الإسلام > القرآن > سور > سورة 88 الغاشية > الآية ١ من سورة الغاشية
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الغاشية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
تفسير سورة الغاشية وهي مكية .
قد تقدم عن النعمان بن بشير : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ ب " سبح اسم ربك الأعلى " والغاشية في صلاة العيد ويوم الجمعة .
وقال الإمام مالك ، عن ضمرة بن سعيد ، عن عبيد الله بن عبد الله : أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير : بم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة ؟
قال : " هل أتاك حديث الغاشية " .
رواه أبو داود عن القعنبي ، والنسائي عن قتيبة ، كلاهما عن مالك به ، ورواه مسلم وابن ماجه ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن ضمرة بن سعيد ، به .
الغاشية : من أسماء يوم القيامة .
قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ; لأنها تغشى الناس وتعمهم .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة تقرأ : ( هل أتاك حديث الغاشية ) فقام يستمع ويقول : " نعم ، قد جاءني " .
القول في تأويل قوله تعالى : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( هَلْ أَتَاكَ ) يا محمد ( حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) يعني: قصتها وخبرها.
واختلف أهل التأويل في معنى الغاشية، فقال بعضهم: هي القيامة تغشي الناس بالأهوال.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( الْغَاشِيَةِ ) من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله، وحذّره عباده.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) قال: الغاشية: الساعة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) قال: الساعة.
وقال آخرون: بل الغاشية: النار تغشَى وجوه الكَفَرة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد، في قوله: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) قال: غاشية النار.
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) لم يخبرنا أنه عنى غاشية القيامة، ولا أنه عنى غاشية النار.
وكلتاهما غاشية، هذه تغشى الناس بالبلاء والأهوال والكروب، وهذه تغشي الكفار باللفح في الوجوه، والشُّواظ والنحاس، فلا قول في ذلك أصحّ من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه، ويعمّ الخبر بذلك كما عمه.
سورة الغاشيةوهي مكية في قول الجميع ، وهي ست وعشرون آيةبسم الله الرحمن الرحيمهل أتاك حديث الغاشية هل بمعنى قد كقوله : هل أتى على الإنسان قاله قطرب .
أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية أي القيامة التي تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها قاله أكثر المفسرين .
وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب : الغاشية : النار تغشى وجوه الكفار ورواه أبو صالح عن ابن عباس ودليله قوله تعالى : وتغشى وجوههم النار .
وقيل : تغشى الخلق .
وقيل : المراد النفخة الثانية للبعث ; لأنها تغشى الخلائق .
وقيل : ( الغاشية ) أهل النار يغشونها ، ويقتحمون فيها .
وقيل : معنى هل أتاك أي هذا لم يكن من علمك ، ولا من علم قومك .
قال ابن عباس : لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور هاهنا .
وقيل : إنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله ومعناه إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك وهو معنى قول الكلبي .
يذكر تعالى أحوال يوم القيامة وما فيها من الأهوال الطامة، وأنها تغشى الخلائق بشدائدها، فيجازون بأعمالهم، ويتميزون إلى فريقين: فريقًا في الجنة، وفريقًا في السعير.
مكية "هل أتاك حديث الغاشية"، يعني: قد أتاك حديث القيامة، تغشى كل شيء بالأهوال.
«هل» قد «أتاك حديث الغاشية» القيامة لأنها تغشى الخلائق بأهوالها.
هل أتاك -أيها الرسول- خبر القيامة التي تغشى الناس بأهوالها؟
الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية ) للتحقيق والتقرير ، أو المقصود به التعجيب من حديث القيامة ، والتشويق إلى الاستماع إليه .والغاشية : لفظ مشتق من الغشيان ، وهو تغطية الشئ لغيره ، يقال : غشيه الأمر ، إذا غطاه ، والمقصود بالغاشية يوم القيامة ، ووصف يوم القيامة بذلك ، لأنه يغشى الناس بأهواله وشدائده ، ويغطى عقولهم عن التفكير فى أى شئ سواه .والمعنى : هل بلغك - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - حديث يوم القيامة ، الذى يغشى الناس بأحواله المفزعة ، ويعمهم بشدائده .
.
إن كان لم يأتك فهذا خبره ، وتلك هى أقسام الناس فيه .وافتتاح السورة بهذا الافتتاح - بجانب ما فيه من تشويق - يدل على أهمية هذا الخبر ، وأنه من الأخبار التى ينبغى الاستعداد لما اشتملت عليه من معانى لا يصح التغافل عنها .
اعلم أن في قوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية ﴾ مسألتين: المسألة الأولى: ذكروا في الغاشية وجوهاً أحدها: أنها القيامة من قوله: ﴿ يَوْمَ يغشاهم العذاب ﴾ إنما سميت القيامة بهذا الاسم، لأن ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاش له، والقيامة كذلك من وجوه: الأول: أنها ترد على الخلق بغتة وهو كقوله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ الله ﴾ ، والثاني: أنها تغشى الناس جميعاً من الأولين والآخرين.
والثالث: أنها تغشى الناس بالأهوال والشدائد القول الثاني: الغاشية هي النار أي تغشى وجوه الكفرة وأهل النار قال تعالى: ﴿ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار ﴾ ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل القول الثالث: الغاشية أهل النار يغشونها ويقعون فيها والأول أقرب، لأن على هذا التقدير يصير المعنى أن يوم القيامة يكون بعض الناس في الشقاوة، وبعضهم في السعادة.
المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ هَلُ أَتَاكَ ﴾ وذلك لأنه تعالى عرف رسول الله من حالها، وحال الناس فيها ما لم يكن هو ولا قومه عارفاً به على التفصيل، لأن العقل إن دل فإنه لا يدل إلا على أن حال العصاة مخالفة لحال المطيعين.
فأما كيفية تلك التفاصيل فلا سبيل للعقل إليها، فلما عرفه الله تفصيل تلك الأحوال، لا جرم قال: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشعة * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ فاعلم أنه وصف لأهل الشقاوة، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بالوجوه أصحاب الوجوه وهم الكفار، بدليل أنه تعالى وصف الوجوه بأنها خاشعة عاملة ناصبة، وذلك من صفات المكلف، لكن الخشوع يظهر في الوجه فعلقه بالوجه لذلك، وهو كقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ وقوله: ﴿ خاشعة ﴾ أي ذليلة قد عراهم الخزي والهوان، كما قال: ﴿ وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خاشعين مِنَ الذل يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ ﴾ وإنما يظهر الذل في الوجه، لأنه ضد الكبر الذي محله الرأس والدماغ.
وأما العاملة فهي التي تعمل الأعمال، ومعنى النصب الدؤوب في العمل مع التعب.
المسألة الثانية: الوجوه الممكنة في هذه الصفات الثلاثة لا تزيد على ثلاثة، لأنه إما أن يقال: هذه الصفات بأسرها حاصلة في الآخرة، أو هي بأسرها حاصلة في الدنيا، أو بعضها في الآخرة وبعضها في الدنيا أما الوجه الأول: وهو أنها بأسرها حاصلة في الآخرة فهو أن الكفار يكونون يوم القيامة خاشعين أي ذليلين، وذلك لأنها في الدنيا تكبرت عن عبادة الله، وعاملين لأنها تعمل في النار عملاً تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال الثقيلة، على ما قال: ﴿ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً ﴾ وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل بحيث ترتقي عنه تارة وتغوص فيه أخرى والتقحم في حر جهنم والوقوف عراة حفاة جياعاً عطاشاً في العرصات قبل دخول النار في يوم كان مقداره ألف سنة، وناصبين لأنهم دائماً يكونون في ذلك العمل قال الحسن: هذه الصفات كان يجب أن تكون حاصلة في الدنيا لأجل الله تعالى، فلما لم تكن كذلك سلطها الله عليهم يوم القيامة على سبيل العقاب وأما الوجه الثاني: وهو أنها بأسرها حاصلة في الدنيا، فقيل: هم أصحاب الصوامع من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس، والمعنى أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب، وذلك لأنهم لما اعتقدوا في الله ما لا يليق به، فكأنهم أطاعوا ذاتاً موصوفة بالصفات التي تخيلوها فهم في الحقيقة ما عبدوا الله وإنما عبدوا ذلك المتخيل الذي لا وجود له، فلا جرم لا تنفعهم تلك العبادة أصلاً وأما الوجه الثالث: وهو أن بعض تلك الصفات حاصل في الآخرة وبعضها في الدنيا ففيه وجوه: أحدها: أنها خاشعة في الآخرة، مع أنها كانت في الدنيا عاملة ناصبة، والمعنى أنها لم تنتفع بعملها ونصبها في الدنيا، ولا يمتنع وصفهم ببعض أوصاف الآخرة، ثم يذكر بعض أوصاف الدنيا ثم يعاد ذكر الآخرة، إذا كان المعنى في ذلك مفهوماً فكأنه تعالى قال: وجوه يوم القيامة خاشعة، لأنها كانت في الدنيا عاملة ناصبة في غير طاعة الله، فهي إذن تصلى ناراً حامية في الآخرة ثانيها: أنها خاشعة عاملة في الدنيا، ولكنها ناصبة في الآخرة، فخشوعها في الدنيا خوفها الداعي لها إلى الإعراض عن لذائذ الدنيا وطيباتها، وعملها هو صلاتها وصومها ونصبها في الآخرة هو مقاساة العذاب على ما قال تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله ما لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ وقرئ عاملة ناصبة على الشتم، واعلم أنه تعالى بعد أن وصفهم بهذه الصفات الثلاثة شرح بعد ذلك كيفية مكانهم ومشربهم ومطعمهم نعوذ بالله منها.
