفعل، فلا يقبل إلا على ما فيه نفع العاجل والآجل.

وسمى الله -  - الملكين: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ  ﴾ ، ومن صحب المكرم من الخلائق احتشم منه، وتوقى عن إتيان ما يُستحْيا من مثله، ومن أراد أن يكتب إلى أحد كتابا، لم يثبت في كتابه شيئا يؤخذ عليه، ويذم به، بل يحكم الأمر، ويصلحه غاية ما يحتمله الوسع؛ فكان في ذكر الحفاظ على الأنفس إلزام التيقظ والتبصر من الوجوه التي ذكرنا.

وقوله: عز وجل -: ﴿ حَافِظٌ ﴾ : قال بعضهم: يحفظ عليها رزقها حتى تستوفيه؛ فإن كان على هذا، فالحفظ يكون لها لا عليها.

وقال بعضهم: يحفظ عليها عملها خيرها وشرها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ : الأصل أن إمعان النظر فيما خلق منه الإنسان مما يوصل المنكرين للبعث والمنكرين للرسالة إلى القول بهما، وذلك أن النطفة التي خلق منها الإنسان لو رئيت موضوعة على طبق، ثم رام أحد أن يعرف وأن يتنزع منها المعنى الذي به صلح أن ينشأ منها العلقة والمضغفة وخلق منها الإنسان - لم يدرك، ولو اجتمع الإنس والجن على أن يركبوا عليها جارحة من جوارح الإنسان، لم يتهيأ لهم تركيبها، أو تعرّف المعنى الذي صلح أن ينشأ منه السمع والبصر، لم يوقفوا عليه؛ فتبين أن الذي بلغت قدرته هذا لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، وتبين لهم حكمته، وإذا عرفوا حكمته أداهم ذلك إلى القول بالبعث؛ لأنه لولا البعث وإلا كان يخرج إنشاء الخلق عبثا باطلا؛ فيخرج عن أن يكون حكيما، ولزمهم أن يصدقوا الرسل بجميع ما أخبرتهم به.

وفيه دلالة خلق الشيء لا من شيء؛ إلا يجوز أن يكون الإنسان بكليته في النطفة مستجنا، فظهر؛ لأنه لا يسمع في الشيء الواحد ما لا يحصى ذلك من الأضعاف، ولا يجوز أن يكون ذلك عمل النطفة - أيضا - لأنها موات، لا يحتمل أن تصير كذلك إلا بتدبير مدبر عليم، فيكون فيما ذكرنا إيجاب القول بحدوث العالم.

ولأنها صارت مضغة وعلقة وخلقا سويا بطبعها، لكانت لا تخلو نطفة إلا وهي تنتقل إلى ما ذكرنا؛ ألا ترى أن النار لما كان من طبعها الإحراق، والثلج إذ كان من طبعه التبريد، لم يجز أن ينتقل واحد منهما عن طبعه الذي أنشئ عليه.

ثم قد وجدنا نطفا تخلو عن هذه المعاني التي ذكرنا؛ فثبت أنها نقلت إلى ما ذكرنا بتدبير مدبر حكيم، لا بطبعها.

ثم الأعجوبة فيما فيه خلق الإنسان ليست بأقل من الأعجوبة مما منه خلق، وذلك أن الإنسان خلق في الظلمات على ما أراد الله  ، وصوره كيف شاء، ولو أراد أحد أن يعلم علم ذلك، أو يصور مثله في حالة العيان لم يملك، وجعل ذلك المكان فيما ينمو فيه الولد، ويغذو فيه خصوصا من بين سائر الأماكن، ولو أراد حكماء الإنس والجن أن يعرفوا الوجه الذي به يصلح ذلك المكان للنماء الغذاء، وأعملوا فيه فنون العلم، لم يعرفوا، فمن تكفر فيما ذكرنا، علم أن قدرته ذاتية لا يلحقها فناء ولا عجز، وعلم أ ن علمه ذاتي ليس بمكتسب؛ فيتوهم خفاء الأمور عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ يعني: النطفة التي يدفقها الرجل في الرحم، والدافق: معناه: مدفوق؛ أي: يدفق به؛ كقولك: "ليل نائم"، أي: ينام فيه، و"هم ناصب"، أي: ينصب به.

وقال الزجاج: ﴿ مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ أي: ذي اندفاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ اختلف في تأويله.

فمنهم من يقوله: بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي الأضلاع الثمانية: أربع عن يمينها، وأربع عن يسارها.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ هي الأطراف.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ موضع القلادة منها.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ ما دون التراقي وفوق الصدر.

ثم من الناس من صرف تأويلها إلى الرجل خاصة، فقال: قوله: ﴿ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ أريد به: صلب الرجل وترائبه، وزعم أن الماء الذي يكون منه الولد ليس معدنه الصلب خاصة؛ بل يجتمع من أطرافه كلها.

ومن حمله على المعاني الأخر صرف الأمر إليهما جميعا، وهو أن الماء الذي يخلق منه الولد يكون منهما جميعا.

و[كذلك] ذكر أبو بكر الأصم أن ﴿ ٱلصُّلْبِ ﴾ كناية عن الرجل، ﴿ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴾ كناية عن المرأة؛ فيكون هذا اسما لهما مأخوذا عن أصل ما يكون منهما؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ...

 ﴾ ، فأضاف الأبناء إلى الأصلاب.

وي إخراج الماء من بين الصل والترائب لطف من الله  ؛ لأنه لو اجتهد الخلائق باستخراجه من بين ما ذكر بحيلهم وقواهم ووضعه في الرحم، لم يقدروا عليه، ثم الله بلطفه وضع هذه الشهوة فيما بين الخلق، واستخرج بها الماء من بين الصلب والترائب، لا أن يكون أحد يملك إخراجها بالأسباب والحيل، كما وضع فيهم شهوة الأكل والشراب، [فمتى ما أكلوا وشربوا، وقرَّا قرارهما، ظهر من قوة الطعام والشراب] في كل جارحة من جوارح الأكل باللطف، لا أن يكون ذلك العمل بالأكل والشرب خاصة، وكذلك يرى الإنسان إذا سقى أصل شجرة ظهرت منفعة السقي في أغصانها وأوراقها وأثمارها، ولو أراد أحد أن يعرف أنه لأي معنى صلح أن يكون الماء بالمحل الذي ذكرنا؟

وأراد أن يستخرج المعنى المجعول في الطعام من الوقة التي ذكرنا - لم يتدارك ذلك؛ فيكون فيما ذكرنا أبلغ حجة على الثنوية؛ لأنهم ينكرون خلق الأشياء لا عن أشياء، وزعموا أنا لم نشاهد كون الشيء لا من شيء، والشاهد دليل الغائب؛ فلزم ذلك في الذي غاب عنا، فمن قدر على تصوير الولد في تلك الظلمات، وفي الأماكن الضيقة وقدر أن الذي غاب عنا، فمن قدر على تصوير الولد في تلك الظلمات، وفي الأماكن الضيقة وقدر أن يجعل في الماء والطعام المعاني التي يعجز الخلق عن استدراكها - لقادر على إنشاء الخلق لا من شيء؛ إذا الأعجوبة فيما ذكرنا ليست بدون الأعجوبة عن إنشاء شيء لا من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾ قال بعضهم: إنه على رده إلى صل أبيه لقادر.

وقال بعضهم: إنه على بعثه لقادر؛ هذا أشبه التأويلين؛ لأن الآية في موضع الاحتجاج على الكفرة ولم يذكر عن أحد التنازع في نفى الرد إلى الصلب وإنكاره حتى يدفع المنازعة بهذا، وكانوا أهل إنكار بالبعث؛ فاحتج عليهم [بابتداء الخلقة، وكذلك أكثر ما جرى به الاحتجاج في إثبات البعث في القرآن، إنما احتج عليهم] بالابتداء.

وإن كان التأويل على رده إلى صلب أبيه، فوجه الرد هو أن يرد من حالة الشيب إلى حالة الشباب، ثم من حالة الكبر إلى حالة الصغر، ثم إلى حالة الطفولة، ثم يرد مضغة، ثم يرد علقة، ثم نطفة، ثم ترد النطفة إلى صلب أبيه؛ [لا أن] يوصف الله -  - بالقدرة على رده وهو على حاله نسمة عظيمة إلى صلب أبيه مع ضيق ذلك المكان.

ولأن هذا محال، والله  لا يوصف بالقدرة على المحال، وليس فيما لا يوصف بالقدرة على المحال نفي القدرة على عنه في الأزل، وبهذا يجاب من سأل فقال: أيقدر الله -  - على إدخال الدنيا في بيضة؟

فيقال [له]: إن أردت إدخالها في البيضة بأن يصغر الدنيا ويضيقها حتى يجعلها أضيق من البيضة، أو يوسع البيضة حتى تسع الدنيا - فه على ذلك قادر.

وإن أردت أنه قادر على إدخالها فيها على إبقاء البيضة بحالها وبقاء الدنيا بحالها، فهذا محال؛ لما فيه من انقلاب العبض كلا، والكل بعضا؛ك فكذلك يوصف الله -  - [بالقدرة] على رد النسمة إلى الصلب بالوجه الذي ذكرنا، لا أن يردها على ما هي عليه إلى الصلب؛ لما في ذلك من الإحالة، وكذلك إذا سألنا عن حركات أهل الجنة والسكون هل لهما غاية.؟.

فنقول: لا.

فإن قالوا: هل يعلم الله -  - غايتها وعددها.

فنقول له: يعلمها غير منقطعة، لا أن يعلمها منقطعة، ولم يكن قولنا: إنه لم يعلمه منقطعا إثبات الجهل ولا نفي العلم عنه؛ بل الجهل إنما يتحقق إذا وصف بالعلم بالانقطاع فيما لا ينقطع، فكذلك ليس في نفي الوصف بالقدرة على المحال إثبات عجزه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ ﴾ ، أي: يظهر ما كان أخفى منها؛ فجائز أن يكون الإظهار منصرفا إلى التي لم يطلع عليها الملائكة؛ فتكتبها عليه، فيذكره الله -  - تلك السرائر كيف شاء، فيقررها عليه، أو تنطق جوارحه بها كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

أو يكون إظهار القراءة ما عليه؛ فيظهر ذلك للخلق، وإن كان قد أسرها عنهم في الدنيا، ثم سمى ذلك: ابتلاء؛ لأن الابتلاء هو الاختبار، وإنما يكون الابتلاء بالسؤال، أو بالأمر والنهي، فسمى ما يسأل عنه في الآخرة: ابتلاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن ليست له قوة في كتمان ذلك على نفسه، ولا له قوة نفي العذاب عن نفسه لو كنتم.

أو ما له من قوة يمتنع بها، ولا ناصر يمنعه عن نزول العذاب به.

ووجهه: أن الكفار كانوا يتفخرون بقواهم وكثرة أنصارهم في الدنيا فكانوا يظنون أنهم لو أريدوا بالتعذيب، دفعوا ذلك بأنصارهم، وبما لهم من القوى؛ فيخبر الله -  - أن قوةاهم وكثرة أنصارهم لا تنفعهم في الآخرة، ولا تدفع عنهم بأس الله  ، وكانوا يعبدون الأصنام؛ لتقربهم إلى الله -  - وتنصرهم من العذاب؛ كما قال: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ؛ فبين أنها لا تغني عنهم من الله -  - شيئا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فليتأمل الإنسان مم خلقه الله؛ لتتضح له قدرة الله وعجز الإنسان.

<div class="verse-tafsir" id="91.90M8j"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ  وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ  النَّجْمُ الثَّاقِبُ  ﴾ يقسم سبحانه بالسماء -وقد قلنا إنها كل ما علانا- فهو قسم بالعالم العلوي وما فيه.

ثم خصص بعض ما في ذلك العالم السماوي وأقسم بالطارق.

والطارق عندهم: كل ما أتاك ليلًا.

ولما كان اللفظ عامًا، والمقسم به كائن معين، وشيء خاص مما يصدق عليه الطارق -أراد أن يبين ما قصد منه بما يدل على تفخيم أمره، وتعظيم شأنه (وما أدراك ما الطارق)، وهو استفهام يقصد به -في عرف خطابهم- تعظيم المستفهم عنه، كأنه -في فخامة شأنه- مما لا تمكن إحاطة الإدراك به.

فيقال وما الذي يدريك ما هو كذا؟

(والنجم الثاقب) جنس النجم الذي يثقب ضوؤه الظلماء، كأن الظلام جلد أسود والنجم يثقبه، وإنما عظم الله امره لما فيه من الهداية الحسية والمعنوية والشؤون الأخرى التي يعلمها الله ويعلمها الراسخون في علوم أسراره في خليقته.

وإنما سمي النجم الثاقب بالطارق، لأنه لا يظهر إلا ليلًا، وضوء الشمس في النهار يخفيه (إن كل نفس لما عليها حافظ) قرء (لما) بالتشديد و(لما) بالتخفيف.

والمشددة بمعنى إلا، و "إن" معها تكون نافية.

والمخففة مركبة من اللام و "ما" الزائدة في الإعراب، و "إن" كانت لمعنى التأكيد، وتكون "إن" مخففة من إن.

وعلى كلتا القراءتين فالمعنى أن كل نفس عليها حافظ ورقيب يراقبها في جميع أطوار وجودها حتى تنتهي إلى أجلها، وذلك الحافظ الرقيب هو الله، وهذا هو المقسم عليه.

فالله جل شأنه يقسم لنا أن كل نفس من الأنفس عليها رقيب، وليس في النفوس نفس أهملت من رعاية ذلك الرقيب المدبر لشؤونها.

فإذا ارتاب مرتاب في ذلك (فلينظر الإنسان مم خلق) إلخ فقوله: فلينظر الإنسان، بمنزلة الدليل على الدعوى المقسم عليها زيادة في التأكيد.

ووجه ذلك أن الماء الدافق من المائع الذي لا تصوير فيه ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء ونحوها.

ثم إن هذا السائل ينشأ خلقًا كاملًا كالإنسان، مملوءًا بالحياة والعقل والإدراك، قادرًا على القيام بخلافته في الأرض.

فهذا التصوير والتقدير، وإنشاء الأعضاء والآلات البدنية، وإيداع كل عضو من القوة ما به يتمكن من تأدية عمله في البدن، ثم منح قوة الإدراك والعقل، كل هذا يستحيل أن يكون بدون حافظ يراقب ذلك كله ويدبره، وهو الله جل شأنه.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ  ﴾ من قبيل التفريع على ما ثبت في القضية الأولى.

كأنه يقول فإذا عرفت أن كل نفس عليها رقيب، فمن الواجب على الإنسان أن لا يهمل نفسه، وأن يتفكر في خلقه، وكيف كان ابتداء نشوئه ليصل بذلك إلى أن الذي أنشأه أول مرة قادر على أن يعيده، فيأخذ نفسه بصالح الأعمال والأخلاق، ويعدل بها عن سبل الشر، فإن عين الرقيب لا تغفل عنها في حال من الأحوال.

و(الصلب) هو كل عظم من الظهر فيه فقار.

ويعبر عنه في كلام العامة بسلسلة الظهر.

وقد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقًا لاسم الجزء على الكل.

و(الترائب) موضع القلادة من الصدر، وكنى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأة.

أي أن ذلك الماء الدافق إنما يكون مادة لخلق الإنسان إذا خرج من بين الرجل والمرأة، ووقع في المحل الذي جرت عادة الله أن يخلقه فيه، وهو رحم المرأة.

فقوله ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنَ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ  ﴾ وصف لا بد من ذكره لبيان أن الإنسان إنما خلق من الماء الدافق المستوفي شرائط صحة الخلق منه.

بعد ما لفت الإنسان ووجه نظره إلى بدء نشأته ليعلم أنه في أطوار خلقته ومدة بقائه في قبضة مدبر حفيظ عليه، ساقه إلى نتيجة أخرى لذلك النظر يسهل الوصول إليها بعد أحكامه، وهي أن الذي قدر على خلقه من الماء الدافق الذي لا صورة فيه ولا تقدير ولا مثال فيه للشخص المخلوق، قادر على أن يرجع هذا الشخص بعد موته، بل هذا أسهل وأيسر لسبق مثال الشخص وتقدم صورته في الخلق الأول، فقال سبحانه ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ  يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ  ﴾ فهذه الآية استئناف كلام لبيان نتيجة من نتائج النظر السابق، أي اعلم -بعد ما أحكمت نظرك- أن الله قادر على إزعاجك وإعادتك إلى الحياة في ذلك اليوم إلى يوم القيامة.

وهو اليوم الذي تبلى فيه السرائر، وتتصفح الضمائر، ويظهر الطيب والخبيث، فلا يبقى في سريرة سر، بل تنقلب كل خفية إلى الجهر، فلا يكون جدال ولا حجاج، ولا يستطيع المسيء أن يقول قد كنت محسنًا، ولا يبقى لذوي الأعمال إلا انتظار الجزاء على ما قدموا: فإما حلول عقاب، وإما مصير إلى حسن ثواب، ولا تكون لأحد قوة على الإفلات مما قدر له جزاء لعمله إن كان سيئًا، ولا ناصر ينصره فيحميه مما حتم عليه أن يقع فيه.

وهذا هو معنى ترتيب قوله ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ  ﴾ على قوله ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ  ﴾ .

بعد أن أكد سبحانه بالقسم الأول على أن على الأنفس رقيبًا، واستدل عليه، وذلك إثبات للألوهية، وتقرير لإحاطة علم الله وقدرته بالأنفس في جميع أطوارها -وهو الركن الأول من أركان عقائد الدين- وبعد أن بيَّن قدرته على إعادة الإنسان بعد موته -وهو إثبات لليوم الآخر الذي هو الركن الثاني- جاء بنا إلى الركن الثالث من أركان عقائد الدين، وهو رسالة سيدنا محمد  ، فابتدأ الكلام فيه بقسم أيضًا لشدة نزاع الجاحدين فيها حيث قال ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ  ﴾ إلخ.

إن الله يقسم بالأمر له مزية يعرفها المخاطب إعظامًا لتلك المزية.

لهذا قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ  ﴾ .

الرجع في لسان العرب هو الماء.

وأمتع شيء ينتظره المخاطبون من السماء هو الماء ماء المطر.

ومن فسر الرجع بالمطر لم يبتعد عن المعنى.

(والصدع) النبات، لأنه يصدع الأرض، أي يشقها، وأفضل ما تميل إليه الأنفس من الأرض نباتها.

أقسم بالسماء التي تفيض عليكم بمائها، والأرض التي تقيم معاشكم بنباتها، أن هذا القول الذي جاءكم به محمد  لقول فصل، أي حق واضح ولا مجال للريب فيه، فلا تشتبك فيه الظنون، ولا تتلاحم الأوهام، ولا يعود إليه نقض، وهو لذلك جد الجد فلا يكون هزلًا.

بعد أن بيّن الأركان الثلاثة لعقائد الدين: وهي الألوهية والمعاد والرسالة -أخذ يذكرنا بحال الجاحدين للحق المحاربين له بقوله ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا  ﴾ الكيد: المكر.

فإذا أسند إلى الله للمشاكلة -كما في هذه الآية- أريد منه لازمه، وهو الوصول بالعامل إلى عاقبة عمله من حيث لا يشعر بها.

وقد يكون المكر والكيد إيقاع المكروه على غرة، وأخذ الممكور به من حيث لا يعلم كيف أُخذ.

فيكون استعماله في جانب الحق على الحقيقة لأن الله يمهل الحائدين عن أمره الصادين عن سبيله، ثم يأخذهم وهم نائمون على فراش الأمن، وهذا هو ما يعبر عنه في اللغة بالمكر.

وإن كان في جانب المخلوق يحتاج إلى حيلة لأن لا قوة له هو ما يعبر عنه في اللغة بالمكر.

وإن كان في جانب المخلوق يحتاج إلى حيلة لأنه لا قوة له على مثل هذا إلا بالحيلة، وفي جانب الخالق يتبرأ من الحيلة لأنه -جل شأنه- له الحول كله والقوة جميعها.

يقول -والله أعلم- إن الذين يحرصون على ما كانوا عليه، ولا يستمعون قولك فيما تدعوهم إليه، ويزينون للناس مشايعتهم على أهوائهم، ويموهون الأباطيل ليخدعوا بها عقولهم، أولئك قوم ماكرون خادعون لا يريدون بك ولا بمن ينخدع لهم إلا السوء.

غير أني قد قضيت بأن لا مفر لهم من عاقبة أمرهم، ولا محيد لهم عما تؤدي إليه سيئات أعمالهم، فيصيبهم العقاب من حيث لا يشعرون، فلا يحزنك ما ترى منهم، ولا تستبطئ حلول النكال بهم، بل مهلهم.

أي لا تستعجل عقابهم.

و ﴿ أَمْهِلْهُمْ  ﴾ بمعنى مهلهم، فهو بدل منه للتأكيد، أو تكرير بلفظ آخر للتأكيد كذلك.

و (رويدًا) أي قليلًا.

وفي ذلك وعيد شديد لهم بأن ما يصيبهم قريب، سواء كان في الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت.

ثم فيه الوعد للنبي  ، بل لكان داع إلى الحق الذي جاء به، أنه سيبلغ من النجاح ما يستحقه عمله، وأن المناوئين له هم الخاسرون.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله