الآية ٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٢ من سورة التوبة

فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 158 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلف المفسرون هاهنا اختلافا كثيرا ، فقال قائلون : هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة ، أو من له عهد دون أربعة أشهر ، فيكمل له أربعة أشهر ، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته ، مهما كان ؛ لقوله تعالى : ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ) [ التوبة : 4 ] ولما سيأتي في الحديث : ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فعهده إلى مدته .

وهذا أحسن الأقوال وأقواها ، وقد اختاره ابن جرير - رحمه الله - وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي ، وغير واحد .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) قال : حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيثما شاءوا ، وأجل أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم ، [ من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم ، فذلك خمسون ليلة ، فإذا انسلخ الأشهر الحرم ] أمره بأن يضع السيف فيمن لا عهد له .

وكذا رواه العوفي ، عن ابن عباس .

وقال [ الضحاك ] بعد قوله : فذلك خمسون ليلة : فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد ، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام .

وأمر ممن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر ، أن يضع فيهم السيف حتى يدخلوا في الإسلام .

وقال أبو معشر المدني : حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع ، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من " براءة " فقرأها على الناس ، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض ، فقرأها عليهم يوم عرفة ، أجل المشركين عشرين من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وشهر ربيع الأول ، وعشرا من ربيع الآخر ، وقرأها عليهم في منازلهم ، وقال : لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( براءة من الله ورسوله ) إلى أهل العهد : خزاعة ، ومدلج ، ومن كان له عهد أو غيرهم .

أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك حين فرغ ، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج ، ثم قال : إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك .

فأرسل أبا بكر وعليا - رضي الله عنهما - فطافا بالناس في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها بالمواسم كلها ، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر ، فهي الأشهر المتواليات : عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر ، ثم لا عهد لهم ، وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا .

وهكذا روي عن السدي : وقتادة .

وقال الزهري : كان ابتداء التأجيل من شوال وآخره سلخ المحرم .

وهذا القول غريب ، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها ، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر ، حين نادى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، ولهذا قال تعالى :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وأما قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، فإنه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين, آمنين غير خائفين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه.

* * * يقال منه: " ساح فلان في الأرض يسيح، سياحة.

وسُيُوحًا.

وسَيَحانًا.

* * * وأما قوله: (واعلموا أنكم غير معجزي الله)، فإنه يقول لأهل العهد من الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ قبل نـزول هذه الآية: اعلموا، أيها المشركون، أنكم إن سحتم في الأرض، واخترتم ذلك مع كفركم بالله.

على الإقرار بتوحيد وتصديق رسوله =(غير معجزي الله)، يقول: غير مُفِيتيه بأنفسكم، لأنكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض، ففي قبضته وسلطانه, لا يمنعكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذاب معقلٌ ولا موئل.

(19) إلا الإيمان به وبرسوله.

والتوبة من معصيته.

يقول: فبادروا عقوبته بتوبة, ودعوا السياحة التي لا تنفعكم.

وأما قوله: (وأن الله مخزي الكافرين)، يقول: واعلموا أن الله مُذلُّ الكافرين, ومُورثهم العارَ في الدنيا، والنارَ في الآخرة.

(20) ----------------------- الهوامش : (19) انظر تفسير " الإعجاز" فيما سلف 12: 128 / 13: 31 .

(20) انظر تفسير " الخزي " فيما سلف 10 : 318 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : فسيحوا رجع من الخبر إلى الخطاب ، أي قل لهم : سيحوا ، أي سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين ، آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين ؛ بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر .

يقال ساح فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا ، ومنه السيح في الماء الجاري المنبسط ، ومنه قول طرفة بن العبد :لو خفت هذا منك ما نلتني حتى ترى خيلا أمامي تسيحالثانية : واختلف العلماء في كيفية هذا التأجيل ، وفي هؤلاء الذين برئ الله منهم ورسوله .

فقال محمد بن إسحاق وغيره : هما صنفان من المشركين : أحدهما كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر ؛ فأمهل تمام أربعة أشهر ، والآخر كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به [ ص: 6 ] على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه .

ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين ، يقتل حيث ما أدرك ، ويؤسر إلا أن يتوب .

وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر ، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر .

فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم ، وذلك خمسون يوما : عشرون من ذي الحجة ، والمحرم .

وقال الكلبي : إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر ، ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله : فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وهذا اختيار الطبري وغيره .

وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما : أن هذه الآية نزلت في أهل مكة .

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشا عام الحديبية ، على أن يضعوا الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض ، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل بنو بكر في عهد قريش ، فعدت بنو بكر على خزاعة ونقضوا عهدهم .

وكان سبب ذلك دما كان لبني بكر عند خزاعة قبل الإسلام بمدة ، فلما كانت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية ، أمن الناس بعضهم بعضا ، فاغتنم بنو الديل من بني بكر - وهم الذين كان الدم لهم - تلك الفرصة وغفلة خزاعة ، وأرادوا إدراك ثأر بني الأسود بن رزن ، الذين قتلهم خزاعة ، فخرج نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة ، حتى بيتوا خزاعة واقتتلوا ، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح ، وقوم من قريش أعانوهم بأنفسهم ؛ فانهزمت خزاعة إلى الحرم على ما هو مشهور مسطور ؛ فكان ذلك نقضا للصلح الواقع يوم الحديبية ؛ فخرج عمرو بن سالم الخزاعي ، وبديل بن ورقاء الخزاعي ، وقوم من خزاعة ، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين فيما أصابهم به بنو بكر وقريش ، وأنشد عمرو بن سالم فقال :يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلداكنت لنا أبا وكنا ولدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدافانصر هداك الله نصرا عتدا وادع عباد الله يأتوا مددافيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل الشمس ينمو صعداإن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبداإن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكداوزعموا أن لست تدعو أحدا وهم أذل وأقل عدداهم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا[ ص: 7 ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نصرت إن لم أنصر بني كعب .

ثم نظر إلى سحابة فقال : إنها لتستهل لنصر بني كعب ، يعني خزاعة .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء ومن معه : إن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في الصلح ، وسينصرف بغير حاجة .

فندمت قريش على ما فعلت ، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ؛ ليستديم العقد ويزيد في الصلح ، فرجع بغير حاجة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما هو معروف من خبره .

وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها الله ، وذلك في سنة ثمان من الهجرة .

فلما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري ، على ما هو معروف مشهور من غزاة حنين .

وسيأتي بعضها .

وكان الظفر والنصر للمسلمين على الكافرين .

وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوال من السنة الثامنة من الهجرة .

وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم من الأموال والنساء ، فلم يقسمها حتى أتى الطائف ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة .

وقيل غير ذلك .

ونصب عليهم المنجنيق ورماهم به ، على ما هو معروف من تلك الغزاة .

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة ، وقسم غنائم حنين ، على ما هو مشهور من أمرها وخبرها .

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا ، وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة .

وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام .

وحج المشركون على مشاعرهم .

وكان عتاب بن أسيد خيرا فاضلا ورعا .

وقدم كعب بن زهير بن أبي سلمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتدحه ، وأقام على رأسه بقصيدته التي أولها : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول وأنشدها إلى آخرها ، وذكر فيها المهاجرين فأثنى عليهم - وكان قبل ذلك قد حفظ له هجاء في النبي صلى الله عليه وسلم - فعاب عليه الأنصار إذ لم يذكرهم ، فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة يمتدح فيها الأنصار فقال :من سره كرم الحياة فلا يزلفي مقنب من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابرإن الخيار هم بنو الأخيار المكرهين السمهري بأذرعكسوافل الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرةكالجمر غير كليلة الأبصار والبائعين نفوسهم لنبيهمللموت يوم تعانق وكرار يتطهرون يرونه نسكا لهمبدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت ببطن خفيةغلب الرقاب من الأسود ضوار وإذا حللت ليمنعوك إليهمأصبحت عند معاقل الأغفار [ ص: 8 ] ضربوا عليا يوم بدر ضربةدانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الأقوام علمي كلهفيهم لصدقني الذين أماري قوم إذا خوت النجوم فإنهمللطارقين النازلين مقاريثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد انصرافه من الطائف ذا الحجة والمحرم وصفرا وربيعا الأول وربيعا الآخر وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ، وخرج في رجب من سنة تسع بالمسلمين إلى غزوة الروم غزوة تبوك .

وهي آخر غزوة غزاها .

قال ابن جريج عن مجاهد : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أراد الحج ثم قال : إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك .

فأرسل أبا بكر أميرا على الحج ، وبعث معه بأربعين آية من صدر ( براءة ) ليقرأها على أهل الموسم .

فلما خرج دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وقال : اخرج بهذه القصة من صدر ( براءة ) فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا .

فخرج علي على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنهما بذي الحليفة .

فقال له أبو بكر لما رآه : أمير أو مأمور ؟

فقال : بل مأمور ثم نهضا ، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية .في كتاب النسائي عن جابر وأن عليا قرأ على الناس ( براءة ) حتى ختمها قبل يوم التروية بيوم .

وفي يوم عرفة وفي يوم النحر عند انقضاء خطبة أبي بكر في الثلاثة أيام .

فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس ، فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون ، يعلمهم مناسكهم .

فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس ( براءة ) حتى ختمها .

وقال سليمان بن موسى : لما خطب أبو بكر بعرفة قال قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام علي ففعل .

قال : ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر ، فجعلت أتتبع الفساطيط يوم النحر .

وروى الترمذي عن زيد بن يثيع قال : سألت عليا بأي شيء بعثت في الحج ؟

قال : بعثت بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا .

قال : هذا حديث حسن صحيح .

وأخرجه النسائي وقال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي .

قال أبو عمر : بعث علي لينبذ إلى كل ذي عهد عهده ، ويعهد إليهم [ ص: 9 ] ألا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

وأقام الحج في ذلك العام سنة تسع أبو بكر .

ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابل حجته التي لم يحج غيرها من المدينة ، فوقعت حجته في ذي الحجة فقال : إن الزمان قد استدار .

.

.

الحديث ، على ما يأتي في آية النسيء بيانه .

وثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة .

وذكر مجاهد : أن أبا بكر حج في ذي القعدة من سنة تسع .

ابن العربي : وكانت الحكمة في إعطاء ( براءة ) لعلي أن ( براءة ) تضمنت نقض العهد الذي كان عقده النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت سيرة العرب ألا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة ، ويرسل ابن عمه الهاشمي من بيته ينقض العهد ، حتى لا يبقى لهم متكلم .

قال معناه الزجاج .الثانية : قال العلماء : وتضمنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين .

ولذلك حالتان : حالة تنقضي المدة بيننا وبينهم فنؤذنهم بالحرب .

والإيذان اختيار .

والثالثة : أن نخاف منهم غدرا ، فننبذ إليهم عهدهم كما سبق .

ابن عباس : والآية منسوخة فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد ثم نبذ العهد لما أمر بالقتال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ هذه براءة من اللّه ومن رسوله إلى جميع المشركين المعاهدين، أنَّ لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض على اختيارهم، آمنين من المؤمنين، وبعد الأربعة الأشهر فلا عهد لهم، ولا ميثاق‏.‏ وهذا لمن كان له عهد مطلق غير مقدر، أو مقدر بأربعة أشهر فأقل، أما من كان له عهد مقدر بزيادة على أربعة أشهر، فإنه يتعين أن يُتَمَّمَ له عهده إذا لم يُخَفْ منه خيانة، ولم يبدأ بنقض العهد‏.‏ ثم أنذر المعاهدين في مدة عهدهم، أنهم وإن كانوا آمنين، فإنهم لن يعجزوا اللّه ولن يفوتوه، وأنه من استمر منهم على شركه فإنه لا بد أن يخزيه، فكان هذا مما يجلبهم إلى الدخول في الإسلام، إلا من عاند وأصر ولم يبال بوعيد اللّه له‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فسيحوا في الأرض ) رجع من الخبر إلى الخطاب ، أي : قل لهم : سيحوا ، أي : سيروا في الأرض ، مقبلين ومدبرين ، آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين .

( أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله ) أي : غير فائتين ولا سابقين ، ( وأن الله مخزي الكافرين ) أي : مذلهم بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة .

واختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال جماعة : هذا تأجيل من الله تعالى للمشركين ، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر : رفعه إلى أربعة أشهر ، ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر : حطه إلى أربعة أشهر ، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود : حده بأربعة أشهر ، ثم هو حرب بعد ذلك لله ورسوله ، فيقتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن يتوب .

وابتداء هذا الأجل : يوم الحج الأكبر ، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر .

فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم ، وذلك خمسون يوما .

وقال الزهري : الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال ، والأول هو الأصوب ، وعليه الأكثرون .

وقال الكلبي : إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان له عهد دون أربعة أشهر ، فأتم له أربعة أشهر ، فأما من كان له عهد أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده بقوله تعالى : " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم " .

قال الحسن : أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله من المشركين ، فقال : " قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " فكان لا يقاتل إلا من قاتله ، ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم ، وأجلهم أربعة أشهر ، فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر ، لا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له عهد ، فكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر ، وأحل دماء جميعهم من أهل العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل .

وقيل : نزلت هذه قبل تبوك .

قال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما : نزلت في أهل مكة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية على : أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل بنو بكر في عهد قريش ، ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها ، وأعانتهم قريش بالسلاح ، فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم ، خرج عمرو بن سالم الخزاعي ، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا فانصر هداك الله نصرا أبدا وادع عباد الله يأتوا مددا أبيض مثل الشمس يسمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا هم بيتونا بالهجير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا كنت لنا أبا وكنا ولدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تنجي أحدا وهم أذل وأقل عددا 4 10 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا نصرت إن لم أنصركم " ، وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة .

فلما كان سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج ، ثم قال : إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة ، فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج ، وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم ، ثم بعث بعده عليا ، كرم الله وجهه ، على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة ، وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة : أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء؟

قال : لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي ، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟

قال : بلى يا رسول الله .

فسار أبو بكر رضي الله عنه أميرا على الحج ، وعلي رضي الله عنه ليؤذن ببراءة ، فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب أبو بكر الناس وحدثهم عن مناسكهم ، وأقام للناس الحج ، والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج ، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، فأذن في الناس بالذي أمر به ، وقرأ عليهم سورة براءة .

وقال زيد بن يثيع سألنا عليا بأي شيء بعثت في تلك الحجة ؟

قال : بعثت بأربع : لا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا .

ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع .

فإن قال قائل : كيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ثم عزله وبعث عليا رضي الله عنه؟

قلنا : ذكر العلماء أن رسول الله لم يعزل أبا بكر رضي الله عنه ، وكان هو الأمير ، وإنما بعث عليا رضي الله عنه لينادي بهذه الآيات ، وكان السبب فيه : أن العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العهود ونقضها ، أن لا يتولى ذلك إلا سيدهم ، أو رجل من رهطه ، فبعث عليا رضي الله عنه إزاحة للعلة ، لئلا يقولوا : هذا خلاف ما نعرفه فينافي نقض العهد .

والدليل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان هو الأمير : ما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إسحاق ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن أخي ابن شهاب ، عن عمه ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى : ألا لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

قال حميد بن عبد الرحمن : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فأمره أن يؤذن ببراءة .

قال أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر : ألا لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فسيحوا» سيروا آمنين أيها المشركون «في الأرض أربعة أشهر» أولها شوال بدليل ما سيأتي ولا أمان لكم بعدها «واعلموا أنكم غيرُ معجزي الله» أي فائتي عذابه «وأنَّ الله مخزي الكافرين» مذلُّهم في الدنيا بالقتل والأخرى بالنار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فسيروا -أيها المشركون- في الأرض مدَّة أربعة أشهر، تذهبون حيث شئتم آمنين من المؤمنين، واعلموا أنكم لن تُفْلِتوا من العقوبة، وأن الله مذل الكافرين ومورثهم العار في الدنيا، والنار في الآخرة.

وهذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمَّل له أربعة أشهر، أو مَن كان له عهد فنقضه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .

.

.

) بيان للمهلة التى منحها - سبحانه - للمشركين ليدبروا فيها أمرهم .والسياحة فى الأصل : جريان الماء وانبساطه على موجب طبيعته ، ثم استعملت فى الضرب فى الأرض والاتساع فى السير والتجوال .

يقال : ساح فلان فى الأرض سيحا وسياحة وسيوحا إذا تنقل بين أرجائها كما يشاء .والخطاب للمؤمنين على تقدير القول .

أى : فقولوا أيها المؤمنون للمشركين سيحوا فى الأرض أربعة أشهر .ويجوز أن يكون الخطاب للمشركين أنفسهم الالتفات من الغيبة إلى الضحور ، لقصد تهيئة خطابهم بالوعيد المذكور بعد ذلك فى قوله - - سبحانه - ( واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ) .والمقصد بالأمر فى قوله : ( فَسِيحُواْ ) الإِباحة والإِعلام بحصول الأمان لهم فىت لك المدة من أن يقتلوا أو يقاتلوا أو يعتدى عليهم .

.

.والمعنى : قولوا أيها المسلمون للمشركين - بعد هذه البراءة منهم ، سيحوا فى الأرض ، أى : سيروا فيها مقبلين ومدبرين حيث شئتم وأنتم آمنون فى هذه المدة .وفى التعبير بقوله ( فَسِيحُواْ ) من الدلالة على كمال التوسعة ، ما ليس فى قوله ( سيروا ) أو ما يشبهه ، لأن لفظ السياحة يدل الا الاتساع فى السير والبعد عن المدن ، وعن موضع العمارة .والحكمة فى إعطائهم هذه المدة تمكينهم من النظر فى أمر أنفسهم حتى يختاروا ما فيه مصلحتهم ، ويعلموا أنهم ليس أمامهم بعد هذه المدة إلا الإِسلام أو السيف ، ولكى لا نسب إلى المسلمين الغدر وبنذ العهد دون إعلام أو إنذار .وهذا من سمو تعاليم الإِسلام .

تلك التعاليم التى لم تبح لأتباعها أن يأخذوا أعدى أعدائكم على غرة ، بل منحت هؤلاء الأعداء مهلة كافية يدبرون فيها أمر أنفسهم وهم آمنون من أن يتعرض لهم أحد من المسلمين بأذى .ومتى كان ذلك؟

كان ذلك فى الوقت الذى نقض فيه المشركون عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم ، وفى الوقت الذى أرجف فيه المرجفون أن المسلمين لن يعودوا من تبوك سالمين ، بل إن الروم سيأخذونهم أسرى ، وفى الوقت الذى كانت المجتمعات فيه يغزو بعضها بعضا بدون إنذار أو إعلام .

.فإن قيل : وما الحكمة فى تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر؟فالجواب - كما يقول الجمل - اقتصر على الأربعة - هنا لقوة المسلمين إذ ذاك ، بخلاف صلح الحديبية فإنه كان لمدة عشرة سنين لضعف المسلمين إذا ذاك ، والحاصل أن المقرر فى الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف جاز عقد الهدنة عشر سنين فأقل ، وإذا لم يكن بهم ضعف لم تجز الزيادة على أربعة أشهر .وقال بعض العلماء : ولعل الحكة فى تقدير تلك المدة بأربعة أشهر ، أنها هى المدة التى كانت تكفى - إذ ذاك بحسب ما يألفون - لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة فى الأرض ، والتقلب فى شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه فى تكوين الرأى الأخير ، وفيه فوق ذلك مسايرة للوضع الإلهى فى جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة .على أنا نجد فى القرآن جعل الأربعة أمدا فى غير هذا فمدة إيلاء الرجل من زوجه أربعة أشهر - وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر .ولعل ذلك - وراء ما يعلم الله - أنها المدة التى تكفى بحسب طبيعة الإِنسان لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر ، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه إلى ما يقصد فيه .ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء فى هذا المقام تقرر مبدأ الهدنة والصلح فى الإِسلام ، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون ، وأصل ذلك مع هدنة المشركين هذه قوله - تعالى - فى سورة الأنفال ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ) وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإِمام وأرباب الشورى المقررة فى قوله - تعالى - ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر ) وقد اختلف المفسرون فى ابتداء هذه الأشهر الأربعة فقال مجاهد والسدى وغيرهما : كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم الحج الأكبر من السنة التاسعة ونهايتها فى العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة العاشرة ، وذلك لأن المشركين قد أعلموا بهذه الملهلة يوم النحر من السنة التاسعة على لسان على بن أبى طالب - كما سبق أن بينا .وقيل كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم النحر لعشر من ذى القعدة من السنة التاسعة ونهايتها فى اليوم العاشر من شهر ربيع الأول من السنة العاشرة ، وذلك لأن الحج فى تلك السنة كان فى ذلك الوقت بسبب النسئ الذى ابتدعه المشركون .والرأى الأول أرجح وعليه الأكثرون ، لأن معظم الآثار تؤيده .

وكذلك اختلف المفسرون اختلافاً كبيرا فيمن تنطبق عليهم هذه المهلة ، فقال مجاهد ، هذا تأجيل للمشركين مطلقاً ، فمن كان مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفع إليها ، ومن كانت أكثر حط إليها ، ومن كان عهده بغير أجل حد بها .

ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله ، يقتل حيث أدرك ، ويؤسر ، إلا أن يتوب ويؤمن .وقال آخرون : كانت هذه الأربعة الأشهر مهلة لمن له عهد دون الأربعة الأشهر ، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كانت هذها لمدة لقوله - تعالى - بعد ذلك : ( فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ) .وهذا القول قد اختاره ابن جرير وغيره ، فقد قال ابن جرير - بعد أن ذكر عدة اقوال فى ذلك :" وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : الأجل الذى جعله الله إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته ، فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ، ولم يظاهروا عليه ، فإن الله - تعالى - أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله : ( إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ) ، ثم قال : وبعد ففى الأخبار المتظاهرة " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه حين بعث عليا ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادى به فيهم " ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته " وهو أوضح دليل على صحة ما قلنا .وذلك أن الله لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل ، فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه ، وأنه لما أجل أربعةأشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل ، أو كان له عهد إلى أجل غير محدود ، فأما من كان أجل عهده محدودا ، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بإتام عهده إلى غاية اجله مأمورا ، وبذلك بعث مناديه فى أهل الموسم من العرب .

.والذى يبدو لنا بعد مراجعة الأقوال المتعددة فى شأن من تنطبق عليهم هذه المهلة من المشركين - أن ما اختاره ابن جرير هو خير الأقوال وأقواها ، لأن النصوص من الكتاب والسنة تؤيده .ومن أراد معرفة هذه الأقوال بالتفصيل فليراجع ما كتبه المفسرون فى ذلك .ثم بين - سبحانه - أن هذا الإِمهال للمشركين لن ينجيهم من إنزال العقوبة بهم متى استمروا على كفرهم فقال - تعالى - : ( واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأَنَّ الله مُخْزِي الكافرين ) .أى : واعلموا - أيها المشركون - أنكم بسياحتكم فى الأرض خلال تلك المهلة لن تعجزوا الله - تعالى - فى طلبكم ، فأنتم حيثنا كنتم تحت سلطانه وقدرته ، واعلموا كذلك أنه - سبحانه - مذل للكافرين ، فى الدنيا بالقتل والأسر ، وفى الآخرة بالعذاب المهين .فالآية الكريمة قد ذيلت بما يزلزل قلوب المشركين بالحقيقة الواقعة ، وهى أن ذلك الإِمهال لهم ، وتلك السياحة فى الأرض منهم ، كل هذا لن يجعلهم فى مأمن من عقاب الله ، ومن إنزال الهزيمة بهم ، لأنهم فى قبضته .ومها أعدوا خلال تلك المهلة من عدد وعدد لقتال المؤمنين ، فإن ذلك لن ينفعهم ، لأن سنته - سبحانه - قد اقتضت أن يجعل النصر والفوز للمؤمنين والخزى والسوء على الكافرين .قال الفخر الرازى ما ملخصه ، وقوله : ( واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ) .

المقصود منه : أنى أمهلتكم - أيها المشكرون - وأطلقت لكم السياحة فى الأرض - فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات ، فإنكم لا تعجزون الله بل هو الذى يعجزكم ، لأنكم حيث كنتم فأنتم فى ملكه وتحت سلطانه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: معنى البراءة انقطاع العصمة.

يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة، ومن هنا يقال برئت من الدين، وفي رفع قوله: ﴿ بَرَاءةٌ ﴾ قولان: الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة.

قال الفراء: ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل، جميل والله، أي هذا جميل والله، وقوله: ﴿ مِّنَ ﴾ لابتداء الغاية، والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان.

الثاني: أن يكون قوله: ﴿ بَرَاءةٌ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ صفتها وقوله: ﴿ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ ﴾ هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم في الدار.

فإن قالوا: ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله، ونسب المعاهدة إلى المشركين؟

قلنا قد أذن الله في معاهدة المشركين، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين.

المسألة الثالثة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف النافقون وأرجفوا بالأراجيف، جعل المشركون ينقضون العهد، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم.

فإن قيل: كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد؟

قلنا: لا يجوز أن ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد إليهم، حتى يستووا في معرفة نقض العهد لقوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَاء  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ الذين.....

يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ  ﴾ .

والثاني: أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أن يأمر الله تعالى بقطعه.

فلما أمره الله تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط.

والثالث: أن يكون مؤجلاً فتنقضي المدة وينقضي العهد ويكون الغرض من إظهار هذه البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود إلى العهد، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة، فأما فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد البتة، لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول، والله ورسوله منه بريئان، ولهذا المعنى قال الله تعالى: ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ  ﴾ وقيل: إن أكثر المشركين نقضوا العهد إلا أناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة.

المسألة الثالثة: روي أن فتح مكة كان سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، ونزول هذه السورة سنة تسع، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه سنة تسع أن يكون على الموسم، فلما نزلت هذه السورة أمر علياً أن يذهب إلى أهل الموسم ليقرأها عليهم.

فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء، فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور، ثم ساروا، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم، وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن مجاهد ثلاث عشرة آية، ثم قال: أمرت بأربع أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر علياً بقراءة هذه السورة عليهم وتبليغ هذه الرسالة إليهم، فقالوا السبب فيه أن عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما نعرف فينا من نقض العهود فربما لم يقبلوا، فأزيحت علتهم بتولية ذلك علياً رضي الله عنه، وقيل لما خص أبا بكر رضي الله عنه بتوليته أمير الموسم خص علياً بهذا التبليغ تطييباً للقلوب ورعاية للجوانب، وقيل قرر أبا بكر علي الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة، حتى يصلي على خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر، والله أعلم.

وقرر الجاحظ هذا المعنى فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الحاج وولاه الموسم وبعث علياً يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر الرافع بالموسم والسابق لهم والآمر لهم، ولم يكن ذلك لعلي رضي الله عنه.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يبلغ عني إلا رجل مني» فهذا لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر، ولكنه عامل العرب بما يتعارفونه فيما بينهم، وكان السيد الكبير منهم إذا عقد لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد والعقد إلا هو أو رجل من أقاربه القريبين منه كأخ أو عم.

فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول.

وأما قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ ففيه أبحاث: الأول: أصل السياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب.

يقال للصائم سائح لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب.

قال المفسرون: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض ﴾ يعني اذهبوا فيها كيف شئتم وليس ذلك من باب الأمر، بل المقصود الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وإزالة الخوف، يعني أنتم آمنون من القتل والقتال في هذه المدة.

البحث الثاني: قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة، ومن كانت مدته أقل من أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة والمقصود من هذا الإعلام أمور: الأول: أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر، ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: إما الإسلام أو قبول الجزية أو السيف، فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً.

والثاني: لئلا ينسب المسلمون إلى نكث العهد، والثالث: أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد، فعم الكل بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار، ولا يصح ذلك إلا بنقض العهود.

والرابع: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج في السنة الآتية، فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يشاهد العراة.

البحث الثالث: قال ابن الأنباري: قوله: ﴿ فَسِيحُواْ ﴾ القول فيه مضمر والتقدير: فقل لهم سيحوا أو يكون هذا رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله: ﴿ عَٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوٓا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا  إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا  ﴾ .

البحث الرابع: اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة، وعن الزهري أن براءة نزلت في شوال، وهي أربعة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وقيل هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر، وإنما سميت حرماً لأنه كان يحرم فيها القتل والقتال، فهذه الأشهر الحرم لما حرم القتل والقتال فيها كانت حرماً، وقيل إنما سميت حرماً لأن أحد أقسام هذه المدة من الأشهر الحرم لأن عشرين من ذي الحجة مع المحرم من الأشهر الحرم.

وقيل: ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض».

وأما قوله: ﴿ واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ فقيل: اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب.

وقيل تقديره: فسيحوا عالمين أنكم لا تعجزون الله في حال.

والمقصود: أني أمهلتكم وأطلقت لكم فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات، فإنكم لا تعجزون الله بل الله يعجزكم ويقهركم.

وقيل: اعملوا أن هذا الإمهال لأجل أنه لا يخاف الفوت، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملك الله وسلطانه، وقوله: ﴿ وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين ﴾ قال ابن عباس: بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة.

وقال الزجاج: هذا ضمان من الله عز وجل لنصرة المؤمنين على الكافرين والإخزاء والإذلال مع إظهار الفضيحة والعار، والخزي والنكال الفاضح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة و ﴿ مِّنَ ﴾ لابتداء الغاية، متعلق بمحذوف وليس بصلة، كما في قولك: برئت من الدين.

والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ ﴾ كما يقال: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ مبتدأ لتخصيصها بصفتها، والخبر ﴿ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ ﴾ كما تقول: رجل من بني تميم في الدار وقرئ ﴿ براءة ﴾ بالنصب، على: اسمعوا براءة وقرأ أهل نجران ﴿ مِن الله ﴾ بكسر النون والوجه الفتح مع لام التعريف لكثرته.

والمعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم.

فإن قلت: لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين؟

قلت: قد أذن الله في معاهدة المشركين أوّلاً فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهم، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما تجّدد من ذلك فقيل لهم: اعلموا أنّ الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين.

وروي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب، فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤا لا يتعرض لهم، وهي الأشهر الحرم في قوله: ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها.

وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، فأمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على موسم سنة تسع، ثم أتبعه علياً رضي الله عنه راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر رضي الله عنه؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا عليّ سمع أبو بكر الرغاء، فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي: أنّ أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك، فأرسل علياً، فرجع أبو بكر رضي الله عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أشيء نزل من السماء قال: «نعم، فسر وأنت على الموسم، وعليّ ينادي بالآي» فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضي الله عنه وحدثهم عن مناسكهم، وقام علي رضي الله عنه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم.

فقالوا: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد رضي الله عنه ثلاثة عشرة آية، ثم قال: أمرت بأربع: «أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده» فقالوا عند ذلك يا علي، أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف.

وقيل: إنما أمر أن لا يبلغ عنه إلا رجل منه؛ لأنّ العرب عادتها في نقض عهودها أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، فلو تولاه أبو بكر رضي الله عنه.

لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود فأزيحت علتهم بتولية ذلك علياً رضي الله عنه فإن قلت: الأشهر الأربعة ما هي؟

قلت: عن الزهري رضي الله عنه أنّ براءة نزلت في شوال، فهي أربعة أشهر: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وقيل هي عشرون من ذي الحجة، والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من شهر ربيع الآخر.

وكانت حرماً؛ لأنهم أُومنوا فيها وحرّم قتلهم وقتالهم.

أو على التغليب؛ لأنّ ذا الحجة والمحرّم منها.

وقيل: لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول؛ لأنّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة.

فإن قلت ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر الحرم وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟

قلت: قالوا قد نسخ وجوب الصيانة وأبيح قتال المشركين فيها ﴿ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ لا تفوتونه وإن أمهلكم، وهو مخزيكم: أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ بَراءَةَ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ إلّا آيَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ وهي آخِرُ ما نَزَلَ ولَها أسْماءٌ أُخَرُ، « التَّوْبَةُ» و « المُقَشْقِشَةُ» و « البُحُوثُ» و « المُبَعْثِرَةُ» و « المُنَقِّرَةُ» و « المُثِيرَةُ» و « الحافِرَةُ» و « المُخْزِيَةُ» و « الفاضِحَةُ» و « المُنَكِّلَةُ» و « المُشَرِّدَةُ» و « المُدَمْدِمَةُ» و « سُورَةُ العَذابِ» لِما فِيها مِنَ التَّوْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ والقَشْقَشَةِ مِنَ النِّفاقِ وهي التَّبَرِّي مِنهُ، والبَحْثِ عَنْ حالِ المُنافِقِينَ وإثارَتِها، والحَفْرِ عَنْها وما يُخْزِيهِمْ ويَفْضَحُهم ويُنَكِّلُهم ويُشَرِّدُهم ويُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ.

وَأيُّها مِائَةٌ وثَلاثُونَ وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، وإنَّما تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ فِيها لِأنَّها نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأمانِ وبِسْمِ اللَّهِ أمانٌ.

وقِيلَ كانَ النَّبِيُّ  إذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ أوْ آيَةٌ بَيَّنَ مَوْضِعَها، وتُوُفِّيَ ولَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَها وكانَتْ قِصَّتُها تُشابِهُ قِصَّةَ الأنْفالِ وتُناسِبُها لِأنَّ في الأنْفالِ ذِكْرَ العُهُودِ وفي بَراءَةَ نَبْذُها فَضُمَّتْ إلَيْها.

وقِيلَ لَمّا اخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ في أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ هي سابِعَةُ السَّبْعِ الطِّوالِ أوْ سُورَتانِ تُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ ولَمْ تُكْتَبْ بِسْمِ اللَّهِ.

﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ واصِلَةٌ ﴿ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ بَراءَةٌ ﴾ مُبْتَدَأً لِتَخَصُّصِها بِصِفَتِها والخَبَرُ ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِها عَلى اسْمَعُوا بَراءَةً، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِئا مِنَ العَهْدِ الَّذِي عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والمُعاهَدَةِ بِالمُسْلِمِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَبْذُ عُهُودِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ صادِرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ فَإنَّهُما بَرِئا مِنها، وذَلِكَ أنَّهم عاهَدُوا مُشْرِكِي العَرَبِ فَنَكَثُوا إلّا أُناسًا مِنهم بَنُو ضُمْرَةَ وبَنُو كِنانَةَ فَأمَرَهم بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ وأمْهَلَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَسِيرُوا أيْنَ شاءُوا فَقالَ: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ لِأنَّها نَزَلَتْ في شَوّالَ.

وقِيلَ هي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ وصَفَرٌ ورَبِيعٌ الأوَّلُ وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخَرَ لِأنَّ التَّبْلِيغَ كانَ يَوْمَ النَّحْرِ لِما رُوِيَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ راكِبًا العَضْباءَ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، وكانَ قَدْ بَعَثَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي، فَلَمّا دَنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُّغاءَ فَوَقَفَ وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ  فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ قالَ مَأْمُورٌ، فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ وقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكم، فَقالُوا بِماذا فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ قالَ: أمَرَتْ بِأرْبَعٍ: أنْ لا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ.» (وَلَعَلَّ قَوْلَهُ  «لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي» لَيْسَ عَلى العُمُومِ، فَإنَّهُ  بُعِثَ لِأنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ كَثِيرٌ لَمْ يَكُونُوا مِن عِتْرَتِهِ، بَلْ هو مَخْصُوصٌ بِالعُهُودِ فَإنَّ عادَةَ العَرَبِ أنْ لا يَتَوَلّى العَهْدَ ونَقَضَهُ عَلى القَبِيلَةِ إلّا رَجُلٌ مِنها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي» .

﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} فسيروا في الأرض كيف شئتم والسيح السير على مهل روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم فنكثوا إلا ناسا منهم وهم بنوا ضمرة وبنو كنانة فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا ولا يتعرض لهم وهي الأشهر الحرم في قوله فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على موسم سنة تسع ثم أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال لا يؤدّي عني إلا رجل مني فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال أمير أو مأمور قال مأمور فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحثهم على مناسكهم وقام عليّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال يا أيها الناس إني رسول الله إليكم فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه

ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف والأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم أو عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر وكانت حرما لأنهم اومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم أو على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها والجمهور على إباحة القتال في الأشهر الحرم وأن ذلك قد نسخ {واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله} لا تفوتونه وإن أمهلكم {وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين} مذلهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ سِيرُوا فِيها حَيْثُ شِئْتُمْ، وأصْلُ السِّياحَةِ جَرَيانُ الماءِ وانْبِساطُهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في السَّيْرِ عَلى مُقْتَضى المَشِيئَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ فَفِي هَذا الأمْرِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّوْسِعَةِ والتَّرْفِيَةِ ما لَيْسَ في سِيرُوا ونَظائِرِهِ وزِيادَةُ ( ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ ) زِيادَةٌ في التَّعْمِيمِ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: فَقُولُوا لَهم سِيحُوا، أوْ بِدُونِهِ وهو الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَقْصُودُ الإباحَةُ والإعْلامُ بِحُصُولِ الأمانِ مِنَ القَتْلِ والقِتالِ في المُدَّةِ المَضْرُوبَةِ، وذَلِكَ لِيَتَفَكَّرُوا ويَحْتاطُوا ويَسْتَعِدُّوا بِما شاءُوا، ويَعْلَمُوا أنْ لَيْسَ لَهم بَعْدُ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى الإسْلامِ، ولِأنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ قاتَلُوهم عُقَيْبَ إظْهارِ النَّقْضِ فَرُبَّما نُسِبُوا إلى الخِيانَةِ فَأُمْهِلُوا سَدًّا لِبابِ الظَّنِّ وإظْهارًا لِقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ وعَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِهِمْ وبِاسْتِعْدادِهِمْ، ولِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ اخْتِيرَتْ صِيغَةُ الأمْرِ دُونَ فَلَكم أنْ تَسِيحُوا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالسِّياحَةِ وما يَعْقُبُهُ عَلى ما يُؤْذَنُ بِهِ البَراءَةُ المَذْكُورَةُ مِنَ الحَرْبِ عَلى أنَّ الأوَّلَ مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِهِ لِلثّانِي بِكِلا مُتَعَلِّقَيْهِ عَلى عُنْوانِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ جَلَّ شَأْنُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ بَراءَةٌ مُوجِبَةٌ لِقِتالِكم فاسْعَوْا في تَحْصِيلِ ما يُنْجِيكم وإعْدادِ ما يُجْدِيكم ( ﴿ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ ) وهي شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الشَّهْرِ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّها وإنْ نَزَلَتْ فِيهِ إلّا أنَّ قِراءَتَها عَلى الكُفّارِ وتَبْلِيغَها إلَيْهِمْ كانَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ فابْتِداءُ المُدَّةِ عاشِرُ ذِي الحِجَّةِ إلى انْقِضاءِ عَشْرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومُجاهِدٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

وقِيلَ: ابْتِداءُ تِلْكَ المُدَّةِ يَوْمُ النَّحْرِ لِعَشْرٍ مِن ذِي القِعْدَةِ إلى انْقِضاءِ عَشْرٍ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلٍ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِسَبَبِ النَّسِيءِ الَّذِي كانَ فِيهِمْ ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ وهي حِجَّةُ الوَداعِ الَّتِي قالَ فِيها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، واسْتَصْوَبَ بَعْضُ الأفاضِلِ الثّانِيَ وادُّعِيَ أنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، رُوِيَ مِن عِدَّةِ أخْبارٍ مُتَداخِلَةٍ بَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عاهَدَ قُرَيْشًا عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى أنْ يَضَعُوا الحَرْبَ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيها النّاسُ، ودَخَلَتْ خُزاعَةُ في عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَخَلَ بَنُو بَكْرٍ في عَهْدِ قُرَيْشٍ ثُمَّ عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ فَنالَتْ مِنها وأعانَتْهم قُرَيْشٌ بِالسِّلاحِ، فَلَمّا تَظاهَرَ بَنُو بَكْرٍ وقُرَيْشٌ عَلى خُزاعَةَ ونَقَضُوا عَهْدَهم خَرَجَ عَمْرٌو الخُزاعِيُّ حَتّى وقَفَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأنْشَدَ: لاهُمَّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا قَدْ كُنْتُمْ ولَدًا وكُنّا والِدا ∗∗∗ ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا فانْصُرْ رَسُولَ اللهِ نَصْرًا أعْتَدا ∗∗∗ وادْعُ عِبادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدا فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا ∗∗∗ إنْ سِيمَ خَسْفًا وجْهُهُ تَرَبَّدا فِي فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَأْتِي مُزْبِدا ∗∗∗ إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المُؤَكَّدا ∗∗∗ وجَعَلُوا لِي في كَداءَ رُصَّدا وزَعَمُوا أنْ لَسْتُ أدْعُو أحَدًا ∗∗∗ وهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدا هم بَيَّتُونا بِالحَطِيمِ جُهَّدا ∗∗∗ وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا نُصِرْتُ إنْ لَمْ أنْصُرْكِ“ ثُمَّ تَجَهَّزَ إلى مَكَّةَ فَفَتَحَها سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ تِسْعٍ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَحُجَّ فَقالَ: إنَّهُ يَحْضُرُ المُشْرِكُونَ فَيَطُوفُونَ عُراةً فَبَعَثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تِلْكَ السَّنَةَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرًا عَلى النّاسِ لِيُقِيمَ لَهُمُ الحَجَّ وكَتَبَ لَهُ سُنَنَهُ ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ لِيَقْرَأ عَلى أهْلِ المَوْسِمِ صَدْرَ بَراءَةَ، فَلَمّا دَناهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُّغاءَ فَوَقَفَ وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ؟

قالَ: مَأْمُورٌ، فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ وقامَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العُقْبَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ تَعالى إلَيْكُمْ، فَقالُوا: بِماذا؟

فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً مِنَ السُّورَةِ ثُمَّ قالَ: أُمِرْتُ بِأرْبَعٍ؛ أنْ لا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يُتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ،» واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هَلْ كانَ مَأْمُورًا أوْ لا بِالقِراءَةِ أمْ لا، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ كانَ مَأْمُورًا وأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمّا لَحِقَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أخَذَ مِنهُ ما أُمِرَ بِقِراءَتِهِ، وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ حِبّانَ، وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أُخِذَ مِنهُ ذَلِكَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ دَخَلَهُ مِن ذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ قَدْ أنْزِلُ فِيهِ شَيْءٌ فَلَمّا أتاهُ قالَ: ما لِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: خَيْرٌ أنْتَ أخِي وصاحِبِي في الغارِ وأنْتَ مَعِي عَلى الحَوْضِ غَيْرَ أنَّهُ لا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي أوْ رَجُلٌ مِنِّي» .

وجاءَ مِن رِوايَةِ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَراءَةَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ثُمَّ دَعاهُ فَقالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي، فَدَعا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَأعْطاهُ إيّاهُ» .

وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ عَلِيًّا لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ مِن أبِي بَكْرٍ في الطَّرِيقِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى خِلافِهِ، وجاءَ في بَعْضِها ما هو ظاهِرٌ في عَدَمِ عَزْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الأمْرِ بَلْ ضُمَّ إلَيْهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ أبا بَكْرٍ وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ فَحَجّا فَقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في أيّامِ التَّشْرِيقِ فَنادى أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ولا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، فَكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يُنادِي فَإذا أعْيا قامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنادى بِها» وأيًّا ما كانَ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دُونَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي أوْ رَجُلٌ مِنِّي سَواءٌ كانَ بِوَحْيٍ أمْ لا» جارٍ عَلى عادَةِ العَرَبِ أنْ لا يَتَوَلّى تَقْرِيرَ العَهْدِ ونَقْضَهُ إلّا رَجُلٌ مِنَ الأقارِبِ لِتَنْقَطِعَ الحُجَّةُ بِالكُلِّيَّةِ، فالتَّبْلِيغُ المَنفِيُّ لَيْسَ عامًّا كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ حَدِيثُ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ.

وكَيْفَ يُمْكِنُ إرادَةُ العُمُومِ وقَدْ بَلَّغَ عَنْهُ  كَثِيرًا مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في حَياتِهِ وبَعْدَ وفاتِهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِن أقارِبِهِ  كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ومِنهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ في تِلْكَ السَّنَةِ حَجَّ بِالنّاسِ وعَلَّمَهم بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  سُنَنَ الحَجِّ وما يَلْزَمُ فِيهِ وهو أحَدُ الأُمُورِ الخَمْسَةِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، عَلى أنَّ مَن أنْصَفَ مِن نَفْسِهِ عَلِمَ أنَّ في نَصْبِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِإقامَةِ مِثْلِ هَذا الرَّكْنِ العَظِيمِ مِنَ الدِّينِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ ) الآيَةَ إشارَةً إلى أنَّهُ الخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  في إقامَةِ شَعائِرِ دِينِهِ لا سِيَّما وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِإقامَتِهِ مَقامَهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الصَّلاةِ بِالنّاسِ في آخِرِ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهي العِمادُ الأعْظَمُ والرُّكْنُ الأقْوَمُ لِدِينِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الصَّلاةِ بِالنّاسِ، والقَوْلِ بِأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عُزِلَ في المَسْألَتَيْنِ كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ لا أصْلَ لَهُ وعَلى المُدَّعِي البَيانُ ودُونَهُ الشُّمُّ الرّاسِياتُ.

وبِالجُمْلَةِ دَلالَةُ ”لا يَنْبَغِي“ إلَخْ عَلى الخِلافَةِ مِمّا لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِها، وقُصارى ما في الخَبَرِ الدَّلالَةُ عَلى فَضْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وقُرْبِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ  والمُؤْمِنُ لا يُنْكِرُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اقْتِضائِهِ التَّقَدُّمَ بِالخِلافَةِ عَلى الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ نُكْتَةً في نَصْبِ أبِي بَكْرٍ أمِيرًا لِلنّاسِ في حَجِّهِمْ ونَصْبِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مُبَلِّغًا نَقْضَ العَهْدِ في ذَلِكَ المَحْفِلِ وهي أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا كانَ مَظْهَرًا لِصِفَةِ الرَّحْمَةِ والجَمالِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الإسْراءِ وما جاءَ مِن قَوْلِهِ  : «أرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ» .

أحالَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمْرَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم مَوْرِدُ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الَّذِي هو أسَدُ اللَّهِ مَظْهَرَ جَلالِهِ فَوَّضَ إلَيْهِ نَقْضَ عَهْدِ الكافِرِينَ الَّذِي هو مِن آثارِ الجَلالِ وصِفاتِ القَهْرِ، فَكانا كَعَيْنَيْنِ فَوّارَتَيْنِ يَفُورُ مِن إحْداهُما صِفَةُ الجَمالِ ومِنَ الأُخْرى صِفَةُ الجَلالِ في ذَلِكَ المَجْمَعِ العَظِيمِ الَّذِي كانَ أُنْمُوذَجًا لِلْحَشْرِ ومَوْرِدًا لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ انْتَهى، ولا يَخْفى حُسْنُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ في البَيْنِ تَعْلِيلُ النَّبِيِّ  .

وجَعَلَ المُدَّةَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ قِيلَ لِأنَّها ثُلُثُ السَّنَةِ والثُّلُثُ كَثِيرٌ، ونُصِبَ العَدَدُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِسِيحُوا أيْ فَسِيحُوا في أقْطارِ الأرْضِ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ( ﴿ واعْلَمُوا أنَّكُمْ ﴾ ) لِسِياحَتِكم تِلْكَ ( ﴿ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ ) لا تُفَوِّتُونَهُ سُبْحانَهُ بِالهَرَبِ والتَّحَصُّنِ ( ﴿ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ ) في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ المُهِينِ، وأظْهَرَ الِاسْمَ الجَلِيلَ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ أمْرِ الإخْزاءِ وهو الإذْلالِ بِما فِيهِ فَضِيحَةٌ وعارٌ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ إمّا المُشْرِكُونَ المُخاطَبُونَ فِيما تَقَدَّمَ والعُدُولُ عَنْ مُخْزِيكم إلى ذَلِكَ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالإشْراكِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّ عِلَّةَ الإخْزاءِ هي كُفْرُهُمْ، وإمّا الجِنْسُ الشّامِلُ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ويَدْخُلُ فِيهِ المُخاطَبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عباس: كلها مدنية وقال مقاتل: كلها مدنية إلا قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الماسرخسي قال: حدثنا إسحاق قال: أخبرني أسامة قال: حدثنا عوف بن أبي جميلة قال: حدثني يزيد الفارسي وهو كاتب ابن عباس، عن ابن عباس  ما قال: قلت لعثمان: «ما حملكم على أن عدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المائين، فقرأتموهما معا ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموهما في السبع الطوال» ؟

فقال عثمان: «كان النبيّ  تنزل عليه السورة ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب له ويقول: «ضعوا هذه في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا» .

وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة في آخر القرآن، وكانت قصتهما يشبه بعضها بعضا فظننت أنها منها، وقبض النبيّ  ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» .

وذكر عن الكلبي أنه قال: براءة من الأنفال، فلذلك لم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» وهي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذلك، فقال: «لأنها نزلت في السيف، وليس في السيف أمان» ، «وبسم الله الرّحمن الرّحيم» من الأمان.

وروي عن عائشة أنها قالت: نسي الكاتب أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول هذه السورة، فتركت على حالها.

قوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أي: تبرؤ من الله ورسوله- لمن كان له عهد من المشركين من ذلك العهد ويقال: بَراءَةٌ أي قطع من الله ورسوله إلى من كان له عهد في المشركين من ذلك العهد (١) (٢) (٣) وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أقبل رسول الله  من تبوك حين فرغ منها، فأراد الحج، ثم قال: «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» .

فأرسل أبا بكر وعلياً، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يجتمعون بها، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي الأشهر الحرم، ثم لا عهد لهم (٤) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٣) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤) عزاه السيوطي 4/ 122 إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره انقضاء العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ، وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذي لا عَهْدَ لهم ألبتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يوماً، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها انقضاء المُحَرَّم.

وقوله: إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر.

وقوله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، أي: لا تفلتون الله، ولا تعجزونه هربا.

وقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: أي: إعلام، ويَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قال عمر وغيره: هو يَوْمُ عَرَفَة «١» ، وقال أبو هريرة وجماعة: هو يوم النَّحْر «٢» ، وتظاهرتِ الرواياتُ/ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بالاستماع، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر «٣» ، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها كَأَبِي هُرَيْرَة «٤» وغيره، وتتَّبعوا بها أيضاً أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر: عرفَةُ حيث وقع أَوَّلُ الأذان.

وقالتْ أُخْرَى: هو يومُ النَّحْرِ حيث وقع إِكمال الأذَان.

وقال سفيان بن عُيَيْنَة: المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها كما تقول: يَوْمُ صفِّينَ، ويوم

الجَمَلِ ويتجه أن يوصَفُ ب «الأَكبر» علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل يكون المعنى: الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله.

واختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال:

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم افتتح مكَّة سنةَ ثمانٍ، فاستعمل عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضى أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وانصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال: لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمر أبابكر على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً:

صَدْرُ سورةِ «بَرَاءَة» ، وقيل: ثَلاَثِينَ، وقيل: عشرين، وفي بعض الروايات: عَشْر آيات، وفي بعضها: تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي: أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات: ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات: ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا انقضت، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ.

قال ع «١» : وأقول: إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ: نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضاً، وقالوا: ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ؟

فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد.

قال ع «٢» : وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً.

وقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي: ورسولُهُ بريءٌ منهم.

وقوله: فَإِنْ تُبْتُمْ، أي: عن الكُفْر.

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره: «ينقضوكم» «٣» - بالضاد المعجمة-، ويُظاهِرُوا: معناه: يعاونوا،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ ﴾ أيِ: انْطَلِقُوا فِيها آَمِنِينَ، لا يَقَعُ بِكم مِنّا مَكْرُوهٌ.

إنْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ مُخاطَبَةُ شاهِدٍ، والآَيَةُ الأُولى إخْبارٌ عَنْ غائِبٍ، فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جائِزٌ عِنْدَ العَرَبِ الرُّجُوعُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.

قالَ عَنْتَرَةُ: شَطَّتْ مَزارُ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَيَّ طِلابُكَ ابْنَةَ مَخْرَمِ هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، تَقْدِيرُهُ: فَقُلْ لَهُمْ: سِيحُوا في الأرْضِ، أيِ: اذْهَبُوا فِيها، وأقْبِلُوا، وأدْبِرُوا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن جُعِلَتْ لَهُ هَذِهِ الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها أمانٌ لِأصْحابِ العَهْدِ، فَمَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِنها حُطَّ إلَيْها، ومَن كانَ عَهْدُهُ أقَلَّ مِنها رُفِعَ إلَيْها، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأُجَلُهُ انْسِلاخُ المُحَرَّمِ خَمْسُونَ لَيْلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها لَلْمُشْرِكِينَ كافَّةً، مَن لَهُ عَهْدٌ، ومَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، والقُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها أجْلٌ لِمَن كانَ رَسُولُ اللَّهِ  قَدْ أمَّنَهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، أوْ كانَ أمانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ؛ فَأمّا مَن لا أمانَ لَهُ، فَهو حَرْبٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ: والرّابِعُ: أنَّها أمانٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ أمانٌ ولا عَهْدٌ؛ فَأمّا أرْبابُ العُهُودِ، فَهم عَلى عُهُودِهِمْ إلى حِينِ انْقِضاءِ مُدَدِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

ويُؤَكِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا نادى يَوْمَئِذٍ: ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ، فَعَهْدُهُ إلى مُدَّتِهِ.

وفي بَعْضِ الألْفاظِ: فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ.

واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ: رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أوَّلَها يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وهو يَوْمُ النَّحْرِ، وآَخِرُها العاشِرُ مِن رَبِيعٍ الآَخِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والقُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، لِأنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ في شَوّالٍ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ إعْلامِهِمْ بِهِ إلى ذِي الحِجَّةِ إذْ كانَ لا يَلْزَمُهُمُ الأمْرُ إلّا بَعْدَ الإعْلامِ.

والرّابِعُ: أنَّ أوَّلَها العاشِرُ مِن ذِي القِعْدَةِ، وآَخِرَها العاشِرُ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في العَشْرِ مِن ذِي الحِجَّةِ، وفِيها حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ  وقالَ: « "إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ"،» ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ أيْ: وإنْ أُجِّلْتُمْ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهَرَ فَلَنْ تَفُوتُوا اللَّهَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ فَتْحُ "أنْ" عَلى مَعْنى: اعْلَمُوا أنَّ، ويَجُوزُ كَسْرُها عَلى الِاسْتِئْنافِ.

وهَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ نُصْرَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَوْبَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ  ﴾ إلى آخِرِها، وتُسَمّى سُورَةَ التَوْبَةِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ وغَيْرُهُ، وتُسَمّى الفاضِحَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وتُسَمّى الحافِرَةَ لِأنَّها حَفَرَتْ عن قُلُوبِ المُنافِقِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مازالَ يَنْزِلُ: "وَمِنهُمْ، ومِنهُمْ" حَتّى ظُنَّ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ، وقالَ حُذَيْفَةُ: هي سُورَةُ العَذابِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُنّا نَدْعُوها المُقَشْقِشَةَ، قالَ الحارِثُ بْنُ يَزِيدَ: كانَتْ تُدْعى المُبَعْثِرَةَ، ويُقالُ لَها المُثِيرَةُ، ويُقالُ لَها البُحُوثُ.

وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن بَراءَةٍ ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا  ﴾ ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ بَراءَةٌ مِثْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ في الطُولِ.

واخْتُلِفَ -لِمَ سَقَطَ سَطْرُ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) مِن أوَّلِها- فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أشْبَهَتْ مَعانِيها مَعانِيَ الأنْفالِ، وكانَتْ تُدْعى القَرِينَتَيْنِ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ  ، فَلِذَلِكَ قُرِنَتْ بَيْنَهُما، ولَمْ أكْتُبْ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم )، ووَضَعْتُها في السَبْعِ الطُوَلِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) أمانٌ وبِشارَةٌ، و"بَراءَةٌ" نَزَلَتْ بِالسَيْفِ ونَبْذِ العُهُودِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَبْدَأْ بِالأمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْزى هَذا القَوْلُ لِلْمُبَرِّدِ وهو لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَذا كَما يَبْدَأُ المُخاطَبُ الغاضِبُ: "أمّا بَعْدُ"، دُونَ تَقْرِيظٍ ولا اسْتِفْتاحٍ بِتَبْجِيلٍ، ورُوِيَ أنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ في مُدَّةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ اخْتَلَفُوا في الأنْفالِ وبَراءَةٍ، هَلْ هي سُورَةٌ واحِدَةٌ أو هُما سُورَتانِ؟

فَتَرَكُوا فَصْلًا بَيْنَهُما مُراعاةً لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَتانِ، ولَمْ يَكْتُبُوا ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) مُراعاةً لِقَوْلِ مَن قالَ مِنهُمْ: هُما واحِدَةٌ، فَرَضِيَ جَمِيعُهم بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ يُضَعِّفُهُ النَظَرُ أنْ يَخْتَلِفَ في كِتابِ اللهِ هَكَذا، ورُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَأْمُرُنا بِوَضْعِ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ولَمْ يَأْمُرْنا في هَذا بِشَيْءٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ نَضَعُهُ نَحْنُ،» ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّها كانَتْ نَحْوَ سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ نُسِخَ ورُفِعَ كَثِيرٌ مِنها وفِيهِ البَسْمَلَةُ، فَلَمْ يَرَوْا بَعْدُ أنْ يَضَعُوهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وسُورَةُ بَراءَةٍ مِن آخِرِ ما نَزَلَ عَلى النَبِيِّ  ، وحَكى عِمْرانُ بْنُ جُدَيْرٍ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ سُورَةَ بَراءَةٍ فَقالَ: أظُنُّ هَذِهِ مِن آخِرِ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَقُولُ ذَلِكَ؟

فَقالَ: أرى أشْياءَ تُنْقَضُ وعُهُودًا تُنْبَذُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وأنَّ اللهِ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللهِ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ "بَراءَةٌ" رَفْعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الآياتُ بَراءَةٌ، ويَصِحُّ أنْ تَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى الَّذِينَ ﴾ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ فَتَعَرَّفَتْ تَعْرِيفًا ما، وجازَ الإخْبارُ عنها، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "بَراءَةً" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمُوا بَراءَةً، فَفِيها مَعْنى الإغْراءِ.

و ﴿ بَراءَةٌ ﴾ مَعْناها: تَخَلُّصٌ وتَبَرُّؤٌ مِنَ العُهُودِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ البادِئِينَ بِالنَقْضِ، تَقُولُ: بَرِئْتُ إلَيْكَ مِن كَذا، فَبَرِئَ اللهُ تَعالى ورَسُولُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الكُفّارِ مِن تِلْكَ العُهُودِ الَّتِي كانَتْ ونَقَضَها الكُفّارُ، وقَرَأ أهْلُ نَجْرانَ: "مِنِ اللهِ" بِكَسْرِ النُونِ.

وهَذِهِ الآيَةُ حُكْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِنَقْضِ العُهُودِ والمُوادَعاتِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ  وبَيْنَ طَوائِفِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ظَهَرَ مِنهم أو تَحَسَّسَ مِن جِهَتِهِمْ نَقْضٌ، ولَمّا كانَ عَهْدُ رَسُولِ اللهِ  لازِمًا لِأُمَّتِهِ حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "عاهَدْتُمْ" قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: كانَتِ العَرَبُ قَدْ واثَقَها رَسُولُ اللهِ  عَهْدًا عامًا عَلى أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ المُوادَعاتِ، فَنَقَضَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأجَّلَ لِجَمِيعِهِمْ أرْبَعَةً، فَمَن كانَ لَهُ مَعَ النَبِيِّ  عَهْدٌ خاصٌّ وبَقِيَ مِنهُ أقَلُّ مِنَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ بَلَغَ بِهِ تَمامَها، ومَن كانَ أمَدُهُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أتَمَّ لَهُ عَهْدَهُ، إلّا إنْ كانَ مِمَّنْ تُحُسِّسَ مِنهُ نَقْضٌ فَإنَّهُ قُصِرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ خاصٌّ فُرِضَتْ لَهُ الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ يَسِيحُ فِيها في الأرْضِ، أيْ يَذْهَبُ مَسْرَحًا آمِنًا كالسَيْحِ مِنَ الماءِ وهو الجارِي المُنْبَسِطُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي ∗∗∗ حَتّى نَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ وهَذا يُنْبِئُ عن أنَّ رَسُولَ اللهِ  اسْتَشْعَرَ مِنَ الكُفّارِ نَقْضًا وتَرَبُّصًا بِهِ إلّا مِنَ الطائِفَةِ المُسْتَثْناةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أوَّلُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ شَوّالٌ وحِينَئِذٍ نَزَلَتِ الآيَةُ، وانْقِضاؤُها عِنْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهو انْقِضاءُ المُحَرَّمِ بَعْدَ يَوْمِ الأذانِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ أجَلُ مَن لَهُ عَهْدٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ نُزُولِ الآيَةِ، وأجَلُ سائِرِ المُشْرِكِينَ خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ الأذانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: اعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ الأجَلَ لا يَلْزَمُ إلّا مِن يَوْمِ سُمِعَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ البَراءَةَ قَدْ كانَتْ سُمِعَتْ مِن أوَّلِ شَوّالٍ، ثُمَّ كُرِّرَ إشْهارُها مَعَ الأذانِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: بَلْ أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ وآخِرُها العِشْرُونَ مِن رَبِيعِ الآخَرِ، وهي الحُرُمُ، اسْتُعِيرَ لَها الِاسْمُ بِهَذِهِ الحُرْمَةِ والأمْنِ الخاصِّ الَّذِي رَسَمَهُ اللهُ وألْزَمَهُ فِيها، وهي أجَلُ الجَمِيعِ مِمَّنْ لَهُ عَهْدٌ وتُحُسِّسَ مِنهُ نَقْضٌ، ومِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ.

وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: "كانَ مِنَ العَرَبِ مَن لا عَهْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ  جُمْلَةً، وكانَ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وتَحَسَّسَ مِنهُمُ النَقْضَ، وكانَ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ ولَمْ يَنْقُضُوا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ هو أجَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وتَحَسَّسَ مِنهم نَقْضَهُ، وأوَّلُ هَذا الأجَلِ يَوْمُ الأذانِ، وآخِرُهُ انْقِضاءُ العَشْرِ الأُوَلِ مِن رَبِيعِ الآخِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ هو حُكْمٌ مُبايِنٌ لِلْأوَّلِ حُكِمَ بِهِ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا عَهْدَ لَهُمُ البَتَّةَ، فَجاءَ أجَلُ تَأْمِينِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا، أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ وآخِرُها انْقِضاءُ المُحَرَّمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الَّذِينَ لَهم عَهْدٌ ولَمْ يَنْقُضُوا ولا تُحُسِّسْ مِنهم نَقْضٌ، وهم -فِيما رُوِيَ- بَنُو ضِمْرَةَ مِن كِنانَةَ، عاهَدَ لَهُمُ المُحَسِّرُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وكانَ بَقِي مِن عَهْدِهِمْ يَوْمَ الأذانِ تِسْعَةُ أشْهُرٍ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما أجَلُ اللهِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مَن كانَ عَهْدُهُ يَنْصَرِمُ عِنْدَ انْقِضائِها أو قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: سِيحُوا، وأمّا مَن كانَ لَهُ عَهْدٌ يَتَمادى بَعْدَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ، فَهُمُ الَّذِينَ أمَرَ اللهُ لَهم بِالوَفاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ﴾ ، مَعْناهُ: واعْلَمُوا أنَّكم لا تَغْلِبُونَ اللهَ وَلا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا مِن عِقابِهِ، ثُمَّ أعْلَمَهم بِحُكْمِهِ بِخِزْيِ الكافِرِينَ، وذَلِكَ حَتْمٌ إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ ﴾ الآيَةُ.

و( أذانٌ ) مَعْناهُ: إعْلامٌ وإشْهارٌ، و( الناسِ ) هاهُنا: عامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، و( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ ( أذانٌ ) وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ فَإنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ باقِيَةٌ، وهي عامِلَةٌ في الظَرْفِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إذْ قَدْ وُصِفَ المَصْدَرُ فَزالَتْ عنهُ قُوَّةُ الفِعْلِ، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْتَضِيهِ الألْفاظُ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ صِفَةُ الأذانِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ "مُخْزِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ.

"وَيَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ" قالَ عُمَرُ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُمْ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ يَوْمُ النَحْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي هُرَيْرَةَ وجَماعَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: كانَ الناسُ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْتَرِقِينَ إذْ كانَتِ الحُمْسُ تَقِفُ بِالمُزْدَلِفَةِ.

وكانَ الجَمْعُ يَوْمَ النَحْرِ بِمِنًى، فَلِذَلِكَ كانُوا يُسَمُّونَهُ "الحَجَّ الأكْبَرَ" أيْ: مِنَ الأصْغَرِ الَّذِي هم فِيهِ مُفْتَرِقُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا زالَ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ لَمْ يَقِفْ أحَدٌ بِالمُزْدَلِفَةِ، وقَدْ ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّ الحُمْسَ ومَنِ اتَّبَعَها وقَفُوا بِالمُزْدَلِفَةِ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ في هَذا المَعْنى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ أذَّنَ بِتِلْكَ الآيَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إثْرَ خُطْبَةِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ رَأى أنَّهُ لَمْ يُعْلِمِ الناسَ بِالإسْماعِ فَتَتَبَّعَهم بِالأذانِ بِها يَوْمَ النَحْرِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ بَعَثَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ مَن يُعِينُهُ بِالأذانِ بِها كَأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ، وتَتَبَّعُوا بِها أيْضًا أسْواقَ العَرَبِ كَذِي المَجازِ وغَيْرِهِ، فَمِن هُنا يَتَرَجَّحُ قَوْلُ سُفْيانَ: إنَّ "يَوْمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أيّامِ، بِسَبَبِ ذَلِكَ قالَتْ طائِفَةٌ: يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ: عَرَفَةُ حَيْثُ وقَعَ أوَّلَ الأذانِ، وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: هو يَوْمُ النَحْرِ حَيْثُ وقَعَ إكْمالُ الأذانِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّهُ مَن فاتَهُ الوُقُوفُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَإنَّهُ يَجْزِيهِ الوُقُوفُ لَيْلَةَ النَحْرِ، فَلَيْسَ يَوْمُ عَرَفَةَ -عَلى هَذا- يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حُجَّةَ في هَذا، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُرادُ أيّامُ الحَجِّ كُلُّها كَما تَقُولُ يَوْمُ صِفِّينَ ويَوْمُ الجَمَلِ يُرِيدُ جَمِيعَ أيّامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُ مِنًى كُلُّها، ومَجامِعُ المُشْرِكِينَ حَيْثُ كانُوا بِذِي المَجازِ وعُكاظٍ حِينَ نُودِيَ فِيهِمْ ألّا يَجْتَمِعَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَما قالَ عُثْمانُ لِعُمَرَ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ زَواجَ حَفْصَةَ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا، وكَما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ لِرَجُلٍ: ما شَغْلُكَ اليَوْمَ؟

وأنْتَ تُرِيدُ في أيّامِكَ هَذِهِ، واخْتُلِفَ لِمَ وُصِفَ بِالأكْبَرِ؟

فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ لِأنَّهُ حَجَّ ذَلِكَ العامَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ وصادَفَ أيْضًا عِيدَ اليَهُودِ والنَصارى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ أنْ يَصِفَهُ اللهُ في كِتابِهِ بِالكِبَرِ لِهَذا، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: إنَّما سُمِّيَ أكْبَرَ لِأنَّهُ حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي يُشْبِهُ نَظَرَ الحَسَنِ، وبَيانُهُ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ المُفْتَتَحَ بِالحَقِّ وإمارَةِ الإسْلامِ بِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللهِ  ، ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ، وعَزَّ فِيهِ الدِينُ وذَلَّ الشِرْكُ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في عامِ ثَمانٍ حِينَ ولّى رَسُولُ اللهِ  الحَجَّ عَتّابَ بْنَ أُسِيدٍ، بَلْ كانَ أمْرُ العَرَبِ عَلى أوَّلِهِ، فَكُلُّ حَجٍّ بَعْدَ حَجِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمُتَرَكَّبٌ عَلَيْهِ، فَحَقُّهُ لِهَذا أنْ يُسَمّى أكْبَرَ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وغَيْرُهُ: الحَجُّ أكْبَرُ بِالإضافَةِ إلى الحَجِّ الأصْغَرِ وهي العُمْرَةُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: بِالإضافَةِ إلى العُمْرَةِ في رَمَضانَ فَإنَّها الحَجُّ الأصْغَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَجُّ الأكْبَرُ: القِرانُ، والأصْغَرُ: الإفْرادُ، وهَذا لَيْسَ مِنَ الآيَةِ في شَيْءٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما ذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، ويَتَّجِهُ أنْ يُوصَفَ بِالأكْبَرِ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لا بِالإضافَةِ إلى أصْغَرَ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: الأكْبَرُ مِن سائِرِ الأيّامِ، فَتَأمَّلْهُ.

واخْتِصارُ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما ذَكَرَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن صُورَةِ تِلْكَ الحالِ، أنَّ رَسُولَ اللهِ  افْتَتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمانٍ، فاسْتَعْمَلَ عَلَيْها عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وقَضى أمْرَ حَنِينٍ والطائِفِ وانْصَرَفَ إلى المَدِينَةِ، فَأقامَ بِها حَتّى خَرَجَ إلى تَبُوكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِن تَبُوكَ في رَمَضانَ سَنَةَ تِسْعٍ، فَأرادَ الحَجَّ، ثُمَّ نَظَرَ في أنَّ المُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ في تِلْكَ السَنَةِ ويَطُوفُونَ عُراةً فَقالَ: لا أُرِيدُ أنْ أرى ذَلِكَ، فَأمَرَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى الحَجِّ بِالناسِ وأنْفَذَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ، وأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في الناسِ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ، وهِيَ: « "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ -وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ كافِرٌ- ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  عَهْدٌ فَهو لَهُ إلى مُدَّتِهِ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ: «وَمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ  عَهْدٌ فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ يَسِيحُ فِيها، فَإذا انْقَضَتْ فَإنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقُولُ: إنَّهم كانُوا يُنادُونَ بِهَذا كُلِّهِ، فَهَذا لِلَّذِينِ لَهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ مِنهم نَقْضُهُ، والإبْقاءُ إلى المُدَّةِ لِمَن لَمْ يُخْبَرْ مِنهُ نَقْضٌ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ العَرَبَ قالَتْ يَوْمَئِذٍ: نَحْنُ نَبْرَأُ مِن عَهْدِكَ وعَهْدِ ابْنِ عَمِّكَ إلّا مِنَ الطَعْنِ والضَرْبِ، فَلامَ بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: ما تَصْنَعُونَ وقَدْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ؟

فَأسْلَمُوا كُلُّهم ولَمْ يَسِحْ أحَدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحِينَئِذٍ دَخَلَ الناسُ في دِينِ اللهِ أفْواجًا، وكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى الناسِ الأرْبَعِينَ آيَةً صَدْرَ سُورَةِ بَراءَةٍ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ، وقِيلَ: عِشْرِينَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: عَشْرُ آياتٍ، وفي بَعْضِها: تِسْعُ آياتٍ، ذَكَرَها النَقّاشُ، وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى الشامِيُّ: ذَلِكَ ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً، فَلِحَقَ عَلِيٌّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الطَرِيقِ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمِيرٌ أو مَأْمُورٌ؟

فَقالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، فَنَهَضا حَتّى بَلَغا المَوْسِمَ، فَلَمّا خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِعَرَفَةَ: قالَ: قُمْ يا عَلِيٌّ فَأدِّ رِسالَةَ رَسُولِ اللهِ  ، فَقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَفَعَلَ، قالَ: ثُمَّ وقَعَ في نَفْسِي أنَّ جَمِيعَ الناسِ لَمْ يُشاهِدُوا خُطْبَةَ أبِي بَكْرٍ، فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ الفَساطِيطَ يَوْمَ النَحْرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنَّ اللهَ بَرِيءٌ" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى تَقْدِيرِ: بِأنَّ اللهَ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ، إذِ الأذانُ في مَعْنى القَوْلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَرَسُولُهُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وحَذْفِ الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنهم، هَذا هو عِنْدَ شَيْخِنا الفَقِيهِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ بْنِ الباذِشِ رَحِمَهُ اللهُ مَعْنى العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، أيْ تُؤْنِسُ بِالجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي هي مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ فَعُطِفَتْ عَلَيْها هَذِهِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ قَبْلَ دُخُولِ "أنَّ" الَّتِي لا تُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بَلْ تُؤَكِّدُهُ و"إذْ" قَدْ قُرِئَتْ بِالكَسْرِ، لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "أنَّ" بِالفَتْحِ، وانْظُرْهُ فَإنَّهُ مُخْتَلِفٌ في جَوازِهِ، لِأنَّ حُكْمَ "أنَّ" رَفْعُ حُكْمِ الِابْتِداءِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ وما أشْبَهَهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ، وأبِي عَلِيٍّ رَحِمَهُما اللهُ، ومَذْهَبُ الأُسْتاذِ عَلى مُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ ألّا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ "أنْ" إذْ هو مُعْرَبٌ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ عَمَلُ العامِلِ، ولِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ "أنَّ" و"لَيْتَ" و"لَعَلَّ"، والإجْماعُ ألّا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ،:وَقِيلَ عَطْفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ الَّذِي في "بَرِيءٌ"، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ المَجْرُورَ قامَ مَقامَ التَوْكِيدِ، كَما قامَتْ "وَلا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "رَسُولَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ المَكْتُوبَةِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ امْتَحَنَ مُعاوِيَةُ أبا الأسْوَدِ حَتّى وضَعَ النَحْوَ إذْ جَعَلَ قارِئًا يَقْرَأُ بِخَفْضِ "وَرَسُولُهُ".

والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: بَرِيءٌ مِن عُهُودِهِمْ وأدْيانِهِمْ بَراءَةً عامَّةً تَقْتَضِي المُحارَجَةَ وإعْمالَ السَيْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُبْتُمْ ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ، ووَعَدَهم مَعَ شَرْطِ التَوْبَةِ، وتَوَعَّدَهم مَعَ شَرْطِ التَوَلِّي، وجازَ أنْ تَدْخُلَ البِشارَةُ في المَكْرُوهِ لَمّا جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ مَرْفُوعَ الإشْكالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ فَسِيحُواْ فِى الارض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

الفاء للتفريع على معنى البراءة، لأنّها لمّا أمر الله بالإذان بها كانت إعلاماً للمشركين، الذين هم المقصود من نقض العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، فضمير الخطاب في فعل الأمر معلوم منه أنّهم الموجه إليهم الكلام وذلك التفات.

فالتقدير: فليسيحوا في الأرض ونكتة هذا الالتفات إبلاغ الإنذار إليهم مباشرة.

ويجوز تقدير قول محذوف مفرّع على البراءة من عهودهم، أي فقل لهم: سيحوا في الأرض أربعة أشهر.

والسياحة حقيقتها السير في الأرض.

ولمّا كان الأمر بهذا السير مفرّعاً على البراءة من العهد، ومقرّراً لحرمة الأشهر الحرام، علم أنّ المراد السير بأمن دون خوف في أي مكان من الأرض، وليس هو سيرهم في أرض قومهم، دلّ على ذلك إطلاق السياحة وإطلاق الأرض، فكان المعنى: فسيحوا آمنين حيثما شئتم من الأرض.

وهذا تأجيل خاصّ بعد البراءة كان ابتداؤه من شوال وقت نزول براءة، ونهايته نهاية محرّم في آخر الأشهر الحرم المتوالية، وهي: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم.

وهذا قول الجمهور قال ابن إسحاق: وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذّن فيهم ليرجع كلّ قوم إلى مأمنهم وقال بعضهم: هي أربعة أشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجّة وتنتهي في عاشر ربيع الآخر، فيكون قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ [التوبة: 5] (أي من ذلك العام) تنهيةً لذلك الأجل روعي فيها المدّة الكافية لرجوع الناس إلى بلادهم، وذلك نهاية المحرّم.

وقيل: الأشهر الأربعةُ هي المعروفة عندهم في جميع قبائِل العرب وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورَجب، أي فلم يبق للمشركين أمْنٌ إلاّ في الأشهر الحرم وعلى هذا فليس في الآية تأجيل خاصّ لتأمينهم، ولكنّه التأمين المقرّر للأشهر الحرم فيكون المعنى: البراءة من العهد الذي بينهم فيما زاد على الأمن المقرّر للأشهر الحرم.

وحكى السهيلي في «الروض الأنف» أنّه قيل إنّه أراد بانسلاخ الأشهر الحرم ذا الحجّة والمحرم من ذلك العام، وأنّه جعل ذلك أجلاً لمن لا عهد له من المشركين ومن كان له عهد جعل له عهد جعل له أربعة أشهر أولها يوم النحر من ذلك العام.

وفي هذا الأمر إيذان بفرض القتال في غير الأشهر الحرم، وبأنّ ما دون تلك الأشهر حَرب بين المسلمين والمشركين، وسيقع التصريح بذلك.

﴿ واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين ﴾ .

عطف على ﴿ فسيحوا ﴾ داخل في حكم التفريع، لأنّه لمّا أنبأهم بالأمان في أربعة الأشهر عقبه بالتخويف من بأس الله احْتراساً من تطرّق الغرور، وتهديداً بأنّ لا يطمئنوا من أنْ يسلّط الله المسلمين عليهم في غير الأشهر الحرم، وإن قبعوا في ديارهم.

وافتتاح الكلام ب ﴿ واعلموا ﴾ للتنبيه على أنّه ممّا يحقّ وعيه، والتدبر فيه، كقوله: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ في سورة الأنفال (24)، وقد تقدّم التنبيه عليه.

والمُعجز اسم فاعل، من أعجز فلاناً إذا جعَله عاجزاً عن عمل مَّا، فلذلك كان بمعنى الغالب والفائِت، الخارج عن قدرة أحد، فالمعنى: أنّكم غير خارجين عن قدرة الله، ولكنّه أمّنكم وإذا شاء أوقعكم في الخوف والبأس.

وعُطف قوله: وأن الله مخزي الكافرين } على قوله: ﴿ أنكم غير معجزي الله ﴾ فهو داخل في عمل ﴿ واعلموا ﴾ فمقصود منه وعيه والعلم به كما تقدم آنفاً.

وكان ذكر ﴿ الكافرين ﴾ إخراجاً على خلاف مقتضى الظاهر: لأنّ مقتضى الظاهر أن يقول: وإنّ الله مخزيكم، ووجه تخريجه على الإظهار الدلالة على سبيبة الكفر في الخزي.

والإخزاء: الإذلال.

والخزي بكسر الخاء الذلّ والهوان، أي مقدّر للكافرين الإذلال: بالقتل، والأسر، وعذاب الآخرة، ما داموا متلبّسين بوصف الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ التَّوْبَةِ مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ بَراءَةٍ تُسَمّى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  (الفاضِحَةَ) لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ.

وَحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّها كانَتْ تُسَمّى في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  (المُبَعْثِرَةَ) لِما كَشَفَتْهُ مِن أسْرارِ النّاسِ، وهي مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.

قالَ مُقاتِلٌ وحْدَهُ: إلّا آيَتَيْنِ مِن آخِرِها ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ نَزَلَتا بِمَكَّةَ.

﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ في تَرْكِ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها والأنْفالَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ في المَقْصُودِ لِأنَّ الأُولى في ذِكْرِ العُهُودِ، والثّانِيَةَ في رَفْعِ العُهُودِ، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَتا تُدْعَيانِ القَرِينَتَيْنِ، ولِذَلِكَ وُضِعَتا في السَّبْعِ الطُّوَلِ.

وَحَكاهُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ.

الثّانِي: أنَّ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ أمانٌ، وبَراءَةُ نَزَلَتْ بِرَفْعِ الأمانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ فَأنْفَذَها رَسُولُ اللَّهِ  مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَقْرَأها في المَوْسِمِ بَعْدَ تَوَجُّهِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى الحَجِّ، وكانَ أبُو بَكْرٍ صاحِبَ المَوْسِمِ، وقالَ النَّبِيُّ  : « (لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي).» حَكى ذَلِكَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ الَّذِي أنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ  مِن سُورَةِ التَّوْبَةِ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها.

حَكى مُقاتِلٌ أنَّها تِسْعُ آياتٍ تُقْرَأُ في المَوْسِمِ، فَقَرَأها عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في يَوْمِ النَّحْرِ عَلى جَمْرَةِ العَقَبَةِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها انْقِطاعُ العِصْمَةِ مِنهُما.

والثّانِي: أنَّها انْقِضاءُ عَهْدِهِما.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ وهَذا أمانٌ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: انْصَرِفُوا فِيها إلى مَعايِشِكم.

والثّانِي: سافِرُوا فِيها حَيْثُ أرَدْتُمْ.

وَفي السِّياحَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها السَّيْرُ عَلى مَهْلٍ.

والثّانِي: أنَّها البُعْدُ عَلى وجَلٍ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن جُعِلَ لَهُ أمانُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها أجَلًا لِمَن كانَ رَسُولُ اللَّهِ  قَدْ أمَّنَهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ولِمَن كانَ أجَلُ أمانِهِ غَيْرَ مَحْدُودٍ ثُمَّ هو بَعْدَ الأرْبَعَةِ حَرْبٌ، فَأمّا مَن لا أمانَ لَهُ فَهو حَرْبٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهُرِ أمانُ أصْحابِ العَهْدِ، مَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِنها حُطَّ إلَيْها، ومَن كانَ عَهْدُهُ أقَلَّ مِنها رُفِعَ إلَيْها، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ جُعِلَ لَهُ أمانُ خَمْسِينَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى سَلْخِ المُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهُرِ عَهْدُ المُشْرِكِينَ كافَّةً، المُعاهَدُ مِنهم وغَيْرُ المُعاهَدِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهُرِ عَهْدٌ وأمانٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ  عَهْدٌ ولا أمانٌ، أمّا أصْحابُ العُهُودِ فَهم عَلى عُهُودِهِمْ إلى انْقِضاءِ مُدَدِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

واخْتَلَفُوا في أوَّلِ مَدى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أوَّلَها يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ وهو يَوْمُ النَّحْرِ، وآخِرُها انْقِضاءُ العاشِرِ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ أوَّلَها يَوْمُ العِشْرِينَ مِن ذِي القِعْدَةِ، وآخِرُها يَوْمُ العِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في العَشْرِ مِن ذِي الحِجَّةِ وفِيها حِجَّةُ الوَداعِ، لِأجْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ النَّسِيءِ، فَأقَرَّهُ النَّبِيُّ  فِيهِ حَتّى نَزَلَ تَحْرِيمُ النَّسِيءِ وقالَ: « (إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ).» ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ أيْ لا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا ولا تَفُوتُونَهُ طَلَبًا.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالسَّيْفِ لِمَن حارَبَ والجِزْيَةِ لِمَنِ اسْتَأْمَنَ.

والثّانِي: في الآخِرَةِ بِالنّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ﴾ إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد وغيرهم، أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج، ثم قال: «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر رضي الله عنه وعلياً رضي الله عنه فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها وبالموسم كله، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات، عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الأوّل، ثم عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا» .

وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: «لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، ورجع أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟

قال: لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله عنه، ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، فدعا علياً فأعطاه إياه» .

وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى أهل مكة، ثم بعث علياً رضي الله عنه على أثره فأخذها منه، فكأن أبا بكر رضي الله عنه وجد في نفسه؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر أنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه بأربع: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده، وإن الله ورسوله بريء من المشركين» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه بأربع.

لا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده، وأن الله ورسوله بريء من المشركين.

وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أمره أو أجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك» .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه أمره أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر فقال أبو هريرة: ثم اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه، أمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر رضي الله عنه على الموسم كما هو، أو قال: على هيئته.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر رضي الله عنه على الحج، ثم أرسل علياً رضي الله عنه ببراءة على أثره، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم المقبل، ثم خرج فتوفي، فولي أبو بكر رضي الله عنه فاستعمل عمر رضي الله عنه على الحج، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه من قابل ثم مات، ثم ولي عمر رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم كان يحج بعد ذلك هو حتى مات، ثم ولي عثمان رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم كان يحج حتى قتل» .

وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه يؤدي عنه براءة، فلما أرسله بعث إلى علي رضي الله عنه فقال: يا علي إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت، فحمله على ناقته العضباء فسار حتى لحق بأبي بكر رضي الله عنه فأخذ منه براءة، فأتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزل فيه شيء، فلما أتاه قال: ما لي يا رسول الله؟!

قال: «خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض، غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى الموسم، فأتى جبريل عليه السلام فقال: إنه لن يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك، فبعث علياً رضي الله عنه على أثره حتى لحقه بين مكة والمدينة، فأخذها فقرأها على الناس في الموسم.

وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذن بمنى: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن معنا علي رضي الله عنه في أهل منى يوم النحر ببراءة: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً رضي الله عنه وأمره أن ينادي بها، فانطلقا فحجا فقام علي رضي الله عنه في أيام التشريق فنادى ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ ولا يَحُجَّنَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن.

فكان علي رضي الله عنه ينادي بها» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن المنذر والنحاس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن زيد بن تبيع رضي الله عنه قال: سألنا علياً رضي الله عنه بأي شيء بعثت مع أبي بكر رضي الله عنه في الحج؟

قال: بعثت بأربع.

لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.

وأخرج إسحاق بن راهويه والدارمي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر رضي الله عنه أن النبي بعث أبا بكر على الحج، ثم أرسل علياً رضي الله عنه ببراءة.

فقرأها على الناس في موقف الحج حتى ختمها.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الناس سنة تسع وكتب له سنن الحج، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بآيات من براءة فأمره أن يؤذن بمكة وبمنى وعرفة وبالمشاعر كلها: بأنه برئت ذمة رسوله من كل مشرك حج بعد العام، أو طاف بالبيت عريان، وأجل من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد أربعة أشهر، وسار علي رضي الله عنه على راحلته في الناس كلهم يقرأ عليهم القرآن ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقرأ عليهم ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [ الأعراف: 31] الآية» .

وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ببراءة، فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا غلام حديث السن، واسأل عن القضاء ولا أدري ما أجيب؟

قال: ما بد من أن تذهب بها أو أذهب بها.

قلت: إن كان لا بد فأنا أذهب.

قال: انطلق فأن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك، ثم قال: انطلق فاقرأها على الناس» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ براءة من الله ورسوله...

﴾ الآية.

قال: حدَّ الله للذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاؤوا، وحد أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ الحرم خمسين ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإِسلام ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق، وإن ذهب الشرط الأوّل ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ [ التوبة: 4] يعني أهل مكة.

وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقوم عهود فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤجلهم أربعة أشهر يسيحون فيها ولا عهد لهم بعد ما وأبطل ما بعدها، وكان قوم لا عهود لهم فأجلهم خمسين يوماً، عشرين من ذي الحجة والمحرم كله، فذلك قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] قال: ولم يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحداً.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ قال: برئ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهودهم كما ذكر الله عزَّ وجلَّ.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس عن الزهري رضي الله عنه ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ قال: نزلت في شوّال فهي الأربعة أشهر شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ الآية (١) (٢) (٣) (٤) قال الزجاج: "معناه: اذهبوا فيها وأقبلوا وأدبروا" (٥) قال ابن الأنباري: "ويضمر القول على تقدير: فقل لهم: سيحوا، ويكون هذا رجوعًا من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ ...

﴾ الآية [الإنسان: 22].

قال المفسّرون: "هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن كانت مدّة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة أشهر (٦) (٧) وروى الوالبي عن ابن عباس في هذه الآية قال: "حدّ الله للذين عاهدوا رسول الله أربعة أشهر يسيحون فيها حيثما شاؤا، وأجل من ليس له عهدٌ عند انسلاخ الأشهر الحرم، من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، خمسين ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره بأن يضع السيف فيهم حتى يدخلوا في الإسلام" (٨) (٩) وقال محمد بن إسحاق: "من كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر أمهل تمام الأربعة، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود قصر به على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيثما أدرك، وأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يومًا، وابتداء هذا الأجل يوم النحر وانقضاؤه إلى عشر (١٠) (١١) وقال الزهري: "الأربعة أشهر شوال، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم؛ لأن هذه الآية نزلت في شهر شوال" (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: حيثما كنتم وحيثما توجهتم لا يعجز الله عن نقمته فيكم" (١٣) وقال الزجاج: "إي وإن أُجلتم هذه الأربعة أشهر فلن تفوتوا الله" (١٤) وقال غيره (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴾ قال ابن عباس: "بالقتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة" (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (١) ساقطة من (م).

(٢) في (ح) و (ى): (النحويون).

(٣) انظر: "لسان العرب" (سيح) 4/ 2167.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 429.

(٦) هذا القول غير صحح؛ بل من كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر فعهده باقٍ إلى إتمام مدته ويدل على ذلك لأدلة التالية: أ- قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ  ﴾ .

ب- قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ  ﴾ .

جـ- عن زيد بن أثيع قال: "سألنا عليًا: بأي شيء بعثت؟

يعني يوم بعثه النبي -  - مع أبي بكر في الحجة، قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي -  - عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا".

رواه الترمذي (871)، ئ ب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانًا، وقال: حديث حسن، ورواه أيضًا أحمد في== "المسند" 2/ 32 (تحقيق: أحمد شاكر) وقال المحقق: إسناده صحيح، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" رقم (1101)، والقول بأن صاحب العهد عهده باق إلى تمام مدته ذهب إليه ابن جرير 10/ 65، وابن كثير 2/ 366.

(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 420، و"تفسير البغوي" 4/ 8، ونحوه في تفسير الثعلبي 6/ 75 أ، وابن جرير 15/ 59 - 61، والماوردي 2/ 338، ونسبه لابن عباس والضحاك وقتادة (٨) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 60، وابن أبي حاتم 6/ 1746، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 380.

(٩) يعني ابن عباس، وهذا القوك ليس من رواية الوالبي الصحيحة كما يبدو من صنيع المؤلف بل من رواية العوفي وهي ضعيفة جدًا.

انظرها في: "تفسير ابن جرير" 10/ 60.

(١٠) في (جـ): (عشرين)، وهو تصحيف بين، والصواب ما أثبته.

(١١) لم أجد هذا القول في "السيرة النبوية"، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 75 أمنسوبًا إلى محمد بن إسحاق وغيره، وذكر بعضه ابن جرير 10/ 59 شارحًا به قول محمد بن إسحاق.

والذي يظهر لي أن أصل القول لابن جرير موضحًا به قول ابن إسحاق، ونقله عنه الثعلبي بهذا المعنى وزاد عليه زيادات، فتوهم الواحدي أنه قول ابن إسحاق، والله أعلم.

(١٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 240، وابن جرير 10/ 62، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 412، وهو قول مردود بدلالة أن علي بن أبي طالب -  - إنما قرأ على المشركين هذه الآية في ذي الحجة، يوم الحج الأكبر، فيجب أن يكون هذا اليوم أول الشهور.

انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس، الموضع السابق.

(١٣) "الوسيط" 2/ 476، وفي "تنوير المقباس" (187): "غير فائتين من القتل".

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 429.

(١٥) ذكر نحو هذا القول: ابن جرير 10/ 67.

(١٦) في (م): (حيث).

(١٧) "الوسيط" 2/ 476، و"تفسير الرازي" 16/ 220.

(١٨) في (م): (نصرة للمؤمنين)، وفي"معاني القرآن" للزجاج: بنصرة المؤمنين.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 429.

(٢٠) في (ح): (والآخر)، وفي (م): (والأخرى)، وكلاهما خطأ.

(٢١) في (ى): (والنكال).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض ﴾ أي سيروا آمنين أربعة أشهر، وهي الأجل الذي جعل لهم، واختلف في وقتها فقيل: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، لأن السورة نزلت حينئذ وذلك عام تسعة، وقيل: هي من عيد الأضحى إلى تمام العشر الأول من ربيع الآخر، لأنهم إنما علموا بذلك حينئذ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث تلك السنة أبا بكر الصديق يحج بالناس، ثم بعث بعده علي بن أبي طالب فقرأ على الناس سورة براءة يوم عرفة وقيل: يوم النحر ﴿ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ أي لا تفوتونه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: ذلك في قوم كان بينهم وبين رسول الله عهد على غير مدة مبينة، فأمر بنقض العهد المرسل وجعله في أربعة الأشهر التي ذكر في قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

وقال بعضهم: هي في قوم كان لهم عهد دون أربعة أشهر، فأمر بإتمام أربعة أشهر؛ [و] دليله قوله: ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .

وقال أبو بكر الكيساني: الآية في قوم كانت عادتهم نقض العهد ونكثه؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ  ﴾ فأمر [أن يعطي العهد أربعة أشهر التي ذكر في الآية ثم الحرب بعد ذلك.

وقال بعضهم: لما نزل قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بعث رسول الله] عليّاً إلى الموسم ليقرأه على الناس، فقرأ عليهم: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ من العهد غير أربعة أشهر ﴿ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

على ما ذكرنا حمل هؤلاء كلهم قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ على النقض.

وعندنا يحتمل غير هذا، وهو أن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في إمضاء العهد ووفائه، والبراءة هي الوفاء، وإتمامه ليس على النقض؛ [لأنه قال: إلى الذين عاهدتم من المشركين والبراءة إليهم هي الأمان والعهد إليهم، ولو كان على النقض لقال: "من الذين عاهدتم من المشركين" فدل أنه هو إتمام إعطاء العهد إليهم] وإمضاؤه إليهم، [ويؤيد هذا] ما قال بعض أهل الأدب: إن البراءة هي الأمان؛ يقال: كتبت له براءة، أي: أماناً؛ هذا الذي ذكرنا أشبه مما قالوا، أعني: أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

أي: سيروا واذهبوا في الأرض ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ أي: في مدة العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ .

أي: اعلموا أن المؤمنين وإن أعطوا لكم العهد في وقت فإنكم غير معجزي الله وأولياءه، ولا فائتين عنكم في تلك المدة.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ ﴾ الخزي: هو العذاب الفاضح الذي يفضحهم ويظهر عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك العذاب والإخزاء الذي ذكر في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .

قال القتبي: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: إعلام، ومنه أذان الصلاة، وهو الإعلام؛ يقال: آذنتهم إيذاناً.

وكذلك قال أبو عوسجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ يكون في قوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ دلالة ما قال أهل التأويل من النقض؛ لأن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يكون فيه انقضاء العهد وإتمامه إلى المدة التي ذكر، ويكون ما روي في الخبر [وذكر] في القصة "أن نبي الله  لما نزل ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ بعث أبا بكر على حج الناس، يقيم للمؤمنين حجهم، وبعث معه بـ ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ السورة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي، فقال للنبي  : بأبي أنت وأمي، نزل في شيء؟

قال: لا، ولكن لا يبلغ غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنت صاحبي في الغار، وأنت أخي في الإسلام، وأنت ترد على الحوض يوم القيامة؟!

قال: بلى يا رسول الله" .

فمضى أبو بكر على الناس، ومضى علي بن أبي طالب بالبراءة، فقام على بالموسم، فقرأ على الناس: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ : من العهد، غير أربعة أشهر؛ فإنهم يسيحون فيها.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: هو يوم النحر؛ لأن فيه ذكر طواف البيت وحج البيت.

وقال بعضهم: هو يوم عرفة؛ لأنه هو الذي يوقف فيه بعرفة، وبه يتم الحج على ما روي في الخبر: [ "الحج عرفة، ومن أدرك عرفة بليل وصلي معنا بجمع، فقد تم حجه وقضى تفثه، بإدراكه يتم الحج] وبفوته يفوت" وعن الحسن أنه سئل فقيل [له]: ما الحج الأكبر؟

فقال: سنة حج المسلمون والمشركون جميعاً، اجتمعوا بمكة، وفي ذلك اليوم كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، لم يكن قبله ولا بعده، فسماه الله الحج الأكبر.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يسمي الله عيد النصارى واليهود يوم الحج الأكبر، وهو يوم نزول السخط عليهم واللعنة، ولكن جائز أن يسمى بذلك؛ لاجتماع الخلائق فيه من كل نوع؛ على ما سمي يوم الحشر يوماً [عظيما]؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

أي: إن تبتم عما كنتم عليه فهو خير لكم؛ لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان في قلوبهم، ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين؛ على ما روي في الخبر أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ : عما ذكرنا، ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير فائتين من نقمة الله وعذابه.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ عن نقض العهد فهو خير لكم [في الدنيا]، والأول: فإن تبتم وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة.

وروي في بعض الأخبار عن علي -  - "أنه سئل: بأي شيء بعثت؟

قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي -  - عهد فعهده أربعة أشهر، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم مشرك بعد هذا" .

وفي بعض الأخبار: ولا يحج المشرك بعد عامه هذا، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد؛ لأنه قال في ملأ من الناس بالموسم: لا يحج مشرك بعد هذا، مع كثرة أولئك وقوتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم، ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أحد أن يدخل مكة للحج وغيره، دل أن ذلك أن كله كان بالله -  - لا بهم.

ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ببراءة، ثم أتبعه عليّاً، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي  فقال: هل نزل في شيء؟

قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني" - على أن عليّاً هو المستحق للخلافة، وهو الأحق بها دون أبي بكر؛ حيث قال: "لا يبلغ عني غيري أو رجل مني".

لكن يحتمل أنه وَلَّى ذلك عليّاً؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهداً أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم، فولى ذلك عليّاً؛ لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه فيقولون: لم ينقض علينا العهد.

أو أن يقال: ولى عليّاً أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك، فكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات، وعلي أمر الحروب، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات.

أو أن يقال: إن أبا بكر كان أمير الموسم، وعليّاً كان مناديه، فالأمير في شاهدنا أجل قدراً وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليّاً ذلك؛ لما أن ذلك كان أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ "قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .

أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين، ولا ظاهروا عليهم أحداً، وأما الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكثه فإنه لا يتم لهم، ولكن ينقض، وكذلك تأولوا قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : النقض.

ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، ويكون العذاب الأليم هو القتل والأسر؛ كأنه يقول: وبشر الذين كفروا بالقتل والأسر ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ أي: لم يخونوكم شيئاً ما داموا في العهد، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعاونوا ولا أطلعوا أحداً من المشركين عليكم، ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ  ﴾ أمر بالنبذ إليهم عند خوف الخيانة، وأمر بالإتمام إذا لم يخونوا ولم يظاهروا عليهم أحداً.

ودل قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير معجزي أولياء الله في عذاب الدنيا؛ لأنهم جميعاً سواء في عذاب الآخرة، مشتركون فيه.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مدة القوم أربعة أشهر بعد يوم النحر لعشر مضين من ربيع الآخر لمن كان له عهد، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، خمسون ليلة.

وقال بعضهم: إلا الذين عاهدتم من المشركين بالحديبية فلم يبرأ الله ورسوله من عهدهم من الأشهر الأربع [ثم لم ينقصوكم في الأشهر الأربع]، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعينوا على قتالكم أحداً من المشركين، أي: [إن] لم يفعلوا ذلك ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ وهو الأربعة الأشهر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي والشرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ ﴾ قال بعضهم: الأشهر الحرم وهي أشهر العهد والأمان، فإذا انسلخ تلك الأشهر ومضت، ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

وقال بعضهم: الأشهر الحرم هي الأشهر التي خلقها الله وجعلها حراماً؛ كقوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: حيث وجدتموهم وخذوهم في الأماكن كلها؛ لأن "حيث" إنما يترجم عن مكان، [و]أمر بقتلهم في الأماكن كلها؛ لأنه لم يخص مكاناً دون مكان.

وقال آخرون: هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم، دليله ما ذكر في السورة التي ذكر فيها البقرة، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم  ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام.

وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم، فإذا دخلوا الحرم وقد نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك، على ما روي أن عليّاً نادى بالموسم: ألا لا يحجن بعد العام مشرك - فإذا دخلوا يقتلون، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلتهم إيانا، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ قيل: ائْسِروهم.

وقوله: ﴿ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ قيل: احبسوهم، ﴿ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ ، والمرصد: الطريق؛ كأنه أمر بقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ بقتلهم إذا قدروا عليهم، وأمكن لهم ذلك، والأسر عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن، وحفظ المراصد عند غير الإمكان؛ لئلا يغروا، ويقال: أرصدت له، أي: انتظرت أن أجد فرصتي، ويقال: ترصدته، أي: انتظرته.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ أي: كل طريق يرصدونكم؛ كأنه أمر بذلك؛ ليضيق عليهم الأمر؛ ليضجروا وينقادوا.

وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد؛ ليضيق عليهم الأمر ويشتد، فينقادوا، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم.

وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ أي: أقيموا عليهم الحجج والبراهين؛ ليضطروا إلى قبول ذلك، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ : [قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين، فقال: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ وقال: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ] فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة؛ لأن الله -  - إنما رفع القتل عنهم بالإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم، وكذلك فعل أبو بكر الصديق لما ارتدت العرب ومنعتهم الزكاة حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه.

روي عن أنس قال: "لما توفي رسول الله  ارتدت العرب كافة، فقال عمر: يا أبا بكر، أتريد أن تقاتل العرب كافة؟!

فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله  : إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، منعوني دماءهم وأموالهم والله لو منعوني عناقاً مما كانوا يعطون رسول الله  قاتلتهم عليه.

قال عمر: فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه الحق" .

وفي بعض الأخبار قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونصلي، ولكن لا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر، فقالوا: دعهم؛ فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدَّوْا، فقال: والله، لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله  قاتلتهم عليه، قيل: أو قاتل رسول الله على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال الله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ، والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن، فقالوا: إنا نزكي، ولكن لا ندفعها [إليك]، فقال: والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله  وأضعها مواضعها.

وقال آخرون: قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ في قبولهم والاعتقاد بهما دون فعلهما، لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلى أن يحول الحول فيؤخذون بأداء الزكاة - دل على أنه على القبول والإقرار بذلك، واستدلوا بما روي في بعض الأخبار عن رسول الله  قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله [فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وقالوا في بعض الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إ لا الله]، وإني رسول الله، فإذا قالوا ذلك: عصموا مني ..." كذا، وفي بعضها: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني..." كذا دل ما ذكرنا من الزيادات والنقصان [أن ذلك] في قوم مختلفين، وأنه على القبول لذلك والاعتقاد، لا على الفعل نفسه، فمن كان لا يقرأ بشيء من ذلك، فإذا قال: لا إله إلا الله، كان ذلك منه إيماناً في الظاهر، ومن كان يقول: لا إله إلا الله، ولا يقول: محمد رسول الله، فإذا قال ذلك كان ذلك منه إيماناً، ومن كان يقر بهذين ولا يقر بالصلاة والزكاة، فإذا أقر بذلك كان ذلك منه إيماناً، فهو على الإقرار به والاعتقاد، لا على الفعل، ألا ترى أن للأئمة أن يأخذوا منهم الزكاة شاءوا أو أبو؟!

فلو كان الأداء من شرط الإيمان لكانوا غير مؤمنين بأخذ هؤلاء.

واختلف الصحابة والروايات في الحج الأكبر: روي عن عبد الله بن الزبير [عن أبيه] قال: قال النبي -  - يوم عرفة: "هل تدرون أي يوم هذا؟

قالوا: نعم، اليوم الحرام، يوم الحج الأكبر، قال: فإن الله قد حرم دماءكم وأموالكم عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا" وعن عمر -  - أنه سئل عن الحج الأكبر، فقال: يوم عرفة.

وعنه: أنه وقف عليهم يوم عرفة فقال: إن هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد.

وعن ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر.

وفي بعض الأخبار عنه  أنه خطب على ناقة حمراء يوم النحر، فقال رسول الله: "أتدرون أي يوم هذا؟

هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر" وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: رأيت أو قال: "سمعت - رسول الله   يقول يوم النحر عند المحراب في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟، قالوا: هذا يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟

قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟، قالوا: شهر حرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت " وعن الحارث [قال]: سألت عليّاً عن الحج الأكبر، فقال: يوم النحر.

وعن المغيرة بن شعبة: أنه خطب يوم العيد، فقال: "هذا يوم النحر، ويوم الأضحى، ويوم الحج الأكبر".

وعن ابن عباس -  - قال: "الحج الأكبر: يوم النحر".

وفيه قول ثالث: ما روي أنه كان في كتاب رسول الله الذي كتبه لعمرو بن حزم: "والحج الأصغر العمرة".

وعن ابن عباس: العمرة: هي الحجة الصغرى.

وسئل عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر، فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والأصغر العمرة.

فأما حديث عمرو بن حزم: فهو حكاية عن كتاب، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر، إنما يذكر فيه الحج الأصغر، ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال: يوم عرفة [هو] يوم الحج الأكبر؛ لأنه يقضى فيه فرض الحج وهو الوقوف، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، وجاز أن يقال: هو يوم النحر؛ لأنه فيه يقضى طواف الزيارة، وهو فرض ويقضى فيه أكبر مناسك الحج؛ بل يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضاً من فرائض الحج، وهو الوقوف، ويقضي في يوم النحر فرضاً آخر من فرائضه، وهو طواف الزيارة، ويقضي مع ذلك [أكثر] مناسك الحج، فقد استوى هذان اليومان في أنه يُقْضَى في كل واحد منهما فرض من فرائض الحج، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج، ولا يفعل في يوم عرفة شيئاً من النسك إلا الوقوف بعرفة.

واحتج بعض الناس بفرضية العمرة بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو العمرة، والأكبر هو الحج، بما سميت العمرة حجّاً، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.

وعن علي وأبي هريرة وابن أبي أوفى -  م - أنهم قالوا: الحجة الكبرى: يوم النحر.

وعن عمر وابن عباس أنهما قالا: يوم عرفة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فسيروا -أيها المشركون- في الأرض مدة أربعة أشهر آمنين، ولا عهد لكم بعدها ولا أمان، وأيقنوا أنكم لن تفلتوا من عذاب الله وعقابه إن استمررتم على كفركم به، وأيقنوا أن الله مُذِل الكافرين بالقتل والأسر في الدنيا، وبدخول النار يوم القيامة.

ويشمل هذا من نقضوا عهدهم، ومن كان عهدهم مطلقًا غير مؤقت، وأما من له عهد مؤقت ولو كان أكثر من أربعة أشهر فإنه يُتَم له عهده إلى مدته.

<div class="verse-tafsir" id="91.6yvKR"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله