الآية ٣ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣ من سورة التوبة

وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 182 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : وإعلام ) من الله ورسوله ) وتقدم وإنذار إلى الناس ، ( يوم الحج الأكبر ) وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكثرها جمعا ( أن الله بريء من المشركين ورسوله ) أي : بريء منهم أيضا .

ثم دعاهم إلى التوبة إليه فقال : ( فإن تبتم ) أي : مما أنتم فيه من الشرك والضلال ( فهو خير لكم وإن توليتم ) أي : استمررتم على ما أنتم عليه ( فاعلموا أنكم غير معجزي الله ) بل هو قادر ، وأنتم في قبضته ، وتحت قهره ومشيئته ، ( وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) أي : في الدنيا بالخزي والنكال ، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال .

قال البخاري - رحمه الله - : حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر - رضي الله عنه - في تلك الحجة في المؤذنين ، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : ألا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

قال حميد : ثم أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلي بن أبي طالب ، فأمره أن يؤذن ببراءة .

قال أبو هريرة : فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة وألا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

ورواه البخاري أيضا : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ، وإنما قيل : " الأكبر " ، من أجل قول الناس : " الحج الأصغر " ، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام ، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشرك .

وهذا لفظ البخاري في كتاب " الجهاد " .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في قوله : ( براءة من الله ورسوله ) قال : لما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - زمن حنين ، اعتمر من الجعرانة ، ثم أمر أبا بكر على تلك الحجة - قال معمر : قال الزهري : وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر قال أبو هريرة : ثم أتبعنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا ، وأمره أن يؤذن ببراءة ، وأبو بكر على الموسم كما هو ، أو قال : على هيئته .

وهذا السياق فيه غرابة ، من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد ، فأما أبو بكر إنما كان أميرا سنة تسع .

وقال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن محرر بن أبي هريرة ، عن أبيه قال : كنت مع علي بن أبي طالب ، حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل مكة " ببراءة " ، فقال : ما كنتم تنادون ؟

قال : كنا ننادي : ألا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك .

قال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي .

وقال الشعبي : حدثني محرر بن أبي هريرة ، عن أبيه قال : كنت مع ابن أبي طالب - رضي الله عنه - حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي ، فكان إذا صحل ناديت .

قلت : بأي شيء كنتم تنادون ؟

قال : بأربع : لا يطوف بالكعبة عريان ، ومن كان له عهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعهده إلى مدته ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يحج بعد عامنا مشرك .

رواه ابن جرير من غير ما وجه ، عن الشعبي .

ورواه شعبة ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، به إلا أنه قال : ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد ، فعهده إلى أربعة أشهر .

وذكر تمام الحديث .

قال ابن جرير : وأخشى أن يكون وهما من بعض نقلته ؛ لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، عن سماك ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث ب " براءة " مع أبي بكر ، فلما بلغ ذا الحليفة قال : لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي .

فبعث بها مع علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .

ورواه الترمذي في التفسير ، عن بندار ، عن عفان وعبد الصمد ، كلاهما عن حماد بن سلمة به ، ثم قال : حسن غريب من حديث أنس ، رضي الله عنه .

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدثنا محمد بن سليمان - لوين - حدثنا محمد بن جابر ، عن سماك ، عن حنش ، عن علي - رضي الله عنه - قال : لما نزلت عشر آيات من " براءة " على النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر ، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ، ثم دعاني فقال : أدرك أبا بكر ، فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه ، فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم .

فلحقته بالجحفة ، فأخذت الكتاب منه ، ورجع أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، نزل في شيء ؟

فقال : لا ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك .

هذا إسناد فيه ضعف .

وليس المراد أن أبا بكر - رضي الله عنه - رجع من فوره ، بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما جاء مبينا في الرواية الأخرى .

وقال عبد الله أيضا : حدثني أبو بكر ، حدثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط بن نصر ، عن سماك ، عن حنش ، عن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه ب " براءة " قال : يا نبي الله ، إني لست باللسن ولا بالخطيب ، قال : ما بد لي أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت .

قال : فإن كان ولا بد فسأذهب أنا .

قال : انطلق ، فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك .

قال : ثم وضع يده على فيه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع - رجل من همدان - : سألنا عليا : بأي شيء بعثت ؟

يعني : يوم بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر في الحجة ، قال : بعثت بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد فعهده إلى مدته ، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا .

ورواه الترمذي عن قلابة ، عن سفيان بن عيينة ، به ، وقال : حسن صحيح .

كذا قال ، ورواه شعبة ، عن أبي إسحاق فقال : عن زيد بن يثيع وهم فيه .

ورواه الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن بعض أصحابه ، عن علي ، رضي الله عنه .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبو أسامة ، عن زكريا ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع ، عن علي قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت " براءة " بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان ، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا ، ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فهو إلى مدته ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة .

ثم رواه ابن جرير ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن ابن ثور ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : أمرت بأربع .

فذكره .

وقال إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع قال : نزلت براءة فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر ، ثم أرسل عليا ، فأخذها منه ، فلما رجع أبو بكر قال : نزل في شيء ؟

قال : لا ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي .

فانطلق إلى أهل مكة ، فقام فيهم بأربع : لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد ، فعهده إلى مدته .

وقال محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي قال : لما نزلت " براءة " على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس ، فقيل : يا رسول الله ، لو بعثت إلى أبي بكر .

فقال : لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي .

ثم دعا عليا فقال : اخرج بهذه القصة من صدر براءة ، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فعهده إلى مدته .

فخرج علي - رضي الله عنه - على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضباء ، حتى أدرك أبا بكر في الطريق فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟

قال : بل مأمور ، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج ، [ والعرب ] إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر ، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا أيها الناس ، إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام ، ولا يطف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو إلى مدته .

فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ثم قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فكان هذا من " براءة " فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام ، وأهل المدة إلى الأجل المسمى .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، أخبرنا حيوة بن شريح : أخبرنا أبو صخر : أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول : سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول : سألت علي بن أبي طالب عن " يوم الحج الأكبر " فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج ، وبعثني معه بأربعين آية من " براءة " ، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة ، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال : قم يا علي ، فأد رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من " براءة " ، ثم صدرنا فأتينا منى ، فرميت الجمرة ونحرت البدنة ، ثم حلقت رأسي ، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا كلهم خطبة أبي بكر يوم عرفة ، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ، فمن ثم إخال حسبتم أنه يوم النحر [ ألا وهو يوم النحر ] ألا وهو يوم عرفة .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق : سألت أبا جحيفة عن يوم الحج الأكبر ، قال : يوم عرفة .

فقلت : أمن عندك أم من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟

قال : كل في ذلك .

وقال عبد الرزاق أيضا ، عن جريج ، عن عطاء قال : يوم الحج الأكبر ، يوم عرفة .

وقال عمر بن الوليد الشني : حدثنا شهاب بن عباد العصري ، عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : هذا يوم عرفة ، هذا يوم الحج الأكبر ، فلا يصومنه أحد .

قال : فحججت بعد أبي ، فأتيت المدينة ، فسألت عن أفضل أهلها ، فقالوا : سعيد بن المسيب ، فأتيته فقلت : إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا : سعيد بن المسيب ، فأخبرني عن صوم يوم عرفة ؟

فقال : أخبرك عمن هو أفضل مني مائة ضعف ، عمر - أو : ابن عمر - كان ينهى عن صومه ، ويقول هو يوم الحج الأكبر .

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وهكذا روي عن ابن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، وطاوس : أنهم قالوا : يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر .

وقد ورد فيه حديث مرسل رواه ابن جريج : أخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم عرفة ، فقال : " هذا يوم الحج الأكبر " .

وروي من وجه آخر عن ابن جريج ، عن محمد بن قيس ، عن المسور بن مخرمة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه خطبهم بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن هذا يوم الحج الأكبر .

والقول الثاني : أنه يوم النحر .

قال هشيم ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن علي - رضي الله عنه - قال : يوم الحج الأكبر يوم النحر .

وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن الحارث الأعور ، سألت عليا - رضي الله عنه - عن يوم الحج الأكبر ، فقال : [ هو ] يوم النحر .

وقال شعبة ، عن الحكم : سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي - رضي الله عنه - أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة ، فجاء رجل فأخذ بلجام دابته ، فسأله عن الحج الأكبر ، فقال : هو يومك هذا ، خل سبيلها .

وقال عبد الرزاق ، عن سفيان عن شعبة عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال : يوم الحج الأكبر يوم النحر .

وروى شعبة وغيره ، عن عبد الملك بن عمير ، به نحوه .

وهكذا رواه هشيم وغيره ، عن الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى .

وقال الأعمش ، عن عبد الله بن سنان قال : خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال : هذا يوم الأضحى ، وهذا يوم النحر ، وهذا يوم الحج الأكبر .

وقال حماد بن سلمة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال : الحج الأكبر ، يوم النحر .

وكذا روي عن أبي جحيفة ، وسعيد بن جبير ، وعبد الله بن شداد بن الهاد ، ونافع بن جبير بن مطعم ، والشعبي ، وإبراهيم النخعي ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأبي جعفر الباقر ، والزهري ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا : يوم الحج الأكبر هو يوم النحر .

واختاره ابن جرير .

وقد تقدم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاري : أن أبا بكر بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى ، وقد ورد في ذلك أحاديث أخر ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني سهل بن محمد السجستاني ، حدثنا أبو جابر الحرمي ، حدثنا هشام بن الغاز الجرشي عن نافع ، عن ابن عمر قال : وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع ، فقال : " هذا يوم الحج الأكبر " .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه من حديث أبي جابر - واسمه محمد بن عبد الملك ، به ، ورواه ابن مردويه أيضا من حديث الوليد بن مسلم ، عن هشام بن الغاز ، به .

ثم رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز ، عن نافع ، به .

وقال شعبة ، عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقة حمراء مخضرمة ، فقال : أتدرون أي يوم يومكم هذا ؟

قالوا : يوم النحر .

قال : صدقتم ، يوم الحج الأكبر .

وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن المقدام ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه قال : لما كان ذلك اليوم ، قعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بعير له ، وأخذ الناس بخطامه - أو : زمامه - فقال : أي يوم هذا ؟

قال : فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه ، فقال : أليس هذا يوم الحج الأكبر .

وهذا إسناد صحيح ، وأصله مخرج في الصحيح .

وقال أبو الأحوص ، عن شبيب بن غرقدة ، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ، عن أبيه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، فقال : أي يوم هذا ؟

فقالوا : اليوم الحج الأكبر .

وعن سعيد بن المسيب أنه قال : يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال مجاهد أيضا : يوم الحج الأكبر أيام الحج كلها .

وكذا قال أبو عبيد ، قال سفيان : " يوم الحج " ، و " يوم الجمل " ، و " يوم صفين " أي : أيامه كلها .

وقال سهل السراج : سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر ، فقال : ما لكم وللحج الأكبر ، ذاك عام حج فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحج بالناس .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبو أسامة ، عن ابن عون : سألت محمدا - يعني ابن سيرين - عن يوم الحج الأكبر فقال : كان يوما وافق فيه حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حج أهل الوبر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإعلامٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر.

* * * وقد بينا معنى " الأذان "، فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده.

(21) * * * وكان سليمان بن موسى يقول في ذلك ما:- 16380- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: زعم سليمان بن موسى الشاميّ أن قوله: (وأذان من الله ورسوله)، قال: " الأذان "، القصص, فاتحة " براءة " حتى تختم: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، [سورة التوبة : 28] فذلك ثمان وعشرون آية.

(22) 16381- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: (وأذان من الله ورسوله)، قال: إعلام من الله ورسوله.

* * * ورفع قوله: (وأذان من الله)، عطفًا على قوله: (براءة من الله)، كأنه قال: هذه براءة من الله ورسوله, وأذانٌ من الله.

* * * وأما قوله: (يوم الحج الأكبر)، فإنه فيه اختلافًا بين أهل العلم.

فقال بعضهم: هو يوم عرفة.

* ذكر من قال ذلك: 16382- حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال، أخبرنا حيوة بن شريح قال، أخبرنا أبو صخر: أنه سمع أبا معاوية البجليّ من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن " يوم الحج الأكبر " فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه يقيم للناس الحج, وبعثني معه بأربعين آية من براءة, حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إليّ, فقال: قم، يا علي وأدِّ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم !

فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من " براءة "، ثم صدرنا، (23) حتى أتينا مِنًى, فرميت الجمرة ونحرتُ البدنة, ثم حلقت رأسي, وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة, فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم.

(24) فمن ثَمَّ إخال حسبتم أنه يوم النحر, ألا وهو يوم عرفة.

(25) 16383- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أبي إسحاق قال: سألت أبا جُحَيفة عن " يوم الحج الأكبر " فقال: يوم عرفة.

فقلت: أمن عندك، أو من أصحاب محمد؟

قال: كلُّ ذلك.

(26) 16384- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج, عن عطاء قال: الحج الأكبر، يوم عرفة.

16385- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن عمر بن الوليد الشنّيّ, عن شهاب بن عبّاد العَصَريّ, عن أبيه قال: قال عمر رحمه الله: يوم الحج الأكبر، يوم عرفة = فذكرته لسعيد بن المسيب فقال: أخبرك عن ابن عمر: أن عمر قال: الحج الأكبر يومُ عرفة.

16386- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عمر بن الوليد الشني قال، حدثنا شهاب بن عباد العصري, عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رحمة الله عليه يقول: هذا يوم عرفة، يوم الحج الأكبر فلا يصومَنَّه أحد.

قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة, فسألت عن أفضل أهلها, فقالوا: سعيد بن المسيب، فأتيته فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيب, فأخبرني عن صوم يوم عرفة؟

فقال: أخبرك عمن هو أفضل مني مئة ضعف، (27) عمر، أو: ابن عمر, كان ينهى عن صومه ويقول: هو يوم الحج الأكبر.

(28) 16387- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الصمد بن حبيب, عن معقل بن داود قال: سمعت ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا، يوم الحج الأكبر، فلا يصمه أحد.

(29) 16388- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا غالب بن عبيد الله قال: سألت عطاء عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم عرفة, فأفِضْ منها قبل طلوع الفجر.

(30) 16389- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة ثم قال: " أما بعد " = " وكان لا يخطب إلا قال: أما بعد = وكان ذا يوم الحج الأكبر ".

(31) 16390- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبد الوهاب, عن مجاهد قال: يوم الحج الأكبر، يوم عرفة.

16391- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا إسحاق بن سليمان, عن سلمة بن بُخْت, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: يوم الحج الأكبر، يوم عرفة.

(32) 16392- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني طاوس, عن أبيه قال: قلنا: ما الحج الأكبر؟

قال: يوم عرفة.

16393- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال: أخبرنا ابن جريج, عن محمد بن قيس بن مخرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

* * * وقال آخرون: هو يوم النحر.

* ذكر من قال ذلك: 16394- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق، عن الحارث, عن علي قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16395- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن سلام, عن الأجلح, عن أبي إسحاق, عن الحارث قال: سمعت عليًّا يقول: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16396- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة, عن أبي إسحاق, عن الحارث قال: سألت عليًّا عن الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر.

16397- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الحج الأكبر, قال: فقال: يوم النحر.

(33) 16398- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن عيّاش العامري, عن عبد الله بن أبي أوفى قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

(34) 16399-......

قال، حدثنا سفيان, عن عبد الملك بن عمير, عن عبد الله بن أبي أوفى قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16400- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن عبد الملك قال: دخلت أنا وأبو سلمة على عبد الله بن أبي أوفى, قال: فسألته عن يوم الحج الأكبر, فقال: يوم النحر, يوم يُهَرَاقُ فيه الدم.

16401- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحاق, عن سفيان, عن عبد الملك بن عمير, عن عبد الله قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16402- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس, عن الشيباني قال: سألت ابن أبي أوفى عن يوم الحج الأكبر قال: هو يوم النحر.

16403- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال: أخبرنا الشيباني, عن عبد الله بن أبي أوفى قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16404-......

قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن عمير قال، سَمعت عبد الله بن أبي أوفى, وسُئل عن قوله: (يوم الحج الأكبر)، قال: هو اليوم الذي يُرَاق فيه الدم، ويُحلق فيه الشعر.

16405- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة, عن الحكم قال: سمعت يحيى بن الجزار يحدّث، عن علي: أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبّانة, فجاءه رجل فأخذ بلجام بغلته, فسأله عن الحج الأكبر, فقال: هو يومك هذا, خَلِّ سبيلها.

(35) 16406- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، حدثنا إسحاق, عن مالك بن مغول، وشُتَير, عن أبي إسحاق, عن الحارث, عن علي قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16407- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن أبي إسحاق, عن الحارث, عن علي قال: سئل عن يوم الحج الأكبر قال: هو يوم النحر.

16408- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شعبة, عن الحكم, عن يحيى بن الجزار, عن علي: أنه لقيه رجل يوم النحر فأخذ بلجامه, فسأله عن يوم الحج الأكبر, قال: هو هذا اليوم.

(36) 16409- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن قيس, عن عبد الملك بن عمير، وعياش العامري, عن عبد الله بن أبي أوفى قال: هو اليوم الذي تُهَراق فيه الدماء.

(37) 16410- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عبد الملك بن عمير, عن ابن أبي أوفى قال: الحج الأكبر, يوم تُهَرَاق فيه الدماء, ويحلق فيه الشعر, ويَحِلّ فيه الحرام.

16411- حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال، حدثنا يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى علي بعير فقال: هذا يوم الأضحى, وهذا يوم النحر, وهذا يوم الحج الأكبر.

16412- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن الأعمش, عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير وقال: هذا يوم الأضحى, وهذا يوم النحر, وهذا يوم الحج الأكبر.

16413- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن الأعمش, عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة, فذكر نحوه.

(38) 16414- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن حماد بن سلمة, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: الحج الأكبر، يوم النحر.

16415- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: الحج الأكبر، يوم النحر.

16416- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن أبي جحيفة قال: الحج الأكبر، يوم النحر.

(39) 16417- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, قال: اختصم علي بن عبد الله بن عباس ورجل من آل شيبة في " يوم الحج الأكبر "، قال علي: هو يوم النحر.

وقال الذي من آل شيبة: هو يوم عرفة.

فأرسل إلى سعيد بن جبير فسألوه, فقال: هو يوم النحر, ألا ترى أن من فاته يوم عرفة لم يفته الحج, فإذا فاته يوم النحر فقد فاته الحج؟

16418- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يونس, عن سعيد بن جبير أنه قال: الحج الأكبر، يوم النحر.

قال فقلت له: إن عبد الله بن شيبة، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس اختلفا في ذلك, فقال محمد بن علي: هو يوم النحر.

وقال عبد الله: هو يوم عرفة.

فقال سعيد بن جبير: أرأيت لو أن رجلا فاته يوم عرفة، أكان يفوته الحج؟

وإذا فاته يوم النحر فاته الحج!

16419- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس, عن الشيباني, عن سعيد بن جبير قال: الحج الأكبر، يوم النحر.

16420- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه قال، حدثني رجل, عن أبيه, عن قيس بن عبادة قال: ذو الحجة العاشر النحرُ, وهو يوم الحج الأكبر.

16421- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن شداد قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

والحج الأصغر، العمرة.

16422- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحاق, عن شريك, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: الحج الأكبر، يوم النحر.

16423- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن مسلم الحجبي قال: سألت نافع بن جبير بن مطعم عن يوم الحج الأكبر, قال: يوم النحر.

16424- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن المغيرة, عن إبراهيم قال: كان يقال: الحج الأكبر، يوم النحر.

16425- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن عامر قال: يوم الحج الأكبر، يوم يُهَراق فيه الدم, ويحلّ فيه الحرام.

16426- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم أنه قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر، الذي يحلّ فيه كل حرام.

16427-......

قال حدثنا هشيم, عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي, عن علي, قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16428- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن ابن عون قال: سألت محمدًا عن يوم الحجّ الأكبر فقال: كان يومًا وافق فيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج أهل الوَبر.

16429- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير قال، حدثنا عمر بن ذر قال: سألت مجاهدًا عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر.

16430- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل, عن أبى إسحاق, عن مجاهد: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16431- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن ثور, عن مجاهد: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16432- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن جابر, عن عامر قال: يوم الحجّ الأكبر، يوم النحر = وقال عكرمة: يوم الحج الأكبر: يوم النحر, يوم تهراق فيه الدماء, ويحلّ فيه الحرام = قال وقال مجاهد: يوم يجمع فيه الحج كله, وهو يوم الحج الأكبر.

16433-......

قال حدثنا إسرائيل, عن عبد الأعلى, عن محمد بن علي: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16434-......

قال، حدثنا إسرائيل, عن عبد الأعلى, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, مثله.

16435-......

قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن سماك بن حرب, عن عكرمة, عن ابن عباس, مثله.

16436- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أبي إسحاق قال، قال علي: الحج الأكبر، يوم النحر = قال: وقال الزهري: يوم النحر، يوم الحج الأكبر.

16437- حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، وعمرو، عن الزهري, عن حميد بن عبد الرحمن, عن أبي هريرة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة التي أمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع، في رَهْط يؤذِّنون في الناس يوم النحر: ألا لا يحجّ بعد العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان = قال الزهري: فكان حميد يقول: يوم النحر، يوم الحح الأكبر.

(40) 16438- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الشعبي, عن أبي إسحاق قال: سألت عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر، والحج الأصغر, فقال: الحج الأكبر يوم النحر, والحج الأصغر العمرة.

16439-......

قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أبي إسحاق قال، سألت عبد الله بن شداد, فذكر نحوه.

16440-......

قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: يوم الحج الأكبر، يوم يوضع فيه الشعر, ويُهَراق فيه الدم, ويحلّ فيه الحرام.

(41) 16441-......

قال، حدثنا الثوري, عن أبي إسحاق, عن علي قال: الحج الأكبر، يوم النحر.

16442- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس, عن عياش العامري, عن عبد الله بن أبي أوفى: أنه سئل عن يوم الحج الأكبر فقال: سبحان الله, هو يوم تهراق فيه الدماء, ويحل فيه الحرام, ويوضع فيه الشعر، وهو يوم النحر.

(42) 16443-......

قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي حصين, عن عبد الله بن سنان, قال: خطبنا المغيرة بن شعبة على ناقة له فقال: هذا يوم النحر, وهذا يوم الحج الأكبر.

(43) 16444-......

قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا حسن بن صالح, عن مغيرة, عن إبراهيم قال، يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16445- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز, عن إبراهيم بن طهمان, عن مغيرة, عن إبراهيم: يوم الحج الأكبر، يوم النحر, يحلّ فيه الحرام.

16446- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا ابن عون, عن محمد بن سيرين, عن عبد الرحمن بن أبي بكرة, عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم, قعد على بعير له، (44) وأخذ إنسان بخطامه = أو: زمامه = فقال: أي يوم هذا؟

قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسمِّيه غير اسمه فقال: أليس يوم الحج؟.

(45) 16447- حدثنا سهل بن محمد السجستاني قال، حدثنا أبو جابر الحرمي قال، حدثنا هشام بن الغاز الجرشي, عن نافع, عن ابن عمر قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

(46) 16448- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن عمرو بن مرة, عن مرة الهمداني, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء مخضرمة, (47) فقال: أتدرون أيَّ يوم يومكم؟

قالوا: يوم النحر!

قال: صدقتم، يوم الحج الأكبر.

(48) 16449- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني عمرو بن مرة قال، حدثنا مرة قال، حدثنا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.

16450- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبيه, عن ......

قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا بأربع كلمات حين حج أبو بكر بالناس, فنادى ببراءة: إنه يوم الحج الأكبر, ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة, ألا ولا يطوف بالبيت عريان, ألا ولا يحج بعد العام مشرك, ألا ومن كان بينه وبين محمد عهدٌ فأجله إلى مدته, والله بريء من المشركين ورسوله.

(49) 16451- حدثني يعقوب قال، حدثني هشيم, عن حجاج بن أرطأة, عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.

16452- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (يوم الحج الأكبر)، قال: يوم النحر، يوم يحلّ فيه المحرم, وينحر فيه البُدْن.

وكان ابن عمر يقول: هو يوم النحر.

وكان أبي يقوله.

وكان ابن عباس يقول: هو يوم عرفة.

ولم أسمع أحدًا يقول إنه يوم عرفة إلا ابن عباس.

قال ابن زيد: والحج يفوت بفوت يوم النحر، ولا يفوت بفوت يوم عرفة, إن فاته اليوم لم يفته الليل, يقف ما بينه وبين طلوع الفجر.

16453- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: يوم الأضحى، يوم الحج الأكبر.

16454- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن شعبة, عن عمرو بن مرة، قال، حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفتي هذه, حسبته قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر على ناقة حمراء مُخَضرَمة فقال: أتدرون أي يوم هذا؟

هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر.

(50) * * * وقال آخرون: معنى قوله: (يوم الحج الأكبر)، حين الحجّ الأكبر ووقته.

قال: وذلك أيام الحج كلها، لا يوم بعينه.

* ذكر من قال ذلك: 16455- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (يوم الحج الأكبر)، حين الحجّ, أيامه كلها.

16456- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن عيينة, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: الحج الأكبر، أيام منى كلها, ومجامع المشركين حين كانوا بذي المجاز وعكاظ ومَجَنَّة, حين نودي فيهم: أن لا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ فعهده إلى مدته.

16457- حدثني الحارث قال، حدثنا أبو عبيد قال، كان سفيان يقول: " يوم الحج ", و " يوم الجمل ", و " يوم صفين "، أي: أيامه كلها.

16458- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد في قوله: (يوم الحج الأكبر)، قال: حين الحجّ, أي: أيامه كلها.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة، قولُ من قال: " يوم الحج الأكبر، يوم النحر "، لتظاهر الأخبار عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عليًّا نادى بما أرسله به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرسالة إلى المشركين, وتلا عليهم " براءة "، يوم النحر.

هذا، مع الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم النحر: أتدرون أيّ يوم هذا؟

هذا يوم الحج الأكبر.

وبعدُ، فإن " اليوم " إنما يضاف إلى المعنى الذي يكون فيه, كقول الناس: " يوم عرفة ", وذلك يوم وقوف الناس بعرفة = و " يوم الأضحى ", وذلك يوميضحون فيه = " ويوم الفطر ", وذلك يوم يفطرون فيه.

وكذلك " يوم الحج ", يوم يحجون فيه، وإنما يحج الناس ويقضون مناسكهم يوم النحر, لأن في ليلة نهار يوم النحر الوقوفُ بعرفة غير فائت إلى طلوع الفجر, (51) وفي صبيحتها يعمل أعمال الحج.

فأما يوم عرفة، فإنه وإن كان الوقوف بعرفة، فغير فائت الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النحر, والحج كله يوم النحر.

* * * وأما ما قال مجاهد: من أن " يوم الحج "، إنما هو أيامه كلها, فإن ذلك وإن كان جائزًا في كلام العرب, فليس بالأشهر الأعرف في كلام العرب من معانيه, بل أغلبُ على معنى " اليوم " عندهم أنه من غروب الشمس إلى مثله من الغد.

وإنما محمل تأويل كتاب الله على الأشهر الأعرف من كلام من نـزل الكتابُ بلسانه.

* * * واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل لهذا اليوم: " يوم الحج الأكبر ".

فقال بعضهم: سمي بذلك، لأن ذلك كان في سنة اجتمع فيها حجّ المسلمين والمشركين.

* ذكر من قال ذلك: 16459- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن قال: إنما سمي " الحج الأكبر "، من أجل أنه حج أبو بكر الحجة التي حجها, واجتمع فيها المسلمون والمشركون, فلذلك سمي " الحج الأكبر ", ووافق أيضًا عيدَ اليهود والنصارى.

16460- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: يوم الحج الأكبر، كانت حجة الوداع، اجتمع فيه حج المسلمين والنصارى واليهود، ولم يجتمع قبله ولا بعده.

16461- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن قال: قوله: (يوم الحج الأكبر)، قال: إنما سمي " الحج الأكبر "، لأنه يوم حج فيه أبو بكر, ونُبذت فيه العهود.

* * * وقال آخرون: " الحج الأكبر "، القِرآنُ, و " الحج الأصغر "، الإفراد.

* ذكر من قال ذلك: 16462- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو بكر النهشلي, عن حماد, عن مجاهد قال: كان يقول: " الحج الأكبر " و " الحج الأصغر "، فالحج الأكبر، القِرآن = و " الحج الأصغر "، إفراد الحج.

* * * وقال آخرون: " الحج الأكبر "، الحج = و " الحج الأصغر "، العمرة.

* ذكر من قال ذلك: 16463- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج, عن عطاء, قال: " الحج الأكبر "، الحج، و " الحج الأصغر "، العمرة.

16464-......

قال، حدثنا عبد الأعلى, عن داود, عن عامر قال: قلت له: هذا الحج الأكبر, فما " الحج الأصغر "، قال: العمرة.

16465- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي قال: كان يقال: " الحج الأصغر "، العمرة في رمضان.

16466-......

قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد قال: كان يقال: " الحج الأصغر "، العمرة.

16467-......

قال، حدثنا عبد الرحمن, عن سفيان, عن أبي أسماء, عن عبد الله بن شداد قال: " يوم الحج الأكبر "، يوم النحر, و " الحج الأصغر "، العمرة.

16468- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: أن أهل الجاهلية كانوا يسمون " الحج الأصغر "، العمرة.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: " الحج الأكبر، الحج "، لأنه أكبر من العمرة بزيادة عمله على عملها, فقيل له: " الأكبر "، لذلك.

وأما " الأصغر " فالعمرة, لأن عملها أقل من عمل الحج, فلذلك قيل لها: " الأصغر "، لنقصان عملها عن عمله.

* * * وأما قوله: (أن الله بريء من المشركين ورسوله)، فإن معناه: أن الله بريء من عهد المشركين ورسوله، بعد هذه الحجة.

* * * قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: وإعلام من الله ورسوله إلى الناس في يوم الحج الأكبر: أن الله ورسوله من عهد المشركين بريئان، كما:- 16469- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (أن الله بريء من المشركين ورسوله)، أي: بعد الحجة.

(52) * * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (فإن تبتم)، من كفركم، أيها المشركون, ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له = دون الآلهة والأنداد (53) = فالرجوع إلى ذلك (خير لكم)، من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة =(وإن توليتم)، يقول: وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم =(فاعلموا أنكم غير معجزي الله)، يقول: فأيقنوا أنكم لا تُفِيتون الله بأنفسكم من أن يحلّ بكم عذابه الأليم وعقابه الشديد، على إقامتكم على الكفر, (54) كما فعل بمن قبلكم من أهل الشرك من إنـزال نقمه به، (55) وإحلاله العذاب عاجلا بساحته =(وبشر الذين كفروا)، يقول: واعلم، يا محمد، الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم (56) =(بعذاب)، موجع يحلُّ بهم.

(57) 16470- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قوله: (فإن تبتم)، قال: آمنتم.

-------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير " الأذان " فيما سلف .

.

.

تعليق : .

.

.

والمراجع هناك .

(22) الأثر : 16380 - " سليمان بن موسى الأموي الدمشقي " ، الأشدق ، فقيه أهل الشأم في زمانه .

مضى برقم : 15654 ، 15655 .

(23) " صدر عن الماء والبلاد " ، رجع .

و " الصدر " ، ( بفتحتين ) ليلة رجوع الناس من عرفة إلى منى .

و " صدار البيت " ( بضم الصاد وتشديد الدال ) : الحجاج الراجعون من حجهم .

(24) " الفساطيط " جمع " فسطاط " ، مثل السرادق ، وهو أصغر منه ، يتخذه المسافرون .

(25) الأثر : 16382 - سبق شرح هذا الإسناد برقم : 5386 .

" أبو زرعة " ، " وهب الله بن راشد المصري " ، مضى مرارا ، آخرها برقم : 11510 ، ومراجعه هناك .

وكان في المطبوعة هنا : " أبو زرعة وهبة الله بن راشد قالا " ، جعله رجلين !

ومثله في المخطوطة مثله ، إلا أنه كتب " قال " بالإفراد ، قدم الكنية على الاسم .

والصواب ما أثبت .

و " حيوة بن شريح " ، مضى مرارا ، آخرها : 11510 .

و " أبو صخر " ، هو " حميد بن زياد الخراط " ، قال أحمد : " ليس به بأس " ، أخرج له مسلم .

مضى برقم 4325 ، وغيرها كثير .

و " أبو معاوية البجلي " ، هو " عمار بن معاوية الدهني " ، كما صرح به الطبري في رقم : 4325 ، وهو ثقة .

مضى في مواضع .

و" أبو الصهباء البكري " ، سلف بيانه برقم : 5386 .

وهو إسناد صحيح .

(26) الأثر : 16383 - " أبو جحيفة السوائي " ، هو " وهب بن عبد الله " ويقال له " وهب الخير " ، مات رسول الله قبل أن يبلغ الحلم .

ثقة ، روى له الجماعة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/162 ، وابن أبي حاتم 4/2/22 .

(27) في المخطوطة : " أفضل مني أضعافا " ، وفي المخطوطة " أفضل مني ضعف " ، والصواب من تفسير ابن كثير 4 : 113 .

(28) الأثران : 16385 ، 16386 - " عمر بن الوليد الشني " ، " أبو سلمة العبدي " ، ثقة ، مضى برقم 435 ، 11185 .

" شهاب بن عباد العصري العبدي " ، روى عن أبيه ، وهو غير " شهاب بن عباد العبدي " ، شيخ البخاري ومسلم .

ذكره ابن حبان في الثقات .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 235 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 361 ، ولم يذكر فيه جرحا .

وذكر في التهذيب في ترجمته : " قال الدار قطني : صدوق زائغ " ، وظني أنه أخطأ ، ذاك " شهاب بن عباد " آخر ، ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 1 : 451 .

وأبوه " عباد العصري " ، روى عن عمر ، مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 88 .

(29) الأثر : 16387 - " عبد الصمد بن حبيب الأزدي العوذي " ، ضعفه البخاري وأحمد .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 51 .

و " معقل بن داود " ، لم أجد له ترجمة ، وفي ترجمة " عبد الصمد بن حبيب " أنه روى عن " معقل القسملي " ، ولكني لم أجد لهذا " القسملي " ، " الأزدي " ، ذكرا في شيء من مراجعي .

(30) الأثر : 16388 - " غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري " ، منكر الحديث ، مضى برقم : 12214 .

(31) الأثر : 16389 - " محمد بن بكر العثماني البرساني " ، ثقة ، مضى مرارا .

و " محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف " ، تابعي ثقة ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، مضى برقم : 10520 .

(32) الأثر : 16391 - " إسحاق بن سليمان الرازي " ، سلف مرارا .

و " سلمة بن بخت " مدني ، مولى قريش ، قال أحمد : " لا بأس به " ، ووثقه ابن معين .

مترجم في الكبير 2 / 2 / 83 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 156 .

وكان في المطبوعة : " سلمة بن محب " ، وهو خطأ محض ، وهي في المخطوطة ، غير منقوطة .

(33) الأثر : 16396 - " الحارث " ، في هذا الإسناد وما قبله ، هو " الحارث الأعور " وقد مضى بيان ضعفه مرارا .

(34) الأثر : 16398 - " عياش العامري " ، هو " عياش بن عمرو العامري " ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 48 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 6 .

و " عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي " ، صحابي شهد بيعة الرضوان .

مضى برقم : 7758 .

(35) الأثر : 16405 - " يحيى بن الجزار " ، ثقة ، كان ، كان يغلو في التشيع ، لم يسمع من علي إلا ثلاثة أحاديث ، هذا أحدها ، والحديث الآخر ، مضى برقم : 5425 ، 16106 .

وانظر الأثر التالي رقم : 16408 .

(36) الأثر : 16408 - هو مكرر الأثر .

رقم : 16405 ، مختصرا .

(37) الأثر : 16409 - انظر التعليق على رقم : 16398 .

(38) الآثار : 16411 - 16413 " عبد الله بن سنان الأسدي " ، " أبو سنان " ، روى عن علي ، وابن مسعود ، وضرار بن الأزور ، والمغيرة بن شعبة .

روى عنه الأعمش ، وأبو حصين .

وهو ثقة له أحاديث .

توفي أيام الحجاج ، قبل يوم الجماجم .

مترجم في ابن سعد 6 : 123 ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 68 ، وتعجيل المنفعة ص : 224 .

وكان في المطبوعة : " عبد الله بن يسار " ، في المواضع كلها ، خطأ محض ، وهو في المخطوطة " سنان " غير منقوط كله .

(39) الأثر : 16416 - " أبو جحيفة " ، " وهب بن عبد الله " ، سلف برقم : 16383 .

(40) الأثر : 16437 - " يونس " ، هو " يونس بن يزيد الأيلي " ثقة ، سلف مرارا .

و " عمرو " ، هو " عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري " ، ثقة مضى مرارا .

و " حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري " ، الثقة ، مضى مرارا .

وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 3 : 387 / 8 : 238 - 241 ) من طرق ، واستوفى الكلام عليه الحافظ بن حجر هناك .

وبمثله في السنن لأبي داود 2 : 264 ، رقم : 1946 .

(41) الأثر : 16440 - انظر ما سلف رقم : 16399 .

(42) الأثر : 16442 - انظر ما سلف رقم : 16398 .

(43) الأثر : 16443 - انظر ما سلف رقم : 16411 - 16413 .

، وكان في المطبوعة هنا أيضا : " عبد الله بن يسار" ، والصواب " ابن سنان " ، كما في المخطوطة أيضا .

(44) زاد في المطبوعة هنا فكتب : " قعد على بعير له النبي " .

(45) الأثر : 16446 - رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 3 : 459 ) من طريق أبي عامر العقدي ، عن قرة بن خالد ، عن محمد بن سيرين ، مطولا وفيه : " أليس يوم النحر " .

(46) الأثر : 16447 - " سهل بن محمد بن عثمان السجستاني " ، هو " أبو حاتم " ، النحوي ، المقرئ ، البصري المشهور .

ذكره ابن حبان في الثقات .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 204 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة ، وتفسير ابن كثير " سهل بن محمد الحساني " .

وكان الصواب هو ما أثبته لما سترى بعد .

و " أبو جابر الحرمي " ، هو " محمد بن عبد الملك الأزدي البصري " نزيل مكة ، مشهور بكنيته .

روى عنه " أبو حاتم السجستاني " ، فمن أجل ذلك صححت الاسم السالف " سهل بن محمد السجستاني " .

ونسبته " الحرمي " ، كانت في المخطوطة " الحربي " ، تشبه أن تكون " باءا " أو " تاء " أو " ثاء " ، أو " ميما " ، فرجحت أنها " ميم " لأنه نزيل مكة ، نسبة إلى " الحرم " .

وكانت في المطبوعة : " الحرثي " ، وفي تفسير ابن كثير " الحربي " ولم يوجد شيء من ذلك في ترجمته .

و " أبو جابر " ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أبو حاتم : " أدركته ، مات قبلنا بيسير ، وليس بقوي " .

وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 165 ، ولم يذكر فيه جرحا، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 5 ، وميزان الاعتدال 3 : 95 .

و " هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي " ، ثقة صالح الحديث .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 199 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 67 .

وهذا الخبر ، خرجه ابن كثير في تفسيره 4 : 114 ، وقال : " هكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه " من حديث أبي جابر - واسمه : محمد بن عبد الملك - به .

ورواه ابن مردويه أيضا من حديث الوليد بن مسلم ، عن هشام بن الغاز .

ثم رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز ، عن نافع ، به " .

وفاته أن البخاري أخرجه في صحيحه تعليقا ( الفتح 3 : 459 ) ، مطولا ، وأخرجه أبو داود في سننه 2 : 264 رقم : 1945 ، من طريق مؤمل بن الفضل ، عن الوليد بن مسلم ، عن هشام بن الغاز " ، بمثله مطولا .

وأخرجه ابن ماجه في سننه : 1016 رقم 3058 ، من طريق هشام بن عمار ، عن صدقة بن خالد ، عن هشام بن الغاز ، بمثله مطولا.

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 139 .

وقال الحافظ ابن حجر ( الفتح 3 : 459 ، 460 ) : " وأخرجه الطبراني عن أحمد بن المعلي ، والإسماعيلي عن جعفر الفريابي ، كلاهما عن هشام بن عمار = وعن جعفر الفريابي ، عن دحيم ، عن الوليد بن مسلم ، عن هشام بن الغاز ، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود " .

أما الحاكم ، فقد أخرجه في المستدرك 2 : 331 من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، عن الوليد بن مسلم ، عن هشام بن الغاز ، ثم قال : " وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة .

وأكثر هذا المتن مخرج في الصحيحين إلا قوله : إن يوم الحج الأكبر ، يوم النحر سنة .

فإن الأقاويل فيه عن الصحابة والتابعين رضى الله عنهم ، على خلاف بينهم فيه ، فمنهم من قال : يوم عرفة ، ومنهم من قال : يوم النحر " ، ووافقه الذهبي على صحته .

(47) " المخضرمة " ، المقطوع طرف أذنها ، وكان أهل الجاهلية يخضرمون نعمهم ، فلما جاء الإسلام ، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخضرموا من غير الموضع الذي يخضرم منه أهل الجاهلية ، فكانت خضرمة أهل الإسلام بائنة من خضرمة أهل الجاهلية .

(48) الأثر : 16448 - " رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، ربما كان : " عبد الله بن مسعود " ، فقد روى الخبر مطولا ابن ماجه في السنن : 1016 ، رقم : 3057 ، من طريق إسماعيل بن توبة ، عن زافر بن سليمان ، عن أبي سنان ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن مسعود " .

وسيأتي برقم : 16454 ، من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن رجل من أصحاب رسول الله " ، كمثل ما في رواية ابن ماجه ، ليس فيه " مرة الطيب " .

(49) الأثر : 16450 - " إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي " ، مضى مرارا .

و " أبوه " : " أبو خالد الأحمسي البجلي " ، مترجم في التهذيب ، روى عن أبي هريرة ، وجابر بن سمرة .

ذكره ابن حبان في الثقات .

وقد حذفت المطبوعة ما أثبت ، وهو " عن .

.

.

" ، وبعدها بياض ، سقط من المخطوطة اسم الصحابي الذي روى عنه أبو خالد هذا الخبر .

ولم أجد الخبر في مكان آخر .

(50) الأثر : 16454 - انظر التعليق على رقم : 16448 .

(51) في المطبوعة : " الوقوف بعرفة كان إلى طلوع الفجر " ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب المحض .

(52) الأثر : 16469 - سيرة ابن هشام 4 : 188 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16356 .

(53) انظر تفسير " التوبة " فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) .

(54) انظر تفسير " الإعجاز " فيما سلف ص 111 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(55) في المطبوعة : " كما فعل بذويكم من أهل الشرك " ، وفي المخطوطة : " كما فعل برونكم " ، ولا أدري ما هو ، فآثرت أن أجعلها " بمن قبلكم " لتستقيم الضمائر بعد ذلك .

(56) انظر تفسير " بشر " فيما سلف 13 : 418 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(57) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ألم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليمفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى وأذان الأذان : الإعلام لغة من غير خلاف .

وهو عطف على براءة .

إلى الناس الناس هنا جميع الخلق .

يوم الحج الأكبر ظرف ، والعامل فيه أذان .

وإن كان قد وصف بقوله : من الله ، فإن رائحة الفعل فيه باقية ، وهي عاملة في الظروف .

وقيل : العامل فيه مخزي ولا يصح عمل أذان ؛ لأنه قد وصف فخرج عن حكم الفعل .[ ص: 10 ] الثانية : واختلف العلماء في الحج الأكبر ، فقيل : يوم عرفة .

روي عن عمر وعثمان وابن عباس وطاوس ومجاهد .

وهو مذهب أبي حنيفة ، وبه قال الشافعي .

وعن علي وابن عباس أيضا وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة أنه يوم النحر .

واختاره الطبري .

وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال : أي يوم هذا فقالوا : يوم النحر ، فقال : هذا يوم الحج الأكبر .

أخرجه أبو داود .

وخرج البخاري عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .

ويوم الحج الأكبر يوم النحر .

وإنما قيل ( الأكبر ) من أجل قول الناس : الحج الأصغر .

فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام ، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم مشرك .

وقال ابن أبي أوفى : يوم النحر يوم الحج الأكبر ، يهراق فيه الدم ، ويوضع فيه الشعر ، ويلقى فيه التفث ، وتحل فيه الحرم .

وهذا مذهب مالك ؛ لأن يوم النحر فيه كالحج كله ؛ لأن الوقوف إنما هو ليلته ، والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته .

احتج الأولون بحديث مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يوم الحج الأكبر يوم عرفة .

رواه إسماعيل القاضي .

وقال الثوري وابن جريج : الحج الأكبر أيام منى كلها .

وهذا كما يقال : يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث ، فيراد به الحين والزمان لا نفس اليوم .

وروي عن مجاهد : الحج الأكبر القران ، والأصغر الإفراد .

وهذا ليس من الآية في شيء .

وعنه وعن عطاء : الحج الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة ، والأصغر العمرة .

وعن مجاهد أيضا : أيام الحج كلها .

وقال الحسن وعبد الله بن الحارث بن نوفل : إنما سمي يوم الحج الأكبر لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون ، واتفقت فيه يومئذ أعياد الملل : اليهود والنصارى والمجوس .

قال ابن عطية : [ ص: 11 ] وهذا ضعيف أن يصفه الله عز وجل في كتابه بالأكبر لهذا .

وعن الحسن أيضا : إنما سمي الأكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود .

وهذا الذي يشبه نظر الحسن .

وقال ابن سيرين : يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وحجت معه فيه الأمم .الثالثة : قوله تعالى أن الله بريء من المشركين ورسوله ( أن ) بالفتح في موضع نصب .

والتقدير بأن الله .

ومن قرأ بالكسر قدره بمعنى قال إن الله .

( بريء ) خبر إن .

( ورسوله ) عطف على الموضع ، وإن شئت على المضمر المرفوع في ( بريء ) .

كلاهما حسن ; لأنه قد طال الكلام .

وإن شئت على الابتداء والخبر محذوف ; التقدير : ورسوله بريء منهم .

ومن قرأ ( ورسوله ) بالنصب - وهو الحسن وغيره - عطفه على اسم الله عز وجل على اللفظ .

وفي الشواذ ( ورسوله ) بالخفض على القسم ، أي وحق رسوله ; ورويت عن الحسن .

وقد تقدمت قصة عمر فيها أول الكتاب .فإن تبتم أي عن الشرك فهو خير لكم أي أنفع لكم وإن توليتم أي عن الإيمان فاعلموا أنكم غير معجزي الله أي فائتيه ; فإنه محيط بكم ومنزل عقابه عليكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا ما وعد اللّه به المؤمنين، من نصر دينه وإعلاء كلمته، وخذلان أعدائهم من المشركين الذين أخرجوا الرسول ومن معه من مكة، من بيت اللّه الحرام، وأجلوهم، مما لهم التسلط عليه من أرض الحجاز‏.‏ نصر اللّه رسوله والمؤمنين حتى افتتح مكة، وأذل المشركين، وصار للمؤمنين الحكم والغلبة على تلك الديار‏.‏ فأمر النبي مؤذنه أن يؤذن يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وقت اجتماع الناس مسلمهم وكافرهم، من جميع جزيرة العرب، أن يؤذن بأن اللّه بريء ورسوله من المشركين، فليس لهم عنده عهد وميثاق، فأينما وجدوا قتلوا، وقيل لهم‏:‏ لا تقربوا المسجد الحرام بعد عامكم هذا، وكان ذلك سنة تسع من الهجرة‏.‏ وحج بالناس أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، وأذن ببراءة ـ يوم النحر ـ ابن عم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏.‏ ثم رغب تعالى المشركين بالتوبة، ورهبهم من الاستمرار على الشرك فقال‏:‏ ‏{‏فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ فائتيه، بل أنتم في قبضته، قادر أن يسلط عليكم عباده المؤمنين‏.‏ ‏{‏وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ مؤلم مفظع في الدنيا بالقتل والأسر، والجلاء، وفي الآخرة، بالنار، وبئس القرار‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وأذان ) عطف على قوله : " براءة " أي : إعلام .

ومنه الأذان بالصلاة ، يقال : آذنته فأذن ، أي : أعلمته .

وأصله من الأذن ، أي : أوقعته في أذنه .

( من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ) واختلفوا في يوم الحج الأكبر : روى عكرمة عن ابن عباس : أنه يوم عرفة ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن الزبير .

وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب .

وقال جماعة : هو يوم النحر ، روي عن يحيى بن الجزار قال : خرج علي رضي الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء ، يريد الجبانة ، فجاءه رجل وأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر؟

فقال : يومك هذا ، خل سبيلها .

ويروى ذلك عن عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة .

وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والسدي .

وروى ابن جريج عن مجاهد : يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها ، وكان سفيان الثوري يقول : يوم الحج الأكبر أيام منى كلها ، مثل : يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث ، يراد به : الحين والزمان ، لأن هذه الحروب دامت أياما كثيرة .

وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل : يوم الحج الأكبر اليوم الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهو قول ابن سيرين ، لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين ، ولم يجتمع قبله ولا بعده .

واختلفوا في الحج الأكبر : فقال مجاهد : الحج الأكبر : القران ، والحج الأصغر : إفراد الحج .

وقال الزهري والشعبي وعطاء : الحج الأكبر : الحج ، والحج الأصغر : العمرة؛ قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها .

قوله تعالى : ( أن الله بريء من المشركين ورسوله ) أي : ورسوله أيضا بريء من المشركين .

وقرأ يعقوب " ورسوله " بنصب اللام أي : أن الله ورسوله بريء ، ( فإن تبتم ) رجعتم من كفركم وأخلصتم التوحيد ، ( فهو خير لكم وإن توليتم ) أعرضتم عن الإيمان ، ( فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وأذان) إعلام (من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر) يوم النحر (أن) أي بأن (الله برئ من المشركين) وعهودهم (ورسوله) برئ أيضا "" وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا من السنة وهي سنة تسع فأذن يوم النحر بمنى بهذه الآيات وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان "" رواه البخاري (فإن تبتم) من الكفر (فهو خير لكم وإن توليتم) عن الإيمان (فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر) أخبر (الذين كفروا بعذاب أليم) مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإعلام من الله ورسوله وإنذار إلى الناس يوم النحر أن الله بريء من المشركين، ورسوله بريء منهم كذلك.

فإن رجعتم -أيها المشركون- إلى الحق وتركتم شرككم فهو خير لكم، وإن أعرضتم عن قَبول الحق وأبيتم الدخول في دين الله فاعلموا أنكم لن تُفْلِتوا من عذاب الله.

وأنذر -أيها الرسول- هؤلاء المعرضين عن الإسلام عذاب الله الموجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الموعد الذى تعلن فيه هذه البراءة من المشركين حتى لا يكون لهم عذر بعد هذا الإِعلان فقال - تعالى - :( وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر أَنَّ الله برياء مِّنَ المشركين وَرَسُولُهُ .

.

.

) .الأذان : الإِعلام تقول : آذنته بالشئ إذا أعلمته به .

ومنه الأذان للصلاة أى الإِعلام بحلول وقتها .

وهو بمعنى الإِيذان كما أن العطاء بمعنى الإِعطاء .قال الجمل : وهو مرفوع بالابتداء .

و ( مِّنَ الله ) إما صفته أو متعلق به ( إِلَى الناس ) الخبر ، ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف .

أى : وهذه ، أى : الآيات الآتى ذكرها إعلام من الله ورسوله .

.والمعنى : وهذه الآيات إيذان وإعلان من الله ورسوله إلى الناس عامة يوم الحج الأكبر بأن الله ورسوله قد برئا من عهود المشركين ، وأن هذه العهود قد نبذت إليهم ، بسبب إصرارهم على شركهم ونقضهم لمواثيقهم .وأسند - سبحانه - الأذان إلى الله ورسوله ، كما أسنتدت البراءة إليهما ، إعلاء لشأنه وتأكيدا لأمره :قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية؟

قلت : تلك إخبار بثبوت البراءة ، وهذه إخبار بوجوب الإِعلام بما ثبت .فإن قلت : لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس؟

قلت : لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم وأما الأذان فعام لجميع الناس " من عاهد ومن لم يعاهد ، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث " .واختير يوم الحج الأكبر لهذا الإِعلام ، لأنه اليوم الذى يضم أكبر عدد من الناس يمكن أن يذاع الخبر عن طريقهم فى جميع أنحاء البلاد .وأصح ما قيل فى يوم الحج الأكبر أنه يوم النحر .

وقيل : هو يوم عرفة ، وقيل : هو جميع أيام الحج .وقد رجح ابن جرير - بعد أن بسط الأقوال فى ذلك - أن المراد بيوم الحج الأكبر : يوم النحر فقال .

وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة عندنا : قول من قال : يوم الحج الأكبر ، يوم النحر ، لتظاهر الأخبار عن جماعة من الصحابة أن علياً بما أرسله به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين يوم النحر ، هذا مع الأخبار التى ذكرناها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يوم النحر : " أتدرون أى يوم هذا؟

هذا يوم الحج الأكبر " .وقال بعض العلماء : قال ابن القيم : والصواب أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر ، لأنه ثبت فى الحصيحين أن أبا بكر وعليا أذنا بذلك يوم النحر لا يوم عرفة .

وفى سنن أبى داود بأصح إسناد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يوم الحج الأكبر يوم النحر " ، وكذا قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة .ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه ، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع ثم يوم النحر تكون الوافدة والزيارة .

.

ويكون فيه ذبح القرابين ، وحلق الرءوس ، ورمى الجمار ، ومعظم أفعال الحج .وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التى ما اكن ينادى به على بن أبى طالب والناس يوم الحج الأكبر ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد عن محرز بن أبى هريرة عن أبيه قال : كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه النبى - صلى الله عليه وسلم - ينادى ، فكان إذا صحل ناديت - أى كان إذا بح صوته وتعب من كثرة النداء ناديت - قلت : بأى شئ كنتم تنادون؟

قال : بأربع : لا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك ، ومن كانله عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعهده إلى مدته .وسمى يوم النحر بالحج الأكبر ، لأن العمرة كانت تمسى بالحج الأصغر ولأن ما يفعل فيه معظم الحج - كما قال ابن القيم .هذا ، وللعلماء أقوال فى إعراب لفظ ( وَرَسُولِهِ ) من قوله - تعالى - ( أَنَّ الله برياء مِّنَ المشركين وَرَسُولُهُ ) .

وقد لخص الشيخ الجمل هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال : قوله ( وَرَسُولُهُ ) بالرفع باتفاق السبعة وقرئ شاذا بالجر على المجاورة .

أو على أن الواو للقسم وقرئ شاذا أيضاً بالنصب على أنه مفعول معه ، أو معطوف على لفظ الجلالة ، وفى الرفع ثلاثة وجوه : أحدها أنه مبتدأ والخبر محذوف أى : ورسوله برئ منهم ، وإنما حذف للدلالة عليه .

والثانى أنه معطوف على الضمير المستتر فى الخبر .

.

والثالث : أنه معطوف على محل اسم أن .

.ثم أردف - سبحانه - هذا الإعلام بالبراءة من عهود المشركين بترغيبهم فى الإِيمان وتحذيرهم من الكفر والعصيان فقال : ( فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَبَشِّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) .أى : فإن تبتم أيها المشركون من كفركم ، ورجعتم إلى الإِيمان بالله وحده واتبعتم ما جاءكم به محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو أى المتاب والرجوع إلى الحق ( خَيْرٌ لَّكُمْ ) من التمادى فى الكفر والضلال : ( وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ) وأعرضتم عن الإِيمان ، وأبيتم إلا الإِقامة على باطلكم ( فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ) أى : فأيقنوا أنكم لا مهرب لكم من عقاب الله ، ولا إفلات لكم من أخذه وبطشه ، لأنكم أينا كنتم فأنتم فى قبضته وتحت قدرته .وقوله : ( وَبَشِّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) تذييل قصد به تأكيد زجرهم عن التولى والإِعراض عن الحق .أى : وبشر - يا محمد - هؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم بالعذاب الأليم فى الآخرة بعد إنزال الخزى والمذلة بهم فى الدنيا .ولفظ البشارة ورد هنا على سبيل الاستهزاء بهم ، كما يقال : تحيتهم الضرب ، وإكرامهم الشتم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين  ﴾ جملة تامة، مخصوصة بالمشركين، وقوله: ﴿ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر ﴾ جملة أخرى تامة معطوفة على الجملة الأولى وهي عامة في حق جميع الناس، لأن ذلك مما يجب أن يعرفه المؤمن والمشرك من حيث كان الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعاً، فيجب على المؤمنين أن يعرفوا الوقت الذي يكون فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه، فأمر الله تعالى بهذا الإعلام يوم الحج الأكبر، وهو الجمع الأعظم ليصل ذلك الخبر إلى الكل ويشتهر.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأذان الأعلام.

قال الأزهري: يقال آذنته أوذنه إيذاناً، فالأذان اسم يقوم مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي، ومنه أذان الصلاة.

وقوله: ﴿ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس ﴾ أي أذان صادر من الله ورسوله، واصل إلى الناس، كقولك: إعلام صادر من فلان إلى فلان.

المسألة الثانية: اختلفوا في يوم الحج الأكبر.

فقال ابن عباس في رواية عكرمة إنه يوم عرفة، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد، وإحدى الروايتين عن علي: ورواية عن المسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة.

فقال: أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر.

وقال ابن عباس: في رواية عطاء: يوم الحج الأكبر يوم النحر، وهو قول الشعبي والنخعي والسدي وأحد الروايتين عن علي، وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير.

والقول الثالث ما رواه ابن جريج عن مجاهد أنه قال: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، وهو مذهب سفيان الثوري، وكان يقول يوم الحج الأكبر أيامه كلها، ويقول يوم صفين، ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

حجة من قال يوم عرفة قوله عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة» ولأن أعظم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة، لأن من أدركه، فقد أدرك الحج، ومن فاته فقد فاته الحج.

وذلك إنما يحصل في هذا اليوم.

وحجة من قال إنه يوم النحر، هي أن أعمال الحج إنما تتم في هذا اليوم، وهي الطواف والنحر والحلق والرمي، وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما الحج الأكبر.

قال: يومك هذا، خل عن دابتي، وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع.

فقال هذا يوم الحج الأكبر، وأما قول من قال المراد مجموع تلك الأيام، فبعيد لأنه يقتضي تفسير اليوم بالأيام الكثيرة، وهو خلاف الظاهر.

فإن قيل: لم سمي ذلك بالحج الأكبر؟

قلنا فيه وجوه: الأول: أن هذا هو الحج الأكبر، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

الثاني: أنه جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته، لأنه إذا فات الحج، وكذلك إن أريد به يوم النحر، لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج الأكبر.

الثالث: قال الحسن: سمي ذلك اليوم بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه، وموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر.

طعن الأصم في هذا الوجه وقال: عيد الكفار فيه سخط، وهذا الطعن ضعيف، لأن المراد أن ذلك اليوم يو استعظمه جميع الطوائف، وكان من وصفه بالأكبر أولئك.

والرابع: سمي بذلك لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة.

والخامس: الأكبر الوقوف بعرفة، والأصغر النحر، وهو قول عطاء ومجاهد.

السادس: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وهو منقول عن مجاهد.

ثم إنه تعالى بين أن ذلك الأذان بأي شيء كان؟

فقال: ﴿ أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ ﴾ وفيه مباحث: البحث اللأول: لقائل أن يقول: لا فرق بين قوله: ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين ﴾ وبين قوله: ﴿ أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ ﴾ فما الفائدة في هذا التكرير؟

والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن المقصود من الكلام الأول الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

والوجه الثاني: أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد، ومن الكلام الثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد، والذي يدل على حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى برئ إليهم، وفي الثانية: برئ منهم، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضاً، ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا الكفار وأن يتبرؤا منهم، فهاهنا بين أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين ويذمهم ويلعنهم، وكذلك الرسول، ولذلك أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة.

والوجه الثالث: في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد.

وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معين، تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم.

البحث الثاني: قوله: ﴿ أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين ﴾ فيه حذف والتقدير: ﴿ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ بأن الله بريء من المشركين إلا أنه حذف الباء لدلالة الكلام عليه.

واعلم أن في رفع قوله: ﴿ وَرَسُولُهُ ﴾ وجوهاً: الأول: أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر، والتقدير ورسوله أيضاً بريء والخبر عن الله دل على الخبر عن الرسول.

والثاني: أنه عطف على المنوي في بريء فإن التقدير بريء هو ورسوله من المشركين.

الثالث: أن قوله: ﴿ أَنَّ الله ﴾ رفع بالابتداء وقوله: ﴿ بَرِئ ﴾ خبره وقوله: ﴿ وَرَسُولُهُ ﴾ عطف على المبتدأ الأول.

قال صاحب الكشاف: وقد قرئ بالنصب عطفاً على اسم أن لأن الواو بمعنى مع، أي برئ مع رسوله منهم، وقرئ بالجر على الجوار وقيل على القسم والتقدير أن الله بريء من المشركين وحق رسوله.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ أي عن الشرك ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وذلك ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لكون الله ورسوله موصوفين بالبراءة منه ﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي أعرضتم عن التوبة عن الشرك ﴿ فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله ﴾ وذلك وعيد عظيم، لأن هذا الكلام يدل على كونه تعالى قادراً على إنزال أشد العذاب بهم.

ثم قال: ﴿ وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ في الآخرة لكي لا يظن أن عذاب الدنيا لما فات وزال، فقد تخلص عن العذاب، بل العذاب الشديد معد له يوم القيامة ولفظ البشارة ورد هاهنا على سبيل استهزاء كما يقال: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَذَانٌ ﴾ ارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها، ولا وجه لقول من قال: إنه معطوف على براءة، كما لا يقال: عمرو معطوف على زيد، في قولك: زيد قائم، وعمرو قاعد، والأذان: بمعنى الإيذان وهو الإعلام، كما أنّ الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء.

فإن قلت: أي فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية؟

قلت: تلك إخبار بثبوت البراءة.

وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت.

فإن قلت: لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس؟

قلت: لأنّ البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأمّا الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث ﴿ يَوْمَ الحج الأكبر ﴾ يوم عرفة.

وقيل: يوم النحر؛ لأنّ فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، من الطواف.

والنحر، والحلق، والرمي.

وعن علي رضي الله عنه: أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما الحج الأكبر؟

قال يومك هذا.

خل عن دابتي.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال «هذا يوم الحج الأكبر» ووصف الحج بالأكبر لأنّ العمرة تسمى الحج الأصغر، أو جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته؛ لأنه إذا فات فات الحج، وكذلك إن أريد به يوم النحر؛ لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج- فهو الحج الأكبر.

وعن الحسن رضي الله عنه: سمي يوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه وموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم على قلب كل مؤمن وكافر.

حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً وقرئ ﴿ إنّ الله ﴾ بالكسر لأنّ الأذان في معنى القول ﴿ وَرَسُولُهُ ﴾ عطف على المنوي في ﴿ بَرِيء ﴾ أو على محل (إن) المكسورة واسمها وقرئ بالنصب، عطفاً على اسم إن أو لأنّ الواو بمعنى مع: أي بريء معه منهم، وبالجرّ على الجوار.

وقيل: على القسم، كقوله: لعمرك.

ويحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال: إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء، فلببه الرجل إلى عمر، فحكى الأعرابي قراءته، فعندها أمر عمر رضي الله عنه بتعلم العربية ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ من الكفر والغدر ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن التوبة، أو ثبتم على التولي والإعراض عن الإسلام والوفاء فاعلموا أنكم غير سابقين الله تعالى ولا فائتين أخذه وعقابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ ﴾ أيْ إعْلامٌ فَعالٌ بِمَعْنى الإفْعالِ كالأمانِ والعَطاءِ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ بَراءَةٌ عَلى الوَجْهَيْنِ.

﴿ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ ﴾ يَوْمَ العِيدِ لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ ومُعْظَمَ أفْعالِهِ، ولِأنَّ الإعْلامَ كانَ فِيهِ ولِما رُوِيَ أنَّهُ  وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الجَمَراتِ في حِجَّةِ الوَداعِ فَقالَ «هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» وقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ  «الحَجُّ عَرَفَةُ» .

وَوُصِفَ الحَجُّ بِالأكْبَرِ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالحَجِّ ما يَقَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن أعْمالِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِن باقِي الأعْمالِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ الحَجَّ اجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ووافَقَ عِيدُهُ أعْيادَ أهْلِ الكِتابِ، أوْ لِأنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ المُسْلِمِينَ وذُلُّ المُشْرِكِينَ.

﴿ أنَّ اللَّهَ ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ.

﴿ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ مِن عُهُودِهِمْ.

﴿ وَرَسُولِهِ ﴾ عُطِفَ عَلى المُسْتَكِنِّ في ﴿ بَرِيءٌ ﴾ ، أوْ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها في قِراءَةِ مَن كَسَرَها إجْراءً لِلْأذانِ مَجْرى القَوْلِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ أوْ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ ولا تَكْرِيرَ فِيهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالنّاسِ ولَمْ يَخُصَّهُ بِالمُعاهِدِينَ.

﴿ فَإنْ تُبْتُمْ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ.

﴿ فَهُوَ ﴾ فالتَّوْبُ ﴿ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عَنِ التَّوْبَةِ أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الإسْلامِ والوَفاءِ.

﴿ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ لا تَفُوتُونَهُ طَلَبًا ولا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا في الدُّنْيا.

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ في الآخِرَةِ.

﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، أوِ اسْتِدْراكٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدُوا مِنهم.

﴿ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ﴾ مِن شُرُوطِ العَهْدِ ولَمْ يَنْكُثُوهُ أوْ لَمْ يَقْتُلُوا مِنكم ولَمْ يَضُرُّوكم قَطُّ.

﴿ وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا ﴾ مِن أعْدائِكم ﴿ فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ إلى تَمامِ مُدَّتِهِمْ ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إتْمامَ عَهْدِهِمْ مِن بابِ التَّقْوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَذّان مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس} ارتفاعه كارتفاع بَرَاءةٌ على الوجهين ثم الجملة معطوفة على مثلها والأذان بمعنى الإيذان وهو الإعلام كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء والفرق بين الجملة الأولى والثانية أن الأولى إخبار بثبوت البرءاة والثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت وإنما علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهدو من لم يعاهدوا من نكث من المعاهدين ومن لم ينكث {يَوْمَ الحج الأكبر} يوم عرفة لأن الوقوف بعرفة معظم أفعال الحج أو يوم النحر لأن فيه تمام الحج من الطواف والنحر والحلق والرمي ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر {أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين} أي

التوبة (٣ _ ٥)

بأن الله حذفت صلة الأذان تخفيفاً {وَرَسُولُهُ} عطف على المنوي في بَرِيء أو على الابتداء وحذف الخبر أي ورسوله بريء وقرىء بالنصب عطفا على اسم إن والجر على الجوار أو على القسم كقولك لعمرك وحكى أن اعاربيا سمع رجلاً يقرؤها فقال إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر فحكى الاعرابى قراءة فعندها أمر عمر بتعلم العربية {فَإِن تُبْتُمْ} من الكفر والغدر {فَهُوَ} أي التوبة

{خَيْرٌ لَّكُمْ} من الأصرار على الكفر {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} عن التوبة أو تبتم على التولي والإعراض عن الإسلام {فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله} غير سابقين الله ولا فائتين أخذه وعقابه {وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} مكان بشارة المؤمنين بنعيم مقيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ أيْ: إعْلامٌ وهو فَعالٌ بِمَعْنى الإفْعالِ أيْ إيذانٌ كالأمانِ والعَطاءِ، ونَقَلَ الطَّبَرَسِيُّ أنَّ أصْلَهُ مِنَ النِّداءِ الَّذِي يُسْمَعُ بِالأُذُنِ بِمَعْنى أذَنْتُهُ أوْصَلْتُهُ إلى أُذُنِهِ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ بَراءَةَ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها.

وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى بَراءَةٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُقالُ: أنَّ عَمْرًا مَعْطُوفٌ عَلى زَيْدٍ في قَوْلِكَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو قاعِدٌ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”بَراءَةٌ“ عَلى أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ السُّورَةُ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ خاصَّةً وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ( ﴿ إلى النّاسِ ﴾ ) عامَّةً، نَعَمِ الأوْجَهُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِئَلّا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ جُمَلٌ أجْنَبِيَّةٌ ولِئَلّا تَفُوتَ المُطابَقَةُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ تَذْكِيرًا وتَأْنِيثًا، ونَظَرَ فِيهِ بَعْضُهم أيْضًا بِأنَّهم جَوَّزُوا في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو، وعَدُّوا ذَلِكَ مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ نَحْوَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ أُرِيدَ عَطْفُ أذانٍ وحْدَهُ عَلى بَراءَةٍ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَطْفِ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ كَما في نَحْوِ أُرِيدُ أنْ يَضْرِبَ زَيْدٌ عَمْرًا ويُهِينَ بَكْرٌ خالِدًا، فَلَيْسَ العَطْفُ إلّا في الفِعْلَيْنِ دُونَ مَعْمُولَيْهِما هَذا الَّذِي مَنَعَهُ مَن مَنَعَ؛ وإرادَةُ العُمُومِ مِنَ ( النّاسِ ) هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ لِأنَّ هَذا الأذانَ لَيْسَ كالبَراءَةِ المُخْتَصَّةِ بِالنّاكِثِينَ بَلْ هو شامِلٌ لِلْكَفَرَةِ وسائِرِ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ العَهْدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ ﴾ ) مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( ﴿ إلى النّاسِ ﴾ ) لا بِأذانٍ لِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ عَلى المَشْهُورِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ العِيدِ لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ ومُعْظَمَ أفْعالِهِ، ولِأنَّ الإعْلامَ كانَ فِيهِ.

ولَمّا أخْرَجَ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَراتِ في الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فَقالَ: أيُّ يَوْمٍ هَذا؟

قالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ»، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «الحَجُّ عَرَفَةُ» ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِسْوَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ أنَّهُ سَألَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ هَذا اليَوْمِ فَقالَ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وسُفْيانَ أنَّهُ جَمِيعُ أيّامِ الحَجِّ كَما يُقالُ: يَوْمُ الجَمَلِ، ويَوْمُ صِفِّينَ ويُرادُ بِاليَوْمِ الحِينُ والزَّمانُ، والأوَّلُ أقْوى رِوايَةً ودِرايَةً، ووُصِفَ بِالحَجِّ بِالأكْبَرِ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالحَجِّ ما وقَعَ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن أعْمالِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِن باقِي الأعْمالِ، فالتَّفْضِيلُ نِسْبِيٌّ وغَيْرُ مَخْصُوصٍ بِحَجِّ تِلْكَ السَّنَةِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ وُصِفَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ووافَقَ عِيدُهُ أعْيادَ أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ المُسْلِمِينَ وذُلُّ المُشْرِكِينَ، فالتَّفْضِيلُ مَخْصُوصٌ بِتِلْكَ السَّنَةِ؛ وأمّا تَسْمِيَةُ الحَجِّ المُوافِقِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِيهِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ بِالأكْبَرِ فَلَمْ يَذْكُرُوها وإنْ كانَ ثَوابُ ذَلِكَ الحَجِّ زِيادَةً عَلى غَيْرِهِ، كَما نَقَلَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ ( ﴿ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ) أيْ: مِن عُهُودِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ ( إنَّ ) بِالكَسْرِ لِما أنَّ الأذانَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ القَوْلُ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ وهو مُطَّرِدٌ في إنَّ وأنَّ، والجارُّ والمَجْرُورُ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أذانٍ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ ورَسُولِهِ ﴾ ) عُطِفَ عَلى المُسْتَكِنِ في بَرِيءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ لَكِنَّ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ، لِأنَّ المَكْسُورَةَ لَمّا لَمْ تُغَيِّرِ المَعْنى جازَ أنْ تُقَدَّرَ كالعَدَمِ، فَيُعْطَفُ عَلى مَحَلِّ ما عَمِلَتْ فِيهِ أيْ عَلى مَحَلِّ كانَ لَهُ قَبْلَ دُخُولِها فَإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ مُبْتَدَأً، ووَقَعَ في كَلامِهِمْ مَحَلُّ أنَّ مَعَ اسْمِها والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، ولَمْ يُجِيزُوا ذَلِكَ عَلى المَشْهُورِ مَعَ المَفْتُوحَةِ لِأنَّ لَها مَوْضِعًا غَيْرَ الِابْتِداءِ، وأجازَ ابْنُ الحاجِبِ هاهُنا العَطْفَ عَلى المَحَلِّ في قِراءَةِ الجَماعَةِ أيْضًا بِناءً عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ المَفْتُوحَةَ عَلى قَسَمَيْنِ ما يَجُوزُ فِيهِ العَطْفُ عَلى المَحَلِّ وما لا يَجُوزُ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى إنَّ المَكْسُورَةِ كالَّتِي بَعْدَ أفْعالِ القُلُوبِ نَحْوَ عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو جازَ العَطْفُ لِأنَّها لِاخْتِصاصِها بِالدُّخُولِ عَلى الجُمَلِ يَكُونُ المَعْنى مَعَها أنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو في عِلْمِي، ولِذا وجَبَ الكَسْرُ في عَلِمْتُ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ نَحْوَ أعْجَبَنِي أنَّ زَيْدًا كَرِيمٌ وعَمْرٌو ويَتَعَيَّنُ النَّصْبُ فِيهِ لِأنَّها حِينَئِذٍ لَيْسَتْ مَكْسُورَةً ولا في حُكْمِها، ووَجْهُ الجَوازِ بِناءً عَلى هَذا أنَّ الأذانَ بِمَعْنى العِلْمِ فَيَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ أيْضًا كَعَلِمَ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ بِرِوايَةِ رَوْحٍ، وزَيْدٍ ( ورَسُولَهُ ) بِالنَّصْبِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنِ عَمْرٍو، وعَلَيْها فالعَطْفُ عَلى اسْمِ إنَّ وهو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ ونَصْبُ ( ورَسُولَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ أيْ بَرِيءٌ مَعَهُ مِنهم.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ بِالجَرِّ عَلى أنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ وهو كالقَسَمِ بِعُمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ لَعَمْرُكَ ﴾ ) وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُ الجَرِّ عَلى الجِوارِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ لَعَمْرِي مُوهِمَةٌ جَدًّا وهي في غايَةِ الشُّذُوذِ الظّاهِرِ أنَّها لَمْ تَصِحَّ.

يُحْكى أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَؤُها فَقالَ: إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى بَرِيئًا مِن رَسُولِهِ فَأنا مِنهُ بَرِيءٌ فَلَبَّبَهُ الرَّجُلُ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَحَكى الأعْرابِيُّ قِراءَتَهُ فَعِنْدَها أمَرَ عُمَرُ بِتَعْلِيمِ العَرَبِيَّةِ، ونُقِلَ أنَّ أبا الأُسُودِ الدُّؤَلِيَّ سَمِعَ ذَلِكَ فَرَفَعَ الأمْرَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ وضْعِ النَّحْوِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وفَرَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى وهَذِهِ الجُمْلَةِ بِأنَّ تِلْكَ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ، وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِهِما بِالخَبَرِيَّةِ ظاهِرٌ إلّا أنَّ في قَوْلِهِ: إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ تَجَوُّزًا، وأرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ المَقْصُودَ لَيْسَ الإخْبارَ بِالإعْلامِ بَلْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ بَرِيءٌ لِيُعْلِمُوا النّاسَ بِهِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وجْهُهُ أنَّ المَعْنى في الجُمْلَةِ الأُولى البَراءَةُ الكائِنَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حاصِلَةٌ مُنْتَهِيَةٌ إلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهو إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ كَما تَقُولُ فِي: زَيْدٌ مَوْجُودٌ مَثَلًا: إنَّهُ إخْبارٌ بِثُبُوتِ زَيْدٍ، وفي الثّانِيَةِ إعْلامُ المُخاطَبِينَ الكائِنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِتِلْكَ البَراءَةِ ثابِتٌ واصِلٌ إلى النّاسِ فَهو إخْبارٌ بِثُبُوتِ الإعْلامِ الخاصِّ صَرِيحًا ووُجُوبِ أنْ يُعْلِمَ المُخاطَبُونَ النّاسَ ضِمْنًا، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هو المَعْنى المُضَمَّنَ ذُكِرَ أنَّها إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ، وزَعَمَ بَعْضُهم لِدَفْعِ التَّكْرارِ أنَّ البَراءَةَ الأُولى لِنَقْضِ العَهْدِ والبَراءَةَ الثّانِيَةَ لِقَطْعِ المُوالاةِ والإحْسانِ ولَيْسَ بِذَلِكَ ( ﴿ فَإنْ تُبْتُمْ ﴾ ) مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ بِنَقْضِ العَهْدِ ( ﴿ فَهُوَ ﴾ ) أيِ: التَّوْبُ ( ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ) في الدّارَيْنِ، والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِزِيادَةِ التَّهْدِيدِ والتَّشْدِيدِ، والفاءُ الأُولى لِتَرْتِيبٍ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى الأذانِ المُذَيَّلِ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ المُؤْذِنِ بِلِينِ عَرِيكَتِهِمْ وانْكِسارِ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ ( ﴿ وإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ) عَنِ التَّوْبَةِ أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الإسْلامِ والوَفاءِ ( ﴿ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ ) غَيْرُ سابِقِيهِ سُبْحانَهُ ولا فائِتِيهِ ﴿ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ أيْ في الآخِرَةِ عَلى ما هو الظّاهِرُ.

ومِن هُنا قَيَّدَ بَعْضُهم غَيْرَ مُعْجِزِي اللَّهَ بِقَوْلِهِ في الدُّنْيا، والتَّعْبِيرُ بِالبِشارَةِ لِلتَّهَكُّمِ، وصَرْفُ الخِطابِ عَنْهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيلَ: لِأنَّ البِشارَةَ إنَّما تَلِيقُ بِمَن يَقِفُ عَلى الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: لا يَبْعُدُ كَوْنُ الخِطابِ لِكُلِّ مَن لَهُ حَظٌّ فِيهِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، يعني: إعلام من الله ورسوله.

وروي عن أبي هريرة أنه قال: «كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله  إلى مكة ببراءة، فقيل: ما كنتم تنادون؟

قال: كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله  عهد فإن أجله وأمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك» .

ويقال: «بعث رسول الله  أبا بكر ومعه عشر آيات، وأمره أن يقرأها على أهل مكة، ثم بعث عليّاً وأمره أن يقرأ هذه الآيات» ويقال: إنما أمر علياً بالقرآن، لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وكان عليّ جهوري الصوت، فأراد أن يقرأ عليّ حتى يسمعوا جميعاً فذلك قوله تعالى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.

وروي الأعمش، عن عبد الله بن أبي سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم النحر، وقال: «هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر» وقال الحسن: إنما سمي الحج الأكبر، لأنه حج أبو بكر فاجتمع فيها المسلمون والمشركون، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى، فلذلك سمي الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين في ذلك اليوم.

وروي عن عليّ  أنه قال: «الحج الأكبر يوم النحر» .

وروي عن قيس بن مخرمة أن النبيّ  قال: «الحج الأكبر يوم عَرَفَةَ» وإنما سمي يوم عرفة يوم الحج الأكبر (١) «العمرة هي الحجة الصغرى» وقال ابن أبي أوفى: «يوم الحج الأكبر يوم إهراق الدماء وحلق الشعر، وهو يوم النحر» .

أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، يعني: ورسوله أيضاً بريء من المشركين.

وقرأ بعضهم وَرَسُولِهِ بنصب اللام ومعناه: أن رسوله بريء من المشركين، وهي قراءة شاذة.

ثم قال: فَإِنْ تُبْتُمْ، يعني: رجعتم من الكفر، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من الإقامة عليه.

وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ، يعني: أبيتم الإسلام وأقمتم على الكفر وعبادة الأوثان، فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ يعني: لن تفوتوا من عذابه.

ثم قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو القتل في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

ثم استثنى الذين لم ينقضوا العهد فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وهم بنو كنانة وبنو ضمرة ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من عهودكم، وَلَمْ يُظاهِرُوا يقول: ولم يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، يعني: إلى تمام أجلهم.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون نقض العهد.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 127 إلى الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره انقضاء العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ، وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذي لا عَهْدَ لهم ألبتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يوماً، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها انقضاء المُحَرَّم.

وقوله: إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر.

وقوله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، أي: لا تفلتون الله، ولا تعجزونه هربا.

وقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: أي: إعلام، ويَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قال عمر وغيره: هو يَوْمُ عَرَفَة «١» ، وقال أبو هريرة وجماعة: هو يوم النَّحْر «٢» ، وتظاهرتِ الرواياتُ/ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بالاستماع، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر «٣» ، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها كَأَبِي هُرَيْرَة «٤» وغيره، وتتَّبعوا بها أيضاً أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر: عرفَةُ حيث وقع أَوَّلُ الأذان.

وقالتْ أُخْرَى: هو يومُ النَّحْرِ حيث وقع إِكمال الأذَان.

وقال سفيان بن عُيَيْنَة: المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها كما تقول: يَوْمُ صفِّينَ، ويوم

الجَمَلِ ويتجه أن يوصَفُ ب «الأَكبر» علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل يكون المعنى: الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله.

واختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال:

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم افتتح مكَّة سنةَ ثمانٍ، فاستعمل عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضى أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وانصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال: لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمر أبابكر على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً:

صَدْرُ سورةِ «بَرَاءَة» ، وقيل: ثَلاَثِينَ، وقيل: عشرين، وفي بعض الروايات: عَشْر آيات، وفي بعضها: تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي: أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات: ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات: ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا انقضت، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ.

قال ع «١» : وأقول: إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ: نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضاً، وقالوا: ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ؟

فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد.

قال ع «٢» : وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً.

وقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي: ورسولُهُ بريءٌ منهم.

وقوله: فَإِنْ تُبْتُمْ، أي: عن الكُفْر.

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره: «ينقضوكم» «٣» - بالضاد المعجمة-، ويُظاهِرُوا: معناه: يعاونوا،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى النّاسِ ﴾ أيْ: لِلنّاسِ.

يُقالُ: هَذا إعْلامٌ لَكَ، وإلَيْكَ.

والنّاسُ هاهُنا عامٌّ في المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.

وفي يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو جُحَيْفَةَ، وطاوُوسُ، وعَطاءٌ.

والثّانِي: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوْفى، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

وعَنْ عَلَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ أنَّهُ أيّامُ الحَجِّ كُلِّها، فَعَبَّرَ عَنِ الأيّامِ بِاليَوْمِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.

قالَ سُفْيانُ: كَما يُقالُ: يَوْمُ بُعاثٍ، ويَوْمُ الجُمَلِ ويَوْمُ صِفِّينَ يُرادُ بِهِ: أيّامٌ ذَلِكَ، لا كُلُّ حَرْبٍ مِن هَذِهِ الحُرُوبِ دامَتْ أيّامًا.

وعَنْ مُجاهِدٍ، كالأقْوالِ الثَّلاثَةِ.

وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ سَمّاهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ اتَّفَقَ في سَنَةٍ حَجَّ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، ووافَقَ ذَلِكَ عِيدُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ: هو الحَجُّ، والأصْغَرُ: هو العُمْرَةُ، قالَهُ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ: القُرْآَنُ، والأصْغَرُ الإفْرادُ قالَهُ مُجاهِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ إنَّ اللَّهَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ أيْ مِن عَهْدِ المُشْرِكِينَ فَحَذَفَ المُضافَ.

"وَرَسُولُهُ" رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ عَلى مَعْنى: ورَسُولُهُ أيْضًا بَرِيءٌ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَرَسُولَهُ" بِالنَّصْبِ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: عَنِ الإيمانِ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَوْبَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ  ﴾ إلى آخِرِها، وتُسَمّى سُورَةَ التَوْبَةِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ وغَيْرُهُ، وتُسَمّى الفاضِحَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وتُسَمّى الحافِرَةَ لِأنَّها حَفَرَتْ عن قُلُوبِ المُنافِقِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مازالَ يَنْزِلُ: "وَمِنهُمْ، ومِنهُمْ" حَتّى ظُنَّ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ، وقالَ حُذَيْفَةُ: هي سُورَةُ العَذابِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُنّا نَدْعُوها المُقَشْقِشَةَ، قالَ الحارِثُ بْنُ يَزِيدَ: كانَتْ تُدْعى المُبَعْثِرَةَ، ويُقالُ لَها المُثِيرَةُ، ويُقالُ لَها البُحُوثُ.

وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن بَراءَةٍ ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا  ﴾ ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ بَراءَةٌ مِثْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ في الطُولِ.

واخْتُلِفَ -لِمَ سَقَطَ سَطْرُ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) مِن أوَّلِها- فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أشْبَهَتْ مَعانِيها مَعانِيَ الأنْفالِ، وكانَتْ تُدْعى القَرِينَتَيْنِ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ  ، فَلِذَلِكَ قُرِنَتْ بَيْنَهُما، ولَمْ أكْتُبْ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم )، ووَضَعْتُها في السَبْعِ الطُوَلِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) أمانٌ وبِشارَةٌ، و"بَراءَةٌ" نَزَلَتْ بِالسَيْفِ ونَبْذِ العُهُودِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَبْدَأْ بِالأمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْزى هَذا القَوْلُ لِلْمُبَرِّدِ وهو لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَذا كَما يَبْدَأُ المُخاطَبُ الغاضِبُ: "أمّا بَعْدُ"، دُونَ تَقْرِيظٍ ولا اسْتِفْتاحٍ بِتَبْجِيلٍ، ورُوِيَ أنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ في مُدَّةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ اخْتَلَفُوا في الأنْفالِ وبَراءَةٍ، هَلْ هي سُورَةٌ واحِدَةٌ أو هُما سُورَتانِ؟

فَتَرَكُوا فَصْلًا بَيْنَهُما مُراعاةً لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَتانِ، ولَمْ يَكْتُبُوا ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) مُراعاةً لِقَوْلِ مَن قالَ مِنهُمْ: هُما واحِدَةٌ، فَرَضِيَ جَمِيعُهم بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ يُضَعِّفُهُ النَظَرُ أنْ يَخْتَلِفَ في كِتابِ اللهِ هَكَذا، ورُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَأْمُرُنا بِوَضْعِ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ولَمْ يَأْمُرْنا في هَذا بِشَيْءٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ نَضَعُهُ نَحْنُ،» ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّها كانَتْ نَحْوَ سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ نُسِخَ ورُفِعَ كَثِيرٌ مِنها وفِيهِ البَسْمَلَةُ، فَلَمْ يَرَوْا بَعْدُ أنْ يَضَعُوهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وسُورَةُ بَراءَةٍ مِن آخِرِ ما نَزَلَ عَلى النَبِيِّ  ، وحَكى عِمْرانُ بْنُ جُدَيْرٍ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ سُورَةَ بَراءَةٍ فَقالَ: أظُنُّ هَذِهِ مِن آخِرِ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَقُولُ ذَلِكَ؟

فَقالَ: أرى أشْياءَ تُنْقَضُ وعُهُودًا تُنْبَذُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وأنَّ اللهِ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللهِ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ "بَراءَةٌ" رَفْعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الآياتُ بَراءَةٌ، ويَصِحُّ أنْ تَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى الَّذِينَ ﴾ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ فَتَعَرَّفَتْ تَعْرِيفًا ما، وجازَ الإخْبارُ عنها، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "بَراءَةً" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمُوا بَراءَةً، فَفِيها مَعْنى الإغْراءِ.

و ﴿ بَراءَةٌ ﴾ مَعْناها: تَخَلُّصٌ وتَبَرُّؤٌ مِنَ العُهُودِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ البادِئِينَ بِالنَقْضِ، تَقُولُ: بَرِئْتُ إلَيْكَ مِن كَذا، فَبَرِئَ اللهُ تَعالى ورَسُولُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الكُفّارِ مِن تِلْكَ العُهُودِ الَّتِي كانَتْ ونَقَضَها الكُفّارُ، وقَرَأ أهْلُ نَجْرانَ: "مِنِ اللهِ" بِكَسْرِ النُونِ.

وهَذِهِ الآيَةُ حُكْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِنَقْضِ العُهُودِ والمُوادَعاتِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ  وبَيْنَ طَوائِفِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ظَهَرَ مِنهم أو تَحَسَّسَ مِن جِهَتِهِمْ نَقْضٌ، ولَمّا كانَ عَهْدُ رَسُولِ اللهِ  لازِمًا لِأُمَّتِهِ حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "عاهَدْتُمْ" قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: كانَتِ العَرَبُ قَدْ واثَقَها رَسُولُ اللهِ  عَهْدًا عامًا عَلى أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ المُوادَعاتِ، فَنَقَضَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأجَّلَ لِجَمِيعِهِمْ أرْبَعَةً، فَمَن كانَ لَهُ مَعَ النَبِيِّ  عَهْدٌ خاصٌّ وبَقِيَ مِنهُ أقَلُّ مِنَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ بَلَغَ بِهِ تَمامَها، ومَن كانَ أمَدُهُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أتَمَّ لَهُ عَهْدَهُ، إلّا إنْ كانَ مِمَّنْ تُحُسِّسَ مِنهُ نَقْضٌ فَإنَّهُ قُصِرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ خاصٌّ فُرِضَتْ لَهُ الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ يَسِيحُ فِيها في الأرْضِ، أيْ يَذْهَبُ مَسْرَحًا آمِنًا كالسَيْحِ مِنَ الماءِ وهو الجارِي المُنْبَسِطُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي ∗∗∗ حَتّى نَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ وهَذا يُنْبِئُ عن أنَّ رَسُولَ اللهِ  اسْتَشْعَرَ مِنَ الكُفّارِ نَقْضًا وتَرَبُّصًا بِهِ إلّا مِنَ الطائِفَةِ المُسْتَثْناةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أوَّلُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ شَوّالٌ وحِينَئِذٍ نَزَلَتِ الآيَةُ، وانْقِضاؤُها عِنْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهو انْقِضاءُ المُحَرَّمِ بَعْدَ يَوْمِ الأذانِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ أجَلُ مَن لَهُ عَهْدٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ نُزُولِ الآيَةِ، وأجَلُ سائِرِ المُشْرِكِينَ خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ الأذانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: اعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ الأجَلَ لا يَلْزَمُ إلّا مِن يَوْمِ سُمِعَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ البَراءَةَ قَدْ كانَتْ سُمِعَتْ مِن أوَّلِ شَوّالٍ، ثُمَّ كُرِّرَ إشْهارُها مَعَ الأذانِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: بَلْ أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ وآخِرُها العِشْرُونَ مِن رَبِيعِ الآخَرِ، وهي الحُرُمُ، اسْتُعِيرَ لَها الِاسْمُ بِهَذِهِ الحُرْمَةِ والأمْنِ الخاصِّ الَّذِي رَسَمَهُ اللهُ وألْزَمَهُ فِيها، وهي أجَلُ الجَمِيعِ مِمَّنْ لَهُ عَهْدٌ وتُحُسِّسَ مِنهُ نَقْضٌ، ومِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ.

وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: "كانَ مِنَ العَرَبِ مَن لا عَهْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ  جُمْلَةً، وكانَ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وتَحَسَّسَ مِنهُمُ النَقْضَ، وكانَ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ ولَمْ يَنْقُضُوا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ هو أجَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وتَحَسَّسَ مِنهم نَقْضَهُ، وأوَّلُ هَذا الأجَلِ يَوْمُ الأذانِ، وآخِرُهُ انْقِضاءُ العَشْرِ الأُوَلِ مِن رَبِيعِ الآخِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ هو حُكْمٌ مُبايِنٌ لِلْأوَّلِ حُكِمَ بِهِ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا عَهْدَ لَهُمُ البَتَّةَ، فَجاءَ أجَلُ تَأْمِينِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا، أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ وآخِرُها انْقِضاءُ المُحَرَّمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الَّذِينَ لَهم عَهْدٌ ولَمْ يَنْقُضُوا ولا تُحُسِّسْ مِنهم نَقْضٌ، وهم -فِيما رُوِيَ- بَنُو ضِمْرَةَ مِن كِنانَةَ، عاهَدَ لَهُمُ المُحَسِّرُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وكانَ بَقِي مِن عَهْدِهِمْ يَوْمَ الأذانِ تِسْعَةُ أشْهُرٍ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما أجَلُ اللهِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مَن كانَ عَهْدُهُ يَنْصَرِمُ عِنْدَ انْقِضائِها أو قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: سِيحُوا، وأمّا مَن كانَ لَهُ عَهْدٌ يَتَمادى بَعْدَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ، فَهُمُ الَّذِينَ أمَرَ اللهُ لَهم بِالوَفاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ﴾ ، مَعْناهُ: واعْلَمُوا أنَّكم لا تَغْلِبُونَ اللهَ وَلا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا مِن عِقابِهِ، ثُمَّ أعْلَمَهم بِحُكْمِهِ بِخِزْيِ الكافِرِينَ، وذَلِكَ حَتْمٌ إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ ﴾ الآيَةُ.

و( أذانٌ ) مَعْناهُ: إعْلامٌ وإشْهارٌ، و( الناسِ ) هاهُنا: عامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، و( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ ( أذانٌ ) وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ فَإنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ باقِيَةٌ، وهي عامِلَةٌ في الظَرْفِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إذْ قَدْ وُصِفَ المَصْدَرُ فَزالَتْ عنهُ قُوَّةُ الفِعْلِ، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْتَضِيهِ الألْفاظُ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ صِفَةُ الأذانِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ "مُخْزِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ.

"وَيَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ" قالَ عُمَرُ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُمْ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ يَوْمُ النَحْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي هُرَيْرَةَ وجَماعَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: كانَ الناسُ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْتَرِقِينَ إذْ كانَتِ الحُمْسُ تَقِفُ بِالمُزْدَلِفَةِ.

وكانَ الجَمْعُ يَوْمَ النَحْرِ بِمِنًى، فَلِذَلِكَ كانُوا يُسَمُّونَهُ "الحَجَّ الأكْبَرَ" أيْ: مِنَ الأصْغَرِ الَّذِي هم فِيهِ مُفْتَرِقُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا زالَ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ لَمْ يَقِفْ أحَدٌ بِالمُزْدَلِفَةِ، وقَدْ ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّ الحُمْسَ ومَنِ اتَّبَعَها وقَفُوا بِالمُزْدَلِفَةِ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ في هَذا المَعْنى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ أذَّنَ بِتِلْكَ الآيَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إثْرَ خُطْبَةِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ رَأى أنَّهُ لَمْ يُعْلِمِ الناسَ بِالإسْماعِ فَتَتَبَّعَهم بِالأذانِ بِها يَوْمَ النَحْرِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ بَعَثَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ مَن يُعِينُهُ بِالأذانِ بِها كَأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ، وتَتَبَّعُوا بِها أيْضًا أسْواقَ العَرَبِ كَذِي المَجازِ وغَيْرِهِ، فَمِن هُنا يَتَرَجَّحُ قَوْلُ سُفْيانَ: إنَّ "يَوْمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أيّامِ، بِسَبَبِ ذَلِكَ قالَتْ طائِفَةٌ: يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ: عَرَفَةُ حَيْثُ وقَعَ أوَّلَ الأذانِ، وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: هو يَوْمُ النَحْرِ حَيْثُ وقَعَ إكْمالُ الأذانِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّهُ مَن فاتَهُ الوُقُوفُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَإنَّهُ يَجْزِيهِ الوُقُوفُ لَيْلَةَ النَحْرِ، فَلَيْسَ يَوْمُ عَرَفَةَ -عَلى هَذا- يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حُجَّةَ في هَذا، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُرادُ أيّامُ الحَجِّ كُلُّها كَما تَقُولُ يَوْمُ صِفِّينَ ويَوْمُ الجَمَلِ يُرِيدُ جَمِيعَ أيّامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُ مِنًى كُلُّها، ومَجامِعُ المُشْرِكِينَ حَيْثُ كانُوا بِذِي المَجازِ وعُكاظٍ حِينَ نُودِيَ فِيهِمْ ألّا يَجْتَمِعَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَما قالَ عُثْمانُ لِعُمَرَ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ زَواجَ حَفْصَةَ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا، وكَما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ لِرَجُلٍ: ما شَغْلُكَ اليَوْمَ؟

وأنْتَ تُرِيدُ في أيّامِكَ هَذِهِ، واخْتُلِفَ لِمَ وُصِفَ بِالأكْبَرِ؟

فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ لِأنَّهُ حَجَّ ذَلِكَ العامَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ وصادَفَ أيْضًا عِيدَ اليَهُودِ والنَصارى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ أنْ يَصِفَهُ اللهُ في كِتابِهِ بِالكِبَرِ لِهَذا، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: إنَّما سُمِّيَ أكْبَرَ لِأنَّهُ حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي يُشْبِهُ نَظَرَ الحَسَنِ، وبَيانُهُ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ المُفْتَتَحَ بِالحَقِّ وإمارَةِ الإسْلامِ بِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللهِ  ، ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ، وعَزَّ فِيهِ الدِينُ وذَلَّ الشِرْكُ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في عامِ ثَمانٍ حِينَ ولّى رَسُولُ اللهِ  الحَجَّ عَتّابَ بْنَ أُسِيدٍ، بَلْ كانَ أمْرُ العَرَبِ عَلى أوَّلِهِ، فَكُلُّ حَجٍّ بَعْدَ حَجِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمُتَرَكَّبٌ عَلَيْهِ، فَحَقُّهُ لِهَذا أنْ يُسَمّى أكْبَرَ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وغَيْرُهُ: الحَجُّ أكْبَرُ بِالإضافَةِ إلى الحَجِّ الأصْغَرِ وهي العُمْرَةُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: بِالإضافَةِ إلى العُمْرَةِ في رَمَضانَ فَإنَّها الحَجُّ الأصْغَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَجُّ الأكْبَرُ: القِرانُ، والأصْغَرُ: الإفْرادُ، وهَذا لَيْسَ مِنَ الآيَةِ في شَيْءٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما ذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، ويَتَّجِهُ أنْ يُوصَفَ بِالأكْبَرِ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لا بِالإضافَةِ إلى أصْغَرَ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: الأكْبَرُ مِن سائِرِ الأيّامِ، فَتَأمَّلْهُ.

واخْتِصارُ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما ذَكَرَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن صُورَةِ تِلْكَ الحالِ، أنَّ رَسُولَ اللهِ  افْتَتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمانٍ، فاسْتَعْمَلَ عَلَيْها عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وقَضى أمْرَ حَنِينٍ والطائِفِ وانْصَرَفَ إلى المَدِينَةِ، فَأقامَ بِها حَتّى خَرَجَ إلى تَبُوكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِن تَبُوكَ في رَمَضانَ سَنَةَ تِسْعٍ، فَأرادَ الحَجَّ، ثُمَّ نَظَرَ في أنَّ المُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ في تِلْكَ السَنَةِ ويَطُوفُونَ عُراةً فَقالَ: لا أُرِيدُ أنْ أرى ذَلِكَ، فَأمَرَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى الحَجِّ بِالناسِ وأنْفَذَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ، وأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في الناسِ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ، وهِيَ: « "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ -وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ كافِرٌ- ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  عَهْدٌ فَهو لَهُ إلى مُدَّتِهِ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ: «وَمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ  عَهْدٌ فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ يَسِيحُ فِيها، فَإذا انْقَضَتْ فَإنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقُولُ: إنَّهم كانُوا يُنادُونَ بِهَذا كُلِّهِ، فَهَذا لِلَّذِينِ لَهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ مِنهم نَقْضُهُ، والإبْقاءُ إلى المُدَّةِ لِمَن لَمْ يُخْبَرْ مِنهُ نَقْضٌ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ العَرَبَ قالَتْ يَوْمَئِذٍ: نَحْنُ نَبْرَأُ مِن عَهْدِكَ وعَهْدِ ابْنِ عَمِّكَ إلّا مِنَ الطَعْنِ والضَرْبِ، فَلامَ بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: ما تَصْنَعُونَ وقَدْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ؟

فَأسْلَمُوا كُلُّهم ولَمْ يَسِحْ أحَدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحِينَئِذٍ دَخَلَ الناسُ في دِينِ اللهِ أفْواجًا، وكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى الناسِ الأرْبَعِينَ آيَةً صَدْرَ سُورَةِ بَراءَةٍ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ، وقِيلَ: عِشْرِينَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: عَشْرُ آياتٍ، وفي بَعْضِها: تِسْعُ آياتٍ، ذَكَرَها النَقّاشُ، وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى الشامِيُّ: ذَلِكَ ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً، فَلِحَقَ عَلِيٌّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الطَرِيقِ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمِيرٌ أو مَأْمُورٌ؟

فَقالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، فَنَهَضا حَتّى بَلَغا المَوْسِمَ، فَلَمّا خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِعَرَفَةَ: قالَ: قُمْ يا عَلِيٌّ فَأدِّ رِسالَةَ رَسُولِ اللهِ  ، فَقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَفَعَلَ، قالَ: ثُمَّ وقَعَ في نَفْسِي أنَّ جَمِيعَ الناسِ لَمْ يُشاهِدُوا خُطْبَةَ أبِي بَكْرٍ، فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ الفَساطِيطَ يَوْمَ النَحْرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنَّ اللهَ بَرِيءٌ" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى تَقْدِيرِ: بِأنَّ اللهَ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ، إذِ الأذانُ في مَعْنى القَوْلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَرَسُولُهُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وحَذْفِ الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنهم، هَذا هو عِنْدَ شَيْخِنا الفَقِيهِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ بْنِ الباذِشِ رَحِمَهُ اللهُ مَعْنى العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، أيْ تُؤْنِسُ بِالجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي هي مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ فَعُطِفَتْ عَلَيْها هَذِهِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ قَبْلَ دُخُولِ "أنَّ" الَّتِي لا تُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بَلْ تُؤَكِّدُهُ و"إذْ" قَدْ قُرِئَتْ بِالكَسْرِ، لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "أنَّ" بِالفَتْحِ، وانْظُرْهُ فَإنَّهُ مُخْتَلِفٌ في جَوازِهِ، لِأنَّ حُكْمَ "أنَّ" رَفْعُ حُكْمِ الِابْتِداءِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ وما أشْبَهَهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ، وأبِي عَلِيٍّ رَحِمَهُما اللهُ، ومَذْهَبُ الأُسْتاذِ عَلى مُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ ألّا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ "أنْ" إذْ هو مُعْرَبٌ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ عَمَلُ العامِلِ، ولِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ "أنَّ" و"لَيْتَ" و"لَعَلَّ"، والإجْماعُ ألّا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ،:وَقِيلَ عَطْفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ الَّذِي في "بَرِيءٌ"، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ المَجْرُورَ قامَ مَقامَ التَوْكِيدِ، كَما قامَتْ "وَلا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "رَسُولَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ المَكْتُوبَةِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ امْتَحَنَ مُعاوِيَةُ أبا الأسْوَدِ حَتّى وضَعَ النَحْوَ إذْ جَعَلَ قارِئًا يَقْرَأُ بِخَفْضِ "وَرَسُولُهُ".

والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: بَرِيءٌ مِن عُهُودِهِمْ وأدْيانِهِمْ بَراءَةً عامَّةً تَقْتَضِي المُحارَجَةَ وإعْمالَ السَيْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُبْتُمْ ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ، ووَعَدَهم مَعَ شَرْطِ التَوْبَةِ، وتَوَعَّدَهم مَعَ شَرْطِ التَوَلِّي، وجازَ أنْ تَدْخُلَ البِشارَةُ في المَكْرُوهِ لَمّا جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ مَرْفُوعَ الإشْكالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الاكبر أَنَّ الله برئ مِّنَ المشركين وَرَسُولُهُ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ [التوبة: 1] وموقع لفظ ﴿ أذان ﴾ كموقع لفظ ﴿ براءة ﴾ [التوبة: 1] في التقدير، وهذا إعلام للمشركين الذين لهم عهد بأنّ عهدهم انتقض.

والأذانُ اسم مصدر آذنه، إذا أعلمه بإعلان، مثل العطاء بمعنى الإعطاء، والأمان بمعنى الإيمان، فهو بمعنى الإيذان.

وإضافة الأذان إلى الله ورسوله دُون المسلمين، لأنّه تشريع وحكم في مصالح الأمّة، فلا يكون إلاّ من الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا أمر للمسلمين بأن يأذنوا المشركين بهذه البراءة، لئلا يكونوا غادرين، كما قال تعالى: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ﴾ [الأنفال: 58].

والمراد بالناس جميع الناس من مؤمنين ومشركين لأن العلم بهذا النداء يَهُمّ الناس كلّهم.

ويوم الحجّ الأكبر: قيل هو يوم عرفة، لأنّه يوم مجتمع الناس في صعيد واحد، وهذا يروى عن عمر، وعثمان، وابن عباس، وطاووس، ومجاهد، وابن سيرين.

وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وفي الحديث: «الحج عرفة» وقيل: هو يوم النحر، لأنّ الناس كانوا في يوم موقف عرفة مفترقين إذْ كانت الحُمْس يقفون بالمزدلفة، ويقف بقية الناس بعرفة، وكانوا جميعاً يحضرون منى يوم النحرِ، فكان ذلك الاجتماع الأكبرَ، ونسَب ابنُ عطية هذا التعليل إلى منذر بن سعيد، وهذا قول علي، وابن عمر، وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس أيضاً، وابن أبي أوفى، والزهري، ورواه ابن وهب عن مالك، قال مالك: لا نشك أن يوم الحج الأكبر يوم النحر لأنّه اليوم الذي تُرمى فيه الجمرة، وينحر فيه الهدي، وينقضي فيه الحج، من أدرك ليلة النحر فوقف بعرفة قبل الفجر أدرَك الحج.

وأقول: إن يوم عرفة يوم شغل بعبادة من وقوف بالموقف ومن سماع الخطبة.

فأما يوم منى فيوم عيدهم.

و ﴿ الأكبر ﴾ بالجرّ نعت للحجّ، باعتبار تجزئته إلى أعمال، فوُصف الأعظم من تلك الأعمال بالأكبر، ويظهر من اختلافهم في المراد من الحجّ الأكبر أنّ هذا اللفظ لم يكن معروفاً قبل نزول هذه الآية فمن ثم اختلف السلف في المراد منه.

وهذا الكلام إنشاءٌ لهذا الأذان، موقّتاً بيوم الحجّ الأكبر، فيؤوّل إلى معنى الأمر، إذ المعنى آذنوا الناس يوم الحجّ الأكبر بأنّ الله ورسوله بريئان من المشركين.

والمراد ب ﴿ الناس ﴾ جميع الناس الذين ضمّهم الموسم، ومن يبلغه ذلك منهم: مؤمنهم ومشركهم، لأنّ هذا الأذان ممَّا يجب أن يعلمه المسلم والمشرك، إذ كان حكمه يلزم الفريقين.

وقوله: ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ يتعلّق ب ﴿ أذان ﴾ بحذف حرف الجرّ وهو باء التعدية أي إعلام بهذه البراءة المتقدّمة في قوله: ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ [التوبة: 1] فإعادتها هنا لأنّ هذا الإعلام للمشركين المعاهَدين وغيرهم، تقريراً لعدم غدر المسلمين، والآية المتقدّمة إعلام للمسلمين.

وجاء التصريح بفعل البراءة مرّة ثانية دون إضمار ولا اختصار بأن يقال: وأذان إلى الناس بذلك، أو بها، أو بالبراءة، لأنّ المقام مقام بيان وإطناب لأجل اختلاف أفهام السامعين فيما يسمعونه، ففيهم الذكّي والغبي، ففي الإطناب والإيضاح قطع لمعاذيرهم واستقصاء في الإبلاغ لهم.

وعُطف ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع، عند القرّاء كلّهم: لأنّه من عطف الجملة، لأنّ السامع يعلم من الرفع أنّ تقديره: ورسولُه بريءٌ من المشركين، ففي هذا الرفع معنى بليغ من الإيضاح للمعنى مع الإيجاز في اللفظ، وهذه نكتة قرآنيّة بليغة، وقد اهتدى بها ضابئ بن الحارث في قوله: ومن يكُ أمسَى بالمدينةِ رحله *** فإنّي وقيّارٌ بها لغريب برفع (قيار) لأنّه أراد أن يجعل غربة جمله المسمّى «قياراً» غربة أخرى غير تابعة لغربته.

وممّا يجب التنبيه له: ما في بعض التفاسير أنّه روى عن الحسن قراءة ﴿ ورسوله ﴾ بالجرّ ولم يصحّ نسبتها إلى الحسن، وكيف يتصور جرّ ﴿ ورسوله ﴾ ولا عامل بمقتضي جرّه، ولكنّها ذات قصة طريفة: أنّ أعرابياً سمع رجلاً قرأ ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ بجرّ ورسولِه فقال الأعرابي: إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء.

وإنّما أراد التورّكَ على القارئ، فلبَّبَه الرجل إلى عمر، فحكى الأعرابي قراءتَه فعندها أمر عمر بتعلّم العربية، وروي أيضاً أنّ أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي.

فكان ذلك سبب وضع النحو، وقد ذكرت هذه القصة في بعض كتب النحو في ذكر سبب وضع علم النحو.

وهذا الأذان قد وقع في الحجّة التي حجّها أبو بكر بالناس، إذ ألحق رسول الله عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر، موافياً الموسم ليؤذِّن ببراءة، فأذن بها علي يوم النحر بمنى، من أولها إلى ثلاثين أو أربعين آية منها، كذا ثبت في الصحيح والسنن بطرق مختلفة يزيد بعضها على بعض.

ولعلّ قوله: «أو أربعين آية» شكّ من الراوي، فما ورد في رواية النسائي، أي عن جابر: أنّ علياً قرأ على الناس بَراءة حتّى ختمها، فلعلّ معناه حتّى ختم ما نزل منها ممّا يتعلّق بالبراءة من المشركين، لأنّ سورة براءة لم يتم نزولها يومئِذ، فقد ثبت أنّ آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي آخر آية من سورة براءة.

وإنّما ألحق النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر الصديق، لأنه قيل لرسول الله إنّ العرب لا يرون أن يَنقض أحد عهدَه مع مَن عاهده إلاّ بنسفه أو برسول من ذي قرابة نسبه، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يترك للمشركين عذراً في علمهم بنبذ العهد الذي بينه وبينهم.

وروي: أنّ علياً بعث أبا هريرة يطوف في منازل قبائل العرب من منى، يصيح بآيات براءة حتى صحل صوته.

وكان المشركون إذا سمعوا ذلك يقولون لعلي «سترون بعد الأربعة الأشهر فإنّه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلاّ الطعن والضرب».

التفريع على جملة: ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ ، فيتفرّع على ذلك حالتان: حالة التوبة، وحالة التولي.

والخطاب للمشركين الذين أوذنوا بالبراءة، والمعنى: فإنْ آمنتم فالإيمان خير لكم من العهد الذي كنتم عليه، لأنّ الإيمان فيه النجاة في الدنيا والآخرة، والعهد فيه نجاة الدنيا لا غير.

والمراد بالتولي: الإعراض عن الإيمان.

وأريد بفعل ﴿ تولّيتم ﴾ معنى الاستمرار، أي: إن دمتم على الشرك فاعلموا أنكم غير مفلتين من قدرة الله، أي اعلموا أنّكم قد وقعتم في مكنة الله، وأوشكتم على العذاب.

وجملة: ﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ وأذن من الله ورسوله ﴾ لما تتضمنّه تلك الجملة من معنى الأمر، فكأنّه قيل: فآذنوا الناس ببراءة الله ورسوله من المشركين، وبأنّ من تاب منهم فقد نجا ومن أعرض فقد أوشك على العذاب، ثم قال: وبشر المعرضين المشركين بعذاب أليم.

و (البشارة) أصلها الإخبار بما فيه مسرّة، وقد استعيرت هنا للإنذار، وهو الإخبار بما يسوء، على طريقة التهكّم، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ في سورة آل عمران (21).

والعذاب الأليم: هو عذاب القتل، والأسر، والسبي، وفَيء الأموال، كما قال تعالى: ﴿ وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ﴾ [التوبة: 26] فإنّ تعذيبهم يوم حنين بعضه بالقتل، وبعضه بالأسر والسبي وغنم الأموال، أي: أنذر المشركين بأنّك مقاتلهم وغالبهم بعد انقضاء الأشهر الحرم، كما يدلّ عليه قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [التوبة: 5] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ ﴾ في الأذانِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القَصَصُ، وهَذا قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى النَّشّابِي.

والثّانِي: أنَّهُ النِّداءُ بِالأمْرِ الَّذِي يُسْمَعُ بِالأُذُنِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّهُ الإعْلامُ، وهَذا قَوْلُ الكافَّةِ.

وَفي ﴿ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ المُسَيِّبِ وعَطاءٌ.

وَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خَطَبَ يَوْمَ عَرَفَةَ وقالَ: (هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ).» والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ.

وَرُوِيَ مَرَّةً عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ  عَلى ناقَتِهِ الحَمْراءِ وقالَ: (أتَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ هَذا؟

هَذا يَوْمُ النَّحْرِ وهَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ)» .

والثّالِثُ: أنَّها أيّامُ الحَجِّ كُلُّها، فَعَبَّرَ عَنِ الأيّامِ بِاليَوْمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ، قالَ سُفْيانُ: كَما يُقالُ يَوْمُ الجَمَلِ ويَوْمُ صِفِّينَ، أيْ أيّامُهُ كُلُّها.

أحَدُها: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في سَنَةٍ اجْتَمَعَ فِيها حَجُّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، ووافَقَ أيْضًا عِيدَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ القِرانُ، والأصْغَرَ الإفْرادُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ هو الحَجُّ، والأصْغَرُ هو العُمْرَةُ، قالَهُ عَطاءٌ والشَّعْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ قال: هو إعلام من الله ورسوله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن حكيم بن حميد رضي الله عنه قال: قال لي علي بن الحسين: أن لعلي في كتاب الله اسماً ولكن لا يعرفونه.

قلت: ما هو؟

قال: ألم تسمع قول الله: ﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ هو والله الأذان.

وأخرج الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر؟

فقال «يوم النحر» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر.

وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن علي رضي الله عنه قال: «أربع حفظتهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن الصلاة الوسطى العصر، وإن الحج الأكبر يوم النحر، وإن أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وإن أدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر» .

وأخرج الترمذي وابن مردويه عن عمرو بن الأحوص رضي الله عنه.

أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ قال: «أي يوم أحرم، أي يوم أحرم، أي يوم أحرم؟

فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله» .

وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعظم الأيام عند الله أيام النحر يوم القر» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: «يوم الأضحى هذا يوم الحج الأكبر» .

وأخرج البخاري تعليقاً وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: أي يوم هذا؟

قالوا: يوم النحر.

قال: هذا يوم الحج الأكبر» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأكبر الحج، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر رضي الله عنه إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك، وأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ [ التوبة: 28] الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس قال: الحج الأكبر يوم النحر.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن المغيرة بن شعبة.

أنه خطب يوم الأضحى فقال: اليوم النحر، واليوم الحج الأكبر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: الحج الأكبر: يوم النحر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: الحجر الأكبر: يوم النحر.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: الحج الأكبر: يوم النحر يوضع فيه الشعر، ويراق فيه الدم، وتحل فيه الحرم.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس» .

وأخرج ابن مردويه عن سمرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ قال: كان عام حج فيه المسلمون والمشركون في ثلاثة أيام، واليهود والنصارى في ثلاثة أيام، فاتفق حج المسلمين والمشركين واليهود والنصارى في ستة أيام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عون رضي الله عنه قال: سألت محمداً عن يوم الحج الأكبر؟

قال: كان يوم وافق فيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج أهل الملل.

وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زمن الفتح: إنه عام الحج الأكبر.

قال: اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ثلاثة أيام متتابعات، فاجتمع حج المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض كذلك قبل العام، ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة» .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه.

أنه سئل عن الحج الأكبر؟

فقال: ما لكم وللحج الأكبر؟

ذاك عام حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس، واجتمع فيه المسلمون والمشركون فلذلك سمي الحج الأكبر، ووافق عيد اليهود والنصارى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر، ألم تر أن الإِمام يخطب فيه.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة: هذا يوم الحج الأكبر» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: الحج الأكبر يوم عرفة.

وأخرج ابن جرير عن أبي الصهباء البكري قال: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن يوم الحج الأكبر؟

فقال: يوم عرفة.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر، يوم المباهاة يباهي الله ملائكته في السماء بأهل الأرض، يقول: «جاؤوني شعثاً غبرا، آمنوا بي ولم يروني وعزتي لأغفرن لهم» .

وأخرج ابن جرير عن معقل بن داود قال سمعت ابن الزبير يقول يوم عرفة: هذا يوم الحج الأكبر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي.

أنه سئل هذا الحج الأكبر فما الحج الأصغر؟

قال: عمرة في رمضان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق رضي الله عنه قال: سألت عبد الله بن شداد رضي الله عنه عن الحج الأكبر فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان يقال: العمرة هي الحجة الصغرى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبو خيوة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ قال: برئ رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتاب الوقف والابتداء وابن عساكر في تاريخه عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: قدم اعرابي في زمان عمر رضي الله عنه فقال: من يُقرئني ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم؟

فاقرأه رجل فقال: ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ بالجر فقال الأعرابي: أقد برئ الله من رسوله؟

إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه.

فبلغ عمر مقالة الأعرابي، فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني؟

فاقرأني هذه سورة براءة.

فقال: ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ فقلت: إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه.

فقال عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا أعرابي.

قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟

فقال: ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسولُهُ ﴾ فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما ما برئ الله ورسوله منه.

فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرئ الناس إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود رضي الله عنه فوضع النحو.

وأخرج ابن الأنباري عن عباد المهلبي قال: سمع أبو الأسود الدؤلي رجلاً يقرأ ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ بالجر فقال: لا أظنني يسعني إلا أن أضع شيئاً يصلح به لحن هذا أو كلاماً هذا معناه.

أما قوله تعالى: ﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن مسهر قال: سئل سفيان بن عينية عن البشارة أتكون في المكروه؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى ﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ﴾ الآية، أذان: رفع بالعطف على براءة قاله الفراء (١) (٢) (٣) (٤) قال الأزهري: "يقال: آذنته أوذنه إيذاناً وآذانًا، فالأذان اسم (٥) (٦) قال أبو علي: قوله: ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ صفة لـ ﴿ وَأَذَانٌ ﴾ وكذلك ﴿ إِلَى النَّاسِ ﴾ (٧) ومعناه: للناس، كما يقال: هذا غلام من فلان لك واليك، وأراد بالناس: المؤمن والمشرك؛ لأن الكل داخلون في هذا الإعلام.

وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ﴾ ، قال أبو علي: "يجوز أن يتعلق الظرف بالصفة ويجوز أن يتعلق بالخبر الذي هو: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ ولا يجوز أن يتعلق بـ"أذان" لأنك قد وصفته والموصوف إذا وصفته لم يتعلق بشيء" (٨) واختلفوا في يوم الحج الأكبر فقال ابن عباس في رواية عكرمة: "إنه يوم عرفة" (٩)  - (١٠)  وهو أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد إن هذا يوم الحج الاكبر" (١١) وقال ابن عباس في رواية عطاء: "يوم الحج الأكبر يوم النحر" (١٢) (١٣) وروى ابن جريج عن مجاهد قال: "يوم الحج الأكبر أيام منى كلها" (١٤) (١٥) (١٦) فمن قال: إنه يوم عرفة احتج بأن معظم الحج يقضى فيه وهو الوقوف، ومن قال: إنه يوم النحر احتج بأن أعمال الحج وقضاء المناسك يوم النحر؛ لأن في ليلة نهار (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قالوا: الحج الأكبر: الوقوف بعرفة والحج الأصغر: العمرة لنقصان عملها عن (٢٢) قوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ ، قال أبو علي: "لا بد من تقدير الجار في قوله ﴿ أَنَّ اللَّهَ ﴾ فتقول: بأن الله، لأن (٢٣) ﴿ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ لا يكون الإعلام، كما يكون الثاني الأول في نحو قولك: خبرك أنك خارج (٢٤) ﴿ وَأَذَانٌ ﴾ ابتداء فلا يكون ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ ﴾ خبره إلا بتقدير الجار، ومعنى الآية: إن الله بريء من عهد المشركين، فهو من باب حذف المضاف، و"ورسوله" رفع بالابتداء وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضاً بريء، ودل الخبر عن الله على الخبر عن الرسول ومثله.

فإني وقيارٌ بها لغريب (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تُبْتُمْ ﴾ رجع إلى خطاب المشركين، قال ابن عباس: "يريد: فإن رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله" (٢٦) ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ من الإقامة على الشرك ﴿ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يريد: عن الإيمان {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} أي: إنكم لا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا، ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، قال المفسرون: "لما فتح الله مكة على رسول الله -  - سنة ثمان من الهجرة وخرج رسول الله -  - إلى غزاة تبوك وتخلف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف جعل المشركون ينقضون عهودهم فأمر الله رسوله بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله -  - الحج ثم قال: "إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك" (٢٧)  - أبا بكر تلك السنة أميرًا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار دعا رسول الله -  - عليًا فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن بذلك فى الناس إذا اجتمعوا" فخرج علي -  - على ناقة رسول الله -  - العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فرجع أبو بكر إلى النبي -  - فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟!

" (٢٨) (٢٩) وذكر أبو إسحاق السبب في تولية علي تلاوة براءة على المشركين قال: "وذلك لأن العرب جرت عادتها في عقد عهدوها (٣٠)  هذا خلاف ما يعرف فينا في نقض العهود، فأزاح رسول الله -  - العلة في ذلك" (٣١) وقال عمرو (٣٢)  - بعث أبا بكر أميرًا على الحاج وولاه الموسم وبعث عليًّا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم، وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع، وكان أبو بكر الدافع بالموسم ولم يكن لعلي أن يدفع حتى يدفع أبو بكر، وأما قوله  "لا يبلغ عني إلا رجل مني" (٣٣)  - لم يقل ذلك تفضيلًا منه لعلي على غيره في الدين، ولكن عامل العرب على مثل ما كان بعضهم يتعارفه من بعض، وكعادتهم في عقد الحلف وحل العقد، وكان السيد منهم إذا عقد لقوم حلفًا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العقد غيره أو رجل من رهطه دنيا (٣٤)  - ذلك القول (٣٥) (١) "معاني القرآن" 1/ 420.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 429.

(٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 67، والسمرقندي 2/ 33، والزمخشري 2/ 173.

(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 429، و"غريب القرآن وتفسيره" لليزيدي ص 161، و"تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 95.

(٥) في (م): (أهم).

(٦) "تهذيب اللغة" (أذن) 1/ 139.

(٧) "الحجة للقراء السبعة" 2/ 405.

(٨) "الحجة للقراء السبعة" 2/ 406.

(٩) رواه ابن جرير 1/ 69، والثعلبي 6/ 77 ب.

(١٠) رواه عنهم جميعًا ابن جرير 10/ 67 - 69 إلا أنه قال: طاوس عن أبيه، ورواه عنهم أيضًا عدا طاوس، الثعلبي 6/ 77 ب، 78 أ، ورواه أيضًا عنهم ابن أبي حاتم 6/ 1747 إلا أن روايته عن علي مرفوعة، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 396، وابن كثير 2/ 369.

(١١) رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 382، ورواه ابن جرير 10/ 69، وابن أبي حاتم 6/ 1748 عن محمد بن قيس مرسلًا.

(١٢) رواه ابن جرير 10/ 70 من رواية عكرمة، 10/ 72 من رواية سعيد بن جبير.

(١٣) أخرج آثارهم ابن جرير 10/ 69 - 74، والثعلبي 6/ 78 أ.

(١٤) رواه ابن جرير 10/ 74، والثعلبي 6/ 78 ب.

(١٥) يوم بعاث: بضم الباء: يوم كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وبعاث: حصن للأوس.

انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 183، و"لسان العرب" (بعث) 1/ 307.

(١٦) ذكره بلفظه الثعلبي 6/ 78 ب، ورواه مختصرًا ابن جرير 10/ 74.

(١٧) ساقطة من (م).

(١٨) قلت: بل أقوى من هذا التعليل ما رواه البخاري تعليقاً عن ابن عمر-  ما- قال: وقف النبي -  - يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا، وقال: "هذا يوم الحج الأكبر".

"صحيح البخاري"، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى 3/ 574، ورواه موصولًا أبو داود في "سننه" 1945، كتاب المناسك، باب يوم الحج الأكبر، والحاكم في "المستدرك"، كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة 2/ 331 مطولًا، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

(١٩) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 477.

(٢٠) رواه الثعلبي 6/ 79 أ، والبغوي 4/ 12، ورواه بمعناه إخبارًا عن قول أهل الجاهلية عبد الرازق 1/ 2/ 266، وابن جرير 10/ 76.

(٢١) رواه ابن جرير 10/ 76، والثعلبي 6/ 79 أ، والبغوي 4/ 12.

(٢٢) في (م): (من).

(٢٣) في "الحجة": لأن "أن الله ..

".

(٢٤) أ.

هـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 2/ 406.

(٢٥) عجز بيت وصدره.

فمن يك أمسى بالمدينة رحله والبيت لضابئ بن الحارث البرجمي كما في "الأصمعيات" (ص184)، "وخزانة الأدب" 9/ 326، و"الشعر والشعراء" ص219، و"كتاب سيبويه" 1/ 75، و "نوادر أبي زيد" (ص20)، وقوله: قيار، هكذا بالرفع، وهو كذلك في بعض المصادر، قال الجوهري في "الصحاح" (قير) 2/ 801: قيار: اسم جمل ضابئ بن الحارث، ثم ذكر البيت ثم قال: برفع قيار على الموضع.

(٢٦) "تنوير المقباس" (ص187) بنحوه من رواية الكلبي، وحاله لا تخفى.

(٢٧) رواه ابن جرير 10/ 61 - 62 مرسلًا عن مجاهد، وطواف المشركين عراة مخرج في "صحيح البخاري" (1665)، كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، وفي "صحيح مسلم" (1219)، كتاب الحج، باب في الوقوف.

(٢٨) رواه ابن جرير (10/ 65) عن السدي، ورواه بنحوه 10/ 64 عن ابن عباس، وروى صدره بمعناه الترمذي (3090)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وقال: حديث حسن غريب من حديث أنس، وكذلك رواه أحمد في المسند 1/ 3.

(٢٩) تفسير الثعلبي 6/ 76 أونسبه إلى محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما، وقد ذكر الزمخشري في "تفسيره" 2/ 172 نحو هذا الأثر، وعلق عليه ابن حجر بقوله: "هذا ملفق من مواضع".

انظر: حاشية "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" للزيلعي 2/ 49.

(٣٠) في "معاني القرآن وإعرابه": عقودها.

(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 428.

(٣٢) في (ح): (عمر)، وهو: عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ، البصري المعتزلي، العلامة المتبحر في فنون الأدب وصاحب التصانيف المشهورة، كان أحد الأذكياء الحفاظ، لكنه كان ماجنًا قيل الدين، كثير الكذب وتوليد الحكايات، توفي سنة 255 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 12/ 212، و"نزهة الألباء" ص 148، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 526.

(٣٣) رواه الترمذي (3090)، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وأحمد في "المسند".

(٣٤) في "لسان العرب" (دنا): (قالوا: "هو ابن عمي دنية، ودنيًا، منون، ودنيا، غير منون، ودنيا، مقصور: إذا كان ابن عمه لحا ..

وكأن أجل ذلك كله (دنيا) أي: رحمًا أدنى إليّ من غيرها".

(٣٥) انظر قول الجاحظ في كتابه العثمانية ص 129 بنحوه، و"زاد المسير" 3/ 392.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وأذان ﴾ أي إعلام بتبرِّي الله تعالى ورسوله من المشركين ﴿ إِلَى الناس ﴾ جعل البراءة مختصة بالمعاهدين من المشركين، وجعل الإعلام بالبراءة عاماً لجميع الناس: من عاهد، ومن لم يعاهد، والمشركين وغيرهم ﴿ يَوْمَ الحج الأكبر ﴾ هو يوم عرفة أو يوم النحر، وقيل: أيام الموسم كلها، وعبر عنها بيوم كقولك يوم صفين والجمل، وكانت أياماً كثيرة ﴿ أَنَّ الله برياء مِّنَ المشركين ﴾ تقديره أذان بأن الله برئ، وحذفت الباء تخفيفاً وقرئ إن الله بالكسر، لأن الأذان في معنى القول ﴿ وَرَسُولُهُ ﴾ ارتفع بالعطف على الضمير في برئ، أو بالعطف، على موضع اسم إن، أو بالابتداء وخبره محذوف وقرئ بالنصب عطف على اسم إن، وأما الخفض فلا يجوز فيه العطف على المشركين لأنه معنى فاسد ويجوز على الجوار أو القسم، وهو مع ذلك بعيد والقراءة به شاذة ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ يعني التوبة من الكفر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: ذلك في قوم كان بينهم وبين رسول الله عهد على غير مدة مبينة، فأمر بنقض العهد المرسل وجعله في أربعة الأشهر التي ذكر في قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

وقال بعضهم: هي في قوم كان لهم عهد دون أربعة أشهر، فأمر بإتمام أربعة أشهر؛ [و] دليله قوله: ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .

وقال أبو بكر الكيساني: الآية في قوم كانت عادتهم نقض العهد ونكثه؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ  ﴾ فأمر [أن يعطي العهد أربعة أشهر التي ذكر في الآية ثم الحرب بعد ذلك.

وقال بعضهم: لما نزل قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بعث رسول الله] عليّاً إلى الموسم ليقرأه على الناس، فقرأ عليهم: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ من العهد غير أربعة أشهر ﴿ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

على ما ذكرنا حمل هؤلاء كلهم قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ على النقض.

وعندنا يحتمل غير هذا، وهو أن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في إمضاء العهد ووفائه، والبراءة هي الوفاء، وإتمامه ليس على النقض؛ [لأنه قال: إلى الذين عاهدتم من المشركين والبراءة إليهم هي الأمان والعهد إليهم، ولو كان على النقض لقال: "من الذين عاهدتم من المشركين" فدل أنه هو إتمام إعطاء العهد إليهم] وإمضاؤه إليهم، [ويؤيد هذا] ما قال بعض أهل الأدب: إن البراءة هي الأمان؛ يقال: كتبت له براءة، أي: أماناً؛ هذا الذي ذكرنا أشبه مما قالوا، أعني: أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

أي: سيروا واذهبوا في الأرض ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ أي: في مدة العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ .

أي: اعلموا أن المؤمنين وإن أعطوا لكم العهد في وقت فإنكم غير معجزي الله وأولياءه، ولا فائتين عنكم في تلك المدة.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ ﴾ الخزي: هو العذاب الفاضح الذي يفضحهم ويظهر عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك العذاب والإخزاء الذي ذكر في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .

قال القتبي: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: إعلام، ومنه أذان الصلاة، وهو الإعلام؛ يقال: آذنتهم إيذاناً.

وكذلك قال أبو عوسجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ يكون في قوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ دلالة ما قال أهل التأويل من النقض؛ لأن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يكون فيه انقضاء العهد وإتمامه إلى المدة التي ذكر، ويكون ما روي في الخبر [وذكر] في القصة "أن نبي الله  لما نزل ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ بعث أبا بكر على حج الناس، يقيم للمؤمنين حجهم، وبعث معه بـ ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ السورة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي، فقال للنبي  : بأبي أنت وأمي، نزل في شيء؟

قال: لا، ولكن لا يبلغ غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنت صاحبي في الغار، وأنت أخي في الإسلام، وأنت ترد على الحوض يوم القيامة؟!

قال: بلى يا رسول الله" .

فمضى أبو بكر على الناس، ومضى علي بن أبي طالب بالبراءة، فقام على بالموسم، فقرأ على الناس: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ : من العهد، غير أربعة أشهر؛ فإنهم يسيحون فيها.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: هو يوم النحر؛ لأن فيه ذكر طواف البيت وحج البيت.

وقال بعضهم: هو يوم عرفة؛ لأنه هو الذي يوقف فيه بعرفة، وبه يتم الحج على ما روي في الخبر: [ "الحج عرفة، ومن أدرك عرفة بليل وصلي معنا بجمع، فقد تم حجه وقضى تفثه، بإدراكه يتم الحج] وبفوته يفوت" وعن الحسن أنه سئل فقيل [له]: ما الحج الأكبر؟

فقال: سنة حج المسلمون والمشركون جميعاً، اجتمعوا بمكة، وفي ذلك اليوم كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، لم يكن قبله ولا بعده، فسماه الله الحج الأكبر.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يسمي الله عيد النصارى واليهود يوم الحج الأكبر، وهو يوم نزول السخط عليهم واللعنة، ولكن جائز أن يسمى بذلك؛ لاجتماع الخلائق فيه من كل نوع؛ على ما سمي يوم الحشر يوماً [عظيما]؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

أي: إن تبتم عما كنتم عليه فهو خير لكم؛ لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان في قلوبهم، ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين؛ على ما روي في الخبر أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ : عما ذكرنا، ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير فائتين من نقمة الله وعذابه.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ عن نقض العهد فهو خير لكم [في الدنيا]، والأول: فإن تبتم وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة.

وروي في بعض الأخبار عن علي -  - "أنه سئل: بأي شيء بعثت؟

قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي -  - عهد فعهده أربعة أشهر، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم مشرك بعد هذا" .

وفي بعض الأخبار: ولا يحج المشرك بعد عامه هذا، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد؛ لأنه قال في ملأ من الناس بالموسم: لا يحج مشرك بعد هذا، مع كثرة أولئك وقوتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم، ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أحد أن يدخل مكة للحج وغيره، دل أن ذلك أن كله كان بالله -  - لا بهم.

ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ببراءة، ثم أتبعه عليّاً، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي  فقال: هل نزل في شيء؟

قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني" - على أن عليّاً هو المستحق للخلافة، وهو الأحق بها دون أبي بكر؛ حيث قال: "لا يبلغ عني غيري أو رجل مني".

لكن يحتمل أنه وَلَّى ذلك عليّاً؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهداً أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم، فولى ذلك عليّاً؛ لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه فيقولون: لم ينقض علينا العهد.

أو أن يقال: ولى عليّاً أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك، فكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات، وعلي أمر الحروب، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات.

أو أن يقال: إن أبا بكر كان أمير الموسم، وعليّاً كان مناديه، فالأمير في شاهدنا أجل قدراً وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليّاً ذلك؛ لما أن ذلك كان أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ "قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .

أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين، ولا ظاهروا عليهم أحداً، وأما الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكثه فإنه لا يتم لهم، ولكن ينقض، وكذلك تأولوا قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : النقض.

ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، ويكون العذاب الأليم هو القتل والأسر؛ كأنه يقول: وبشر الذين كفروا بالقتل والأسر ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ أي: لم يخونوكم شيئاً ما داموا في العهد، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعاونوا ولا أطلعوا أحداً من المشركين عليكم، ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ  ﴾ أمر بالنبذ إليهم عند خوف الخيانة، وأمر بالإتمام إذا لم يخونوا ولم يظاهروا عليهم أحداً.

ودل قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير معجزي أولياء الله في عذاب الدنيا؛ لأنهم جميعاً سواء في عذاب الآخرة، مشتركون فيه.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مدة القوم أربعة أشهر بعد يوم النحر لعشر مضين من ربيع الآخر لمن كان له عهد، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، خمسون ليلة.

وقال بعضهم: إلا الذين عاهدتم من المشركين بالحديبية فلم يبرأ الله ورسوله من عهدهم من الأشهر الأربع [ثم لم ينقصوكم في الأشهر الأربع]، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعينوا على قتالكم أحداً من المشركين، أي: [إن] لم يفعلوا ذلك ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ وهو الأربعة الأشهر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي والشرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ ﴾ قال بعضهم: الأشهر الحرم وهي أشهر العهد والأمان، فإذا انسلخ تلك الأشهر ومضت، ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

وقال بعضهم: الأشهر الحرم هي الأشهر التي خلقها الله وجعلها حراماً؛ كقوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: حيث وجدتموهم وخذوهم في الأماكن كلها؛ لأن "حيث" إنما يترجم عن مكان، [و]أمر بقتلهم في الأماكن كلها؛ لأنه لم يخص مكاناً دون مكان.

وقال آخرون: هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم، دليله ما ذكر في السورة التي ذكر فيها البقرة، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم  ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام.

وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم، فإذا دخلوا الحرم وقد نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك، على ما روي أن عليّاً نادى بالموسم: ألا لا يحجن بعد العام مشرك - فإذا دخلوا يقتلون، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلتهم إيانا، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ قيل: ائْسِروهم.

وقوله: ﴿ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ قيل: احبسوهم، ﴿ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ ، والمرصد: الطريق؛ كأنه أمر بقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ بقتلهم إذا قدروا عليهم، وأمكن لهم ذلك، والأسر عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن، وحفظ المراصد عند غير الإمكان؛ لئلا يغروا، ويقال: أرصدت له، أي: انتظرت أن أجد فرصتي، ويقال: ترصدته، أي: انتظرته.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ أي: كل طريق يرصدونكم؛ كأنه أمر بذلك؛ ليضيق عليهم الأمر؛ ليضجروا وينقادوا.

وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد؛ ليضيق عليهم الأمر ويشتد، فينقادوا، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم.

وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ أي: أقيموا عليهم الحجج والبراهين؛ ليضطروا إلى قبول ذلك، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ : [قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين، فقال: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ وقال: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ] فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة؛ لأن الله -  - إنما رفع القتل عنهم بالإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم، وكذلك فعل أبو بكر الصديق لما ارتدت العرب ومنعتهم الزكاة حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه.

روي عن أنس قال: "لما توفي رسول الله  ارتدت العرب كافة، فقال عمر: يا أبا بكر، أتريد أن تقاتل العرب كافة؟!

فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله  : إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، منعوني دماءهم وأموالهم والله لو منعوني عناقاً مما كانوا يعطون رسول الله  قاتلتهم عليه.

قال عمر: فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه الحق" .

وفي بعض الأخبار قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونصلي، ولكن لا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر، فقالوا: دعهم؛ فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدَّوْا، فقال: والله، لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله  قاتلتهم عليه، قيل: أو قاتل رسول الله على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال الله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ، والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن، فقالوا: إنا نزكي، ولكن لا ندفعها [إليك]، فقال: والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله  وأضعها مواضعها.

وقال آخرون: قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ في قبولهم والاعتقاد بهما دون فعلهما، لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلى أن يحول الحول فيؤخذون بأداء الزكاة - دل على أنه على القبول والإقرار بذلك، واستدلوا بما روي في بعض الأخبار عن رسول الله  قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله [فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وقالوا في بعض الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إ لا الله]، وإني رسول الله، فإذا قالوا ذلك: عصموا مني ..." كذا، وفي بعضها: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني..." كذا دل ما ذكرنا من الزيادات والنقصان [أن ذلك] في قوم مختلفين، وأنه على القبول لذلك والاعتقاد، لا على الفعل نفسه، فمن كان لا يقرأ بشيء من ذلك، فإذا قال: لا إله إلا الله، كان ذلك منه إيماناً في الظاهر، ومن كان يقول: لا إله إلا الله، ولا يقول: محمد رسول الله، فإذا قال ذلك كان ذلك منه إيماناً، ومن كان يقر بهذين ولا يقر بالصلاة والزكاة، فإذا أقر بذلك كان ذلك منه إيماناً، فهو على الإقرار به والاعتقاد، لا على الفعل، ألا ترى أن للأئمة أن يأخذوا منهم الزكاة شاءوا أو أبو؟!

فلو كان الأداء من شرط الإيمان لكانوا غير مؤمنين بأخذ هؤلاء.

واختلف الصحابة والروايات في الحج الأكبر: روي عن عبد الله بن الزبير [عن أبيه] قال: قال النبي -  - يوم عرفة: "هل تدرون أي يوم هذا؟

قالوا: نعم، اليوم الحرام، يوم الحج الأكبر، قال: فإن الله قد حرم دماءكم وأموالكم عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا" وعن عمر -  - أنه سئل عن الحج الأكبر، فقال: يوم عرفة.

وعنه: أنه وقف عليهم يوم عرفة فقال: إن هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد.

وعن ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر.

وفي بعض الأخبار عنه  أنه خطب على ناقة حمراء يوم النحر، فقال رسول الله: "أتدرون أي يوم هذا؟

هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر" وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: رأيت أو قال: "سمعت - رسول الله   يقول يوم النحر عند المحراب في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟، قالوا: هذا يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟

قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟، قالوا: شهر حرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت " وعن الحارث [قال]: سألت عليّاً عن الحج الأكبر، فقال: يوم النحر.

وعن المغيرة بن شعبة: أنه خطب يوم العيد، فقال: "هذا يوم النحر، ويوم الأضحى، ويوم الحج الأكبر".

وعن ابن عباس -  - قال: "الحج الأكبر: يوم النحر".

وفيه قول ثالث: ما روي أنه كان في كتاب رسول الله الذي كتبه لعمرو بن حزم: "والحج الأصغر العمرة".

وعن ابن عباس: العمرة: هي الحجة الصغرى.

وسئل عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر، فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والأصغر العمرة.

فأما حديث عمرو بن حزم: فهو حكاية عن كتاب، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر، إنما يذكر فيه الحج الأصغر، ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال: يوم عرفة [هو] يوم الحج الأكبر؛ لأنه يقضى فيه فرض الحج وهو الوقوف، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، وجاز أن يقال: هو يوم النحر؛ لأنه فيه يقضى طواف الزيارة، وهو فرض ويقضى فيه أكبر مناسك الحج؛ بل يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضاً من فرائض الحج، وهو الوقوف، ويقضي في يوم النحر فرضاً آخر من فرائضه، وهو طواف الزيارة، ويقضي مع ذلك [أكثر] مناسك الحج، فقد استوى هذان اليومان في أنه يُقْضَى في كل واحد منهما فرض من فرائض الحج، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج، ولا يفعل في يوم عرفة شيئاً من النسك إلا الوقوف بعرفة.

واحتج بعض الناس بفرضية العمرة بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو العمرة، والأكبر هو الحج، بما سميت العمرة حجّاً، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.

وعن علي وأبي هريرة وابن أبي أوفى -  م - أنهم قالوا: الحجة الكبرى: يوم النحر.

وعن عمر وابن عباس أنهما قالا: يوم عرفة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإعلام من الله، وإعلام من رسوله إلى جميع الناس يوم النحر أن الله سبحانه بريء من المشركين، وأن رسوله بريء كذلك منهم، فإن تبتم -أيها المشركون- من شرككم فتوبتكم خير لكم، وإن أعرضتم عن التوبة فأيقنوا أنكم لن تفوتوا الله، ولن تفلتوا من عقابه، وأخبر -أيها الرسول- الذين كفروا بالله بما يسوؤهم، وهو عذاب موجع ينتظرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.LVobX"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل