الآية ٩٩ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٩٩ من سورة التوبة

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌۭ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٩٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٩ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ) هذا هو القسم الممدوح من الأعراب ، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله ، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم ، ( ألا إنها قربة لهم ) أي : ألا إن ذلك حاصل لهم ، ( سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يصدِّق الله ويقرّ بوحدانيته، وبالبعث بعد الموت، والثواب والعقاب, وينوي بما ينفق من نفقة في جهاد المشركين، (30) وفي سفره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (قربات عند الله)، و " القربات " جمع " قربة ", وهو ما قرَّبه من رضى الله ومحبته =(وصلوات الرسول)، يعني بذلك: ويبتغي بنفقة ما ينفق، مع طلب قربته من الله، دعاءَ الرسول واستغفارَه له.

وقد دللنا، فيما مضى من كتابنا، على أن من معاني " الصلاة "، الدعاء، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(31) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17095- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله (وصلوات الرسول)، يعني: استغفار النبيّ عليه الصلاة والسلام.

17096- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول)، قال: دعاء الرسول: قال: هذه ثَنِيَّةُ الله من الأعراب.

(32) 17097- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، قال: هم بنو مقرِّن، من مزينة, وهم الذين قال الله فيهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ، [سورة التوبة: 92].

قال: هم بنو مقرّن، من مزينة = قال: حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ، ثم استثنى فقال: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، الآية.

17098- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا جعفر, عن البختريّ بن المختار العبدي قال، سمعت عبد الرحمن بن معْقل قال: كنا عشرة ولد مقرّن, فنـزلت فينا: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، إلى آخر الآية.

(33) * * * قال أبو جعفر: قال الله: (ألا إنها قُرْبة لهم)، يقول تعالى ذكره: ألا إنّ صلوات الرسول قربة لهم من الله.

وقد يحتمل أن يكون معناه: ألا إنّ نفقته التي ينفقها كذلك، قربةٌ لهم عند الله =(سيدخلهم الله في رحمته)، يقول: سيدخلهم الله فيمن رحمه فأدخله برحمته الجنة =(إن الله غفورٌ)، لما اجترموا =(رحيم)، بهم مع توبتهم وإصلاحهم أن يعذبهم.

(34) ------------------------ الهوامش: (30) في المطبوعة: "ينوي بما ينفق"، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .

(31) انظر تفسير " الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة ( صلا ) .

(32) " الثنية " ، ما استثنى من شيء ، وفي حديث كعب الأحبار : " الشهداء ثنية الله في الأرض " ، يعني هم من الذين استثناهم الله من الصعقة الأولى ، تأول ذلك في قوله تعالى : (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) ، فجعل منهم الشهداء ، لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون .

(33) الأثر : 17098 - " البختري بن المختار العبدي " ، ثقة .

مترجم في الكبير 1 2 136 وابن أبي حاتم 1 1 427 .

و " عبد الرحمن بن معقل المزني " ، تابعي ثقة ، وعده بعضهم في الصحابة لهذا الحديث .

فقال الحافظ بن حجر : " إنما عنى بقوله : كنا = أباه وأعمامه ، وأما هو فيصغر عن ذلك .

ومن أعمامه عبد الرحمن بن مقرن ، ذكره ابن سعد في الصحابة " .

وهو مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 122 ، وابن أبي حاتم 2 2 284 .

وكان في المطبوعة : " عبد الله بن مغفل " ، غير ما في المخطوطة ، وبدل ، وصحف ، وأساء إساءة لا يعذر فيها .

(34) انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) ، ( رحم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيمومن الأعراب من يؤمن بالله أي صدق .

والمراد بنو مقرن من مزينة ; ذكره المهدوي .( قربات ) جمع قربة ، وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى ; والجمع قرب وقربات وقربات وقربات ; حكاه النحاس .

والقربات بالضم ما تقرب به إلى الله تعالى ; تقول منه : قربت لله قربانا .

والقربة بكسر القاف ما يستقى فيه الماء ; والجمع في أدنى العدد قربات وقربات وقربات ، وللكثير قرب .

وكذلك جمع كل ما كان على فعلة ; مثل سدرة وفقرة ، لك أن تفتح العين وتكسر وتسكن ; حكاه الجوهري .

وقرأ نافع في رواية ورش " قربة " بضم الراء وهي الأصل .

والباقون بسكونها تخفيفا ; مثل كتب ورسل ، ولا خلاف في قربات .

وحكى ابن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ ألا إنها قربة لهم .

ومعنى وصلوات الرسول استغفاره ودعاؤه .

والصلاة تقع على ضروب ; فالصلاة من الله جل وعز الرحمة والخير والبركة ; قال الله [ ص: 158 ] تعالى : هو الذي يصلي عليكم وملائكته والصلاة من الملائكة الدعاء ، وكذلك هي من النبي صلى الله عليه وسلم ; كما قال : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة .ألا إنها قربة لهم أي تقربهم من رحمة الله ، يعني نفقاتهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وليس الأعراب كلهم مذمومين، بل منهم ‏{‏مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏ فيسلم بذلك من الكفر والنفاق ويعمل بمقتضى الإيمان‏.‏ ‏{‏وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ يحتسب نفقته، ويقصد بها وجه اللّه تعالى والقرب منه و يجعلها وسيلة ل ـ ‏{‏صَلَوَاتِ الرَّسُولِ‏}‏ أي‏:‏ دعائه لهم، وتبريكه عليهم، قال تعالى مبينا لنفع صلوات الرسول‏:‏ ‏{‏أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ‏}‏ تقربهم إلى اللّه، وتنمي أموالهم وتحل فيها البركة‏.‏ ‏{‏سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ‏}‏ في جملة عباده الصالحين إنه غفور رحيم، فيغفر السيئات العظيمة لمن تاب إليه، ويعم عباده برحمته، التي وسعت كل شيء، ويخص عباده المؤمنين برحمة يوفقهم فيها إلى الخيرات، ويحميهم فيها من المخالفات، ويجزل لهم فيها أنواع المثوبات‏.‏ وفي هذه الآية دليل على أن الأعراب كأهل الحاضرة، منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم اللّه على مجرد تعربهم وباديتهم، إنما ذمهم على ترك أوامر اللّه، وأنهم في مظنة ذلك‏.‏ ومنها‏:‏ أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ويغلظ ويخف بحسب الأحوال‏.‏ ومنها‏:‏ فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الشر ممن يعرفه، لأن اللّه ذم الأعراب، وأخبر أنهم أشد كفرا ونفاقا، وذكر السبب الموجب لذلك، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله‏.‏ ومنها‏:‏ أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم، معرفة حدود ما أنزل اللّه على رسوله، من أصول الدين وفروعه، كمعرفة حدود الإيمان، والإسلام، والإحسان، والتقوى، والفلاح، والطاعة، والبر، والصلة، والإحسان، والكفر، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والزنا، والخمر، والربا، ونحو ذلك‏.‏ فإن في معرفتها يتمكن من فعلها ـ إن كانت مأمور بها، أو تركها إن كانت محظورة ـ ومن الأمر بها أو النهي عنها‏.‏ ومنها‏:‏ أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه من الحقوق، منشرح الصدر، مطمئن النفس، ويحرص أن تكون مغنما، ولا تكون مغرمًا‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ) قال مجاهد : هم بنو مقرن من مزينة .

وقال الكلبي : أسلم وغفار وجهينة .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أنبأنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار ، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، أنبأنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسلم وغفار وشيء من جهينة ومزينة خير عند الله يوم القيامة من تميم وأسد بن خزيمة وهوازن وغطفان " .

( ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ) القربات جمع القربة ، أي : يطلب القربة إلى الله تعالى ، ( وصلوات الرسول ) أي : دعاءه واستغفاره ، قال عطاء : يرغبون في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .

( ألا إنها قربة لهم ) قرأ نافع برواية ورش " قربة " بضم الراء ، والباقون بسكونها .

( سيدخلهم الله في رحمته ) في جنته ، ( إن الله غفور رحيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر» كجهينة ومزينة «ويتخذ ما ينفق» في سبيل الله «قربات» تقربه «عند الله و» وسيلة إلى «صلوات» دعوات «الرسول» له «ألا إنها» أي نفقتهم «قُرُبةٌ» بضم الراء وسكونها «لهم» عنده «سيدخلهم الله في رحمته» جنته «إن الله غفور» لأهل طاعته «رحيم» بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن الأعراب مَن يؤمن بالله ويقرُّ بوحدانيته وبالبعث بعد الموت، والثواب والعقاب، ويحتسب ما ينفق من نفقة في جهاد المشركين قاصدًا بها رضا الله ومحبته، ويجعلها وسيلة إلى دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له، ألا إن هذه الأعمال تقربهم إلى الله تعالى، سيدخلهم الله في جنته.

إن الله غفور لما فعلوا من السيئات، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ذكر - سبحانه - حال هؤلاء الأعراب المنافقين ، أتبعه ببيان حال المؤمنين الصادقين منهم فقال : ( وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر ) .أى : ومن الأعراب قوم آخرون من صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا صادقا ، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب .وقوله : ( وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ الله وَصَلَوَاتِ الرسول ) مدح لهم على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم .

.والقربات : جمع قبة وهى ما يتقرب به الإِنسان إلى خالقه من أعمال الخير ، والمراد بصلوات الرسول : دعواته للمتقربين إلى الله بالطاعة .أى : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، ويعتبر كل ما ينفقه فى سبيل الله وسيلة للتقرب إليه - سبحانه - وتعالى بالطاعة ، ووسيلة للحصلو على دعوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالرحمة والمغفرة ، وبحسنات الدنيا والآخرة .ولقد كان من عادة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، فقد ورد فى الحديث الشريف " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لآل أبى أوفى عندما تقدموا إليه بصدقاتهم فقال : " اللهم صلى على آل أبى أوفى " أى : ارحمهم وبارك لهم فى أموالهم .

.وقوله : ( ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ) شهادة لهم منه سبحانه - بصدق إيمانهم ، وخلوص نياتتهم ، وقبول صدقاتهم .والضمير فى قوله ( إِنَّهَا ) يعود على النفقة التى أنفقوها فى سبيل الله ( ألا ) أداة استفتاح جئ بها لتأكيد الخبر والاهتمام به .

أى : ألا إن هذا النفقات التى تقربوا بها إلى الله ، مقبولة عنده - سبحانه - قبولا مؤكدا ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل .

.

.وقوله ( سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ ) وَعْدٌ لهم بإحاطة رحمته بهم .

والسين للتحقيق والتأكيد .أى : أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر ، والمتقربين إليه سبحانه بالطاعات ، سيغمرهم الله تعالى برحمته التى لا شقاء معها .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ ) شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفى التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه ، وكذلك قوله : ( سَيُدْخِلُهُمُ ) وما فى السين من تحقيق الوعد .

وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين ، وأن الصدقة منه مكان ، إذا خلصت النية من صاحبها .وقوله : ( إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تذييل مقرر لما قبله على سبيل التعليل .أى : إن الله تعالى - واسع المغفرة ، كثير الرحمة للمخلصين الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا للمم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرماً، بين أيضاً أن فيهم قوماً مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنماً.

واعلم أنه تعالى وصف هذا الفريق بوصفين: فالأول: كونه مؤمناً بالله واليوم الآخر، والمقصود التنبيه على أنه لابد في جميع الطاعات من تقدم الإيمان، وفي الجهاد أيضاً كذلك.

والثاني: كونه بحيث يتخذ ما ينفقه قربات عند الله وصلوات الرسول، وفيه بحثان: الأول: قال الزجاج: يجوز في القربات ثلاثة أوجه، ضم الراء، وإسكانها وفتحها.

الثاني: قال صاحب الكشاف: قربات مفعول ثان ليتخذ، والمعنى: أن ما ينفقه لسبب حصول القربات عند الله تعالى وصلوات الرسول، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم.

كقوله: «اللهم صل على آل أبي أوفى» وقال تعالى: ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ ﴾ فلما كان ما ينفق سبباً لحصول القربات والصلوات، قيل: إنه يتخذ ما ينفق قربات وصلوات.

وقال تعالى: ﴿ أَلآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ﴾ وهذا شهادة من الله تعالى للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه، وهو قوله: ﴿ أَلا ﴾ وبحرف التحقيق، وهو قوله: ﴿ إِنَّهَا ﴾ ثم زاد في التأكيد، فقال: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ ﴾ وقد ذكرنا أن إدخال هذا السين يوجب مزيد التأكيد.

ثم قال: ﴿ أَنَّ الله غَفُورٌ ﴾ لسيآتهم ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ بهم حيث وفقهم لهذه الطاعات.

وقرأ نافع ﴿ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ ﴾ بضم الراء وهو الأصل، ثم خففت نحو: كتب، ورسل، وطنب، والأصل هو الضم، والإسكان تخفيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَغْرَمًا ﴾ غرامة وخسراناً.

والغرامة: ما ينفقه الرجل وليس يلزمه، لأنه لا ينفق إلاّ تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله عزّ وجلّ وابتغاء المثوبة عنده ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ﴾ دوائر الزمان: دوله وعقبه لتذهب غلبتكم عليه ليتخلص من إعطاء الصدقة ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ﴾ دعاء معترض، دعى عليهم بنحو ما دعوا به، كقوله عزّ وجلّ: ﴿ قَالَتْ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ [المائدة: 64] وقرئ ﴿ السُّوء ﴾ بالضم وهو العذاب، كما قيل له سيئة.

والسوء بالفتح، وهو ذمّ للدائرة، كقولك: رجل سوء، في نقيض قولك: رجل صدق، لأنّ من دارت عليه ذامّ لها ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما يضمرون.

وقيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم ﴿ قربات ﴾ مفعول ثان ليتخذ.

والمعنى: أنّ ما ينفقه سبب لحصول القربات عند الله ﴿ وصلوات الرسول ﴾ لأنّ الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، كقوله: «اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى» وقال تعالى: ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 103] فلما كان ما ينفق سبباً لذلك قيل: يتخذ ما ينفق قربات وصلوات ﴿ ألا إِنَّهَا ﴾ شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف، مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ ﴾ وما في السين من تحقيق الوعد، وما أدلّ هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها.

وقرئ: ﴿ قُربة ﴾ بضم الراء.

وقيل: هم عبد الله وذو البجادين ورهطه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ سَبَبَ ﴿ قُرُباتٍ ﴾ وهي ثانِي مَفْعُولَيْ يَتَّخِذُ، وعِنْدَ اللَّهِ صِفَتُها أوْ ظَرْفٌ لِـ (يَتَّخِذُ) .

﴿ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ﴾ وسَبَبَ صَلَواتِهِ لِأنَّهُ  كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ ويَسْتَغْفِرُ لَهم، ولِذَلِكَ سَنَّ لِلْمُصَّدَّقِ عَلَيْهِ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُصَّدِّقِ عِنْدَ أخْذِ صَدَقَتِهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَما قالَ  «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى»، لِأنَّهُ مَنصِبُهُ فَلَهُ أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلى غَيْرِهِ.

﴿ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ﴾ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِصِحَّةِ مُعْتَقَدِهِمْ وتَصْدِيقٌ لِرَجائِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ مَعَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وإنَّ المُحَقِّقَةَ لِلنِّسْبَةِ والضَّمِيرِ لِنَفَقَتِهِمْ وقَرَأ ورْشٌ ﴿ قُرْبَةٌ ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ.

﴿ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ وعْدٌ لَهم بِإحاطَةِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ والسِّينُ لِتَحْقِيقِهِ وقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِتَقْرِيرِهِ.

وقِيلَ الأُولى في أسَدٍ وغَطَفانَ وبَنِي تَمِيمٍ والثّانِيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ ذِي البِجادَيْنِ وقَوْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ} في الجهاد والصدقات {قربات} أسباباً للقربة {عَندَ الله} وهو مفعول ثان ليتخذ {وصلوات الرسول} أي دعاءه لأنه عليه السلام كان يدعوا للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله اللهم صل على آل أبي أوفى {أَلا إِنَّهَا} أي النفقة أو صلوات الرسول {قُرْبَةٌ لَّهُمْ} قُرْبَةٌ نافع وهذا شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفى التبنيه والتحقيق المؤذين بثبات الأمر وتمكنه وكذلك {سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ} أي جنته وما في السين من تحقيق الوعد ومادل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين وأن لصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها {إِنَّ الله غَفُورٌ} يستر عيب المخل {رَّحِيمٌ} يقبل جهد المقل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنَ الأعْرابِ ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ عَلى الإطْلاقِ ﴿ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ ﴿ ويَتَّخِذُ ﴾ عَلى وجْهِ الِاصْطِفاءِ والِاخْتِيارِ ﴿ ما يُنْفِقُ ﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ قُرُباتٍ ﴾ جَمْعُ قُرْبَةٍ بِمَعْنى التَّقَرُّبِ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَتَّخِذَ، والمُرادُ اتِّخاذُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّقَرُّبِ عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ أوِ التَّقْدِيرِ، وقَدْ تُطْلَقُ القُرْبَةُ عَلى ما يُتَقَرَّبُ بِهِ والأوَّلُ اخْتِيارُ الجُمْهُورِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الأنْواعِ والأفْرادِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ صِفَةُ ﴿ قُرُباتٍ ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِيَتَّخِذَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ ظَرْفًا فالقُرُباتِ عَلى مَعْنى مُقَرِّباتٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ قُرُباتٍ ﴾ أيْ وسَبَبًا لِدُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، ولِذَلِكَ يُسَنُّ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُتَصَدِّقِ عِنْدَ أخْذِ صَدَقَتِهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَدْ قالُوا: لا يُصَلّى عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا بِالتَّبَعِ لِأنَّ في الصَّلاةِ مِنَ التَّعْظِيمِ ما لَيْسَ في غَيْرِها مِنَ الدَّعَواتِ وهي لِزِيادَةِ الرَّحْمَةِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا تَلِيقُ بِمَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الخَطايا والذُّنُوبُ ولاقَتْ عَلَيْهِ تَبَعًا لِما في ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ المَتْبُوعِ، واخْتُلِفَ هَلْ هي مَكْرُوهَةٌ تَحْرِيمًا أوْ تَنْزِيهًا أوْ خِلافَ الأوْلى صَحَّحَ النَّوَوِيُّ في الأذْكارِ الثّانِي، لَكِنْ في خُطْبَةِ شَرْحِ الأشْباهِ لِلْبِيرِيِّ مَن صَلّى عَلى غَيْرِهِمْ أثِمَ وكَرِهَ وهو الصَّحِيحُ.

وما رَواهُ السِّتَّةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى أبِي أوْفى» لا يَقُومُ حُجَّةً عَلى المانِعِ لِأنَّ ذَلِكَ كَما في المُسْتَصْفى حَقُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَهُ أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلى مَن يَشاءُ ابْتِداءً ولَيْسَ الغَيْرُ كَذَلِكَ.

وأمّا السَّلامُ فَنَقَلَ اللَّقّانِيُّ في شَرْحِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ عَنِ الإمامِ الجُوَيْنِيِّ أنَّهُ في مَعْنى الصَّلاةِ فَلا يُسْتَعْمَلُ في الغائِبِ، ولا يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يُقالُ: عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ يُقالُ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وسَواءٌ في هَذا الأحْياءُ والأمْواتُ إلّا في الحاضِرِ فَيُقالُ: السَّلامُ أوْ سَلامٌ عَلَيْكَ أوْ عَلَيْكم وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ انْتَهى، أقُولُ: ولَعَلَّ مِنَ الحاضِرِ السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ وسَلامٌ عَلَيْكم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وإلّا فَهو مُشْكِلٌ، والظّاهِرُ أنَّ العِلَّةَ في مَنعِ السَّلامِ ما قالَهُ النَّوَوِيُّ في عِلَّةِ مَنعِ الصَّلاةِ مِن أنَّ ذَلِكَ شِعارُ أهْلِ البِدَعِ وأنَّهُ مَخْصُوصٌ في لِسانِ السَّلَفِ بِالأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما أنَّ قَوْلَنا: عَزَّ وجَلَّ مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ فَلا يُقالُ: مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ عَزِيزًا جَلِيلًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ اللَّقّانِيُّ: وقالَ القاضِي عِياضٌ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ وأمِيلُ إلَيْهِ ما قالَهُ مالِكٌ وسُفْيانُ، واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ يَجِبُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ  وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ كَما يَخْتَصُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهِ ويُذْكَرُ مَن سِواهم بِالغُفْرانِ والرِّضا كَما قالَ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ وأيْضًا أنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ مَن ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ في الصَّدْرِ الأوَّلِ وإنَّما أحْدَثَهُ الرّافِضَةُ في بَعْضِ الأئِمَّةِ والتَّشْبِيهِ بِأهْلِ البِدَعِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَتَجِبُ مُخالَفَتُهُمُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ مَذْهَبَ الحَنابِلَةِ جَوازُ ذَلِكَ في غَيْرِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ اسْتِقْلالًا عَمَلًا بِظاهِرِ الحَدِيثِ السّابِقِ، وكَراهَةُ التَّشْبِيهِ بِأهْلِ البِدَعِ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَنا أيْضًا لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ في المَذْمُومِ وفِيما قُصِدَ بِهِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ كَما ذَكَرَهُ الحَصْكَفِيُّ في الدُّرِّ المُخْتارِ فافْهَمْ.

ثُمَّ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ في هَذا الفَرِيقِ مَعَ أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ الفِرَقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في بَيانِ شَأْنِ اتِّخاذِ ما يُنْفِقانِهِ حالًا ومَآلًا وأنَّ ذِكْرَ اتِّخاذِهِ سَبَبًا لِلْقُرُباتِ والصَّلَواتِ مُغْنٍ عَنِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ لِكَمالِ العِنايَةِ بِإيمانِهِمْ وبَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ وزِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِتَحَقُّقِ الفَرْقِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وأمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ فاتِّصافُهم بِالكُفْرِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ مِن سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ صَرِيحًا وجُوِّزَ عَطْفُ ﴿ وصَلَواتِ ﴾ عَلى ما يُنْفِقُ وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو البَقاءِ.

أيْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ وصَلَواتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرُباتٍ ﴿ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ﴾ شَهادَةٌ لَهم مِن جَنابِ اللَّهِ تَعالى بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدُوهُ وتَصْدِيقٌ لِرَجائِهِمْ، والضَّمِيرُ إمّا لِلنَّفَقَةِ المَعْلُومَةِ مِمّا تَقَدَّمَ أوْ - لِما - الَّتِي هي بِمَعْناها فَهو راجِعٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَلِذا أنَّثَ أوْ لِمُراعاةِ الخَبَرِ، وجَوَّزَ ابْنُ الخازِنِ رُجُوعَهُ لِلصَّلَواتِ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وتَنْوِينُ ﴿ قُرْبَةٌ ﴾ لِلتَّفْخِيمِ المُغْنِي عَنِ الجَمْعِ أيْ قُرْبَةً لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها، وفي إيرادِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى والِاقْتِصارُ عَلى بَيانِ كَوْنِها قُرْبَةً لَهم لِأنَّها الغايَةُ القُصْوى وصَلَواتُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ذَرائِعِها وقُرِئَ (قُرُبَةً) بِضَمِّ الرّاءِ لِلِاتِّباعِ ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ وعْدٌ لَهم بِإحاطَةِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ بِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ (فِي) الدّالَّةُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو في مُقابَلَةِ الوَعِيدِ لِلْفِرْقَةِ السّابِقَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وفِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْقُرْبَةِ أيْضًا والسِّينُ لِلتَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ أنَّها في الإثْباتِ في مُقابَلَةِ لَنْ في النَّفْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 99﴾ تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ والآيَةُ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهم عَنْ مُجاهِدٍ نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: في أسْلَمَ وغِفارٍ وجُهَيْنَةَ وقِيلَ: نَزَلَتِ الَّتِي قَبْلَها في أسَدٍ وغَطَفانَ وبَنِي تَمِيمٍ وهَذِهِ في عَبْدِ اللَّهِ ذِي البِجادَيْنِ بْنِ نَهْمٍ المُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ذكر من أسلم من الأعراب من جهينة وغفار وأسلم.

فقال الله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ في الجهاد قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: قربة إلى الله تعالى، وَصَلَواتِ الرَّسُولِ، يعني: طلب دعاء الرسول  واستغفاره.

يقول الله تعالى: أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ، يعني: نفقاتهم قربة لهم إلى الله تعالى وفضيلة ونجاة لهم.

سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ، يعني: في جنته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم، رَحِيمٌ بهم قرأ نافع في رواية ورش قُرْبَةٌ بضم الراء، وقرأ الباقون بجزم الراء، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأعراب، وروي أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في بني مُقَرِّن وقاله مجاهد «١» وَيَتَّخِذُ في الآيتين بمعنَى: يَجْعَلُهُ قَصْدَهُ، والمعنى: ينوي بنفقته ما ذكره الله عنهم، وصَلَواتِ الرَّسُولِ:

دعاؤه، ففي دعائه خَيْرُ الدنيا والآخرة، والضَّمير في قوله: إِنَّها: يحتملُ عودُهُ على النفَقَةِ، ويحتمل عوده على الصَّلوات، وباقي الآية بَيِّن.

وقوله سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ...

الآية: قال أبو موسى الأشعريُّ وغيره: السابقون الأولون مَنْ صلى القبلتين «٢» ، وقال عطاء: هم مَنْ شهد بدراً «٣» .

وقال الشَّعْبيُّ: من أدرك بَيْعَة الرِّضْوان «٤» ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ: يريد: سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظِ: التابِعُونَ وسائرُ الأمة، لكن بشريطة الإِحسان، وقرأ عمر بن الخطَّاب وجماعة: و «الأَنْصَارُ» «٥» - بالرفع- عطفاً على «والسابقون» ، وقرأ ابن كثير: «مِنْ تَحْتِهَا الأنهار» ، وقرأ الباقون «٦» : «تحتها» ، بإسقاط «من» .

وقوله سبحانه: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: الإِشارة ب «مَنْ حولكم» إِلى جُهَيْنة، ومُزَيْنة، وأَسْلَم، وغِفَار، وعُصَيَّة، ولِحيان، وغيرهم مِنَ القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر اللَّه سبحانه عن منافقيهم، وتقدير الآية: ومن أهْل المدينة قومٌ أو منافقُون، هذا أحسن ما حمل اللفظ، ومَرَدُوا: قال أبو عبيدة معناه:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهم مَن أسْلَمَ مِنَ الأعْرابِ، مِثْلُ جُهَيْنَةَ، وأسْلَمَ، وغِفارٍ، وَفِي قَوْلِهِ: ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الجِهادِ.

والثّانِي: في الصَّدَقَةِ.

فَأمّا القُرُباتُ، فَجَمْعُ قِرْبَةٍ، وهِيَ: ما يُقَرِّبُ العَبْدَ مِن رِضى اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ: قالَ الزَّجّاجُ: وفي القُرُباتِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ضَمُّ الرّاءِ، وفَتْحُها، وإسْكانُها.

وفي المُرادِ بِصَلَواتِ الرَّسُولِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اسْتِغْفارُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: دُعاؤُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ: عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي نُوَّمًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعًا.

قالَ إنْ شِئْتَ قُلْتَ: مِثْلَ الَّذِي، ومِثْلُ الَّذِي؛ فالأمْرُ أمْرٌ لَها بِالدُّعاءِ، كَأنَّهُ قالَ: ادْعُ لِي مِثْلَ الَّذِي دَعَوْتُ.

والثّانِي بِمَعْنى: عَلَيْكَ مِثْلُ هَذا الدُّعاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قِرْبَةٌ لَهُمْ" خَفِيفَةً.

ورَوى ورْشٌ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ، وأبانَ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "قِرُبَةٌ لَهُمْ" بِضَمِّ الرّاءِ.

وفي المُشارِ إلَيْها وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الهاءَ تَرْجِعُ إلى نَفَقَتِهِمْ وإيمانِهِمْ والثّانِي: إلى صَلَواتِ الرَّسُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في جَنَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وصَلَواتِ الرَسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللهِ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا نَصٌّ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهُمْ، ومَعْنى "يَتَّخِذُ" في هَذِهِ الآياتِ أيْ: يَجْعَلُ مَقْصِدَهُ ولا يَنْوِي فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وأصْلُ المَغْرَمِ الدَيْنُ، ومِنهُ تَعَوَّذَ رَسُولُ اللهِ  مِنَ المَغْرَمِ والمَأْثَمِ، ولَكِنْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ المَغْرَمِ فِيما يُؤَدِّيهِ الإنْسانُ مِمّا لا يَلْزَمُهُ بِحَقٍّ، وفي اللَفْظِ مَعْنى اللُزُومِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا  ﴾ أيْ: مَكْرُوهًا لازِمًا، و"الدَوائِرُ": المَصائِبُ الَّتِي لا مَخْلَصَ لِلْإنْسانِ مِنها فَهي تُحِيطُ بِهِ كَما تُحِيطُ الدائِرَةُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تُشْتَقَّ مِن دَوْرِ الزَمانِ، والمَعْنى: يَنْتَظِرُ بِكم ما تَأْتِي بِهِ الأيّامُ وتَدُورُ بِهِ.

ثُمَّ قالَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ ﴾ ، وكُلُّ ما كانَ بِلَفْظِ دُعاءٍ مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّما هو بِمَعْنى إيجابِ الشَيْءِ، لِأنَّ اللهَ لا يَدْعُو عَلى مَخْلُوقاتِهِ وهي في قَبْضَتِهِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ  ﴾ ، ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ ، فَهي كُلُّها أحْكامٌ تامَّةٌ تَضَمَّنَها خَبَرُهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرِهِمْ: "دائِرَةُ السَوْءِ" بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِخِلافٍ عنهُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ بِخِلافٍ عنهُما: "دائِرَةُ السُوءِ" بِضَمِّ السِينِ، واخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقِيلَ: الفَتْحُ المَصْدَرُ والضَمُّ الِاسْمُ، واخْتَلَفَ الناسُ فِيهِما وهو اخْتِلافٌ يَقْرُبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، والفَتْحُ في السِينِ يَقْتَضِي وصْفَ الدائِرَةِ بِأنَّها سَيِّئَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى "الدائِرَةِ" يَقْتَضِي مَعْنى "السَوْءِ" فَإنَّما هي إضافَةُ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، كَما قالُوا: "شَمْسُ النَهارِ" و"لَحْيا رَأْسِهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يُقالُ: "رَجُلُ سَوْءٍ" إلّا بِفَتْحِ السِينِ، هَذا قَوْلُ أكْثَرِهِمْ، وقَدْ حُكِيَ: "رَجُلُ سُوءٍ" بِضَمِّ السِينِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: وكُنْتُ كَذِئْبِ السُوءِ لَمّا رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الدَمِ ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في فَتْحِ السِينِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ: (هَذِهِ ثَنِيَّةُ اللهِ تَعالى مِنَ الأعْرابِ)، و"يَتَّخِذُ" في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا هي بِمَعْنى: يَجْعَلُهُ مَقْصِدًا، والمَعْنى: يَنْوِي بِنَفَقَتِهِ في سَبِيلِ اللهِ القُرْبَةَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتِغْنامَ دُعاءِ الرَسُولِ  ، فَفِي دُعائِهِ لَهم خَيْرُ الآخِرَةِ في النَجاةِ مِنَ النارِ، وخَيْرُ الدُنْيا في أرْزاقِهِمْ ومِنَحِ اللهِ لَهُمْ، فَـ "صَلَواتِ" -عَلى هَذا- عَطْفٌ عَلى "قُرُباتٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "ما يُنْفِقُ"، أيْ: ويَتَّخِذُ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ صَلَواتِ الرَسُولِ قُرْبَةً، والأُولى أبْيَنُ.

و"قُرُباتٍ" جَمْعُ قُرْبَةٍ أو قُرُبَةٍ بِسُكُونِ الراءِ وضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والصَلاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: الدُعاءُ إجْماعًا، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الصَلاةُ مِنَ اللهِ رَحْمَةٌ، ومِنَ النَبِيِّ والمَلائِكَةِ دُعاءٌ، ومِنَ الناسِ عِبادَةٌ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَفَقَةِ، وهَذا في انْعِطافِ "الصَلَواتِ" عَلى "القُرُباتِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلَواتِ، وهَذا في انْعِطافِهِ عَلى "ما يُنْفِقُ"، وقَرَأ نافِعٌ: "قُرُبَةً" بِضَمِّ الراءِ، واخْتُلِفَ عنهُ وعن عاصِمٍ والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ: "قُرْبَةً" بِسُكُونِ الراءِ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في "قُرُباتٍ"، ثُمَّ وعَدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ مُغَفَّلِ بْنِ مُقَرِّنٍ أنَّهُ قالَ: كُنّا عِشْرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ: "عَشْرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ" يُرِيدُ السِتَّةَ أولادَ مُقَرِّنٍ لِصُلْبِهِ أوِ السَبْعَةَ عَلى ما في الِاسْتِيعابِ مِن قَوْلِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وبَنِيهِمْ لِأنَّ هَذا هو الَّذِي في مَشْهُورِ دَواوِينِ أهْلِ العِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هؤلاء هم المؤمنون من الأعراب وفَّاهم الله حقهم من الثناء عليهم، وهم أضداد الفريقين الآخَرين المذكورين في قوله: ﴿ الأعراب أشد كفراً ونفاقاً ﴾ [التوبة: 97] وقوله ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مَغرماً ﴾ [التوبة: 97].

قيل: هم بنو مُقَرّن من مزينة الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ [التوبة: 92] الآية كما تقدم.

ومن هؤلاء عبد الله ذو البجادين المزَني هو ابن مغفل.

والإنفاق هنا هو الإنفاق هناك.

وتقدم قريباً معنى ﴿ يتخذ ﴾ .

و ﴿ قربات ﴾ بضم القاف وضم الراء: جمع قربة بسكون الراء.

وهي تطلق بمعنى المصدر، أي القرب وهو المراد هنا، أي يتخذون ما ينفقون تقرباً عند الله.

وجَمْع قربات باعتبار تعدد الإنفاق، فكل إنفاق هو قربة عند الله لأنه يوجب زيادة القرب.

قال تعالى: ﴿ يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيُّهم أقرب ﴾ [الإسراء: 57].

ف ﴿ قربات ﴾ هنا مجاز مستعمل في رضى الله ورفع الدرجات في الجنة، فلذلك وصفت ب ﴿ عند ﴾ الدالة على مكان الدنو.

و(عند) مجاز في التشريف والعناية، فإن الجنة تشبّه بدار الكرامة عند الله.

قال تعالى: ﴿ إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴾ [القمر: 54، 55].

و ﴿ وصلوات الرسول ﴾ دعواته.

وأصل الصلاة الدعاء.

وجمعت هنا لأن كل إنفاق يقدمونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو لهم بسببه دعوة، فبتكرر الإنفاق تتكرر الصلاة.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على كل من يأتيه بصدقته وإنفاقه امتثالاً لما أمره الله بقوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ﴾ [التوبة: 103].

وجاء في حديث ابن أبي أوفَى أنه لما جاء بصدقته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم صل على آل أبي أوْفَى» ويجوز عطف ﴿ صلوات الرسول ﴾ على اسم الجلالة معمولاً ل ﴿ عند ﴾ ، أي يتخذون الإنفاق قربة عند صلوات الرسول، أي يجعلونه تقرباً كائناً في مكان الدنو من صلوات الرسول تشبيهاً للتسبب في الشيء بالاقتراب منه، أي يجعلون الإنفاق سبباً لدعاء الرسول لهم.

فظرف (عند) مستعمل في معنيين مجازيين.

ويجوز أن يكون ﴿ وصلوات الرسول ﴾ عطفاً على ﴿ قربات عند الله ﴾ ، أي يتخذ ما ينفق دعوات الرسول.

أخبر عن الإنفاق باتخاذه دعوات الرسول لأنه يتوسل بالإنفاق إلى دعوات الرسول إذ أمر بذلك في قوله تعالى: ﴿ وصل عليهم ﴾ [التوبة: 103].

وجملة: ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ مستأنفة مسوقة مساق البشارة لهم بقبول ما رجوه.

وافتتحت الجملة بحرف الاستفتاح للاهتمام بها ليعيها السامع، وبحرف التأكيد لتحقيق مضمونها، والضمير الواقع اسم (إنَّ) عائد إلى ما (ينفق) باعتبار النفقات.

واللام للاختصاص، أي هي قربة لهم، أي عند الله وعند صلوات الرسول.

وحذف ذلك لدلالة سابق الكلام عليه.

وتنكير ﴿ قربة ﴾ لعدم الداعي إلى التعريف، ولأن التنكير قد يفيد التعظيم.

وجملة: ﴿ سيدخلهم الله في رحمته ﴾ واقعة موقع البيان لجملة ﴿ إنها قربة لهم ﴾ ، لأن القربة عند الله هي الدرجات العلى ورضوانه، وذلك من الرحمة.

والقربة عند صلوات الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة صلاته.

والصلاة التي يدعو لهم طلب الرحمة، فمآل الأمرين هو إدخال الله إياهم في رحمته.

وأوثر فعل الإدخال هنا لأنه المناسب للكون في الجنة، إذ كثيراً ما يقال: دخل الجنة.

قال تعالى: ﴿ وادخلي جنتي ﴾ [الفجر: 30].

وجملة: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ تذييل مناسب لما رجوه وما استجيب لهم.

وأثبت بحرف التأكيد للاهتمام بهذا الخبر، أي غفور لما مضى من كفرهم، رحيم بهم يفيض النعم عليهم.

وقرأ الجمهور ﴿ قرْبة ﴾ بسكون الراء، وقرأه ورش وحده بضم الراء لاتباع القاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الكُفْرُ والنِّفاقُ فِيهِمْ أكْثَرَ مِنهُ في غَيْرِهِمْ لِقِلَّةِ تِلاوَتِهِمُ القُرْآنَ وسَماعِهِمُ السُّنَنَ.

الثّانِي: أنَّ الكُفْرَ والنِّفاقَ فِيهِمْ أشَدُّ وأغْلَظُ مِنهُ في غَيْرِهِمْ لِأنَّهم أجْفى طِباعًا وأغْلَظَ قُلُوبًا.

﴿ وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ ومَعْنى أجْدَرُ أيْ أقْرَبُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِدارِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ مَسْكَنِيِ المُتَجاوِرِينَ.

وَفي المُرادِ بِحُدُودِ اللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: فُرُوضُ العِباداتِ المَشْرُوعَةِ.

الثّانِي: الوَعْدُ والوَعِيدُ في مُخالَفَةِ الرَّسُولِ  والتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَدْفَعُ مِنَ الصَّدَقاتِ.

الثّانِي: ما يُنْفِقُ في الجِهادِ مَعَ الرَّسُولِ  مَغْرَمًا، والمَغْرَمُ التِزامُ ما لا يَلْزَمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا  ﴾ أيْ لازِمًا، قالَ الشّاعِرُ: فَما لَكَ مَسْلُوبُ العَزاءِ كَأنَّما تَرى هَجْرَ لَيْلى مَغْرَمًا أنْتَ غارِمُهُ ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ﴾ جَمْعُ دائِرَةٍ وهي انْقِلابُ النِّعْمَةِ إلى ضِدِّها، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الدَّوْرِ ويُحْتَمَلُ تَرَبُّصُهُمُ الدَّوائِرَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في إعْلانِ الكُفْرِ والعِصْيانِ.

والثّانِي: في انْتِهازِ الفُرْصَةِ بِالِانْتِقامِ.

﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ رَدٌّ لِما أضْمَرُوا وجَزاءٌ لِما مَكَرُوا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هم بَنُو مُقْرِنٍ مِن مُزَيْنَةَ.

﴿ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها تَقْرِبَةٌ مِن طاعَةِ اللَّهِ ورِضاهُ.

الثّانِي: أنَّ ثَوابَها مَذْخُورٌ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَصارَتْ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِغْفارُهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: دُعاؤُهُ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى إيمانِهِمْ ونَفَقَتِهِمْ أنَّها قُرْبَةٌ لَهم.

الثّانِي: إلى صَلَواتِ الرَّسُولِ أنَّها قُرْبَةٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ قال: هم بنو مقرن من مزينة، وهم الذين قال الله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ [ التوبة: 92] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وصلوات الرسول ﴾ يعني استغفار النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن بالله ﴾ قال: هذه ثنية الله من الأعراب، وفي قوله: ﴿ وصلوات الرسول ﴾ قال: دعاء الرسول.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ ، قال ابن عباس: (يعني من أسلم من أعراب أسد وجهينة وغفار) (١) (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ \[قال ابن عباس\] (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ﴾ ، قال قتادة: (يعني دعاءه بالخير والبركة) (٩) (١٠) وقال عطاء: (يريد: يرغب (١١) (١٢)  ) (١٣) ﴿ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ ﴾ \[والمعنى أنه\] (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ﴾ القربة: ما يدني من رحمة الله من فعل خير وإسداء عرف، وقرأ نافع في بعض الروايات (قربة) بضم الراء (١٧) (١٨) (١٩) أنا ابن ماوية إذ جد النُّقُرْ حرك القاف بالحركة التي كانت تكون للام في الإدراج، وإما في إتباعٍ (٢٠) (٢١) إذا تجرد نوح قامتا معه ...

ضربا أليمًا بسبتٍ يلعج الجِلِدا كسر اللام إتباعًا لحركة فاء الفعل للضرورة، ولا يجوز واحد من الوجهين في الآية؛ لأن قوله: (قُربة) ليس موقوفًا عليه، ولا يجوز أن تحمل حركة الراء على إتباع ما قبلها؛ لأن ذلك إنما يجوز في الضرورة، وإذا لم يجز الحمل على واحد من الأمرين علمت أن الحركة هي الأصل (٢٢) ﴿ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ﴾ ، يريد نور (٢٣) (٢٤) (٢٥) قوله تعالى: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ قال يريد: (في جنته) (٢٦) ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لذنوبهم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بأوليائه وأهل طاعته.

(١) "زاد المسير" 3/ 489، وبنحوه رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 139 أ، والبغوي في "تفسيره" 4/ 86 عن الكلبي.

(٢) رواه ابن جرير 11/ 5، وابن أبي حاتم 6/ 1867، وسنيد وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 482.

(٣) هو: عبد الله بن عبد نهم بن عفيف المزني، المشهور بلقبه ذي البجادين؛ لأنه لما أسلم ضيق عليه قومه حتى لم يتركوا معه شيئًا فأخذ بجادًا من شعر -وهو الكساء- فقطعه نصفين فاتزر نصفًا، وارتدى نصفًا، وهاجر ولزم النبي -  - حتى مات في غزوة تبوك، وكان من الأواهين، كثير الذكر وتلاوة القرآن.

انظر: "حلية الأولياء" 1/ 121، و"صفة الصفوة" 1/ 677، و"الإصابة" 338 - 339.

(٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 139 أ.

(٥) ما بين المعقوين ساقط من (ى).

(٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 519.

(٧) ساقط من (ى).

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 465.

(٩) رواه مختصرًا بن جرير 11/ 5، وابن أبي حاتم 6/ 1867.

(١٠) رواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير 11/ 5، وابن أبي حاتم 6/ 1867، وابن المنذر وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 482، ولم أجد من ذكره عن الحسن.

(١١) في (ى): (ترغيب)، وفي المصدرين التاليين: يرغبون.

(١٢) في (م): (رسول الله).

(١٣) "تفسير البغوي" 4/ 87، و"الوسيط" 2/ 519.

(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح)، وقد وضع الناسخ مكانه ما نصه: (قربات عند الله)، قال ابن عباس: يريد ..

وهو خطأ من الناسخ والتباس بما ذكره المؤلف في الجملة المذكورة.

(١٥) في (ى): (عطفًا).

(١٦) ساقط من (ح).

(١٧) هي رواية ورش وابن جماز وإسماعيل بن جعفر وغيرهم عنه، أما رواية قالون وابن أبي أويس والمسيبي عنه فبالتخفيف كباقي العشرة، انظر "كتاب السبعة" ص 317، و"الغاية في القراءات العشر" ص 166، و"تقريب النشر" ص 119.

(١٨) هو: المبرد، وانظر قوله في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 212.

(١٩) البيت من الرجز، وبعده: وجاءت الخيل أثابي زمر وقد اختلف في قائله، ففي "لسان العرب" (نقر) نسب لعبيد بن ماوية الطائي، == ونسب له أو لفدكي بن عبد الله في "الدرر اللوامع" 6/ 300، ولفدكي المنقري في القاموس (فصل النون، باب الراء) 486، ولبعض السعديين في "كتاب سيبويه" 4/ 173.

والنقر: قال الفيروزأبادي في الموضع السابق: (أن تلزق طرف لسانك بحنكك ثم تصوت، أو هو اضطراب اللسان، أو هو صويت تزعج به الفرس).

أما الأثابي: فهي الجماعات.

انظر: "لسان العرب" (ثبا) 1/ 470.

(٢٠) هذا هو الوجه الثاني في جواز أن يكون الأصل التخفيف ثم يثقل.

(٢١) هو: عبد مناف بن ربع الهذلي، كما في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 672، و"جمهرة اللغة" (علج) 1/ 483، و"لسان العرب" (لعج) 7/ 4041، و"نوادر أبي زيد" ص 30.

(٢٢) "الحجة" 4/ 209 - 212 باختصار وتصرف.

(٢٣) ساقط من (ح).

(٢٤) في (م): (تكرمة).

(٢٥) "الوسيط" 2/ 519.

(٢٦) "زاد المسير" 3/ 490، و"تنوير المقباس" ص 202.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وصلوات الرسول ﴾ أي دعواته لهم وهو عطف على قربات؛ أي يقصدون بنفقاتهم التقرب إلى الله واغتنام دعاء الرسول لهم وقيل: نزلت في بني مقرن ﴿ والسابقون الأولون ﴾ قيل: هم من صلى للقبلتين وقيل: من شهد بدراً، وقيل: من حضر بيعة الرضوان و ﴿ الذين اتبعوه ﴾ [التوبة: 117] سائر الصحابة ويدخل في ذلك التابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة بشرط الإحسان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ المعذرون ﴾ من الأعذار: قتيبة ويعقوب.

الباقون: بالتشديد ﴿ دائرة السوء ﴾ بضم السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير.

الآخرون بفتحها ﴿ قربة ﴾ بضم الراء: نافع غير قالون.

الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى.

الوقوف: ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لله ورسوله ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا للعطف، ﴿ ما ينفقون ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿ رضوا ﴾ مستأنفاً أو وصفاً.

﴿ مع الخوالف ﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ من أخباركم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ ط ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ رجس ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد.

﴿ جهنم ﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لترضوا عنهم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ على رسوله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ الدوائر ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال ﴿ وجاء المعذرون ﴾ من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر.

فكأنه  فصل بين أصحاب العذر وبين الكافرين؛ فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا أتباعاً وعيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف.

وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم.

وعن مجاهد: نفر من غفار.

ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأوّل أن يكون من التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له.

الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين.

والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله  : ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا ﴾ وقد يكون صحيحاً كقول القائل: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر *** أي ما جاء بعذر صحيح.

فإذا أخذنا بقراءة التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها بالمعتذرين فاحتمل الأمران.

ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه  ميزهم من الكاذبين بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ ومنهم من مال إلى أنهم كاذبون.

روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿ وجاء المعذرون ﴾ وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.

﴿ سيصيب الذين كفروا منهم ﴾ أي من الأعراب ﴿ عذاب أليم ﴾ في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار.

وإنما قال: ﴿ منهم ﴾ لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب.

ثم ذكر أن تكليف الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم ﴿ ولا على المرضى ﴾ ويدخل فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة ﴿ ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ﴾ في الغزو على أنفسهم ﴿ حرج ﴾ قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم.

ثم إنه شرط في جواز العقود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم.

وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما يفعل المولى الناصح بصاحبه.

ثم قال: ﴿ ما على المحسنين ﴾ أي المعذورين الناصحين ﴿ من سبيل ﴾ للعتاب والمؤاخذة.

قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

فهذا يدل على أن الملكف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلاً على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا بهذا الطريق.

وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن الأصل براءة الذمة.

فإن كان القياس مفيداً للبراءة أيضاً فضائع، وإن كان يفيد شغل الذمة صار مخصصاً لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس.

ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بيّن قسماً رابعاً وهم الذين لا يجدون الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ أي على المركوب.

قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في ﴿ أتوك ﴾ بإضمار "قد" أي إذا ما أتوك قائلاً ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ وجوز أن يكون واسطة بين الشرط والجزاء كالاعتراض.

قلت: ويحتمل أن يكون بدلاً من ﴿ أتوك ﴾ .

قال مجاهد: هم أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يستحملونه ووافق منه غضباً فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري.

فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.

وقيل: هم البكاؤون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عيه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك.

فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون.

وقوله ﴿ تفيض من الدمع ﴾ كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كلها فائضة.

و"من" للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز.

﴿ حزناً أن لا يجدوا ﴾ أي على أن لا يجدوا.

﴿ إنما السبيل ﴾ أي سبيل الخطاب والعتاب في أمر الغزو والجهاد ﴿ على الذين يستأذنونك ﴾ في التخلف وهم أغنياء.

ثم قال على سبيل الاستئناف ﴿ رضوا ﴾ كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على الاستعداد؟

فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن طبع الله  على قلوبهم.

قال لأهل العلم: لما قال في الآية الأولى و ﴿ وإذا أنزلت سورة  ﴾ قال هناك ﴿ وطبع  ﴾ ليكون المجهول مبنياً على المجهول بخلافه في هذه الآية.

ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام الذي جرى فيه ذكر الله.

أما قوله ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ فإنه علة المنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً فإذا علم بأن القوم يكذبونه وجب عليه تركه.

وقوله ﴿ قد نبأنا الله ﴾ علة لانتفاء التصديق.

﴿ وسيرى الله عملكم ﴾ يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها أم لا.

وفي قوله ﴿ ثم تردّون على عالم الغيب ﴾ تخويف شديد وفيه أنه مطلع على بواطنهم الخبثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب.

وإنما لم يقل في هذه الآية و "المؤمنون" كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما قال ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة للكل.

وختم آية المنافقين بقوله ﴿ ثم تردون ﴾ لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله.

ثم ذكر أن منافقي الأعراب سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى  عن منافقي المدينة فقال: ﴿ سيحلفون بالله لكم ﴾ أي لأجلكم ﴿ إذا انقلبتم ﴾ أي رجعتم ﴿ إليهم ﴾ ولم يذكر المحلوف عليه.

والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين غرضهم من الحلف فقال ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك الكلام والسلام.

وقال مقاتل: قال رسول الله  حين قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلاً منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير.

ثم بين علة الاجتناب عنهم فقال: ﴿ إنهم رجس ﴾ فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم إنما يعاتب الأديم ذو البشرة.

المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي عليه الشعر أي إنما يعاد الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب ﴿ ومأواهم ﴾ جهنم منقلبهم النار عتاباً توبيخاً.

ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم ﴾ نهاهم عن الرضا بقوله ﴿ فإن ترضوا عنهم ﴾ الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله  ساخطاً عليهم؟.

ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة.

قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود.

فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب.

قال  : "لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً" قيل: إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل  نشؤا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم.

وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.

وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش.

سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب؟

فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟!

وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال  : "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين" أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون.

وقوله: ﴿ وأجدر ﴾ أي أولى وأحق ﴿ بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿ والله عليم ﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿ حكيم ﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.

ثم نوع جنس الأعراب فقال: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ هو مفعول ثانٍ ليتخذ لأنه بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران.

وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع.

﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه تشبيهاً بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص.

ثم خيّب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ وإنها جملة معترضة كقوله ﴿ غلت أيديهم  ﴾ والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك "رجل صدق".

قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة لأن من دارت عليه ذامّ لها وبالضم اسم بمعنى البلاء والعذاب، والمراد أنهم لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم.

﴿ والله سميع ﴾ لأقوالهم ﴿ عليم ﴾ بنياتهم.

قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.

ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن ﴾ الآية.

والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند الله وسبباً لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى.

ثم إنه  شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكداّ بحرفي التنبيه والتحقيق ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ ثم فسر القربة بقوله: ﴿ سيدخلهم الله في رحمته ﴾ والسين لتحقيق الوعد.

قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجاداً وهو كساء مخطط فشقته نصفين فردّته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله  فكان قائده والله أعلم.

التأويل: الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد.

﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك ﴾ بطريق المتابعة ﴿ لتحملهم ﴾ على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية ﴿ قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ ترفعاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة.

﴿ الأعراب أشد كفراً ﴾ إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة.

﴿ حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول  ، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة.

﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها ﴿ والله سميع ﴾ يجيب هذا الدعاء ﴿ عليم ﴾ بمن ينبغي أن يسمع في حقه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ [يحتمل هذا وجهين: يحتمل: طائفة من الأعراب أشد كفراً ونفاقاً] وهو أن رسول الله دعا كفار المدينة ومنافقيها، فأيأس عن إيمانهم بقوله: ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ...

 ﴾ الآية، فلما أيس عن إيمان هؤلاء، أقبل نحو طائفة من الأعراب الذين كانوا بقرب المدينة وحواليها، فأخبر أنهم أشدّ كفراً ونفاقاً من أهل المدينة.

ويحتمل أنه أراد الأعراب جملة أنهم أشدّ - أي: الكفار منهم وأهل النفاق - كفراً ونفاقاً من أهل الأمصار والمدائن، فهو لوجهين: أحدهما: أن أهل الأمصار والمدن كانوا يسمعون الآيات والحجج، ويخالطون أهل رحمة ورأفة، وأهل مودة، وأما الأعراب وأهل البادية فكانوا لا يسمعون الآيات والحجج، ولا خالطوا أهل رحمة ورأفة، فهؤلاء أقسى قلوباً وأضيق صدوراً وأهل المدن والأمصار [ألين قلوباً وأوسع صدوراً، فهم أسرع للإجابة وأولئك أبعد وأبطأ إجابة.

والثاني: أنهم وصفوا بأهل الجهل ما لم يوصف أهل المدن والأمصار] بذلك ما روي عن نبي الله  قال: "لا يؤمنكم أعرابي" ، وفي بعضها: "لا يؤمن أعرابي مهاجراً" ، وفي بعض الأخبار: "من بدا جفا" ؛ وذلك - والله أعلم - لأنهم كانوا لا يدخلون الأمصار والمدن ليتأدبوا ويتعلموا الآداب، فإذا كانوا كذلك فهم أجهل، والإيمان هو التصديق، والتصديق إنما يكون بعد العلم؛ لأنه ما لم يعلم لم يصدق، فإذا كانوا بالجهل ما وصفنا، كانوا أشد إنكاراً وتكذيباً من غيرهم، وهو ما ذكر: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ  ﴾ ، وصفهم بالجهل، وبالجهل يكون التكذيب، وبالعلم يكون التصديق، وهو ما ذكرنا.

وأجدر وأخلق وأحرى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ .

قال بعضهم: هم أقل علماً بالسنن.

وقيل: بالفرائض.

ويقال: الحدود ما بين من طاعة الله ومعصيته.

وأصله: أنهم أهل جهل بجميع الأوامر، والمناهي، وجميع الآداب، وما لا يحل وما يحل.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .

أي: على علم بما يكون منهم خلقهم.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ .

حيث وضع الخلائق بموضع يدل على وحدانيته وألوهيته، لو تدبروا فيه ونظروا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ﴾ .

أي: كان لا ينفق حسبة.

وقال بعضهم: ينفق ولا يراه حقّاً، إنما يراه غرماً يلحقه، وغرما يغرمه.

وأصله: أنهم لو كانوا علموا حقيقة أنهم وما حوته أيديهم لله ليس لهم، [لم] يعدوا ذلك غرماً وتبعه [لحقتهم، ولكن لما لم يروا لله  في أموالهم حقّاً ولم يعلموا أن أموالهم لله حقيقة لا لهم عدوا ذلك غرماً وتبعة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ .

قيل: الدوائر: هو انقلاب الأمر، وهو من الدوران.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ﴾ : ما قال بعضهم: موت محمد.

وقيل: دوائر الزمان وحوادثها.

﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ ، أي: عليهم انقلاب الأمر وعليهم ما تربصوا على المؤمنين.

وقوله: ﴿ وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ .

ليس على حقيقة الإنزال من موضع، ولكن على خلق ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ  ﴾ ، ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ : لما قال، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما أسروا وأضمروا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

ذكر في الآية أن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ليعلم أن قوله: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ كان في طائفة مشار إليها، لا كل الأعراب؛ لأنه ذكر - هاهنا - أن منهم من ينفق ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، وذكر في الآية الأولى أن منهم من يتخذ ما ينفق مغرما، أي: لا يراه حقّاً واجباً، ولكن غرما يلحقه، ومنهم من يرى ذلك حقّاً لله واجباً في أموالهم، فيجعلون ذلك قربة لهم عند الله، وأولئك يرونه غرماً لحقهم، لا قربة.

ثم في الآية خوف دخول المؤمنين في وعيد هذه الآية، الذين لا يؤدون الزكاة، ولا ينفقون، وخوف لحوق النفاق؛ لأنه أخبر أنهم يتخذون ما ينفقون مغرماً، فمن ترك أداءه إنما يتركه؛ لأنه لا يرى ذلك حقّاً؛ لأنه لو رأى ذلك حقّاً واجباً لأداه على ما أدى غيره من الحقوق، أو لو كان موقناً بالبعث لأنفق وجعل ذلك قربة له عند الله؛ لأنّ المؤمن إنما ينفق ويعمل للعاقبة، فإذا ترك ذلك يخاف دخوله في وعيد الآية، ولحوق اسم النفاق به، وإن كنا لا نشهد عليه بذلك.

وقوله: ﴿ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .

قال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا قربات عند الله بصلوات الرسول؛ لأنهم إذا أنفقوا كان الرسول يدعو لهم بذلك ويستغفر، فكان ذلك لهم قربات عند الله باستغفار الرسول ودعائه.

وقال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا وصلوات الرسول قربات عند الله، ويكون لهم ما أنفقوا قربة عند الله، وصلوات الرسول طمأنينة لهم وبراءة من النفاق؛ لأن الرسول كان لا يدعو لأهل الكفر والنفاق، فإذا دعا لهؤلاء وصلى عليهم كان ذلك طمأنينة لقلوبهم، وعلماً لهم بالبراءة من النفاق؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ  ﴾ ، أي: تسكن قلوبهم بصلاة الرسول وتطمئن بأنهم ليسوا من أهل النفاق، وأنهم برآء من ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ﴾ .

ذكر هذا مقابل ما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ ، أخبر - هاهنا - أن ما يتربصون هم بهم من الدوائر عليهم ذلك، وهاهنا أخبر أن ما ينفق المؤمنون ويطلبون بذلك قربة عند الله أنها قربة لهم.

ثم وعدهم الجنة بقوله: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، أي: جنته، سمى جنته رحمة؛ لما برحمته يدخلون، لا استيجاباً لهم منه بذلك، بل رحمة منه وفضلاً.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : لما كان منهم من المساوئ والشرك إذا تابوا وآمنوا، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ : حيث لم يؤاخذهم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن سكان البادية من يؤمن بالله، ويؤمن بيوم القيامة، ويجعل ما ينففه من مال في سبيل الله قربات يتقرب بها إلى الله، ووسيلة للظفر بدعاء الرسول  واستغفاره له، ألا إن إنفاقه في سبيل الله ودعاء الرسول له قربات له عند الله، سيجد ثوابها عنده بأن يدخله الله في رحمته الواسعة التي تشمل مغفرته وجنته، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.

من فوائد الآيات ميدان العمل والتكاليف خير شاهد على إظهار كذب المنافقين من صدقهم.

أهل البادية إن كفروا فهم أشد كفرًا ونفاقًا من أهل الحضر؛ لتأثير البيئة.

الحض على النفقة في سبيل الله مع إخلاص النية، وعظم أجر من فعل ذلك.

فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الخطأ.

<div class="verse-tafsir" id="91.DovyL"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله