الإسلام > القرآن > سور > سورة 88 الغاشية > الآية ١٧ من سورة الغاشية
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الغاشية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
يقول تعالى آمرا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته : ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) ؟
فإنها خلق عجيب ، وتركيبها غريب ، فإنها في غاية القوة والشدة ، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل ، وتنقاد للقائد الضعيف ، وتؤكل ، وينتفع بوبرها ، ويشرب لبنها .
ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل ، وكان شريح القاضي يقول : اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت ،
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) يقول تعالى ذكره لمُنكري قدرته على ما وصف في هذه السورة من العقاب والنكال الذي أعدّه لأهل عداوته، والنعيم والكرامة التي أعدّها لأهل ولايته: أفلا ينظر هؤلاء المنكرون قُدرة الله على هذه الأمور، إلى الإبل كيف خلقها وسخرها لهم وذَلَّلها وجعلها تحمل حملها باركة، ثم تنهض به، والذي خلق ذلك غير عزيز عليه أن يخلق ما وصف من هذه الأمور في الجنة والنار، يقول جلّ ثناؤه: أفلا ينظرون إلى الإبل فيعتبرون بها، ويعلمون أن القُدرة التي قدر بها على خلقها، لن يُعجزه خلق ما شابهها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنـزل الله: ( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) فكانت الإبل من عيش العرب ومن خوَلهم.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق عمن سمع شريحا يقول: اخرجوا بنا ننظر إلى الإبل كيف خُلقت.
قوله تعالى : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقتقال المفسرون : لما ذكر الله - عز وجل - أمر أهل الدارين ، تعجب الكفار من ذلك ، فكذبوا وأنكروا فذكرهم الله صنعته وقدرته وأنه قادر على كل شيء ، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض .
ثم ذكر الإبل أولا ; لأنها كثيرة في العرب ، ولم يروا الفيلة ، فنبههم - جل ثناؤه - على عظيم من خلقه قد ذلله للصغير ، يقوده وينيخه وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك ، فينهض بثقيل حمله ، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره .
فأراهم عظيما من خلقه ، مسخرا لصغير من خلقه يدلهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته .
وعن بعض الحكماء : أنه حدث عن البعير وبديع خلقه ، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها ففكر ثم قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق .
وحين أراد بها أن تكون سفائن البر ، صبرها على احتمال العطش حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العشر فصاعدا ، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز ، مما لا يرعاه سائر البهائم .
وقيل : لما ذكر السرر المرفوعة قالوا : كيف نصعدها ؟
فأنزل الله هذه الآية ، وبين أن الإبل تبرك حتى يحمل عليها ثم تقوم فكذلك تلك السرر تتطامن ثم ترتفع .
قال معناه قتادة ومقاتل وغيرهما .
وقيل : الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب قاله المبرد .
قال الثعلبي : وقيل في الإبل هنا : السحاب ، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة .[ ص: 32 ] قلت : قد ذكر الأصمعي أبو سعيد عبد الملك بن قريب ، قال أبو عمرو : من قرأها أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت بالتخفيف : عنى به البعير ; لأنه من ذوات الأربع ، يبرك فتحمل عليه الحمولة ، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم .
ومن قرأها بالتثقيل فقال : الإبل ، عنى بها السحاب التي تحمل الماء والمطر .
وقال الماوردي : وفي الإبل وجهان : أحدهما : وهو أظهرهما وأشهرهما : أنها الإبل من النعم .
الثاني : أنها السحاب .
فإن كان المراد بها السحاب ، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته ، والمنافع العامة لجميع خلقه .
وإن كان المراد بها الإبل من النعم ; فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان ; لأن 3 ضروبه أربعة : حلوبة ، وركوبة ، وأكولة ، وحمولة .
والإبل تجمع هذه الخلال الأربع فكانت النعمة بها أعم ، وظهور القدرة فيها أتم .
وقال الحسن : إنما خصها الله بالذكر ; لأنها تأكل النوى والقت ، وتخرج اللبن .
وسئل الحسن أيضا عنها وقالوا : الفيل أعظم في الأعجوبة : فقال : العرب بعيدة العهد بالفيل ، ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه ، ولا يركب ظهره ، ولا يحلب دره .
وكان شريح يقول : اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت .
والإبل : لا واحد لها من لفظها ، وهي مؤنثة ; لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها ، إذا كانت لغير الآدميين ، فالتأنيث لها لازم ، وإذا صغرتها دخلتها الهاء ، فقلت : أبيلة وغنيمة ، ونحو ذلك .
وربما قالوا للإبل : إبل ، بسكون الباء للتخفيف ، والجمع : آبال .
يقول تعالى حثًا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولغيرهم من الناس، أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده: { أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } أي: [ألا] ينظرون إلى خلقها البديع، وكيف سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون إليها.
( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) قال أهل التفسير : لما نعت الله تعالى في هذه السورة ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه ، فذكرهم الله تعالى صنعه فقال : ( أفلا ينظرون إلى الإبل ) [ من بين سائر الحيوانات ] ( كيف خلقت ) وكانت الإبل من عيش العرب لهم فيها منافع كثيرة ، فلما صنع لهم ذلك في الدنيا صنع لأهل الجنة فيها ما صنع .
وتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات; فقال مقاتل : لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها ، ولم [ يشاهد ] الفيل إلا الشاذ منهم .
وقال الكلبي : لأنها تنهض بحملها وهي باركة .
وقال قتادة : ذكر الله تعالى ارتفاع سرر الجنة وفرشها ، فقالوا : كيف نصعدها فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وسئل الحسن عن هذه الآية ، وقيل له : الفيل أعظم في الأعجوبة ، فقال : أما الفيل فالعرب بعيدة العهد بها .
ثم هو [ لا خير فيه ] لا يركب ظهرها ولا يؤكل لحمها ولا يحلب درها ، والإبل أعز مال للعرب وأنفسها تأكل النوى والقت وتخرج اللبن .
وقيل : [ إنها ] مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف ، حتى إن الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث شاء ، وكان شريح القاضي يقول : اخرجوا بنا إلى [ كناسة اصطبل ] حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت .
«أفلا ينظرون» أي كفار مكة نظر اعتبار «إلى الإبل كيف خُلقت».
أفلا ينظر الكافرون المكذِّبون إلى الإبل: كيف خُلِقَت هذا الخلق العجيب؟
وإلى السماء كيف رُفِعَت هذا الرَّفع البديع؟
وإلى الجبال كيف نُصبت، فحصل بها الثبات للأرض والاستقرار؟
وإلى الأرض كيف بُسِطت ومُهِّدت؟
ثم ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة المشاهدة ، التى لا يستطيع أحد إنكارها ، ليلفت أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ووحدانيته .
فقال - تعالى - : ( أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ .
وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ .
وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ .
وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ ) .والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والتحريض على التأمل والتفكر ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والمراد بالنظر : التدبر فى تلك المخلوقات ، فإن من شأن هذا التدبر ، أنه يؤدى إلى الاعتبار والانتفاع .
.
والخطاب لأولئك الكافرين الجاهلين ، الذين أمامهم الشواهد الواضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، ومع ذلك لم ينتبهوا لها .والمعنى : أيستمر هؤلاء الكافرون فى جهلهم وضلالهم ، وفى إنكارهم لأمر البعث والحساب والجزاء .
.
فلا ينظرون نظر اعتبار وتأمل ، إلى الإِبل - وهى أمام أعينهم - كيف خلقها الله ما - تعالى - بهذه الصورة العجيبة ، وأوجد فيها من الأعضاء المتناسقة ، ومن التكوين الخِلْقِى ، ما يجعلها تؤدى وظيفتها النافعة لبنى آدم ، على أكمل وجه ، فمن لبنها يشربون ، ومن لحمها يأكلون وعلى ظهرها يسافرون ، وأثقالهم عليها يحملون .وخص - سبحانه - الإِبل بالذكر من بين سائر الحيوانات ، لأنها أعز الأموال عند العرب ، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم ، وأبدعها خلقا وهيئة وتكوينا .قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : ( أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل ) نظر اعتبار ( كَيْفَ خُلِقَتْ ) خلقا عجيبا ، دالا على تقدير مقدر ، شاهدا بتدبير مدبر ، حيث خلقها للنهوض بالأثقال ، وجرها إلى البلاد الشاحطة ، أى البعيدة ، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت ، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها ، لا تعارض ضعيفا ، ولا تمانع صغيرا .فإن قلت : كيف حسن ذكر الإِبل ، مع السماء والجبال والأرض ، ولا مناسبة؟
.
.قلت : قد انتظم هذه الأشياء ، نظر العرب فى أوديتهم وبواديهم ، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم .
.
اعلم أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة وقسم أهل القيامة إلى قسمين الأشقياء والسعداء ووصف أحوال الفريقين وعلم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك إلا بواسطة إثبات الصانع الحكيم، لا جرم أتبع ذلك بذكر هذه الدلالة فقال: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل ﴾ وجه الاستدلال بذلك على صحة المعاد أنها تدل على وجود الصانع الحكيم، ومتى ثبت ذلك فقد ثبت القول بصحة المعاد.
أما الأول: فلأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص كل واحد منها بالوصف الذي لأجله امتاز على الآخر، لابد وأن يكون لتخصيص مخصص وإيجاد قادر، ولما رأينا هذه الأجسام مخلوقة على وجه الإتقان والإحكام علمنا أن ذلك الصانع عالم، ولما علمنا أن ذلك الصانع لابد وأن يكون مخالفاً لخلقه في نعت الحاجة والحدوث والإمكان علمنا أنه غني، فهذا يدل على أن للعالم صانعاً قادراً عالماً غنياً فوجب أن يكون في غاية الحكمة، ثم إنا نرى الناس بعضهم محتاجاً إلى البعض، فإن الإنسان الواحد لا يمكنه القيام بمهمات نفسه، بل لابد من بلدة يكون كل واحد من أهلها مشغولاً بمهم آخر حتى يتنظم من مجموعهم مصلحة كل واحد منهم، وذلك الانتظام لا يحسن إلا مع التكليف المشتمل على الوعد والوعيد، ذلك لا يحصل إلا بالبعث والقيامة وخلق الجنة والنار فثبت أن إقامة الدلالة على الصانع الحكيم توجب القول بصحة البعث والقيامة فلهذا السبب ذكر الله دلالة التوحيد في آخر هذه السورة، فإن قيل: فأي مجانسة بين الإبل والسماء والجبال والأرض، ثم لم بدأ بذكر الإبل؟
قلنا فيه وجهان: الأول: أن جميع المخلوقات متساوية في هذه الدلالة وذكر جميعها غير ممكن لكثرتها وأي واحد منها ذكر دون غيره كان هذا السؤال عائداً، فوجب الحكم بسقوط هذا السؤال على جميع التقادير، وأيضاً فلعل الحكمة في ذكر هذه الأشياء التي هي غير متناسبة التنبيه على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل على ما قال: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ ولو ذكر غيرها لم يكن الأمر كذلك لا جرم ذكر الله تعالى أموراً غير متناسبة بل متباعدة جداً، تنبيهاً على أن جميع الأجسام العلوية والسفلية صغيرها وكبيرها حسنها وقبيحها متساوية في الدلالة على الصانع الحكيم، فهذا وجه حسن معقول وعليه الاعتماد الوجه الثاني: وهو أن نبين ما في كل واحد من هذه الأشياء من المنافع والخواص الدالة على الحاجة إلى الصانع المدبر، ثم نبين إنه كيف يجانس بعضها بعضاً.
أما المقام الأول: فنقول الإبل له خواص منها أنه تعالى جعل الحيوان الذي يقتنى أصنافاً شتى فتارة يقتنى ليؤكل لحمه وتارة ليشرب لبنه وتارة ليحمل الإنسان في الأسفار وتارة لينقل أمتعة الإنسان من بلد إلى بلد وتارة ليكون له به زينة وجمال وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الإبل، وقد أبان الله عز وجل عن ذلك بقوله: ﴿ ﴾ ، قال: ﴿ ﴾ وإن شيئاً من سائر الحيوانات لا يجتمع فيه هذه الخصال فكان اجتماع هذه الخصال فيه من العجائب.
وثانيها: أنه في كل واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان الذي لا يوجد فيه إلا تلك الخصلة لأنها إن جعلت حلوبة سقت فأروت الكثير، وإن جعلت أكولة أطعمت وأشبعت الكثير، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافات المديدة ما لا يمكن قطعه بحيوان آخر، وذلك لما ركب فيها من قوة احتمال المداومة على السير والصبر على العطش والاجتزاء من العلوفات بما لا يجتزئ حيوان آخر، وإن جعلت حملة استغلت بحمل الأحمال الثقيلة التي لا يستقل بها سواها، ومنها أن هذا الحيوان كان أعظم الحيوانات وقعاً في قلب العرب ولذلك فإنهم جعلوا دية قتل الإنسان إبلاً، وكان الواحد من ملوكهم إذا أراد المبالغة في إعطاء الشاعر الذي جاءه من المكان البعيد أعطاه مائة بعير، لأن امتلاء العين منه أشد من امتلاء العين من غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ ومنها أنى كنت مع جماعة في مفازة فضللنا الطريق فقدموا جملاً وتبعوه فكان ذلك الجمل ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب والجميع كانوا يتبعونه حتى وصل إلى الطريق بعد زمان طويل فتعجبنا من قوة تخيل ذلك بالحيوان أنه بالمرة الواحدة كيف انحفظت في خياله صورة تلك المعاطف حتى أن الذين عجز جمع من العقلاء إلى الاهتداء إليه فإن ذلك الحيوان اهتدى إليه، ومنها أنها مع كونها في غاية القوة على العمل مباينة لغيرها في الانقياد والطاعة لأضعف الحيوانات كالصبي الصغير، ومبانية لغيرها أيضاً في أنها يحمل عليها وهي باركة ثم تقوم، فهذه الصفات الكثيرة الموجودة فيها توجب على العاقل أن ينظر في خلقتها وتركيبها ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم سبحانه، ثم إن العرب من أعرف الناس بأحوال الإبل في صحتها وسقمها ومنافعها ومضارها فلهذه الأسباب حسن من الحكيم تعالى أن يأمر بالتأمل في خلقتها.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل ﴾ نظر اعتبار ﴿ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ خلقاً عجيباً، دالاً على تقدير مقدر، شاهداً بتدبير مدبر، حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد الشاحطة فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها: لا تعاز ضعيفاً ولا تمانع صغيراً، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار.
وعن بعض الحكماء.
أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل بها، ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحين أراد بها أن تكون سفائن البر صبرها على احتمال العطش؛ حتى إن أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعداً، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم.
وعن سعيد بن جبير قال: لقيت شريحاً القاضي فقلت: أين تريد؟
قال: أريد الكناسة: قلت: وما تصنع بها؟
قال: أنظر إلى الإبل كيف خلقت.
فإن قلت: كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة؟
قلت: قد انتظم هذه الأشياء نظر العرب في أوديتهم وبواديهم؛ فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم، ولم يدع من زعم أن الإبل السحاب إلى قوله: إلا طلب المناسبة، ولعله لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب، كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين، وغير ذلك، وإنما رأى السحاب مشبها بالإبل كثيراً في أشعارهم، فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز ﴿ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾ رفعاً بعيد المدى بلا مساك وبغير عمد.
﴿ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ نصبا ثابتاً، فهي راسخة لا تميل ولا تزول و ﴿ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ سطحاً بتمهيد وتوطئة، فهي مهاد للمتقلب عليها.
وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ خلقت ﴾ ورفعت؛ ونصبت، وسطحت: على البناء للفاعل وتاء الضمير، والتقدير: فعلتها.
فحذف المفعول.
وعن هارون الرشيد أنه قرأ: ﴿ سطحّت ﴾ بالتشديد والمعنى: أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق، حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه.
أي: لا ينظرون، فذكرهم ولا تلح عليهم، ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يذكرون ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ ﴾ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ ﴾ [الشورى: 48] .
﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ ﴾ بمتسلط، كقوله: ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ [ق: 45] ، وقيل: هو في لغة تميم مفتوح الطاء؛ على أن ﴿ سيطر ﴾ معتد عندهم وقولهم: تسيطر، يدل عليه ﴿ إِلاَّ مَن تولى ﴾ استثناء منقطع، أي: لست بمستول عليهم، ولكن من تولى ﴿ وَكَفَرَ ﴾ منهم؛ فإن لله الولاية والقهر.
فهو يعذبه ﴿ العذاب الأكبر ﴾ الذي هو عذاب جهنم.
وقيل: هو استثناء من قوله: ﴿ فَذَكّرْ ﴾ أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض.
وقرئ ﴿ إلاَّ مَن تولى ﴾ على التنبيه.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿ فإنه يعذبه ﴾ وقرأ أبو جعفر المدني ﴿ إيابهم ﴾ بالتشديد.
ووجهه أن يكون (فيعالا) مصدر (أيب) فيعل من الإياب.
أو أن يكون أصله أوّاباً: فعالاً من أوّب، ثم قيل: إيواباً كديوان في دوّان، ثم فعل به ما فعل بأصل: سيد وميت.
فإن قلت: ما معنى تقديم الظرف؟
قلت: معناه التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير.
ومعنى الوجوب: الوجوب في الحكمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حساباً يسيراً» .
﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ ﴾ نَظَرَ اعْتِبارٍ.
﴿ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ خَلْقًا دالًّا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ حَيْثُ خَلَقَها لِجَرِّ الأثْقالِ إلى البِلادِ النّائِيَةِ، فَجَعَلَها عَظِيمَةً بارِكَةً لِلْحَمْلِ ناهِضَةً بِالحَمْلِ مُنْقادَةً لِمَنِ اقْتادَها طِوالَ الأعْناقِ لِيَنُوءَ بِالأوْقارِ، تَرْعى كُلَّ نابِتٍ وتَحْتَمِلُ العَطَشَ إلى عَشْرٍ فَصاعِدًا لِيَتَأتّى لَها قَطْعُ البَوادِي والمَفاوِزِ، مَعَ ما لَها مِن مَنافِعَ أُخْرى ولِذَلِكَ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِبَيانِ الآياتِ المُنْبَثَّةِ في الحَيَواناتِ الَّتِي هي أشْرَفُ المَرْكَباتِ وأكْثَرُها صُنْعًا، ولِأنَّها أعْجَبُ ما عِنْدَ العَرَبِ مِن هَذا النَّوْعِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِها السَّحابُ عَلى الِاسْتِعارَةِ.
﴿ وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾ بِلا عَمَدٍ.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ} طويلة ثم تبرك حتى
تركب أو تحمل عليها ثم تقوم فكذا السرير يطأطئ المؤمن كما يطأطئ الابل
﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بِالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهُ تَعالى ما في الجَنَّةِ عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الضَّلالَةِ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ ﴾ إلَخْ.
ويَرْجِعُ هَذا في الآخِرَةِ إلى إنْكارِ البَعْثِ كَما لا يَخْفى.
والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وكَلِمَةُ «كَيْفَ» مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها عَلى أنَّها حالٌ مِن مَرْفُوعِ ( خُلِقَتْ ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ وقَدْ تُبْدَلُ الجُمْلَةُ وفِيها الِاسْتِفْهامُ مِنَ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَها كَقَوْلِهِمْ: عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هو.
عَلى أصَحِّ الأقْوالِ عَلى أنَّ العَرَبَ قَدْ أدْخَلَتْ إلى عَلى كَيْفَ بَلا واسِطَةِ إبْدالٍ كَما أدْخَلَتْ عَلَيْها عَلى فَحُكِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: انْظُرْ إلى كَيْفَ يَصْنَعُ.
كَما حُكِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: عَلى كَيْفَ تَبِيعُ الأحْمَرَيْنِ.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ والتَّذْكِرَةِ وغَيْرِهِما أنَّهُ إذا عُلِّقَ الفِعْلَ عَمّا فِيهِ الِاسْتِفْهامُ لَمْ يَبْقَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وقِيلَ: كَيْفَ بَدَلٌ مِنَ الإبِلِ وتَعَقَّبَهُ في المُغْنِي بِما في بَعْضِهِ نَظَرٌ، وجَوَّزَ في مَجْمَعِ البَيانِ كَوْنَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ وهو كَما تَرى، والإبِلُ يَقَعُ عَلى البُعْرانِ الكَثِيرَةِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ وهو مُؤَنَّثٌ؛ ولِذا إذا صُغِّرَ دَخَلَتْهُ التّاءُ فَقالُوا: أُبَيْلَةٌ، وقالُوا في الجَمْعِ آبالٌ وقَدِ اشْتَقُّوا مِن لَفْظِهِ، فَقالُوا: أبِلَ وتَأبَّلَ الرَّجُلُ وتَعَجَّبُوا مِن هَذا الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ فَقالُوا: ما آبَلَ زَيْدًا.
ولَمْ يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ فِيما قِيلَ اسْمًا جاءَ عَلى فِعِلٍ بِكَسْرِ الفاءِ والعِينِ، وغَيْرُ آبِلٍ أيْ أيُنْكِرُونَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ كَيْفَ خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خَلْقِ أكْثَرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ في عِظَمِ جُثَّتِها وشَدَّةِ قُوَّتِها وعَجِيبِ هَيْئاتِها اللّائِقَةِ، بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ وهي بارِكَةٌ وإيصالِها الأثْقالَ الفادِحَةَ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ حَتّى إنَّ ظَمَأها لَيَبْلُغُ العِشْرَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وهو ثَمانِيَةُ أيّامٍ بَيْنَ الوِرْدَيْنِ ورُبَّما يَجُوزُ ذَلِكَ وتُسَمّى حِينَئِذٍ الحَوازِيَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ والزّايِ واكْتِفائِها بِالسَّيْرِ ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَقْتادُها بِقِطارِها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وفي تَأثُّرِها بِالصَّوْتِ الحَسَنِ عَلى غِلَظِ أكْبادِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْجَبُ ما عِنْدَ العَرَبِ مِنَ الحَيَواناتِ الَّتِي هي أشْرَفُ المَرْكَباتِ وأكْثَرُها صُنْعًا ولَهم عَلى أحْوالِها أتَمُّ وُقُوفٍ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّها خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ، وقِيلَ لَهُ: الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: العَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِالفِيلِ ثُمَّ هو خِنْزِيرٌ لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ؛ أيْ: عَلى نَحْوِ ما يُرْكَبُ ظَهْرُ البَعِيرِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ في تَرْبِيضِهِ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ.
وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا السَّحابُ؛ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ وهي في هَيْئاتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ؛ يَعْنِي أنَّ إرادَتَهُ مِنها هُنا عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ والمَجازِ وكَأنَّهُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَدْعُ القائِلُ بِذَلِكَ إلّا طَلَبَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ قانُونُ البَلاغَةِ وهي حاصِلَةٌ مَعَ بَقاءِ الإبِلِ في عُطُنِها.
قالَ الإمامُ: التَّناسُبُ فِيها أنَّ الكَلامَ مَعَ العَرَبِ وهم أهْلُ أسْفارٍ عَلى الإبِلِ في البَرارِي فَرُبَّما انْفَرَدُوا فِيها، والمُنْفَرِدُ يَتَفَكَّرُ لِعَدَمِ رَفِيقٍ يُحادِثُهُ وشاغِلٍ يَشْغَلُهُ فَيَتَفَكَّرُ فِيما يَقَعُ عَلَيْهِ طَرْفُهُ فَإذا نَظَرَ لِما مَعَهُ رَأى الإبِلَ، وإذا نَظَرَ لِما فَوْقَهُ رَأى السَّماءَ، وإذا نَظَرَ يَمِينًا وشِمالًا رَأى الجِبالَ، وإذا نَظَرَ لِأسْفَلَ رَأى الأرْضَ فَأُمِرَ بِالنَّظَرِ في خَلْوَتِهِ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّظَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ فَبَيْنَها مُناسَبَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ.
وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ خَيالَ العَرَبِ جامِعٌ بَيْنَ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ مالَهُمُ النَّفِيسَ الإبِلُ، ومَدارَ السَّقْيِ لَهم عَلى السَّماءِ، ورَعْيَهم في الأرْضِ، وحِفْظَ مالِهِمْ بِالجِبالِ، وما ألْطَفَ ذِكْرَ الإبِلِ بَعْدَ ذِكْرِ الضَّرِيعِ، فَإنَّ خُطُورَها بَعْدَهُ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، وإذا صَحَّ ما رُوِيَ مِن كَلامِ قُرَيْشٍ عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ كانَ ذِكْرُها ألْطَفَ وألْطَفَ.
وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «إلى الإبْلِ» بِسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «الإبِلِّ» بِتَشْدِيدِ اللّامِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأبِي جَعْفَرٍ والكِسائِيِّ وقالُوا: إنَّها السَّحابُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ قال القتبي: الزرابي الطنافس.
ويقال: البُسُط واحدها زربي.
ثم قال عز وجل: مَبْثُوثَةٌ أي: كثيرة متفرقة أو مبسوطة، والنمارق الوسائد واحدها نمرقة، والمؤمن جالس فوق هذا كله، وعلى رأسه نور وضاء، كأنهن الياقوت والمرجان، جزاءً بما كانوا يعملون، فإن شك شاك فيها فتعجب، وقال: كيف هذا وهو غائب عنا، فقل انظر إلى صنعة الرب تبارك وتعالى في الدنيا.
وهو قوله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ يعني: خلق من قطرة ماء خلقاً عظيماً، يُحْمَل عليها، وإنما خص ذكر الإبل، لأن الإبل كانت أقرب الأشياء إلى العرب.
ثم قال عز وجل: وَإِلَى السَّماءِ يعني: أفلا ينظرون إلى السماء كَيْفَ رُفِعَتْ بلا عمد تحتها، وحبست في الهواء بقدرة الرب سبحانه وتعالى.
ثم قال: وَإِلَى الْجِبالِ يعني: أفلا ينظرون إلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ على ظهر الأرض أوتاداً لها، وليس جبل من الجبال، إلا وله عرق من قاف، وملك موكل بجبل.
فإذا أراد الله تعالى بأهل أرض شيئاً، أوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بذلك الجبل، فيحرك تلك العروق، فيتزلزل.
ثم قال: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ يعني: بسطت على ظهر الماء.
ثم قال: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ يعني: فذكر يا محمد وخوفهم بالعذاب في الآخرة إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ يعني: مخوفاً بالقرآن لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ يعني: بمسلط تجبرهم على الإسلام، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
وقال مقاتل: في الآية تقديم يعني: فذكر إِلَّا مَنْ تَوَلَّى يعني: أعرض عن الإيمان وَكَفَرَ بالله تعالى فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ فيدخله النار، وهو العذاب الأكبر الدائم، وهو عذاب النار، حرها شديد، ومقرها بعيد، ومقامها حديد.
قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ يعني: إن إلينا مرجعهم بعد الموت ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ يعني: إن مرجعهم إلينا بعد الموت ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ يعني: يحاسبون بكل صغيرة وكبيرة، وقليل وكثير كما قال: لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كبيرة، إلا أحصاها.
ويقال: إن علينا حسابهم يعني: جزاءهم بأعمالهم، يعني: ثوابهم بما عملوا، والله أعلم بالصواب.
وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ قال بعض المتأولين: الاستثناءُ متصلٌ، والمعنى: إلا مَنْ تولى فإنَّكَ مُصَيْطِرٌ عليه، فالآيةُ على هذا لا نَسْخَ فيهَا، وقال آخرون:
الاستثناء مُنْفَصِلٌ، والمعنى: لست عليهم بمصيطرٍ لَكِنَّ مَنْ تَولَّى وكفر فيعذبُه اللَّه، وهِي آيةُ مُوَادَعَةٍ مَنْسُوخَةٌ بالسَّيْفِ وهذا هُو القولُ الصحيحُ لأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والقِتَالُ إنَّما نَزَلَ بالمدينةِ- ص-: وقرأ زيد بن أسْلَم: «إلا من تولّى» : حرف تنبيه واستفتاحٍ، انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : روى الترمذيُّ وغيره أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إله إلاَّ اللَّه، فإذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دَمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» «١» ، ثم قرأ: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ مفسِّراً معنى الآيةِ وكاشفاً خفاءَ الخفاءِ عنها، المعنى: إذا قال الناسُ: لا إله إلا اللَّه فَلَسْتَ بمسلَّطٍ على سَرَائرِهم وإنما عَلَيْكَ الظاهِرُ، وَكِلْ سرائرَهم إلى اللَّه تعالى، وهذا الحديثُ صحيحُ المعنى، واللَّه أعلم، انتهى،، وإِيابَهُمْ: مصدر من آب يؤوب: إذا رجع.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿ لِسَعْيِها ﴾ في الدُّنْيا ﴿ راضِيَةٌ ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ.
" لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿ فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿ وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿ وَنَمارِقُ ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ.
قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿ مَصْفُوفَةٌ ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ.
قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿ وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿ وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ أيْ: بُسِطَتْ.
والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ أيْ: عِظْ ﴿ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ.
ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تَوَلّى ﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿ وَكَفَرَ ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿ إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ﴾ ﴿ فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾ ﴿ وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴾ ﴿ وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴾ ﴿ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ ﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ ﴿ وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾ ﴿ وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ ﴿ وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ ﴿ فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ ﴿ إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ ﴾ ﴿ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ ﴾ ﴿ إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ﴾ "عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها.
ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ: كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها.
و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها.
ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ ﴾ ﴿ فَيُعَذِّبُهُ ﴾ ، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي".
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ.
و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ .
لما تقدم التذكير بيوم القيامة ووصف حال أهل الشقاء بما وصفوا به، وكان قد تقرر فيما نزل من القرآن أن أهل الشقاء هم أهل الإشراك بالله، فُرع على ذلك إنكارٌ عليهم إعراضَهم عن النظر في دلائل الوحدانية، فالفاء في قوله: ﴿ أفلا ينظرون ﴾ تفريع التعليل على المعلل لأن فظاعة ذلك الوعيد تجعل المقام مقام استدلال على أنهم محقوقون بوجوب النظر في دلائل الوحدانية التي هي أصل الاهتداء إلى تصديق ما أخبرهم به القرآن من البعث والجزاء، وإلى الاهتداء إلى أن منشئ النشأة الأولى عن عدم بما فيها من عظيم الموجودات كالجبال والسماء، لا يُستبعد في جانب قدرته إعادة إنشاء الإِنسان بعد فنائه عن عدم، وهو دون تلك الموجودات العظيمة الأحجام، فكانَ إعراضهم عن النظر مجلبة لما يجشمهم من الشقاوة وما وقع بين هذا التفريع، وبين المفرع عنه من جملة: ﴿ وجوه يومئذ ناعمة ﴾ [الغاشية: 8] كانَ في موقع الاعتراض كما علمت.
فضمير ﴿ ينظرون ﴾ عائد إلى معلوم من سياق الكلام.
والهمزة للاستفهام الإِنكاري إنكاراً عليهم إهمال النظر في الحال إلى دقائق صنع الله في بعض مخلوقاته.
والنظر: نظر العين المفيد الاعتبار بدقائق المنظور، وتعديته بحرف (إلى) تنبيه على إمعان النظر ليشعر الناظر مما في المنظور من الدقائق، فإن قولهم نظر إلى كذا أشد في توجيه النظر من نظر كذا، لما في (إلى) من معنى الانتهاء حتى كأنَّ النظر انتهى عند المجرور ب (إلى) انتهاءَ تمكن واستقرارٍ كما قال تعالى: ﴿ فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ﴾ [الأحزاب: 19] وقوله: ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ [القيامة: 23].
ولزيادة التنبيه على إنكار هذا الإِهمال قُيّد فعل ﴿ ينظرون ﴾ بالكيفيات المعدودة في قوله: ﴿ كيف خلقت ﴾ ، ﴿ كيف رفعت ﴾ ، ﴿ كيف نصبت ﴾ ، ﴿ كيف سطحت ﴾ أي لم ينظروا إلى دقائق هيئات خَلقها.
وجملة: ﴿ كيف خلقت ﴾ بدل اشتمال من الإِبل والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو فعل ﴿ ينظرون ﴾ لاَ حرف الجر، فإن حرف الجر آلة لتعدية الفعل إلى مفعوله فالفعل إن احتاج إلى حرف الجر في التعدية إلى المفعول لا يحتاج إليه في العمل في البدل، وشتان بين ما يقتضيه إعمال المتبوع وما يقتضيه إعمال التابع فكلٌّ على ما يقتضيه معناه وموقعه، فكيف منصوب على الحال بالفعل الذي يليه.
والمعنى والتقديرُ: أفلا ينظرون إلى الإِبللِ هيئةِ خَلْقِها.
وقد عُدّت أشياءُ أربعة هي من النَّاظرين عن كَثب لا تغيب عن أنظارهم، وعُطف بعضها على بعض، فكان اشتراكها في مرْآهم جهةً جامعة بينها بالنسبة إليهم، فإنهم المقصودون بهذا الإِنكار والتوبيخ، فالذي حسَّن اقتران الإِبل مع السماء والجبال والأرض في الذكر هنا، هو أنها تنتظم في نظر جمهور العرب من أهل تهامة والحجاز ونجد وأمثالها من بلاد أهل الوبر والانتجاع.
فالإبل أموالهم ورواحلهم، ومنها عيشهم ولباسهم ونسج بيوتهم وهي حمّالة أثقالهم، وقد خلقها الله خلقاً عجيباً بقوة قوائمها ويُسْر بُروكها لتيسير حمل الأمتعة عليها، وجَعَل أعناقها طويلة قوية ليمكنها النهوض بما عليها من الأثقال بعد تحميلها أو بعد استراحتها في المنازل والمبارك، وجعل في بطونها أمعاء تختزن الطعام والماء بحيث تصبر على العطش إلى عشرة أيام في السير في المفاوز مما يَهلك فيما دونه غيرها من الحيوان.
وكم قد جرى ذكر الرواحل وصفاتها وحمدها في شعر العرب ولا تكاد تخلو قصيدة من طِوالهم عن وصف الرواحل ومزاياها.
وناهيك بما في المعلقات وما في قصيدة كعب بن زهير.
و ﴿ الإِبل ﴾ : اسم جمع للبُعران لا واحد له من لفظه، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ في سورة الأنعام (146).
وعن المبرد أنه فسر الإِبل في هذه الآية بالأسحبة وتأوَّله الزمخشري بأنه لم يرد أن الإِبل من أسماء السحاب ولكنه أراد أنه من قبيل التشبيه، أي هو على نحو قول عنترة: جادت عليه كل بِكر حرّة *** فتركن كل قرارة كالدرهم ونُقل بهم إلى التدبر في عظيم خلق السماء إذ هم ينظرونها نهارهم وليلهم في إقامتهم وظعنهم، يرقبون أنواء المطر ويشيمون لمع البروق، فقد عرف العرب بأنهم بنو ماء السماء، قال زيادة الحارثي (على تردد لشراح الحماسة في تأويل قوله، بنو ماء السماء): ونَحن بنو ماء السماء فلا نَرى *** لأنفسنا من دون مملكة قَصر وفي كلام أبي هريرة وقد ذكر قصة هَاجَر فقال أبو هريرة في آخرها: إنها لأمّكم يا بني ماء السماء ويتعرفون من النجوم ومنازل الشمس أوقات الليل والنهار ووجهة السير.
وأتبع ذكر السماء بذكر الجبال وكانت الجبال منازل لكثير منهم مثل جَبَلَي أجإ وسلمى لطَي.
وينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف ويتخذون فيها مراقب للحراسة.
والنصْب: الرفع أي كيف رُفعت وهي مع ارتفاعها ثابتة راسخة لا تميل.
وثم نُزِل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم، وقد سَطَحها الله، أي خلقها ممهدة للمشي والجلوس والاضطجاع.
ومعنى سُطحت}: سُويت يقال: سَطَح الشيء إذا سوّاه ومنه سَطْح الدار.
والمراد بالأرض أرض كل قوم لا مجموع الكرة الأرضية.
وبُنيت الأفعال الأربعة إلى المجهول للعلم بفاعل ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ الآياتِ، وفي ذِكْرِهِ لِهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيَسْتَدِلُّوا بِما فِيها مِنَ العِبَرِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ.
الثّانِي: لِيَعْلَمُوا بِقُدْرَتِهِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَعَتَ لَهم ما في الجَنَّةِ عَجِبَ مِنهُ أهْلُ الضَّلالَةِ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ العُجابِ لِيَزُولَ تَعَجُّبُهم، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي (اَلْإبِلِ) ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: وهو أظْهَرُهُما وأشْهُرُهُما: أنَّها الإبِلُ مِنَ النِّعَمِ.
الثّانِي: أنَّها السَّحابُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِها السَّحابَ فَلِما فِيها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ والمَنافِعِ العامَّةِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ.
وَإنْ كانَ المُرادُ بِها مِنَ النِّعَمِ فَإنَّ الإبِلَ أجْمَعُ لِلْمَنافِعِ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ، لِأنَّ ضُرُوبَهُ أرْبَعَةٌ: حَلُوبَةٌ، ورَكُوبَةٌ، وأكُولَةٌ، وحُمُولَةٌ والإبِلُ تَجْمَعُ هَذِهِ الخِلالَ الأرْبَعَ، فَكانَتِ النِّعْمَةُ بِها أعَمَّ، وظُهُورُ القُدْرَةِ فِيها أتَمَّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّما أنْتَ واعِظٌ.
الثّانِي: ذَكَّرَهُمُ النِّعَمَ لِيَخافُوا النِّقَمَ.
﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلَّطٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: بِجَبّارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: بِرَبٍّ، قالَهُ الحَسَنُ، ومَعْنى الكَلامِ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ أنْ تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ ﴾ فَلَسْتَ لَهُ بِمُذَكِّرٍ، لِأنَّهُ لا يَقْبَلُ تَذْكِيرَكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَكِلْهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا قَبْلَ القِتالِ، ثُمَّ أُمِرَ بِقِتالِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفي ﴿ تَوَلّى وكَفَرَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ وكَفَرَ بِالنِّعْمَةِ.
الثّانِي: تَوَلّى عَنِ الرَّسُولِ وكَفَرَ بِاَللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الخُلُودَ فِيها، لِأنَّهُ يَصِيرُ بِالِاسْتِدامَةِ أكْبَرَ مِنَ المُنْقَطِعِ.
﴿ إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ ﴾ أيْ مَرْجِعُهم.
﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جامِعًا بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ ثَوابًا عَلى الطّاعاتِ وعِقابًا عَلى المَعاصِي.
/
وأخرج مالك ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أنه سئل بم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟
قال: ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الغاشية القيامة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ قال: الساعة ﴿ وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ﴾ قال: تعمل وتنصب في النار ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قال: هي التي قد طال أنيها ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ قال: حديث الساعة ﴿ وجوه يومئذ خاشعة ﴾ قال: ذليلة في النار ﴿ عاملة ناصبة ﴾ قال: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها وأنصبها في النار ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قال: إناء طبخها منذ خلق الله السموات الأرض ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق شر الطعام وأبشعه وأخبثه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وجوه يومئذ ﴾ قال: يعني في الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ﴾ قال: يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قال: تدانى غليانه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم عن أبي عمران الجوني قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه براهب، فوقف، ونودي الراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين فاطلع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال: قد علمت، ولكني رحمته، ذكرت قول الله: ﴿ عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية ﴾ فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ عاملة ناصبة ﴾ قال: عاملة في الدنيا بالمعاصي تنصب في النار يوم القيامة ﴿ إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ تصلى ناراً حامية ﴾ قال: حارة ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قال: انتهى حرها ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ يقول: من شجر من نار.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ من عين آنية ﴾ قال: قد أنى طبخها منذ خلق الله السموات والأرض.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من عين آنية ﴾ قال: قد بلغت إناها وحان شربها، وفي قوله: ﴿ إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق اليابس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ من عين آنية ﴾ قال: انتهى حرها فليس فوقه حر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ آنية ﴾ قال: حاضرة.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ قال: الشبرق اليابس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: الضريع بلغة قريش في الربيع الشبرق وفي الصيف الضريع.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: الضريع الشبرق شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض.
وأخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء قال: الضريع السلم، وهو الشوك وكيف يسمن من كان طعامه الشوك؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إلا من ضريع ﴾ قال: من حجارة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إلا من ضريع ﴾ قال: الزقوم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ﴿ من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه بسند واه عن ابن عباس ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شيء يكون في النار شبه الشوك أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حراً من النار، سماه الله الضريع إذا طعمه صاحبه لا يدخل البطن ولا يرتفع إلى الفم فيبقى بين ذلك ولا يغني من جوع» .
أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ في سورة الغاشية ﴿ متكئين فيها ﴾ ناعمين فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ لسعيها راضية ﴾ قال: رضيت عملها.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لا تسمع فيها ﴾ بالتاء ونصب التاء لاغية منصوبة منونة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمع فيها لاغية ﴾ يقول: لا تسمع أذى ولا باطلاً وفي قوله: ﴿ فيها سرر مرفوعة ﴾ قال: بعضها فوق بعض ﴿ ونمارق ﴾ قال: مجالس.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ قال: شتماً.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ قال: مؤذية.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ قال: لا تسمع فيها باطلاً ولا مأثماً وفي قوله: ﴿ ونمارق ﴾ قال: الوسائد وفي قوله: ﴿ مبثوثة ﴾ قال: مبسوطة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فيها سرر مرفوعة ﴾ قال: مرتفعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونمارق ﴾ قال: الوسائد ﴿ وزرابي ﴾ قال: البسط.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونمارق ﴾ قال: المرافق.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وزرابي ﴾ قال: البسط.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وزرابيّ مبثوثة ﴾ قال: بعضها على بعض.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عمار بن محمد قال: صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ فقرأ فيها ﴿ وزرابيّ مبثوثة ﴾ متكئين فيها ناعمين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن أبي الهذيل أن موسى أو غيره من الأنبياء قال: يا رب كيف يكون هذا منك؟
أولياؤك في الأرض خائفون يقتلون، ويطلبون فلا يعطون، وأعداؤك يأكلون ما شاؤوا، ويشربون ما شاؤوا ونحو هذا.
فقال: انطلقوا بعبدي إلى الجنة فينظر ما لم ير مثله قط، إلى أكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابيّ مبثوثة، وإلى الحور العين، وإلى الثمار، وإلى الخدم كأنهم لؤلؤ مكنون.
فقال: ما ضر أوليائي ما أصابهم في الدنيا إذا كان مصيرهم إلى هذا؟
ثم قال: انطلقوا بعبدي هذا فانطلق به إلى النار، فخرج منها عنق فصعق العبد ثم أفاق فقال: ما نفع أعدائي ما أعطيتهم في الدنيا إذا كان مصيرهم إلى هذا؟
قال: لا شيء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال نبي من الأنبياء: اللهم العبد من عبيدك يعبدك ويطيعك ويجتنب سخطك تزوي عنه الدنيا، وتعرض له البلاء.
والعبد يعبد غيرك، ويعمل بمعاصيك، فتعرض له الدنيا وتزوي عنه البلاء.
قال: فأوحى الله إليه أن العباد والبلاد لي، كل يسبح بحمدي فأما عبدي المؤمن فتكون له سيئات فإنما أعرض له البلاء وأزوي عنه الدنيا فتكون كفارة لسيئاته، وأجزيه إذا لقيني وأما عبدي الكافر فتكون له الحسنات فأزوي عنه البلاء، وأعرض له الدنيا فيكون جزاء لحسناته وأجزيه بسيئاته حين يلقاني.
والله أعلم.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما نعت الله ما في الجنة عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: ﴿ أفلا ينظرون إلى الإِبل كيف خلقت ﴾ وكانت الإِبل عيشاً من عيش العرب وخولاً من خولهم ﴿ وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ قال: تصعد إلى الجبل الصخور عامة يومك، فإذا أفضت إلى أعلاه أفضت إلى عيون منفجرة وأثمار متهدلة لم تغرسه الأيدي ولم تعمله الناس نعمة من الله إلى أجل ﴿ وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ أي بسطت يقول: إن الذي خلق هذا قادر على أن يخلق في الجنة ما أراد.
وأخرج عبد بن حميد عن شريح أنه كان يقول لأصحابه: أخرجوا بنا إلى السوق فننظر ﴿ إلى الإِبل كيف خلقت ﴾ .
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، ثم قرأ ﴿ فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ﴾ » .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ بالصاد.
وِأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ يقول: بجبار فاعف عنهم وأصفح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ قال: بقاهر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ قال: كل عبادي إليّ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ بمسيطر ﴾ قال: بمسلط.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ قال: جبار ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ قال: حسابه على الله.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس ﴿ لست عليهم بمسيطر ﴾ نسخ ذلك فقال: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن إلينا إيابهم ﴾ قال: مرجعهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء مثله.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: عز وجل ﴿ إن إلينا إيابهم ﴾ قال: الإِياب المرجع.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول: وكل ذي غيبة يؤوب ** وغائب الموت لا يؤوب وقال الآخر: فألقت عصاها واستقر بها النوى ** كما قر عيناً بالإِياب المسافر وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ إن إلينا إيابهم ﴾ قال: منقلبهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ﴾ قال: إلى الله الإِياب، وعلى الله الحساب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ﴾ أي متنعمة في الجنة أو يظهر عليها نضرة النعيم ﴿ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ أي راضية في الآخرة لأجل سعيها وهو عملها في الدنيا ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ يحتمل أن يكون من علو المكان أو من علو المقدار أو الوجهين ﴿ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً ﴾ هو من لغو الكلام ومعناه الفحش وما يكره، فيحتمل أن يريد كلمة لاغية أو جماعة لاغية ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾ يحتمل أن يريد جنس العيون أو واحدة شرّفها بالتعيين ﴿ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ ﴾ قد ذكرنا أكواب، ومعنى موضوعة: حاضرة معدة بشرابها وفي قوله: مرفوعة وموضوعة؛ مطابقة ﴿ وَنَمَارِقُ ﴾ جمع نمرقة وهي الوسادة ﴿ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ هي بسط فاخرة وقيل: هي الطنافس واحدها زربية ﴿ مَبْثُوثَةٌ ﴾ أي متفرقة، وذلك عبارة عن كثرتها وقيل: مبسوطة ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ حض على النظر في خلقتها لما فيها من العجائب في قوتها، وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها من الركوب والحمل عليها، وأكل لحومها وشرب ألبانها، وأبوالها وغير ذلك.
وقيل: أراد بالإبل السحاب وهذا بعيد وإنما حمل قائلة عليه مناسبتها للسماء والأرض والجبال، والصحيح أن المراد الحيوان المعروف، وإنما ذكره لما فيه من العجائب، ولإعتناء العرب به إذ كانت معايشتهم في الغالب منه، وهو أكثر المواشي في بلادهم.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ تصلى ﴾ بضم التاء من الإصلاء: أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالفتح ﴿ لا يسمع ﴾ بضم الياء التحتانية ﴿ لاغية ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
وقرأ نافع بتاء التأنيث والرفع.
الآخرون: بفتح تاء التأنيث أو الخطاب لكل سامع ﴿ لاغية ﴾ بانصب.
﴿ بمصيطر ﴾ بالصاد: أبو جعفر ونافع وعاصم وعلي وخلف.
وقرأ حمزة في رواية بإشمام الزاي.
الباقون: بالسين.
﴿ إيابهم ﴾ بالتشديد: يزيد.
الوقوف: ﴿ الغاشية ﴾ ه ط ﴿ خاشعة ﴾ ه ﴿ ناصبة ﴾ ه ك ﴿ حامية ﴾ ه ك ﴿ آنية ﴾ ه ط لتمام الأوصاف ﴿ ضريع ﴾ ه ط ﴿ جوع ﴾ ه ج للابتداء بعده ﴿ ناعمة ﴾ ه لا ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه ج ﴿ لاغية ﴾ ه ط ﴿ جارية ﴾ ه م لئلا يتوهم أن ما بعدها صفة لعين فيكون في الحارية سرور ليس كذلك ﴿ مرفوعة ﴾ ه لا ﴿ موضوعة ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ه لا ﴿ مبثوثة ﴾ ه ط ﴿ خلقت ﴾ ه ﴿ رفعت ﴾ ه ك ﴿ نصبت ﴾ ه ط ﴿ سطحت ﴾ ه وقد يوقف على الآيات الأربع لأجل مهلة النظر وإلا فلكل متسقة ﴿ مذكر ﴾ ه ط ﴿ بمصيطر ﴾ ه لا ﴿ وكفر ﴾ ه ك ﴿ الأكبر ﴾ ه ط ﴿ إيابهم ﴾ ه لا ﴿ حسابهم ﴾ ه.
التفسير: لما انجر الكلام في السورة المتقدّمة إلى ذكر الآخرة، شرح في هذه السورة بعض أحوال المكلفين فيها.
والغاشية القيامة لأنها تغشى الناس بشدائدها، وكل ما أحاط بالشيء من جميع الجهات فهو غاشٍ له قال الله ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ وقال ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ أي لم يأتك حديث هذه الداهية وقد أتاك الآن فاستمع.
وقدّم وصف الأشقياء لأن مبنى السورة على التخويف كما ينبىء عنه لفظ الغاشية.
والمراد بالوجه الذات ووجه حسن هذا المجاز أن الخشوع والانكسار والذل وأضدادها يتبين أكثرها في الوجه كقوله ﴿ وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفيّ ﴾ والعمل والنصب أي التعب.
قيل: كلاهما في الآخرة وهو والأظهر لقوله ﴿ يومئذ ﴾ أي تعمل في النار عملاً تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال وخوضعها في النار خوض الدابة في الوحل وتردّدها في صعود من نار وحدور منها.
قال الحسن: كان يجب عليها أن تعمل لله في الدنيا خاشعة ناصبة فلام قصر في ذلك وقع في مثله بعد المفارقة إلى أن يشاء الله ليكون معارضاً بنقيض مقصوده.
وقيل: كلاهما في الدنيا وهم أصحاب الصوامع خشعت وجوههم لله وعملت ونصبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة، لأن أعمالهم مبنية على غير أساس من الدين الحنيفي.
وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء فهي في نصب منها في الآخرة.
ثم شرح مكانهم وهو النار الشديدة الحر، ومشروبهم وهو من عين آنية أي متناهية في الحرارة، ومطعومهم وهو الضريع.
وإنما قدّم المشروب على الضريع المطعوم لأن الماء يناسب النار مناسبة الضدين أو الشبيهين من حيث بساطتهما، أو لأنهم إذا أثر فيهم حر النار غلب عليهم العطش وكان الماء عندهم أهم، ثم إذا أثرت فيهم الحرارتان أرادوا أن يدفعوا ألم الإحساس بها بما يزيد العذاب على البدن، هذا مع أن الواو ليست للترتيب.
قال الحسن: لا أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا وقد يروى عنه أيضاً أنه " فعيل " بمعنى " مفعل " كالأليم بمعنى المؤلم.
والبديع بمعنى المبدع ومعناه إلا من طعام يحملهم على الضراعة والذل عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة والحرارة.
وعن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك.
قال أبو الجوزاء: كيف يسمن من يأكل الشوك.
وفي الخبر " الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأشدّ حراً من النار" قال العلماء: إن للنار دركات وأهلها على طبقات: فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه ضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ ووجود النبت في النار ليس ببدع من قدرة الله كوجود بدن الإنسان والعقارب والحيات فيها.
قوله ﴿ لا يسمن ولا يغني من جوع ﴾ صفة للطعام أو للضريع، وفيه أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس لكن من جنس الشوك الذي ترعاه الإبل ما دام رطباً فإذا يبس نفرت عنه لأنه سم قاتل.
ويحتمل أن يراد لا طعام لهم أصلاً لأن الضريع يبيس هذا الشوك والإبل تنفر عنه كما قلنا فهو كقوله " ليس لفلان ظل إلا الشمس " يريد نفي الظل على التوكيد.
وروي أن كفار قريش قالوا على سبيل التعنت حين سمعوا الآية: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت ﴿ لا يسمن ولا يغني من جوع ﴾ أي ليس فيه منفعة الغذاء ولا الاسمان ودفع الجوع كذبهم الله في قولهم يسمن الضريع، أو نبههم الله بعد تسليم أن ضريعهم مسمن على أن ضريع النار ليس كذلك أي كل ما في النار يجب أن يكون خالياً عن النفع.
ثم أخذ في وصف السعداء فقال ﴿ وجوه ﴾ وإنما فقد العاطف خلاف ما في سورة القيامة لأنه أراد ههنا تفصيل ما أجمل في قوله ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ ومعنى ناعمة ذات نعومة أو تنعم.
وقوله ﴿ لسعيها راضية ﴾ أي رضيت بما عملت في الدنيا وأثنت عليه نحو قولها " ما أحسن ما عملت " وذلك إذا رأت محلها ومنزلتها في الكرامة والثواب أو رضيت لجزاء سعيها حين رأت ما لا مزيد عليه.
واللاغية اللغو مصدر كالعافية والباقية، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف أي كلمة ذات لغو.
قوله ﴿ عين جارية ﴾ قال جار الله: يريد عيوناً في غاية الكثرة كقوله ﴿ علمت نفس ﴾ قال الكلبي: لا أدري جرت بماء أو غيره.
قال القفال: عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود وتجري لهم كما أرادوا.
﴿ مرفوعة ﴾ في الرتبة أو مرتفعة عن الأرض ليرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما آتاه الله من الخدم والملك، فإذا جاء وليّ الله ليجلس عليها تطأطأت له، فإذا استوى عليها ارتفعت إلى حيث أراد الله.
وقد وصفها ابن عباس بأن ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت.
وقيل: مرفوعة أي مخبوءة لهم من رفع الشيء إذا خبأه.
والأكواب الكيزان التي لا عرى لها كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم حاضرة أو موضوعة على حافات العيون ليشرب بها.
وجوّز في الكشاف أن يراد موضوعة من حدّ الكبر إلى التوسط والاعتدال.
والنمارق الوسائد واحدها نمرقة بضم النون.
وروى الفراء بكسرها أيضاً ﴿ مصفوفة ﴾ بعضها بجنب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة وأسند إلى أخرى.
والزرابيّ البسط العراض الفاخرة واحدها زربية بكسر الزاي، وقيل: هي الطنافس التي لها خمل رقيق.
و ﴿ مبثوثة ﴾ أي مبسوطة أو مفرقة في المجلس.
وحين ذكر أحوال المعاد عاد إلى الاستدلال على المبدأ فإن من عادة كتاب الله الكريم أنه يرجع إلى تذكير الأصول عوداً إلى بداية.
وللمحققين في نسق الآية وفي تناسب هذه الأمور وجوه منها: قول أكثر أهل المعاني إن القرآن إنما نزل بلغة العرب فيجب أن يخاطبوا بحسب ما هو مركوز في خزانة خيالهم، ولا ريب أن جل هممهم مصروفة بشأن الإبل فمنها يأكلون ويشربون، ومن أصوافها وأوبارها ينتفعون، وعليها في متاجرهم ومسافراتهم يحملون، فحيث أراد الله أن ينصب لهم دليلاً من مصنوعاته يمكنهم أن يستدلوا به على كمال حكمة الصانع ونهاية قدرته لم يكن شيء أحضر صورة في متخيلهم من الإبل فنصبها لهم.
ولا ريب أنها من أعاجيب مصنوعات الله صورة وسيرة لما ركب فيها من التحمل على دوام السير مع كثرة الأثقال، ومن البروك حتى تحمل، ثم النهوض بما حملت، ومن الصبر على العطش، وعلى العلف القليل أياماً، ثم شرب الماء الكثير إذا وجدت، ومن تذللها لصبي أو ضعيف.
قال الإمام فخر الدين الرازي: كنت مع جماعة في مفازةٍ فضللنا الطريق فقدّموا جملاً وتبعوه وكان ذلك الجمل يمشي ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب حتى وصل الطريق فتعجبنا من قوّة تخيله.
وعن بعض أهل الفراسة أنه حدّث عن البعير وبديع خلقه في بروكه ثم نهوضه مثقلاً وقد نشأ في بلاد لا ابل بها ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وذلك أن طول العنق يسهل عليه النهوض.
ثم إن أصحاب المواشي لاحتياجهم الشديد إلى الماء المستعقب للكلأ صار جل نظرهم إلى السماء التي منها ينزل المطر، ثم إلى الجبال التي هي أقرب إلى السماء وأسرع لوقوع المطر عليها وحفظ الثلج الذي منه مادة العيون والآبار عند إقلاع الأمطار على أنها مأمنهم ومسكنهم في الأغلب.
لنا جبل يحتله من نجيره *** منيع يرد الطرف وهو كليل ثم إلى الأرض التي فيها ينبت العشب وعليها متقلبهم ومرعاهم، فثبت أن الآية كيف وردت منظمة حسب ما انتظم في خزانة خيال العرب بحسب الأغلب.
ومنها أن جميع المخلوقات متساوية في دلالة التوحيد وذكر جميعها غير ممكن فكل طائفة منها تخص بالذكر.
ورد هذا السؤال فوجب الحكم بسقوطه، ولعل في ذكر هذه الأشياء التي لا تناسب في الظاهر تنبيهاً على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل.
ومنها أن المراد بالإبل السحاب على طريق التشبيه والمجازفان العرب كثيراً تشبه السحاب بالإبل في أشعارهم.
ومنها أن تخصيص الإنسان بالاستدلال منه على التوحيد يستتبع القوع في الشهوة والفتنة، وكذا الفكر في البساتين النزهة والصور الحسنة فخص الإبل بالذكر لأن التفكير فيها متمحض لداعية الحكمة وليس للشهوة فيها نصيب، على أن إلف العرب بها أكثر كما مر، وكذا السماء والأرض والجبال دلائل الحدوث فيها ظاهرة وليس فيها نصيب للشهوة.
والمراد بالنظر إلى هذه الأشياء هو النظر المؤدّي إلى الاستدلال بدليل قوله ﴿ كيف خلقت ﴾ ﴿ كيف رفعت ﴾ ﴿ كيف نصبت ﴾ ﴿ كيف سطحت ﴾ وليس في السطح دلالة على عدم كرية الأرض لأنها في النظر مسطحة وقد تكون في الحقيقة كرة إلا أنها لعظمها لا تدرك كريتها.
ثم أمر نبيه بتذكير الأمة بهذه الأدلة وأمثالها لأن أمره مقصور على كونه مذكراً لا منحطاً إلى كونه مسيطراً أي مسلطاً عليهم فإن أراد بالتسليط القهر أو بالإكراه بمعنى خلق الهداية فيهم فالآية ثابتة لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله وتعالى ، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً.
وإن أراد القتال معهم إن لم يؤمنوا فالآية منسوخة وهذا قول كثير من المفسرين، وعلى هذا فالأظهر أن يكون الاستثناء في قوله ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ متصلاً لا باعتبار الحال فإن السورة مكية ولكن بالنظر إلى الاستقبال أي إلا المصرين على الإعراض والكفر فإنك تصير مأموراً بقتالهم مستولياً عليهم بالغلبة والقهر.
وقيل: هو استثناء منقطع أي لست بمستول عليهم ولكن من تولى وكفر فإن لله لولاية والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر الذي هو القتل والسبي أو عذاب الدرك الأسفل.
وقيل: هو استثناء من قوله ﴿ فذكر ﴾ أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض.
ويرد أنه لا ينقطع طمعه من إيمان الكفرة ما داموا أحياء إلا أن يعلمه الله بذلك، وعلى تقدير الإعلام أيضاً لا يجوز أن يقطع التذكير لأن الدعوة عامة في الأصل ولو جعلت خاصة لم تبق مضبوطة كرخصة المسافر مثلاً.
ثم ختم السورة بما يصلح للوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
ومن قرأ ﴿ إيابهم ﴾ بالتشديد فإما أن يكون " فيعالاً " مصدر " فيعل " من الإياب، وأما أن يكون أصله " أوّاباً " فعالاً من " أوّب " ثم قلبت إحدى الواوين ياء كما في " ديوان " ثم الأخرى كما في " سيد ".
قال جار الله: فائدة تقديم الظرف في الموضعين الحصر أي ليس ينبغي أن يكون مرجعهم إلا إلى الجبار المقتدر على توفية جزاء كل طائفة ولا أن يكون حسابهم واجباً إلا على حكمة من هو أحكم الحاكمين ورب العالمين.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ : خص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين: أحدهما: أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة، عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه، وهي أيضا - أعني: مكة - منشأة بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم والأرض من تحتهم؛ فخصت هذه الأشياء بالذكر؛ ليعتبروا بها، ويتدبروا.
ويحتمل وجها آخر: وهو أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل؛ لأن منافع الدواب أن ينتفع بطهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك يوجد في الإبل؛ فصارت كالأنعام تصلح للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم [المنافع و] البركات المعقودة فيها متصلة بالسماء؛ ففيها جعلت أرزاقهم، وفيها عين الشمس التي بها مصالح الأغذية وتراها مزينة بزينة الكواكب، فهي - أيضا - كالأم في المنافع، وكذلك الأرض كالأم في المنافع؛ إذ فيها مأوى الخلق، وقدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس.
ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها؛ فخصت هذه الأشياء بالذكر؛ لمنا ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدها: على الأمر؛ أي: فلينظروا.
والثاني: أن يكون على سؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم؛ فنزلت هذه الآية: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ...
﴾ إلى آخر الآيات؛ أي: لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها ينزع عنهم الإشكال، ويوضح لهم ما اشتبه عليهم.
وذكر ابن عباس - ما - أنه قال: لما ذكر الله - - ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالت: يا محمد، ائتنا بآية أن ما تقوله حق؛ فأنزل الله - -: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ .
ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها بغير عمد ترونها والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط - مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب ، وإلى القول بإثبات الرسالة، وذلك أن الذي كان يحملهم على إنكار البعث هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم؛ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم، فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض، لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق، وذلك أن السماوات خلقت ورفعت في الهواء بغير ع مد، وأقرت كذلك، لا تنحدر عن موضعها، ولا تتصعد، ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط ولا تتصعد لم يقدر عليه؛ فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية ليست بمستفادة، وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه لو تفكر فيه الخلائق فاستفرغوا مجهودهم؛ ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء؟
وكيف ينبع؟
ومكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار - لم يصلوا إلى معرفته؛ فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر هذا إنباء أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره يفعل بهم ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا لقادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء.
وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية؛ لأن الله - - جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض الغبراء المتهشمة؛ فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم، فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض، لكان يمنع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض، فلو تفكروا فيها، لكان يزول عنهم الإشكال؛ فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .
وقولنا: إن فيه إثبات الرسالة، وذلك أنهم بما أنعما من النعم التي ذكرناها لا بد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه بم يكون؟
فلا بد من رسول يطعلهم على ذلك.
فإن قيل: كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا آخر الأبد؛ ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء، لم يهتدوا إلى ذلك الوجه؟
فجوابه: أنهم لو تداركوا ذلك الوجه وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنه الإشكال؛ إذ يقدروه بأفعال الخلق التي يهتدى إليها؛ فارتفاع التدارك، وخروحه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه؛ إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم، وأنه خلالهم من جميع الوجوه، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ : في هذه الآية - والله أعلم - أمر من الله لرسوله ألا يجازيهم بصنيعهم إذا استقبلوه بما يكره من أذى يوجد منهم واستخفاف يجء منهم؛ فيقول: ذكرهم بالله ، وذكرهم عظيم نعمه وذكرهم كيف هلك مكذبو الرسل، وكيف نجا من صدقهم وعظم أمرهم ولا تقهرهم، ولا تجازهم بصنيعهم، وكل ذلك إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ ، قال بع ضهم بمسلط.
وقال بعضهم: لست بجبار.
فإن أريد به الوجه الأول فهو مما يحتمله، ويجوز أن يسلط عليهم في أن يؤذن بقتالهم، وأسرهم وقهرهم ببذل الجزية؛ ولهذا قيل: إن هذا كان قبل نزول سورة براءة.
وإن كان تأويله: لست بجبار عليهم؛ على ما روي عن مجاهد؛ فهذا الوجه مما لا يرد عليه النسخ، ولا يجوز أن يصير جبارا عليهم، ولا يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ﴾ استثناء، ويكون معناه: لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر، أي: من أعرض عن طاعة الله وكفر بوحدانية الله وبكتبه ورسله، [فيعذبه الله العذاب] الأكبر.
وعلى التأويل الذي قيل: إن المسيطر هو المسلط بالسيف والأسر والقهر بالجزية التي هي صغار عليهم - يكون قوله : ﴿ تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ﴾ على الاستثناء، اي: من أعرض عن طاعة الله ، وكفر بوحدانية الله فيسلط عليهم بالسيف، والأسر، وأخذ الجزية.
وقيل: ﴿ إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ﴾ ، أي: أعرض، ولزم الإعراض؛ فيكون مسيطرا عليهم.
أو تولى وقت التذكير فيستنصر عليه، وبالله النجاة.
وفي هذه الآية بشارة لرسول الله بالظفر على الذين تولوا عن طاعة الله وكفروا به.
وفيه آية رسالته؛ لأنه قال هذا في وقت ضعفه، وقلة أنصاره، وكان الأمر كما قال؛ إذ نصره الله - - بالرعب مسيرة شهرين، وفتحت له الفتوح؛ ليعلم أنه بالله - - علم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ﴾ ، أي: مرجعهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ ، أي: من الحكمة أن نحاسبهم، وإذا كانت الحكمة توجب حسابهم وتعذيبهم، كان عليه أن يحاسبهم لما في ترك الحكمة، وفي تركها سفه، عن ذلك، وبالله النجاة، ومنه التوفيق.
أفلا ينظرون نظر تأمل إلى الإبل كيف خلقها الله، وسخرها لبني آدم؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.XAVzK"
الغاشية: هي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتغمرهم أهوالها.
والمراد منها هنا يوم القيامة، أي هل سمعت قصة يوم القيامة وما يقع فيه؟
وهو استفهام لتعظيم الأمر مع تقريره.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ)، أي يظهر عليها الذل والخزي النازل بأصحابها وهكذا يقال فيما بعد.
أو عبر بالوجوه عن الأشخاص، فالذل لهم.
أي أناس -يوم تغشى الغاشية- أذلاء.
(عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) وقع منها عمل في الدنيا وأصابها فيه نصب أي تعب، ولم تستفد من عملها سوى نصبها.
فأثر الخيبة وحبوط العمل ظاهر عليها، ولا حاجة للقول بأنها عاملة ناصبة في ذلك اليوم نفسه، فإن عاملة ناصبة بمنزلة قوله حابطة أعمالها، أو جعلت أعمالها هباء منثورًا، وهذا هو الذي يقع يومئذ.
وإنما يجب اختيار هذا المعنى لاتفاقه مع بقية الآيات في غير هذه السورة، ولأن هذه الآية تقابل قوله في أهل الجنة ﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ .
وذلك السعي هو الذي كان في الدنيا.
﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ صلى النار: قاسي حرها.
وهذه الوجوه تعذب بتلك النار لأن أعمالها في الدنيا كانت خاسرة غلب عليها الشر، وجانبها أو قل فيها الخير.
وتلك النار الحامية الحارة لا نعرف كنهها ولا كيفية إيقادها، ولكنا نؤمن بها، وبأن عمال السوء وحلفاء الباطل يصلونها.
(العين) ينبوع الماء (والآنية) الشديدة الحرارة من أنى الماء يأني إذا سخن وبلغ في الحرارة غايتها.
فإذا عطش أهل النار عطشهم الخاص بهم في تلك الدار، وطلبوا ما يطفئ لهب ظمئهم جيء لهم بماء من ينبوع بلغ ماؤه من الحرارة غايتها، فهو لا يطفئ لهبًا، ولا ينقع غلة، فإذا خوت بطونهم، وأحسوا من الجوع ما يدفعهم إلى طلب الطعام فـ ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾ .
قال الفراء: الضريع هو نبت يقال له الشبرق، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس.
قالوا: وهو مرعى سوء لا تعقد عليه السائمة شحمًا ولا لحمًا، وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها.
والضريع أيضًا القشر الذي على العظم تحت اللحم، وقيل هو جلد على الضلع، وعلى كل حال فهو طعام رديء ﴿ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾ : أي إذا طلب أهل النار الطعام ليدفعوا به ما يصيبهم من ألم الجوع الذي يلائم عالمهم الأخروي وحياتهم في تلك الدار الباقية، قدم إليهم من الطعام ما لا يدفع جوعًا ولا يفيد سمنًا، أي ليس له أثر من آثار الطعام.
وسمى الله ذلك الطعام بالضريع تشبيهًا له به، وإلا فذلك العالم عالم الآخرة ليس فيه نمو أبدان، ولا تحلل مواد على نحو ما يكون للأحياء في هذه الحياة الدنيا، بل ذلك عالم خلود وبقاء، واللذائذ فيه لذائذ سعادة، والآلام فيه آلام شقاء.
فكل ما يقع في ذلك العالم فإنما بينه وبين ما يقع في عالمنا وجوه مشابهة لا وحدة مجانسة.
وقد جاء في الكتاب الكريم في الحاقّة: ﴿ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ والغسلين ما شأنه أن يغسل عن الأبدان كالقيح والصديد ونحوهما.
وفي سورة الواقعة: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ﴾ إلى آخر الآيات.
وفي الدخان: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴾ .
وفي الصافات: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴾ .
فهذا كله يدل على أن طعام أهل النار شيء يوافق النشأة الآخرة.
وقد عبر الله عنه بالعبارات المختلفة، وكلها مما يصور في أذهاننا بشاعته وخبثه لتنفر منه نفوسنا، وتطلب كل وسيلة للفرار منه، فتبعد بذلك عن العقائد الفاسدة والأعمال الخاسرة.
ولما وفى المكذبين حقهم من الوصف، أقبل على أهل الإخلاص والصدق يقر أعينهم بما سيلقون ذلك اليوم من فضله.
(نَاعِمَةٌ) ذات بهجة وحسن، كما قال ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيِمِ ﴾ .
ولا تكون كذلك إلا إذا كانت متنعمة فرحة بما لاقت من جزاء سعيها في الدنيا، فهي لسعيها راضية على ضد ما عليه تلك العاملة الناصبة.
و(الجنة) هي دار النعيم في الآخرة، وسميت بهذا الاسم من الاجتنان، وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها.
ووصفها بالعلو لأن خير الأماكن ما كان رفيعًا أو هي عالية رفيعة في أوصافها ومزاياها، كما سيذكر ذلك في قوله ﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴾ .
أي لا تسمع تلك الوجوه، أي أولئك المخلصون الذين عبر عنهم بالوجوه، أو لا تسمع أنت -أيها المخاطب في تلك الجنة- لغوًا، أي كلامًا لا يعتد به، ولا شتمًا، ولا سبًا، ولا فحشًا، ولا باطلًا- كل ذلك مما يصح أن يطلق عليه اسمه اللغو لأنه قول لا فائدة فيه.
وإنما عجل بهذا الوصف الشريف عقب ذكر الجنة قبل ذكر بقية أنواع النعيم لدفع ما يسبق إلى الأذهان عند ذكر الجنة ونعيمها من أحوال أهل الترف والمولعين بالشهوات من تمضية الأوقات في اللهو، والقول اللغو، وإطلاق الألسن عن قيد الأدب، فيجعلون من متممات النعيم قذائف الهجر والفحش..
فقد سارع إلى تنزيه أهل الجنة عما هو من لوازم نعيم غيرهم في الدنيا.
وفي ذلك تنبيه للمؤمنين إلى أنه لا يليق بهم أن يكونوا من أهل اللغة مهما فاض عليهم النعيم، واتسعت لهم النعمة، بل ذاك مما ينزهون عنه حتى إذا رفعت عنهم التكاليف، ووصلوا إلى فضاء الرحمة الذي لا سخط فيه ولا نقمة.
فنعيمهم ينبغي أن يكون نعيم أهل الفضل والجد، لا نعيم أهل الجهل والحمق.
فاعتبر بهذه الحكمة، ثم انظر كيف قدم من الأوصاف للجنة وضروب نعيمها ما هو روحاني يليق بأرباب النفوس العالية والمقامات الرفيعة في العرفان وكمال الوجدان، فذكر الرضا بالسعي، ولذته فوق اللذائذ، فإنه لا لذة تفوق عند العامل لذة سروره بعمله، ثم أتبعه بالتنزه عن اللغو وما لا فائدة فيه، وهو أسمى ما يطلب الكامل أن يحيا به.
ثم جاء بعد ذلك بما له شبه باللذائذ الجسمانية المعهودة لنا في هذه الحياة فقال: ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾ أي ينبوع ماء جار، والماء الجاري -إذا كان من الينابيع- يكون في العادة باردًا صافيًا، لهذا وصف العين بالجارية، ثم في منظر الماء الجاري من مسرة النفس ما هو معلوم.
و(السرر): جمع سرير، وهو معروف: ما يجلس أو ينام عليه.
وأفضل السرر ما كان مرفوعًا عن الأرض كما هو معروف.
فكأن تلك السرر توضع لأهل النعيم على مقربة من العين الجارية فيجلسون عليها وبجانبهم (أكواب موضوعة) على جانب العين، فإذا أرادوا التمتع بلذيذ الشراب تناولوا بها من الماء، والأكواب: جمع كوب، وهو الكوز الذي لا عروة له، -"ما يعرف في لسان العامة بالكباية"-، ثم في الجنة، غير السرر التي توضع على جوانب العيون.
(نمارق مصفوفة) والنمارق: جمع نمرقة -بضم النون وكسرها- وهي الوسادة -"المسماة في عرف العامة مسندًا ومخدة"- وسواء كانت هذه النمارق مصفوفة فوق الأسرة أو في جوانب المساكن.
(وزرابي مبثوثة) الزرابي: البسط، وقيل البسط التي فيها خمل.
وروي عن المؤرج أنه قال في هذه الآية "أو زرابي: النبت إذا اصفر واحمر، وفيه خضرة، وقد أزرب".
فلما رأوا الألوان في البسط والفرش شبهوها بزرابي النبت.
ومبثوثة: أي مبسوطة أو مفرقة هنا وهناك، كما تراه في بيوت أهل النعمة.
كل ذلك لتصوير النعمة والرفاهة واللذة، وإلا فنعيم تلك الدار الآخرة مما لا يشبهه في هذه الدار نعيم.
فهل آن لهؤلاء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله ووعده ووعيده أن يعتبروا بهذا الترتيب الإلهي، وأن يقدموا الإحسان في العمل حتى يبلغوا فيه غاية يرضون سعيهم عندها، وأن يبدأوا بتنزيه أقوالهم عن اللغو، وأنفسهم عن اللهو بما تلهو به الحيوانات من طعام وشراب؟..
ثم بعد أن يلبسوا من الفضائل أفضل حللها، يتناولون من نعمة الله ما يرفعهم، ويطيب عيشهم، ويتمتعون بذلك المتاع الحسن.
هل آن لهم أن يتدبروا كتابهم، وأن يرجعوا إلى سيرة نبيهم، فينهضوا إلى طلب ما أعد الله لهم، ولا يرتكسوا فيما أركس الله فيه الأمم قبلهم؟
عرفت أن الكلام مسوق من أوله لتقرير أمور الآخرة، وما يكون من شأن الناس يوم القيامة، وفي المخاطبين منكرون جاحدون، أو مقرون غافلون لا ينظرون في عملهم إلى ما هم عليه هاجمون، فأراد الله إقامة الحجة على أولئك، وتنبيه هؤلاء بتوجيه نظرهم إلى آثار قدرته فيما بين أيديهم، وما يقع تحت بصرهم من الخلق، فقال ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ ﴾ إلخ وإنما خص الإبل لأنها أفضل دواب العرب، وأعمها نفعًا.
ولأنها، على الحقيقة، خلق عجيب، فإنها -على شدتها وعظم قوتها- تنقاد للضعيف، ولا تمانع الصغير.
ثم في تركيبها ما أعدها لحمل الأثقال ونقلها إلى البلاد الشاحطة.
ثم هي تبرك لتحمل عن قرب ويسر.
ثم تنهض بما تحمل، مع صبر على السير والعطش والجوع، واكتفائها من المرعى بما لا يكاد يرعاه سائر البهائم.
وفيها غير ذلك من المزايا التي لا يماثلها فيها حيوان آخر، وليس اختصاص الإبل لعظم جثتها حتى يرد الفيل.
والفيل -وإن كان فيه بعض مزايا الإبل- فهو لا يدر اللبن، ولا يؤكل لحمه، ولا يسهل قياده سهولة قيادة الإبل.
ورفع السماء: إمساك ما فوق من شموس وأقمار ونجوم، كل منها في مداره، لا يختل سيره، ولا يفسد نظامه.
ونصب الجبال: إقامتها علمًا للسائر وملجأ من الجائر.
وهي، في الأغلب، نزهة للناظر.
وسطح الأرض: تمهيدها وتوطئتها ليتيسر للناس أن يقيموا عليها ويمشوا في مناكبها.
وإنما حسن ذكر الجمال مع السماء والجبال والأرض لأن هذه الجملة من المخلوقات هي ما يقع تحت نظر العرب في أوديتهم وبواديهم، فحسن أن ينتظمها الذكر كما انتظمها النظر.
فلو نظر الجاحدون والغافلون فيها تحت نظرهم من هذه الأشياء، وكيف قامت -كل على حاله التي هو عليها- لعلموا أنها صنعة لا توجد ولا تحفظ إلا بموجد لها وحافظ، وهو الله جل شأنه، وأن القادر على خالق هذه الكائنات وحفظها ووضعها على قواعد الحكمة، قادر على أن يرجع الناس إلى يوم يُوَفَّى فيه كل عامل جزاء عمله.
وكما أن الله خلق ذلك كله، والناس لا يعلمون طريقة خلقه، وإنما يعرفون منه ما شاهدوه.
كذلك ينشئ الله ما ينشئ في ذلك اليوم، وهم لا يعرفون طريقة إنشائه، وإنما يرون فيه كما يرون اليوم ما يرون في هذه المخلوقات، فإذا كان الأمر ظاهرًا جليًا، وما هي إلا نظرة فتهجم عليهم العبرة ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ .
إن الفطرة سائقة بنفسها إلى الاعتقاد بصانع قادر، وهي ميسرة بذاتها إلى الإذعان بأنه قادر على إنشائها في خلق آخر ترى فيه شقاء أو نعيمًا.
وإنما قد تتحكم الغفلات، وتغلب الأهواء، فتحتاج النفوس إلى مذكر يردها إلى ما كان عساه تنساق إليه غرائزها، لهذا سمى الله هذا النوع من الاستذلال تذكيرًا.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ : تحديد للأمر الذي بعث الله لأجله نبيه ، وهو تذكير الناس بما نسوه من أمر ربهم.
وليس في سلطانه، ، أن يخلق الاعتقاد فيهم، ولا من المفروض عليه أن يقوم رقيبًا على قلوبهم.
كما قال ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ .
وقال: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ .
والمسيطر: المتسلط.
قال بعض المولعين بالنسخ والتغيير إن هذه الآية نسخت بآيات الجهاد، كأن الجهاد شرع في الإسلام لقهر النفوس على الاعتقاد.
وخفي على القائل أن القهر لا يحدث إيمانًا، وأن الإكراه لا أثر له في الدين، وأن الجهاد ينقطع وجوبه متى خضع المحارب لأداء الجزية مع بقائه على دينه -إن كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا- في رأي الأكثر.
ومن البديهي أنه لا حاجة إلى القول بالنسخ، فإن النبي ليس بمسيطر على قلوب الناس سواء كان محاربً الهم أو مسالمًا.
وقد يشعر نفي السيطرة بأن الناس جميعًا مختارون، وهم سواء فيما هم به مجزيون، فحبل كل على غاربه يذهب إلى حيث شاء من المذاهب، ومع ما شاء من الأهواء.
فقال الله رفعًا لخاطر السوء: ﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى ﴾ إلخ.
أي إنك وإن كنت داعيًا وليس لك سلطان على ما تعقد قلوبهم، فالله هو المسيطر عليهم، وصاحب السلطان على سرائرهم..
فمن تولى منهم، وأعرض عن الذكرى المسوقة إليه (وَكَفَرَ): أي جحد الحق المعروض عليه.
فالله تعالى يعذبه العذاب الأكبر في الآخرة، وقد يضم إلى عذاب الآخرة عذاب الدنيا.
فكلمة (إلا) بمعنى لكن وفيها الاستثناء من عموم الأحوال التي أفادها نفي السيطرة.
ثم أكد ذلك الحكم -وهو تعذيب الله لمن تولى وكفر- بقوله: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ .
أي لا مفر للمعرضين ولا خلاص لهم من الويل الذي أوعدوا به، فإنهم راجعون إلينا، وقد حق القول منا في عقابهم، فنحن نحاسبهم على ما كسبت قلوبهم.
والإياب: الرجوع -كما رأيت- والله أعلم.