أما مكانهم فقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ الغاشية ﴾ الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها.
يعني القيامة، من قوله: ﴿ يَوْمَ يغشاهم العذاب ﴾ [العنكبوت: 55] ، وقيل: النار، من قوله: ﴿ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار ﴾ [إبراهيم: 50] ، ﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ [الأعراف: 41] ، ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ يوم إذ غشيت ﴿ خاشعة ﴾ ذليلة ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ تعمل في النار عملاً تتعب فيه، وهو جرها السلاسل والأغلال، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار، وهبوطها في حدور منها.
وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت، فهي في نصب منها في الآخرة، وقيل: عملت ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة.
من قوله ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ﴾ [الفرقان: 23] .
﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 104] ، ﴿ أُولَئِكَ الذين حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ [آل عمران: 22] ، وقيل: هم أصحاب الصوامع، ومعناه: أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب، والتهجد الواصب وقرئ ﴿ عاملة ناصبة ﴾ على الشتم.
قرئ ﴿ تصلى ﴾ بفتح التاء.
وتصلى بضمها.
وتصلى بالتشديد.
وقيل: المصلى عند العرب: أن يحفروا حفيراً فيجمعوا فيه جمراً كثيراً، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو في التنور، فلا يسمى مصلياً ﴿ ءانِيَةٍ ﴾ متناهية في الحرّ، كقوله: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ ﴾ [الرحمن: 44] الضريع يبيس الشبرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل قال أبو ذؤيب: رَعَى الشِّبْرِقَ الرَّيَّانَ حَتَّى إذَا ذَوَى ** وَعَادَ ضَرِيعاً بَانَ عَنْهُ النَّحَائِصُ وقال: وَحُبِسَ فِي هَزْمِ الضِّرِيعِ فَكُلْهَا ** حَدْبَاءُ دَامِيَةُ الْيَدَيْنِ حَرُودُ فإن قلت: كيف قيل ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ﴾ وفي الحاقة ﴿ ولا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ [الحاقة: 36] قلت: العذاب ألوان، والمعذبون طبقات؛ فمنهم أكلة الزقوم ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع: لكل باب منهم جزء مقسوم ﴿ لاَّ يُسْمِنُ ﴾ مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام.
أو ضريع، يعني: أنّ طعامهم من شيء ليس من مطاعم الإنس، وإنما هو شوك والشوك مما ترعاه الإبل وتتولع به.
وهذا نوع منه تنفر عنه ولا تقربه.
ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه: وهما إماطة الجوع، وإفادة القوّة والسمن في البدن.
أو أريد: أن لا طعام لهم أصلاً: لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلاً عن الإنس؛ لأن الطعام ما أشبع أو أسمن، وهو منهما بمعزل كما تقول ليس لفلان ظل إلا الشمس، تريد: نفي الظل على التوكيد.
وقيل: قالت كفار قريش: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت ﴿ لاَّ يُسْمِنُ ﴾ فلا يخلوا إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك وهو الظاهر، فيردّ قولهم بنفي السمن والشبع.
وإما أن يصدقوا فيكون المعنى: أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الغاشِيَةِ مَكِّيَّةٌ وهي سِتٌّ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ ﴾ الدّاهِيَةِ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ النّارِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ ﴾ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ﴾ ذَلِيلَةٌ.
﴿ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ﴾ تَعْمَلُ ما تَتْعَبُ فِيهِ كَجَرِّ السَّلاسِلِ وخَوْضِها في النّارِ خَوْضَ الإبِلِ في الوَحْلِ، والصُّعُودِ والهُبُوطِ في تِلالِها ووِهادِها، أوْ عَمِلَتْ ونَصِبَتْ في أعْمالٍ لا تَنْفَعُها يَوْمَئِذٍ.
﴿ تَصْلى نارًا ﴾ تَدْخُلُها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ تُصْلى مِن أصْلاهُ اللَّهُ، وقُرِئَ «تُصَّلِّ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿ حامِيَةً ﴾ مُتَناهِيَةً في الحَرِّ.
﴿ تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ بَلَغَتْ أناها في الحَرِّ.
<div class="verse-tafsir"
{وُجُوهٌ} أي وجوه الكفار وإنما خص الوجه لأن الحزن والسرور إذا استحكما في المرء أثرا فى وجهه {يومئذ} يوم اذ لو غشيت {خاشعة} ذلة لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان
سُورَةُ الغاشِيَةِ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وعِدَّةُ آياتِها سِتٌّ وعِشْرُونَ كَذَلِكَ.
وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقْرَؤُها في الجُمْعَةِ مَعَ سُورَتِها.
ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ فِيما قَبِلَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ والجَنَّةِ والنّارِ إجْمالًا بَسَطَ الكَلامَ هاهُنا فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ ﴾ قِيلَ: ﴿ هَلْ ﴾ بِمَعْنى قَدْ وهو ظاهِرُ كَلامِ قُطْرُبٍ حَيْثُ قالَ: أيْ: قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، والمُخْتارُ أنَّهُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّعْجِيبُ مِمّا في حَيِّزِهِ والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِهِ والإشْعارُ بِأنَّهُ مِنَ الأحادِيثِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَتَناقَلَها الرُّواةُ ويَتَنافَسَ في تَلَقُّنِها الوُعاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى امْرَأةٍ تَقْرَأُ: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ ﴾ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَمِعُ ويَقُولُ: «نَعَمْ قَدْ جاءَنِي».» و«الغاشِيَةُ» القِيامَةُ كَما قالَ سُفْيانُ والجُمْهُورُ وأُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ لِأنَّها تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها وتَكْتَنِفُهم بِأهْوالِها.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ النّارُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ ﴾ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّ ما سَيُرى مِن حَدِيثِها لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنّارِ وأهْلِها بَلْ ناطِقٌ بِأحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
وهي ست وعشرون آية مكية قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ هل استفهام، واستفهم الله تعالى نبيه ، ولم يكن أتاه بعد، فكأنه قال: لا يأتيك خبره، ثم أخبره.
ويقال: معناه: قد أتاك حديث الغاشية، والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، وإنما سميت غاشية، لأنها تغشى الخلق كلهم.
كما يقال: يوماً كان شره مستطيراً، ويقال: الغاشية النار، وإنما سميت غاشية، لأنها تغشى وجوه الكفار.
كما قال: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم: 5] أو كقوله: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت: 55] ويقال: الغاشية دخان النار، يخرج من النار يوم القيامة، عنق من النار، فيحيط بالكفار مثل السرادق، ويجيء دخانها، فيغشى الخلائق، حتى لا يرى بعضهم بعضاً، إلا من جعل الله تعالى له نوراً، بصالح عمله في الدنيا كقوله: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات: 33] وكقوله: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) [الواقعة: 43] ويقال: تغشى الغاشية الصراط المنافقين.
كقوله: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: 13] الآية.
ثم وصف ذلك اليوم وقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ يعني: من الوجوه، وجوه يومئذ خائفة، ذليلة في العذاب.
وهي وجوه الكفار.
ثم قال: عامِلَةٌ يعني: تُجَرُّ على وجوهها في النار ناصِبَةٌ يعني: من تعب وعذاب في النار.
ويقال: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ يعني: تكلف الصعود على عتبة ملساء من النار، فيرتقيها في عناء ومشقة، فإذا ارتقى إلى ذروتها، هبط منها إلى أسفلها.
ويقال: نزلت في رهبان النصارى، عاملة في الدنيا، ناصبة في العبادة، أشقياء في الدُّنيا والآخرة.
ويقال: عاملة في الدنيا بالمعاصي والذنوب، ناصبة في الآخرة بالعذاب تَصْلى نَاراً حامِيَةً يعني: تدخل ناراً حارة، قد أوقدت ثلاثة آلاف سَنَةٍ، حَتَّى اسْوَدَّتْ.
فَهِي سوداء مظلمة.
قوله تعالى: تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي: من عين حارة، قد انتهى حرُّها لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ وهذا في بضع دركها إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، بضم التاء تَصْلى نَاراً وقرأ الباقون، بالنصب.
فمن قرأ بالضم لمعنى المفعول الذي لم يسم فاعله، ونصب ناراً على أنه مفعول ثان، ومن قرأ بالنصب، جعل الفعل الذي يدخل النار، وهو كناية عن الوجوه.
ولهذا ذكره بلفظ التأنيث.
ثم قال: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ والضريع نبات بين طريق مكة واليمن فإذا أكل الكفار منه بقي في حلقهم لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ يعني: غير الضريع لاَّ يُسْمِنُ يعني: لا يشبع الضريع وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ يعني: ولا ينفع من جوع، وهذا الجزاء، للذي يتعب نفسه للعمل في الدنيا والمعاصي، وما لا يحتاج إليه.
ثم وصف مكان الذي يعمل لله تعالى، ويترك عمل المعصية، ويؤدي ما أمر الله تعالى، ويترك ما نهي عنه فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ يعني: من الوجوه ما تكون ناعمة، يعني: في نعمة وكرامة، وهي وجوه المؤمنين والتائبين، والصالحين.
ويقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ يعني: مشرقة مضيئة، مثل القمر ليلة البدر لِسَعْيِها راضِيَةٌ يعني: لثواب عملها راضية.
ويقال: لثواب سعيه، الذي عمل في الدنيا من الخير.
يعني: رأى ثوابه في الجنة، راضِيَةٌ مرضية، بعمله في الدنيا، ورضي العبد من الله تعالى في الآخرة.
من الثواب فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ يعني: ذلك الثواب في جنة عالية، مرتفعة في الدرجات العلى.
وروي عن النبي ، أنه قال: «إنَّ المُتَحَابِّينَ لله تَعَالَى فِي غُرْفَةٍ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، كَمَا يَنْظُرُ أَهْلُ الأَرْضِ إلَى كَوَاكِبِ السَّمَاءِ» .
ثم قال عز وجل: لاَّ تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً يعني: لا يكون في الجنة لغو ولا باطل، وليس فيها غل ولا غش.
قرأ نافع لا تُسمع بضم تاء التأنيث، لأن اللاغية مؤنثة.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، لا يسمع بضم الياء على معنى: فعل، ما لم يسم فاعله، وإنما ذكر بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى المعنى.
يعني: إلى اللغو.
وروي عن ابن كثير، ونافع في إحدى الروايتين، بنصب التاء، يعني: لا تسمع في الجنة أيها الداخل، كلمة لغو، لأن أهل الجنة، لا يتكلمون إلا بالحكمة، وحمد الله تعالى.
ثم قال: فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يعني: في الجنة، عين جارية ماؤها أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فمن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ويذهب من قلبه الغل، والغش والحسد، والعداوة والبغضاء.
ثم قال: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ يعني: مرتفعة وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ يعني: الكيزان التي لا عرى لها، مدورة الرأس وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ يعني: فيها وسائد، قد صف بعضها إلى بعض على الطنافس.
<div class="verse-tafsir"
تفسير سورة «الغاشية»
وهي مكّيّة بإجماع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢)
قال بعض المفسرين: هَلْ بمعنى «قَدْ» وقال الحُذَّاق: هي على بابها توقيفٌ فائِدتُه تَحْرِيكُ نفس السامع إلى تلقّي الخبر، والْغاشِيَةِ القيامة، لأنها تَغْشَى العالَم كلَّه بهَوْلِها، والوجوهُ الخاشعةُ هي وجوهُ الكُفَّارِ وخشوعُها ذلُّها وتغييرُهَا بالعذاب.
عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠)
وقوله سبحانه: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ قال الحسن وغيره: لم تعملْ للَّهِ في الدنيا فأعْمَلَهَا وأَنْصَبَها في النارِ، والنَّصَبُ التَّعبُ «١» ، وقال ابن عباس وغيره: المعنى عاملَةٌ في الدنيا ناصِبَةٌ فِيها على غير هُدًى فَلا ثَمَرَةَ لَعملِها، إلا النَّصَبُ، وخاتمتُه النارُ «٢» ، قالوا: والآية في القِسِّيسينَ وكلِّ مجتهدٍ في كُفْرٍ، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو «تُصْلَى» - بضم التاءِ والباقونَ بفتحها «٣» - والآنيةُ: التي قد انتَهى حرُّها كما قال تعالى وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٤] وقال ابن زيد: آنية: حَاضِرَة «٤» ، والضريعُ: قال الحسن وجماعةً: هو الزَّقُّوم «٥» ، وقال ابن عباسٍ وغيره: الضريع شبرق النار «٦» ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم الضريع شوك
سُورَةُ الغاشِيَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ.
قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَصْلى نارًا حامِيَةً ﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ.
والباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿ تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ.
قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ.
قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ ﴾ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ﴾ ﴿ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ﴾ ﴿ تَصْلى نارًا حامِيَةً ﴾ ﴿ تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ ﴿ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ ﴾ ﴿ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ ﴾ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ﴾ ﴿ لِسَعْيِها راضِيَةٌ ﴾ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ ﴿ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟
فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ.
و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ ﴾ ، وقالَ: ﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ ﴾ ، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ﴾ ، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.
و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ.
و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ: وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ : « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ.
وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ.
وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ يُرِيدُ: السَمْعَ.
وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا.
إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا.
و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
الافتتاح بالاستفهام عن بلوغ خبر الغاشية مستعمل في التشويق إلى معرفة هذا الخبر لما يترتب عليه من الموعظة.
وكونُ الاستفهام ب ﴿ هل ﴾ المفيدة معنى (قد)، فيه مزيد تشويق فهو استفهام صوري يكنى به عن أهمية الخبر بحيث شأنه أن يكون بلَغ السامع، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ وهل أتاك نبؤا الخصم ﴾ في سورة ص (21).
وقوله: ﴿ هل أتاك حديث موسى ﴾ في سورة النازعات (15).
وتقدم هنالك إطلاق فعل الإِتيان على فشو الحديث.
وتعريف ما أضيف إليه حديث } بوصفه ﴿ الغاشية ﴾ الذي يقتضي موصوفاً لم يذكر هو إبهام لزيادة التشويق إلى بيانه الآتي ليتمكن الخبر في الذهن كمال تمكُّن.
والحديث: الخبر المتحدَّث به وهو فعيل بمعنى مفعول، أو الخبر الحاصل بحدثان أي ما حدث من أحوال.
وتقدم في سورة النازعات.
و ﴿ الغاشية ﴾ : مشتقة من الغشيان وهو تغطية متمكنة وهي صفة أريد بها حادثة القيامة سميت غاشية على وجه الاستعارة لأنها إذا حصلت لم يجد الناس مَفراً من أهوالها فكأنها غاششٍ يغشى على عقولهم.
ويطلق الغشيان على غيبوبة العقل فيجوز أن يَكون وصف الغاشية مشتقاً منه.
ففهم من هذا أن الغاشية صفة لمحذوف يدل عليه السياق وتأنيث الغاشية لتأويلها بالحادثة ولم يستعملوها إلا مؤنثة اللفظ والتأنيث كثير في نقل الأوصاف إلى الإسمية مثل الداهية والطامة والصاخة والقارعة والآزفة.
و ﴿ الغاشية ﴾ هنا: علم بالغلبة على ساعة القيامة كما يؤذن بذلك قوله عقبه ﴿ وجوه يومئذ ﴾ [الغاشية: 2] أي يوم الغاشية.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الغاشِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكَفّارِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها في هَذا المَوْضِعِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِلْبَعْثِ لِأنَّها تَغْشى جَمِيعَ الخَلْقِ.
وَ (هَلْ) فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها في مَوْضِعِ قَدْ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الثّانِي: أنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ لِرَسُولِهِ، ومَعْناهُ ألَمْ يَكُنْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، فَقَدْ أتاكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ﴾ في الوُجُوهِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنى وُجُوهَ الكَفّارِ كُلِّهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي قَوْلِهِ (يَوْمَئِذٍ) وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ خاشِعَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ذَلِيلَةً بِمَعاصِيها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها تَخْشَعُ بَعْدَ ذُلٍّ مِن عَذابِ اللَّهِ فَلا تَتَنَعَّمُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ تَكُونَ خاشِعَةً لِتَظاهُرِها بِطاعَتِهِ بَعْدَ اعْتِرافِها بِمَعْصِيَتِهِ.
﴿ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ﴾ في ﴿ عامِلَةٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا عامِلَةٌ بِالمَعاصِي، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّها تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَأعْمَلَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أيْ باذِلَةٌ لِلْعَمَلِ بِطاعَتِهِ إنْ رُدَّتْ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ ناصِبَةٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ناصِبَةٌ في أعْمالِ المَعاصِي.
الثّانِي: ناصِبَةٌ في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أيْ ناصِبَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى مُسْتَجِيرَةٌ بِعَفْوِهِ.
﴿ تَصْلى نارًا حامِيَةً ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى صِفَتِها بِالحَماءِ وهي لا تَكُونُ إلّا حامِيَةً وهو أقَلُّ أحْوالِها، فَما وجْهُ المُبالِغَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ النّاقِصَةِ؟
قِيلَ قَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالحامِيَةِ ها هُنا عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّها دائِمَةُ الحُمّى ولَيْسَتْ كَنارِ الدُّنْيا الَّتِي يَنْقَطِعُ حَمْيُها بِانْطِفائِها.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالحامِيَةِ أنَّها حِمًى يَمْنَعُ مِنَ ارْتِكابِ المَحْظُوراتِ وانْتِهاكِ المَحارِمِ، كَما قالَ النَّبِيُّ : « (وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وإنَّ حِمى اللَّهِ مَحارِمُهُ، ومَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ)» .
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّها تَحْمِي نَفْسَها عَنْ أنْ تُطاقَ مُلامَسَتُها أوْ تُرامَ مُماسَّتُها كَما يَحْمِيَ الأسَدُ عَرِينَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ تَعْدُو الذِّئابُ عَلى مَن لا كِلابَ لَهُ وتَتَّقِي صَوْلَةَ المُسْتَأْسِدِ الحامِي.
الرّابِعُ: أنَّها حامِيَةٌ مِمّا غِيظَ وغَضِبَ، مُبالَغَةً في شِدَّةِ الِانْتِقامِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ ﴿ تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: حاضِرَةٌ.
الثّالِثُ: قَدْ بَلَغَتْ إناها وحانَ شُرْبُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: يَعْنِي قَدْ أنى حَرُّها فانْتَهى واشْتَدَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها شَجَرَةٌ تُسَمِّيها قُرَيْشٌ الشِّبْرِقَ، كَثِيرَةُ الشَّوْكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ قَتادَةُ وإذا يَبِسَ في الصَّيْفِ فَهو ضَرِيعٌ، قالَ الشّاعِرُ رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا نازِعَتْهُ النَّحائِصُ الثّانِي: السَّلْمُ، قالَ أبُو الجَوْزاءِ: كَيْفَ يَسْمَنُ مَن يَأْكُلُ الشَّوْكَ.
الثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ النَّوى المُحَرَّقُ، حَكاهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ بَعْضِ الأعْرابِ.
الخامِسُ: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
السّادِسُ: أنَّ الضَّرِيعَ بِمَعْنى المَضْرُوعِ، أيِ الَّذِي يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج مالك ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أنه سئل بم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟
قال: ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الغاشية القيامة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ قال: الساعة ﴿ وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ﴾ قال: تعمل وتنصب في النار ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قال: هي التي قد طال أنيها ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ قال: حديث الساعة ﴿ وجوه يومئذ خاشعة ﴾ قال: ذليلة في النار ﴿ عاملة ناصبة ﴾ قال: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها وأنصبها في النار ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قال: إناء طبخها منذ خلق الله السموات الأرض ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق شر الطعام وأبشعه وأخبثه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وجوه يومئذ ﴾ قال: يعني في الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ﴾ قال: يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قال: تدانى غليانه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم عن أبي عمران الجوني قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه براهب، فوقف، ونودي الراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين فاطلع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال: قد علمت، ولكني رحمته، ذكرت قول الله: ﴿ عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية ﴾ فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ عاملة ناصبة ﴾ قال: عاملة في الدنيا بالمعاصي تنصب في النار يوم القيامة ﴿ إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ تصلى ناراً حامية ﴾ قال: حارة ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قال: انتهى حرها ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ يقول: من شجر من نار.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ من عين آنية ﴾ قال: قد أنى طبخها منذ خلق الله السموات والأرض.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من عين آنية ﴾ قال: قد بلغت إناها وحان شربها، وفي قوله: ﴿ إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق اليابس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ من عين آنية ﴾ قال: انتهى حرها فليس فوقه حر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ آنية ﴾ قال: حاضرة.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق اليابس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: الضريع بلغة قريش في الربيع الشبرق وفي الصيف الضريع.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: الضريع الشبرق شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض.
وأخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء قال: الضريع السلم، وهو الشوك وكيف يسمن من كان طعامه الشوك؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إلا من ضريع ﴾ قال: من حجارة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إلا من ضريع ﴾ قال: الزقوم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ﴿ من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه بسند واه عن ابن عباس ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شيء يكون في النار شبه الشوك أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حراً من النار، سماه الله الضريع إذا طعمه صاحبه لا يدخل البطن ولا يرتفع إلى الفم فيبقى بين ذلك ولا يغني من جوع» .
أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ في سورة الغاشية ﴿ متكئين فيها ﴾ ناعمين فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ لسعيها راضية ﴾ قال: رضيت عملها.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لا تسمع فيها ﴾ بالتاء ونصب التاء لاغية منصوبة منونة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمع فيها لاغية ﴾ يقول: لا تسمع أذى ولا باطلاً وفي قوله: ﴿ فيها سرر مرفوعة ﴾ قال: بعضها فوق بعض ﴿ ونمارق ﴾ قال: مجالس.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ قال: شتماً.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ قال: مؤذية.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ قال: لا تسمع فيها باطلاً ولا مأثماً وفي قوله: ﴿ ونمارق ﴾ قال: الوسائد وفي قوله: ﴿ مبثوثة ﴾ قال: مبسوطة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فيها سرر مرفوعة ﴾ قال: مرتفعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونمارق ﴾ قال: الوسائد ﴿ وزرابي ﴾ قال: البسط.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونمارق ﴾ قال: المرافق.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وزرابي ﴾ قال: البسط.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وزرابيّ مبثوثة ﴾ قال: بعضها على بعض.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عمار بن محمد قال: صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ فقرأ فيها ﴿ وزرابيّ مبثوثة ﴾ متكئين فيها ناعمين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن أبي الهذيل أن موسى أو غيره من الأنبياء قال: يا رب كيف يكون هذا منك؟
أولياؤك في الأرض خائفون يقتلون، ويطلبون فلا يعطون، وأعداؤك يأكلون ما شاؤوا، ويشربون ما شاؤوا ونحو هذا.
فقال: انطلقوا بعبدي إلى الجنة فينظر ما لم ير مثله قط، إلى أكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابيّ مبثوثة، وإلى الحور العين، وإلى الثمار، وإلى الخدم كأنهم لؤلؤ مكنون.
فقال: ما ضر أوليائي ما أصابهم في الدنيا إذا كان مصيرهم إلى هذا؟
ثم قال: انطلقوا بعبدي هذا فانطلق به إلى النار، فخرج منها عنق فصعق العبد ثم أفاق فقال: ما نفع أعدائي ما أعطيتهم في الدنيا إذا كان مصيرهم إلى هذا؟
قال: لا شيء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال نبي من الأنبياء: اللهم العبد من عبيدك يعبدك ويطيعك ويجتنب سخطك تزوي عنه الدنيا، وتعرض له البلاء.
والعبد يعبد غيرك، ويعمل بمعاصيك، فتعرض له الدنيا وتزوي عنه البلاء.
قال: فأوحى الله إليه أن العباد والبلاد لي، كل يسبح بحمدي فأما عبدي المؤمن فتكون له سيئات فإنما أعرض له البلاء وأزوي عنه الدنيا فتكون كفارة لسيئاته، وأجزيه إذا لقيني وأما عبدي الكافر فتكون له الحسنات فأزوي عنه البلاء، وأعرض له الدنيا فيكون جزاء لحسناته وأجزيه بسيئاته حين يلقاني.
والله أعلم.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما نعت الله ما في الجنة عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: ﴿ أفلا ينظرون إلى الإِبل كيف خلقت ﴾ وكانت الإِبل عيشاً من عيش العرب وخولاً من خولهم ﴿ وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ قال: تصعد إلى الجبل الصخور عامة يومك، فإذا أفضت إلى أعلاه أفضت إلى عيون منفجرة وأثمار متهدلة لم تغرسه الأيدي ولم تعمله الناس نعمة من الله إلى أجل ﴿ وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ أي بسطت يقول: إن الذي خلق هذا قادر على أن يخلق في الجنة ما أراد.
وأخرج عبد بن حميد عن شريح أنه كان يقول لأصحابه: أخرجوا بنا إلى السوق فننظر ﴿ إلى الإِبل كيف خلقت ﴾ .
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، ثم قرأ ﴿ فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ﴾ » .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ بالصاد.
وِأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ يقول: بجبار فاعف عنهم وأصفح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ قال: بقاهر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ قال: كل عبادي إليّ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ بمسيطر ﴾ قال: بمسلط.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ قال: جبار ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ قال: حسابه على الله.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ نسخ ذلك فقال: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن إلينا إيابهم ﴾ قال: مرجعهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء مثله.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: عز وجل ﴿ إن إلينا إيابهم ﴾ قال: الإِياب المرجع.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول: وكل ذي غيبة يؤوب ** وغائب الموت لا يؤوب وقال الآخر: فألقت عصاها واستقر بها النوى ** كما قر عيناً بالإِياب المسافر وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ إن إلينا إيابهم ﴾ قال: منقلبهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ﴾ قال: إلى الله الإِياب، وعلى الله الحساب.
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ (١) (٢) (٣) ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ .
وقال (٤) (٥) (٦) وقوله (٧) (٨) ﴿ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ قال عطاء: خبر القيامة (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾ .
قال (١٦) (١٧) (١) ما بين المقوسين ساقط من (ع).
(٢) لم أعثر على مصدر قوله، وقد ورد بمثله معزوًا إلى أكثر المفسرين في "فتح القدير" 5/ 428.
(٣) "تفسير مقاتل" 238 أ.
(٤) في (أ): (قال).
(٥) ساقط من (أ).
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، ولكش وردت الرواية عن الكلبي في "النكت والعيون" 6/ 257، "فتح القدير" 5/ 428.
(٧) في (أ): (قوله).
(٨) ساقط من (ع).
(٩) لم أعثر على مصدر لقوله، ولقد ورد بمثله معزواً إلى أكثر المفسرين في "الكشف والبيان" ج 13: 79 ب، "المحرر الوجيز" 5/ 472، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 25، وقد ورد بمثل قوله عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 536.
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١١) "تفسير القرآن العظيم" 4/ 536.
(١٢) انظر "تفسير مقاتل" 238 أ.
(١٣) "جامع البيان" 30/ 159، "الكشف" 13/ 79 ب، "المحرر الوجيز" 5/ 472، "زاد المسير" 8/ 232، "التفسير الكبير" 31/ 151، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 25، "البحر المحيط" 8/ 462، "فتح القدير" 5/ 428، "تفسير سعيد بن جبير" 372.
(١٤) "زاد المسير" 8/ 232، "التفسير الكبير" 31/ 151، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 25، "البحر المحيط" 8/ 462، "فتح القدير" 5/ 428.
(١٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٦) في (ع): (وقال).
(١٧) لم أعثر على مصدر لقوله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ توقيف يراد به التنبيه والتفخيم للأمر، قيل: هل بمعنى قد وهذا ضعيف ﴿ الغاشية ﴾ هي القيامة لأنها تغشى جميع الخلق، وقيل: هي النار من قوله: ﴿ وتغشى وُجُوهَهُمُ النار ﴾ [إبراهيم: 50] وهذا ضعيف لأنه ذكر بعد ذلك قسمين: أهل الشقاوة وأهل السعادة ﴿ خَاشِعَةٌ ﴾ أي ذليلة ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ هو من النصب بمعنى التعب، وفي المراد بهم ثلاثة أقوال: أحدهما أنهم الكفار ويحتمل على هذا يكون عملهم ونصبهم في الدنيا لأنهم كانوا يعملون أعمال السوء ويتعبون فيها، أو يكون في الآخرة فيعملون فيها عملاً يتعبون فيه من جر السلاسل والأغلال وشبه ذلك ويكون زيادة في عذابهم.
الثاني: أنها في الرهبان الذين يجتهدون في العبادة ولا تقبل منهم، لأنهم على غير الإسلام وبهذا تأولها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهداً.
فعاملة ناصبة على هذا في الدنيا، وناصبة إشارة إلى أجتهادهم في العمل، أو إلى أنه لا ينفعهم فليس لهم منه إلا النصب.
الثالث أنها في القدرية.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر القدرية فبكى وقال: إن فيهم المجتهد.
﴿ تسقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ أي شديدة الحر، ومنه ﴿ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ ، [الرحمن: 44] ووزن آنية هنا فاعلة بخلاف «آنية من فضة» فإن وزنه أفعله ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ﴾ في الضريع أربعة أقوال: أحدهما أنه شوك يقال له الشبوق وهو سم قاتل وهذا أرجح لأقوال؛ لأن أرباب اللغة ذكروه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الضريع شوك في النار.
الثاني: أنه الزقوم لقوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم ﴾ [الدخان: 43-44] الثالث: إنه نبات أخضر منتن ينبت في البحر وهذا ضعيف، لأن ما يجري في الوادي ليس بطعام إنما هو شراب، ولله در من قال: الضريع طعام أهل النار فإنه أعم وأسلم من عهده التعيين.
واشتقاقه عند بعضهم من المضارعة، بمعنى المشابهة لأنه يشبه الطعام الطيب وليس به، وقيل: بمعنى مضرع للبدن أي مضعف وقيل: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ، فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ وقال في الحاقة: ﴿ ولا طعام إلا من غسلين ﴾ فالجواب: أن الضريع لقوم والغسلين لقوم، أو يكون أحدهما في حال والآخر في حال ﴿ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ ﴾ هذه الجمة صفة لضريع، ولطعام نفي عنه منفعة الطعام وهي التسمين وإزالة الجوع.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ تصلى ﴾ بضم التاء من الإصلاء: أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالفتح ﴿ لا يسمع ﴾ بضم الياء التحتانية ﴿ لاغية ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
وقرأ نافع بتاء التأنيث والرفع.
الآخرون: بفتح تاء التأنيث أو الخطاب لكل سامع ﴿ لاغية ﴾ بانصب.
﴿ بمصيطر ﴾ بالصاد: أبو جعفر ونافع وعاصم وعلي وخلف.
وقرأ حمزة في رواية بإشمام الزاي.
الباقون: بالسين.
﴿ إيابهم ﴾ بالتشديد: يزيد.
الوقوف: ﴿ الغاشية ﴾ ه ط ﴿ خاشعة ﴾ ه ﴿ ناصبة ﴾ ه ك ﴿ حامية ﴾ ه ك ﴿ آنية ﴾ ه ط لتمام الأوصاف ﴿ ضريع ﴾ ه ط ﴿ جوع ﴾ ه ج للابتداء بعده ﴿ ناعمة ﴾ ه لا ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه ج ﴿ لاغية ﴾ ه ط ﴿ جارية ﴾ ه م لئلا يتوهم أن ما بعدها صفة لعين فيكون في الحارية سرور ليس كذلك ﴿ مرفوعة ﴾ ه لا ﴿ موضوعة ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ه لا ﴿ مبثوثة ﴾ ه ط ﴿ خلقت ﴾ ه ﴿ رفعت ﴾ ه ك ﴿ نصبت ﴾ ه ط ﴿ سطحت ﴾ ه وقد يوقف على الآيات الأربع لأجل مهلة النظر وإلا فلكل متسقة ﴿ مذكر ﴾ ه ط ﴿ بمصيطر ﴾ ه لا ﴿ وكفر ﴾ ه ك ﴿ الأكبر ﴾ ه ط ﴿ إيابهم ﴾ ه لا ﴿ حسابهم ﴾ ه.
التفسير: لما انجر الكلام في السورة المتقدّمة إلى ذكر الآخرة، شرح في هذه السورة بعض أحوال المكلفين فيها.
والغاشية القيامة لأنها تغشى الناس بشدائدها، وكل ما أحاط بالشيء من جميع الجهات فهو غاشٍ له قال الله ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ وقال ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ أي لم يأتك حديث هذه الداهية وقد أتاك الآن فاستمع.
وقدّم وصف الأشقياء لأن مبنى السورة على التخويف كما ينبىء عنه لفظ الغاشية.
والمراد بالوجه الذات ووجه حسن هذا المجاز أن الخشوع والانكسار والذل وأضدادها يتبين أكثرها في الوجه كقوله ﴿ وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفيّ ﴾ والعمل والنصب أي التعب.
قيل: كلاهما في الآخرة وهو والأظهر لقوله ﴿ يومئذ ﴾ أي تعمل في النار عملاً تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال وخوضعها في النار خوض الدابة في الوحل وتردّدها في صعود من نار وحدور منها.
قال الحسن: كان يجب عليها أن تعمل لله في الدنيا خاشعة ناصبة فلام قصر في ذلك وقع في مثله بعد المفارقة إلى أن يشاء الله ليكون معارضاً بنقيض مقصوده.
وقيل: كلاهما في الدنيا وهم أصحاب الصوامع خشعت وجوههم لله وعملت ونصبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة، لأن أعمالهم مبنية على غير أساس من الدين الحنيفي.
وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء فهي في نصب منها في الآخرة.
ثم شرح مكانهم وهو النار الشديدة الحر، ومشروبهم وهو من عين آنية أي متناهية في الحرارة، ومطعومهم وهو الضريع.
وإنما قدّم المشروب على الضريع المطعوم لأن الماء يناسب النار مناسبة الضدين أو الشبيهين من حيث بساطتهما، أو لأنهم إذا أثر فيهم حر النار غلب عليهم العطش وكان الماء عندهم أهم، ثم إذا أثرت فيهم الحرارتان أرادوا أن يدفعوا ألم الإحساس بها بما يزيد العذاب على البدن، هذا مع أن الواو ليست للترتيب.
قال الحسن: لا أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا وقد يروى عنه أيضاً أنه " فعيل " بمعنى " مفعل " كالأليم بمعنى المؤلم.
والبديع بمعنى المبدع ومعناه إلا من طعام يحملهم على الضراعة والذل عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة والحرارة.
وعن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك.
قال أبو الجوزاء: كيف يسمن من يأكل الشوك.
وفي الخبر " الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأشدّ حراً من النار" قال العلماء: إن للنار دركات وأهلها على طبقات: فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه ضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ ووجود النبت في النار ليس ببدع من قدرة الله كوجود بدن الإنسان والعقارب والحيات فيها.
قوله ﴿ لا يسمن ولا يغني من جوع ﴾ صفة للطعام أو للضريع، وفيه أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس لكن من جنس الشوك الذي ترعاه الإبل ما دام رطباً فإذا يبس نفرت عنه لأنه سم قاتل.
ويحتمل أن يراد لا طعام لهم أصلاً لأن الضريع يبيس هذا الشوك والإبل تنفر عنه كما قلنا فهو كقوله " ليس لفلان ظل إلا الشمس " يريد نفي الظل على التوكيد.
وروي أن كفار قريش قالوا على سبيل التعنت حين سمعوا الآية: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت ﴿ لا يسمن ولا يغني من جوع ﴾ أي ليس فيه منفعة الغذاء ولا الاسمان ودفع الجوع كذبهم الله في قولهم يسمن الضريع، أو نبههم الله بعد تسليم أن ضريعهم مسمن على أن ضريع النار ليس كذلك أي كل ما في النار يجب أن يكون خالياً عن النفع.
ثم أخذ في وصف السعداء فقال ﴿ وجوه ﴾ وإنما فقد العاطف خلاف ما في سورة القيامة لأنه أراد ههنا تفصيل ما أجمل في قوله ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ ومعنى ناعمة ذات نعومة أو تنعم.
وقوله ﴿ لسعيها راضية ﴾ أي رضيت بما عملت في الدنيا وأثنت عليه نحو قولها " ما أحسن ما عملت " وذلك إذا رأت محلها ومنزلتها في الكرامة والثواب أو رضيت لجزاء سعيها حين رأت ما لا مزيد عليه.
واللاغية اللغو مصدر كالعافية والباقية، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف أي كلمة ذات لغو.
قوله ﴿ عين جارية ﴾ قال جار الله: يريد عيوناً في غاية الكثرة كقوله ﴿ علمت نفس ﴾ قال الكلبي: لا أدري جرت بماء أو غيره.
قال القفال: عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود وتجري لهم كما أرادوا.
﴿ مرفوعة ﴾ في الرتبة أو مرتفعة عن الأرض ليرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما آتاه الله من الخدم والملك، فإذا جاء وليّ الله ليجلس عليها تطأطأت له، فإذا استوى عليها ارتفعت إلى حيث أراد الله.
وقد وصفها ابن عباس بأن ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت.
وقيل: مرفوعة أي مخبوءة لهم من رفع الشيء إذا خبأه.
والأكواب الكيزان التي لا عرى لها كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم حاضرة أو موضوعة على حافات العيون ليشرب بها.
وجوّز في الكشاف أن يراد موضوعة من حدّ الكبر إلى التوسط والاعتدال.
والنمارق الوسائد واحدها نمرقة بضم النون.
وروى الفراء بكسرها أيضاً ﴿ مصفوفة ﴾ بعضها بجنب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة وأسند إلى أخرى.
والزرابيّ البسط العراض الفاخرة واحدها زربية بكسر الزاي، وقيل: هي الطنافس التي لها خمل رقيق.
و ﴿ مبثوثة ﴾ أي مبسوطة أو مفرقة في المجلس.
وحين ذكر أحوال المعاد عاد إلى الاستدلال على المبدأ فإن من عادة كتاب الله الكريم أنه يرجع إلى تذكير الأصول عوداً إلى بداية.
وللمحققين في نسق الآية وفي تناسب هذه الأمور وجوه منها: قول أكثر أهل المعاني إن القرآن إنما نزل بلغة العرب فيجب أن يخاطبوا بحسب ما هو مركوز في خزانة خيالهم، ولا ريب أن جل هممهم مصروفة بشأن الإبل فمنها يأكلون ويشربون، ومن أصوافها وأوبارها ينتفعون، وعليها في متاجرهم ومسافراتهم يحملون، فحيث أراد الله أن ينصب لهم دليلاً من مصنوعاته يمكنهم أن يستدلوا به على كمال حكمة الصانع ونهاية قدرته لم يكن شيء أحضر صورة في متخيلهم من الإبل فنصبها لهم.
ولا ريب أنها من أعاجيب مصنوعات الله صورة وسيرة لما ركب فيها من التحمل على دوام السير مع كثرة الأثقال، ومن البروك حتى تحمل، ثم النهوض بما حملت، ومن الصبر على العطش، وعلى العلف القليل أياماً، ثم شرب الماء الكثير إذا وجدت، ومن تذللها لصبي أو ضعيف.
قال الإمام فخر الدين الرازي: كنت مع جماعة في مفازةٍ فضللنا الطريق فقدّموا جملاً وتبعوه وكان ذلك الجمل يمشي ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب حتى وصل الطريق فتعجبنا من قوّة تخيله.
وعن بعض أهل الفراسة أنه حدّث عن البعير وبديع خلقه في بروكه ثم نهوضه مثقلاً وقد نشأ في بلاد لا ابل بها ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وذلك أن طول العنق يسهل عليه النهوض.
ثم إن أصحاب المواشي لاحتياجهم الشديد إلى الماء المستعقب للكلأ صار جل نظرهم إلى السماء التي منها ينزل المطر، ثم إلى الجبال التي هي أقرب إلى السماء وأسرع لوقوع المطر عليها وحفظ الثلج الذي منه مادة العيون والآبار عند إقلاع الأمطار على أنها مأمنهم ومسكنهم في الأغلب.
لنا جبل يحتله من نجيره *** منيع يرد الطرف وهو كليل ثم إلى الأرض التي فيها ينبت العشب وعليها متقلبهم ومرعاهم، فثبت أن الآية كيف وردت منظمة حسب ما انتظم في خزانة خيال العرب بحسب الأغلب.
ومنها أن جميع المخلوقات متساوية في دلالة التوحيد وذكر جميعها غير ممكن فكل طائفة منها تخص بالذكر.
ورد هذا السؤال فوجب الحكم بسقوطه، ولعل في ذكر هذه الأشياء التي لا تناسب في الظاهر تنبيهاً على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل.
ومنها أن المراد بالإبل السحاب على طريق التشبيه والمجازفان العرب كثيراً تشبه السحاب بالإبل في أشعارهم.
ومنها أن تخصيص الإنسان بالاستدلال منه على التوحيد يستتبع القوع في الشهوة والفتنة، وكذا الفكر في البساتين النزهة والصور الحسنة فخص الإبل بالذكر لأن التفكير فيها متمحض لداعية الحكمة وليس للشهوة فيها نصيب، على أن إلف العرب بها أكثر كما مر، وكذا السماء والأرض والجبال دلائل الحدوث فيها ظاهرة وليس فيها نصيب للشهوة.
والمراد بالنظر إلى هذه الأشياء هو النظر المؤدّي إلى الاستدلال بدليل قوله ﴿ كيف خلقت ﴾ ﴿ كيف رفعت ﴾ ﴿ كيف نصبت ﴾ ﴿ كيف سطحت ﴾ وليس في السطح دلالة على عدم كرية الأرض لأنها في النظر مسطحة وقد تكون في الحقيقة كرة إلا أنها لعظمها لا تدرك كريتها.
ثم أمر نبيه بتذكير الأمة بهذه الأدلة وأمثالها لأن أمره مقصور على كونه مذكراً لا منحطاً إلى كونه مسيطراً أي مسلطاً عليهم فإن أراد بالتسليط القهر أو بالإكراه بمعنى خلق الهداية فيهم فالآية ثابتة لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله وتعالى ، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً.
وإن أراد القتال معهم إن لم يؤمنوا فالآية منسوخة وهذا قول كثير من المفسرين، وعلى هذا فالأظهر أن يكون الاستثناء في قوله ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ متصلاً لا باعتبار الحال فإن السورة مكية ولكن بالنظر إلى الاستقبال أي إلا المصرين على الإعراض والكفر فإنك تصير مأموراً بقتالهم مستولياً عليهم بالغلبة والقهر.
وقيل: هو استثناء منقطع أي لست بمستول عليهم ولكن من تولى وكفر فإن لله لولاية والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر الذي هو القتل والسبي أو عذاب الدرك الأسفل.
وقيل: هو استثناء من قوله ﴿ فذكر ﴾ أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض.
ويرد أنه لا ينقطع طمعه من إيمان الكفرة ما داموا أحياء إلا أن يعلمه الله بذلك، وعلى تقدير الإعلام أيضاً لا يجوز أن يقطع التذكير لأن الدعوة عامة في الأصل ولو جعلت خاصة لم تبق مضبوطة كرخصة المسافر مثلاً.
ثم ختم السورة بما يصلح للوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
ومن قرأ ﴿ إيابهم ﴾ بالتشديد فإما أن يكون " فيعالاً " مصدر " فيعل " من الإياب، وأما أن يكون أصله " أوّاباً " فعالاً من " أوّب " ثم قلبت إحدى الواوين ياء كما في " ديوان " ثم الأخرى كما في " سيد ".
قال جار الله: فائدة تقديم الظرف في الموضعين الحصر أي ليس ينبغي أن يكون مرجعهم إلا إلى الجبار المقتدر على توفية جزاء كل طائفة ولا أن يكون حسابهم واجباً إلا على حكمة من هو أحكم الحاكمين ورب العالمين.
قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ ﴾ قيل: معناه: قد أتاك حديث الغاشية؛ فإما أن يكون الإتيان سابقا أو إتاه حديث الغاشية بنفس الهذه السورة.
ثم في هذه الآيات ترغيب فيما تحمد عاقبته، وتحذير عما يذم في العاقبة، وتبيين أن العاقبة المحمودة متصلة باكتسابه وكدحه، كذلك العاقبة المذمومة ينالها بعمله ونصبه.
ثم اختلف في تأويل ﴿ ٱلْغَاشِيَةِ ﴾ : فقيل: ﴿ ٱلْغَاشِيَةِ ﴾ : النار تغشاهم، كما قال : ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ .
ومنهم من يقول: ﴿ ٱلْغَاشِيَةِ ﴾ : هي الساعة؛ سميت: غاشية؛ لأنها تغشى الصغير والكبير، والمحمود والمذموم، والشقي والسعيد؛ فتعمهم جميعا؛ وهذا التأويل أقرب؛ لأنه ذكر الغاشية أولا ثم ذكر الجزاء بعد ذلك بقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ﴾ ؟
ثم قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾ اي: ذليلة، وإنما خص الوجه بالذكر؛ لأن الحزن والسرور إذا استحكما في القلب أثرا في الوجه؛ فيكون في ذكر الوجه وصف للغاية التي هم عليها من الذل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ قال بعضهم: إلى عبادة الكفرة، و[هو] أنهم بقوا أبدا في النصب والعمل في الدنيا والآخرة.
وجائز أن يكون نصبها وعملها في النار، وهو أنها لم تعمل في الدنيا؛ بل تكبرت عن طاعة الله - - فأعملها وأنصبها في الآخرة بمعالجة الأغلال والسلاسل في النار الحامية.
أو عملت في الدنيا المعاصي ونصبت في الآخرة؛ فيكون فيه تبيين العمل والجزاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً ﴾ ، أي: حارة، قد أحماها الله - - من يوم خلقت إلى الوقت الذي يسقى منها.
وقوله: ﴿ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ قيل: الآني: الذي قد انتهى في الحر غايته حتى لا يحر أحر منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ﴾ ، اختلف في الضريع: منهم من يقول: سمي: ضريعا؛ لأنهم يتضرعون عنه، ويجزعون إذا طعموا.
ومنهم من جعل الضريع لونا من ألوان العذاب لم يبينه الله - - للخلق.
ومنهم من قال: الضريع: اسم لنبت قد عرفته العرب فيما بينهم تأكله الإبل والدواب ما دام رطبا؛ فإذا هاج ويبس تركت الدواب أكله، وعافته لخبثه وكثرة ما عليه من الشوك، ويسمونه: شبرقا في الربيع، وإذا هاج وجف، يسمونه ضريعا، فذلك النبت في الدنيا يعمل في إسمان الدابة ويغنيها من الجوع، فنفي الله - - وجه الإسمان والإغناء، وحصل أمره على الخبث بقوله: ﴿ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ ، فالسدر اسم شجرة ذات شوك في الدنيا، فأنشئت في الآخرة بلا شوك، ووصف خمر الجنة قال: ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ ، والخمر في الدنيا تعمل في التصديع، وهي تنزف؛ فنفى عنها هذه الآفات، وجعلها شرابا سائغا لذة للشاربين، فكذلك الضريع نفى به ما يقع به الإسمان والإغناء، وحصل أمره على الخبث، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هل أتاك -أيها الرسول- حديث القيامة التي تغشى الناس بأهوالها؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.QeEWO"
الغاشية: هي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتغمرهم أهوالها.
والمراد منها هنا يوم القيامة، أي هل سمعت قصة يوم القيامة وما يقع فيه؟
وهو استفهام لتعظيم الأمر مع تقريره.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ)، أي يظهر عليها الذل والخزي النازل بأصحابها وهكذا يقال فيما بعد.
أو عبر بالوجوه عن الأشخاص، فالذل لهم.
أي أناس -يوم تغشى الغاشية- أذلاء.
(عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) وقع منها عمل في الدنيا وأصابها فيه نصب أي تعب، ولم تستفد من عملها سوى نصبها.
فأثر الخيبة وحبوط العمل ظاهر عليها، ولا حاجة للقول بأنها عاملة ناصبة في ذلك اليوم نفسه، فإن عاملة ناصبة بمنزلة قوله حابطة أعمالها، أو جعلت أعمالها هباء منثورًا، وهذا هو الذي يقع يومئذ.
وإنما يجب اختيار هذا المعنى لاتفاقه مع بقية الآيات في غير هذه السورة، ولأن هذه الآية تقابل قوله في أهل الجنة ﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ .
وذلك السعي هو الذي كان في الدنيا.
﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ صلى النار: قاسي حرها.
وهذه الوجوه تعذب بتلك النار لأن أعمالها في الدنيا كانت خاسرة غلب عليها الشر، وجانبها أو قل فيها الخير.
وتلك النار الحامية الحارة لا نعرف كنهها ولا كيفية إيقادها، ولكنا نؤمن بها، وبأن عمال السوء وحلفاء الباطل يصلونها.
(العين) ينبوع الماء (والآنية) الشديدة الحرارة من أنى الماء يأني إذا سخن وبلغ في الحرارة غايتها.
فإذا عطش أهل النار عطشهم الخاص بهم في تلك الدار، وطلبوا ما يطفئ لهب ظمئهم جيء لهم بماء من ينبوع بلغ ماؤه من الحرارة غايتها، فهو لا يطفئ لهبًا، ولا ينقع غلة، فإذا خوت بطونهم، وأحسوا من الجوع ما يدفعهم إلى طلب الطعام فـ ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾ .
قال الفراء: الضريع هو نبت يقال له الشبرق، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس.
قالوا: وهو مرعى سوء لا تعقد عليه السائمة شحمًا ولا لحمًا، وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها.
والضريع أيضًا القشر الذي على العظم تحت اللحم، وقيل هو جلد على الضلع، وعلى كل حال فهو طعام رديء ﴿ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾ : أي إذا طلب أهل النار الطعام ليدفعوا به ما يصيبهم من ألم الجوع الذي يلائم عالمهم الأخروي وحياتهم في تلك الدار الباقية، قدم إليهم من الطعام ما لا يدفع جوعًا ولا يفيد سمنًا، أي ليس له أثر من آثار الطعام.
وسمى الله ذلك الطعام بالضريع تشبيهًا له به، وإلا فذلك العالم عالم الآخرة ليس فيه نمو أبدان، ولا تحلل مواد على نحو ما يكون للأحياء في هذه الحياة الدنيا، بل ذلك عالم خلود وبقاء، واللذائذ فيه لذائذ سعادة، والآلام فيه آلام شقاء.
فكل ما يقع في ذلك العالم فإنما بينه وبين ما يقع في عالمنا وجوه مشابهة لا وحدة مجانسة.
وقد جاء في الكتاب الكريم في الحاقّة: ﴿ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ والغسلين ما شأنه أن يغسل عن الأبدان كالقيح والصديد ونحوهما.
وفي سورة الواقعة: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ﴾ إلى آخر الآيات.
وفي الدخان: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴾ .
وفي الصافات: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴾ .
فهذا كله يدل على أن طعام أهل النار شيء يوافق النشأة الآخرة.
وقد عبر الله عنه بالعبارات المختلفة، وكلها مما يصور في أذهاننا بشاعته وخبثه لتنفر منه نفوسنا، وتطلب كل وسيلة للفرار منه، فتبعد بذلك عن العقائد الفاسدة والأعمال الخاسرة.
ولما وفى المكذبين حقهم من الوصف، أقبل على أهل الإخلاص والصدق يقر أعينهم بما سيلقون ذلك اليوم من فضله.
(نَاعِمَةٌ) ذات بهجة وحسن، كما قال ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيِمِ ﴾ .
ولا تكون كذلك إلا إذا كانت متنعمة فرحة بما لاقت من جزاء سعيها في الدنيا، فهي لسعيها راضية على ضد ما عليه تلك العاملة الناصبة.
و(الجنة) هي دار النعيم في الآخرة، وسميت بهذا الاسم من الاجتنان، وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها.
ووصفها بالعلو لأن خير الأماكن ما كان رفيعًا أو هي عالية رفيعة في أوصافها ومزاياها، كما سيذكر ذلك في قوله ﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴾ .
أي لا تسمع تلك الوجوه، أي أولئك المخلصون الذين عبر عنهم بالوجوه، أو لا تسمع أنت -أيها المخاطب في تلك الجنة- لغوًا، أي كلامًا لا يعتد به، ولا شتمًا، ولا سبًا، ولا فحشًا، ولا باطلًا- كل ذلك مما يصح أن يطلق عليه اسمه اللغو لأنه قول لا فائدة فيه.
وإنما عجل بهذا الوصف الشريف عقب ذكر الجنة قبل ذكر بقية أنواع النعيم لدفع ما يسبق إلى الأذهان عند ذكر الجنة ونعيمها من أحوال أهل الترف والمولعين بالشهوات من تمضية الأوقات في اللهو، والقول اللغو، وإطلاق الألسن عن قيد الأدب، فيجعلون من متممات النعيم قذائف الهجر والفحش..
فقد سارع إلى تنزيه أهل الجنة عما هو من لوازم نعيم غيرهم في الدنيا.
وفي ذلك تنبيه للمؤمنين إلى أنه لا يليق بهم أن يكونوا من أهل اللغة مهما فاض عليهم النعيم، واتسعت لهم النعمة، بل ذاك مما ينزهون عنه حتى إذا رفعت عنهم التكاليف، ووصلوا إلى فضاء الرحمة الذي لا سخط فيه ولا نقمة.
فنعيمهم ينبغي أن يكون نعيم أهل الفضل والجد، لا نعيم أهل الجهل والحمق.
فاعتبر بهذه الحكمة، ثم انظر كيف قدم من الأوصاف للجنة وضروب نعيمها ما هو روحاني يليق بأرباب النفوس العالية والمقامات الرفيعة في العرفان وكمال الوجدان، فذكر الرضا بالسعي، ولذته فوق اللذائذ، فإنه لا لذة تفوق عند العامل لذة سروره بعمله، ثم أتبعه بالتنزه عن اللغو وما لا فائدة فيه، وهو أسمى ما يطلب الكامل أن يحيا به.
ثم جاء بعد ذلك بما له شبه باللذائذ الجسمانية المعهودة لنا في هذه الحياة فقال: ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾ أي ينبوع ماء جار، والماء الجاري -إذا كان من الينابيع- يكون في العادة باردًا صافيًا، لهذا وصف العين بالجارية، ثم في منظر الماء الجاري من مسرة النفس ما هو معلوم.
و(السرر): جمع سرير، وهو معروف: ما يجلس أو ينام عليه.
وأفضل السرر ما كان مرفوعًا عن الأرض كما هو معروف.
فكأن تلك السرر توضع لأهل النعيم على مقربة من العين الجارية فيجلسون عليها وبجانبهم (أكواب موضوعة) على جانب العين، فإذا أرادوا التمتع بلذيذ الشراب تناولوا بها من الماء، والأكواب: جمع كوب، وهو الكوز الذي لا عروة له، -"ما يعرف في لسان العامة بالكباية"-، ثم في الجنة، غير السرر التي توضع على جوانب العيون.
(نمارق مصفوفة) والنمارق: جمع نمرقة -بضم النون وكسرها- وهي الوسادة -"المسماة في عرف العامة مسندًا ومخدة"- وسواء كانت هذه النمارق مصفوفة فوق الأسرة أو في جوانب المساكن.
(وزرابي مبثوثة) الزرابي: البسط، وقيل البسط التي فيها خمل.
وروي عن المؤرج أنه قال في هذه الآية "أو زرابي: النبت إذا اصفر واحمر، وفيه خضرة، وقد أزرب".
فلما رأوا الألوان في البسط والفرش شبهوها بزرابي النبت.
ومبثوثة: أي مبسوطة أو مفرقة هنا وهناك، كما تراه في بيوت أهل النعمة.
كل ذلك لتصوير النعمة والرفاهة واللذة، وإلا فنعيم تلك الدار الآخرة مما لا يشبهه في هذه الدار نعيم.
فهل آن لهؤلاء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله ووعده ووعيده أن يعتبروا بهذا الترتيب الإلهي، وأن يقدموا الإحسان في العمل حتى يبلغوا فيه غاية يرضون سعيهم عندها، وأن يبدأوا بتنزيه أقوالهم عن اللغو، وأنفسهم عن اللهو بما تلهو به الحيوانات من طعام وشراب؟..
ثم بعد أن يلبسوا من الفضائل أفضل حللها، يتناولون من نعمة الله ما يرفعهم، ويطيب عيشهم، ويتمتعون بذلك المتاع الحسن.
هل آن لهم أن يتدبروا كتابهم، وأن يرجعوا إلى سيرة نبيهم، فينهضوا إلى طلب ما أعد الله لهم، ولا يرتكسوا فيما أركس الله فيه الأمم قبلهم؟
عرفت أن الكلام مسوق من أوله لتقرير أمور الآخرة، وما يكون من شأن الناس يوم القيامة، وفي المخاطبين منكرون جاحدون، أو مقرون غافلون لا ينظرون في عملهم إلى ما هم عليه هاجمون، فأراد الله إقامة الحجة على أولئك، وتنبيه هؤلاء بتوجيه نظرهم إلى آثار قدرته فيما بين أيديهم، وما يقع تحت بصرهم من الخلق، فقال ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ ﴾ إلخ وإنما خص الإبل لأنها أفضل دواب العرب، وأعمها نفعًا.
ولأنها، على الحقيقة، خلق عجيب، فإنها -على شدتها وعظم قوتها- تنقاد للضعيف، ولا تمانع الصغير.
ثم في تركيبها ما أعدها لحمل الأثقال ونقلها إلى البلاد الشاحطة.
ثم هي تبرك لتحمل عن قرب ويسر.
ثم تنهض بما تحمل، مع صبر على السير والعطش والجوع، واكتفائها من المرعى بما لا يكاد يرعاه سائر البهائم.
وفيها غير ذلك من المزايا التي لا يماثلها فيها حيوان آخر، وليس اختصاص الإبل لعظم جثتها حتى يرد الفيل.
والفيل -وإن كان فيه بعض مزايا الإبل- فهو لا يدر اللبن، ولا يؤكل لحمه، ولا يسهل قياده سهولة قيادة الإبل.
ورفع السماء: إمساك ما فوق من شموس وأقمار ونجوم، كل منها في مداره، لا يختل سيره، ولا يفسد نظامه.
ونصب الجبال: إقامتها علمًا للسائر وملجأ من الجائر.
وهي، في الأغلب، نزهة للناظر.
وسطح الأرض: تمهيدها وتوطئتها ليتيسر للناس أن يقيموا عليها ويمشوا في مناكبها.
وإنما حسن ذكر الجمال مع السماء والجبال والأرض لأن هذه الجملة من المخلوقات هي ما يقع تحت نظر العرب في أوديتهم وبواديهم، فحسن أن ينتظمها الذكر كما انتظمها النظر.
فلو نظر الجاحدون والغافلون فيها تحت نظرهم من هذه الأشياء، وكيف قامت -كل على حاله التي هو عليها- لعلموا أنها صنعة لا توجد ولا تحفظ إلا بموجد لها وحافظ، وهو الله جل شأنه، وأن القادر على خالق هذه الكائنات وحفظها ووضعها على قواعد الحكمة، قادر على أن يرجع الناس إلى يوم يُوَفَّى فيه كل عامل جزاء عمله.
وكما أن الله خلق ذلك كله، والناس لا يعلمون طريقة خلقه، وإنما يعرفون منه ما شاهدوه.
كذلك ينشئ الله ما ينشئ في ذلك اليوم، وهم لا يعرفون طريقة إنشائه، وإنما يرون فيه كما يرون اليوم ما يرون في هذه المخلوقات، فإذا كان الأمر ظاهرًا جليًا، وما هي إلا نظرة فتهجم عليهم العبرة ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ .
إن الفطرة سائقة بنفسها إلى الاعتقاد بصانع قادر، وهي ميسرة بذاتها إلى الإذعان بأنه قادر على إنشائها في خلق آخر ترى فيه شقاء أو نعيمًا.
وإنما قد تتحكم الغفلات، وتغلب الأهواء، فتحتاج النفوس إلى مذكر يردها إلى ما كان عساه تنساق إليه غرائزها، لهذا سمى الله هذا النوع من الاستذلال تذكيرًا.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ : تحديد للأمر الذي بعث الله لأجله نبيه ، وهو تذكير الناس بما نسوه من أمر ربهم.
وليس في سلطانه، ، أن يخلق الاعتقاد فيهم، ولا من المفروض عليه أن يقوم رقيبًا على قلوبهم.
كما قال ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ .
وقال: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ .
والمسيطر: المتسلط.
قال بعض المولعين بالنسخ والتغيير إن هذه الآية نسخت بآيات الجهاد، كأن الجهاد شرع في الإسلام لقهر النفوس على الاعتقاد.
وخفي على القائل أن القهر لا يحدث إيمانًا، وأن الإكراه لا أثر له في الدين، وأن الجهاد ينقطع وجوبه متى خضع المحارب لأداء الجزية مع بقائه على دينه -إن كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا- في رأي الأكثر.
ومن البديهي أنه لا حاجة إلى القول بالنسخ، فإن النبي ليس بمسيطر على قلوب الناس سواء كان محاربً الهم أو مسالمًا.
وقد يشعر نفي السيطرة بأن الناس جميعًا مختارون، وهم سواء فيما هم به مجزيون، فحبل كل على غاربه يذهب إلى حيث شاء من المذاهب، ومع ما شاء من الأهواء.
فقال الله رفعًا لخاطر السوء: ﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى ﴾ إلخ.
أي إنك وإن كنت داعيًا وليس لك سلطان على ما تعقد قلوبهم، فالله هو المسيطر عليهم، وصاحب السلطان على سرائرهم..
فمن تولى منهم، وأعرض عن الذكرى المسوقة إليه (وَكَفَرَ): أي جحد الحق المعروض عليه.
فالله تعالى يعذبه العذاب الأكبر في الآخرة، وقد يضم إلى عذاب الآخرة عذاب الدنيا.
فكلمة (إلا) بمعنى لكن وفيها الاستثناء من عموم الأحوال التي أفادها نفي السيطرة.
ثم أكد ذلك الحكم -وهو تعذيب الله لمن تولى وكفر- بقوله: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ .
أي لا مفر للمعرضين ولا خلاص لهم من الويل الذي أوعدوا به، فإنهم راجعون إلينا، وقد حق القول منا في عقابهم، فنحن نحاسبهم على ما كسبت قلوبهم.
والإياب: الرجوع -كما رأيت- والله أعلم.