الآية ١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١ من سورة التوبة

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 185 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

[ بسم الله الرحمن الرحيم ، وبه أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل ] تفسير سورة التوبة ، مدنية .

هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال البخاري .

حدثنا [ أبو ] الوليد ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء يقول : آخر آية نزلت : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) [ النساء : 176 ] وآخر سورة نزلت براءة .

وإنما لا يبسمل في أولها لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام ، والاقتداء في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه وأرضاه - كما قال الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا يحيى بن سعد ، ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي ، وسهل بن يوسف قالوا : حدثنا عوف بن أبي جميلة أخبرني يزيد الفارسي ، أخبرني ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال ، وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر ) بسم الله الرحمن الرحيم ) ووضعتموها في السبع الطول ، ما حملكم على ذلك ؟

فقال عثمان : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب ، فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، فإذا نزلت عليه الآية فيقول : ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها وحسبت أنها منها ، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر ) بسم الله الرحمن الرحيم ) فوضعتها في السبع الطول .

وكذا رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، من طرق أخر ، عن عوف الأعرابي ، به ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج ، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك ، وأنهم يطوفون بالبيت عراة فكره مخالطتهم ، فبعث أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أميرا على الحج هذه السنة ، ليقيم للناس مناسكهم ، ويعلم المشركين ألا يحجوا بعد عامهم هذا ، وأن ينادي في الناس ببراءة ، فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكونه عصبة له ، كما سيأتي بيانه .

فقوله : ( براءة من الله ورسوله ) أي : هذه براءة ، أي : تبرؤ من الله ورسوله ( إلى الذين عاهدتم من المشركين

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (براءة من الله ورسوله)، هذه براءة من الله ورسوله.

فـ " براءة "، مرفوعة بمحذوف, وهو " هذه ", كما قوله: سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا ، [سورة النور: 1]، مرفوعة بمحذوف هو " هذه ".

ولو قال قائل: " براءة " مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: (إلى الذين عاهدتم)، وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها, إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله: (من الله ورسوله)، كالمعرفة, وصار معنى الكلام: البراءة من الله ورسوله، إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) = كان مذهبًا غير مدفوعة صحته, وإن كان القول الأول أعجبَ إليّ, لأن من شأن العرب أن يضمروا لكلِّ معاين نكرةً كان أو معرفةً ذلك المعاين, " هذا " و " هذه ", فيقولون عند معاينتهم الشيء الحسنَ: " حسن والله ", والقبيحَ: " قبيح والله ", يريدون: هذا حسن والله, وهذا قبيح والله، فلذلك اخترت القول الأول.

وقال: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم)، والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، لأن العهود بين المسلمين والمشركين عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يعقدها بأمره, ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه, وأن عقودَ النبي صلى الله عليه وسلم على أمته كانت عقودهم, لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين, ولعقوده عليهم مسلِّمين, فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم, فلذلك قال: (إلى الذين عاهدتم من المشركين)، لما كان من عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.

* * * وقد اختلف أهل التأويل فيمن بَرِئَ الله ورسوله إليه من العهد الذي كان بينه وبين رسول الله من المشركين، فأذن له في السياحة في الأرض أربعة أشهر.

فقال بعضهم: هم صنفان من المشركين: أحدهما كانت مدة العهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ من أربعة أشهر, وأمْهِل بالسياحة أربعة أشهر = والآخر منهما: كانت مدة عهده بغير أجل محدود، فقُصِر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه, ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيثما أدرك ويؤسَرُ، إلا أن يتوب.

* ذكر من قال ذلك: 16356- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضى الله عنه أميرًا على الحاجّ من سنة تسع، ليقيم للناس حجهم, والناسُ من أهل الشرك على منازلهم من حجهم.

فخرج أبو بكر ومن معه من المسلمين, ونـزلت " سورة براءة " في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يُصَدَّ عن البيت أحد جاءه, وأن لا يُخَاف أحد في الشهر الحرام.

وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس من أهل الشرك.

وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائصَ إلى أجل مسمًّى, (2) فنـزلت فيه وفيمن تخلف عنه من المنافقين في تبوك، وفي قول من قال منهم, فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون, منهم من سُمِّي لنا, ومنهم من لم يُسَمَّ لنا, فقال: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، أي: لأهل العهد العام من أهل الشرك من العرب =(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، إلى قوله: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ، أي: بعد هذه الحجة.

(3) * * * وقال آخرون: بل كان إمهالُ الله عز وجل بسياحة أربعة أشهر، مَنْ كان من المشركين بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد, فأما من لم يكن له من رسول الله عهد، فإنما كان أجله خمسين ليلة, وذلك عشرون من ذي الحجة والمحرم كله.

قالوا: وإنما كان ذلك كذلك, لأن أجَل الذين لا عهد لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحرم, كما قال الله: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، الآية [سورة التوبة: 5].

قالوا: والنداء ببراءة، كان يوم الحج الأكبر, وذلك يوم النحر في قول قوم، وفي قول آخرين يوم عرفة، وذلك خمسون يوما.

قالوا: وأما تأجيل الأشهر الأربعة, فإنما كان لأهل العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم نـزلت " براءة ".

قالوا: ونـزلت في أول شوّال, فكان انقضاء مدة أجلهم، انسلاخ الأشهر الحرم.

وقد كان بعض من يقول هذه المقالة يقول: ابتداء التأجيل كان للفريقين واحدًا = أعني الذي له العهد، والذي لا عهد له = غير أن أجل الذي كان له عهد كان أربعة أشهر, والذي لا عهد له انسلاخ الأشهر الحرم, وذلك انقضاء المحرم.

* ذكر من قال ذلك: 16357- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس في قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، قال: حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون فيها حيثما شاؤوا, وحدّ أجل من ليس له عهد، انسلاخَ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم, فذلك خمسون ليلة.

فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد.

16358- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت (براءة من الله)، إلى: (وأن الله مخزي الكافرين)، يقول: براءة من المشركين الذين كان لهم عهد يوم نـزلت " براءة "، فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنـزل " براءة "، أربعة أشهر, وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر.

وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن تنـزل " براءة "، انسلاخ الأشهر الحرم, وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذن ببراءة إلى انسلاخ المحرّم، وهي خمسون ليلة: عشرون من ذي الحجة, وثلاثون من المحرم = فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ إلى قوله: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، يقول: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نـزلت " براءة " وانسلخ الأشهر الحرم, ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنـزل " براءة "، أربعة أشهر من يوم أذّن ببراءة، إلى عشر من أول ربيع الآخر, فذلك أربعة أشهر.

16359- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين).

قبل أن تنـزل " براءة "، عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكة وغيرهم, فنـزلت: براءة من الله إلى كل أحد ممن كان عاهدك من المشركين، فإني أنقض العهد الذي بينك وبينهم, فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون حيث شاؤوا من الأرض آمنين.

وأجَّل من لم يكن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد انسلاخَ الأشهر الحرم، من يوم أذِّن ببراءة، وأذن بها يوم النحر, فكان عشرين من ذي الحجة والمحرم ثلاثين, فذلك خمسون ليلة.

فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم عهد، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام.

وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعةٌ من يوم النحر، أن يضع فيهم السيف أيضًا، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام.

فكانت مدة من لا عهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة من يوم النحر, ومدة من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، أربعة أشهر: من يوم النحر، إلى عشر يخلُون من شهر ربيع الآخر.

16360- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (براءة من الله ورسوله)، إلى قوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، قال: ذكر لنا أن عليًّا نادى بالأذان, وأُمِّر على الحاجّ أبو بكر رحمة الله عليهما.

وكان العامَ الذي حج فيه المسلمون والمشركون, ولم يحج المشركون بعد ذلك العام = قوله: (الذين عاهدتم من المشركين)، إلى قوله: إِلَى مُدَّتِهِمْ ، قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمنَ الحديبية, وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، وأمر الله نبيه أن يوفِّي بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له انسلاخَ المحرّم, ونبذ إلى كل ذي عهد عهده, وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله, ولا يقبل منهم إلا ذلك.

* * * وقال آخرون: كان ابتداء تأخير المشركين أربعة أشهر وانقضاء ذلك لجميعهم، وقتًا واحدًا.

قالوا: وكان ابتداؤه يوم الحج الأكبر, وانقضاؤه انقضاء عشر من ربيع الآخر.

* ذكر من قال ذلك: 16361- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، قال: لما نـزلت هذه الآية.

برئ من عهد كل مشرك, ولم يعاهد بعدها إلا من كان عاهد, وأجرى لكلّ مدتهم =(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، لمن دخل عهده فيها، من عشر ذي الحجة والمحرم, وصفر، وشهر ربيع الأول, وعشر من ربيع الآخر.

16362- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر قال، حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع, وبعث عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهما، بثلاثين أو أربعين آية من " براءة ", فقرأها على الناس، يؤجِّل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض, فقرأ عليهم " براءة " يوم عرفة، أجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة, والمحرم, وصفر, وشهر ربيع الأول, وعشرًا من ربيع الآخر, وقرأها عليهم في منازلهم, وقال: لا يحجنّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان.

16363- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، عشرون من ذي الحجة, والمحرم, وصفر, وربيع الأول, وعشر من ربيع الآخر.

كان ذلك عهدَهم الذي بينهم.

16364- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (براءة من الله ورسوله)، إلى أهل العهد: خزاعة, ومُدْلج, ومن كان له عهد منهم أو غيرهم.

(4) أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ, فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجَّ, ثم قال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عُرَاةً, فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك.

فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالمواسم كلها, فآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر, فهي الأشهر المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر, ثم لا عهد لهم.

وآذن الناس كلها بالقتال إلا أن يؤمنوا.

16365- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، قال: أهل العهد: مدلج, والعرب الذين عاهدهم, ومن كان له عهد.

قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها وأراد الحج, ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك.

فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما, فطافا بالناس بذي المجاز, وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالموسم كله, وآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر, فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر, ثم لا عهد لهم.

وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا.

فآمن الناس أجمعون حينئذ، ولم يَسِحْ أحد.

وقال: حين رجع من الطائف، مضى من فوره ذلك, فغزا تبوك، بعد إذ جاء إلى المدينة.

* * * وقال آخرون ممن قال: " ابتداء الأجل لجميع المشركين وانقضاؤه كان واحدًا ".

كان ابتداؤه يوم نـزلت " براءة ", وانقضاء الأشهر الحرم, وذلك انقضاء المحرم.

* ذكر من قال ذلك: 16366- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، قال: نـزلت في شوال, فهذه الأربعة الأشهر: شوال, وذو القعدة, وذو الحجة، والمحرم.

* * * وقال آخرون: إنما كان تأجيلُ الله الأشهرَ الأربعة المشركين في السياحة، لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد مدته أقل من أربعة أشهر.

أما من كان له عهد مدته أكثر من أربعة أشهر، فإنه أمر صلى الله عليه وسلم أن يُتمّ له عهده إلى مدته.

* ذكر من قال ذلك: 16367- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: قال الكلبي: إنما كان الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون الأربعة الأشهر, فأتم له الأربعة.

ومن كان له عهد أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر أن يتم له عهده, وقال: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ، [سورة التوبة: 4].

* * * قال أبو جعفر رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: الأجلُ الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته.

فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه, فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ، [سورة التوبة: 4] فإن ظنّ ظانٌّ أن قول الله تعالى ذكره: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [سورة التوبة: 5]، يدلُّ على خلاف ما قلنا في ذلك, إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم، (5) قتْلَ كل مشرك, فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن, وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا، (6) وفسادِ ما ظنه من ظنّ أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك، كان له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لم يكن له منه عهد, وذلك قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ، [سورة التوبة: 7]، فهؤلاء مشركون, وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم، ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم، وترك مظاهرة عدوهم عليهم.

وبعدُ، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه حين بعث عليًّا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: " ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته "، أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا.

وذلك أن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه, وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود.

فأما من كان أجل عهده محدودًا، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورًا.

وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب.

16368- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس, عن مغيرة, عن الشعبي قال، حدثني محرّر بن أبي هريرة, عن أبي هريرة قال: كنت مع علي رحمة الله عليه، حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ينادي.

فكان إذا صَحِل صوته ناديتُ, (7) قلت: بأي شيء كنتم تنادون؟

قال: بأربع: لا يطُفْ بالكعبة عُريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك.

(8) 16369- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عفان قال، حدثنا قيس بن الربيع قال، حدثنا الشيباني, عن الشعبي قال: أخبرنا المحرّر بن أبي هريرة, عن أبيه قال: كنت مع علي رضي الله عنه, فذكر نحوه = إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ فعهده إلى أجله.

(9) * * * قال أبو جعفر: وقد حدث بهذا الحديث شعبة, فخالف قيسًا في الأجل.

16370- فحدثني يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى قالا حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا شعبة, عن المغيرة, عن الشعبي, عن المحرّر بن أبي هريرة, عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى أهل مكة, فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي.

فقلت: بأي شيء كنت تنادي؟

قال: أمرنا أن ننادي: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن, ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأجله إلى أربعة أشهر, فإذا حلّ الأجل فإن الله بريء من المشركين ورسوله, ولا يطُفْ بالبيت عريان, ولا يحج بعد العام مشرك.

(10) * * * قال أبو جعفر : وأخشى أن يكون هذا الخبر وهمًا من ناقله في الأجل, لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه، مع خلاف قيس شعبة في نفس هذا الحديث على ما بينته.

16371- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أبي إسحاق, عن الحارث الأعور، عن علي رحمة الله عليه قال: أمرت بأربع: أمرت أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك, ولا يطف رجل بالبيت عريانًا, ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة, وأن يتمّ إلى كل ذي عهد عهده.

(11) 16372- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن زيد بن يثيع قال: نـزلت " براءة ", فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر, ثم أرسل عليًّا فأخذها منه.

فلما رجع أبو بكر قال: هل نـزل فيَّ شيء؟

قال: لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي.

فانطلق إلى مكة, (12) فقام فيهم بأربع: أن لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا, ولا يطف بالكعبة عريان, ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة, ومن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ فعهده إلى مدته.

(13) 16373- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن زكريا, عن أبي إسحاق, عن زيد بن يثيع, عن علي قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم حين أنـزلت: " براءة " بأربع: أن لا يطف بالبيت عريان, ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا, ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته, ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة.

(14) 16374- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عبد الأعلى, عن معمر, عن أبي إسحاق, عن الحارث, عن علي رحمة الله عليه, قال: بعثت إلى أهل مكة بأربع, ثم ذكر الحديث.

(15) 16375- حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا حسين بن محمد قال، حدثنا سليمان بن قرم, عن الأعمش، عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ببراءة, ثم أتبعه عليًّا, فأخذها منه, فقال أبو بكر: يا رسول الله حدث فيّ شيء؟

قال: " لا أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض, ولا يؤدِّي عني إلا أنا أو عليّ" !

وكان الذي بعث به عليًّا أربعا: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة, ولا يحجّ بعد العام مشرك, ولا يطف بالبيت عريان, ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مُدَّته.

(16) 16376- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن ابن أبي خالد, عن عامر قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا رحمة الله عليه, فنادى: ألا لا يحجنَّ بعد العام مشرك, ولا يطف بالبيت عريان, ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة, ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأجله إلى مدته, والله بريء من المشركين ورسوله.

16377- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق, عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف, عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي قال: لما نـزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد كان بعث أبا بكر الصديق رحمة الله عليه ليقيم الحج للناس; قيل له: يا رسول الله، لو بعثت إلى أبي بكر!

فقال: لا يؤدِّي عني إلا رجل من أهل بيتي!

ثم دعا علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فقال: اخرج بهذه القصة من صدر " براءة ", وأذِّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنًى: أنه لا يدخل الجنة كافر, ولا يحج بعد العام مشرك, ولا يطف بالبيت عريان, ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته.

فخرج علي بن أبي طالب رحمة الله عليه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء, حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق.

فلما رآه أبو بكر قال: أميرٌ أو مأمور؟

قال: مأمور، ثم مضيا رحمة الله عليهما, فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجّ التي كانوا عليها في الجاهلية.

حتى إذا كان يوم النحر, قام علي بن أبي طالب رحمة الله عليه, فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا أيها الناس، لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة, ولا يحج بعد العام مشرك, ولا يطف بالبيت عريان, ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته.

فلم يحجّ بعد ذلك العام مشرك, ولم يطف بالبيت عريان.

ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان هذا من " براءة "، فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العامّ، وأهل المدة إلى الأجل المسمى.

(17) 16378- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: لما نـزلت هذه الآيات إلى رأس أربعين آية, بعث بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وأمَّره على الحج.

فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة، أتبعه بعليّ فأخذها منه.

فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنـزل في شأني شيء؟

قال: لا ولكن لا يبلِّغ عني غيري، أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار, وأنك صاحبي على الحوض؟

قال: بلى، يا رسول الله!

فسار أبو بكر على الحاجّ, وعلي يؤذن ببراءة, فقام يوم الأضحى فقال: لا يقربنَّ المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا, ولا يطوفنّ بالبيت عريان, ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فله عهده إلى مدته, وإن هذه أيام أكل وشرب, وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما.

فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب!

فرجع المشركون، فلام بعضهم بعضًا وقالوا: ما تصنعون، وقد أسلمت قريش؟

فأسلموا.

16379- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر, عن أبي إسحاق, عن زيد بن يثيع, عن علي قال: أمرت بأربع: أن لا يقربَ البيتَ بعد العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان, ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة, وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده = قال معمر: وقاله قتادة.

(18) * * * قال أبو جعفر: فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا, وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا.

فأما من كان عهده إلى مدة معلومة، فلم يجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لنَقْضِه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وَفَى له بعهده إلى مدته، عن أمر الله إياه بذلك.

وعلى ذلك دلّ ظاهرُ التنـزيل، وتظاهرت به الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما الأشهر الأربعة، فإنها كانت أجلَ من ذكرنا.

وكان ابتداؤها يوم الحج الأكبر، وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر, فذلك أربعة أشهر متتابعة, جُعِل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم، فيها، السياحةُ في الأرض, يذهبون حيث شاؤوا, لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحرب ولا قتل ولا سلب.

* * * فإن قال قائل: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت, فما وجه قوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [سورة التوبة: 5].

وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرّم, وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر, وإنما بين يوم الحجّ الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يومًا أكثرُه, فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة؟

قيل: إن انسلاخَ الأشهر الحرم، إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم, والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود، وإما إلى أجل محدود قد نقضه, فصار بنقضه إياه بمعنى من خِيف خيانته, فاستحقّ النبذ إليه على سواء، غير أنه جُعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر.

ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة, ويصفهم بأنهم أهل عهد: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله)، ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرم أجلا بأنهم أهل شرك لا أهل عهد فقال: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ الآية = إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الآية؟

ثم قال: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم, وبإتمام عهد الذين لهم عهد.

إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين، وإدخال النقص فيه عليهم.

فإن قال قائل: وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحج الأكبر، دون أن يكون كان من شوال على ما قاله قائلو ذلك؟

قيل له: إن قائلي ذلك زعموا أن التأجيل كان من وقت نـزول " براءة ", وذلك غير جائز أن يكون صحيحًا، لأن المجعول له أجلُ السياحة إلى وقت محدود.

إذا لم يعلم ما جُعل له, ولا سيما مع عهد له قد تقدم قبل ذلك بخلافه, فكمن لم يجعل له ذلك، لأنه إذا لم يعلم ما له في الأجل الذي جُعل له وما عليه بعد انقضائه، فهو كهيئته قبل الذي جُعل له من الأجل.

ومعلوم أن القوم لم يعلموا بما جُعل لهم من ذلك، إلا حين نودي فيهم بالموسم.

و إذا كان ذلك كذلك.

صحَّ أن ابتداءه ما قلنا، وانقضاءه كان ما وصفنا.

------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة والمخطوطة : " براءة " مكان " البراءة " ، والسياق يقتضي ما أثبت إن شاء الله .

(2) " خصائص " يعني لأنها لهم خاصة دون غيرهم .

(3) الأثر : 16356 - سيرة ابن هشام 4 : 188 .

(4) في المخطوطة : " ومن كان له أو غيرهم " ، والذي في المطبوعة : " ومن كان له عهد من غيرهم " ، وصححتها كما ترى .

(5) في المطبوعة : " ينبئ عن أن .

.

.

" ، وقد سلف مرارا أن استعمل أبو جعفر " على " مع " ينبئ " ، فأثبتها كما في المخطوطة ، وهي جائزة لتضمنها معنى " يدل " .

(6) في المطبوعة : " تنبئ عن صحة " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(7) " صحل صوته " ، هو البحح .

وله معنى آخر شبيه به في حديث أم معبد ، في صفة رسول الله ، بأبي هو وأمي ، صلى الله عليه وسلم قالت : " وفي صوته صحل " ، ( بفتحتين ) ، وهو مثل البحة في الصوت .

فلا يكون حادا رفيعا .

(8) الأثر : 16368 - رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد ، وسيأتي تخريجه فيما بعد .

" قيس " ، هو : " قيس بن الربيع الأسدي " ، لينه أحمد وغيره ، وقد سلف مرارا آخرها رقم: 12802 .

و"مغيرة" هو: "مغيرة بن مقسم الضبي"، ثقة، روى له الجماعة.

سلف مرارا، آخرها رقم : 11340 .

و " محرر بن أبي هريرة " ، تابعي ثقة ، قليل الحديث ، سلف برقم : 2863 .

وهذا خبر ضعيف إسناده ، لضعف " قيس بن الربيع " .

(9) الأثر : 16369 - هذا الإسناد الثاني من حديث المحرر بن أبي هريرة .

" عفان " ، هو : " عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار " ، روى له الجماعة ، كان يروي عن قيس بن الربيع ، ويقع فيه .

مضت ترجمته برقم : 5392 .

و " الشيباني " هو " أبو إسحاق الشيباني " ، " سليمان بن أبي سليمان " ، الإمام ، مضى مرارا ، من آخرها رقم : 12489 .

وعلة إسناده ضعف " قيس بن الربيع " .

ولكن رواه الحاكم في المستدرك 2 : 331 من طريق شعبة ، عن سليمان الشيباني ، وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .

انظر التعليق التالي .

(10) الأثر : 16370 - هذا هو الإسناد الثالث : " عثمان بن عمر بن فارس العبدي " ، ثقة روى له الجماعة ، مضى مرارا .

منها رقم : 5458 ، وغيره .

وهذا الخبر من طريق شعبة ، عن المغيرة ، رواه أحمد في مسنده رقم : 7964 ، ورواه النسائي في سننه 5 : 234 .

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 331 من طريق أخرى ، عن النضر بن شميل ، عن شعبة ، عن سليمان الشيباني وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .

انظر التعليق السالف .

واستوفى الكلام فيه ابن كثير في تفسيره 4 : 111 ، وفي التاريخ 5 : 38 ، وقال في التاريخ : " وهذا إسناد جيد ، ولكن فيه نكارة من جهة قول الراوي : إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر .

وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ، ولكن الصحيح : أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ، ولو زاد على أربعة أشهر .

ومن ليس له أمد بالكلية ، فله تأجيل أربعة أشهر .

بقى قسم ثالث ، وهو : من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل ، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول ، فيكون أجله إلى مدته وإن قل .

ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر ، لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية " .

وانظر شرح الخبر في مسند أحمد .

(11) الأثر : 16371 - " الحارث الأعور " ، هو " الحارث بن عبد الله الهمداني " ، ضعيف جدا ، سلف مرارا ، انظر رقم : 174 .

فإسناده ضعيف .

وسيأتي بإسناد آخر رقم : 16374 .

(12) قوله : " فانطلق " ، يعني عليا رحمه الله .

(13) الأثران : 16372 ، 16373 - حديث زيد بن يثيع ، سيرويه من ثلاث طرق ، هذا ، والذي يليه ، ثم رقم : 16379 .

و " زيد بن يثيع " ، أو " أثيع " بالتصغير فيهما ، تابعي ثقة قليل الحديث ، مضى برقم : 15737 .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم : 594 ، من طريق سفيان ، عن أبي إسحاق السبيعي ، وإسناده صحيح .

ورواه الترمذي في كتاب الحج ، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا ، وقال : " وفي الباب عن أبي هريرة ، قال أبو عيسى : حديث على حسن " .

ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم : 16368 - 16370 .

ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال : " هذا حديث حسن صحيح " .

وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم : 4 ، نحو هذا الحديث مطولا ، من حديث زيد بن يثيع ، عن أبي بكر .

(14) الأثران : 16372 ، 16373 - حديث زيد بن يثيع ، سيرويه من ثلاث طرق ، هذا ، والذي يليه ، ثم رقم : 16379 .

و " زيد بن يثيع " ، أو " أثيع " بالتصغير فيهما ، تابعي ثقة قليل الحديث ، مضى برقم : 15737 .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم : 594 ، من طريق سفيان ، عن أبي إسحاق السبيعي ، وإسناده صحيح .

ورواه الترمذي في كتاب الحج ، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا ، وقال : " وفي الباب عن أبي هريرة ، قال أبو عيسى : حديث على حسن " .

ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم : 16368 - 16370 .

ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال : " هذا حديث حسن صحيح " .

وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم : 4 ، نحو هذا الحديث مطولا ، من حديث زيد بن يثيع ، عن أبي بكر .

(15) الأثر : 16374 - انظر التعليق على الأثر رقم : 16371 .

(16) الأثر : 16375 - " حسين بن محمد المروزي " ، روى له الجماعة ، مضى مرارا ، آخرها رقم: 15338.

و"سليمان بن قرم بن معاذ التيمي"، ثقة، غمزوه بالغلو في التشيع.

مضى برقم: 9163.

و " الحكم " هو " الحكم بن عتيبة " ، مضى مرارا .

وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير ، من طريق أخرى ، من طريق عباد بن العوام ، عن سفيان بن الحسين ، عن الحكم بن عتيبة ، بنحوه ، وقال : " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ، من حديث ابن عباس " .

(17) الأثر : 16377 - سيرة ابن هشام 4 : 190 ، 191 .

" حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري " ، ثقة ، تكلموا فيه ، حتى قال ابن سعد : " كان قليل الحديث ، ولا يحتجون بحديثه " ، مضى برقم : 11741 .

(18) الأثر : 16379 - انظر التعليق على الأثرين رقم : 16372 ، 16373 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة ( براءة ) مدنية باتفاق .براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركينفيه خمس مسائل :الأولى : في أسمائهاقال سعيد بن جبير : سألت ابن عباس رضي الله عنه عن سورة ( براءة ) فقال : تلك الفاضحة ما زال ينزل : ومنهم ومنهم ، حتى خفنا ألا تدع أحدا .

قال القشيري أبو نصر عبد الحميد : هذه السورة نزلت في غزوة تبوك ونزلت بعدها .

وفي أولها نبذ عهود الكفار إليهم .

وفي السورة كشف أسرار المنافقين .

وتسمى الفاضحة والبحوث ؛ لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة ، والبعثرة : البحث .الثانية : واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة :الأول : أنه قيل : كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية ، إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه بسملة ؛ فلما نزلت سورة ( براءة ) بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقرأها عليهم في الموسم ، ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة .وقول ثان : روى النسائي قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد قال : حدثنا عوف قال : حدثنا يزيد الرقاشي قال : قال لنا ابن عباس : قلت لعثمان ما حملكم إلى أن عمدتم إلى ( الأنفال ) وهي من المثاني وإلى ( براءة ) وهي من المئين فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا سطر " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ووضعتموها في السبع الطول فما حملكم على ذلك ؟

قال عثمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من [ ص: 4 ] يكتب عنده فيقول : ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا .

وتنزل عليه الآيات فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا .

وكانت ( الأنفال ) من أوائل ما أنزل ، و ( براءة ) من آخر القرآن ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ؛ فظننت أنها منها ؛ فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم " .

وخرجه أبو عيسى الترمذي وقال : هذا حديث حسن .وقول ثالث : روي عن عثمان أيضا .

وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم : إنه لما سقط أولها سقط " بسم الله الرحمن الرحيم " معه .

وروي ذلك عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة ( براءة ) كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها ؛ فلذلك لم يكتب بينهما " بسم الله الرحمن الرحيم " .

وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة .وقول رابع : قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما .

قالوا : لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : ( براءة ) والأنفال سورة واحدة .

وقال بعضهم : هما سورتان .

فتركت بينهما فرجة لقول من قال : إنهما سورتان وتركت " بسم الله الرحمن الرحيم " لقول من قال : هما سورة واحدة فرضي الفريقان معا وثبتت حجتهما في المصحف .وقول خامس قال عبد الله بن عباس : سألت علي بن أبي طالب : لم لم يكتب في ( براءة ) " بسم الله الرحمن الرحيم " ؟

قال : لأن " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان و ( براءة ) نزلت بالسيف ليس فيها أمان .

وروي معناه عن المبرد قال : ولذلك لم يجمع بينهما فإن " بسم الله الرحمن الرحيم " رحمة و ( براءة ) نزلت سخطة .

ومثله عن سفيان .

قال سفيان بن عيينة : إنما لم تكتب في صدر هذه السورة " بسم الله الرحمن الرحيم " لأن التسمية رحمة ، والرحمة أمان ، وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف ؛ ولا أمان للمنافقين .

والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة ، قاله القشيري .

وفي قول عثمان : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن ( براءة ) وحدها ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك .

وكانتا تدعيان القرينتين فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى للوصف الذي لزمهما من الاقتران ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي .[ ص: 5 ] الثالثة : قال ابن العربي : هذا دليل على أن القياس أصل في الدين ؛ ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ، ورأوا أن قصة ( براءة ) شبيهة بقصة ( الأنفال ) فألحقوها بها ؟

فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن ، فما ظنك بسائر الأحكام ؟

.الرابعة : قوله تعالى براءة تقول : برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه .

و براءة رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه براءة .

ويصح أن ترفع بالابتداء .

والخبر في قوله : إلى الذين .

وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما وجاز الإخبار عنها .

وقرأ عيسى بن عمر " براءة " بالنصب على تقدير التزموا براءة ، ففيها معنى الإغراء .

وهي مصدر على فعالة كالشناءة والدناءة .الخامسة : قوله تعالى إلى الذين عاهدتم من المشركين ، يعني إلى الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان المتولي للعقود ، وأصحابه بذلك كلهم راضون فكأنهم عاقدوا وعاهدوا ؛ فنسب العقد إليهم .

وكذلك ما عقده أئمة الكفر على قومهم ؛ منسوب إليهم ، محسوب عليهم ، يؤاخذون به إذ لا يمكن غير ذلك ؛ فإن تحصيل الرضا من الجميع متعذر ، فإذا عقد الإمام لما يراه من المصلحة أمرا لزم جميع الرعايا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ هذه براءة من اللّه ومن رسوله إلى جميع المشركين المعاهدين، أن لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض على اختيارهم، آمنين من المؤمنين، وبعد الأربعة الأشهر فلا عهد لهم، ولا ميثاق‏.‏ وهذا لمن كان له عهد مطلق غير مقدر، أو مقدر بأربعة أشهر فأقل، أما من كان له عهد مقدر بزيادة على أربعة أشهر، فإن الله يتعين أن يتمم له عهده إذا لم يخف منه خيانة، ولم يبدأ بنقض العهد‏.‏ ثم أنذر المعاهدين في مدة عهدهم، أنهم وإن كانوا آمنين، فإنهم لن يعجزوا اللّه ولن يفوتوه، وأنه من استمر منهم على شركه فإنه لا بد أن يخزيه، فكان هذا مما يجلبهم إلى الدخول في الإسلام، إلا من عاند وأصر ولم يبال بوعيد اللّه له‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال مقاتل : هذه السورة مدنية إلا آيتين من آخر السورة .

قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : سورة التوبة؟

قال : هي الفاضحة ما زالت تنزل : " ومنهم .

.

" ، " ومنهم .

.

" حتى ظنوا أنها لم تبق أحدا منهم إلا ذكر فيها ، قال : قلت سورة الأنفال؟

قال : تلك سورة بدر ، قال : قلت : سورة الحشر؟

قال : قل سورة بني النضير .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد إبراهيم الثعلبي ، أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسين الجرجاني ، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ ، أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى ، حدثنا عبيد الله القواريري ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابي ، حدثني يزيد الفارسي ، حدثني ابن عباس رضي الله عنهما قال : قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة ، وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما " بسم الله الرحمن الرحيم " ووضعتموها في السبع الطوال؟

فقال عثمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان ، وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ، فإذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده ، فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال مما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر ما نزل ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتها في السبع الطوال .

قوله تعالى : ( براءة من الله ورسوله ) أي هذه براءة من الله .

وهي مصدر كالنشاءة والدناءة .

قال المفسرون : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، كان المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم ، وذلك قوله عز وجل : " وإما تخافن من قوم خيانة " الآية ( الأنفال - 58 ) .

قال الزجاج : براءة أي : قد برئ الله تعالى ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء لهم بها إذا نكثوا .

( إلى الذين عاهدتم من المشركين ) الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم ، لأنه عاهدهم وأصحابه راضون بذلك ، فكأنهم عاقدوا وعاهدوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

هذه «براءة من الله ورسوله» وأصله «إلى الذين عاهدتم من المشركين» عهدا مطلقا أو دون أربعة أشهر أو فوقها ونص العهد بما يذكر في قوله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذه براءة من الله ورسوله، وإعلان بالتخلي عن العهود التي كانت بين المسلمين والمشركين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإِمام ابن كثير : أول هذه السورة نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة " تبوك " وهم بالحج ، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم فى ذلك ، وأنهم يطوفون بالبيت عراة ، فكره مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - أميرا على الحج تلك السنة ، ليقيم للناس مناسكهم ، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا ، وأن ينادى بالناس ( بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ .

.

.

.

) فلما قفل أبتعه بعلى ابن أبى طالب ، ليكون مبلغا عنه - صلى الله عليه وسلم - ليكونه عصبة له .وقال محمد بن إسحاق : " لما نزلت ( بَرَآءَةٌ ) على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان بعث أبا بكر الصديق - ليقيم للناس الحج ، قيل له : يا رسول الله ، لو بعثت بها إلى أبى بكر؟

فقال : " لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى " " .ثم دعا على بن أبى طالب فقال له : أخرج بهذه القصة من صدر براءة ، وأذن فى الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فهو له إلى مدته .فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " العضباء " حتى أدرك أبا بكر بالطريق ، فلما رآه أبو بكر قال : أمير أم مأمور؟

فقال : بل مأمور .

ثم مضيا ، فأقام أبو بكر للناس الحج ، والعرب إذ ذاك فى تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها فى الجاهلية .حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن فى الناس بالذى أمره به رسول الله .

صلى الله عليه وسلم .

فقال : أيها الناس ، إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو إلى مدته ، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة ، إلا أحد كان له عند رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عهد إلى مدة ، فهو له إلى مدته .

فلم يحج بعد العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم .وقال الفخر الرازى : روى أن النبى ، صلى الله عليه وسلم ، لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا الأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، العهد إليهم .هذه بعض الآثار التى ذكرها المفسرون فى هذا المقام .وقوله - تعالى - : ( بَرَآءَةٌ ) مصدر بَرِئ " كتعب " ، وأصل البراءة : التباعد عن الشئ والتخلص منه .

تقول : برئت من هذا الشئ أبرأ براءة فأنا منه برئ ، إذا أزلته عن نفسك ، وقطعت الصلة بينك وبينه .

ومنه قولهم : برئت من الدين أى تخلصت منه .ولفظ ( بَرَآءَةٌ ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والتنويف فيه للتفخيم و ( مِّنَ ) لابتداء الغاية ، والعهد : العقد الموثق باليمين ، والخطاب فى قوله ( عَاهَدْتُمْ ) للمسلمين .والمعنى : هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين بسبب نقضهم لعهودهم وإصرارهم على باطلهم .

.قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين؟

.قلت : قد أذن الله فى معاهدة المشركين أولا ، فاتفق المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاهدوهم ، فلما نقضوا العهد أوجب الله - تعالى - النبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما تجدد من ذلك فقيل لهم : اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين .وروى أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب ، فنكثوا إلا ناسا منهم ، فنبذ العهد إلى الناكثين ، وأمروا أن يسيحوا فى الأرض أربعة أشهر آمنين .

.وقال بعض العلماء : والمعنى أن الله قطع ما بينه وبين المشركين من صلات فلا عهد ولا تعاهد ولا سلم ولا أمان ، وتركهم تعمل فيهم سيوف المؤمنين حتى يقوموهم أو يبيدوهم .

ولا يدخل فى هذا التبرى قطع رحمته العامة عنهم التى كتبها على نفسه من جهة أنه الخالق وأنهم المخلوقون .

.

فهو مع هذا التبرى لا يزال من هذه الجملة يرحمهم بمنح الحياة وموارد الرزق ، والتمكين من العمل حسب تقديره العام وسنته الشاملة فى خلقه ولو أن التبرى كان على إطلاقه لما عاش كافر طرفة عين ، ولما استطاع كافر أن يقف فى وجه مسلم .فالآية تقرر حكما تكليفيا للمسلمين فى شأن معاملة المشركين .

.

.واعتبار أن الآية تقرر حكما شرعيا والمشرع هوالله أضيف صدور البراءة إليه - سبحانه - وعطف عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى هذا المقام ، لأنه هو المبلغ عنه ، والمنفذ لما يبلغه .

.ولما كان التعاهد بين المؤمنين وغيرهم تنفيذا لأمر الله به ، وأصله حق لجماعتهم ، وإنما يقوم الإِمام به نائبا عن الجماعة ، أضيف - أى التعاهد - إلى جماعة المسلمين ، فقيل : ( عَاهَدْتُمْ ) .

.

وكثيراً ما ينسب القرآن الأحكام العامة لجماعة المؤمنين .

.ويؤخذ من تقرير البراءة من المشركين فى هذه الآية جواز نبذ العهود لمن كان بيننا وبينه عهد متى رأى الإِمام مصلحة الأمة فى ذلك ، كأن خيف منهم خيانة ، أو نقضوا شيئا من شروط المعاهدة ، أو وضعت المعاهدة على غير شرط احترامها الشرعى ، وذلك كله أخذا من هذا المقام ، ومن قوله - تعالى - فى سورة الأنفال :( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ ) كما يؤخذ أن عقد المعاهدات إنما هو حقا للجماعة ، يوافق عليه أصحاب الرأى والاختصاص فى موضوع المعاهدة ، وما هو فى مصلحة الجماعة ، ثم يباشرها الإِمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: معنى البراءة انقطاع العصمة.

يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة، ومن هنا يقال برئت من الدين، وفي رفع قوله: ﴿ بَرَاءةٌ ﴾ قولان: الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة.

قال الفراء: ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل، جميل والله، أي هذا جميل والله، وقوله: ﴿ مِّنَ ﴾ لابتداء الغاية، والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان.

الثاني: أن يكون قوله: ﴿ بَرَاءةٌ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ صفتها وقوله: ﴿ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ ﴾ هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم في الدار.

فإن قالوا: ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله، ونسب المعاهدة إلى المشركين؟

قلنا قد أذن الله في معاهدة المشركين، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين.

المسألة الثالثة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف النافقون وأرجفوا بالأراجيف، جعل المشركون ينقضون العهد، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم.

فإن قيل: كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد؟

قلنا: لا يجوز أن ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد إليهم، حتى يستووا في معرفة نقض العهد لقوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَاء  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ الذين.....

يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ  ﴾ .

والثاني: أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أن يأمر الله تعالى بقطعه.

فلما أمره الله تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط.

والثالث: أن يكون مؤجلاً فتنقضي المدة وينقضي العهد ويكون الغرض من إظهار هذه البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود إلى العهد، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة، فأما فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد البتة، لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول، والله ورسوله منه بريئان، ولهذا المعنى قال الله تعالى: ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ  ﴾ وقيل: إن أكثر المشركين نقضوا العهد إلا أناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة.

المسألة الثالثة: روي أن فتح مكة كان سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، ونزول هذه السورة سنة تسع، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه سنة تسع أن يكون على الموسم، فلما نزلت هذه السورة أمر علياً أن يذهب إلى أهل الموسم ليقرأها عليهم.

فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء، فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور، ثم ساروا، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم، وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن مجاهد ثلاث عشرة آية، ثم قال: أمرت بأربع أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر علياً بقراءة هذه السورة عليهم وتبليغ هذه الرسالة إليهم، فقالوا السبب فيه أن عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما نعرف فينا من نقض العهود فربما لم يقبلوا، فأزيحت علتهم بتولية ذلك علياً رضي الله عنه، وقيل لما خص أبا بكر رضي الله عنه بتوليته أمير الموسم خص علياً بهذا التبليغ تطييباً للقلوب ورعاية للجوانب، وقيل قرر أبا بكر علي الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة، حتى يصلي على خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر، والله أعلم.

وقرر الجاحظ هذا المعنى فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الحاج وولاه الموسم وبعث علياً يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر الرافع بالموسم والسابق لهم والآمر لهم، ولم يكن ذلك لعلي رضي الله عنه.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يبلغ عني إلا رجل مني» فهذا لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر، ولكنه عامل العرب بما يتعارفونه فيما بينهم، وكان السيد الكبير منهم إذا عقد لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد والعقد إلا هو أو رجل من أقاربه القريبين منه كأخ أو عم.

فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول.

وأما قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ ففيه أبحاث: الأول: أصل السياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب.

يقال للصائم سائح لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب.

قال المفسرون: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض ﴾ يعني اذهبوا فيها كيف شئتم وليس ذلك من باب الأمر، بل المقصود الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وإزالة الخوف، يعني أنتم آمنون من القتل والقتال في هذه المدة.

البحث الثاني: قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة، ومن كانت مدته أقل من أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة والمقصود من هذا الإعلام أمور: الأول: أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر، ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: إما الإسلام أو قبول الجزية أو السيف، فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً.

والثاني: لئلا ينسب المسلمون إلى نكث العهد، والثالث: أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد، فعم الكل بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار، ولا يصح ذلك إلا بنقض العهود.

والرابع: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج في السنة الآتية، فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يشاهد العراة.

البحث الثالث: قال ابن الأنباري: قوله: ﴿ فَسِيحُواْ ﴾ القول فيه مضمر والتقدير: فقل لهم سيحوا أو يكون هذا رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله: ﴿ عَٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوٓا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا  إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا  ﴾ .

البحث الرابع: اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة، وعن الزهري أن براءة نزلت في شوال، وهي أربعة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وقيل هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر، وإنما سميت حرماً لأنه كان يحرم فيها القتل والقتال، فهذه الأشهر الحرم لما حرم القتل والقتال فيها كانت حرماً، وقيل إنما سميت حرماً لأن أحد أقسام هذه المدة من الأشهر الحرم لأن عشرين من ذي الحجة مع المحرم من الأشهر الحرم.

وقيل: ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض».

وأما قوله: ﴿ واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ فقيل: اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب.

وقيل تقديره: فسيحوا عالمين أنكم لا تعجزون الله في حال.

والمقصود: أني أمهلتكم وأطلقت لكم فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات، فإنكم لا تعجزون الله بل الله يعجزكم ويقهركم.

وقيل: اعملوا أن هذا الإمهال لأجل أنه لا يخاف الفوت، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملك الله وسلطانه، وقوله: ﴿ وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين ﴾ قال ابن عباس: بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة.

وقال الزجاج: هذا ضمان من الله عز وجل لنصرة المؤمنين على الكافرين والإخزاء والإذلال مع إظهار الفضيحة والعار، والخزي والنكال الفاضح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة و ﴿ مِّنَ ﴾ لابتداء الغاية، متعلق بمحذوف وليس بصلة، كما في قولك: برئت من الدين.

والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ ﴾ كما يقال: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ مبتدأ لتخصيصها بصفتها، والخبر ﴿ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ ﴾ كما تقول: رجل من بني تميم في الدار وقرئ ﴿ براءة ﴾ بالنصب، على: اسمعوا براءة وقرأ أهل نجران ﴿ مِن الله ﴾ بكسر النون والوجه الفتح مع لام التعريف لكثرته.

والمعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم.

فإن قلت: لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين؟

قلت: قد أذن الله في معاهدة المشركين أوّلاً فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهم، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما تجّدد من ذلك فقيل لهم: اعلموا أنّ الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين.

وروي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب، فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤا لا يتعرض لهم، وهي الأشهر الحرم في قوله: ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها.

وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، فأمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على موسم سنة تسع، ثم أتبعه علياً رضي الله عنه راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر رضي الله عنه؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا عليّ سمع أبو بكر الرغاء، فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي: أنّ أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك، فأرسل علياً، فرجع أبو بكر رضي الله عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أشيء نزل من السماء قال: «نعم، فسر وأنت على الموسم، وعليّ ينادي بالآي» فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضي الله عنه وحدثهم عن مناسكهم، وقام علي رضي الله عنه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم.

فقالوا: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد رضي الله عنه ثلاثة عشرة آية، ثم قال: أمرت بأربع: «أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده» فقالوا عند ذلك يا علي، أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف.

وقيل: إنما أمر أن لا يبلغ عنه إلا رجل منه؛ لأنّ العرب عادتها في نقض عهودها أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، فلو تولاه أبو بكر رضي الله عنه.

لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود فأزيحت علتهم بتولية ذلك علياً رضي الله عنه فإن قلت: الأشهر الأربعة ما هي؟

قلت: عن الزهري رضي الله عنه أنّ براءة نزلت في شوال، فهي أربعة أشهر: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وقيل هي عشرون من ذي الحجة، والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من شهر ربيع الآخر.

وكانت حرماً؛ لأنهم أُومنوا فيها وحرّم قتلهم وقتالهم.

أو على التغليب؛ لأنّ ذا الحجة والمحرّم منها.

وقيل: لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول؛ لأنّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة.

فإن قلت ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر الحرم وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟

قلت: قالوا قد نسخ وجوب الصيانة وأبيح قتال المشركين فيها ﴿ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ لا تفوتونه وإن أمهلكم، وهو مخزيكم: أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ بَراءَةَ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ إلّا آيَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ وهي آخِرُ ما نَزَلَ ولَها أسْماءٌ أُخَرُ، « التَّوْبَةُ» و « المُقَشْقِشَةُ» و « البُحُوثُ» و « المُبَعْثِرَةُ» و « المُنَقِّرَةُ» و « المُثِيرَةُ» و « الحافِرَةُ» و « المُخْزِيَةُ» و « الفاضِحَةُ» و « المُنَكِّلَةُ» و « المُشَرِّدَةُ» و « المُدَمْدِمَةُ» و « سُورَةُ العَذابِ» لِما فِيها مِنَ التَّوْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ والقَشْقَشَةِ مِنَ النِّفاقِ وهي التَّبَرِّي مِنهُ، والبَحْثِ عَنْ حالِ المُنافِقِينَ وإثارَتِها، والحَفْرِ عَنْها وما يُخْزِيهِمْ ويَفْضَحُهم ويُنَكِّلُهم ويُشَرِّدُهم ويُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ.

وَأيُّها مِائَةٌ وثَلاثُونَ وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، وإنَّما تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ فِيها لِأنَّها نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأمانِ وبِسْمِ اللَّهِ أمانٌ.

وقِيلَ كانَ النَّبِيُّ  إذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ أوْ آيَةٌ بَيَّنَ مَوْضِعَها، وتُوُفِّيَ ولَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَها وكانَتْ قِصَّتُها تُشابِهُ قِصَّةَ الأنْفالِ وتُناسِبُها لِأنَّ في الأنْفالِ ذِكْرَ العُهُودِ وفي بَراءَةَ نَبْذُها فَضُمَّتْ إلَيْها.

وقِيلَ لَمّا اخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ في أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ هي سابِعَةُ السَّبْعِ الطِّوالِ أوْ سُورَتانِ تُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ ولَمْ تُكْتَبْ بِسْمِ اللَّهِ.

﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ واصِلَةٌ ﴿ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ بَراءَةٌ ﴾ مُبْتَدَأً لِتَخَصُّصِها بِصِفَتِها والخَبَرُ ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِها عَلى اسْمَعُوا بَراءَةً، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِئا مِنَ العَهْدِ الَّذِي عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والمُعاهَدَةِ بِالمُسْلِمِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَبْذُ عُهُودِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ صادِرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ فَإنَّهُما بَرِئا مِنها، وذَلِكَ أنَّهم عاهَدُوا مُشْرِكِي العَرَبِ فَنَكَثُوا إلّا أُناسًا مِنهم بَنُو ضُمْرَةَ وبَنُو كِنانَةَ فَأمَرَهم بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ وأمْهَلَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَسِيرُوا أيْنَ شاءُوا فَقالَ: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ لِأنَّها نَزَلَتْ في شَوّالَ.

وقِيلَ هي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ وصَفَرٌ ورَبِيعٌ الأوَّلُ وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخَرَ لِأنَّ التَّبْلِيغَ كانَ يَوْمَ النَّحْرِ لِما رُوِيَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ راكِبًا العَضْباءَ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، وكانَ قَدْ بَعَثَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي، فَلَمّا دَنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُّغاءَ فَوَقَفَ وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ  فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ قالَ مَأْمُورٌ، فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ وقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكم، فَقالُوا بِماذا فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ قالَ: أمَرَتْ بِأرْبَعٍ: أنْ لا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ.» (وَلَعَلَّ قَوْلَهُ  «لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي» لَيْسَ عَلى العُمُومِ، فَإنَّهُ  بُعِثَ لِأنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ كَثِيرٌ لَمْ يَكُونُوا مِن عِتْرَتِهِ، بَلْ هو مَخْصُوصٌ بِالعُهُودِ فَإنَّ عادَةَ العَرَبِ أنْ لا يَتَوَلّى العَهْدَ ونَقَضَهُ عَلى القَبِيلَةِ إلّا رَجُلٌ مِنها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي» .

﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} فسيروا في الأرض كيف شئتم والسيح السير على مهل روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم فنكثوا إلا ناسا منهم وهم بنوا ضمرة وبنو كنانة فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا ولا يتعرض لهم وهي الأشهر الحرم في قوله فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على موسم سنة تسع ثم أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال لا يؤدّي عني إلا رجل مني فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال أمير أو مأمور قال مأمور فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحثهم على مناسكهم وقام عليّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال يا أيها الناس إني رسول الله إليكم فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه

ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف والأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم أو عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر وكانت حرما لأنهم اومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم أو على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها والجمهور على إباحة القتال في الأشهر الحرم وأن ذلك قد نسخ {واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله} لا تفوتونه وإن أمهلكم {وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين} مذلهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ التَّوْبَةِ 9 مَدَنِيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وقَتادَةَ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وحَكى بَعْضُهُمُ الِاتِّفاقَ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: هي كَذَلِكَ إلّا آيَتَيْنِ مِنها ( ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ ) إلَخْ، وهو مُشْكِلٌ بِناءً عَلى ما في المُسْتَدْرَكِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ المَكِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ ( ﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ ) إلَخْ ولا يَتَأتّى هُنا ما قالُوهُ في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ في آخِرِ ما نَزَلَ، واسْتَثْنى آخَرُونَ ( ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ ) الآيَةَ بِناءً عَلى ما ورَدَ أنَّها نَزَلَتْ في «قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأبِي طالِبٍ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ،» وقَدْ نَزَلَتْ كَما قالَ ابْنُ كَيْسانَ عَلى تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ ولَها عِدَّةُ أسْماءَ؛ التَّوْبَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها: ( ﴿ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴾ ) إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ )، والفاضِحَةُ أخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سُورَةُ التَّوْبَةِ قالَ: التَّوْبَةُ بَلْ هي الفاضِحَةُ ما زالَتْ تَنْزِلُ ومِنهم ومِنهم حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِنّا إلّا ذُكِرَ فِيها، وسُورَةُ العَذابِ أخْرَجَ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: الَّتِي يُسَمُّونَ سُورَةَ التَّوْبَةِ هي سُورَةُ العَذابِ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا ذُكِرَ لَهُ سُورَةُ بَراءَةَ وقِيلَ سُورَةُ التَّوْبَةِ قالَ: هي إلى العَذابِ أقْرَبُ ما أقْلَعَتْ عَنِ النّاسِ حَتّى ما كادَتْ تَدَعُ مِنهم أحَدًا والمُقَشْقِشَةُ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: سُورَةُ التَّوْبَةِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وأيَّتُهُنَّ سُورَةُ التَّوْبَةِ فَقالَ بَراءَةَ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وهَلْ فَعَلَ بِالنّاسِ الأفاعِيلَ إلّا هِيَ، ما كُنّا نَدْعُوها إلّا المُقَشْقِشَةُ أيِ المُبَرِّئَةُ ولَعَلَّهُ أرادَ عَنِ النِّفاقِ، والمُنَقِّرَةُ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَتْ بَراءَةُ تُسَمّى المُنَقِّرَةَ نَقَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، والبَحُوثُ بِفَتْحِ الباءِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ البَحْثِ، بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ كَما رَوى ذَلِكَ الحاكِمُ عَنِ المِقْدادِ، والمُبَعْثَرَةُ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: كانَتْ بَراءَةُ تُسَمّى في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعْدَهُ المُبَعْثِرَةَ لِما كَشَفَتْ مِن سَرائِرِ النّاسِ وظُنَّ أنَّهُ تَصْحِيفُ المُنَقِّرَةِ مِن بَعْدِ الظَّنِّ.

وذَكَرَ ابْنُ الفَرَسِ أنَّها تُسَمّى الحافِرَةَ أيْضًا لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، والمُثِيرَةُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ لِأنَّها أثارَتِ المَخازِيَّ والقَبائِحَ، والمُدَمْدِمَةُ كَما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، والمُخْزِيَةُ والمُنَكِّلَةُ والمُشَرِّدَةُ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ وغَيْرُهُ، وسُورَةُ بَراءَةَ.

فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي عَطِيَّةَ الهَمْدانِيَّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ بَراءَةَ وعَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ وهي مِائَةٌ وتِسْعٌ وعِشْرُونَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ومِائَةٌ وثَلاثُونَ عِنْدَ الباقِينَ.

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلْأنْفالِ أنَّ في الأُولى قِسْمَةَ الغَنائِمِ وجَعَلَ خُمْسَها لِخَمْسَةِ أصْنافٍ عَلى ما عَلِمْتُ، وفي هَذِهِ قِيمَةُ الصَّدَقاتِ وجَعَلَها لِثَمانِيَةِ أصْنافٍ عَلى ما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وفي الأُولى أيْضًا ذَكَرَ العُهُودَ وهُنا نَبَذَها وأنَّهُ تَعالى أمَرَ في الأُولى بِالإعْدادِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ ) ونَعى هُنا عَلى المُنافِقِينَ عَدَمَ الإعْدادِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( ﴿ ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ ) وأنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ الأُولى بِإيجابِ أنْ يُوالِيَ المُؤْمِنِينَ بَعْضُهم بَعْضًا وأنْ يَكُونُوا مُنْقَطِعِينَ عَنِ الكَفّارِ بِالكُلِّيَّةِ، وصَرَّحَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ( ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ ) إلَخْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ المُناسِبَةِ.

وعَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ أنَّها مَعَ الأنْفالِ سُورَةٌ واحِدَةٌ ولِهَذا لَمْ تُكْتَبْ بَيْنَهُما البَسْمَلَةُ وقِيلَ: في وجْهِ عَدَمِ كِتابَتِها أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اخْتَلَفُوا في كَوْنِها سُورَةً أوْ بَعْضَ سُورَةٍ، فَفَصَلُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأنْفالِ رِعايَةً لِمَن يَقُولُ هُما سُورَتانِ ولَمْ يَكْتُبُوا البَسْمَلَةَ رِعايَةً لِمَن يَقُولُ هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، والحَقُّ أنَّهُما سُورَتانِ إلّا أنَّهم لَمْ يَكْتُبُوا البَسْمَلَةَ بَيْنَهُما لِما رَواهُ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن أنَّ البَسْمَلَةَ أمانٌ، وبَراءَةٌ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ ومِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ومَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أنَّها لَمْ تَنْزِلْ في هَذِهِ السُّورَةِ كَأخَواتِها لِما ذُكِرَ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالِاسْتِقْلالِ تَسْمِيَتُها بِما مَرَّ.

واخْتارَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُتُوحاتِهِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ وأنَّ التَّرْكَ لِذَلِكَ قالَ في البابِ الحادِي والثَّلاثِمِائَةٍ بَعْدَ كَلامِ: وأمّا سُورَةُ التَّوْبَةِ فاخْتَلَفَ النّاسُ فِيها هَلْ هي سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَسائِرِ السُّوَرِ أوْ هَلْ هي وسُورَةُ الأنْفالِ سُورَةٌ واحِدَةٌ فَإنَّهُ لا يُعْرَفُ كَمالُ السُّورَةِ إلّا بِالفَصْلِ بِالبَسْمَلَةِ ولِمَ تَجِئْ هُنا فَدَلَّ عَلى أنَّها مِن سُورَةِ الأنْفالِ وهو الأوْجَهُ وإنْ كانَ لِتَرْكِها وجْهٌ وهو عَدَمُ المُناسِبَةِ بَيْنَ الرَّحْمَةِ والتَّبَرِّي، ولَكِنْ ما لَهُ تِلْكَ القُوَّةُ بَلْ هو وجْهٌ ضَعِيفٌ.

وسَبَبُ ضَعْفِهِ أنَّهُ في الِاسْمِ اللَّهُ مِنَ البَسْمَلَةِ ما يَطْلُبُهُ والبَراءَةُ إنَّما هي مِنَ الشَّرِيكِ لا مِنَ المُشْرِكِ، فَإنَّ الخالِقَ كَيْفَ يَتَبَرَّأُ مِنَ المَخْلُوقِ ولَوْ تَبَرَّأ مِنهُ مَن كانَ يَحْفَظُ وُجُودَهُ عَلَيْهِ والشَّرِيكُ مَعْدُومٌ فَتَصِحُّ البَراءَةُ مِنهُ فَهي صِفَةُ تَنْزِيهٍ، وتَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّرِيكِ والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنِ اعْتِقادِ الجَهْلِ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن ضِعْفِ هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَّرْناهُ وهو أنَّ البَسْمَلَةَ مَوْجُودَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ ( ﴿ ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ ﴾ ) و( ﴿ ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ) وأيْنَ الرَّحْمَةُ مِنَ الوَيْلِ انْتَهى، وقَدْ يُقالُ: كَوْنُ البَراءَةِ مِنَ الشَّرِيكِ غَيْرَ ظاهِرٍ مِن آيَتِها أصْلًا، وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المُرادَ مِنها وما ذَكَرَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الوَجْهِ الآخَرِ مِنَ الضَّعْفِ قَدْ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لا تُشْبِهُها سُورَةٌ، فَإنَّها ما تَرَكَتْ أحَدًا كَما قالَ حُذَيْفَةُ إلّا نالَتْ مِنهُ وهَضَمَتْهُ وبالَغَتْ في شَأْنِهِ، أمّا المُنافِقُونَ والكافِرُونَ فَظاهِرٌ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ ﴾ ) إلى ( ﴿ الفاسِقِينَ ﴾ ) وهو مِن أشُدِّ ما يُخاطَبُ بِهِ المُخالِفُ فَكَيْفَ بِالمُوافِقِ ولَيْسَ في سُورَةِ ( ويْلٌ ) ولا في سُورَةِ ( تَبَّتْ ) ولا ولا، ولَوْ سَلِمَ اشْتِمالُ سُورَةٍ عَلى نَوْعٍ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ لَكِنَّ الِامْتِيازَ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ مِمّا لا سَبِيلَ لِإنْكارِهِ، ولِذَلِكَ تُرِكَتْ فِيها البَسْمَلَةُ عَلى ما أقُولُ والِاسْمُ الجَلِيلُ وإنْ تَضَمَّنَ القَهْرَ الَّذِي يُناسِبُ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ غَيْرَ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ اقْتِرانِهِ صَرِيحًا بِما لَمْ يَتَضَمَّنا سِوى الرَّحْمَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا إلّا إظْهارَ صِفَةِ القَهْرِ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ مَعَ الِافْتِتاحِ بِالبَسْمَلَةِ ولَوْ سَلِمَ خُلُوصُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لَهُ، نَعَمْ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَتْرُكْ عادَتَهُ في افْتِتاحِ السُّوَرِ هُنا بِالكُلِّيَّةِ حَيْثُ افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالباءِ كَما افْتَتَحَ غَيْرَها بِها في ضِمْنِ البَسْمَلَةِ، وإنْ كانَتْ باءُ البَسْمَلَةِ كَلِمَةً وباءُ هَذِهِ السُّورَةِ جُزْءَ كَلِمَةٍ وذَلِكَ لِسِرٍّ دَقِيقٍ يَعْرِفُهُ أهْلُهُ هَذا، ونُقِلَ عَنِ السَّخاوِيِّ أنَّهُ قالَ في جَمالِ القُرّاءِ: اشْتَهَرَ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ فِي أوَّلِ بَراءَةَ، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ التَّسْمِيَةُ أوَّلَها وهو القِياسُ لِأنَّ إسْقاطَها إمّا لِأنَّها نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ أوْ لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا بِأنَّها سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَلْ مِنَ الأنْفالِ، ولا يَتِمُّ الأوَّلُ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِ، ونَحْنُ إنَّما نُسَمِّي لِلتَّبَرُّكِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ بِالِاتِّفاقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ) الآيَةَ ونَحْوُها، وإنْ كانَ التَّرْكُ لِأنَّها لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً، فالتَّسْمِيَةُ في أوَّلِ الأجْزاءِ جائِزَةٌ ورُوِيَ ثُبُوتُها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وذَهَبَ ابْنُ مِنادِرَ إلى قِراءَتِها، وفي الإقْناعِ جَوازُها والحَقُّ اسْتِحْبابُ تَرْكِها حَيْثُ إنَّها لَمْ تُكْتَبْ في الإمامِ، ولا يُقْتَدى بِغَيْرِهِ، وأمّا القَوْلُ بِحُرْمَتِها ووُجُوبِ تَرْكِها كَما قالَهُ بَعْضُ المَشايِخِ الشّافِعِيَّةِ فالظّاهِرُ خِلافُهُ ولا أرى في الإتْيانِ بِها بَأْسًا لِمَن شَرَعَ في القِراءَةِ مِن أثْناءِ السُّورَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ أيْ: هَذِهِ بَراءَةٌ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ و( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ كَما يُؤْذَنُ بِهِ مُقابَلَتُها بِإلى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْخَبَرِ لِفَسادِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، أيْ واصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ، وقَدَّرُوهُ بِذَلِكَ دُونَ حاصِلِهِ لِتَقْلِيلِ التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ( إلى ) الآتِي أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً لِتَخْصِيصِها بِصِفَتِها وخَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ .

وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو ( بَراءَةً ) بِالنَّصْبِ وهي مَنصُوبَةٌ بِاسْمَعُوا أوِ الزَمُوا عَلى الإغْراءِ، وقَرَأ أهْلُ نَجْرانَ ( مِنَ اللَّهِ ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى أنَّ الأصْلَ في تَحْرِيكِ السّاكِنِ الكَسْرُ، لَكِنَّ الوَجْهَ الفَتْحُ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ هَرَبًا مِن تَوالِي الكَسْرَتَيْنِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ ما تَعَلَّقَ بِهِ البَراءَةُ حَسْبَما ذَكَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ اكْتِفاءً بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْهُ إنْباءً ظاهِرًا واحْتِرازًا عَنْ تَكْرارِ لَفْظٍ مِن، والعَهْدُ العَقْدُ المُوَثَّقُ بِاليَمِينِ، والخِطابُ في ( عاهَدْتُمْ ) لِلْمُسْلِمِينَ وقَدْ كانُوا عاهَدُوا مُشْرِكِي العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ  ، فَنَكَثُوا إلّا بَنِي ضَمْرَةَ وبَنِي كِنانَةَ، وأُمِرَ المُسْلِمُونَ بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ وأُمْهِلُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَسِيرُوا حَيْثُ شاءُوا.

وإنَّما نُسِبَتِ البَراءَةُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ شُمُولِها لِلْمُسْلِمِينَ في اشْتِراكِهِمْ في حُكْمِها ووُجُوبِ العَمَلِ بِمُوجِبِها، وعُلِّقَتِ المُعاهَدَةُ بِالمُسْلِمِينَ خاصَّةً مَعَ كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإنْباءِ عَنْ تَنَجُّزِها وتَحَتُّمِها مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى رَأْيِ المُخاطَبِينَ لِأنَّها عِبارَةٌ عَنْ إنْهاءِ حُكْمِ الأمانِ ورَفْعِ الخَطَرِ المُتَرَتِّبِ عَلى العَهْدِ السّابِقِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْكَفَرَةِ وذَلِكَ مَنُوطٌ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، واشْتِراكُ المُسْلِمِينَ إنَّما هو عَلى طَرِيقِ الِامْتِثالِ لا غَيْرَ، وأمّا المُعاهَدَةُ فَحَيْثُ كانَتْ عَقْدًا كَسائِرِ العُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ لا تَتَحَصَّلُ ولا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها الأحْكامُ إلّا بِمُباشَرَةِ المُتَعاقِدَيْنِ عَلى وجْهٍ لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنهُ تَعالى، وإنَّما الصّادِرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ الإذْنُ في ذَلِكَ وإنَّما المُباشِرُ لَهُ المُسْلِمُونَ، ولا يَخْفى أنَّ البَراءَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالعَهْدِ لا بِالإذْنِ فِيهِ، فَنُسِبَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما إلى مَن هو أصْلٌ فِيها، عَلى أنَّ في ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ البَراءَةِ وتَهْوِيلًا لِأمْرِها وتَسْجِيلًا عَلى الكَفَرَةِ بِغايَةِ الذُّلِّ والهَوانِ ونِهايَةِ الخِزْيِ والخِذْلانِ، وتَنْزِيهًا لِساحَةِ الكِبْرِياءِ عَمّا يُوهِمُ شائِبَةَ النَّقْصِ والبَداءِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وإدْراجُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في النِّسْبَةِ الأُولى وإخْراجُهُ عَنِ الثّانِيَةِ لِتَنْوِيهِ شَأْنِهِ الرَّفِيعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في كِلا المَقامَيْنِ، كَذا حَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهو تَوْجِيهٌ وجِيهٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُعاهَدَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ واجِبَةً بَلْ مُباحَةً مَأْذُونَةً نُسِبَتْ إلَيْهِ بِخِلافِ البَراءَةِ فَإنَّها واجِبَةٌ بِإيجابِهِ تَعالى فَلِذا نُسِبَتْ لِلشّارِعِ وهو كَما تَرى.

وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ نِسْبَةَ العَهْدِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  في مَقامٍ نُسِبَ فِيهِ النَّبْذُ مِنَ المُشْرِكِينَ لا يُحْسِنُ أدَبًا.

ألا تَرى إلى وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُمَراءِ السَّرايا حَيْثُ يَقُولُ لَهم: «إذا نَزَلْتُمْ بِحِصْنٍ فَطَلَبُوا النُّزُولَ عَلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَأنْزِلُوهم عَلى حُكْمِكم فَإنَّكم لا تَدْرُونَ أصادَفْتُمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ أمْ لا، وإنْ طَلَبُوا ذِمَّةَ اللَّهِ تَعالى فَأنْزِلُوهم عَلى ذِمَّتِكم فَلَأنْ تُخْفَرَ ذِمَّتُكم خَيْرٌ مِن أنْ تُخْفَرَ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعالى» فانْظُرْ إلى أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَوْقِيرِ ذِمَّةِ اللَّهِ تَعالى مَخافَةَ أنْ تُخْفَرَ، وإنْ كانَ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ ذَلِكَ الأمْرُ المُتَوَقَّعُ، فَتَوْقِيرُ عَهْدِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَحَقَّقَ مِنَ المُشْرِكِينَ النَّكْثُ وقَدْ تَبَرَّأ مِنهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ لا يُنْسَبَ العَهْدُ المَنبُوذُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أحْرى وأجْدَرُ فَلِذَلِكَ نُسِبَ العَهْدُ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ البَراءَةِ مِنهُ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّهُ غَيْرُ وافٍ وفاءَ ما قَدْ سَبَقَ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ ) تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَوْلا قَصْدُ التَّمْهِيدِ لَأُعِيدَتْ ( مِن ) كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ﴾ ) وإنَّما نُسِبَتِ البَراءَةُ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُعاهَدَةُ إلَيْهِمْ لِشَرِكَتِهِمْ في الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ مَن بَرَأ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ تَبَرَّأ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، وما ذُكِرَ مِن إعادَةِ الجارِّ لَيْسَ بِلازِمٍ، وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّمْهِيدِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِضَعْفِ التَّهْوِيلِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهُ إنَّما أضافَ العَهْدَ إلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنْ لا عَهْدَ لَهم وأعْلَمَ بِهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِذا لَمْ يُضِفِ العَهْدَ إلَيْهِ لِبَراءَتِهِ مِنهم ومِن عَهْدِهِمْ في الأزَلِ، وهَذِهِ نُكْتَةُ الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ اسْمِيَّةً خَبَرِيَّةً وإنْ قِيلَ: إنَّها إنْشائِيَّةٌ لِلْبَراءَةِ مِنهم ولِذا دَلَّتْ عَلى التَّجَدُّدِ.

وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ الأزَلِ لا يَتَأتّى في حَقِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرًا وبِالتَّأْوِيلِ لا يَبْعُدُ اعْتِبارُ المُسْلِمِينَ أيْضًا، ونُكْتَةُ الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وهي الدَّلالَةُ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ لا تَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ الحَدِيثِ فَقَدْ ذَكَرَها مَعَ ضَمِّ نُكْتَةِ التَّوَسُّلِ إلى التَّهْوِيلِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ مَن لَمْ يَذْكُرْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عباس: كلها مدنية وقال مقاتل: كلها مدنية إلا قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الماسرخسي قال: حدثنا إسحاق قال: أخبرني أسامة قال: حدثنا عوف بن أبي جميلة قال: حدثني يزيد الفارسي وهو كاتب ابن عباس، عن ابن عباس  ما قال: قلت لعثمان: «ما حملكم على أن عدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المائين، فقرأتموهما معا ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموهما في السبع الطوال» ؟

فقال عثمان: «كان النبيّ  تنزل عليه السورة ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب له ويقول: «ضعوا هذه في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا» .

وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة في آخر القرآن، وكانت قصتهما يشبه بعضها بعضا فظننت أنها منها، وقبض النبيّ  ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» .

وذكر عن الكلبي أنه قال: براءة من الأنفال، فلذلك لم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» وهي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذلك، فقال: «لأنها نزلت في السيف، وليس في السيف أمان» ، «وبسم الله الرّحمن الرّحيم» من الأمان.

وروي عن عائشة أنها قالت: نسي الكاتب أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول هذه السورة، فتركت على حالها.

قوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أي: تبرؤ من الله ورسوله- لمن كان له عهد من المشركين من ذلك العهد ويقال: بَراءَةٌ أي قطع من الله ورسوله إلى من كان له عهد في المشركين من ذلك العهد (١) (٢) (٣) وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أقبل رسول الله  من تبوك حين فرغ منها، فأراد الحج، ثم قال: «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» .

فأرسل أبا بكر وعلياً، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يجتمعون بها، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي الأشهر الحرم، ثم لا عهد لهم (٤) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٣) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤) عزاه السيوطي 4/ 122 إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره انقضاء العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ، وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذي لا عَهْدَ لهم ألبتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يوماً، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها انقضاء المُحَرَّم.

وقوله: إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر.

وقوله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، أي: لا تفلتون الله، ولا تعجزونه هربا.

وقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: أي: إعلام، ويَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قال عمر وغيره: هو يَوْمُ عَرَفَة «١» ، وقال أبو هريرة وجماعة: هو يوم النَّحْر «٢» ، وتظاهرتِ الرواياتُ/ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بالاستماع، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر «٣» ، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها كَأَبِي هُرَيْرَة «٤» وغيره، وتتَّبعوا بها أيضاً أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر: عرفَةُ حيث وقع أَوَّلُ الأذان.

وقالتْ أُخْرَى: هو يومُ النَّحْرِ حيث وقع إِكمال الأذَان.

وقال سفيان بن عُيَيْنَة: المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها كما تقول: يَوْمُ صفِّينَ، ويوم

الجَمَلِ ويتجه أن يوصَفُ ب «الأَكبر» علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل يكون المعنى: الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله.

واختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال:

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم افتتح مكَّة سنةَ ثمانٍ، فاستعمل عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضى أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وانصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال: لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمر أبابكر على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً:

صَدْرُ سورةِ «بَرَاءَة» ، وقيل: ثَلاَثِينَ، وقيل: عشرين، وفي بعض الروايات: عَشْر آيات، وفي بعضها: تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي: أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات: ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات: ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا انقضت، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ.

قال ع «١» : وأقول: إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ: نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضاً، وقالوا: ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ؟

فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد.

قال ع «٢» : وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً.

وقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي: ورسولُهُ بريءٌ منهم.

وقوله: فَإِنْ تُبْتُمْ، أي: عن الكُفْر.

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره: «ينقضوكم» «٣» - بالضاد المعجمة-، ويُظاهِرُوا: معناه: يعاونوا،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ التَّوْبَةِ ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ * فَصْلٌ في نُزُولِها هِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، سِوى الآَيَتَيْنِ في آَخِرِها ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.

رَوى البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ البَراءِ قالَ: آَخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَة وقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنِّي لَأحْسَبُ هَذِهِ مِن آَخَرِ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآَنِ.

قِيلَ لَهُ: ومِن أيْنَ عَلِمْتَ!

فَقالَ: إنِّي لَأسْمَعُ عُهُودًا تُنْبَذُ، ووَصايا تُنَفَّذُ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفُوا في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن ﴿ بَراءَةٌ ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ  ﴾ ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا  ﴾ ، قالَهُ أبُو الضُّحى، وأبُو مالِكٍ.

والثّالِثُ: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ  ﴾ قالَهُ مُقاتِلٌ.

وهَذا الخِلافُ إنَّما هو في أوَّلِ ما نَزَلَ مِنها بِالمَدِينَةِ، فَإنَّهم قَدْ قالُوا: نَزَلَتِ الآَيَتانِ اللَّتانِ في آَخِرِها بِمَكَّةَ.

* فَصْلٌ وَلَها تِسْعَةُ أسْماءٍ.

أحَدُها: سُورَةُ التَّوْبَةِ.

والثّانِي: بَراءَةٌ؛ وهَذانَ مَشْهُورانِ بَيْنَ النّاسِ.

والثّالِثُ: سُورَةُ العَذابِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ.

والرّابِعُ: المُقَشْقَشَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والخامِسُ: سُورَةُ البُحُوثِ، لِأنَّها بَحَثَتْ عَنْ سَرائِرِ المُنافِقِينَ، قالَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ.

والسّادِسُ: الفاضِحَةُ، لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والسّابِعُ: المُبَعْثَرَةُ، لِأنَّها بَعْثَرَتْ أخْبارَ النّاسِ، وكَشَفَتْ عَنْ سَرائِرِهِمْ، قالَهُ الحارِثُ بْنُ يَزِيدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

والثّامِنُ: المُثِيرَةُ لِأنَّها أثارَتْ مَخازِيَ المُنافِقِينَ ومَثالِبَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

والتّاسِعُ: الحافِرَةُ، لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

* فَصْلٌ وَفِي سَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن كِتابَةِ التَّسْمِيَةِ في أوَّلِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ: قُلْتُ لَعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمْلُكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى (الأنْفالِ) وهي مِنَ المَثانِيَ، وإلى (بَراءَةَ) وهي مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم ؟

فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ  إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَن يَكْتُبُ، فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذا في السُّورَةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيها كَذا وكَذا"، وكانَتِ [الأنْفالُ] مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، (وَبَراءَةٌ) مِن آَخِرِ القُرْآَنِ، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها؛ وقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ  ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَظَنَنّا أنَّها مِنها؛ فَمِن ثَمَّ قَرَنَتْ بَيْنَهُما: ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم وذُكِرَ نَحْوُ هَذا المَعْنى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: والشَّبَهُ الَّذِي بَيْنَهُما، أنَّ في (الأنْفالِ) ذِكْرُ العُهُودِ، وفي (بَراءَةَ) نَقْضُها.

وكانَ قَتادَةُ يَقُولُ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ.

والثّانِي: رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، قالَ: قُلْتُ لِأبِي: لِمَ لَمْ تَكْتُبُوا في (بَراءَةَ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّ (بَراءَةَ) نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم أمانٌ.

وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَذا، فَقالَ: لِأنَّ التَّسْمِيَةَ رَحْمَةٌ، والرَّحْمَةُ أمانٌ، وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  ، لَمّا كَتَبَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم لَمْ يَقْبَلُوها ورَدُّوها، فَما رَدَّها اللَّهُ عَلَيْهِمْ،» قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى المَكِّيُّ.

* فَصْلٌ فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَتِ العَرَبُ تَنْقُضُ عُهُودًا بِنَتْها مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ عُهُودِهِمْ إلَيْهِمْ، فَأنَزَلَ (بَراءَةً) في سَنَةِ، تِسْعٍ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ أبا بَكْرٍ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ لَيُقِيمَ لَلنّاسِ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ، وبَعَثَ مَعَهُ صَدْرًا مِن (بَراءَةَ) لَيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، فَلَمّا سارَ، دَعا رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا، فَقالَ: "اخْرُجْ بِهَذِهِ القِصَّةِ مَن صَدْرِ (بَراءَةَ) وأذِّنْ في النّاسِ بِذَلِكَ" فَخَرَجَ عَلَيٌّ عَلى ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ  العَضْباءِ حَتّى أدْرَكَ أبا بَكْرٍ، فَرَجَعَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزِلُ في شَأْنِي شَيْءٌ؟

قالَ: "لا، ولَكِنْ لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي أما تَرْضى أنَّكَ كُنْتَ صاحِبِي في الغارِ، وأنَّكَ صاحِبِي عَلى الحَوْضِ"؟

قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ.

فَسارَ أبُو بَكْرٍ أمِيرًا عَلى الحَجِّ، وسارَ عَلَيٌّ لِيُؤَذِّنَ بِـ (بَراءَةَ) .

* فَصْلٌ وَفِي عَدَدِ الآَياتِ الَّتِي بَعَثَها رَسُولُ اللَّهِ  مِن أوَّلِ (بَراءَةَ) خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أرْبَعُونَ آَيَةً، قالَهُ عَلَيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: ثَلاثُونَ آَيَةً، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

والثّالِثُ: عَشْرُ آَياتٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: سَبْعُ آَياتٍ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ.

والخامِسُ: تِسْعُ آَياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

* فَصْلٌ فَإنْ تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ في أخْذِ (بَراءَةَ) مِن أبِي بَكْرٍ، وتَسْلِيمِها إلى عَلَيٍّ، تَفْضِيلًا لِعَلِيٍّ عَلى أبِي بَكْرٍ، فَقَدْ جَهِلَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ  أجْرى العَرَبَ في ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في عَقْدِ عَهْدِها ونَقْضِها، أنْ يَتَوَلّى ذَلِكَ عَلى القَبِيلَةِ رَجُلٌ مِنها؛ وجائِزٌ أنْ تَقُولَ العَرَبُ إذا تَلا عَلَيْها نَقْضَ العَهْدِ مَن لَيْسَ مِن رَهْطِ النَّبِيِّ  : هَذا خِلافُ ما نَعْرِفُ فِينا في نَقْضِ العُهُودِ، فَأزاحَ النَّبِيُّ  العِلَّةَ بِما فَعَلَ.

وقالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ: لَيْسَ هَذا بِتَفْضِيلٍ لِعَلِيٍّ عَلى أبِي بَكْرٍ، وإنَّما عامَلَهم بِعادَتِهِمُ المُتَعارَفَةِ في حَلِّ العَقْدِ، وكانَ لا يَتَوَلّى ذَلِكَ إلّا السَّيِّدُ مِنهم، أوْ رَجُلٌ مِن رَهْطِهِ دَنِيًّا، كَأخٍ، أوْ عَمٍّ؛ وقَدْ كانَ أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحُجَّةِ الإمامَ، وعَلِيٌّ يَأْتَمُّ بِهِ وأبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ، وعَلِيٌّ يَسْمَعُ.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحُجَّةِ مَعَ المُؤَذِّنِينَ الَّذِينَ بَعَثَهم يُؤَذِّنُونَ بِمِنى: أنْ لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ؛ فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ بِـ (بَراءَةَ) وبِذَلِكَ الكَلامِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيًّا يُؤَذِّنُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: "ألا لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ألا ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ألا ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُسْلِمٌ، ألا ومَن كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ مُدَّةً فَأجَلُهُ إلى مُدَّتِهِ، واللَّهُ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ" .» * فَصْلٌ فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَراءَةٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ "هَذِهِ" ومِثْلُهُ (سُورَةٌ أنْزَلْناها)[النُّورِ:٢] .

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَرِئْتُ مِنَ الرَّجُلِ والدِّينِ بَراءَةً، وبَرِئْتُ مِنَ المَرَضِ؛ وبَرَأْتُ أيْضًا أبْرَأُ بُرْءًا وقَدْ رَوَوْا: بَرَّأْتُ أبْرُؤُ بُرُوءًا ولَمْ نَجِدْ في ما لامُهُ هَمْزَةٌ: فَعَلْتُ أفْعَلُ، إلّا هَذا الحَرْفَ.

ويُقالُ: بَرَيْتُ القَلَمَ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحَتَّهُ: أبْرِيهِ بَرْيًا، غَيْرَ مَهْمُوزٍ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، ومُورِقٌ، وابْنُ يَعْمُرَ: "بَراءَةً" بِالنَّصْبِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والبَراءَةُ هاهُنا: قَطَعُ المُوالاةِ، وارْتِفاعُ العِصْمَةِ، وزَوالُ الأمانِ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، والمُرادُ رَسُولُ اللَّهِ  ، لِأنَّهُ هو الَّذِي كانَ يَتَوَلّى المُعاهَدَةَ، وأصْحابُهُ راضُونَ؛ فَكَأنَّهم بِالرِّضا عاهَدُوا أيْضًا؛ وهَذا عامٌّ في كُلِّ مَن عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ  .

وقالَ مُقاتِلٌ: هم ثَلاثَةُ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: خُزاعَةُ، وبَنُو مُدْلِجٍ، وبَنُو جُذَيْمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَوْبَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ  ﴾ إلى آخِرِها، وتُسَمّى سُورَةَ التَوْبَةِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ وغَيْرُهُ، وتُسَمّى الفاضِحَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وتُسَمّى الحافِرَةَ لِأنَّها حَفَرَتْ عن قُلُوبِ المُنافِقِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مازالَ يَنْزِلُ: "وَمِنهُمْ، ومِنهُمْ" حَتّى ظُنَّ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ، وقالَ حُذَيْفَةُ: هي سُورَةُ العَذابِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُنّا نَدْعُوها المُقَشْقِشَةَ، قالَ الحارِثُ بْنُ يَزِيدَ: كانَتْ تُدْعى المُبَعْثِرَةَ، ويُقالُ لَها المُثِيرَةُ، ويُقالُ لَها البُحُوثُ.

وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن بَراءَةٍ ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا  ﴾ ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ بَراءَةٌ مِثْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ في الطُولِ.

واخْتُلِفَ -لِمَ سَقَطَ سَطْرُ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) مِن أوَّلِها- فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أشْبَهَتْ مَعانِيها مَعانِيَ الأنْفالِ، وكانَتْ تُدْعى القَرِينَتَيْنِ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ  ، فَلِذَلِكَ قُرِنَتْ بَيْنَهُما، ولَمْ أكْتُبْ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم )، ووَضَعْتُها في السَبْعِ الطُوَلِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) أمانٌ وبِشارَةٌ، و"بَراءَةٌ" نَزَلَتْ بِالسَيْفِ ونَبْذِ العُهُودِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَبْدَأْ بِالأمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْزى هَذا القَوْلُ لِلْمُبَرِّدِ وهو لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَذا كَما يَبْدَأُ المُخاطَبُ الغاضِبُ: "أمّا بَعْدُ"، دُونَ تَقْرِيظٍ ولا اسْتِفْتاحٍ بِتَبْجِيلٍ، ورُوِيَ أنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ في مُدَّةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ اخْتَلَفُوا في الأنْفالِ وبَراءَةٍ، هَلْ هي سُورَةٌ واحِدَةٌ أو هُما سُورَتانِ؟

فَتَرَكُوا فَصْلًا بَيْنَهُما مُراعاةً لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَتانِ، ولَمْ يَكْتُبُوا ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) مُراعاةً لِقَوْلِ مَن قالَ مِنهُمْ: هُما واحِدَةٌ، فَرَضِيَ جَمِيعُهم بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ يُضَعِّفُهُ النَظَرُ أنْ يَخْتَلِفَ في كِتابِ اللهِ هَكَذا، ورُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَأْمُرُنا بِوَضْعِ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ولَمْ يَأْمُرْنا في هَذا بِشَيْءٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ نَضَعُهُ نَحْنُ،» ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّها كانَتْ نَحْوَ سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ نُسِخَ ورُفِعَ كَثِيرٌ مِنها وفِيهِ البَسْمَلَةُ، فَلَمْ يَرَوْا بَعْدُ أنْ يَضَعُوهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وسُورَةُ بَراءَةٍ مِن آخِرِ ما نَزَلَ عَلى النَبِيِّ  ، وحَكى عِمْرانُ بْنُ جُدَيْرٍ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ سُورَةَ بَراءَةٍ فَقالَ: أظُنُّ هَذِهِ مِن آخِرِ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَقُولُ ذَلِكَ؟

فَقالَ: أرى أشْياءَ تُنْقَضُ وعُهُودًا تُنْبَذُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وأنَّ اللهِ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللهِ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ "بَراءَةٌ" رَفْعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الآياتُ بَراءَةٌ، ويَصِحُّ أنْ تَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى الَّذِينَ ﴾ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ فَتَعَرَّفَتْ تَعْرِيفًا ما، وجازَ الإخْبارُ عنها، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "بَراءَةً" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمُوا بَراءَةً، فَفِيها مَعْنى الإغْراءِ.

و ﴿ بَراءَةٌ ﴾ مَعْناها: تَخَلُّصٌ وتَبَرُّؤٌ مِنَ العُهُودِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ البادِئِينَ بِالنَقْضِ، تَقُولُ: بَرِئْتُ إلَيْكَ مِن كَذا، فَبَرِئَ اللهُ تَعالى ورَسُولُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الكُفّارِ مِن تِلْكَ العُهُودِ الَّتِي كانَتْ ونَقَضَها الكُفّارُ، وقَرَأ أهْلُ نَجْرانَ: "مِنِ اللهِ" بِكَسْرِ النُونِ.

وهَذِهِ الآيَةُ حُكْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِنَقْضِ العُهُودِ والمُوادَعاتِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ  وبَيْنَ طَوائِفِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ظَهَرَ مِنهم أو تَحَسَّسَ مِن جِهَتِهِمْ نَقْضٌ، ولَمّا كانَ عَهْدُ رَسُولِ اللهِ  لازِمًا لِأُمَّتِهِ حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "عاهَدْتُمْ" قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: كانَتِ العَرَبُ قَدْ واثَقَها رَسُولُ اللهِ  عَهْدًا عامًا عَلى أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ المُوادَعاتِ، فَنَقَضَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأجَّلَ لِجَمِيعِهِمْ أرْبَعَةً، فَمَن كانَ لَهُ مَعَ النَبِيِّ  عَهْدٌ خاصٌّ وبَقِيَ مِنهُ أقَلُّ مِنَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ بَلَغَ بِهِ تَمامَها، ومَن كانَ أمَدُهُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أتَمَّ لَهُ عَهْدَهُ، إلّا إنْ كانَ مِمَّنْ تُحُسِّسَ مِنهُ نَقْضٌ فَإنَّهُ قُصِرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ خاصٌّ فُرِضَتْ لَهُ الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ يَسِيحُ فِيها في الأرْضِ، أيْ يَذْهَبُ مَسْرَحًا آمِنًا كالسَيْحِ مِنَ الماءِ وهو الجارِي المُنْبَسِطُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي ∗∗∗ حَتّى نَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ وهَذا يُنْبِئُ عن أنَّ رَسُولَ اللهِ  اسْتَشْعَرَ مِنَ الكُفّارِ نَقْضًا وتَرَبُّصًا بِهِ إلّا مِنَ الطائِفَةِ المُسْتَثْناةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أوَّلُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ شَوّالٌ وحِينَئِذٍ نَزَلَتِ الآيَةُ، وانْقِضاؤُها عِنْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهو انْقِضاءُ المُحَرَّمِ بَعْدَ يَوْمِ الأذانِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ أجَلُ مَن لَهُ عَهْدٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ نُزُولِ الآيَةِ، وأجَلُ سائِرِ المُشْرِكِينَ خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ الأذانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: اعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ الأجَلَ لا يَلْزَمُ إلّا مِن يَوْمِ سُمِعَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ البَراءَةَ قَدْ كانَتْ سُمِعَتْ مِن أوَّلِ شَوّالٍ، ثُمَّ كُرِّرَ إشْهارُها مَعَ الأذانِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: بَلْ أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ وآخِرُها العِشْرُونَ مِن رَبِيعِ الآخَرِ، وهي الحُرُمُ، اسْتُعِيرَ لَها الِاسْمُ بِهَذِهِ الحُرْمَةِ والأمْنِ الخاصِّ الَّذِي رَسَمَهُ اللهُ وألْزَمَهُ فِيها، وهي أجَلُ الجَمِيعِ مِمَّنْ لَهُ عَهْدٌ وتُحُسِّسَ مِنهُ نَقْضٌ، ومِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ.

وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: "كانَ مِنَ العَرَبِ مَن لا عَهْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ  جُمْلَةً، وكانَ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وتَحَسَّسَ مِنهُمُ النَقْضَ، وكانَ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ ولَمْ يَنْقُضُوا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ هو أجَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وتَحَسَّسَ مِنهم نَقْضَهُ، وأوَّلُ هَذا الأجَلِ يَوْمُ الأذانِ، وآخِرُهُ انْقِضاءُ العَشْرِ الأُوَلِ مِن رَبِيعِ الآخِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ هو حُكْمٌ مُبايِنٌ لِلْأوَّلِ حُكِمَ بِهِ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا عَهْدَ لَهُمُ البَتَّةَ، فَجاءَ أجَلُ تَأْمِينِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا، أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ وآخِرُها انْقِضاءُ المُحَرَّمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الَّذِينَ لَهم عَهْدٌ ولَمْ يَنْقُضُوا ولا تُحُسِّسْ مِنهم نَقْضٌ، وهم -فِيما رُوِيَ- بَنُو ضِمْرَةَ مِن كِنانَةَ، عاهَدَ لَهُمُ المُحَسِّرُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وكانَ بَقِي مِن عَهْدِهِمْ يَوْمَ الأذانِ تِسْعَةُ أشْهُرٍ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما أجَلُ اللهِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مَن كانَ عَهْدُهُ يَنْصَرِمُ عِنْدَ انْقِضائِها أو قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: سِيحُوا، وأمّا مَن كانَ لَهُ عَهْدٌ يَتَمادى بَعْدَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ، فَهُمُ الَّذِينَ أمَرَ اللهُ لَهم بِالوَفاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ﴾ ، مَعْناهُ: واعْلَمُوا أنَّكم لا تَغْلِبُونَ اللهَ وَلا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا مِن عِقابِهِ، ثُمَّ أعْلَمَهم بِحُكْمِهِ بِخِزْيِ الكافِرِينَ، وذَلِكَ حَتْمٌ إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ ﴾ الآيَةُ.

و( أذانٌ ) مَعْناهُ: إعْلامٌ وإشْهارٌ، و( الناسِ ) هاهُنا: عامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، و( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ ( أذانٌ ) وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ فَإنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ باقِيَةٌ، وهي عامِلَةٌ في الظَرْفِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إذْ قَدْ وُصِفَ المَصْدَرُ فَزالَتْ عنهُ قُوَّةُ الفِعْلِ، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْتَضِيهِ الألْفاظُ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ صِفَةُ الأذانِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ "مُخْزِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ.

"وَيَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ" قالَ عُمَرُ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُمْ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ يَوْمُ النَحْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي هُرَيْرَةَ وجَماعَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: كانَ الناسُ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْتَرِقِينَ إذْ كانَتِ الحُمْسُ تَقِفُ بِالمُزْدَلِفَةِ.

وكانَ الجَمْعُ يَوْمَ النَحْرِ بِمِنًى، فَلِذَلِكَ كانُوا يُسَمُّونَهُ "الحَجَّ الأكْبَرَ" أيْ: مِنَ الأصْغَرِ الَّذِي هم فِيهِ مُفْتَرِقُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا زالَ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ لَمْ يَقِفْ أحَدٌ بِالمُزْدَلِفَةِ، وقَدْ ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّ الحُمْسَ ومَنِ اتَّبَعَها وقَفُوا بِالمُزْدَلِفَةِ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ في هَذا المَعْنى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ أذَّنَ بِتِلْكَ الآيَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إثْرَ خُطْبَةِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ رَأى أنَّهُ لَمْ يُعْلِمِ الناسَ بِالإسْماعِ فَتَتَبَّعَهم بِالأذانِ بِها يَوْمَ النَحْرِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ بَعَثَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ مَن يُعِينُهُ بِالأذانِ بِها كَأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ، وتَتَبَّعُوا بِها أيْضًا أسْواقَ العَرَبِ كَذِي المَجازِ وغَيْرِهِ، فَمِن هُنا يَتَرَجَّحُ قَوْلُ سُفْيانَ: إنَّ "يَوْمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أيّامِ، بِسَبَبِ ذَلِكَ قالَتْ طائِفَةٌ: يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ: عَرَفَةُ حَيْثُ وقَعَ أوَّلَ الأذانِ، وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: هو يَوْمُ النَحْرِ حَيْثُ وقَعَ إكْمالُ الأذانِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّهُ مَن فاتَهُ الوُقُوفُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَإنَّهُ يَجْزِيهِ الوُقُوفُ لَيْلَةَ النَحْرِ، فَلَيْسَ يَوْمُ عَرَفَةَ -عَلى هَذا- يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حُجَّةَ في هَذا، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُرادُ أيّامُ الحَجِّ كُلُّها كَما تَقُولُ يَوْمُ صِفِّينَ ويَوْمُ الجَمَلِ يُرِيدُ جَمِيعَ أيّامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُ مِنًى كُلُّها، ومَجامِعُ المُشْرِكِينَ حَيْثُ كانُوا بِذِي المَجازِ وعُكاظٍ حِينَ نُودِيَ فِيهِمْ ألّا يَجْتَمِعَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَما قالَ عُثْمانُ لِعُمَرَ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ زَواجَ حَفْصَةَ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا، وكَما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ لِرَجُلٍ: ما شَغْلُكَ اليَوْمَ؟

وأنْتَ تُرِيدُ في أيّامِكَ هَذِهِ، واخْتُلِفَ لِمَ وُصِفَ بِالأكْبَرِ؟

فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ لِأنَّهُ حَجَّ ذَلِكَ العامَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ وصادَفَ أيْضًا عِيدَ اليَهُودِ والنَصارى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ أنْ يَصِفَهُ اللهُ في كِتابِهِ بِالكِبَرِ لِهَذا، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: إنَّما سُمِّيَ أكْبَرَ لِأنَّهُ حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي يُشْبِهُ نَظَرَ الحَسَنِ، وبَيانُهُ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ المُفْتَتَحَ بِالحَقِّ وإمارَةِ الإسْلامِ بِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللهِ  ، ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ، وعَزَّ فِيهِ الدِينُ وذَلَّ الشِرْكُ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في عامِ ثَمانٍ حِينَ ولّى رَسُولُ اللهِ  الحَجَّ عَتّابَ بْنَ أُسِيدٍ، بَلْ كانَ أمْرُ العَرَبِ عَلى أوَّلِهِ، فَكُلُّ حَجٍّ بَعْدَ حَجِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمُتَرَكَّبٌ عَلَيْهِ، فَحَقُّهُ لِهَذا أنْ يُسَمّى أكْبَرَ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وغَيْرُهُ: الحَجُّ أكْبَرُ بِالإضافَةِ إلى الحَجِّ الأصْغَرِ وهي العُمْرَةُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: بِالإضافَةِ إلى العُمْرَةِ في رَمَضانَ فَإنَّها الحَجُّ الأصْغَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَجُّ الأكْبَرُ: القِرانُ، والأصْغَرُ: الإفْرادُ، وهَذا لَيْسَ مِنَ الآيَةِ في شَيْءٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما ذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، ويَتَّجِهُ أنْ يُوصَفَ بِالأكْبَرِ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لا بِالإضافَةِ إلى أصْغَرَ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: الأكْبَرُ مِن سائِرِ الأيّامِ، فَتَأمَّلْهُ.

واخْتِصارُ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما ذَكَرَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن صُورَةِ تِلْكَ الحالِ، أنَّ رَسُولَ اللهِ  افْتَتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمانٍ، فاسْتَعْمَلَ عَلَيْها عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وقَضى أمْرَ حَنِينٍ والطائِفِ وانْصَرَفَ إلى المَدِينَةِ، فَأقامَ بِها حَتّى خَرَجَ إلى تَبُوكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِن تَبُوكَ في رَمَضانَ سَنَةَ تِسْعٍ، فَأرادَ الحَجَّ، ثُمَّ نَظَرَ في أنَّ المُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ في تِلْكَ السَنَةِ ويَطُوفُونَ عُراةً فَقالَ: لا أُرِيدُ أنْ أرى ذَلِكَ، فَأمَرَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى الحَجِّ بِالناسِ وأنْفَذَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ، وأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في الناسِ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ، وهِيَ: « "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ -وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ كافِرٌ- ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  عَهْدٌ فَهو لَهُ إلى مُدَّتِهِ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ: «وَمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ  عَهْدٌ فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ يَسِيحُ فِيها، فَإذا انْقَضَتْ فَإنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقُولُ: إنَّهم كانُوا يُنادُونَ بِهَذا كُلِّهِ، فَهَذا لِلَّذِينِ لَهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ مِنهم نَقْضُهُ، والإبْقاءُ إلى المُدَّةِ لِمَن لَمْ يُخْبَرْ مِنهُ نَقْضٌ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ العَرَبَ قالَتْ يَوْمَئِذٍ: نَحْنُ نَبْرَأُ مِن عَهْدِكَ وعَهْدِ ابْنِ عَمِّكَ إلّا مِنَ الطَعْنِ والضَرْبِ، فَلامَ بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: ما تَصْنَعُونَ وقَدْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ؟

فَأسْلَمُوا كُلُّهم ولَمْ يَسِحْ أحَدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحِينَئِذٍ دَخَلَ الناسُ في دِينِ اللهِ أفْواجًا، وكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى الناسِ الأرْبَعِينَ آيَةً صَدْرَ سُورَةِ بَراءَةٍ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ، وقِيلَ: عِشْرِينَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: عَشْرُ آياتٍ، وفي بَعْضِها: تِسْعُ آياتٍ، ذَكَرَها النَقّاشُ، وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى الشامِيُّ: ذَلِكَ ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً، فَلِحَقَ عَلِيٌّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الطَرِيقِ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمِيرٌ أو مَأْمُورٌ؟

فَقالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، فَنَهَضا حَتّى بَلَغا المَوْسِمَ، فَلَمّا خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِعَرَفَةَ: قالَ: قُمْ يا عَلِيٌّ فَأدِّ رِسالَةَ رَسُولِ اللهِ  ، فَقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَفَعَلَ، قالَ: ثُمَّ وقَعَ في نَفْسِي أنَّ جَمِيعَ الناسِ لَمْ يُشاهِدُوا خُطْبَةَ أبِي بَكْرٍ، فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ الفَساطِيطَ يَوْمَ النَحْرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنَّ اللهَ بَرِيءٌ" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى تَقْدِيرِ: بِأنَّ اللهَ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ، إذِ الأذانُ في مَعْنى القَوْلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَرَسُولُهُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وحَذْفِ الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنهم، هَذا هو عِنْدَ شَيْخِنا الفَقِيهِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ بْنِ الباذِشِ رَحِمَهُ اللهُ مَعْنى العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، أيْ تُؤْنِسُ بِالجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي هي مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ فَعُطِفَتْ عَلَيْها هَذِهِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ قَبْلَ دُخُولِ "أنَّ" الَّتِي لا تُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بَلْ تُؤَكِّدُهُ و"إذْ" قَدْ قُرِئَتْ بِالكَسْرِ، لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "أنَّ" بِالفَتْحِ، وانْظُرْهُ فَإنَّهُ مُخْتَلِفٌ في جَوازِهِ، لِأنَّ حُكْمَ "أنَّ" رَفْعُ حُكْمِ الِابْتِداءِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ وما أشْبَهَهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ، وأبِي عَلِيٍّ رَحِمَهُما اللهُ، ومَذْهَبُ الأُسْتاذِ عَلى مُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ ألّا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ "أنْ" إذْ هو مُعْرَبٌ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ عَمَلُ العامِلِ، ولِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ "أنَّ" و"لَيْتَ" و"لَعَلَّ"، والإجْماعُ ألّا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ،:وَقِيلَ عَطْفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ الَّذِي في "بَرِيءٌ"، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ المَجْرُورَ قامَ مَقامَ التَوْكِيدِ، كَما قامَتْ "وَلا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "رَسُولَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ المَكْتُوبَةِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ امْتَحَنَ مُعاوِيَةُ أبا الأسْوَدِ حَتّى وضَعَ النَحْوَ إذْ جَعَلَ قارِئًا يَقْرَأُ بِخَفْضِ "وَرَسُولُهُ".

والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: بَرِيءٌ مِن عُهُودِهِمْ وأدْيانِهِمْ بَراءَةً عامَّةً تَقْتَضِي المُحارَجَةَ وإعْمالَ السَيْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُبْتُمْ ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ، ووَعَدَهم مَعَ شَرْطِ التَوْبَةِ، وتَوَعَّدَهم مَعَ شَرْطِ التَوَلِّي، وجازَ أنْ تَدْخُلَ البِشارَةُ في المَكْرُوهِ لَمّا جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ مَرْفُوعَ الإشْكالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتحت السورة كما تفتتح العهودُ وصكوك العقود بأدَلّ كلمة على الغرض الذي يراد منها كما في قولهم: هذا ما عهد به فلان، وهذا ما اصطلح عليه فلان وفلان، وقول الموثّقين: باع أو وكّل أو تزوّج، وذلك هو مقتضى الحال في إنشاء الرسائِل والمواثيق ونحوها.

وتنكير ﴿ براءة ﴾ تنكير التنويع، وموقع ﴿ براءة ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء به ما في التنكير من معنى التنويع للإشارة إلى أنّ هذا النوع كاف في فهم المقصود كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ المص كتاب أنزل إليك ﴾ [الأعراف: 1، 2].

والمجروران في قوله: ﴿ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ في موضع الخبر، لأنّه المقصود من الفائِدة أي: البراءة صدرت من الله ورسوله.

و ﴿ من ﴾ ابتدائية، و ﴿ إلى ﴾ للانتهاء لما أفاده حرف ﴿ من ﴾ من معنى الابتداء.

والمعنى أنّ هذه براءة أصدرها الله بواسطة رسوله إبلاغاً إلى الذين عاهدتم من المشركين.

والبراءة الخروج والتفصّي مما يتعب ورفعُ التبِعة.

ولما كان العهد يوجب على المتعاهدين العمل بما تعاهدوا عليه ويُعد الإخلاف بشيء منه غدراً على المخلف، كان الإعلان بفسخ العهد براءةً من التبِعات التي كانت بحيثُ تنشأ عن إخلاف العهد، فلذلك كان لفظ ﴿ براءة ﴾ هنا مفيداً معنى فسخ العهد ونبذه ليأخذ المعاهَدون حِذرهم.

وقد كان العرب ينبذون العهد ويردّون الجوار إذا شاءوا تنهية الالتزام بهما، كما فعل ابن الدُّغُنَّه في ردّ جوار أبي بكر عن قريش، وما فعل عثمان بن مظعون في ردّ جوار الوليد بن المغيرة إيّاه قائلاً: «رضيتُ بجوار ربّي ولا أريد أن أستجير غيره».

وقال تعالى: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ﴾ [الأنفال: 58] أي: ولا تخنهم لظنّك أنّهم يخونونك فإذا ظننته فافسخ عهدك معهم.

ولمّا كان الجانب، الذي ابتدأ بإبطال العهد وتنهيته، هو جانب النبي صلى الله عليه وسلم بإذن من الله، جعلت هذه البراءة صادرة من الله، لأنّه الآذن بها، ومن رسوله، لأنّه المباشر لها.

وجُعل ذلك منهَّى إلى المعاهدين من المشركين، لأنّ المقصود إبلاغ ذلك الفسخ إليهم وإيصالُه ليكونوا على بصيرة فلا يكون ذلك الفسخ غدراً.

والخطاب في قوله: ﴿ عاهدتم ﴾ للمؤمنين.

فهذه البراءة مأمورون بإنفاذها.

واعلم أنّ العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين كان قد انعقد على صور مختلفة، فكان بينه وبين أهل مكة ومن ظاهرهم عَهد الحديبية: أن لا يُصَدّ أحد عن البيت إذا جاء، وأن لا يُخاف أحد في الشهر الحرام، وقد كان معظم قبائل العرب داخلاً في عقد قريش الواقع في الحديبية؛ لأنّ قريشاً كانوا يومئذٍ زعماء جميع العرب، ولذلك كان من شروط الصلح يومئذ: أنّ من أحبّ أن يدخل في عهد محمد دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، وكان من شروط الصلح وضع الحرب عن الناس سنين يأمَن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، فالذين عاهدوا المسلمين من المشركين معروفون عند الناس يوم نزول الآية.

وهذا العهد، وإن كان لفائدة المسلمين على المشركين، فقد كان عَديلُهُ لازماً لفائِدة المشركين على المسلمين، حين صار البيت بيد المسلمين بعد فتح مكّة، فزال ما زال منه بعد فتح مكّة وإسلام قريش وبعض أحْلافهم.

وكان بين المسلمين وبعض قبائِل المشركين عهود؛ كما أشارت إليه سورة النساء (90) في قوله تعالى: ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ الآية، وكما أشارت إليه هذه السورة (4) في قوله تعالى: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ﴾ الآية.

وبعض هذه العهود كان لغير أجل معيّن، وبعضها كان لأجل قد انقضى، وبعضها لم ينقض أجله.

فقد كان صلح الحديبية مؤجّلاً إلى عَشر سنين في بعض الأقوال وقيل: إلى أربع سنين، وقيل: إلى سنتين.

وقد كان عهد الحديبية في ذي القعدة سنة ستّ، فيكون قد انقضت مدّته على بعض الأقوال، ولم تنقض على بعضها، حين نزول هذه الآية.

وكانوا يحسبون أنّه على حكم الاستمرار، وكان بعض تلك العهود مؤجلاً إلى أجل لم يتمّ، ولكن المشركين خفروا بالعهد في ممالاة بعض المشركين غير العاهدين، وفي إلحاق الأذى بالمسلمين، فقد ذُكر أنّه لمّا وقعت غزوة تبوك أرجف المنافقون أنّ المسلمين غُلبوا فنقض كثير من المشركين العهد، وممّن نقض العهد بعضُ خزاعة، وبنُو مُدلِج، وبنو خزيمة أو جَذِيمة، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحدا ﴾ [التوبة: 4] فأعلن الله لهؤلاء هذه البراءة ليأخذوا حِذرهم، وفي ذلك تضييق عليهم إن داموا على الشرك، لأنّ الأرض صارت لأهل الإسلام كما دلّ عليه قوله تعالى بعدُ: ﴿ فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ [التوبة: 3].

وإنّما جعلت البراءة شأنا من شؤون الله ورسوله، وأسند العهد إلى ضمير المسلمين: للإشارة إلى أنّ العهود التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم لازمة للمسلمين وهي بمنزلة ما عقدوه بأنفسهم، لأنّ عهود النبي عليه الصلاة والسلام إنّما كانت لمصلحة المسلمين، في وقت عدم استجماع قوتهم، وأزمانَ كانت بقية قوةٍ للمشركين، وإلاّ فإنّ أهل الشرك ما كانوا يستحقّون من الله ورسوله توسعة ولا عهداً لأنّ مصلحة الدين تكون أقْوَمُ إذا شّدد المسلمون على أعدائه، فالآن لمّا كانت مصلحة الدين متمحّضة في نبذ العهد الذي عاهده المسلمون المشركين أذن اللَّهُ رسوله صلى الله عليه وسلم بالبراءة من ذلك العهد، فلا تبعة على المسلمين في نبذه، وإن كان العهد قد عقده النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا أنّ ذلك توسعة على المسلمين، على نحو ما جزى من المحاورة بين عمر بن الخطاب وبين النبي صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية، وعلى نحو ما قال الله تعالى في ثبات الواحد من المسلمين لاثنين من المشركين، على أنّ في الكلام احتباكاً، لما هو معروف من أنّ المسلمين لا يعملون عملاً إلاّ عن أمر من الله ورسوله، فصار الكلام في قوَّة براءة من الله ورسوله ومنكم، إلى الذين عاهد الله ورسولُه وعاهدتم.

فالقبائل التي كان لها عهد مع المسلمين حين نزول هذه السورة قد جمعها كلّها الموصول في قوله: ﴿ إلى الذين عاهدتم من المشركين ﴾ .

فالتعريف بالموصولية هنا، لأنّها أخصر طريق للتعبير عن المقصود، مع الإشارة إلى أنّ هذه البراءة براءة من العهد، ثم بيّن بعضها بقوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ﴾ [التوبة: 4] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ التَّوْبَةِ مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ بَراءَةٍ تُسَمّى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  (الفاضِحَةَ) لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ.

وَحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّها كانَتْ تُسَمّى في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  (المُبَعْثِرَةَ) لِما كَشَفَتْهُ مِن أسْرارِ النّاسِ، وهي مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.

قالَ مُقاتِلٌ وحْدَهُ: إلّا آيَتَيْنِ مِن آخِرِها ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ نَزَلَتا بِمَكَّةَ.

﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ في تَرْكِ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها والأنْفالَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ في المَقْصُودِ لِأنَّ الأُولى في ذِكْرِ العُهُودِ، والثّانِيَةَ في رَفْعِ العُهُودِ، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَتا تُدْعَيانِ القَرِينَتَيْنِ، ولِذَلِكَ وُضِعَتا في السَّبْعِ الطُّوَلِ.

وَحَكاهُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ.

الثّانِي: أنَّ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ أمانٌ، وبَراءَةُ نَزَلَتْ بِرَفْعِ الأمانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ فَأنْفَذَها رَسُولُ اللَّهِ  مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَقْرَأها في المَوْسِمِ بَعْدَ تَوَجُّهِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى الحَجِّ، وكانَ أبُو بَكْرٍ صاحِبَ المَوْسِمِ، وقالَ النَّبِيُّ  : « (لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي).» حَكى ذَلِكَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ الَّذِي أنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ  مِن سُورَةِ التَّوْبَةِ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها.

حَكى مُقاتِلٌ أنَّها تِسْعُ آياتٍ تُقْرَأُ في المَوْسِمِ، فَقَرَأها عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في يَوْمِ النَّحْرِ عَلى جَمْرَةِ العَقَبَةِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها انْقِطاعُ العِصْمَةِ مِنهُما.

والثّانِي: أنَّها انْقِضاءُ عَهْدِهِما.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ وهَذا أمانٌ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: انْصَرِفُوا فِيها إلى مَعايِشِكم.

والثّانِي: سافِرُوا فِيها حَيْثُ أرَدْتُمْ.

وَفي السِّياحَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها السَّيْرُ عَلى مَهْلٍ.

والثّانِي: أنَّها البُعْدُ عَلى وجَلٍ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن جُعِلَ لَهُ أمانُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها أجَلًا لِمَن كانَ رَسُولُ اللَّهِ  قَدْ أمَّنَهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ولِمَن كانَ أجَلُ أمانِهِ غَيْرَ مَحْدُودٍ ثُمَّ هو بَعْدَ الأرْبَعَةِ حَرْبٌ، فَأمّا مَن لا أمانَ لَهُ فَهو حَرْبٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهُرِ أمانُ أصْحابِ العَهْدِ، مَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِنها حُطَّ إلَيْها، ومَن كانَ عَهْدُهُ أقَلَّ مِنها رُفِعَ إلَيْها، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ جُعِلَ لَهُ أمانُ خَمْسِينَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى سَلْخِ المُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهُرِ عَهْدُ المُشْرِكِينَ كافَّةً، المُعاهَدُ مِنهم وغَيْرُ المُعاهَدِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهُرِ عَهْدٌ وأمانٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ  عَهْدٌ ولا أمانٌ، أمّا أصْحابُ العُهُودِ فَهم عَلى عُهُودِهِمْ إلى انْقِضاءِ مُدَدِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

واخْتَلَفُوا في أوَّلِ مَدى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أوَّلَها يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ وهو يَوْمُ النَّحْرِ، وآخِرُها انْقِضاءُ العاشِرِ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ أوَّلَها يَوْمُ العِشْرِينَ مِن ذِي القِعْدَةِ، وآخِرُها يَوْمُ العِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في العَشْرِ مِن ذِي الحِجَّةِ وفِيها حِجَّةُ الوَداعِ، لِأجْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ النَّسِيءِ، فَأقَرَّهُ النَّبِيُّ  فِيهِ حَتّى نَزَلَ تَحْرِيمُ النَّسِيءِ وقالَ: « (إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ).» ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ أيْ لا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا ولا تَفُوتُونَهُ طَلَبًا.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالسَّيْفِ لِمَن حارَبَ والجِزْيَةِ لِمَنِ اسْتَأْمَنَ.

والثّانِي: في الآخِرَةِ بِالنّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ﴾ إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد وغيرهم، أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج، ثم قال: «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر رضي الله عنه وعلياً رضي الله عنه فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها وبالموسم كله، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات، عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الأوّل، ثم عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا» .

وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: «لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، ورجع أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟

قال: لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله عنه، ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، فدعا علياً فأعطاه إياه» .

وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى أهل مكة، ثم بعث علياً رضي الله عنه على أثره فأخذها منه، فكأن أبا بكر رضي الله عنه وجد في نفسه؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر أنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه بأربع: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده، وإن الله ورسوله بريء من المشركين» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه بأربع.

لا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده، وأن الله ورسوله بريء من المشركين.

وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أمره أو أجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك» .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه أمره أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر فقال أبو هريرة: ثم اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه، أمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر رضي الله عنه على الموسم كما هو، أو قال: على هيئته.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر رضي الله عنه على الحج، ثم أرسل علياً رضي الله عنه ببراءة على أثره، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم المقبل، ثم خرج فتوفي، فولي أبو بكر رضي الله عنه فاستعمل عمر رضي الله عنه على الحج، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه من قابل ثم مات، ثم ولي عمر رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم كان يحج بعد ذلك هو حتى مات، ثم ولي عثمان رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم كان يحج حتى قتل» .

وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه يؤدي عنه براءة، فلما أرسله بعث إلى علي رضي الله عنه فقال: يا علي إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت، فحمله على ناقته العضباء فسار حتى لحق بأبي بكر رضي الله عنه فأخذ منه براءة، فأتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزل فيه شيء، فلما أتاه قال: ما لي يا رسول الله؟!

قال: «خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض، غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى الموسم، فأتى جبريل عليه السلام فقال: إنه لن يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك، فبعث علياً رضي الله عنه على أثره حتى لحقه بين مكة والمدينة، فأخذها فقرأها على الناس في الموسم.

وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذن بمنى: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن معنا علي رضي الله عنه في أهل منى يوم النحر ببراءة: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً رضي الله عنه وأمره أن ينادي بها، فانطلقا فحجا فقام علي رضي الله عنه في أيام التشريق فنادى ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ ولا يَحُجَّنَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن.

فكان علي رضي الله عنه ينادي بها» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن المنذر والنحاس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن زيد بن تبيع رضي الله عنه قال: سألنا علياً رضي الله عنه بأي شيء بعثت مع أبي بكر رضي الله عنه في الحج؟

قال: بعثت بأربع.

لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.

وأخرج إسحاق بن راهويه والدارمي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر رضي الله عنه أن النبي بعث أبا بكر على الحج، ثم أرسل علياً رضي الله عنه ببراءة.

فقرأها على الناس في موقف الحج حتى ختمها.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الناس سنة تسع وكتب له سنن الحج، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بآيات من براءة فأمره أن يؤذن بمكة وبمنى وعرفة وبالمشاعر كلها: بأنه برئت ذمة رسوله من كل مشرك حج بعد العام، أو طاف بالبيت عريان، وأجل من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد أربعة أشهر، وسار علي رضي الله عنه على راحلته في الناس كلهم يقرأ عليهم القرآن ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقرأ عليهم ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [ الأعراف: 31] الآية» .

وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ببراءة، فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا غلام حديث السن، واسأل عن القضاء ولا أدري ما أجيب؟

قال: ما بد من أن تذهب بها أو أذهب بها.

قلت: إن كان لا بد فأنا أذهب.

قال: انطلق فأن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك، ثم قال: انطلق فاقرأها على الناس» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ براءة من الله ورسوله...

﴾ الآية.

قال: حدَّ الله للذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاؤوا، وحد أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ الحرم خمسين ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإِسلام ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق، وإن ذهب الشرط الأوّل ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ [ التوبة: 4] يعني أهل مكة.

وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقوم عهود فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤجلهم أربعة أشهر يسيحون فيها ولا عهد لهم بعد ما وأبطل ما بعدها، وكان قوم لا عهود لهم فأجلهم خمسين يوماً، عشرين من ذي الحجة والمحرم كله، فذلك قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] قال: ولم يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحداً.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ قال: برئ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهودهم كما ذكر الله عزَّ وجلَّ.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس عن الزهري رضي الله عنه ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ قال: نزلت في شوّال فهي الأربعة أشهر شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله -عز وجل-: ﴿ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الآية، ومعى البراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي: انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة، ومن هذا يقال: برئت من الدين، وليس فيها إلا لغة واحدة، كسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل، ويقال: بريء إلى فلان من كذا، أي: أخبره أنه (١) ومعنى ﴿ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: براءة الله، فلما نون أدخل "من" كما تقول: هذا فضل الله، ورحمة الله، ثم ينون فتدخل "من"، فتقول: فضل من الله ورحمة منه.

قال المفسرون: "أخذت العرب تنقض عهودًا بينهم (٢)  فأمره الله تعالى أن ينقض عهودهم وأن ينبذ ذلك إليهم ففعل ما أمر به" (٣) قال أبو إسحاق: "أي قد بريء الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذ نكثوا" (٤) والخطاب في ﴿ عَاهَدْتُمْ ﴾ لأصحاب رسول الله -  -[والمتولي للعقد رسول الله -  -] (٥) (٦) و ﴿ بَرَاءَةٌ ﴾ ترتفع على وجهين: أحدهما: على خبر الابتداء، على معنى: هذه الآيات براءة من الله، وعلى الابتداء (٧) ﴿ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ ﴾ ؛ لأن براءة موصولة بـ"من" و ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ صفة لها، والوجهان ذكرهما الزجاج (٨) (٩) (١) في (ى): (أني).

(٢) في (م): (بينها).

(٣) انظر نحو هذا القول في: "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 420، و"تفسير الثعلبي" 6/ 76 أ، و"زاد المسير" 3/ 390.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 428 بمعناه.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى).

(٦) يعني رسول الله  وفي (ح): (عاهدتم، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "تفسير ابن جرير" 10/ 58 - 59.

(٧) هذا هو الوجه الثاني للرفع.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 428.

(٩) "معاني القرآن" 1/ 420.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

وتسمى سورة التوبة، وتسمى أيضاً الفاضحة: لأنها كشفت أسرار المنافقين، واتفقت المصاحف والقراء على إسقاط البسملة من أولها، واحتلف في سبب ذلك، فقال عثمان بن عفان: اشتبهت معانيها بمعاني الأنفال، وكانت تدعى القرينتين في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك قرنت بينهما فوضعتهما في السبع الطوال.

وكان الصحابة قد ا ختلفوا هل هما سورتان أو سورة واحدة؟

فتركت البسملة بينهما لذلك وقال علي بن أبي طالب: البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف، فلذلك لم تبدأ بالأمان ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ المراد بالبراءة التبرؤ من المشركين، وارتفاع براءة على أنه خبر ابتداء أو مبتدأ ﴿ إِلَى الذين عاهدتم مِّنَ المشركين ﴾ تقدير الكلام: براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فمن وإلى يتعلقان بمحذوف لا ببراءة، وإنما أسند العهد إلى المسلمين في قوله عاهدتم من المشركين، فمن وإلى يتعلقان بمحذوف لا ببراءة، وإنما أسند العهد إلى المسلمين في قوله عاهدتم، لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لازم للمسلمين، فكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهد المشركين إلى آجالٍ محدودة، فمنهم من وفى فأمر الله أن يتم عهده إلى مدته، ومنهم من نقض، أو قارب النقض فجعل له أجل أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: ذلك في قوم كان بينهم وبين رسول الله عهد على غير مدة مبينة، فأمر بنقض العهد المرسل وجعله في أربعة الأشهر التي ذكر في قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

وقال بعضهم: هي في قوم كان لهم عهد دون أربعة أشهر، فأمر بإتمام أربعة أشهر؛ [و] دليله قوله: ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .

وقال أبو بكر الكيساني: الآية في قوم كانت عادتهم نقض العهد ونكثه؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ  ﴾ فأمر [أن يعطي العهد أربعة أشهر التي ذكر في الآية ثم الحرب بعد ذلك.

وقال بعضهم: لما نزل قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بعث رسول الله] عليّاً إلى الموسم ليقرأه على الناس، فقرأ عليهم: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ من العهد غير أربعة أشهر ﴿ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

على ما ذكرنا حمل هؤلاء كلهم قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ على النقض.

وعندنا يحتمل غير هذا، وهو أن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في إمضاء العهد ووفائه، والبراءة هي الوفاء، وإتمامه ليس على النقض؛ [لأنه قال: إلى الذين عاهدتم من المشركين والبراءة إليهم هي الأمان والعهد إليهم، ولو كان على النقض لقال: "من الذين عاهدتم من المشركين" فدل أنه هو إتمام إعطاء العهد إليهم] وإمضاؤه إليهم، [ويؤيد هذا] ما قال بعض أهل الأدب: إن البراءة هي الأمان؛ يقال: كتبت له براءة، أي: أماناً؛ هذا الذي ذكرنا أشبه مما قالوا، أعني: أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

أي: سيروا واذهبوا في الأرض ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ أي: في مدة العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ .

أي: اعلموا أن المؤمنين وإن أعطوا لكم العهد في وقت فإنكم غير معجزي الله وأولياءه، ولا فائتين عنكم في تلك المدة.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ ﴾ الخزي: هو العذاب الفاضح الذي يفضحهم ويظهر عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك العذاب والإخزاء الذي ذكر في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .

قال القتبي: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: إعلام، ومنه أذان الصلاة، وهو الإعلام؛ يقال: آذنتهم إيذاناً.

وكذلك قال أبو عوسجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ يكون في قوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ دلالة ما قال أهل التأويل من النقض؛ لأن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يكون فيه انقضاء العهد وإتمامه إلى المدة التي ذكر، ويكون ما روي في الخبر [وذكر] في القصة "أن نبي الله  لما نزل ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ بعث أبا بكر على حج الناس، يقيم للمؤمنين حجهم، وبعث معه بـ ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ السورة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي، فقال للنبي  : بأبي أنت وأمي، نزل في شيء؟

قال: لا، ولكن لا يبلغ غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنت صاحبي في الغار، وأنت أخي في الإسلام، وأنت ترد على الحوض يوم القيامة؟!

قال: بلى يا رسول الله" .

فمضى أبو بكر على الناس، ومضى علي بن أبي طالب بالبراءة، فقام على بالموسم، فقرأ على الناس: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ : من العهد، غير أربعة أشهر؛ فإنهم يسيحون فيها.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: هو يوم النحر؛ لأن فيه ذكر طواف البيت وحج البيت.

وقال بعضهم: هو يوم عرفة؛ لأنه هو الذي يوقف فيه بعرفة، وبه يتم الحج على ما روي في الخبر: [ "الحج عرفة، ومن أدرك عرفة بليل وصلي معنا بجمع، فقد تم حجه وقضى تفثه، بإدراكه يتم الحج] وبفوته يفوت" وعن الحسن أنه سئل فقيل [له]: ما الحج الأكبر؟

فقال: سنة حج المسلمون والمشركون جميعاً، اجتمعوا بمكة، وفي ذلك اليوم كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، لم يكن قبله ولا بعده، فسماه الله الحج الأكبر.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يسمي الله عيد النصارى واليهود يوم الحج الأكبر، وهو يوم نزول السخط عليهم واللعنة، ولكن جائز أن يسمى بذلك؛ لاجتماع الخلائق فيه من كل نوع؛ على ما سمي يوم الحشر يوماً [عظيما]؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

أي: إن تبتم عما كنتم عليه فهو خير لكم؛ لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان في قلوبهم، ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين؛ على ما روي في الخبر أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ : عما ذكرنا، ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير فائتين من نقمة الله وعذابه.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ عن نقض العهد فهو خير لكم [في الدنيا]، والأول: فإن تبتم وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة.

وروي في بعض الأخبار عن علي -  - "أنه سئل: بأي شيء بعثت؟

قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي -  - عهد فعهده أربعة أشهر، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم مشرك بعد هذا" .

وفي بعض الأخبار: ولا يحج المشرك بعد عامه هذا، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد؛ لأنه قال في ملأ من الناس بالموسم: لا يحج مشرك بعد هذا، مع كثرة أولئك وقوتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم، ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أحد أن يدخل مكة للحج وغيره، دل أن ذلك أن كله كان بالله -  - لا بهم.

ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ببراءة، ثم أتبعه عليّاً، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي  فقال: هل نزل في شيء؟

قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني" - على أن عليّاً هو المستحق للخلافة، وهو الأحق بها دون أبي بكر؛ حيث قال: "لا يبلغ عني غيري أو رجل مني".

لكن يحتمل أنه وَلَّى ذلك عليّاً؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهداً أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم، فولى ذلك عليّاً؛ لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه فيقولون: لم ينقض علينا العهد.

أو أن يقال: ولى عليّاً أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك، فكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات، وعلي أمر الحروب، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات.

أو أن يقال: إن أبا بكر كان أمير الموسم، وعليّاً كان مناديه، فالأمير في شاهدنا أجل قدراً وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليّاً ذلك؛ لما أن ذلك كان أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ "قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .

أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين، ولا ظاهروا عليهم أحداً، وأما الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكثه فإنه لا يتم لهم، ولكن ينقض، وكذلك تأولوا قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : النقض.

ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، ويكون العذاب الأليم هو القتل والأسر؛ كأنه يقول: وبشر الذين كفروا بالقتل والأسر ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ أي: لم يخونوكم شيئاً ما داموا في العهد، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعاونوا ولا أطلعوا أحداً من المشركين عليكم، ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ  ﴾ أمر بالنبذ إليهم عند خوف الخيانة، وأمر بالإتمام إذا لم يخونوا ولم يظاهروا عليهم أحداً.

ودل قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير معجزي أولياء الله في عذاب الدنيا؛ لأنهم جميعاً سواء في عذاب الآخرة، مشتركون فيه.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مدة القوم أربعة أشهر بعد يوم النحر لعشر مضين من ربيع الآخر لمن كان له عهد، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، خمسون ليلة.

وقال بعضهم: إلا الذين عاهدتم من المشركين بالحديبية فلم يبرأ الله ورسوله من عهدهم من الأشهر الأربع [ثم لم ينقصوكم في الأشهر الأربع]، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعينوا على قتالكم أحداً من المشركين، أي: [إن] لم يفعلوا ذلك ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ وهو الأربعة الأشهر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي والشرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ ﴾ قال بعضهم: الأشهر الحرم وهي أشهر العهد والأمان، فإذا انسلخ تلك الأشهر ومضت، ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

وقال بعضهم: الأشهر الحرم هي الأشهر التي خلقها الله وجعلها حراماً؛ كقوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: حيث وجدتموهم وخذوهم في الأماكن كلها؛ لأن "حيث" إنما يترجم عن مكان، [و]أمر بقتلهم في الأماكن كلها؛ لأنه لم يخص مكاناً دون مكان.

وقال آخرون: هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم، دليله ما ذكر في السورة التي ذكر فيها البقرة، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم  ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام.

وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم، فإذا دخلوا الحرم وقد نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك، على ما روي أن عليّاً نادى بالموسم: ألا لا يحجن بعد العام مشرك - فإذا دخلوا يقتلون، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلتهم إيانا، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ قيل: ائْسِروهم.

وقوله: ﴿ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ قيل: احبسوهم، ﴿ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ ، والمرصد: الطريق؛ كأنه أمر بقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ بقتلهم إذا قدروا عليهم، وأمكن لهم ذلك، والأسر عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن، وحفظ المراصد عند غير الإمكان؛ لئلا يغروا، ويقال: أرصدت له، أي: انتظرت أن أجد فرصتي، ويقال: ترصدته، أي: انتظرته.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ أي: كل طريق يرصدونكم؛ كأنه أمر بذلك؛ ليضيق عليهم الأمر؛ ليضجروا وينقادوا.

وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد؛ ليضيق عليهم الأمر ويشتد، فينقادوا، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم.

وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ أي: أقيموا عليهم الحجج والبراهين؛ ليضطروا إلى قبول ذلك، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ : [قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين، فقال: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ وقال: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ] فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة؛ لأن الله -  - إنما رفع القتل عنهم بالإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم، وكذلك فعل أبو بكر الصديق لما ارتدت العرب ومنعتهم الزكاة حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه.

روي عن أنس قال: "لما توفي رسول الله  ارتدت العرب كافة، فقال عمر: يا أبا بكر، أتريد أن تقاتل العرب كافة؟!

فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله  : إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، منعوني دماءهم وأموالهم والله لو منعوني عناقاً مما كانوا يعطون رسول الله  قاتلتهم عليه.

قال عمر: فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه الحق" .

وفي بعض الأخبار قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونصلي، ولكن لا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر، فقالوا: دعهم؛ فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدَّوْا، فقال: والله، لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله  قاتلتهم عليه، قيل: أو قاتل رسول الله على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال الله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ، والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن، فقالوا: إنا نزكي، ولكن لا ندفعها [إليك]، فقال: والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله  وأضعها مواضعها.

وقال آخرون: قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ في قبولهم والاعتقاد بهما دون فعلهما، لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلى أن يحول الحول فيؤخذون بأداء الزكاة - دل على أنه على القبول والإقرار بذلك، واستدلوا بما روي في بعض الأخبار عن رسول الله  قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله [فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وقالوا في بعض الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إ لا الله]، وإني رسول الله، فإذا قالوا ذلك: عصموا مني ..." كذا، وفي بعضها: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني..." كذا دل ما ذكرنا من الزيادات والنقصان [أن ذلك] في قوم مختلفين، وأنه على القبول لذلك والاعتقاد، لا على الفعل نفسه، فمن كان لا يقرأ بشيء من ذلك، فإذا قال: لا إله إلا الله، كان ذلك منه إيماناً في الظاهر، ومن كان يقول: لا إله إلا الله، ولا يقول: محمد رسول الله، فإذا قال ذلك كان ذلك منه إيماناً، ومن كان يقر بهذين ولا يقر بالصلاة والزكاة، فإذا أقر بذلك كان ذلك منه إيماناً، فهو على الإقرار به والاعتقاد، لا على الفعل، ألا ترى أن للأئمة أن يأخذوا منهم الزكاة شاءوا أو أبو؟!

فلو كان الأداء من شرط الإيمان لكانوا غير مؤمنين بأخذ هؤلاء.

واختلف الصحابة والروايات في الحج الأكبر: روي عن عبد الله بن الزبير [عن أبيه] قال: قال النبي -  - يوم عرفة: "هل تدرون أي يوم هذا؟

قالوا: نعم، اليوم الحرام، يوم الحج الأكبر، قال: فإن الله قد حرم دماءكم وأموالكم عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا" وعن عمر -  - أنه سئل عن الحج الأكبر، فقال: يوم عرفة.

وعنه: أنه وقف عليهم يوم عرفة فقال: إن هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد.

وعن ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر.

وفي بعض الأخبار عنه  أنه خطب على ناقة حمراء يوم النحر، فقال رسول الله: "أتدرون أي يوم هذا؟

هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر" وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: رأيت أو قال: "سمعت - رسول الله   يقول يوم النحر عند المحراب في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟، قالوا: هذا يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟

قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟، قالوا: شهر حرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت " وعن الحارث [قال]: سألت عليّاً عن الحج الأكبر، فقال: يوم النحر.

وعن المغيرة بن شعبة: أنه خطب يوم العيد، فقال: "هذا يوم النحر، ويوم الأضحى، ويوم الحج الأكبر".

وعن ابن عباس -  - قال: "الحج الأكبر: يوم النحر".

وفيه قول ثالث: ما روي أنه كان في كتاب رسول الله الذي كتبه لعمرو بن حزم: "والحج الأصغر العمرة".

وعن ابن عباس: العمرة: هي الحجة الصغرى.

وسئل عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر، فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والأصغر العمرة.

فأما حديث عمرو بن حزم: فهو حكاية عن كتاب، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر، إنما يذكر فيه الحج الأصغر، ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال: يوم عرفة [هو] يوم الحج الأكبر؛ لأنه يقضى فيه فرض الحج وهو الوقوف، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، وجاز أن يقال: هو يوم النحر؛ لأنه فيه يقضى طواف الزيارة، وهو فرض ويقضى فيه أكبر مناسك الحج؛ بل يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضاً من فرائض الحج، وهو الوقوف، ويقضي في يوم النحر فرضاً آخر من فرائضه، وهو طواف الزيارة، ويقضي مع ذلك [أكثر] مناسك الحج، فقد استوى هذان اليومان في أنه يُقْضَى في كل واحد منهما فرض من فرائض الحج، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج، ولا يفعل في يوم عرفة شيئاً من النسك إلا الوقوف بعرفة.

واحتج بعض الناس بفرضية العمرة بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو العمرة، والأكبر هو الحج، بما سميت العمرة حجّاً، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.

وعن علي وأبي هريرة وابن أبي أوفى -  م - أنهم قالوا: الحجة الكبرى: يوم النحر.

وعن عمر وابن عباس أنهما قالا: يوم عرفة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذه براءة من الله، ومن رسوله، وإعلان بنهاية العهود التي عاهدتم -أيها المسلمون- عليها المشركين في جزيرة العرب.

<div class="verse-tafsir" id="91.oM9Ya"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله