الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٠ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم ، والنعيم المقيم .
قال الشعبي : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية .
وقال أبو موسى الأشعري ، وسعيد بن المسيب ، ومحمد بن سيرين ، والحسن ، وقتادة : هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال محمد بن كعب القرظي : مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) فأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟
فقال : أبي بن كعب .
فقال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه .
فلما جاءه قال عمر : أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا ؟
قال : نعم .
قال : وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال : نعم .
لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا ، فقال أبي : تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ) [ الجمعة : 3 ] وفي سورة الحشر : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) [ الحشر : 10 ] وفي الأنفال : ( والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ) [ الأنفال : 75 ] إلى آخر الآية ، رواه ابن جرير قال : وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع " الأنصار " عطفا على ( والسابقون الأولون ) فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان : فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم ، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ، رضي الله عنه ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم ، عياذا بالله من ذلك .
وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة ، وقلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن ، إذ يسبون من رضي الله عنهم ؟
وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه ، ويسبون من سبه الله ورسوله ، ويوالون من يوالي الله ، ويعادون من يعادي الله ، وهم متبعون لا مبتدعون ، ويقتدون ولا يبتدون ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون .
القول في تأويل قوله : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله =(من المهاجرين)، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم (1) =(والأنصار)، الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله (2) =(والذين اتبعوهم بإحسان)، يقول: والذين سَلَكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام, طلبَ رضا الله (3) =(رضي الله عنهم ورضوا عنه).
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (والسابقون الأوّلون).
فقال بعضهم: هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، أو أدْركوا.
* ذكر من قال ذلك: 17099- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر, عن إسماعيل, عن عامر: (والسابقون الأوّلون)، قال: من أدرك بيعة الرضوان.
17100-......
قال، حدثنا ابن فضيل, عن مطرف, عن عامر قال: (المهاجرون الأوّلون)، من أدرك البيعة تحت الشجرة.
17101- حدثنا ابن بشار قال, حدثنا يحيى قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبي قال: (المهاجرون الأولون)، الذين شهدوا بيعة الرضوان.
17102- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان عن مطرف, عن الشعبي قال: " المهاجرون الأولون "، من كان قبل البيعة إلى البيعة، فهم المهاجرون الأوّلون, ومن كان بعد البيعة، فليس من المهاجرين الأولين.
17103- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل ومطرف، عن الشعبي قال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.
17104- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن داود, عن عامر قال: فَصْل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان, وهي بيعة الحديبية.
17105- حدثني المثني قال، أخبرنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ومطرف, عن الشعبي قال: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.
17106- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبثر أبو زبيد, عن مطرف, عن الشعبي قال: المهاجرون الأولون، من أدرك بيعة الرضوان.
(4) * * * وقال آخرون: بل هم الذين صلوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك: 17107- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن قيس, عن عثمان الثقفي, عن مولى لأبي موسى, عن أبي موسى قال: المهاجرون الأولون، من صلى القبلتين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم.
17108- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس بن الربيع, عن عثمان بن المغيرة, عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير, عن مولى لأبي موسى قال: سألت أبا موسى الأشعري عن قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.
17109- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي هلال, عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: لم سُمُّوا " المهاجرين الأولين "؟
قال: من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعًا, فهو من المهاجرين الأولين.
17110- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن أبي عروبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قال: المهاجرون الأولون، الذين صلوا القبلتين.
17111- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.
17112- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عباس بن الوليد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله.
17113- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن بعض أصحابه, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب = وعن أشعث, عن ابن سيرين = في قوله: (والسابقون الأولون)، قال: هم الذين صلوا القبلتين.
17114- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون, عن محمد, قال: المهاجرون الأولون: الذين صلوا القبلتين.
17115- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.
* * * وأما الذين اتبعوا المهاجرين الأولين والأنصار بإحسان, فهم الذين أسلموا لله إسلامَهم، وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير.
كما: - 17116- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب قال: مرّ عمر برجل وهو يقرأ هذه الآية: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)، قال: من أقرأك هذه الآية؟
(5) قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب.
قال: لا تفارقْني حتى أذهب بك إليه !
فأتاه فقال: أنت أقرأت هذا هذه الآية؟
قال: نعم!
قال: وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قال:[نعم!].
(6) لقد كنتُ أرانا رُفِعنا رَفْعَةً لا يبلُغها أحدٌ بعدنا!
فقال أبيّ: تصديق ذلك في أول الآية التي في أول الجمعة, (7) وأوسط الحشر, وآخر الأنفال.
أما أول الجمعة: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ،, [سورة الجمعة: 3]، وأوسط الحشر: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ، [سورة الحشر: 10]، وأما آخر الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ، [سورة الأنفال: 75].
17117- حدثنا أبو كريب قال, حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب القرظي قال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، حتى بلغ: (ورضوا عنه)، قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟
قال: أبي بن كعب !
فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه !
فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟
قال: نعم!
قال: أنت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم!
قال: لقد كنت أظن أنّا رُفِعنا رَفْعة لا يبلغها أحدٌ بعدنا!
فقال أبيّ: بلى، تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، إلى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وفي سورة الحشر: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ، وفي الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ، إلى آخر الآية.
* * * وروي عن عمر في ذلك ما: 17118- حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج, عن هارون, عن حبيب بن الشهيد, وعن ابن عامر الأنصاري: أن عمر بن الخطاب قرأ: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)، فرفع " الأنصار " ولم يلحق الواو في " الذين ", فقال له زيد بن ثابت " والذين اتبعوهم بإحسان ", فقال عمر: " الذين اتبعوهم بإحسان "، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم!
فقال عمر: ائتوني بأبيّ بن كعب.
فأتاه، فسأله عن ذلك, فقال أبي: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فقال عمر: إذًا نتابع أبَيًّا.
* * * قال أبو جعفر: والقراءة على خفض " الأنصار "، عطفًا بهم على " المهاجرين ".
* * * وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ: (الأنْصَارُ)، بالرفع، عطفًا بهم على " السابقين ".
* * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز غيرها، الخفضُ في (الأنْصَارِ), لإجماع الحجة من القرأة عليه, وأن السابق كان من الفريقين جميعًا، من المهاجرين والأنصار، وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين، دون الخبر عن الجميع = وإلحاق " الواو " في " الذين اتبعوهم بإحسان ", (8) لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعًا, على أن " التابعين بإحسان "، غير " المهاجرين والأنصار "، وأما " السابقون "، فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه).
* * * ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيّه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه = ورضي عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار, والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه عليه السلام =(وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار)، يدخلونها =(خالدين فيها)، لابثين فيها (9) =(أبدًا)، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها (10) =(ذلك الفوز العظيم).
(11) ----------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " الهجرة " فيما سلف ص : 173 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الأنصار " فيما سلف 10 : 481 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير " الإحسان " فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .
(4) الأثر : 17106 - " عبثر ، أبو زبيد " ، هو " عبثر بن القاسم الزبيدي ، أبو زبيد " ، مضى برقم : 12402 ، وغيرها .
(5) استفهام عمر ، كما سيظهر في رقم : 17118 ، عن قراءة الآية بخفض " الأنصار " بالواو في " والذين " ، وقراءته هو ، رفع " الأنصار " وبغير واو في قوله " الذين اتبعوهم " .
(6) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة ، ونقلتها من تفسير ابن كثير 4 : 229 .
(7) في المطبوعة والمخطوطة : " قال : وتصديق ذلك في أول الآية " .
وهو غير مستقيم صوابه من تفسير ابن كثير 4 : 229 ، وانظر الأثر التالي .
(8) قوله : " وإلحاق الواو " معطوف على قوله : " والقراءة التي لا أستجيز غيرها ، الخفض .
.
.
" .
(9) انظر تفسير " الخلد " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(10) انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف ص : 175 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(11) انظر تفسير " الفوز " فيما سلف ص : 415 ، تعليق : 8 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيمفيه سبع مسائل :الأولى : لما ذكر جل وعز أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار ، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين ، وأثنى عليهم .
وقد اختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم .
ونحن نذكر من ذلك طرفا نبين الغرض فيه إن شاء الله تعالى .
وروى عمر بن الخطاب أنه قرأ والأنصار رفعا عطفا على السابقين .
قال الأخفش : الخفض في الأنصار الوجه ; لأن السابقين منهما .
والأنصار اسم إسلامي .
قيل لأنس بن مالك : أرأيت قول الناس لكم : الأنصار ، اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في الجاهلية ؟
قال : بل اسم سمانا الله به في القرآن ; ذكره أبو عمر في الاستذكار .الثانية : نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين ; في قول سعيد بن المسيب وطائفة .
وفي قول أصحاب الشافعي هم الذين شهدوا بيعة الرضوان ، وهي بيعة الحديبية ، وقاله الشعبي .
وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار : هم أهل بدر .
واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم .
أما أفضلهم ، وهي :الثالثة : فقال أبو منصور البغدادي التميمي : أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة ، ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية .[ ص: 159 ] الرابعة : وأما أولهم إسلاما فروى مجالد عن الشعبي قال : سألت ابن عباس من أول الناس إسلاما ؟
قال أبو بكر ، أوما سمعت قول حسان :إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلهابعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهدهوأول الناس منهم صدق الرسلاوذكر أبو الفرج الجوزي عن يوسف بن يعقوب بن الماجشون أنه قال : أدركت أبي وشيخنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وصالح بن كيسان وسعد بن إبراهيم وعثمان بن محمد الأخنسي وهم لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر ; وهو قول ابن عباس وحسان وأسماء بنت أبي بكر ، وبه قال إبراهيم النخعي .
وقيل : أول من أسلم علي ; روي ذلك عن زيد بن أرقم وأبي ذر والمقداد وغيرهم .
قال الحاكم أبو عبد الله : لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن عليا أولهم إسلاما .
وقيل : أول من أسلم زيد بن حارثة .
وذكر معمر نحو ذلك عن الزهري .
وهو قول سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس .
وقيل : أول من أسلم خديجة أم المؤمنين ; روي ذلك من وجوه عن الزهري ، وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق بن يسار وجماعة ، وروي أيضا عن ابن عباس .
وادعى الثعلبي المفسر اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة ، وأن اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها .
وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي يجمع بين هذه الأخبار ، فكان يقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن الصبيان علي ، ومن الموالي زيد بن حارثة ، ومن العبيد بلال .
والله أعلم .
وذكر محمد بن سعد قال : أخبرني مصعب بن ثابت قال حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل قال : كان إسلام الزبير بعد أبي بكر وكان رابعا أو خامسا .
قال الليث بن سعد وحدثني أبو الأسود قال : أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين .
وروي أن عليا أسلم ابن سبع سنين .
وقيل : ابن عشر .الخامسة : والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من أصحابه .
قال البخاري في صحيحه : من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه .
وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين ، وغزا معه غزوة أو غزوتين .
وهذا القول إن صح عن سعيد بن المسيب يوجب ألا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي أو من شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافا في عده من الصحابة .[ ص: 160 ] السادسة : لا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق .
وقال ابن العربي : السبق يكون بثلاثة أشياء : الصفة وهو الإيمان ، والزمان ، والمكان .
وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات ; والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح : نحن الآخرون الأولون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فاليهود غدا والنصارى بعد غد .
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من سبقنا من الأمم بالزمان سبقناهم بالإيمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقياد إليه ، والاستسلام لأمره والرضا بتكليفه والاحتمال لوظائفه ، لا نعترض عليه ولا نختار معه ، ولا نبدل بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب ; وذلك بتوفيق الله لما قضاه ، وبتيسيره لما يرضاه ; وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .السابعة : قال ابن خويزمنداد : تضمنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة ، في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك ، من العطاء في المال والرتبة في الإكرام .
وفي هذه المسألة خلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
واختلف العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم ; فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان لا يفضل بين الناس في العطاء بعضهم على بعض بحسب السابقة .
وكان عمر يقول له : أتجعل ذا السابقة كمن لا سابقة له ؟
فقال أبو بكر : إنما عملوا لله وأجرهم عليه .
وكان عمر يفضل في خلافته ; ثم قال عند وفاته : لئن عشت إلى غد لألحقن أسفل الناس بأعلاهم ; فمات من ليلته .
والخلافة إلى يومنا هذا على هذا الخلاف .قوله تعالى والذين اتبعوهم بإحسان فيه مسألتان : الأولى : قرأ عمر " والأنصار " رفعا .
( الذين ) بإسقاط الواو نعتا للأنصار ; فراجعه زيد بن ثابت ، فسأل عمر أبي بن كعب فصدق زيدا ; فرجع إليه عمر وقال : ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد .
فقال أبي : إني أجد مصداق ذلك في كتاب الله في أول سورة الجمعة : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وفي سورة الحشر : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان .
وفي سورة الأنفال بقوله : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم .
فثبتت القراءة بالواو .
وبين تعالى [ ص: 161 ] بقوله : ( بإحسان ) ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم ، لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات ; إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم .الثانية : واختلف العلماء في التابعين ومراتبهم ; فقال الخطيب الحافظ : التابعي من صحب الصحابي ; ويقال للواحد منهم : تابع وتابعي .
وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم توجد الصحبة العرفية .
وقد قيل : إن اسم التابعين ينطلق على من أسلم بعد الحديبية ; كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومن داناهم من مسلمة الفتح ; لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد : دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه .
ومن العجب عد الحاكم أبو عبد الله النعمان وسويدا ابني مقرن المزني في التابعين عندما ذكر الإخوة من التابعين ، وهما صحابيان معروفان مذكوران في الصحابة ، وقد شهدا الخندق كما تقدم .
والله أعلم .
وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة ، وهم سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ; وعروة بن الزبير ، وخارجة بن زيد ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ، وسليمان بن يسار .
وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال :فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجهوقال أحمد بن حنبل : أفضل التابعين سعيد بن المسيب ; فقيل له : فعلقمة والأسود .
فقال : سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود .
وعنه أيضا أنه قال : أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة ومسروق ; هؤلاء كانوا فاضلين ومن علية التابعين .
وقال أيضا : كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة فهذان أثر الناس عنهم ; وأبهم .
وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال : سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن ، وثالثتهما - وليست كهما - أم الدرداء .
وروي عن الحاكم أبي عبد الله قال : طبقة تعد في التابعين ولم يصح سماع أحد منهم من الصحابة ; منهم إبراهيم بن سويد النخعي وليس بإبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه .
وبكير بن أبي السميط ، وبكير بن عبد الله الأشج .
وذكر غيرهم قال : وطبقة عدادهم [ ص: 162 ] عند الناس في أتباع التابعين .
وقد لقوا الصحابة منهم أبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، لقي عبد الله بن عمر وأنسا .
وهشام بن عروة ، وقد أدخل على عبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله وموسى بن عقبة ، وقد أدرك أنس بن مالك .
وأم خالد بنت خالد بن سعيد .
وفي التابعين طبقة تسمى بالمخضرمين ، وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا ولا صحبة لهم .
واحدهم مخضرم بفتح الراء كأنه خضرم ، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها .
وذكرهم مسلم فبلغ بهم عشرين نفسا ، منهم أبو عمرو الشيباني ، وسويد بن غفلة الكندي ، وعمرو بن ميمون الأودي وأبو عثمان النهدي وعبد خير بن يزيد الخيراني بفتح الخاء ، بطن من همدان ، وعبد الرحمن بن مل .
وأبو الحلال العتكي ربيعة بن زرارة .
وممن لم يذكره مسلم منهم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب ، والأحنف بن قيس .
فهذه نبذة من معرفة الصحابة والتابعين الذين نطق بفضلهم القرآن الكريم ، رضوان الله عليهم أجمعين .
وكفانا نحن قوله جل وعز : كنتم خير أمة أخرجت للناس على ما تقدم ، وقوله عز وجل : وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددت أنا لو رأينا إخواننا .
.
.
.
الحديث .
فجعلنا إخوانه ; إن اتقينا الله واقتفينا آثاره ، حشرنا الله في زمرته ولا حاد بنا عن طريقته وملته بحق محمد وآله .
السابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة وبدروها إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين اللّه. {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} {الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا، وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصادقون} ومن {الْأَنْصَارِ} {الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} بالاعتقادات والأقوال والأعمال، فهؤلاء، هم الذين سلموا من الذم، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللّه. {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة، {وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} الجارية التي تساق إلى سَقْيِ الجنان، والحدائق الزاهية الزاهرة، والرياض الناضرة. {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} لا يبغون عنها حولا، ولا يطلبون منها بدلا، لأنهم مهما تمنوه، أدركوه، ومهما أرادوه، وجدوه. {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} الذي حصل لهم فيه، كل محبوب للنفوس، ولذة للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، واندفع عنهم كل محذور.
( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) الآية .
قرأ يعقوب بالرفع عطفا على قوله : " والسابقون " .
واختلفوا في السابقين الأولين ، قال سعيد بن المسيب ، وقتادة ، وابن سيرين وجماعة : هم الذين صلوا إلى القبلتين .
وقال عطاء بن أبي رباح : هم أهل بدر .
وقال الشعبي : هم الذين شهدوا بيعة الرضوان ، وكانت بيعة الرضوان بالحديبية .
واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة ، مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال بعضهم : أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهو قول جابر ، وبه قال مجاهد وابن إسحاق ، أسلم وهو ابن عشر سنين .
وقال بعضهم : أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي .
وقال بعضهم : أول من أسلم زيد بن حارثة ، وهو قول الزهري وعروة بن الزبير .
وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه ، ومن النساء خديجة ، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ومن العبيد زيد بن حارثة .
قال ابن إسحاق : فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله ، وكان رجلا محببا سهلا وكان أنسب قريش وأعلمها بما كان فيها ، وكان تاجرا ذا خلق ومعروف ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر ؛ لعلمه وحسن مجالسته ، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ، فأسلم على يديه - فيما بلغني - : عثمان بن عفان ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد الله ، فجاء بهم إلى رسول صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا ، فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام .
ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام ، أما السابقون من الأنصار : فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وكانوا ستة في العقبة الأولى ، وسبعين في الثانية ، والذين آمنوا حين قدم عليهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن ، فأسلم معه خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان .
قوله عز وجل : ( والسابقون الأولون من المهاجرين ) الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا أوطانهم .
( والأنصار ) أي : ومن الأنصار ، وهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل المدينة وآووا أصحابه ، ( والذين اتبعوهم بإحسان ) قيل : هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين .
وقيل : هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة أو النصرة إلى يوم القيامة .
وقال عطاء : هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء .
وقال أبو صخر حميد بن زياد : أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له : ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال : جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة محسنهم ومسيئهم ، فقلت من أين تقول هذا؟
فقال : يا هذا اقرأ قول الله تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) إلى أن قال : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) وقال : ( والذين اتبعوهم بإحسان ) شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة .
قال أبو صخر : فكأني لم أقرأ هذه الآية قط .
روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " .
ثم جمعهم الله عز وجل في الثواب فقال : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ) قرأ ابن كثير : ( من تحتها الأنهار ) ، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة ، ( خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) .
«والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار» وهم من شهد بدرا أو جميع الصحابة «والذين اتبعوهم» إلى يوم القيامة «بإحسان» في العمل «رضي الله عنهم» بطاعته «ورضوا عنه» بثوابه «وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار» وفي قراءة بزيادة من «خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم».
والذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين الذين هجروا قومهم وعشيرتهم وانتقلوا إلى دار الإسلام، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه الكفار، والذين اتبعوهم بإحسان في الاعتقاد والأقوال والأعمال طلبًا لمرضاة الله سبحانه وتعالى، أولئك الذين رضي الله عنهم لطاعتهم الله ورسوله، ورضوا عنه لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم وإيمانهم، وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ذلك هو الفلاح العظيم.
وفي هذه الآية تزكية للصحابة -رضي الله عنهم- وتعديل لهم، وثناء عليهم؛ ولهذا فإن توقيرهم من أصول الإيمان.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من الأعراب ومدحت من يستحق المدح منهم ، وبينت مصير كل فريق ليكون عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين وبعد هذا التقسيم للأعراب ، انتقلت السورة للحديث عن المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأطاعوه فى السر والعلن ، فقال تعالى : ( والسابقون الأولون .
.
.
) .فهذه الآية الكريمة قد مدحت ثلاث طوائف من المسلمين المعاصرين للعهد النبوى .الطائفة الأولى ( والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين ) وهم الذين تركوا ديارهم وأموالهم بمكة ، وهاجروا إلى الحبشة ، ثم الى المدينة من أجل إعلاء كلمة الله واستمروا فى المدينة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تم الفتح ودخل الناس فى دين الله أفواجا .وقيل المراد بهم : الذين صلوا إلى القبلتين ، وقيل : الذين شهدوا غزوة بدر .والطائفة الثانية : السابقون الأولون من الأنصار ، وهم الذين بايعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يهاجر اليهم إلى المدينة بيعة العقبة الأولى والثانية .وكانت بيعة العقبة الأولى فى السنة الحادية عشرة من البعثة ، وكان عدد المشتركين فيها سبعة أفراد .أما بيعة العقبة الثانية فكانت فى السنة الثانية عشرة من البعثة ، وكان عدد المشتركين فيها سبعين رجلا وامرأتين .ثم يلى هؤلاء أولئك المؤمنون من أهل المدينة الذين دخلوا فى الإِسلام على يد مصعب بن عمير ، قبل وصول الرسول - صلى الله عليه وسلم - اليها .ثم يلى هؤلاء جميعا أولئك الذين آمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - بعد مقدمه إلى المدينة .والطائفة الثالثة : ( والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ ) أى : الذين اتبعوا السابقين فى الإسلام من المهاجرين والأنصار ، اتباعا حسنا فى أقوالهم وأعمالهم وجهادهم ونصرتهم لدعوة الحق .قال الآلوسى ما ملخصه : وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد بالسابقين الأولين : جميع المهاجرين والأنصار .
ومعنى كونهم سابقين : أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين .روى عن حميد بن زياد قال : قلت يوما لمحمد بن كعب القرظى ، ألا تخبرنى عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن؟
فقال لى : إن الله - تعالى - قد غفر لجميعهم ، وأوجب لهم الجنة فى كتابه ، محسنهم ومسيئهم ، فقلت له : وفى أى موضع أوجب لهم الجنة ، فقال : سبحانه!!
ألم تقرأ قوله .
تعالى - : ( والسابقون الأولون .
.
.
) الآية فقد أوجب .
سبحانه لجميع الصحابة الجنة وشرط على تبايعهم أن يقتدروا بهم فى أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا سوءاً .وقوله : ( رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) بيان لسمو منزلتهم ، وارتفاع مكانتهم .أى : رضى الله عنهم فى إيمانهم وإخلاصهم ، فتقبل أعمالهم ، ورفع درجاتهم وتجاوز عن زلاتهم ، ورضوا عنه ، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة ، وبما ناله منه .
سبحانه .
من هداية وثواب .ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان ما هيأه لهم فى الآخرة من إكرام فقال : ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم ) .أى : أنه - سبحانه - بجانب رضاه عنهم ورضاهم عنه فى الدنيا ، قد أعد لهم - سبحانه - فى الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها خلودا أبديا وذلك الرضا والخلود فى الجنات من الفوز العظيم الذى لا يقاربه فوز ، ولا تدانيه سعادة .قال الإِمام ابن كثير : أخبر الله - تعالى - فى هذه الآية " أنه قد رضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .
فياويل من أبغضهم ، أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول ، وخيرهم وأفضلهم أعنى الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبى قحافة ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ، ويبغضونهم ويسبونهم ، عياذا بالله من ذلك ، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الايمان بالقرآن إذ يسبون من رضى الله عنهم؟وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضى الله عنه ، ويسبون من سبه الله ورسوله ، ويوالون من يوالى الله ، ويعادون من يعادى الله ، وهم متبعون لا مبتدعون ، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون ، وعباده المؤمنون .وبهذا نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان ، وذلك لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم وإيثارهم ما عند الله على هذه الدنيا وما فيها .
.ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن أصناف أخرى من الناس ، منهم قوم .
أجادوا النفاق ، ومرنوا عليه ، ولجوا فيه .
ومنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ومنهم قوم موقوف أمرهم إلى أن يظهر الله حكمه فيهم فقال تعالى : ( وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ .
.
.
عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .قال القرطبى : ومعنى ( مَرَدُواْ عَلَى النفاق ) أقاموا عليه ولم يتوبوا منه ، أو لجوا فيه وأبوا غيره وأصل الكلمة من اللين والملاسة والتجرد ، فكأنهم تجردوا للنفاق ، ومنه رملة مرداء أى لانبت فيها ، وغصن أمرد .
أى : لا ورق له .
.
ويقال : مرد يمرد مروداً ومرادة .والمعنى : اذكروا أيها المؤمنون أن يسكن من حلو مدينتكم قوم من الأعراب منافقون ، فاحترسوا منهم ، واحترسوا - أيضا - من قوم آخرين يسكنون معكم داخل المدينة ، مردوا على النفاق ، أى : مرنوا عليه ، وأجادوا فنونه ، حتى بلغوا فيه الغاية .
واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول، وما أعد لهم من الثواب، بين أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها، وهي منازل السابقين الأولين.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار من هم؟
وذكروا وجوهاً: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً وعن الشعبي هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.
والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة، وفي النصرة، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيماذا فبقي اللفظ مجملاً إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصاراً وهو الهجرة والنصرة، فوجب أن يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ، وأيضاً فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس، ومخالف للطبع، فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره من هذه الطاعة، وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام، وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره، وكذلك السبق في النصرة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة، فازوا بمنصب عظيم، فلهذه الوجوه يجب أن يكون المراد والسابقون الأولون في الهجرة.
إذا ثبت هذا فنقول: إن أسبق الناس إلى الهجرة هو أبو بكر، لأنه كان في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع، فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره، وعلي بن أبي طالب، وإن كان من المهاجرين الأولين إلا أنه إنما هاجر بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا شك أنه إنما بقي بمكة لمهمات الرسول إلا أن السبق إلى الهجرة إنما حصل لأبي بكر، فكان نصيب أبي بكر من هذه الفضيلة أوفر، فإذا ثبت هذا صار أبو بكر محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه، ورضي هو عن الله، وذلك في أعلى الدرجات من الفضل.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله، إذ لو كانت إمامته باطلة لاستحق اللعن والمقت، وذلك ينافي حصول مثل هذا التعظيم، فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وعلى صحة إمامتهما.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من سبق إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار، لأن هؤلاء آمنوا، وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف.
فقوي الإسلام بسببهم، وكثر عدد المسلمين بسبب إسلامهم، وقوي قلب الرسول بسبب دخولهم في الإسلام واقتدى بهم غيرهم، فكان حالهم فيه كحال من سن سنة حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة؟
ثم نقول: هب أن أبا بكر دخل تحت هذه الآية بحكم كونه أول المهاجرين، لكن لم قلتم أنه بقي على تلك الحالة؟
ولم لا يجوز أن يقال: إنه تغير عن تلك الحالة، وزالت عنه تلك الفضيلة بسبب إقدامه على تلك الإمامة؟
والجواب عن الأول: أن حمل السابقين على السابقين في المدة تحكم لا دلالة عليه، لأن لفظ السابق مطلق، فلم يكن حمله على السبق في المدة أولى من حمله على السبق في سائر الأمور، ونحن بينا أن حمله على السبق في الهجرة أولى.
قوله: المراد منه السبق في الإسلام.
قلنا: السبق في الهجرة يتضمن السبق في الإسلام، والسبق في الإسلام لا يتضمن السبق في الهجرة، فكان حمل اللفظ على السبق في الهجرة أولى.
وأيضاً فهب أنا نحمل اللفظ على السبق في الإيمان، إلا أنا نقول: قوله: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ صيغة جمع فلابد من حمله على جماعة، فوجب أن يدخل فيه علي رضي الله عنه وغيره، وهب أن الناس اختلفوا في أن إيمان أبي بكر أسبق أم إيمان علي؟
لكنهم اتفقوا على أن أبا بكر من السابقين الأولين، واتفق أهل الحديث على أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد، فعلى هذا التقدير: يكون أبو بكر من السابقين الأولين، وأيضاً قد بينا أن السبق في الإيمان إنما أوجب الفضل العظيم من حيث إنه يتقوى به قلب الرسول عليه السلام، ويصير هو قدوة لغيره، وهذا المعنى في حق أبي بكر أكمل، وذلك لأنه حين أسلم كان رجلاً كبير السن مشهوراً فيما بين الناس، واقتدى به جماعة من أكابر الصحابة رضي الله عنهم، فإنه نقل أنه لما أسلم ذهب إلى طلحة والزبير وعثمان بن عفان، وعرض الإسلام عليهم، ثم جاء بهم بعد أيام إلى الرسول عليه السلام، وأسلموا على يد الرسول عليه السلام، فظهر أنه دخل بسبب دخوله في الإسلام قوة في الإسلام، وصار هذا قدوة لغيره، وهذه المعاني ما حصلت في علي رضي الله عنه، لأنه في ذلك الوقت كان صغير السن، وكان جارياً مجرى صبي في داخل البيت، فما كان يحصل بإسلامه في ذلك الوقت مزيد قوة للإسلام، وما صار قدوة في ذلك الوقت لغيره، فثبت أن الرأس والرئيس في قوله: ﴿ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين ﴾ ليس إلا أبا بكر، أما قوله لم قلتم إنه بقي موصوفاً بهذه الصفة بعد إقدامه على طلب الإمامة؟
قلنا: قوله تعالى: ﴿ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ يتناول جميع الأحوال والأوقات بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه.
فيقال رضي الله عنهم إلا في وقت طلب الإمامة، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ.
أو نقول: إنا بينا أنه تعالى وصفهم بكونهم سابقين مهاجرين، وذلك يقتضي أن المراد كونهم سابقين في الهجرة، ثم لما وصفهم بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم، وهو قوله: ﴿ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ والسبق في الهجرة وصف مناسب للتعظيم، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب، يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله: ﴿ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ معلل بكونهم سابقين في الهجرة، والعلة ما دامت موجودة، وجب ترتب المعلول عليها، وكونهم سابقين في الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلاً في جميع مدة وجودهم، أو نقول: إنه تعالى قال: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار ﴾ وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان، لأنا نقول: هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر.
وأيضاً فعلى هذا التقدير: لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح، وبين سائر الفرق فرق، لأنه تعالى: ﴿ أَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار ﴾ ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب، لو صاروا مؤمنين، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء، فسقط هذا السؤال.
فظهر أن هذه الآية دالة على فضل أبي بكر، وعلى صحة القول بإمامته قطعاً.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن المدح الحاصل في هذه الآية هل يتناول جميع الصحابة أم يتناول بعضهم؟
فقال قوم: إنه يتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة، وعلى هذا فهو لا يتناول إلا قدماء الصحابة، لأن كلمة ﴿ مِنْ ﴾ تفيد التبعيض، ومنهم من قال: بل يتناول جميع الصحابة، لأن جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ المهاجرين والأنصار ﴾ ليست للتبعيض، بل للتبيين، أي والسابقون الأولون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصاراً كما في قوله تعالى: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان ﴾ وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول، روي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب الرسول عليه السلام فيما كان بينهم، وأردت الفتن، فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟
قال: سبحان الله!
ألا تقرأ قوله تعالى: ﴿ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار ﴾ إلى آخر الآية؟
فأوجب الله لجميع أصحاب النبي عليه السلام الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً شرطه عليهم.
قلت: وما ذاك الشرط؟
قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل، وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: المراد أن يتبعوهم بإحسان في القول، وهو أن لا يقولوا فيهم سوءا، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه.
قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط!.
المسألة الثالثة: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقرأ ﴿ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ ﴾ فكان يعطف قوله: ﴿ الأنصار ﴾ على قوله: ﴿ والسابقون ﴾ وكان يحذف الواو من قوله: ﴿ والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ ﴾ ويجعله وصفاً للأنصار، وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقرأ هذه الآية على هذا الوجه.
قال أبي: والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه، وإنك لتبيع القرظ يومئذ ببقيع المدينة، فقال عمر رضي الله عنه: صدقت، شهدتم وغبنا، وفرغتم وشغلنا، ولئن شئت لتقولن نحن أوينا ونصرنا.
وروي أنه جرت هذه المناظرة بين عمر وبين زيد بن ثابت واستشهد زيد بأبي بن كعب، والتفاوت أن على قراءة عمر، يكون التعظيم الحاصل من قوله: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ مختصاً بالمهاجرين ولا يشاركهم الأنصار فيها فوجب مزيد التعظيم للمهاجرين، والله أعلم.
وروي أن أبيا احتج على صحة القراءة المشهورة بآخر الأنفال وهو قوله: ﴿ والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ ﴾ بعد تقدم ذكر المهاجرين والأنصار في الآية الأولى، وبأواسط سورة الحشر وهو قوله: ﴿ والذين جاؤوا مّن بَعْدِهِمْ ﴾ وبأول سورة الجمعة وهو قوله: ﴿ وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ﴾ .
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ والسابقون ﴾ مرتفع بالابتداء وخبره قوله: ﴿ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ ﴾ ومعناه: رضي الله عنهم لأعمالهم وكثرة طاعاتهم، ورضوا عنه لما أفاض عليهم من نعمه الجليلة في الدين والدنيا، وفي مصاحف أهل مكة ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وهي قراءة ابن كثير، وفي سائر المصاحف ﴿ تَحْتِهَا ﴾ من غير كلمة ﴿ مِنْ ﴾ .
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم: يريد، يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاء لهم، ويذكرون محاسنهم، وقال في رواية أخرى والذين اتبعوهم بإحسان على دينهم إلى يوم القيامة، واعلم أن الآية دلت على أن من اتبعهم إنما يستحقون الرضوان والثواب، بشرط كونهم متبعين لهم بإحسان، وفسرنا هذا الإحسان بإحسان القول فيهم، والحكم المشروط بشرط، ينتفي عند انتفاء ذلك الشرط، فوجب أن من لم يحسن القول في المهاجرين والأنصار لا يكون مستحقاً للرضوان من الله تعالى، وأن لا يكون من أهل الثواب لهذا السبب، فإن أهل الدين يبالغون في تعظيم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يطلقون ألسنتهم في اغتيابهم وذكرهم بما لا ينبغي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ هم الذين صلّوا إلى القبلتين.
وقيل: الذين شهدوا بدراً.
وعن الشعبي: من بايع بالحديبية وهي بيعة الرضوان ما بين الهجرتين ﴿ و ﴾ من ﴿ الأنصار ﴾ أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.
وقرأ عمر رضي الله عنه: ﴿ والأنصارُ ﴾ بالرفع عطفاً على (السابقون).
وعن عمر أنه كان يرى أن قوله: ﴿ والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ ﴾ بغير واو صفة للأنصار، حتى قال له زيد: إنه بالواو، فقال: ائتوني بأبيّ، فقال تصديق ذلك في أول الجمعة ﴿ وَءاخَرِينَ مِنْهُم ﴾ [الجمعة: 3] وأوسط الحشر ﴿ والذين جاءوا مّن بَعْدِهِمْ ﴾ [الحشر: 10] وآخر الأنفال ﴿ والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ ﴾ [الأنفال: 75] .
وروي: أنه سمع رجلاً يقرؤه بالواو، فقال: من أقرأك؟
قال: أبيّ، فدعاه فقال: أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنك لتبيع القرظ بالبقيع، قال: صدقت، وإن شئت قلت: شهدنا وغبتم، ونصرنا وخذلتم، وآوينا وطردتم.
ومن ثم قال عمر: لقد كنت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، وارتفع السابقون بالابتداء، وخبره ﴿ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ ﴾ ومعناه: رضي عنهم لأعمالهم ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ لما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية وفي مصاحف أهل مكة: تجري من تحتها، وهي قراءة ابن كثير، وفي سائر المصاحف: تحتها، بغير من.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ ﴾ هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القُبْلَتَيْنِ أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا أوِ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ.
﴿ والأنْصارِ ﴾ أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأُولى.
وكانُوا سَبْعَةً وأهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وكانُوا سَبْعِينَ والَّذِينَ آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أبُو زَرارَةَ صَعْبُ بْنُ عُمَيْرٍ.
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿ والسّابِقُونَ ﴾ .
﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ اللّاحِقُونَ بِالسّابِقِينَ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ، أوْ مَنِ اتَّبَعُوهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بِقَبُولِ طاعَتِهِمْ وارْتِضاءِ أعْمالِهِمْ.
﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ بِما نالُوا مِن نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿ وَأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « مِن تَحْتِها الأنْهارُ» كَما في سائِرِ المَواضِعِ.
﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{والسابقون} مبتدأ {الأولون} صفة لهم {مِنَ المهاجرين} تبين لهم وهم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين شهدوا بدراً أو بيعة الرضوان {والأنصار} عطف على المهاجرين أي ومن الأنصار وهم أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين {والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ} من المهاجرين والأنصار فكانوا سائر الصحابة وقيل هم الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة والخبر {رَّضِيَ الله عَنْهُمْ} بأعمالهم الحسنة {وَرَضُواْ عَنْهُ} بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية {وَأَعَدَّ لَهُمْ} عطف على رَضِيَ {جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار} مِن تَحْتِهَا مكى
التوبة (١٠٠ _ ١٠٢)
﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ ﴾ بَيانٌ لِفَضائِلِ أشْرافِ المُسْلِمِينَ إثْرَ بَيانِ طائِفَةٍ مِنهُمْ، والمُرادُ بِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ وقَتادَةَ وابْنِ سِيرِينَ وجَماعَةِ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ رَباحٍ: هم أهْلُ بَدْرٍ وقالَ الشَّعْبِيُّ: هم أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وكانَتْ بِالحُدَيْبِيَةِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ و(الأنْصارِ) أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأُولى وكانَتْ في سَنَةِ إحْدى عَشْرَةَ مِنَ البَعْثَةِ وكانُوا عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ سَبْعَةَ نَفَرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وكانَتْ في سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا وامْرَأتَيْنِ والَّذِينَ أسْلَمُوا حِينَ جاءَهم مِن قَبْلُ رَسُولُ اللَّهِ أبُو زُرارَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وكانَ قَدْ أرْسَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أهْلِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ يُقْرِئُهُمُ القُرْآنَ ويُفَقِّهُهم في الدِّينِ ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ، والمُرادُ كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ، وهُمُ اللّاحِقُونَ بِالسّابِقِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ (مِن) تَبْعِيضَةٌ أوِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فالمُرادُ بِالسّابِقِينَ جَمِيعُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ سابِقِينَ أنَّهُمُ أوَّلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ المُسْلِمِينَ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ذَهَبَ إلى هَذا.
رُوِيَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ يَوْمًا لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ألا تُخْبِرَنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما كانَ بَيْنَهم مِنَ الفِتَنِ؟
فَقالَ لِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِهِمْ وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ.
فَقُلْتُ لَهُ: في أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ؟
فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ألا تَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ ﴾ الآيَةَ فَتَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجَنَّةَ والرِّضْوانِ وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا.
قُلْتُ: وما ذَلِكَ الشَّرْطُ؟
قالَ: شَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتْبَعُوهم بِإحْسانٍ وهو أنْ يَقْتَدُوا بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ ولا يَقْتَدُوا بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ أوْ يُقالُ: هو أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ في القَوْلِ وأنْ لا يَقُولُوا فِيهِمْ سُوءًا وأنْ لا يُوَجِّهُوا الطَّعْنَ فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ زِيادٍ: فَكَأنِّي ما قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ قَطُّ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً مِن فَضْلِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما لَمْ تَتَضَمَّنْهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ واعْتَرَضَ القُطْبُ عَلى التَّفاسِيرِ السّابِقَةِ لِلسّابِقِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ بِأنَّ الصَّلاةَ إلى القِبْلَتَيْنِ وشُهُودَ بَدْرٍ وبَيْعَةِ الرِّضْوانِ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.
وأُجِيبُ بِأنَّ مُرادَ مَن فَسَّرَ تَعْيِينَ سَبْقِهِمْ لِصُحْبَتِهِمْ ومُهاجَرَتِهِمْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَن عَداهم مِن ذَلِكَ القَبِيلِ.
واخْتارَ الإمامُ أنَّ المُرادَ بِالسّابِقِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ السّابِقُونَ في الهِجْرَةِ ومِنَ السّابِقِينَ مِنَ الأنْصارِ السّابِقُونَ في النُّصْرَةِ وادَّعى أنَّ ذَلِكَ هو الصَّحِيحُ عِنْدَهُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ كَوْنَهم سابِقِينَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم سابِقُونَ في ماذا فَبَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُهاجِرِينَ وأنْصارًا عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِنَ السَّبْقِ السَّبْقُ في الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ إزالَةً لِلْإجْمالِ عَنِ اللَّفْظِ، وأيْضًا كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ لِكَوْنِهِ فِعْلًا شاقًّا عَلى النَّفْسِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ فَمَن أقْدَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا صارَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ في هَذِهِ الطّاعَةِ وكانَ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لِقَلْبِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ خاطِرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِذَلِكَ أثْنى اللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ مَن كانَ سابِقًا إلَيْهِما وأثْبَتَ لَهم ما أثْبَتَ، وكَيْفَ لا وهْمَ آمَنُوا وفي عَدَدِ المُسْلِمِينَ في مَكَّةَ والمَدِينَةِ قِلَّةٌ وضَعْفٌ فَقَوِيَ الإسْلامُ بِسَبَبِهِمْ وكَثُرَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ بِإسْلامِهِمْ وقَوِيَ قَلْبُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَبَبِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ واقْتِداءِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ فَكانَ حالُهم في ذَلِكَ كَحالِ مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً وفي الخَبَرِ: مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ حَسَنٌ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِالسّابِقِينَ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ واتِّخاذُ ما يُنْفِقُونَ قُرُباتٍ والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ ظاهِرَةٌ وأيًّا مًا كانَ فالسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ أيْ بِقَبُولِ طاعَتِهِمْ وارْتِضاءِ أعْمالِهِمْ ﴿ ورَضُوا عَنْهُ ﴾ بِما نالُوهُ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿ الأوَّلُونَ ﴾ أوْ ﴿ مِنَ المُهاجِرِينَ ﴾ وأنْ يَكُونَ ﴿ السّابِقُونَ ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ مَن يُؤْمِنُ ﴾ أيْ ومِنهُمُ السّابِقُونَ وما ذَكَرْناهُ أظْهَرُ الوُجُوهِ.
وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (والأنْصارُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ السّابِقُونَ ﴾ وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ الأنْصارِيِّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقْرَأُ بِإسْقاطِ الواوِ مِن (والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) فَيَكُونُ المَوْصُولُ صِفَةَ الأنْصارِ حَتّى قالَ لَهُ زَيْدٌ: إنَّهُ بِالواوِ فَقالَ: ائْتُونِي بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأتاهُ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هي بِالواوِ فَتابَعَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي أُسامَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ قالا: «مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ ﴿ والَّذِينَ ﴾ بِالواوِ فَقالَ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ؟
فَقالَ: أُبَيٌّ فَأخَذَ بِهِ إلَيْهِ فَقالَ: يا أبا المُنْذِرِ أخْبَرَنِي هَذا أنَّكَ أقَرَأْتَهُ هَكَذا.
قالَ أُبَيٌّ: صَدَقَ وقَدْ تَلَقَّنْتُها كَذَلِكَ مِن في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
فَقالَ عُمَرُ: أنْتَ تَلَقَّنْتَها كَذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟
فَقالَ: نَعَمْ فَأعادَ عَلَيْهِ فَقالَ في الثّالِثَةِ وهو غَضْبانُ: نَعَمْ واللَّهِ لَقَدْ أنْزَلَها اللَّهُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَها جِبْرِيلُ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُسْتَأْمَرْ فِيهِ الخَطّابُ ولا ابْنُهُ فَخَرَجَ عُمَرُ رافِعًا يَدَيْهِ وهو يَقُولُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ» وفِي رِوايَةٍ أخْرَجَها أبُو الشَّيْخِ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ أُبَيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تَصْدِيقُ هَذِهِ الآيَةِ في أوَّلِ الجُمُعَةِ ﴿ وآخَرِينَ مِنهُمْ ﴾ وفي أوْسَطِ الحَشْرِ ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ وفي آخِرِ الأنْفالِ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ ﴾ إلَخْ ومُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ التّابِعِينَ غَيْرُ الأنْصارِ وفِيها أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَقَدْ كُنْتُ أرى أنّا رُفِعْنا رِفْعَةً لا يَبْلُغُها أحَدٌ بَعْدَنا وأرادَ اخْتِصاصَ السَّبْقِ بِالمُهاجِرِينَ، وظاهِرُ تَقْدِيمِ المُهاجِرِينَ عَلى الأنْصارِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم أفْضَلُ مِنهم وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ السَّقِيفَةِ، وقَدْ جاءَ في فَضْلِ الأنْصارِ ما لا يُحْصى مِنَ الأخْبارِ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «آيَةُ الإيمانِ حُبُّ الأنْصارِ وآيَةُ النِّفاقِ بُغْضُ الأنْصارِ» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَسَّمَ الفَيْءَ الَّذِي أفاءَ اللَّهُ تَعالى بِحُنَيْنٍ في أهْلِ مَكَّةَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ فَغَضِبَ الأنْصارُ فَأتاهم فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ قَدْ بَلَغَنِي مِن حَدِيثِكم في هَذِهِ المَغانِمِ الَّتِي آثَرْتُ بِها أُناسًا أتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ لَعَلَّهُمُ أنْ يُشْهَدُوا بَعْدَ اليَوْمِ وقَدْ أدْخَلَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهُمُ الإسْلامَ ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الإسْلامِ ألَمْ يَمُنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِالإيمانِ وخَصَّكم بِالكَرامَةِ وسَمّاكم بِأحْسَنِ الأسْماءِ أنْصارِ اللَّهِ تَعالى وأنْصارِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ ولَوْ سَلَكَ النّاسُ وادِيًا وسَلَكْتُمْ وادِيًا لَسَلَكْتُ وادِيَكم أفَلا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِهَذِهِ الغَنائِمِ البَعِيرِ والشّاءِ وتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟
فَقالُوا: رَضِينا.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أجِيبُونِي فِيما قُلْتُ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وجَدْتَنا في ظُلْمَةٍ فَأخْرَجَنا اللَّهُ بِكَ إلى النُّورِ وجَدْتَنا عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَنا اللَّهُ بِكَ، وجَدْتَنا ضُلّالًا فَهَدانا اللَّهُ تَعالى بِكَ فَرَضِينا بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ أجَبْتُمُونِي بِغَيْرِ هَذا القَوْلِ لَقُلْتُ: صَدَقْتُمْ لَوْ قُلْتُمْ: ألَمْ تَأْتِنا طَرِيدًا فَآوَيْناكَ؟
ومُكَذَّبًا فَصَدَّقْناكَ؟
ومَخْذُولًا فَنَصَرْناكَ؟
وقَبِلْنا ما رَدَّ النّاسُ عَلَيْكَ؟
لَصَدَقْتُمْ قالُوا: بَلْ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ المَنُّ والفَضْلُ عَلَيْنا وعَلى غَيْرِنا» فانْظُرْ كَيْفَ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَيْفَ أجابُوهُ رِضىَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ ﴾ أيْ هَيَّأ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (مِن تَحْتِها) وأكْثَرُ ما جاءَ في القُرْآنِ مُوافِقٌ لِهَذِهِ القِراءَةِ (خالِدِينَ فِيها أبَدًا) مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ 100﴾ أيِ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ قِيلَ لِبَيانِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ وعِظَمِ الدَّرَجَةِ مِن مُؤْمِنِي الأعْرابِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَكادُ يَصِحُّ إلّا بِتَكَلُّفٍ ما إذا أُرِيدَ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم صِنْفٌ آخَرُ غَيْرُ الصَّحابَةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مُؤْمِنِي الأعْرابِ صَحابَةٌ ولا يَفْضُلُ غَيْرُ صَحابِيٍّ صَحابِيًّا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَلَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» وقَوْلُهُ : «أُمَّتِي كالمَطَرِ لا يُدْرى أوَّلُهُ خَيْرٌ أمْ آخِرُهُ» .
مِن بابِ المُبالَغَةِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، وهم الذين صلوا إلى القبيلتين، مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وشهدوا بدرا.
وروي عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: من المهاجرون الأولون؟
قال: من صلَّى إلى القبلتين مع النبيّ ، فهو من المهاجرين الأولين.
وقال السدي: كانت الهجرة قبل أن تفتح مكة، فلما فتحت مكة كان من أسلم بعده ولحق بالنبي فهو تابع.
وروي عن مجاشع بن مسعود البهزي أنه جاء بابن أخيه ليبايعه على الهجرة، فقال النبيّ : «لا بَلْ بَايِعْ عَلَىَ الإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفْتَحِ وَيَكُونُ مِنَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ» .
قرأ العامة وَالْأَنْصارِ بالكسر، وقرأ الحضرمي وَالْأَنْصارِ بالضم.
فمن قرأ بالضم فهو عطف على التابعين ومعناه: والسابقون والأنصار، ومن قرأ بالكسر فهو عطف على المهاجرين ومعناه: ومن المهاجرين ومن الأنصار.
وروي عن عمر أنه كان يقرأ: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ بغير واو، وقراءة العامة بالواو، فمن قرأ بغير واو يكون نعتاً للأنصار، ومن قرأ بالواو يكون نعتاً لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة.
وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: سمع عمر رجلاً يقرأ هذه الآية وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ فقال له عمر: «من أقرأك هذه الآية؟» فقال: أقرأنيها أُبيّ بن كعب.
فقال: «لا تفارقني حتى أذهب بك إليه» .
قال: فلما جاءه قال: «يا أُبَيّ، أنت أقرأته هذه الآية هكذا؟» قال: «نعم» .
قال: «أنت سمعتها من رسول الله ؟» قال: «نعم» .
قال: «كنت أظن أنا قد ارتفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا» .
قال أُبيّ: «تصديق هذه الآية أول سورة الجمعة، وأوسط سورة الحشر، وآخر سورة الأنفال» .
أما أول سورة الجمعة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة: 3] وأوسط سورة الحشر وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر: 10] وآخر سورة الأنفال وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا [الأنفال: 75] .
وقال الشعبي: السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ من أدرك بيعة الرضوان وبايع تحت الشجرة.
اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، يعني: اتبعوهم على دينهم بإحسانهم، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بأعمالهم، وَرَضُوا عَنْهُ، يعني: عن الله تعالى بثوابه إياهم في الجنة.
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ.
قرأ ابن كثير جنات تجرى من تحتها الانهار بزيادة من، وقرأ الباقون جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ بغير مِنَ صار تَحْتَهَا نصباً لنزع الخافض.
خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يعني: الثواب الوافر.
<div class="verse-tafsir"
الأعراب، وروي أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في بني مُقَرِّن وقاله مجاهد «١» وَيَتَّخِذُ في الآيتين بمعنَى: يَجْعَلُهُ قَصْدَهُ، والمعنى: ينوي بنفقته ما ذكره الله عنهم، وصَلَواتِ الرَّسُولِ:
دعاؤه، ففي دعائه خَيْرُ الدنيا والآخرة، والضَّمير في قوله: إِنَّها: يحتملُ عودُهُ على النفَقَةِ، ويحتمل عوده على الصَّلوات، وباقي الآية بَيِّن.
وقوله سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ...
الآية: قال أبو موسى الأشعريُّ وغيره: السابقون الأولون مَنْ صلى القبلتين «٢» ، وقال عطاء: هم مَنْ شهد بدراً «٣» .
وقال الشَّعْبيُّ: من أدرك بَيْعَة الرِّضْوان «٤» ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ: يريد: سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظِ: التابِعُونَ وسائرُ الأمة، لكن بشريطة الإِحسان، وقرأ عمر بن الخطَّاب وجماعة: و «الأَنْصَارُ» «٥» - بالرفع- عطفاً على «والسابقون» ، وقرأ ابن كثير: «مِنْ تَحْتِهَا الأنهار» ، وقرأ الباقون «٦» : «تحتها» ، بإسقاط «من» .
وقوله سبحانه: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: الإِشارة ب «مَنْ حولكم» إِلى جُهَيْنة، ومُزَيْنة، وأَسْلَم، وغِفَار، وعُصَيَّة، ولِحيان، وغيرهم مِنَ القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر اللَّه سبحانه عن منافقيهم، وتقدير الآية: ومن أهْل المدينة قومٌ أو منافقُون، هذا أحسن ما حمل اللفظ، ومَرَدُوا: قال أبو عبيدة معناه:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ ﴾ فِيهِمْ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ صَلُّوا إلى القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ بَدْرٍ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم جَمِيعُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُمُ السَّبْقُ بِصُحْبَتِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ مُحْسِنُهم ومُسِيئُهم في قَوْلِهِ: ﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ ﴾ والخامِسُ: أنَّهُمُ السّابِقُونَ بِالمَوْتِ والشَّهادَةِ، سَبَقُوا إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والسّادِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴾ قَرَأ يَعْقُوبُ: "والأنْصارِ" .
بِرَفْعِ الرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ مَن قالَ إنَّ السّابِقَيْنِ جَمِيعُ الصَّحابَةِ، جَعَلَ هَؤُلاءِ تابِعِي الصَّحابَةِ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَصْحَبُوا رَسُولَ اللَّهِ .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.
وَمَن قالَ: هُمُ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ الصَّحابَةِ، قالَ: هَؤُلاءِ تَبِعُوهم في طَرِيقِهِمْ، واقْتَدَوْا بِهِمْ في أفْعالِهِمْ، فَفَضَّلَ أُولَئِكَ بِالسَّبْقِ، وإنْ كانَتِ الصُّحْبَةُ حاصِلَةً لِلْكُلِّ.
وقالَ عَطاءٌ: اتِّباعُهم إيّاهم بِإحْسانٍ: أنَّهم يَذْكُرُونَ مَحاسِنَهم ويَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن تَحْتِها" فَزادَ "مِن" وكَسَرَ التّاءَ الثّانِيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ يَعُمُّ الكُلَّ.
قالَ الزَّجّاجُ: رَضِيَ اللَّهُ أفْعالَهم، ورَضُوا ما جازاهم بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ: "السابِقُونَ الأوَّلُونَ": مَن صَلّى القِبْلَتَيْنِ، وقالَ عَطاءٌ: "السابِقُونَ الأوَّلُونَ": مَن شَهِدَ بَدْرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحُوِّلَتِ القِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.
وقالَ عامِرُ بْنُ شَراحِيلَ الشَعْبِيُّ: ( السابِقُونَ الأوَّلُونَ ): مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِضْوانِ، ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ يُرِيدُ سائِرَ الصَحابَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا اللَفْظِ التابِعُونَ وسائِرُ الأُمَّةِ لَكِنْ بِشَرِيطَةِ الإحْسانِ، وقَدْ لَزِمَ هَذا الِاسْمُ الطَبَقَةَ الَّتِي رَأتْ مَن رَأى النَبِيَّ ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ السابِقِينَ الأوَّلِينَ هم جَمِيعُ مَن هاجَرَ إلى أنِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةِ لَكانَ قَوْلًا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وتَكُونُ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، و"الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ عَطْفُ عَلى قَوْلِهِ: "والسابِقُونَ".
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، وسَعِيدٌ، ويَعْقُوبُ بْنُ طَلْحَةَ، وعِيسى الكُوفِيُّ: "والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارُ" بِرَفْعِ الراءِ عَطْفًا عَلى "والسابِقُونَ"، وكَذَلِكَ يَنْعَطِفُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ جَعَلَ الِاتِّباعَ عَدِيلًا لِلْأنْصارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ سَمِعَهُ فَرَدَّهُ فَبَعَثَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَسَألَهُ فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿ والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كُنّا نَرى إلّا أنّا قَدْ رُفِعْنا رِفْعَةً لا يَنالُها مَعَنا أحَدٌ، فَقالَ أُبَيٌّ: إنَّ مِصْداقَ هَذا في كِتابِ اللهِ في أوَّلِ سُورَةِ الجُمْعَةِ: ﴿ وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ ، وفي سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ ، وفي سُورَةِ الأنْفالِ في قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ ﴾ ، فَرَجَعَ عُمَرُ إلى قَوْلِ أُبَيٍّ، ونَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ التابِعَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا أصْحابَ رَسُولِ اللهِ ، كَما نَبَّهَ مَن ذَكَرَهم قَوْلُهُ : « "اللهُمَّ ارْحَمِ الأنْصارَ وَأبْناءَ الأنْصارِ وأبْناءَ أبْناءِ الأنْصارِ"» فَتَأمَّلْهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن تَحْتِها الأنْهارُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "تَحْتَها" بِإسْقاطِ "مِن"، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الحُكْمُ بِالرِضى عنهم بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وغَفْرِ ذُنُوبِهِمْ، والحُكْمُ بِرِضاهم عنهُ في شُكْرِهِمْ وحَمْدِهِمْ عَلى نِعَمِهِ وإيمانِهِمْ بِهِ وطاعَتِهِمْ لَهُ، جَعَلَنا اللهُ مِنَ الفائِزِينَ بِرَحْمَتِهِ ومَنِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ﴾ الآيَةُ.
مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ شَرَّكَ في بَعْضِها أُمَّتَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ﴾ إلى جُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وأسْلَمَ وغِفارٍ وعُصَيَّةَ ولِحْيانَ وغَيْرِهِمْ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ، فَأخْبَرَ اللهُ عن مُنافِقِيهِمْ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ أو مُنافِقُونَ"، هَذا أحْسَنُ ما حَمَلَهُ اللَفْظُ، و"مَرَدُوا" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مُرِّنُوا عَلَيْهِ ولَجُّوا فِيهِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ الآخَرُونَ.
والظاهِرُ مِن مَعْنى اللَفْظِ أنَّ التَمَرُّدَ في الشَيْءِ أوِ المُرُودُ عَلَيْهِ إنَّما هو اللَجاجُ والِاسْتِهْتارُ بِهِ والعُتُوُّ عَلى الزاجِرِ ورُكُوبُ الرَأْسِ في ذَلِكَ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في الشَرِّ لا في الخَيْرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: شَيْطانٌ مارِدٌ ومَرِيدٍ، ومِن هَذا سُمِّيَتْ مُرادٌ لِأنَّها تَمَرَّدَتْ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يُقالُ: "تَمَرَّدَ الرَجُلُ في أمْرِ كَذا" إذا تَجَرَّدَ لَهُ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: "شَجَرَةٌ مَرْداءُ" إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها ورَقٌ، ومِنهُ: ﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ"، ومِنهُ الأمْرَدُ الَّذِي لا لِحْيَةَ لَهُ، فَمَعْنى "مَرَدُوا" في هَذِهِ الآيَةِ: لَجُّوا فِيهِ واسْتَهْتَرُوا بِهِ وعَتَوْا عَلى زاجِرِهِمْ.
ثُمَّ نَفى عَزَّ وجَلَّ عِلْمَ نَبِيِّهِ بِهِمْ عَلى التَعْيِينِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ قالَ: فَما بالُ أقْوامٍ يَتَكَلَّفُونَ عِلْمَ الناسِ، فُلانٌ في الجَنَّةِ، فُلانٌ في النارِ، فَإذا سَألْتَ أحَدَهم عن نَفْسِهِ قالَ: لا أدْرِي، أنْتَ لَعَمْرِي بِنَفْسِكَ أعْلَمُ مِنكَ بِأعْمالِ الناسِ، ولَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا ما تُكَلَّفَهُ الرُسُلُ، قالَ نَبِيُّ اللهِ نُوحٌ : ﴿ قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، وقالَ نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ: ﴿ بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ، وقالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ : ﴿ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ .
في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سَيُعَذِّبُهُمْ" بِالياءِ والكَلامُ -عَلى القِراءَتَيْنِ- وعِيدٌ، واللَفْظُ يَقْتَضِي ثَلاثَةَ مَواطِنَ مِنَ العَذابِ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ العَذابَ العَظِيمَ الَّذِي يُرَدُّونَ إلَيْهِ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وأكْثَرُ الناسِ أنَّ العَذابَ المُتَوَسِّطَ هو عَذابُ القَبْرِ، واخْتُلِفَ في عَذابِ المَرَّةِ الأُولى فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ والجُوعِ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يُصِبْهُ هَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عَذابُهم هو بِإقامَةِ حُدُودِ الشَرْعِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَراهِيَتِهِمْ فِيهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: عَذابُهم هو هَمُّهم بِظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -وَهُوَ الأشْهَرُ عنهُ-: عَذابُهم هو فَضِيحَتُهم ووَصْمُهم بِالنِفاقِ، ورُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ يَوْمَ جُمْعَةٍ فَنَدَّدَ بِالمُنافِقِينَ وصَرَّحَ وقالَ: "اخْرُجْ يا فُلانُ مِنَ المَسْجِدِ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، واخْرُجْ أنْتَ يا فُلانُ، واخْرُجْ أنْتَ يا فُلانُ" حَتّى أخْرَجَ جَماعَةً مِنهُمْ، فَرَآهم عُمَرُ يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ وهو مُقْبِلٌ إلى الجُمْعَةِ، فَظَنَّ أنَّ الناسَ انْتَشَرُوا وأنَّ الجُمْعَةَ فاتَتْهُ فاخْتَبَأ مِنهم حَياءً، ثُمَّ وصَلَ إلى المَسْجِدِ فَرَأى أنَّ الصَلاةَ لَمْ تُقْضَ وفَهِمَ الأمْرَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِعْلُ النَبِيِّ هَذا بِهِمْ هو عَلى جِهَةِ التَأْدِيبِ اجْتِهادًا مِنهُ فِيهِمْ، ولَمْ يَسْلَخْهم ذَلِكَ مِنَ الإسْلامِ وإنَّما هو كَما يُخْرَجُ العُصاةُ والمُتَّهَمُونَ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِن هَذا.
وكانَ رَسُولُ اللهِ كَثِيرًا ما يَتَكَلَّمُ فِيهِمْ عَلى الإجْمالِ دُونَ تَعْيِينٍ، فَهَذا أيْضًا مِنَ العَذابِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: العَذابُ الأوَّلُ هي عِلَلٌ وأدْواءٌ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ أنَّهُ يُصِيبُهم بِها، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللهِ أسَرَّ إلى حُذَيْفَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ، وقالَ: "سِتَّةٌ مِنهم تَكْفِيكَهُمُ الدُبَيْلَةُ، سِراجٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ تَأْخُذُ في كَتِفِ أحَدِهِمْ حَتّى تَقْضِيَ إلى صَدْرِهِ، وسِتَّةٌ يَمُوتُونَ مَوْتًا"»، ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ إذا ماتَ رَجُلٌ مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّهُ مِنهم نَظَرَ إلى حُذَيْفَةَ، فَإنْ صَلّى صَلّى عُمَرُ عَلَيْهِ وإلّا تَرَكَ، وذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ بِاللهِ، أمِنهم أنا؟
قالَ: لا، واللهِ ولا أُؤَمِّنُ مِنها أحَدًا بَعْدَكَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ﴾ : أمّا عَذابُ الدُنْيا فالأمْوالُ والأولادُ، لِكُلِّ صِنْفٍ عَذابٌ فَهو مَرَّتانِ، وقَرَأ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: المَرَّتانِ هي في الدُنْيا، الأُولى: القَتْلُ والجُوعُ والمَصائِبُ، والثانِيَةُ: المَوْتُ إذْ هو لِلْكُفّارِ عَذابٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الأُولى هي أخْذُ الزَكاةِ مِن أمْوالِهِمْ، والعَذابُ العَظِيمُ هو جَمِيعُ ما بَعْدَ المَوْتِ، وأظُنُّ الزَجّاجَ أشارَ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
عُقِّب ذكر الفرق المتلبسة بالنقائص على تفاوت بينها في ذلك بذكر القدوة الصالحة والمثل الكامل في الإيمان والفضائل والنصرة في سبيل الله ليحتذِي مُتطلب الصلاح حذوَهم، ولئلا يخلوَ تقسيم القبائل الساكنة بالمدينة وحَواليها وبَواديها، عن ذكر أفضل الأقسام تنويهاً به.
وبهذا تم استقراء الفرق وأحوالها.
فالجملة عطف على جملة: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ [التوبة: 98].
والمقصود بالسبق السبق في الإيمان، لأن سياق الآيات قبلها في تمييز أحوال المؤمنين الخالصين، والكفار الصرحاء، والكفار المنافقين؛ فتعين أن يراد الذين سبقوا غيرهم من صنفهم، فالسابقون من المهاجرين هم الذين سبقوا بالإيمان قبل أن يهاجِر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، والسابقون من الأنصار هم الذين سبقوا قومهم بالإيمان، وهم أهل العقبتين الأولى والثانية.
وقد اختلف المفسرون في تحديد المدة التي عندها ينتهي وصف السابقين من المهاجرين والأنصار معاً، فقال أبو موسى وابن المسيب وابن سيرين وقتادة: من صلى القبلتين.
وقال عطاء: من شهد بدراً.
وقال الشعبي: من أدركوا بيعة الرضوان.
وهذه الأقوال الثلاثة تعتبر الواو في قوله: ﴿ والأنصار ﴾ للجمع في وصف السبق لأنه متحد بالنسبة إلى الفريقين، وهذا يخص المهاجرين.
وفي «أحكام ابن العربي» ما يشبه أنَّ رأيه أن السابقين أصحاب العقبتين، وذلك يخص الأنصار.
وعن الجبائي: أن السابقين مَن أسلموا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
ولعله اختيار منه إذ لم يسنده إلى قائل.
واختار ابن عطية أن السابقين هم من هاجر قبل أن تنقطع الهجرة، أي بفتح مكة، وهذا يَقصر وصفَ السبق على المهاجرين.
ولا يلاقي قراءة الجمهور بخفض ﴿ الأنصار ﴾ .
و ﴿ من ﴾ للتبعيض لا للبيان.
والأنصار: جمع نصير، وهو الناصر.
والأنصار بهذا الجمع اسم غلب على الأوْس والخزرج الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته أو بعد وفاته وعلى أبنائهم إلى آخر الزمان.
دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف، فيطلق على أولاد المنافقين منهم الذين نشأوا في الإسلام كولد ابن صياد.
وقرأ الجمهور ﴿ والأنصار ﴾ بالخفض عطفاً على المهاجرين، فيكون وصف السابقين صفة للمهاجرين والأنصار.
وقرأ يعقوب ﴿ والأنصارُ ﴾ بالرفع، فيكون عطفاً على وصف ﴿ السابقون ﴾ ويكون المقسَّم إلى سابقين وغيرهم خصوص المهاجرين.
والمراد بالذين اتبعوهم بقية المهاجرين وبقية الأنصار اتبعوهم في الإيمان، أي آمنوا بعد السابقين: ممن آمنوا بعد فتح مكة ومن آمنوا من المنافقين بعد مدة.
والإحسان: هو العمل الصالح.
والباء للملابسة.
وإنما قيد هذا الفريق خاصة لأن السابقين الأولين ما بعثهم على الإيمان إلا الإخلاص، فهم محسنون، وأما الذين اتبعوهم فمن بينهم من آمن اعتزازاً بالمسلمين حين صاروا أكثر أهل المدينة، فمنهم من آمن وفي إيمانه ضعف وتردد، مثل المؤلفة قلوبهم، فربما نزل بهم إلى النفاق وربما ارتقى بهم إلى الإيمان الكامل، وهم المذكورون مع المنافقين في قوله تعالى: ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ [الأحزاب: 60] فإذا بلغوا رتبة الإحسان دخلوا في وعد الرضى من الله وإعداد الجنات.
وجملة: ﴿ رضي الله عنهم ﴾ خبر عن ﴿ السابقون ﴾ .
وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي لقصد التقوي والتأكيد.
ورضَى الله عنهم عنايته بهم وإكرامه إياهم ودفاعه أعداءَهم، وأما رضاهم عنه فهو كناية عن كثرة إحسانه إليهم حتى رضيت نفوسهم لما أعطاهم ربهم.
والإعداد: التهيئة.
وفيه إشعار بالعناية والكرامة.
وتقدم القول في معنى جري الأنهار.
وقد خالفت هذه الآية عند معظم القراء أخواتها فلم تذكر فيها (مِنْ) مع (تَحتِها) في غالب المصاحف وفي رواية جمهور القراء، فتكون خالية من التأكيد إذ ليس لحرف (من) معنى مع أسماء الظروف إلا التأكيد، ويكون خلو الجملة من التأكيد لحصول ما يغني عنه من إفادة التقوي بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، ومن فعل (أعد) المؤذن بكمال العناية فلا يكون المعد إلا أكمل نوعه.
وثبتت (مِن) في مصحف مَكة، وهي قراءة ابن كثير المكي، فتكون مشتملة على زيادة مؤكدين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ وابْنُ سِيرِينَ.
الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ بَدْرٍ، قالَهُ عَطاءٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ السّابِقُونَ بِالمَوْتِ والشَّهادَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ سَبَقُوا إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى وحُسْنِ جَزائِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَنْهم، والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الأنْصارِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ورَسُولِهِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إلَيْهِمْ.
﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الإيمانِ.
الثّانِي: مِنَ الأفْعالِ الحَسَنَةِ.
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِالإيمانِ، ورَضُوا عَنْهُ بِالثَّوابِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في العِبادَةِ.
وَرَضُوا عَنْهُ بِالجَزاءِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِطاعَةِ الرَّسُولِ ، ورَضُوا عَنْهُ بِالقَبُولِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو عبيد وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري.
أن عمر بن الخطاب قرأ «والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان» فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين، فقال له زيد بن ثابت: والذين.
فقال عمر: الذين.
فقال زيد: أمير المؤمنين اعلم.
فقال عمر رضي الله عنه: ائتوني بأُبي بن كعب، فأتاه فسأله عن ذلك؟
فقال أبي: والذين.
فقال عمر رضي الله عنه: فنعم إذن فتابع أُبيا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال: مر عمر رضي الله عنه برجل يقرأ ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ﴾ فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟
قال: أبي بن كعب.
قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟
قال: نعم.
قال: وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم.
قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا!
فقال أبي: تصديق ذلك في أول سمرة الجمعة ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ [ الجمعة: 3] وفي سورة الحشر ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ﴾ [ الحشر: 10] وفي الأنفال ﴿ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ﴾ [ الأنفال: 75] .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة ومحمد بن إبراهيم التميمي قالا: مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ ﴿ والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ فوقف عمر، فلما انصرف الرجل قال: من أقرأك هذه؟
قال: أقرأنيها أبي بن كعب.
قال: فانطلق إليه فانطلقا إليه فقال: يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية.
قال: صدق تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عمر: أنت تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: فقال في الثالثة وهو غضبان: نعم.
والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه السلام، وأنزلها جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه.
فخرج عمر رافعاً يديه وهو يقول: الله أكبر الله أكبر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة عن أبي موسى.
أنه سئل عن قوله: ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ قالوا: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً.
وأخرج ابن المنذر وأبو نعيم عن الحسن ومحمد بن سيرين في قوله: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً، وهم أهل بدر.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ والسابقون الأوّلون من المهاجرين ﴾ قال: أبو بكر، وعمر، وعلي، وسلمان، وعمار بن ياسر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة عن الشعبي في قوله: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ قال: من أدرك بيعة الرضوان، وأول من بايع بيعة الرضوان سنان بن وهب الأسدي.
وأخرج ابن مردويه عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس بن مالك هذا الاسم الأنصار أنتم سميتموه أنفسكم أو الله تعالى سماكم من السماء؟
قال: الله تعالى سمانا من السماء.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن معاوية بن أبي سفيان «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية الإِيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» .
وأخرج أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأزواج الأنصار ولذراري الأنصار الأنصار كرشي وعيبتي، ولو أن الناس أخذوا شعباً وأخذت الأنصار شعباً لأخذت شعب الأنصار، ولولا الهجرة كنت امرأ من الأنصار» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن الحارث بن زياد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب الأنصار أحبه الله حين يلقاه، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله حين يلقاه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أنه قال: «اللهمَّ صل على الأنصار، وعلى ذرية الأنصار، وعلى ذرية ذرية الأنصار» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو سلك الناس وادياً وشعباً وسلكتم وادياً وشعباً لسلكت واديكم وشعبكم، أنتم شعار والناس دثار ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ثم رفع يديه حتى اني لأرى بياض ابطيه فقال: اللهمَّ اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي، وإن كرشي الأنصار، فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الحي من الأنصار حبهم إيمان وبغضهم نفاق» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهمَّ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولنساء الأنصار، ولنساء أبناء الأنصار، ولنساء أبناء أبناء الأنصار» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن رفاعة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ اغفر للأنصار، ولذراري الأنصار، ولذراري ذراريهم، ولمواليهم، ولجيرانهم» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار، موالي الله ورسوله لا مولى لهم غيره» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» .
وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم، فغضبت الأنصار فأتاهم فقال: يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتالفهم على الإِسلام لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم وقد أدخل الله قلوبهم الإِسلام، يا معشر الأنصار ألم يمن الله عليكم بالإِيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله وأنصار رسوله؟
ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم.
أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم والشاء والنعم والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقالوا: رضينا.
فقال: أجيبوني فيما قلت.
قالوا: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك، ووجدتنا ضلالاً فهدانا الله بك.
فرضينا بالله رباً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد نبياً.
فقال: أما والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت صدقتم، لو قلت ألم تأتنا طريداً فآويناك، ومكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وقبلنا ما رد الناس عليك، لو قلتم هذا لصدقتم.
قالوا: بل لله ورسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: كان الناس على ثلاث منازل.
المهاجرون الأولون، والذين اتبعوهم بإحسان، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان.
فأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنزلة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أنه أتاه رجل فذكر بعض الصحابة فتنقصه، فقال ابن عباس ﴿ والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ .
وأخرج عن ابن زيد في قوله: ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ قال: من بقي من أهل الإِسلام إلى أن تقوم الساعة.
وأخرج أبو الشيخ عن عصمة رضي الله عنه قال: سألت سفيان عن التابعين قال: هم الذين أدركوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، وسألته عن الذين اتبعوهم بإحسان قال: من يجيء بعدهم.
قلت: إلى يوم القيامة؟
قال: أرجو.
وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي رضي الله عنه: أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أريد الفتن؟
فقال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم قلت له: وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابهم؟
قال: ألا تقرأ ﴿ والسابقون الأولون...
﴾ الآية.
أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً لم يشترطه فيهم قلت: وما اشترط عليهم؟
قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان.
يقول: يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدون بهم في غير ذلك.
قال أبو صخر: لكأني لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها على محمد بن كعب.
وأخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثيِّر والقاسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة وحسان بن عطية.
أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون لما أنزلت هذه الآية ﴿ والسابقون الأولون ﴾ إلى قوله: ﴿ ورضوا عنه ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد الذين صدقوا النبي وهاجروا إلى المدينة) (١) وقال أبو موسى وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (٢) وقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدرًا (٣) وقال الشعبي: (هم الذين شهدوا بيعة الرضوان) (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاء لهم، ويذكرون محاسنهم ويسألون الله أن يجمع بينهم) (٨) (٩) (١٠) وقال الفراء: (ومن أحسن من بعدهم إلى يوم القيامة) (١١) وقال الكلبي: (السابقون من الفريقين الذين سبقوا بالإيمان والهجرة والجهاد والنصرة، ثم من اتبعهم على منهاجهم إلى قيام الساعة) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ يريد: رضي الله أعمالهم ورضوا ثواب الله [قاله ابن عباس (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وروي عن أبي صخر حميد (١٧) (١٨) (١٩) - فيما كان بينهم، وإنما أريد الفتن (٢٠) -[وأوجب لهم الجنة، (في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة؟) (٢١) ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ إلى آخرها (٢٢) -] (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) - من المهاجرين والأنصار، وهم أول هذه الأمة، والأولية لجميعهم ثابتة بإدراكهم النبي - -[وصحبتهم معه.
(١) لم أقف عليه.
(٢) ذكر آثارهم ابن جرير 11/ 6 - 8، وابن أبي حاتم 16 - 1868، والثعلبي 6/ 139 ب، والبغوي 4/ 87، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 519.
(٣) ذكره البغوي 4/ 87، وابن الجوزي 3/ 490، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 520.
(٤) رواه ابن جرير 11/ 6، وابن أبي حاتم 16/ 1868، والبغوي 4/ 87.
وبيعة الرضوان هي البيعة التي تمت في الحديبية لما أشيع أن المشركين قتلوا عثمان - -، فقال النبي - -: "لا نبرح حتى نناجز القوم"، ودعا الناس إلى البيعة على الموت أو عدم الفرار، وفي هذه البيعة نزل قول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ .
انظر: السيرة النبوية 3/ 364.
(٥) في تخصيص المهاجرين بما ذكر نظر فإن جميع الأقوال التي ذكرها المؤلف عدا قول ابن عباس يشترك فيها المهاجرون والأنصار، فكثير من الأنصار صلوا القبلتين، وشهدوا بدرًا، وبايعوا بيعة الرضوان، وقد ذكر ابن جرير أقوال المفسرين في السابقين بعد قوله: اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: (والسابقون الأولون) أ.
هـ ثم ذكر الأقوال جميعًا سواء ذكرت المهاجرين == والأنصار، أو المهاجرين وحدهم.
وكذلك فعل البغوي 4/ 87، والماوردي 2/ 394، وابن الجوزي 3/ 490، وابن كثير 2/ 421 فما قيل في السابقين من المهاجرين يقال في السابقين من الأنصار، أما ما ذكره المؤلف عن سباق الأنصار فإن غيره ذكره في مبحث أول الناس إسلامًا وهو أخص من السبق المذكور في الآية، انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 141 ب، والبغوي 4/ 88.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٧) ذكره بمعناه الماوردي في "تفسيره" 2/ 395، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 491، دون تعيين القائل، وانظر قصة بيعة العقبة الأولى والثانية، وعلام كانتا، ومن بايع فيهما في "السيرة النبوية" 2/ 39 - 74، و"زاد المعاد" 3/ 44 - 49.
(٨) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 139 أ، والبغوي في "تفسيره" 4/ 88، وانظر: "الوسيط" 2/ 521، و"زاد المسير" 3/ 491.
(٩) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 172، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 491، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 521.
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 466.
(١١) "معاني القرآن" 1/ 450.
(١٢) "تنوير المقباس" ص 203 بنحوه عن الكلبي عن ابن عباس.
(١٣) رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 203.
(١٤) في (ى): (رضي أفعالهم).
(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 466.
(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(١٧) ساقط من (ح).
(١٨) هو: حميد بن صخر بن أبي المخارق، أبو صخر المدني الخراط، اختلف في توثيقه، فقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يهم، وتوفي سنة 189 هـ.
انظر: "الكاشف" 1/ 353، و"تقريب التهذيب" ص 181 (1546)، و"تهذيب التهذيب" 1/ 495.
(١٩) في (ى): (محمد).
(٢٠) يعني وقعة الجمل وصفين ونحو ذلك.
(٢١) ما بين القوسين من (م).
(٢٢) ساقط من (م).
(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) إلى قوله (الأعراب).
(٢٤) ساقط من (ح).
(٢٥) في (م): (ابن صخر)، وفي (ح): (أصحاب صخر)، وكلاهما خطأ.
(٢٦) أخرجه أبو الشيخ وابن عساكر كما في "الدر المنثور" 3/ 485 - 486، وذكره البغوي في "تفسيره" 4/ 88 بغير سند.
(٢٧) في (ى): (من).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وصلوات الرسول ﴾ أي دعواته لهم وهو عطف على قربات؛ أي يقصدون بنفقاتهم التقرب إلى الله واغتنام دعاء الرسول لهم وقيل: نزلت في بني مقرن ﴿ والسابقون الأولون ﴾ قيل: هم من صلى للقبلتين وقيل: من شهد بدراً، وقيل: من حضر بيعة الرضوان و ﴿ الذين اتبعوه ﴾ [التوبة: 117] سائر الصحابة ويدخل في ذلك التابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة بشرط الإحسان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.
والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.
﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.
﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.
الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.
﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.
الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.
الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.
﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.
الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.
الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: { م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.
وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.
والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.
قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله عنهم بأنه رضي عنهم.
ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.
قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.
وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.
وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.
وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله وما كان بينهم؟
فقال لي: إن الله قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.
قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟
قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟
أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.
قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.
ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.
فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.
ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.
روى السدي عن أبي مالك أنه قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.
وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.
وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.
وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.
وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.
وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.
﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.
قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.
ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.
و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.
وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.
وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.
عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله وأصحابه في الجهاد.
روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.
وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقنا ويعذرنا.
فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.
فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.
فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.
والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.
﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.
وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.
لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.
وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.
ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.
قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.
وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.
وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.
وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.
ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.
ثم قال ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.
وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.
ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.
وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.
وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.
وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.
قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.
قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.
وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.
فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.
وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.
وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.
قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟
ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟
وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟
﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟
احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.
ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.
روي أن رسول الله لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.
وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.
وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.
وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.
وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.
وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.
ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.
والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.
وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.
ولا شك أن رؤية الله شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.
أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.
واعلم أنه قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.
وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.
وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.
وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.
وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.
قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.
ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.
في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.
وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.
واعلم أنه حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.
وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.
وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.
وقال الأكثرون: إنه الإعداد.
والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.
ثم أخبر الله عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.
قال المفسرون.
إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.
فقال رسول الله : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.
فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.
وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.
ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.
ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟
قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.
واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله عن المسجد الذي أسس على التقوى.
فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.
وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.
وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.
وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.
ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.
وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.
"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟
فسكت القوم.
ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.
فقال : أترضون بالقضاء؟
قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟
قالوا: نعم.
قال: أتشكرون في الرخاء؟
قالوا: نعم.
فقال : مؤمنون ورب الكعبة.
فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟
فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.
فتلا النبي : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.
ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.
ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.
والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.
قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.
وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.
ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.
والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.
قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.
وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .
﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان { م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.
﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.
فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.
﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.
﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.
﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.
﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.
﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.
﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.
﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.
ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ﴾ .
يحتمل هذا أن يكون مربوطاً معطوفاً على قوله: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ مع السابقين الأولين، أي: أولئك الذين آمنوا من بعد أولئك المهاجرين والأنصار يدخلهم في الجنة مع السابقين الأولين.
ويحتمل أن يكون على الابتداء، لا على العطف على الأول، ثم اختلف فيه: قال بعضهم: السابقون الأولون في الإسلام والنصرة.
وقال بعضهم: الأولون في الهجرة والنصرة.
﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ﴾ \[أي والذين اتبعوا أولئك في الإسلام\] على تأويل من جعل السابقة في الإسلام، وعلى تأويل من جعل على الهجرة اتبعوهم بإحسان فريقين: المهاجرين والأنصار، ولا يجعل طبقة ثالثة، وأمّا قراءة العامة من القراء فهي على إثبات الواو، وجعل طبقة ثالثة.
ثم منهم من قال من أهل التأويل: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار: الذين بايعوا بيعة الرضوان.
وقال بعضهم: هم الذين صلوا [إلى] القبلتين.
وقال بعضهم: السابقون إلى الإسلام: الأولون من المهاجرين والأنصار الذين صلوا [إلى] القبلتين، والذين اتبعوهم على دينهم إلى يوم القيامة بإحسان.
ثم خصوص تسمية أهل المدينة أنصاراً وإن كانوا هم [و]المهاجرون جميعاً نصروا رسول الله وكانوا أنصاراً له؛ فهو - والله أعلم - لأنهم نصروا المهاجرين؛ حيث آووهم، وأنزلوهم في منازلهم وأوطانهم، وبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم، وإن كانوا جميعاً في النصر لرسول الله شرعاً سواء.
ثم في الآية دلالة الرد على الروافض؛ لأنهم يجعلون أبا بكر، وعمر، وهؤلاء - م - ظلمة، على الحق بتوليهم أمر الخلافة والإمامة؛ لأنه معلوم أنهم كانوا فيما ذكر عز وجل من المهاجرين والأنصار.
ثم أخبر أن الله راضٍ عنهم، وأنهم راضون عنه، دل أنهم كانوا على حق وصواب من الأمر، وأن من وصفهم بالظلم والتعدي هو الظالم.
والمتعدي: واضع الشيء غير موضعه.
وفيه [دلالة] جواز تقليد الصحابة والاتباع [لهم] والاقتداء بهم؛ لأنه مدح - عز وجل - من اتبع المهاجرين والأنصار بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ﴾ ، ثم أخبر عن جملتهم أن الله راضٍ عنهم [دل] - والله أعلم - أن التقليد لهم لازم، والاقتداء بهم واجب، وإذا أخبروا بخبر أو حدثوا بحديث يجب العمل به، ولا يسع تركه، والله أعلم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
الذين بادروا أولًا إلى الإيمان من المهاجرين الذين هاجروا من ديارهم وأوطانهم إلى الله، ومن الأنصار الذين نصروا نبيه ، والذين اتبعوا المهاجرين والأنصار السابقين إلى الإيمان بإحسان في الاعتقاد والأقوال والأفعال - م فقبل طاعتهم، ورضوا عنه لما أعطاهم من ثوابه العظيم، وأعدَّ لهم جنات تجري الأنهار تحت قصورها، ماكثين فيها أبدًا، ذلك الجزاء هو الفلاح العظيم.
<div class="verse-tafsir" id="91.OANJW"