الآية ١٠١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠١ من سورة التوبة

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ ١٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى رسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين ، وفي أهل المدينة أيضا منافقون ( مردوا على النفاق ) أي : مرنوا واستمروا عليه : ومنه يقال : شيطان مريد ومارد ، ويقال : تمرد فلان على الله ، أي : عتا وتجبر .

وقوله : ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) لا ينافي قوله تعالى : ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) الآية [ محمد : 30 ] ؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها ، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين .

وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا ، وإن كان يراه صباحا ومساء ، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن النعمان بن سالم ، عن رجل ، عن جبير بن مطعم ، رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله ، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة ، فقال : لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب " وأصغى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال : " إن في أصحابي منافقين " ومعناه : أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له ، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم .

وتقدم في تفسير قوله : ( وهموا بما لم ينالوا ) [ التوبة : 74 ] أنه عليه السلام أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا ، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم ، والله أعلم .

وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة " أبي عمر البيروتي " من طريق هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا بن جابر ، حدثني شيخ بيروت يكنى أبا عمر ، أظنه حدثني عن أبي الدرداء ؛ أن رجلا يقال له " حرملة " أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الإيمان هاهنا - وأشار بيده إلى لسانه - والنفاق هاهنا - وأشار بيده إلى قلبه ولم يذكر الله إلا قليلا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اجعل له لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا ، وارزقه حبي ، وحب من يحبني ، وصير أمره إلى خير " .

فقال : يا رسول الله ، إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم ، أفلا آتيك بهم ؟

قال : " من أتانا استغفرنا له ، ومن أصر على دينه فالله أولى به ، ولا تخرقن على أحد سترا " قال : وكذا رواه أبو أحمد الحاكم ، عن أبي بكر الباغندي ، عن هشام بن عمار ، به .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة في هذه الآية أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون علم الناس ؟

فلان في الجنة وفلان في النار .

فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدري !

لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس ، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء قبلك .

قال نبي الله نوح : ( قال وما علمي بما كانوا يعملون ) [ الشعراء : 112 ] وقال نبي الله شعيب : ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ) [ هود : 86 ] وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) .

وقال السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في هذه الآية قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال : " اخرج يا فلان ، فإنك منافق ، واخرج يا فلان فإنك منافق " .

فأخرج من المسجد ناسا منهم ، فضحهم .

فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا ، واختبئوا هم من عمر ، ظنوا أنه قد علم بأمرهم .

فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا ، فقال له رجل من المسلمين : أبشر يا عمر ، قد فضح الله المنافقين اليوم .

قال ابن عباس : فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد ، والعذاب الثاني عذاب القبر وكذا قال الثوري ، عن السدي ، عن أبي مالك نحو هذا .

وقال مجاهد في قوله : ( سنعذبهم مرتين ) يعني : القتل والسباء وقال - في رواية - بالجوع ، وعذاب القبر ، ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) وقال ابن جريج : عذاب الدنيا ، وعذاب القبر ، ثم يردون إلى عذاب النار .

وقال الحسن البصري : عذاب في الدنيا ، وعذاب في القبر وقال عبد الرحمن بن زيد : أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد ، وقرأ قول الله ( فلا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ) [ التوبة : 85 ] فهذه المصائب لهم عذاب ، وهي للمؤمنين أجر ، وعذاب في الآخرة في النار ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) قال : النار .

وقال محمد بن إسحاق : ( سنعذبهم مرتين ) قال : هو - فيما بلغني - ما هم فيه من أمر الإسلام ، وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة ، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها ، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه ، عذاب الآخرة والخلد فيه .

وقال سعيد ، عن قتادة في قوله : ( سنعذبهم مرتين ) عذاب الدنيا ، وعذاب القبر ، ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين ، فقال : " ستة منهم تكفيكهم الدبيلة : سراج من نار جهنم ، يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره ، وستة يموتون موتا " .

وذكر لنا أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم ، نظر إلى حذيفة ، فإن صلى عليه وإلا تركه .

وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة : أنشدك بالله ، أمنهم أنا ؟

قال : لا .

ولا أومن منها أحدا بعدك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن القوم الذين حول مدينتكم من الأعراب منافقون, ومن أهل مدينتكم أيضًا أمثالهم أقوامٌ منافقون.

* * * وقوله: (مردوا على النفاق)، يقول: مرَنُوا عليه ودَرِبوا به.

* * * ومنه: " شيطانٌ مارد، ومَرِيد "، وهو الخبيث العاتي.

ومنه قيل: " تمرَّد فلان على ربه "، أي: عتَا، ومرنَ على معصيته واعتادها.

(12) * * * وقال ابن زيد في ذلك ما: - 17119- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تابَ الآخرون.

17120- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، أي لجُّوا فيه، وأبوْا غيرَه.

(13) * * * =(لا تعلمهم)، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعلم، يا محمد، أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفتُ لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة, ولكنا نحن نعلمهم، كما: - 17121- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون)، إلى قوله: (نحن نعلمهم)، قال: فما بال أقوام يتكلَّفون علم الناس؟

فلانٌ في الجنة وفلان في النار!

فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري !

لعمري أنتَ بنفسك أعلم منك بأعمال الناس, ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلك !

قال نبي الله نوح عليه السلام: وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ،, [سورة الشعراء: 112]، وقال نبي الله شعيب عليه السلام: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [سورة هود: 86]، وقال الله لنبيه عليه السلام: (لا تعلمهم نحن نعلمهم).

* * * وقوله: (سنعذبهم مرتين)، يقول: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين، إحداهما في الدنيا, والأخرى في القبر.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في التي في الدنيا، ما هي؟

فقال بعضهم: هي فضيحتهم، فضحهم الله بكشف أمورهم، وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * * ذكر من قال ذلك: 17122- حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي مالك, عن ابن عباس في قول الله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، إلى قوله: (عذاب عظيم)، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا يوم الجمعة, فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق.

اخرج، يا فلان، فإنك منافق.

فأخرج من المسجد ناسًا منهم، فضحهم.

فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد الجمعة, وظنّ أن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم من عمر, ظنّوا أنه قد علم بأمرهم.

فجاء عمر فدخل المسجد, فإذا الناس لم يصلُّوا, فقال له رجل من المسلمين: أبشر، يا عمر, فقد فضح الله المنافقين اليوم !

فهذا العذاب الأول، حين أخرجهم من المسجد.

والعذاب الثاني، عذاب القبر.

(14) 17123- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: (سنعذبهم مرتين)، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فيذكر المنافقين، فيعذبهم بلسانه, قال: وعذاب القبر.

* * * [وقال آخرون: ما يصيبهم من السبي والقتل والجوع والخوف في الدنيا.] (15) * * * ذكر من قال ذلك: 17124- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، قال: القتل والسِّبَاء.

17125- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، بالجوع, وعذاب القبر.

قال: (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، يوم القيامة.

17126- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون، والقاسم، ويحيى بن آدم, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (سنعذبهم مرتين)، قال: بالجوع والقتل = وقال يحيى: الخوف والقتل.

(16) 17127- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: بالجوع والقتل.

17128- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: (سنعذبهم مرتين)، قال: بالجوع, وعذاب القبر.

17129- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، قال: الجوع والقتل.

(17) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: سنعذبهم عذابًا في الدنيا، وعذابًا في الآخرة.

* ذكر من قال ذلك: 17130- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (سنعذبهم مرتين)، عذاب الدنيا، وعذاب القبر، (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين, فقال: " ستة منهم تكفيكَهم الدُّبيلة, (18) سِراج من نار جهنم، يأخذ في كتف أحدهم حتى تُفضي إلى صدره, وستة يموتون موتًا " .

ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله، كان إذا مات رجل يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة, فإن صلى عليه، وإلا تركه.

وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشُدُك الله، أمنهم أنا؟

قال: لا والله, ولا أومِن منها أحدًا بعدك !

17131- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (سنعذبهم مرتين)، قال: عذاب الدنيا وعذاب القبر.

17132- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن العلاء قالا حدثنا بدل بن المحبر قال، حدثنا شعبة, عن قتادة: (سنعذبهم مرتين)، قال: عذابًا في الدنيا، وعذابًا في القبر.

17133- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: عذاب الدنيا، وعذاب القبر، = ثم يردّون إلى عذاب النار.

* * * وقال آخرون: كان عذابهم إحدى المرتين، مصائبَهم في أموالهم وأولادهم, والمرة الأخرى في جهنم.

* ذكر من قال ذلك: 17134- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (سنعذبهم مرتين)، قال: أما عذابٌ في الدنيا، فالأموال والأولاد, وقرأ قول الله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، [سورة التوبة: 55]، بالمصائب فيهم, هي لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر.

قال: وعذاب في الآخرة، في النار =(ثم يردون إلى عذاب عظيم)، قال: النار.

* * * وقال آخرون: بل إحدى المرتين، الحدود, والأخرى: عذابُ القبر.

ذكر ذلك عن ابن عباس من وجه غير مرتضًى.

(19) * * * وقال آخرون: بل إحدى المرتين، أخذ الزكاة من أموالهم, والأخرى عذابُ القبر.

ذكر ذلك عن سليمان بن أرقم, عن الحسن.

* * * وقال آخرون: بل إحدى المرتين، عذابُهم بما يدخل عليهم من الغَيْظِ في أمر الإسلام.

* ذكر من قال ذلك: 17135- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (سنعذبهم مرتين)، قال: العذاب الذي وعدَهم مرتين، فيما بلغني، غَمُّهم بما هم فيه من أمر الإسلام، (20) وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حِسْبة, ثم عذابهم في القبر إذا صاروا إليه, ثم العذاب العظيم الذي يردُّون إليه، عذابُ الآخرة، (21) والخُلْد فيه.

(22) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذِّب هؤلاء الذين مرَدوا على النفاق مرتين, ولم يضع لنا دليلا يوصِّل به إلى علم صفة ذينك العذابين (23) = وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم.

وليس عندنا علم بأيِّ ذلك من أيٍّ.

(24) غير أن في قوله جل ثناؤه: (ثم يردّون إلى عذاب عظيم)، دلالة على أن العذاب في المرَّتين كلتيهما قبل دخولهم النار.

والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر.

* * * وقوله: (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، يقول: ثم يردُّ هؤلاء المنافقون، بعد تعذيب الله إياهم مرتين، إلى عذاب عظيم, وذلك عذاب جهنم.

------------------- الهوامش : (12) انظر تفسير " مريد " فيما سلف 9 : 211 ، 212 ، وفي المطبوعة : " أي : عتا ومرد على معصيته .

.

.

" ، والصواب ما في المخطوطة .

(13) الأثر : 17120 - سيرة ابن هشام 4 : 198 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17089 .

(14) الأثر : 17122 - رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 33 ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، وهو ضعيف " .

(15) هذه الترجمة التي بين القوسين ، ليست في المخطوطة ولا المطبوعة ، استظهرتها من سياق الأخبار التالية .

(16) في المطبوعة : " بالجوع .

.

.

" ، بالباء في أوله ، وأثبت ما في المخطوطة .

(17) في المطبوعة : " بالجوع " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(18) " الدبيلة " في اللغة ، خراج ودمل كبير ، تظهر في الجوف ، فتقتل صاحبها غالبا ، وهي تصغير " دبلة " ( بضم الدال وسكون الباء ) ، بمثل معناها .

(19) في المطبوعة : " غير مرضي " .

وأثبت ما في المخطوطة .

(20) في المطبوعة والمخطوطة : " فيما بلغني عنهم ما هم فيه أمر الإسلام " ، والصواب من سيرة ابن هشام .

(21) في المطبوعة : " ويخلدون فيه " ، وفي المخطوطة : " ويخلد فيه " ، وصواب قراءتها من سيرة ابن هشام .

(22) الأثر : 17135 - سيرة ابن هشام 4 : 198 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17120 .

(23) في المطبوعة : " نتوصل به " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(24) في المطبوعة : " بأي ذلك من بأي ، على أن في قوله .

.

.

" ، فحرف وبدل وأفسد الكلام إفسادًا .

وانظر القول في " أي ذلك كان من أي " فيما سلف ص : 365 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك ، فقد مضت أخواتها كثيرًا ، وحرفها الناسخ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيمقوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ابتداء وخبر .

أي قوم منافقون ; يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفارا وأشجع .ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي قوم مردوا على النفاق .

وقيل : ( مردوا ) من نعت المنافقين ; فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، المعنى .

ومن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق ، ومن أهل المدينة مثل ذلك .

ومعنى : " مردوا " أقاموا ولم يتوبوا ; عن ابن زيد .

وقال غيره : لجوا فيه وأبوا غيره ; والمعنى متقارب .

وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد .

فكأنهم تجردوا للنفاق .

ومنه [ ص: 163 ] رملة مرداء لا نبت فيها .

وغصن أمرد لا ورق عليه .

وفرس أمرد لا شعر على ثنته .

وغلام أمرد بين المرد ; ولا يقال : جارية مرداء .

وتمريد البناء تمليسه ; ومنه قوله : صرح ممرد .

وتمريد الغصن تجريده من الورق ; يقال : مرد يمرد مرودا ومرادة .قوله تعالى لا تعلمهم نحن نعلمهم هو مثل قوله : لا تعلمونهم الله يعلمهم على ما تقدم .

وقيل : المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها ; وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار .قوله تعالى سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم قال ابن عباس : بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة .

فمرض المؤمن كفارة ، ومرض الكافر عقوبة .

وقيل : العذاب الأول الفضيحة باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ; على ما يأتي بيانه في المنافقين .

والعذاب الثاني عذاب القبر .

الحسن وقتادة : عذاب الدنيا وعذاب القبر .

ابن زيد : الأول بالمصائب في أموالهم وأولادهم ، والثاني عذاب القبر .

مجاهد : الجوع والقتل .

الفراء : القتل وعذاب القبر .

وقيل : السباء والقتل .

وقيل : الأول أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم ، والثاني عذاب القبر .

وقيل : أحد العذابين ما قال تعالى : فلا تعجبك أموالهم إلى قوله إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا .

والغرض من الآية اتباع العذاب ، أو تضعيف العذاب عليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ‏}‏ أيضًا منافقون ‏{‏مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ‏}‏ أي‏:‏ تمرنوا عليه، واستمروا وازدادوا فيه طغيانا‏.‏ ‏{‏لَا تَعْلَمُهُمْ‏}‏ بأعيانهم فتعاقبهم، أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم، لما للّه في ذلك من الحكمة الباهرة‏.‏ ‏{‏نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ‏}‏ يحتمل أن التثنية على بابها، وأن عذابهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة‏.‏ ففي الدنيا ما ينالهم من الهم والحزن ، والكراهة لما يصيب المؤمنين من الفتح والنصر، وفي الآخرة عذاب النار وبئس القرار‏.‏ ويحتمل أن المراد سنغلظ عليهم العذاب، ونضاعفه عليهم ونكرره‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ) وهم من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، كانت منازلهم حول المدينة ، يقول : من هؤلاء الأعراب منافقون ، ( ومن أهل المدينة ) أي : ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج قوم منافقون ، ( مردوا على النفاق ) أي : مرنوا على النفاق ، يقال : تمرد فلان على ربه أي : عتا ، ومرد على معصيته ، أي : مرن وثبت عليها واعتادها .

ومنه : المريد والمارد .

قال ابن إسحاق : لجوا فيه وأبوا غيره .

وقال ابن زيد : أقاموا عليه ولم يتوبوا .

( لا تعلمهم ) أنت يا محمد ، ( نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ) اختلفوا في هذين العذابين .

قال الكلبي والسدي : قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال : " اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان .

أخرج ناسا من المسجد وفضحهم ، فهذا هو العذاب الأول .

والثاني : عذاب القبر " .

وقال مجاهد : الأول : القتل والسبي ، والثاني : عذاب القبر .

وعنه رواية أخرى : عذبوا بالجوع مرتين .

وقال قتادة : الدبيلة في الدنيا وعذاب القبر .

وقال ابن زيد : الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا ، والأخرى عذاب الآخرة .

وعن ابن عباس : الأولى إقامة الحدود عليهم ، والأخرى عذاب القبر .

وقال ابن إسحاق : هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسبة ثم عذاب القبر .

وقيل : إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم ، والأخرى عذاب القبر .

وقيل : الأولى إحراق مسجدهم ، مسجد الضرار ، والأخرى إحراقهم بنار جهنم .

( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) أي : إلى عذاب جهنم يخلدون فيه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وممن حولكم» يا أهل المدينة «من الأعراب منافقون» كأسلم وأشجع وغفار «ومن أهل المدينة» منافقون أيضا «مردوا على النفاق» لُّجوا فيه واستمروا «لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين» بالفضيحة أو القتل في الدنيا وعذاب القبر «ثم يردون» في الآخرة «إلى عذاب عظيم» هو النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن القوم الذين حول (المدينة) أعراب منافقون، ومن أهل (المدينة) منافقون أقاموا على النفاق، وازدادوا فيه طغيانًا، بحيث يخفى عليك -أيها الرسول- أمرهم، نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين: بالقتل والسبي والفضيحة في الدنيا، وبعذاب القبر بعد الموت، ثم يُرَدُّون يوم القيامة إلى عذاب عظيم في نار جهنم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد بالمصول .

فى قوله ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ) .

قبائل : جهينة ، ومزينة وأشجع ، وأسلم .

.

وكانت منازلهم حول المدينة وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين .واستشكل ذلك بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - مدح بعض هذه القبائل ودعا لبعضها فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أنه قال : " قريش ، والأنصار ، وجهينة ، ومزينة ، وأشجع وأسلم ، وغفار ، موالى الله - تعالى - ورسوله لا والى لهم غيره " .وأجيب ذلك باعتبار الأغلب منهم .وقوله : ( لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) بيان لتمردهم فى النفاق وتمهرهم فيه .أى : أنت أيها الرسول الكريم .

لا تعرف هؤلاء المنافقين .

مع كمال فطنتك ، وصدق فراستك لأنك تعامل الناس بظاهرهم ، وهم قد أجادوا النافق وحذقوه ، واجتهدوا فى الظهرو بمظهر المؤمنين ، أما نحن فإننا نعلمهم لأننا لا يخفى علينا شئ من ظواهرهم أو بواطنهم .قال الإِمام ابن كثير : وقوله تعالى ( لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) لا ينافى قوله تعالى ( وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول .

.

.

) لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين ، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن فى بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا ، وإن كان يراه صباحا ومساء .وشاهد هذا بالصحة " ما رواه الإِمام أحمد بن جبير بن مطعم قال : قلت : يا رسول الله ، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة ، فقال : " لتأتينكم أجوركم ولو كنتم فى جحر ثعلب " وأصغى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأسه فقال : " إن فى أصحابى منافقين " ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين بما لا صحة له من الكلام ، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذى سمعه جبير بن مطعم .ثم قال : وقد تقدم فى تفسير قوله - تعالى - ( وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ) أنه - صلى الله عليه وسلم - أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا .

وهذا تخصيص لا يقتضى أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم .وروى الحافظ بن عساكر " عن أبى الدرداء ، أن رجلا يقال له حرملة أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : الإِيمان ها هنا وأشار بيده إلى لسانه ، والنفاق ها هنا وأشار بيده إلى قلبه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم اجعل له لسانا ذاكرا .

وقلبا شاكرا ، وارزقه حبى ، وحب من يحبنى ، وصير أمره إلى خير " .فقال الرجل يا رسول الله : إنه كان لى أصحاب من المنافقين وكنت راسا فيهم ، أفلا آتيك بهم؟

فقال : - صلى الله عليه وسلم - : " ومن أتانا استغفرنا له ، ومن اصر فالله أولى به ، ولا تخرقن على أحد سترا " " .وقال الآلوسى .

واستدل بالآية على أنه لا ينبغى الإِقدام على دعوى معرفة الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها ، فقد أخرج بعد الرازق وابن المنذر وغيرهما عن قتادة : أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون : فلان فى الجنة وفلان فى النار ، فإذا سألت أحدهم ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون : فلان فى الجنة وفلان فى النار ، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدرى .

لعمرى لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبى .

فقد قال نوح عليه السلام " وما علمى بما كانوا يعملون " وقال شعيب عليه السلام " وما أنا عليكم بحفيظ " .

وقال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ( لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) .وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل على الرد على من يزعم الكشف والاطلاع لعى المغيبات بمجرد صفاء القلب ، وتجرد النفس عن الشواغل .ثم قال : والجملة الكريمة ( لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) تقرير لما سبق من مهارتهم فى النفاق ، أى : لا يقف على سرائرهم المذكورة فيهم ، إلا من لا تخفى عليه خافية ، لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وظهار الإخلاص .وقوله : ( سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) وعيد لهم بسوء المصير فى الدنيا والآخرة .أى : هؤلاء المنافقون الذين مردوا على النفاق ، سنعذبهم فى الدنيا مرتين ، مرة عن طريق فضحيتهم وهتك أستارهم وجعلهم يعيشون فى قلب وهم دائم ، والأخرى عن طريق ضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم وما يتبع ذلك من عذابهم فى قبورهم إلى أن تقوم الساعة ، فيجدون العذاب الأكبر الذى عبر عنه - سبحانه - بقوله ( ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) .أى : ثم يعودن ويرجعون إلى خالقهم - سبحانه - يوم القيامة فيعذبهم عذابا عظيما بسبب إصرارهم على النفاق ، ورسوخهم فى المكر والخداع .قال أبو السعود : ولعل تكرير عذابهم ، لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق ، أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه .

ويجوز أن يكون المراد بالمرتين مجرد التكثير ، كما فى قوله تعالى( فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ) أى : كرة بعد أخرى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى شرح أحوال منافقي المدينة، ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب، ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص، ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم؟

وهم السابقون المهاجرون والأنصار.

فذكر في هذه الآية أن جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق، وإن كنتم لا تعلمون كونهم كذلك فقال: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعراب منافقون ﴾ وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار، وكانوا نازلين حولها.

وأما قوله: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال الزجاج: أنه حصل فيه تقديم وتأخير، والتقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق.

الثاني: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون التقدير: ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق فأضمر من لدلالة ﴿ مِنْ ﴾ عليها كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  ﴾ يريد إلا من له مقام معلوم.

البحث الثاني: يقال: مرد يمرد مردوا فهو مارد ومريد إذا عتا، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا، وقال ابن الأعرابي: المراد التطاول بالكبر والمعاصي، ومنه: ﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ وأصل المرود الملاسة، ومنه صرح ممرد، وغلام أمرد، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئاً، كأن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه، بقي كما كان على صفته الأصلية من غير حدوث تغير فيه ألبتة، وذلك هو الملاسة.

إذا عرفت أصل اللفظ فنقول: قوله: ﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ أي ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه.

ثم قال تعالى: ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ وهو كقوله: ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ ﴾ والمعنى أنهم تمردوا في حرفة النفاق فصاروا فيها أستاذين، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك.

ثم قال: ﴿ سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ وذكروا في تفسير المرتين وجوهاً كثيرة: الوجه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الأمراض في الدنيا، وعذاب الآخرة، وذلك أن مرض المؤمن يفيده تكفير السيئات، ومرض الكافر يفيده زيادة الكفر وكفران النعم.

الوجه الثاني: روى السدي عن أنس بن مالك أن النبي عليه السلام قام خطيباً يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج من المسجد ناساً وفضحهم فهذا هو العذاب الأول، والثاني عذاب القبر.

والوجه الثالث: قال مجاهد: في الدنيا بالقتل والسبي وبعد ذلك بعذاب القبر.

والوجه الرابع: قال قتادة بالدبيلة وعذاب القبر، وذلك أن النبي عليه السلام أسر إلى حذيفة اثني عشر رجلاً من المنافقين، وقال: ستة يبتليهم الله بالدبيلة سراج من نار يأخذ أحدهم حتى يخرج من صدره، وستة يموتون موتاً.

والوجه الخامس: قال الحسن: يأخذ الزكاة من أموالهم، وعذاب القبر.

والوجه السادس: قال محمد بن إسحاق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسنة، ثم عذابهم في القبور.

والوجه السابع: أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار.

والآخر عند البعث، يوكل بهم عنق النار.

والأولى أن يقال مراتب الحياة ثلاثة: حياة الدنيا، وحياة القبر، وحياة القيامة، فقوله: ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ المراد منه عذاب الدنيا بجميع أقسامه، وعذاب القبر.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ المرا دمنه العذاب في الحياة الثالثة، وهي الحياة في القيامة.

ثم قال تعالى في آخر الآية: ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ يعني النار المخلدة المؤبدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم ﴾ يعني حول بلدتكم وهي المدينة ﴿ منافقون ﴾ وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا نازلين حولها ﴿ وَمِنْ أَهْلِ المدينة ﴾ عطف على خبر المبتدإ الذي هو ممن حولكم ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدإ والخبر إذا قدّرت: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، على أنّ ﴿ مَرَدُواْ ﴾ صفة موصوف محذوف كقوله: أَنَا ابْنُ جَلاَ............

وعلى الوجه الأول لا يخلو من أن يكون كلاماً مبتدأ أو صفة لمنافقون، فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره ﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ تمهروا فيه، من مرن فلان عمله، ومرد عليه: إذا درب به وضرى، حتى لان عليه ومهر فيه، ودّل على مرانتهم عليه ومهارتهم فيه بقوله: ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ ﴾ أي يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك، لفرط تنوّقهم في تحامي ما يشكك في أمرهم، ثم قال: ﴿ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ أي لا يعلمهم إلاّ الله، ولا يطلع على سرهم غيره، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً، ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين، لا تشك معه في إيمانهم، وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به، فلهم فيه اليد الطولى ﴿ سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ قيل: هما القتل وعذاب القبر.

وقيل: الفضيحة وعذاب القبر.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنهم اختلفوا في هاتين المرّتين، فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج ناساً وفضحهم، فهذا العذاب الأوّل، والثاني عذاب القبر.

وعن الحسن: أخذ الزكاة من أموالهم ونهك أبدانهم ﴿ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ إلى عذاب النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ﴾ أيْ ومِمَّنْ حَوْلَ بَلْدَتِكم يَعْنِي المَدِينَةَ.

﴿ مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ﴾ هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةٌ وأسْلَمُ وأشْجَعُ وغِفارٌ كانُوا نازِلِينَ حَوْلَها.

﴿ وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ ﴾ عُطِفَ عَلى (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ) أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ صِفَتُهُ.

﴿ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ﴾ ونَظِيرُهُ في حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ قَوْلُهُ: أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا وعَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ فَصَلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِالمَعْطُوفِ عَلى الخَبَرِ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ تَمَرُّنِهِمْ وتَمَهُّرِهِمْ في النِّفاقِ.

﴿ لا تَعْلَمُهُمْ ﴾ لا تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ وهو تَقْرِيرٌ لِمَهارَتِهِمْ فِيهِ وتَنَوُّقِهِمْ في تَحامِي مَواقِعِ التُّهَمِ إلى حَدٍّ أخْفى عَلَيْكَ حالَهم مَعَ كَمالِ فِطْنَتِكَ وصِدْقِ فِراسَتِكَ.

﴿ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ ونَطَّلِعُ عَلى أسْرارِهِمْ إنْ قَدِرُوا أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْنا.

﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ﴾ بِالفَضِيحَةِ والقَتْلِ أوْ بِأحَدِهِما وعَذابِ القَبْرِ، أوْ بِأخْذِ الزَّكاةِ ونَهْكِ الأبْدانِ.

﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ إلى عَذابِ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِمَّنْ حَوْلَكُم} يعني حول بلدتكم وهي المدينة {مّنَ الأعراب منافقون} وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها {وَمِنْ أَهْلِ المدينة} عطف على خبر المبتدأ الذي هو مِمَّنْ حَوْلَكُم والمبتدأ منافقون ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت ومن أهل المدينة قوم {مَرَدُواْ عَلَى النفاق} أي تمهروا فيه على أن مردوا صفة موصوف محذوف وعلى الوجه الأول لا يخلو من أن يكون كلاما مبتدأ أو صفة لمنافقون فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره ودل على مهارتهم فيه بقوله {لاَ تَعْلَمُهُمْ} أي يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تنوقهم في تحامي ما يشككك في أمرهم ثم قال {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} أي لا يعلمهم إلا الله ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ}

هما القتل وعذاب القبر أو الفضيحة وعذاب القبر أو أخذ الصدقات من أموالهم ونهك أبدانهم {ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ} أى عذاب النار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ بَعْدَ بَيانِ حالِ أهْلِ البادِيَةِ مِنهم أيْ ومِمَّنْ حَوْلَ بَلَدِكم ﴿ مُنافِقُونَ ﴾ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارٌ وكانَتْ مَنازِلُهم حَوْلَ المَدِينَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ كالبَغَوِيِّ والواحِدِيِّ وابْنِ الجَوْزِيِّ وغَيْرِهِمْ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ النَّبِيَّ  مَدَحَ هَذِهِ القَبائِلَ ودَعا لِبَعْضِها فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «قُرَيْشٌ والأنْصارُ وجُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارٌ مَوالِي اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ لا مَوالِيَ لَهم غَيْرُهُ» وجاءَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ  قالَ: «أسْلَمُ سالَمَها اللَّهُ تَعالى وغِفارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَها أما إنِّي لَمْ أقُلْها لَكِنْ قالَها اللَّهُ تَعالى» .

وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ مِنهم ﴿ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ) فَيَكُونُ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ خَبَرًا عَنِ - المُنافِقُونَ - كَأنَّهُ قِيلَ: المُنافِقُونَ مِن قَوْمٍ حَوْلَكم ومِن أهْلِ المَدِينَةِ وهو مِن عَطْفِ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَسُوقَةً لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ في النِّفاقِ إثْرَ بَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ أوْ صِفَةً لِمُنافِقُونَ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ ومَوْصُوفِها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (مِن أهْلِ المَدِينَةِ) خَبَرًا مُقَدَّمًا والمُبْتَدَأُ بَعْدَهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ والتَّقْدِيرُ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا وحَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ صِفَتِهِ مَقامَهُ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ مَقِيسٌ شائِعٌ نَحْوَ - مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ - وفي غَيْرِ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ أوْ نادِرٌ ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ: أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعِ الثَّنايا مَتى أضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي عَلى أحَدِ التَّأْوِيلاتِ فِيهِ وأصْلُ المُرُودِ عَلى ما ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى المَلاسَةُ ومِنهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ والأمْرَدُ الَّذِي لا شَعْرَ عَلى وجْهِهِ والمَرْداءُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أصْلُهُ الظُّهُورُ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ إذا تَساقَطَ ورَقُها وأظْهَرَتْ عِيدانُها وفي القامُوسِ: مَرَدَ كَنَصَرَ وكَرُمَ مُرُوَدًا ومُرُودَةً ومَرادَةً فَهو مارِدٌ ومَرِيدٌ ومُتَمَرِّدٌ أقْدَمَ وعَتا أوْ هو أنْ يَبْلُغَ الغايَةَ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِن جُمْلَةِ ما عَلَيْهِ ذَلِكَ الصِّنْفُ وفَسَّرُوهُ بِالِاعْتِيادِ والتَّدَرُّبِ في الأمْرِ حَتّى يَصِيرَ ماهِرًا فِيهِ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرَهُ في القامُوسِ مِن بُلُوغِ الغايَةِ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ وهُوَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ حَسَبَ شُمُولِ النِّفاقِ وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ خاصٌّ بِمُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّهُ الأنْسَبُ بِذِكْرِ مُنافِقِي أهْلِ البادِيَةِ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مُنافِقِي الأعْرابِ المُجاوِرِينَ ثُمَّ ذَكَرَ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ ويَبْقى عَلى هَذا أنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مَرْتَبَةَ المُجاوِرِينَ في النِّفاقِ بِخِلافِهِ عَلى تَقْدِيرِ شُمُولِهِ لِلْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ التَّمَرُّدَ عَلى النِّفاقِ إذا اقْتَضى الأشَدِّيَّةَ فِيهِ أشْكَلَ عَلَيْهِ تَفْسِيرُهُمُ المُفَضَّلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا ﴾ .

بِأهْلِ الحَضَرِ ولَعَلَّ المُرادَ تَفْضِيلُ المَجْمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ أوْ يَلْتَزِمُ عَدَمَ الِاقْتِضاءِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَعْلَمُهُمْ ﴾ بَيانٌ لِتَمَرُّدِهِمْ أيْ لا تَعْرِفُهم أنْتَ بِعُنْوانِ نِفاقِهِمْ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا مِنَ المَهارَةِ في النِّفاقِ والتَّنَوُّقِ في مُراعاةِ التَّقِيَّةِ والتِحامِي عَنْ مَواقِعِ التُّهَمِ إلى حَيْثُ يَخْفى عَلَيْكَ مَعَ كَمالِ فِطْنَتِكَ وصِدْقِ فِراسَتِكَ حالَهم وفي تَعْلِيقِ نَفْيِ العِلْمِ بِهِمْ مَعَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِحالِهِمْ مُبالَغَةٌ في ذَلِكَ وإيماءٌ إلى أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِن صِفَةِ النِّفاقِ لِعَراقَتِهِمْ ورُسُوخِهِمْ فِيها صارَتْ بِمَنزِلَةِ ذاتِيّاتِهِمْ أوْ مُشَخِّصاتِهِمْ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ مَن لا يَعْرِفُهم بِتِلْكَ الصِّفَةِ عالِمًا بِهِمْ ولا حاجَةَ في هَذا المَعْنى إلى حَمْلِ العِلْمِ عَلى المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ وتَقْدِيرِ المَفْعُولِ الثّانِي أيْ لا تَعْلَمُهم مُنافِقِينَ وقِيلَ: المُرادُ لا تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ وإنْ عَرَفْتَهم إجْمالًا وما ذَكَرْناهُ لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ أوْلى وحاصِلُهُ لا تَعْرِفُ نِفاقَهم ﴿ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ أيْ نَعْرِفُهم بِذَلِكَ العُنْوانِ وإسْنادُ العِلْمِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ إلَيْهِ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ وإنْ وهِمَ فِيهِ مَن وهِمَ لا سِيَّما إذا خَرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ المُشاكَلَةِ وقَدْ فَسَّرَ العِلْمَ هُنا بِالمَعْرِفَةِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ أبُو الشَّيْخِ نَعَمْ لا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ كَما لا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ مُحْوِجٌ إلى التَّقْدِيرِ وعَدَمُ التَّقْدِيرِ أوْلى مِنَ التَّقْدِيرِ والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ أيْ لا يَقِفُ عَلى سَرائِرِهِمُ المَرْكُوزَةِ فِيهِمْ إلّا مَن لا تُخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ لِما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِإبْطالِ الكُفْرِ وإظْهارِ الإخْلاصِ، وأمْرُ تَعْلِيقِ العِلْمِ هُنا كَأمْرِ تَعْلِيقِ نَفْيِهِ فِيما مَرَّ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلى دَعْوى الأُمُورِ الخَفِيَّةِ مِن أعْمالِ القَلْبِ ونَحْوِها، وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ يَتَكَلَّفُونَ عَلى النّاسِ يَقُولُونَ: فُلانٌ في الجَنَّةِ وفُلانٌ في النّارِ فَإذا سَألْتَ أحَدَهم عَنْ نَفْسِهِ قالَ: لا أدْرِي لَعَمْرِي أنْتَ بِنَفْسِكَ أعْلَمُ مِنكَ بِأعْمالِ النّاسِ، ولَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا ما تَكَلَّفَهُ نَبِيٌّ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ وقالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  : ﴿ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ وهَذِهِ الآياتُ ونَحْوَها أقْوى دَلِيلٍ في الرَّدِّ عَلى مَن يَزْعُمُ الكَشْفَ والِاطِّلاعَ عَلى المُغَيَّباتِ بِمُجَرَّدِ صَفاءِ القَلْبِ وتَجَرُّدِ النَّفْسِ عَنِ الشَّواغِلِ وبَعْضُهم يَتَساهَلُونَ في هَذا البابِ جِدًّا ﴿ سَنُعَذِّبُهُمْ ﴾ ولا بُدَّ لِتَحْقِيقِ المُقْتَضى فِيهِمْ عادَةً ﴿ مَرَّتَيْنِ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمَ جُمُعَةٍ خَطِيبًا فَقالَ: قُمْ فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم ولَمْ يَكُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ شَهِدَ تِلْكَ الجُمُعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ فَلَقِيَهم وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ وظَنَّ أنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا واخْتَبَأُوا هم مِنهُ وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ تَعالى المُنافِقِينَ اليَوْمَ فَهَذا العَذابُ الأوَّلُ والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ».

وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ «أنَّهُ  أقامَ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو عَلى المِنبَرِ سِتَّةً وثَلاثِينَ رَجُلًا» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ فَسَّرَ العَذابَ مَرَّتَيْنِ بِالجُوعِ والقَتْلِ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ خَوْفُهُ وتَوَقُّعُهُ، وقِيلَ: هو فَرْضِيٌّ إذا أظْهَرُوا النِّفاقَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم عُذِّبُوا بِالجُوعِ مَرَّتَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ العَذابَ الأوَّلَ أخْذُ الزَّكاةِ والثّانِيَ عَذابُ القَبْرِ وعَنِ ابْنِ إسْحَقَ أنَّ الأوَّلَ غَيْظُهم مِن أهْلِ الإسْلامِ والثّانِيَ عَذابُ القَبْرِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ عَذابِهِمْ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ المَشْفُوعِ بِالنِّفاقِ أوِ النِّفاقِ المُؤَكَّدِ بِالتَّمَرُّدِ فِيهِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَرَّتَيْنِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿إلى عَذابٍ عَظِيمٍ 101﴾ هو عَذابُ النّارِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ عَلى ما قِيلَ بِإسْنادِ عَذابِهِمُ السّابِقِ إلى نُونِ العَظَمَةِ حَسَبَ إسْنادِ ما قَبْلَهُ مِنَ العِلْمِ وإسْنادِ رَدِّهِمْ إلى العَذابِ اللّاحِقِ إلى أنْفُسِهِمْ إيذانٌ بِاخْتِلافِهِما حالًا وأنَّ الأوَّلَ خاصٌّ بِهِمْ وُقُوعًا وزَمانًا يَتَوَلّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والثّانِي شامِلٌ لِعامَّةِ الكَفَرَةِ وُقُوعًا وزَمانًا وإنِ اخْتَلَفَتْ طَبَقاتُ عَذابِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا فُسِّرَ العَذابُ العَظِيمُ بِعَذابِ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ لَمْ يَكُنْ شامِلًا لِعامَّةِ الكَفَرَةِ نَعَمْ هو شامِلٌ لِعامَّةِ المُنافِقِينَ فَقَطْ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ في بِناءِ ﴿ يُرَدُّونَ ﴾ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مِنَ التَّعْظِيمِ ما فِيهِ فَيُناسِبُ العَذابَ العَظِيمَ فَلِذا غَيَّرَ السَّبْكَ إلَيْهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ، يعني: الأعراب الذين حوالي المدينة.

وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وهو عبد الله بن أُبي وأصحابه مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ، يعني: مرنوا وثبتوا على النفاق، فلا يرجعون عنه ولا يتوبون.

لاَ تَعْلَمُهُمْ، يقول: لا تعرفهم أنت بسبب إيمانهم بالعلانية.

نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ، لأني عالم السر والعلانية، ونعلم نفاقهم، ونعرفك حالهم.

سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ قال مقاتل: أحد العذابين عند الموت: ضرب الملائكة الوجوه والأدبار، الثاني: عذاب القبر، وهو ضرب منكر ونكير.

وقال الكلبي: أوَل العذابين أنه أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني: عذاب القبر.

وروى أسباط بن النضر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الملك السدي: عن أبي مالك، عن ابن عباس أنه قال: قام  خطيباً يوم الجمعة، فقال: «يَا فُلانُ اخْرُجْ فَإنَّكَ مُنَافِقٌ» .

ثم قال: «يَا فُلانُ اخْرُجْ إنَّكَ مُنَافِقٌ» .

فأخرجهم بأسمائهم، وكان عمر لم يشهد الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا هم قد اختبئوا من عمر، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر، قد فضح الله المنافقين، وهذا هو العذاب الأول، والعذاب الثاني: عذاب القبر (١) سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، قال: الجوع والقتل، ويقال: القتل والسبي، وقال الحسن: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ، يعني: عذاب جهنم أعظم مما كان في الدنيا.

قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، يعني: بتخلفهم عن الغزو وهم: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن خزام.

خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً، وهو التوبة، وَآخَرَ سَيِّئاً بتخلفهم عن غزوة تبوك.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: تخلف أبو لبابة عن غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية المسجد، ثم قال: والله لا أحل نفسي منها، ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ.

فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً، حتى كاد يخر مغشياً عليه، حتى تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله  هو الذي يحلني.

فجاء النبيّ  فحلّه بيده.

ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن انخلع من مالي كله صدقة لله تعالى ولرسوله.

فقال: «يُجْزِيكَ الثُّلُثُ يا أبا لُبَاَبَة» (٢) وروي عن الزهري، عن كعب بن مالك قال: أول أمر عتب على أبي لبابة أنه كان بينه وبين يتيم عذق، فاختصما إلى رسول الله  : فقضى به لأبي لبابة فبكى اليتيم، فقال له النبيّ  : «دعه» ، فأبى.

ثمّ قال: «فَأَعْطِهِ إيّاهُ وَلَكَ مثله في الجنة» .

قال: لا.

فانطلق أبو الدحداح، فقال لأبي لبابة: بعني هذا العذق بحديقتي قال: نعم.

ثم انطلق إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله أرأيت إن أعطيت هذا اليتيم هذا العذق، ألي مثله في الجنة؟

قال: «نعم» .

فأعطاه إيّاه، قال وأشار أبو لبابة إلى بني قريظة حين نزلوا على حكم سعد بن معاذ.

وأشار إلى حلقه يعني: الذبح، وتخلف عن غزوة تبوك ثم تيب عليه، فذلك قوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وعسى من الله واجب أن يتجاوز عنهم.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 273 إلى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 275 إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل و 4/ 276 إلى البيهقي عن سعيد بن المسيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأعراب، وروي أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في بني مُقَرِّن وقاله مجاهد «١» وَيَتَّخِذُ في الآيتين بمعنَى: يَجْعَلُهُ قَصْدَهُ، والمعنى: ينوي بنفقته ما ذكره الله عنهم، وصَلَواتِ الرَّسُولِ:

دعاؤه، ففي دعائه خَيْرُ الدنيا والآخرة، والضَّمير في قوله: إِنَّها: يحتملُ عودُهُ على النفَقَةِ، ويحتمل عوده على الصَّلوات، وباقي الآية بَيِّن.

وقوله سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ...

الآية: قال أبو موسى الأشعريُّ وغيره: السابقون الأولون مَنْ صلى القبلتين «٢» ، وقال عطاء: هم مَنْ شهد بدراً «٣» .

وقال الشَّعْبيُّ: من أدرك بَيْعَة الرِّضْوان «٤» ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ: يريد: سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظِ: التابِعُونَ وسائرُ الأمة، لكن بشريطة الإِحسان، وقرأ عمر بن الخطَّاب وجماعة: و «الأَنْصَارُ» «٥» - بالرفع- عطفاً على «والسابقون» ، وقرأ ابن كثير: «مِنْ تَحْتِهَا الأنهار» ، وقرأ الباقون «٦» : «تحتها» ، بإسقاط «من» .

وقوله سبحانه: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: الإِشارة ب «مَنْ حولكم» إِلى جُهَيْنة، ومُزَيْنة، وأَسْلَم، وغِفَار، وعُصَيَّة، ولِحيان، وغيرهم مِنَ القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر اللَّه سبحانه عن منافقيهم، وتقدير الآية: ومن أهْل المدينة قومٌ أو منافقُون، هذا أحسن ما حمل اللفظ، ومَرَدُوا: قال أبو عبيدة معناه:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُزَيْنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، وأشْجَعُ، كانَ فِيهِمْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ مُنافِقُونَ.

قالَ مُقاتِلٌ: وكانَتْ مَنازِلُهم حَوْلَ المَدِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرَنُوا عَلَيْهِ وثَبَتُوا، مِنهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، والجُلّاسُ، ومُعَتِّبٌ، وَوَحْوَحٌ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَتَوْا ومَرَنُوا عَلَيْهِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: تَمَرَّدَ فَلانٌ، ومِنهُ: شَيْطانٌ مَرِيدٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: (وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا)، ولَيْسَ يَجُوزُ في الكَلامِ: مَنَ القَوْمِ قَعَدُوا؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُهُنَّ: أنْ تَكُونَ "مِن" الثّانِيَةِ مَرْدُودَةٌ عَلى الأُولى؛ والتَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ "مَرَدُوا" .

والثّانِي أنْ يَكُونَ في الكَلامِ "مِن" مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: ومِن أهَلِ المَدِينَةِ مَن مَرَدُوا؛ فَأُضْمِرَتْ "مِن"، لِدَلالَةِ "مِن" عَلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ  ﴾ يُرِيدُ: إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ؛ وعَلى هَذا يَنْقَطِعُ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ "مُنافِقُونَ" والثّالِثُ: أنَّ "مَرَدُوا" مُتَعَلِّقٌ بِمُنافِقِينَ، تَقْدِيرُهُ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَعْلَمُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لا تَعْلَمُهم أنْتَ حَتّى نُعْلِمَكَ بِهِمْ.

والثّانِي: لا تَعْلَمُ عَواقِبَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ في الدُّنْيا، وهو فَضِيحَتُهم بِالنِّفاقِ، والعَذابِ الثّانِي: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ: «وَقامَ رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ "يا فُلانُ" اخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، ويا فُلانٌ اخْرُجْ"» فَفَضَحَهم.

والثّانِي: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ: إقامَةُ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّ أحَدَ العَذابَيْنِ: الزَّكاةُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنهم، والآَخَرُ: الجِهادُ الَّذِي يُؤْمَرُونَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: الجُوعُ، وعَذابُ القَبْرِ، رَواهُ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ أبُو مالِكٍ.

والخامِسُ: الجُوعُ والقَتْلُ، رَواهُ سُفْيانُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: القَتْلُ والسَّبْيُ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القَتْلُ والأسْرُ.

والسّابِعُ: أنَّهم عُذِّبُوا بِالجُوعِ مَرَّتَيْنِ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّامِنُ: أنَّ عَذابَهم في الدُّنْيا بِالمَصائِبِ في الأمْوالِ والأوْلادِ، وفي الآَخِرَةِ بِالنّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والتّاسِعُ: أنَ الأوَّلَ: عِنْدَ المَوْتِ، تَضْرِبُ المَلائِكَةُ وُجُوهَهم وأدْبارَهم، والثّانِي: في القَبْرِ بِمُنْكَرٍ ونَكِيرٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والعاشِرُ: أنَ الأوَّلَ بِالسَّيْفِ، والثّانِي: عِنْدَ المَوْتِ؛ قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ: "السابِقُونَ الأوَّلُونَ": مَن صَلّى القِبْلَتَيْنِ، وقالَ عَطاءٌ: "السابِقُونَ الأوَّلُونَ": مَن شَهِدَ بَدْرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحُوِّلَتِ القِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.

وقالَ عامِرُ بْنُ شَراحِيلَ الشَعْبِيُّ: ( السابِقُونَ الأوَّلُونَ ): مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِضْوانِ، ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ يُرِيدُ سائِرَ الصَحابَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا اللَفْظِ التابِعُونَ وسائِرُ الأُمَّةِ لَكِنْ بِشَرِيطَةِ الإحْسانِ، وقَدْ لَزِمَ هَذا الِاسْمُ الطَبَقَةَ الَّتِي رَأتْ مَن رَأى النَبِيَّ  ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ السابِقِينَ الأوَّلِينَ هم جَمِيعُ مَن هاجَرَ إلى أنِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةِ لَكانَ قَوْلًا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وتَكُونُ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، و"الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ عَطْفُ عَلى قَوْلِهِ: "والسابِقُونَ".

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، وسَعِيدٌ، ويَعْقُوبُ بْنُ طَلْحَةَ، وعِيسى الكُوفِيُّ: "والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارُ" بِرَفْعِ الراءِ عَطْفًا عَلى "والسابِقُونَ"، وكَذَلِكَ يَنْعَطِفُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ جَعَلَ الِاتِّباعَ عَدِيلًا لِلْأنْصارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ سَمِعَهُ فَرَدَّهُ فَبَعَثَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَسَألَهُ فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿ والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كُنّا نَرى إلّا أنّا قَدْ رُفِعْنا رِفْعَةً لا يَنالُها مَعَنا أحَدٌ، فَقالَ أُبَيٌّ: إنَّ مِصْداقَ هَذا في كِتابِ اللهِ في أوَّلِ سُورَةِ الجُمْعَةِ: ﴿ وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ  ﴾ ، وفي سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ  ﴾ ، وفي سُورَةِ الأنْفالِ في قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ  ﴾ ، فَرَجَعَ عُمَرُ إلى قَوْلِ أُبَيٍّ، ونَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ التابِعَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا أصْحابَ رَسُولِ اللهِ  ، كَما نَبَّهَ مَن ذَكَرَهم قَوْلُهُ  : « "اللهُمَّ ارْحَمِ الأنْصارَ وَأبْناءَ الأنْصارِ وأبْناءَ أبْناءِ الأنْصارِ"» فَتَأمَّلْهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن تَحْتِها الأنْهارُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "تَحْتَها" بِإسْقاطِ "مِن"، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الحُكْمُ بِالرِضى عنهم بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وغَفْرِ ذُنُوبِهِمْ، والحُكْمُ بِرِضاهم عنهُ في شُكْرِهِمْ وحَمْدِهِمْ عَلى نِعَمِهِ وإيمانِهِمْ بِهِ وطاعَتِهِمْ لَهُ، جَعَلَنا اللهُ مِنَ الفائِزِينَ بِرَحْمَتِهِ ومَنِّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ﴾ الآيَةُ.

مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ  شَرَّكَ في بَعْضِها أُمَّتَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ﴾ إلى جُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وأسْلَمَ وغِفارٍ وعُصَيَّةَ ولِحْيانَ وغَيْرِهِمْ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ، فَأخْبَرَ اللهُ عن مُنافِقِيهِمْ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ أو مُنافِقُونَ"، هَذا أحْسَنُ ما حَمَلَهُ اللَفْظُ، و"مَرَدُوا" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مُرِّنُوا عَلَيْهِ ولَجُّوا فِيهِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ الآخَرُونَ.

والظاهِرُ مِن مَعْنى اللَفْظِ أنَّ التَمَرُّدَ في الشَيْءِ أوِ المُرُودُ عَلَيْهِ إنَّما هو اللَجاجُ والِاسْتِهْتارُ بِهِ والعُتُوُّ عَلى الزاجِرِ ورُكُوبُ الرَأْسِ في ذَلِكَ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في الشَرِّ لا في الخَيْرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: شَيْطانٌ مارِدٌ ومَرِيدٍ، ومِن هَذا سُمِّيَتْ مُرادٌ لِأنَّها تَمَرَّدَتْ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يُقالُ: "تَمَرَّدَ الرَجُلُ في أمْرِ كَذا" إذا تَجَرَّدَ لَهُ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: "شَجَرَةٌ مَرْداءُ" إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها ورَقٌ، ومِنهُ: ﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ"، ومِنهُ الأمْرَدُ الَّذِي لا لِحْيَةَ لَهُ، فَمَعْنى "مَرَدُوا" في هَذِهِ الآيَةِ: لَجُّوا فِيهِ واسْتَهْتَرُوا بِهِ وعَتَوْا عَلى زاجِرِهِمْ.

ثُمَّ نَفى عَزَّ وجَلَّ عِلْمَ نَبِيِّهِ بِهِمْ عَلى التَعْيِينِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ قالَ: فَما بالُ أقْوامٍ يَتَكَلَّفُونَ عِلْمَ الناسِ، فُلانٌ في الجَنَّةِ، فُلانٌ في النارِ، فَإذا سَألْتَ أحَدَهم عن نَفْسِهِ قالَ: لا أدْرِي، أنْتَ لَعَمْرِي بِنَفْسِكَ أعْلَمُ مِنكَ بِأعْمالِ الناسِ، ولَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا ما تُكَلَّفَهُ الرُسُلُ، قالَ نَبِيُّ اللهِ نُوحٌ  : ﴿ قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وقالَ نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ: ﴿ بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ  ﴾ ، وقالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ  : ﴿ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ .

في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سَيُعَذِّبُهُمْ" بِالياءِ والكَلامُ -عَلى القِراءَتَيْنِ- وعِيدٌ، واللَفْظُ يَقْتَضِي ثَلاثَةَ مَواطِنَ مِنَ العَذابِ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ العَذابَ العَظِيمَ الَّذِي يُرَدُّونَ إلَيْهِ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وأكْثَرُ الناسِ أنَّ العَذابَ المُتَوَسِّطَ هو عَذابُ القَبْرِ، واخْتُلِفَ في عَذابِ المَرَّةِ الأُولى فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ والجُوعِ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يُصِبْهُ هَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عَذابُهم هو بِإقامَةِ حُدُودِ الشَرْعِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَراهِيَتِهِمْ فِيهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: عَذابُهم هو هَمُّهم بِظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -وَهُوَ الأشْهَرُ عنهُ-: عَذابُهم هو فَضِيحَتُهم ووَصْمُهم بِالنِفاقِ، ورُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَطَبَ يَوْمَ جُمْعَةٍ فَنَدَّدَ بِالمُنافِقِينَ وصَرَّحَ وقالَ: "اخْرُجْ يا فُلانُ مِنَ المَسْجِدِ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، واخْرُجْ أنْتَ يا فُلانُ، واخْرُجْ أنْتَ يا فُلانُ" حَتّى أخْرَجَ جَماعَةً مِنهُمْ، فَرَآهم عُمَرُ يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ وهو مُقْبِلٌ إلى الجُمْعَةِ، فَظَنَّ أنَّ الناسَ انْتَشَرُوا وأنَّ الجُمْعَةَ فاتَتْهُ فاخْتَبَأ مِنهم حَياءً، ثُمَّ وصَلَ إلى المَسْجِدِ فَرَأى أنَّ الصَلاةَ لَمْ تُقْضَ وفَهِمَ الأمْرَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِعْلُ النَبِيِّ  هَذا بِهِمْ هو عَلى جِهَةِ التَأْدِيبِ اجْتِهادًا مِنهُ فِيهِمْ، ولَمْ يَسْلَخْهم ذَلِكَ مِنَ الإسْلامِ وإنَّما هو كَما يُخْرَجُ العُصاةُ والمُتَّهَمُونَ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِن هَذا.

وكانَ رَسُولُ اللهِ  كَثِيرًا ما يَتَكَلَّمُ فِيهِمْ عَلى الإجْمالِ دُونَ تَعْيِينٍ، فَهَذا أيْضًا مِنَ العَذابِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: العَذابُ الأوَّلُ هي عِلَلٌ وأدْواءٌ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ  أنَّهُ يُصِيبُهم بِها، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللهِ  أسَرَّ إلى حُذَيْفَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ، وقالَ: "سِتَّةٌ مِنهم تَكْفِيكَهُمُ الدُبَيْلَةُ، سِراجٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ تَأْخُذُ في كَتِفِ أحَدِهِمْ حَتّى تَقْضِيَ إلى صَدْرِهِ، وسِتَّةٌ يَمُوتُونَ مَوْتًا"»، ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ إذا ماتَ رَجُلٌ مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّهُ مِنهم نَظَرَ إلى حُذَيْفَةَ، فَإنْ صَلّى صَلّى عُمَرُ عَلَيْهِ وإلّا تَرَكَ، وذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ بِاللهِ، أمِنهم أنا؟

قالَ: لا، واللهِ ولا أُؤَمِّنُ مِنها أحَدًا بَعْدَكَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ﴾ : أمّا عَذابُ الدُنْيا فالأمْوالُ والأولادُ، لِكُلِّ صِنْفٍ عَذابٌ فَهو مَرَّتانِ، وقَرَأ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: المَرَّتانِ هي في الدُنْيا، الأُولى: القَتْلُ والجُوعُ والمَصائِبُ، والثانِيَةُ: المَوْتُ إذْ هو لِلْكُفّارِ عَذابٌ.

وقالَ الحَسَنُ: الأُولى هي أخْذُ الزَكاةِ مِن أمْوالِهِمْ، والعَذابُ العَظِيمُ هو جَمِيعُ ما بَعْدَ المَوْتِ، وأظُنُّ الزَجّاجَ أشارَ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كانت الأعراب الذين حول المدينة قد خلصوا للنبيء صلى الله عليه وسلم وأطاعوه وهم جهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، ولحيان، وعصية، فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن في هؤلاء منافقين لئلا يغتر بكل من يظهر له المودة.

وكانت المدينة قد خلص أهلها للنبيء صلى الله عليه وسلم وأطاعوه فأعلمه الله أن فيهم بقية مردوا على النفاق لأنه تأصل فيهم من وقت دخول الإسلام بينهم.

وتقديم المجرور للتنبيه على أنه خبر، لا نعت.

و(مِن) في قوله ﴿ وممن حولكم ﴾ للتبعيض و(مِن) في قوله: ﴿ من الأعراب ﴾ لبيان (مَن) الموصولة.

و (مِن) في قوله: ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ اسم بمعنى بعض.

و ﴿ مردوا ﴾ وخبر عنه، أو تجعل (مِن) تبعيضية مؤذنة بمبعض محذوف، تقديره: ومن أهل المدينة جماعة مردوا، كما في قوله تعالى: ﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ في سورة النساء (46).

ومعنى مرد على الأمر مَرِن عليه ودَرِب به، ومنه الشيطان المارد، أي في الشيطنة.

وأشير بقوله: لا تعلمهم نحن نعلمهم } إلى أن هذا الفل الباقي من المنافقين قد أراد الله الاستيثار بعلمه ولم يُطلع عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم كما أطلعه على كثير من المنافقين من قبلُ.

وإنما أعلمه بوجودهم على الإجمال لئلا يغتر بهم المسلمُون، فالمقصود هو قوله: ﴿ لا تعلمهم ﴾ .

وجملة ﴿ نحن نعلمهم ﴾ مستأنفة.

والخبر مستعمل في الوعيد، كقوله: ﴿ وسيرى الله عملكم ورسوله ﴾ [التوبة: 94]، وإلا فإن الحكم معلوم للمخاطب فلا يحتاج إلى الإخبار به.

وفيه إشارة إلى عدم الفائدة للرسول صلى الله عليه وسلم في علمه بهم، فإن علم الله بهم كاف.

وفيه أيضاً تمهيد لقوله بعده ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ .

وجملة: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ استيناف بياني للجواب عن سؤال يثيره قوله: ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ، وهو أن يسأل سائل عن أثر كون الله تعالى يعلمهم.

فأعلم أنه سيعذبهم على نفاقهم ولا يفلتهم منه عدمُ علم الرسول عليه الصلاة والسلام بهم.

والعذاب الموصوف بمرتين عذاب في الدنيا لقوله بعده ﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ .

وقد تحير المفسرون في تعيين المراد من المرتين.

وحملوه كلهم على حقيقة العدد.

وذكروا وجوهاً لا ينشرح لها الصدر.

والظاهر عندي أن العدد مستعمل لمجرد قصد التكرير المفيد للتأكيد كقوله تعالى: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ [الملك: 4] أي تأمل تأملاً متكرراً.

ومنه قول العرب: لبيك وسعديك، فاسم التثنية نائب مناب إعادة اللفظ.

والمعنى: سنعذبهم عذاباً شديداً متكرراً مضاعفاً، كقوله تعالى: ﴿ يضاعَف لها العذاب ضعفين ﴾ [الأحزاب: 30].

وهذا التكرر تختلف أعداده باختلاف أحوال المنافقين واختلاف أزمان عذابهم.

والعذاب العظيم: هو عذاب جهنم في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ﴾ يَعْنِي حَوْلَهُ المَدِينَةَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأسْلَمُ وغِفارُ وأشْجَعُ كانَ فِيهِمْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ مُنافِقُونَ كَما كانَ مِنَ الأنْصارِ لِدُخُولِ جَمِيعِهِمْ تَحْتَ القُدْرَةِ فَتَمَيَّزُوا بِالنِّفاقِ وإنْ عَمَّتْهُمُ الطّاعَةُ.

﴿ وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أقامُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مَرَدُوا عَلَيْهِ أيْ عَتَوْا فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا  ﴾ .

الثّالِثُ: تَجَرَّدُوا فِيهِ فَظاهَرُوا، مَأْخُوذٌ مِنهُ تَجَرُّدُ خَدِّ الأمْرَدِ لِظُهُورِهِ وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ لا تَعْلَمُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَعْلَمُهم حَتّى نُعْلِمَكَ بِهِمْ.

الثّانِي: لا تَعْلَمُ أنْتَ عاقِبَةَ أُمُورِهِمْ وإنَّما نَخْتَصُّ نَحْنُ بِعِلْمِها، وهَذا يَمْنَعُ أنْ يَحْكُمَ عَلى أحَدٍ بِجَنَّةٍ أوْ نارٍ ﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: أنَّ أحَدَ العَذابَيْنِ الفَضِيحَةُ في الدُّنْيا والجَزَعُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والآخَرُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أحَدَهُما عَذابُ الدُّنْيا والآخَرُ عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ أحَدَهُما الأسْرُ والآخَرَ القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ أحَدَهُما الزَّكاةُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنهم والآخَرُ الجِهادُ الَّذِي يُؤْمَرُونَ بِهِ لِأنَّهم بِالنِّفاقِ يَرَوْنَ ذَلِكَ عَذابًا.

قالَ الحَسَنُ.

﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَذابُ النّارِ في الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ إقامَةُ الحُدُودِ في الدُّنْيا.

الثّالِثُ: أنَّهُ أخْذُ الزَّكاةِ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وممن حولكم من الأعراب منافقون...

﴾ الآية.

قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيباً فقال: قم يا فلان فاخرج فإنك منافق.

فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم عمر رضي الله عنه وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم من عمر، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر رضي الله عنه المسجد فإذا الناس لم ينصرفوا...

!

فقال له رجل: أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم فهذا العذاب الأول، والعذاب الثاني عذاب القبر.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وممن حولكم من الأعراب ﴾ قال: جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ مردوا على النفاق ﴾ قال: أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب آخرون.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ مردوا على النفاق ﴾ قال: ماتوا عليه عبدالله بن أبي، وأبو عامر الراهب، والجد بن قيس.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ نحن نعلمهم ﴾ يقول: نحن نعرفهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ قال: فما بال أقوام يتكلمون على الناس يقولون: فلان في الجنة وفلان في النار؟

فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري...

لعمري لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه نبي قال نوح عليه السلام ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ [ الشعراء: 112] وقال شعيب عليه السلام ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ [ الأنعام: 104] وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال: بالجوع والقتل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال: بالجوع وعذاب القبر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال: عذاب في القبر، وعذاب في النار.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في (عذاب القبر) عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال: عذاب في القبر وعذاب في النار.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال: يبتلون في الدنيا وعذاب القبر ﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ قال: عذاب جهنم.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال: عذاب في الدنيا بالأموال والأولاد، وقرأ ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ﴾ [ التوبة: 55] بالمصائب فهي لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر.

قال: وعذاب الآخرة في النار ﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ النار.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال: بلغني أن ناساً يقولون ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ يعني القتل وبعد القتل البرزخ، والبرزخ ما بين الموت إلى البعث ﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ يعني عذاب جهنم.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعذب المنافقين يوم الجمعة بلسانه على المنبر، وعذاب القبر.

وأخرج ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما شهدت مثلها قط فقال: «أيها الناس إن منكم منافقين فمن سميته فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى قام ستة وثلاثون رجلاً.

ثم قال: إن منكم وإن منكم وإن منكم فسلوا الله العافية.

فلقي عمر رضي الله عنه رجلاً كان بينه وبينه إخاء فقال: ما شأنك؟

فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فقال كذا وكذا.

فقال عمر رضي الله عنه: أبعدك الله سائر اليوم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ﴾ ] (١) ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ﴾ يريد الأوس والخزرج (٢) وقوله (٣) ﴿ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ﴾ ، قال الزجاج: ﴿ مَرَدُوا ﴾ متصل بقوله: ﴿ مُنَافِقُونَ ﴾ على التقديم والتأخير) (٤) (٥) (٦) ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ  ﴾ : يريد: إلا من) (٧) (٨) ومعنى: ﴿ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ﴾ يقال: مرد يمرد مرودًا فهو مارد ومريدٌ: إذا عتا وطغى وأعيا خبثًا، قال الليث: (والمرادة: مصدر المارد، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا ومرد على الشر، وتمرد: أي عتا وطغى) (٩) وقال ابن الأعرابي: (المرد: التطاول بالكبر والمعاصي، ومنه قوله: ﴿ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ﴾ أي تطاولوا (١٠) وقال الفراء: (يريد: مرنوا عليه وجرنوا (١١) (١٢) وأصل الحرف اللين والملاسة، ومنه صرح ممرد، وغلام أمرد، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئًا (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ هو كقوله: ﴿ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ  ﴾ .

﴿ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: الأمراض في الدنيا، وعذاب الآخرة، وذلك (١٧) (١٨) (١٩) وقال في رواية السدي عن أبي مالك عنه: قام رسول الله -  - خطيباً (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) [وقال مجاهد: (بالقتل والسبي وعذاب القبر) (٢٤) وقال قتادة: (بالدبيلة (٢٥) (٢٦) (٢٧)  - أسر إلى حذيفة اثني عشر رجلاً من المنافقين وقال: "ستة يكفيهم الله بالدبيلة، سراج من نار تأخذ أحدهم حتى تخرج من صدره، وستة يموتون موتًا" (٢٨) وقال الحسن: (بأخذ الزكاة من أموالهم وعذاب القبر) (٢٩) وقال محمد بن إسحاق: (هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسبة (٣٠) (٣١) وقال إسماعيل بن أبي زياد (٣٢) (٣٣) ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ يعني: الخلود في النار.

(١) ما بين المعقوفين بياض في (ح).

(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 491، عن ابن عباس، وانظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 142 ب، والبغوي 4/ 89، والقرطبي 8/ 240.

(٣) من (م).

(٤) أهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 467.

(٥) ساقط من (ى).

(٦) في (ح) و (ى): (بدلالة).

(٧) "زاد المسير" 3/ 492، وتفسير الرازي 16/ 173.

(٨) انظر مثلًا: "تفسير البسيط" تفسير الآية: 3 من سورة التوبة (٩) "تهذيب اللغة" (مرد) 4/ 3373، والنص بنحوه في "كتاب العين"، مادة: (مرد) 8/ 37.

(١٠) "تهذيب اللغة" (مرد) 4/ 3373.

(١١) هكذا في جميع النسخ، وهو موافق لما في "تهذيب اللغة" (مرد) 4/ 3373، وفي "معاني القرآن" للفراء: جرؤوا.

ويبدو أنه تصحيف من النساخ أو المحقق، ومعنى جرنوا: قال في "لسان العرب" (جرن) 1/ 608: (جرن فلان على العذال ومرن ومرد بمعنى واحد، ويقال للرجل والدابة إذا تعود الأمر ومرن عليه: قد جرن يجرُن جرونا).

(١٢) كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 450.

(١٣) في الصحاح (مرد): (رملة مرداء: لا نبت فيها ..

وتمريد البناء: تمليسه).

(١٤) "السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 212.

(١٥) في (ى): (نالوا).

(١٦) رواه ابن جرير 11/ 9، وابن أبي حاتم 16/ 1869.

(١٧) ساقطة من (ى).

(١٨) من (م).

(١٩) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 143 ب عن عطاء.

(٢٠) ساقط من (ح).

(٢١) في (ى): (بعد)، وما أثبته موافق لمصادر تخريج القول.

(٢٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٣) رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 11، وابن أبي حاتم 16/ 1870، والثعلبي 6/ 143 أ، والطبراني في "الأوسط" رقم (796) 1/ 441 وفي سنده الحسين بن عمرو العنقزي وهو ضعيف كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 111 ثم إنه لم يروه عن السدي إلا أسباط بن نصر كما ذكر الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في "تفسير الكشاف" 2/ 97، وأسباط صدوق كثير الخطأ يغرب كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب" 1/ 53 فمثله لا يحتمل تفرده، ولا يقويه رواية الكلبي للأثر كما في "تفسير البغوي" 6/ 89، و"الوسيط" 2/ 521، لأن الكلبي متهم بالكذب.

(٢٤) رواه الثعلبي 6/ 143 أ، ورواه ابن جرير 10/ 11، وابن أبي حاتم 16/ 1871، والبغوي 4/ 89 بلفظ: (القتل والسبي)، ولابن جرير رواية أخرى لفظها: (بالجوع وعذاب القبر).

(٢٥) الدبيلة في عرف العرب: خراج ودمل كبير يظهر في الجوف، ويقتل غالبًا.

انظر: "لسان العرب" (دبل) 3/ 1324.

(٢٦) رواه الثعلبي 6/ 143 أ، والبغوي 4/ 89.

(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٢٨) رواه ابن جرير 11/ 11 عن قتادة، وفي سنده مجهول.

(٢٩) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 11، والثعلبي 6/ 143 أ.

(٣٠) في (ح): (خشيتهم)، وهو خطأ.

(٣١) "السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 212.

(٣٢) هو: إسماعيل بن أبي زياد الكوفي الشامي قاضي الموصل، واسم أبيه مسلم، وقيل زياد، له كتاب في التفسير شحنه بأحاديث لا يتابع عليها، قال الدارقطني: يضع الحديث، كذاب، متروك، وقال ابن حجر: متروك كذبوه.

انظر: "الضعفاء والمتروكون" ص 139، "تهذيب الكمال" 3/ 206، و"تقريب التهذيب" ص 107 (446)، و"تهذيب التهذيب" 1/ 151 - 152، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 108.

(٣٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 143 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ أي اجترأوا عليه وقيل: أقاموا عليه ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله، فالثانية منهما عذاب القبر، والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل: بفضيحتهم بالنفاق ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية: قيل: إنها نزلت في أبي لبابة الأنصاري فعمله الصالح الجهاد وعمله السيء نصيحته لبني قريظة، وقيل: هو لمن تخلف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم، وعملهم السيىء تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.

قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله؛ إنا نريد أن نتصدق بأموالنا.

فنزلت هذه الآية.

وأخذ ثلث أموالهم.

وقيل: هي الزكاة المفروضة، فالضمير على العموم لجميع المسلمين ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ أي ادع لهم ﴿ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ أي تسكن به نفوسهم، فهو عبارة عن صحة الاعتقاد، أو عن طمأنينة نفوسهم إذ علموا أن الله تاب عليهم.

﴿ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ الضمير في يعلموا للتائبين من التخلف.

وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا، وقيل عام.

وفائدة الضمير المؤكد تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ قيل: معناه يأمر بها، وقيل: هم الذين بنوا مسجد الضرار، وقرئ مرجئون بالهمز وتركه وهما لغتان ومعناه التأخير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.

والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.

﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.

﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.

الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.

﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.

الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.

الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.

﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.

الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.

الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: {  م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.

وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.

والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.

قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله  عنهم بأنه رضي عنهم.

ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.

قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.

وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.

وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.

وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله  وما كان بينهم؟

فقال لي: إن الله  قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.

قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟

قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله  : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟

أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.

قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.

ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.

فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.

ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.

روى السدي عن أبي مالك أنه  قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.

وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.

وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.

وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.

وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.

وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.

﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.

قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.

ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.

و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.

وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.

وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.

عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله  وأصحابه في الجهاد.

روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.

وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله  هو الذي يطلقنا ويعذرنا.

فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.

فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.

فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.

والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.

﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.

وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.

لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.

وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.

ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.

قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.

وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.

وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.

وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.

ثم قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.

وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.

ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.

وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.

وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.

وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.

قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه  جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.

قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.

وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.

فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.

وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي  إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.

وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.

وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده  وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.

قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟

ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟

وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟

﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟

احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.

ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.

روي أن رسول الله  لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.

وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.

وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.

وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.

وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.

وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.

ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.

والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.

وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.

ولا شك أن رؤية الله  شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.

أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.

واعلم أنه  قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه  ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.

وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.

وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.

وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.

وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.

قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.

ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.

في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.

وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله  أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.

واعلم أنه  حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي  وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.

وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.

قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.

وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.

وقال الأكثرون: إنه الإعداد.

والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله  عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله  يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.

ثم أخبر الله  عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.

قال المفسرون.

إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.

فقال رسول الله  : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.

فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.

وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.

ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.

ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟

قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ  لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.

واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله  بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله  عن المسجد الذي أسس على التقوى.

فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.

وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله  وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.

وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.

وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.

ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.

وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.

"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟

فسكت القوم.

ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.

فقال  : أترضون بالقضاء؟

قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟

قالوا: نعم.

قال: أتشكرون في الرخاء؟

قالوا: نعم.

فقال  : مؤمنون ورب الكعبة.

فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟

فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.

فتلا النبي  : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.

ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.

ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.

والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.

قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.

وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.

ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.

والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.

وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.

التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي  وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .

﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان {  م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.

﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال  : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.

فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال  : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.

﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.

﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.

﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.

﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.

﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.

﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.

﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.

ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ﴾ .

أخبر أن من حولهم من الأعراب ومن أهل المدينة - أيضاً - منافقون مردوا على النفاق، [فقال بعضهم: المرد في الشيء: هو النهاية في الشرّ.

وقال بعضهم: ﴿ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ﴾ ]، أي: ثبتوا عليه وداموا.

وقال بعضهم: ﴿ مَرَدُواْ ﴾ أي: عتوا عليه وبالغوا فيه.

أخبر أنهم لشدة مكرهم وخداعهم وعتوهم ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ ﴾ : أنت، ﴿ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ ؛ لأن من المنافقين من كان يعرفهم الرسول في لحن القول، كقوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ  ﴾ ومنهم من كان يعرفهم في صلاته؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ  ﴾ ، ومنهم من كان يعرف نفاقه في تخلفه عن رسول الله  يعني: عن الغزو - فأخبر - عز وجل - أن هؤلاء لشدة عتوهم ومكرهم وفضل خداعهم لا تعرف نفاقهم، نحن نعرف نفاقهم.

ثم أخبر أنه سيعذبهم مرتين؛ قال بعضهم: القتل والسبي.

وعن الحسن قال: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر.

وقال بعضهم: يعذبهم بالجوع والقتل.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ القتل والسبي قبل الموت، والعذاب الآخر يعذبون في القبر ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ .

ويشبه أن يكون تعذيبه إياهم مرتين؛ حيث أخذوا بالإنفاق على المؤمنين [وبنيهم] وبين المؤمنين عداوة، وأمروا أيضاً بالقتال مع الكفار وهم أولياؤهم؛ هذا أحد العذابين؛ لأنهم أمروا بالإنفاق على أعدائهم، وأمروا - أيضاً - أن يقاتلوا أولياءهم، والعذاب الثاني: القتل في القتال.

فإن قيل: لم يذكر أن منافقاً قتل.

قيل: لم يذكر لعلة أنهم كانوا لا يعرفونهم؛ لقوله ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ  ﴾ فإذا لم يعرفوا فيقتلون كما يقتل غيرهم من المؤمنين، والله أعلم.

وقال بعضهم: سنعذبهم مرتين: عند الموت ضرب الملائكة الوجوه والأدبار؛ كقوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ  ﴾ ، وفي القبر منكر ونكير ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ : في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: الآية نزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن غزوة تبوك عن رسول الله  ، فندموا على ذلك، واعترفوا، ورجعوا عن ذلك، وتابوا، فقبل الله توبتهم، ووعدهم المغفرة بقوله: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وذكر في بعض القصّة "أنه لما رجع رسول الله  عن غزوته تلك جاء هؤلاء الذين تخلفوا عنه بأموالهم إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها فتصدق بها عنا، فكره أن يأخذها، فقال: لم أومر بذلك" ، فنزل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ  ﴾ وهذا الوعد لكل مسلم ارتكب ذنباً لم يخرجه من الإيمان، ثم ندم على ذلك وتاب يرجو - والله أعلم - أن يكون في وعد هذه الآية؛ لأنه ذكر المؤمنين وما هم عليه، وذكر المنافقين وما هم عليه، ثم ذكر الذين خلطوا أعمالهم الصالحة بأعمالهم السيئة ثم ندموا على ذلك وتابوا، وعد [الله] لهم قبول التوبة والمغفرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومِمَّن هم قريبون من المدينة من سكان البادية منافقون، ومن أهل المدينة منافقون أقاموا على النفاق وثبتوا عليه، لا تعلمهم -أيها الرسول- الله هو الَّذي يعلمهم، سيعذبهم الله مرتين: مرة في الدنيا بانكشاف نفاقهم وقتلهم وأسرهم، ومرة في الآخرة بعذاب القبر، ثم يردون يوم القيامة إلى عذاب عظيم في الدرك الأسفل من النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.8or2L"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله