الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٣ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها ، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في " أموالهم " إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ؛ ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون ، وإنما كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا احتجوا بقوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة ، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة ، كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى قال الصديق : والله لو منعوني عقالا - وفي رواية : عناقا - يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه .
وقوله : ( وصل عليهم ) أي : ادع لهم واستغفر لهم ، كما رواه مسلم في صحيحه ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم ، فأتاه أبي بصدقته فقال : " اللهم صل على آل أبي أوفى " وفي الحديث الآخر : أن امرأة قالت : يا رسول الله ، صل علي وعلى زوجي .
فقال : " صلى الله عليك ، وعلى زوجك " .
وقوله : ( إن صلاتك ) : قرأ بعضهم : " صلواتك " على الجمع ، وآخرون قرءوا : ( إن صلاتك ) على الإفراد .
( سكن لهم ) قال ابن عباس : رحمة لهم .
وقال قتادة : وقار .
وقوله : ( والله سميع ) أي : لدعائك ( عليم ) أي : بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له .
قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا أبو العميس ، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة ، عن ابن لحذيفة ، عن أبيه ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل أصابته ، وأصابت ولده ، وولد ولده .
ثم رواه عن أبي نعيم ، عن مسعر ، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة ، عن ابن لحذيفة - قال مسعر : وقد ذكره مرة عن حذيفة - : إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجل وولده وولد ولده .
القول في تأويل قوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها =(صدقة تطهرهم)، من دنس ذنوبهم (39) =(وتزكيهم بها)، يقول: وتنمِّيهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها, إلى منازل أهل الإخلاص (40) =(وصل عليهم)، يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم, واستغفر لهم منها =(إن صلاتك سكن لهم)، يقول: إن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم (41) =(والله سميع عليم)، يقول: والله سميع لدعائك إذا دعوت لهم، ولغير ذلك من كلام خلقه =(عليم)، بما تطلب بهم بدعائك ربّك لهم، وبغير ذلك من أمور عباده.
(42) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 17152- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: جاءوا بأموالهم = يعني أبا لبابة وأصحابه = حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا !
قال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا!
فأنـزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم.
17153- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قال: لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم, فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: خذ من أموالنا فتصدَّق بها عنا, وصلِّ علينا = يقولون: استغفر لنا = وطهرنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا آخذ منها شيئًا حتى أومر.
فأنـزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، يقول: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا.
فلما نـزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءًا من أموالهم, فتصدَّق بها عنهم.
17154- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن زيد بن أسلم قال: لما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة والذين ربطوا أنفسهم بالسَّواري, قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها !
فأنـزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)، الآية.
17155- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير قال: قال الذين ربطوا أنفسهم بالسواري حين عفا عنهم: يا نبيّ الله؛ طهِّر أموالنا !
فأنـزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، وكان الثلاثة إذا اشتكى أحدهم اشتكى الآخران مثله, وكان عَمي منهم اثنان, فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِي.
17156- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: الأربعة: جدُّ بن قيس, وأبو لبابة, وحرام, وأوس, هم الذين قيل فيهم: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، أي وقارٌ لهم، وكانوا وعدوا من أنفسهم أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدَّقوا.
17157- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك, قال: لما أطلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وأصحابه, أتوا نبيّ الله بأموالهم فقالوا: يا نبي الله، خذ من أموالنا فتصدَّق به عنا, وطهَّرنا، وصلِّ علينا !
يقولون: استغفر لنا = فقال نبي الله: لا آخذ من أموالكم شيئًا حتى أومر فيها = فأنـزل الله عز وجل: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)، من ذنوبهم التي أصابوا =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم.
ففعل نبي الله عليه السلام ما أمره الله به.
17158- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: (خذ من أموالهم صدقة)، أبو لبابة وأصحابه =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم، لذنوبهم التي كانوا أصابوا.
17159- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، قال: هؤلاء ناسٌ من المنافقين ممن كان تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, اعترفوا بالنفاق، وقالوا: يا رسول الله، قد ارتبنا ونافقنا وشككنا, ولكن توبةٌ جديدة، وصدقةٌ نخرجها من أموالنا !
فقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، بعد ما قال: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، [سورة التوبة: 84].
* * * واختلف أهل العربية في وجه رفع " تزكيهم ".
فقال بعض نحويي البصرة: رفع " تزكيهم بها "، في الابتداء، وإن شئت جعلته من صفة " الصدقة ", ثم جئت بها توكيدًا, وكذلك " تطهرهم ".
وقال بعض نحويي الكوفة: إن كان قوله: (تطهرهم)، للنبي عليه السلام فالاختيار أن تجزم، لأنه لم يعد على " الصدقة " عائد, (43) (وتزكيهم)، مستأنَفٌ.
وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها، جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما.
* * * قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول، أن قوله: (تطهرهم)، من صلة " الصدقة ", لأن القرأة مجمعة على رفعها, وذلك دليل على أنه من صلة " الصدقة ".
وأما قوله: (وتزكيهم بها)، فخبر مستأنَفٌ, بمعنى: وأنت تزكيهم بها, فلذلك رفع.
* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (إن صلاتك سكن لهم).
فقال بعضهم: رحمة لهم.
* ذكر من قال ذلك: 17160- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس، (إن صلاتك سكن لهم)، يقول: رحمة لهم.
* * * وقال آخرون: بل معناه: إن صلاتك وقارٌ لهم.
* ذكر من قال ذلك: 17161- حدثنا بشر قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (إن صلاتك سكن لهم)، أي: وقارٌ لهم.
* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة المدينة: (إِنَّ صَلوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ) بمعنى دعواتك.
* * * وقرأ قرأة العراق وبعض المكيين: ( إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )، بمعنى: إن دعاءك.
* * * قال أبو جعفر: وكأنَّ الذين قرءوا ذلك على التوحيد، رأوا أن قراءته بالتوحيد أصحُّ، لأن في التوحيد من معنى الجمع وكثرة العدد ما ليس في قوله: (إن صلواتك سكن لهم)، إذ كانت " الصلوات "، هي جمع لما بين الثلاث إلى العشر من العدد، دون ما هو أكثر من ذلك.
والذي قالوا من ذلك، عندنا كما قالوا، وبالتوحيد عندنا القراءةُ لا العلة، لأن ذلك في العدد أكثر من " الصلوات ", (44) ولكن المقصود منه الخبر عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصلواته أنه سكن لهؤلاء القوم، (45) لا الخبر عن العدد.
وإذا كان ذلك كذلك، كان التوحيد في " الصلاة " أولى.
------------------------- الهوامش : (39) انظر تفسير " التطهير " فيما سلف 12: 549 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(40) انظر تفسير " التزكية " فيما سلف من فهارس اللغة ( زكا ) .
(41) انظر تفسير " الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة ( صلا ) .
= وتفسير " سكن " فيما سلف 11 : 557 .
(42) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
(43) في المطبوعة " بأنه لم يعد " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(44) في المطبوعة : " وبالتوحيد عندنا القراءة لا لعلة أن ذلك في العدد .
.
.
" ، غير ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .
(45) في المطبوعة : " وصلاته " ، وأثبت ما في المخطوطة .
قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم فيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة اختلف في هذه الصدقة المأمور بها ; فقيل : هي صدقة الفرض ; قاله جويبر عن ابن عباس ، وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري .
وقيل : هو مخصوص بمن نزلت فيه ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم ، وليس هذا من [ ص: 166 ] الزكاة المفروضة في شيء ; ولهذا قال مالك : إذا تصدق الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث ; متمسكا بحديث أبي لبابة .
وعلى القول الأول فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا يأخذ الصدقة سواه ، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته .
وبهذا تعلق مانعو الزكاة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقالوا : إنه كان يعطينا عوضا منها التطهير والتزكية والصلاة علينا وقد عدمناها من غيره .
ونظم في ذلك شاعرهم فقال :أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر وإن الذي سألوكم فمنعتملكالتمر أو أحلى لديهم من التمر سنمنعهم ما دام فينا بقيةكرام على الضراء في العسر واليسروهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة ، وفي حقهم قال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة .
ابن العربي : أما قولهم إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين ; فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا ولكن اختلفت موارده على وجوه ، فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وقوله : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ونحوه .
ومنها خطاب خص به ولم يشركه فيه غيره لفظا ولا معنى كقوله ومن الليل فتهجد به نافلة لك وقوله : ( خالصة لك ) .
ومنها خطاب خص به لفظا وشركه جميع الأمة معنى وفعلا ; كقوله أقم الصلاة لدلوك الشمس الآية .
وقوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وقوله : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة .
وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة .
وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة .
ومن هذا القبيل قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها .
وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله و يا أيها النبي إذا طلقتم النساء .الثانية : قوله تعالى من أموالهم ذهب بعض العرب وهم دوس : إلى أن المال [ ص: 167 ] الثياب والمتاع والعروض .
ولا تسمي العين مالا .
وقد جاء هذا المعنى في السنة الثابتة من رواية مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع .
الحديث .
وذهب غيرهم إلى أن المال الصامت من الذهب والورق .
وقيل : الإبل خاصة ; ومنه قولهم : المال الإبل .
وقيل : جميع الماشية .
وذكر ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى ثعلب النحوي قال : ما قصر عن بلوغ ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق فليس بمال ; وأنشد :والله ما بلغت لي قط ماشية حد الزكاة ولا إبل ولا مالقال أبو عمر : والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك هو مال ; لقوله صلى الله عليه وسلم : يقول ابن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى .
وقال أبو قتادة : فأعطاني الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة ; فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام .
فمن حلف بصدقة ماله كله فذلك على كل نوع من ماله ، سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن ; إلا أن ينوي شيئا بعينه فيكون على ما نواه .
وقد قيل : إن ذلك على أموال الزكاة .
والعلم محيط واللسان شاهد بأن ما تملك يسمى مالا .
والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ والمأخوذ منه ، ولا تبيين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه .
وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع .
حسب ما نذكره فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال .
وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة في المواشي والحبوب والعين ، وهذا ما لا خلاف فيه .
واختلفوا فيما سوى ذلك كالخيل وسائر العروض .
وسيأتي ذكر الخيل والعسل في ( النحل ) إن شاء الله .
روى الأئمة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة .
وقد مضى الكلام في ( الأنعام ) في زكاة الحبوب وما تنبته الأرض مستوفى .
وفي المعادن في ( البقرة ) وفي الحلي في هذه السورة .
[ ص: 168 ] وأجمع العلماء على أن الأوقية أربعون درهما ; فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من فضة مضروبة - وهي الخمس أواق المنصوصة في الحديث - حولا كاملا فقد وجبت عليه صدقتها ، وذلك ربع عشرها خمسة دراهم .
وإنما اشترط الحول لقوله عليه السلام : ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول .
أخرجه الترمذي .
وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك من كل شيء منه ربع عشره قل أو كثر ; هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد .
وروي ذلك عن علي وابن عمر .
وقالت طائفة : لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما ; فإذا بلغتها كان فيها درهم وذلك ربع عشرها .
هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والزهري ومكحول وعمرو بن دينار وأبي حنيفة .الرابعة : وأما زكاة الذهب فالجمهور من العلماء على أن الذهب إذا كان عشرين دينارا قيمتها مائتا درهم فما زاد أن الزكاة فيها واجبة ; على حديث علي ، أخرجه الترمذي عن ضمرة والحارث عن علي .
قال الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق ، يحتمل أن يكون عنهما جميعا .
وقال الباجي في المنتقى : وهذا الحديث ليس إسناده هناك ، غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه ، والله أعلم .
وروي عن الحسن والثوري ، وإليه مال بعض أصحاب داود بن علي على أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ أربعين دينارا .
وهذا يرده حديث علي وحديث ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار ، ومن الأربعين دينارا دينارا ; على هذا جماعة أهل العلم إلا من ذكر .الخامسة : اتفقت الأمة على أن ما كان دون خمس ذود من الإبل فلا زكاة فيه .
فإذا بلغت خمسا ففيها شاة .
والشاة تقع على واحدة من الغنم ، والغنم الضأن والمعز جميعا .
وهذا أيضا [ ص: 169 ] اتفاق من العلماء أنه ليس في خمس إلا شاة واحدة ; وهي فريضتها .
وصدقة المواشي مبينة في الكتاب الذي كتبه الصديق لأنس لما وجهه إلى البحرين ; أخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني والنسائي وابن ماجه وغيرهم ، وكله متفق عليه .
والخلاف فيه في موضعين أحدهما في زكاة الإبل ، وهي إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة فقال مالك : المصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون ، وإن شاء أخذ حقتين .
وقال ابن القاسم : وقال ابن شهاب : فيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون .
قال ابن القاسم : ورأيي على قول ابن شهاب .
وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار يقولون بقول مالك .
وأما الموضع الثاني فهو في صدقة الغنم وهي إذا زادت على ثلاثمائة شاة وشاة ; فإن الحسن بن صالح بن حي قال : فيها أربع شياه .
وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه ; وهكذا كلما زادت ، في كل مائة شاة .
وروي عن إبراهيم النخعي مثله .
وقال الجمهور : في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه ، ثم لا شيء فيها إلى أربعمائة فيكون فيها أربع شياه ; ثم كلما زادت مائة ففيها شاة ; إجماعا واتفاقا .
قال ابن عبد البر : وهذه مسألة وهم فيها ابن المنذر ، وحكى فيها عن العلماء الخطأ ، وخلط وأكثر الغلط .السادسة : لم يذكر البخاري ولا مسلم في صحيحيهما تفصيل زكاة البقر .
وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني ومالك في موطئه وهي مرسلة ومقطوعة وموقوفة .
قال أبو عمر : وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ ، إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه .
وممن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس .
وقد اختلفوا فيما ينفرد به بقية عن الثقات .
ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم كما رواه بقية عن المسعودي عن الحكم ، والحسن مجتمع على ضعفه .
وقد روي هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت من غير رواية طاوس ; ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ، ومن أربعين مسنة ، ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر ; ذكره الدارقطني وأبو عيسى [ ص: 170 ] الترمذي وصححه .
قال أبو عمر .
ولا خلاف بين العلماء أن الزكاة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما قال معاذ بن جبل : في ثلاثين بقرة تبيع ، وفي أربعين مسنة إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة ; فإنهم يوجبون في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين .
فهذه جملة من تفصيل الزكاة بأصولها وفروعها في كتب الفقه .
ويأتي ذكر الخلطة في سورة ( ص ) إن شاء الله تعالى .السابعة : قوله تعالى ( صدقة ) مأخوذ من الصدق ; إذ هي دليل على صحة إيمانه ، وصدق باطنه مع ظاهره ، وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات .
( تطهرهم وتزكيهم بها ) حالين للمخاطب ; التقدير : خذها مطهرا لهم ومزكيا لهم بها .
ويجوز أن يجعلهما صفتين للصدقة ; أي صدقة مطهرة لهم مزكية ، ويكون فاعل ( تزكيهم ) المخاطب ، ويعود الضمير الذي في ( بها ) على الموصوف المنكر .
وحكى النحاس ومكي أن ( تطهرهم ) من صفة الصدقة ( وتزكيهم بها ) حال من الضمير في ( خذ ) وهو النبي صلى الله عليه وسلم .
ويحتمل أن تكون حالا من الصدقة ، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة .
وقال الزجاج : والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ; أي فإنك ( تطهرهم وتزكيهم بها ) ، على القطع والاستئناف .
ويجوز الجزم على جواب الأمر ، والمعنى : إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ; ومنه قول امرئ القيس :قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلوقرأ الحسن " تطهرهم " بسكون الطاء وهو منقول بالهمزة من طهر وأطهرته ، مثل ظهر وأظهرته .الثامنة : قوله تعالى وصل عليهم أصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة .
روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللهم صل عليهم .
فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى .
ذهب قوم إلى هذا ، وذهب آخرون إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا .
قالوا : فلا يجوز أن يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده خاصة ; [ ص: 171 ] لأنه خص بذلك .
واستدلوا بقوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا الآية .
وبأن عبد الله بن عباس كان يقول : لا يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم .
والأول أصح ; فإن الخطاب ليس مقصورا عليه كما تقدم ; ويأتي في الآية بعد هذا .
فيجب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتأسي به ; لأنه كان يمتثل قوله : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أي إذا دعوت لهم حين يأتون بصدقاتهم سكن ذلك قلوبهم وفرحوا به .
وقد روى جابر بن عبد الله قال : أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لامرأتي : لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ; فقالت : يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندنا ولا نسأله شيئا!
فقالت : يا رسول الله ; صل على زوجي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلى الله عليك وعلى زوجك .
والصلاة هنا الرحمة والترحم .
قال النحاس : وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ; ومنه الصلاة على الجنائز .
وقرأ حفص وحمزة والكسائي : إن صلاتك بالتوحيد .
وجمع الباقون .
وكذلك الاختلاف في أصلاتك تأمرك وقرئ ( سكن ) بسكون الكاف .
قال قتادة : معناه وقار لهم .
والسكن : ما تسكن به النفوس وتطمئن به القلوب .
قال تعالى لرسوله ومن قام مقامه، آمرا له بما يطهر المؤمنين، ويتمم إيمانهم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وهي الزكاة المفروضة، {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي: تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة. {وَتُزَكِّيهِمْ} أي: تنميهم، وتزيد في أخلاقهم الحسنة، وأعمالهم الصالحة، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي، وتنمي أموالهم. {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي: ادع لهم، أي: للمؤمنين عموما وخصوصا عندما يدفعون إليك زكاة أموالهم. {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} أي: طمأنينة لقلوبهم، واستبشار لهم، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لدعائك، سمع إجابة وقبول. {عَلِيمٌ} بأحوال العباد ونياتهم، فيجازي كل عامل بعمله، وعلى قدر نيته، فكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمتثل لأمر اللّه، ويأمرهم بالصدقة، ويبعث عماله لجبايتها، فإذا أتاه أحد بصدقته دعا له وبرَّك. ففي هذه الآية، دلالة على وجوب الزكاة، في جميع الأموال، وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة، فإنها أموال تنمى ويكتسب بها، فمن العدل أن يواسى منها الفقراء، بأداء ما أوجب اللّه فيها من الزكاة. وما عدا أموال التجارة، فإن كان المال ينمى، كالحبوب، والثمار، والماشية المتخذة للنماء والدر والنسل، فإنها تجب فيها الزكاة، وإلا لم تجب فيها، لأنها إذا كانت للقنية، لم تكن بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة، مالا يتمول، ويطلب منه المقاصد المالية، وإنما صرف عن المالية بالقنية ونحوها. وفيها: أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها، لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها. وفيها: استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي، أن يكون جهرا، بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه. ويؤخذ من المعنى، أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللين، والدعاء له، ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة، وسكون لقلبه. وأنه ينبغي تنشيط من أنفق نفقة وعمل عملا صالحا بالدعاء له والثناء، ونحو ذلك.
قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) بها من ذنوبهم ، ( وتزكيهم بها ) أي : ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين .
وقيل : تنمي أموالهم ( وصل عليهم ) أي : ادع لهم واستغفر لهم .
وقيل : هو قول الساعي للمصدق إذا أخذ الصدقة منه : آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت .
والصلاة في اللغة : الدعاء .
( إن صلاتك ) قرأ حمزة والكسائي : " صلاتك " على التوحيد ؛ ونصب التاء هاهنا وفي سورة هود " أصلاتك " وفي سورة المؤمنين " على صلاتهم " كلهن على التوحيد وافقهما حفص هاهنا وفي سورة هود .
وقرأ الآخرون بالجمع فيهن ويكسرون التاء هاهنا .
( سكن لهم ) أي : إن دعاءك رحمة لهم .
قاله ابن عباس .
وقيل : طمأنينة لهم ، وسكون لهم ، أن الله عز وجل قد قبل منهم .
وقال أبو عبيدة : تثبيت لقلوبهم .
( والله سميع عليم ) .
واختلفوا في وجوب الدعاء على الإمام عند أخذ الصدقة : قال بعضهم : يجب .
وقال بعضهم : يستحب .
وقال بعضهم : يجب في صدقة الفرض ويستحب في صدقة التطوع .
وقيل : يجب على الإمام ، ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى - وكان من أصحاب الشجرة - قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قومه بصدقة قال : " اللهم صل عليهم " ، فأتاه أبي بصدقته فقال : " اللهم صل على آل أبي أوفى " .
وقال ابن كيسان : ليس هذا في صدقة الفرض إنما هو في صدقة كفارة اليمين .
وقال عكرمة : هي صدقة الفرض ، فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين : هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون ، فما لهم؟
«خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها» من ذنوبهم فأخذ ثلث أموالهم وتصدق بها «وصل عليهم» أي ادع لهم «إن صلاتك سكن» رحمة «لهم» وقيل طمأنينة بقبول توبتهم «والله سميع عليم».
خذ -أيها النبي- من أموال هؤلاء التائبين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا صدقة تطهرهم مِن دنس ذنوبهم، وترفعهم عن منازل المنافقين إلى منازل المخلصين، وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم واستغفر لهم منها، إن دعاءك واستغفارك رحمة وطمأنينة لهم.
والله سميع لكل دعاء وقول، عليم بأحوال العباد ونياتهم، وسيجازي كلَّ عامل بعمله.
ثم أمر الله تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم ، فقال : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) .أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : " لما أطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا لبابة وأصحابه جاءوا بأموالهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا ، واستغفر لنا ، فقال " ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " " .فأنزل الله تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً .
.
.
) الآية .وقال الإِمام ابن كثير : أمر الله تعال - رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها .
وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير فى أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم .ولهذا اعتقد بعض مانعى الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإِمام لا يكون ، وإنما كان هذا خاصا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ولهذا احتجوا بقوله : - تعالى - : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً .
.
.
.
) الآية .وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة ، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة الى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال الصديق : " الله لومنعونى عناقا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه " .والمعنى : خذ - أيها الرسول الكريم - من أموال هؤلاء المعترفين بذنوبهم ، ومن غيرهم من اصحابك " صدقة " معينة ، كالزكاة المفروضة ، أو غير معينة كصدقة التطوع .وقوله : ( تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) بيان للفوائد المترتبة على هذه الصدقة .أى : من فوائد هذه الصدقة أنها تطهر النفوس من رذائل الشح والبخل والطمع .
.
وتزكى القلوب من الأخلاق الذميمة ، وتنمى الأموال والحسنات قال بعضهم : قوله : " تطهرهم " قرئ مجزوما على أنه جواب للأمر .
وقرئ .
مرفوعا على أنه حال من ضمير المخاطب فى قوله : " خذ " أو صفة لقوله " صدقة " والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده أى : تطهرهم بها .
.وقوله : " وتزكيهم " لم يقرأ إلا بإثبات الياء ، على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة حال من الضمير فى الأمر أو فى جوابه .
أى : وأنت تزكيهم بها .هذا على قراءة الجزم فى " تطهرهم " ، وأما على قراءة الرفع فيكون قوله " وتزكيهم بها " معطوف على قوله " تطهرهم " حالا أو صفة .وقوله : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أى : وادع لهم بالرحمة والمغفرة ، وقبول التوبة ، فإن دعاءك لهم تسكن معه نفوسهم ، وتطمئن به قلوبهم ، ويجعلهم فى ثقة من أن الله - تعالى - قد قبل توبتهم ، فأنت روسله الأمين ، ونبيه الكريم .فالمراد بالصلاة هنا : الدعاءلهم بالرحمة والمغفرة .قال بعضهم : " وظاهر " قوله : " وصل عليهم " أنه يجب على الإِمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق .
وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر .وأما سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب ، " لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ : " أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراءهم " ولم يأمره بالدعاء .
.أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة - غير الترمذى من قوله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم صلى على آل أبى أوفى " - عندما أخذ منهم الزكاة - .ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر لا مانع من أن يقول آخذ الزكاة : اللهم صل على آل فلان .وقال باقى الأئمة لا يجوز أن يقال : اللهم صل على آل فلان ، وإن ورد فى الحديث ، لأن الصلاة صارت مخصوصة فى لسان السلف بالانبياء - صلوات الله عليهم - ، كما أن قولنا : - عز وجل - صار مخصوصا بالله - تعالى - .قالوا : وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة فى بعض الأئمة ، والتشبه بأهل البدع منهى عنه .ولا خلاف فى أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم فيقال : اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته .
.
لأن السلف استعملوا ذلك ، وأمرنا به فى التشهد ، ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع .
.وقوله : ( والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أى : سميع لاعترافهم بذنوبهم وسميع لدعائهم سماع قبول وإجابة ، وعليم بندمهم وتوبتهم ، وبكل شئ فى هذا الكون ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ فيه قولان: الأول: أنهم قوم من المنافقين.
تابوا عن النفاق.
والثاني: أنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا للكفر والنفاق، لكن للكسل، ثم ندموا على ما فعلوا ثم تابوا، واحتج القائلون بالقول الأول بأن قوله: ﴿ وَءاخَرُونَ ﴾ عطف على قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الأعراب منافقون ﴾ والعطف يوهم التشريك إلا أنه تعالى وفقهم حتى تابوا، فلما ذكر الفريق الأول بالمرود على النفاق والمبالغة فيه.
وصف هذه الفرقة بالتوبة والإقلاع عن النفاق.
المسألة الثانية: روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وقيل: كانوا عشرة.
فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لما بلغهم ما نزل من المتخلفين فأيقنوا بالهلاك، وأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين وكانت هذه عادته، فلما قدم من سفره ورآهم موثقين، سأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يحلهم، فقال: وأنا أقسم أني لا أحلهم حتى أومر فيهم، فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها، فتصدق بها وطهرنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ الآية.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ قال أهل اللغة: الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء عن معرفة، ومعناه أنهم أقروا بذنبهم، وفيه دقيقة، كأنه قيل لم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الباطلة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئسما فعلوا وأظهروا الندامة وذموا أنفسهم على ذلك التخلف.
فإن قيل: الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا؟
قلنا: مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة، فأما إذا اقترن به الندم على الماضي، والعزم على تركه في المستقبل، وكان هذا الندم والتوبة لأجل كونه منهياً عنه من قبل الله تعالى، كان هذا المجموع توبة، إلا أنه دل الدليل على أن هؤلاء قد تابوا بدليل قوله تعالى: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ والمفسرون قالوا: إن عسى من الله يدل على الوجوب.
ثم قال تعالى: ﴿ خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: في هذا العمل الصالح وجوه: الأول: العمل الصالح هو الاعتراف بالذنب والندامة عليه والتوبة منه، والسيء هو التخلف عن الغزو.
والثاني: العمل الصالح خروجهم مع الرسول إلى سائر الغزوات والسيء هو تخلفهم عن غزوة تبوك.
والثالث: أن هذه الآية نزلت في حق المسلمين كان العمل الصالح إقدامهم على أعمال البر التي صدرت عنهم.
البحث الثاني: لقائل أن يقول: قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيء مخلوطاً.
فما المخلوط به.
وجوابه أن الخلط عبارة عن الجمع المطلق، وأما قولك خلطته، فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد منهما بالآخر، ويتغير كل واحد منهما بسبب تلك المخالطة عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن.
واللائق بهذا الموضع هو الجمع المطلق، لأن العمل الصالح والعمل السيء إذا حصلا بقي كل واحد منهما كما كان على مذهبنا، فإن عندنا القول بالإحباط باطل، والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب، والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب، فقوله تعالى: ﴿ خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً ﴾ فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر، ومما يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيء بالمخالطة.
والمختلطان لابد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما، لأن الاختلاط صفة للمختلطين، وحصول الصفة حال عدم الموصوف محال، فدل على بقاء العملين حال الاختلاط.
ثم قال تعالى: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: هاهنا سؤال، وهو أن كلمة ﴿ عَسَى ﴾ شك وهو في حق الله تعالى محال، وجوابه من وجوه: الوجه الأول: قال المفسرون: كلمة عسى من الله واجب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح ﴾ وفعل ذلك، وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام، والسلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئاً فإنه لا يجيب إليه إلا على سبيل الترجي مع كلمة عسى، أو لعل، تنبيهاً على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئاً وأن يكلفني بشيء بل كل ما أفعله فإنما أفعله على سبيل التفضل والتطول، فذكر كلمة ﴿ عَسَى ﴾ الفائدة فيه هذا المعنى، مع أنه يفيد القطع بالإجابة.
الوجه الثاني: في الجواب، المقصود منه بيان أنه يجب أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الإنكار والإهمال.
البحث الثاني: قال أصحابنا قوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ صريح في أن التوبة لا تحصل إلا من خلق الله تعالى، والعقل أيضاً دليل عليه، لأن الأصل في التوبة الندم، والندم لا يحصل باختيار العبد لأن إرادة الفعل والترك إن كانت فعلاً للعبد افتقر في فعلها إلى إرادة أخرى، وأيضاً فإن الإنسان قد يكون عظيم الرغبة في فعل معين، ثم يصير عظيم الندامة عليه، وحال كونه راغباً فيه لا يمكنه دفع تلك الرغبة عن القلب، وحال صيرورته نادماً عليه لا يمكنه دفع تلك الندامة عن القلب، فدل هذا على أنه لا قدرة للعبد على تحصل الندامة، وعلى تحصيل الرغبة، قالت المعتزلة: المراد من قوله: يتوب الله أنه يقبل توبته.
والجواب: أن الصرف عن الظاهر إنما يحسن، إذا ثبت بالدليل أنه لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، أما هاهنا، فالدليل العقلي أنه لا يمكن إجراء اللفظ إلا على ظاهره، فكيف يحسن التأويل.
البحث الثالث: قوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ يقتضي أن هذه التوبة إنما تحصل في المستقبل.
وقوله: ﴿ وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ دل على أن ذلك الاعتراف حصل في الماضي، وذلك يدل على أن ذلك الاعتراف ما كان نفس التوبة، بل كان مقدمة للتوبة، وأن التوبة إنما تحصل بعدها.
ثم قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس في المراد.
فقال بعهضم: هذا راجع إلى هؤلاء الذين تابوا، وذلك لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة، فأوجب الله تعالى أخذها، وصار ذلك معتبراً في كمال توبتهم لتكون جارية في حقهم مجرى الكفارة، وهذا قول الحسن، وكان يقول ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم.
والقول الثاني: أن الزكوات كانت واجبة عليهم، فلما تابوا من تخلفهم عن الغزو وحسن إسلامهم، وبذلوا الزكاة أمر الله رسوله أن يأخذها منهم.
والقول الثالث: أن هذه الآية كلام مبتدأ، والمقصود منها إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكوات.
وقالوا في الزكاة إنها طهرة، أما القائلون بالقول الأول: فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لابد وأن تكون منتظمة متناسقة، أما لو حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها، ولا بما بعدها، وصارت كلمة أجنبية، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، وأما القائلون بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة، قالوا: المناسبة حاصلة أيضاً على هذا التقدير، وذلك لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة، عن تخلفهم عن غزوة تبوك، وهم أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حبهم للأموال وشدة حرصهم على صونها عن الإنفاق، فكأنه قيل لهم إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة، ولم تضايقوا فيها، لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فإن أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة، وإلا فهم كاذبون مزورون بهذا الطريق.
لكن حمل هذه الآية على التكليف بإخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبق نظم هذه الآيات سليماً أولى، ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة.
قوله: ﴿ تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ والمعنى تطهرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة.
وأما القائلون بالقول الأول: فقالوا: إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر أولئك التائبين وأطلقهم قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً»، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وترك الثلثين لأنه تعالى قال: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ ولم يقل خذ أموالهم، وكلمة ﴿ مِنْ ﴾ تفيد التبعيض.
واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى.
المسألة الثانية: هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة.
الحكم الأول: أن قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم ﴾ يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور هاهنا بصريح اللفظ، بل المذكور هاهنا قوله: ﴿ صَدَقَةٍ ﴾ ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء كان، وإن كان في غاية القلة، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم، حتى يكون قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ أمراً بأخذ تلك الصدقة المعلومة، فحينئذ يزول الإجمال.
ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كيفيتها، والصدقة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أنه أمر بأن يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين بنت لبون، إلى غير ذلك من المراتب، فكان قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ أمراً بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان المخصوصة، وظاهر الآية للوجوب، فدل هذا النص على أن أخذها واجب، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه الله.
الحكم الثاني: أن قوله: ﴿ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ يقتضي أن يكون المال مالاً لهم، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكاً للمالك في النصاب، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة.
وأن لا يكون لها تعلق ألبتة بالنصاب.
وإذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب، فالذي هلك ما كان محلاً للحق، بل محل الحق باق كما كان، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما كان، وهذا قول الشافعي رحمه الله.
الحكم الثالث: ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون، وفي مال الضمان، وهو ظاهر.
الحكم الرابع: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام، فلا تجب إلا حيث تصير طهرة عن الآثام، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن الشافعي رحمه الله يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال الصبي، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً؟
المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ تُطَهّرُهُمْ ﴾ أقوال: القول الأول: أن يكون التقدير: خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم.
القول الثاني: أن يكون تطهرهم معلقاً بالصدقة، والتقدير: خذ من أموالهم صدقة مطهرة، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جارياً مجرى التطهير، والله أعلم.
إن على هذا القول وجب أن نقول: إن قوله: ﴿ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ يكون منقطعاً عن الأول، ويكون التقدير ﴿ خُذْ ﴾ يا محمد ﴿ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ ﴾ تلك الصدقة، وتزكيهم أنت بها.
القول الثالث: أن يجعل التاء في ﴿ تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ ضمير المخاطب، ويكون المعنى: تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.
المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ تُطَهّرُهُمْ ﴾ من أطهره بمعنى طهره ﴿ وتطهرهم ﴾ بالجزم جواباً للأمر، ولم يقرأ ﴿ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ إلا بإثبات الياء.
ثم قال تعالى: ﴿ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة، فقيل: التزكية مبالغة في التطهير، وقيل: التزكية بمعنى الإنماء، والمعنى: أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سبباً للإنماء، وقيل: الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب والمعصية، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء.
ثم قال تعالى: ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ إن صلاتك ﴾ بغير واو وفتح التاء على التوحيد، والمراد منه الجنس، وكذلك في سورة هود ﴿ أَصَلاتكَ تَأْمُرُكَ ﴾ بغير واو وعلى التوحيد، والباقون ﴿ صلواتك ﴾ وكذلك في هود على الجمع، قال أبو عبيدة: والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر.
ألا ترى أنه قال: ﴿ أَقِيمُواْ الصلاة ﴾ والصلوات جمع قلة، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات، قال أبو حاتم: هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال: ﴿ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله ﴾ ولم يرد القليل وقال: ﴿ وَهُمْ فِي الغرفات ءامِنُونَ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات ﴾ .
المسألة الثانية: احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم، فكان وجوب الزكاة مشروطاً بحصول ذلك السكن، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن.
فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعاً لحاجة الفقير كما في قوله: ﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء ﴾ وكما في قوله: ﴿ وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم ﴾ .
المسألة الثالثة: لا شك أن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، فإذا قلنا صلى فلان على فلان، أفاد الدعاء بحسب اللغة الأصلية.
إلا أنه صار بحسب العرف يفيد أنه قال له اللهم صل عليه، فلهذا السبب اختلف المفسرون، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: معناه ادع لهم، قال الشافعي رحمه الله: والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وقال آخرون: معناه أن يقول اللهم صل على فلان، ونقلوا عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن آل أبي أوفى لما أتوه بالصدقة قال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» ونقل القاضي في تفسيره عن الكعبي في تفسيره أنه قال علي لعمر وهو مسجى عليك الصلاة والسلام، ومن الناس من أنكر ذلك، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا في حق النبي عليه الصلاة والسلام.
المسألة الرابعة: أن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات الله عليه وعليه الصلاة والسلام إلا في حق الرسول، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده، واحتجوا عليه بأن نص القرآن دل على أن هذا الذكر جائز في حق من يؤدي الزكاة، فكيف يمنع ذكره في حق علي والحسن والحسين رضي الله عنهم؟
ورأيت بعضهم قال: أليس أن الرجل إذا قال سلام عليكم يقال له وعليكم السلام؟
فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فكيف يمتنع ذكره في حق آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام؟
قال القاضي: إنه جائز في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، والدليل عليه أنهم قالوا: يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟
فقال على وجه التعليم قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» ومعلوم أنه ليس في آل محمد نبي، فيتناول علياً ذلك كما يجوز مثله في آل إبراهيم، والله أعلم.
المسألة الخامسة: كنت قد ذكرت لطائف في قول بعضهم لبعض سلام عليكم وهي غير لائقة بهذا الموضع إلا أني رأيت أن أكتبها هاهنا لئلا تضيع، فقلت: إذا قال الرجل لغيره سلام عليكم.
فقوله: سلام عليكم مبتدأ وهو نكرة، وزعموا أن جعل النكرة مبتدأ لا يجوز، قالوا لأن الأخبار إنما يفيد إذا أخبر على المعلوم بأمر غير معلوم، إلا أنهم قالوا: النكرة إذا كانت موصوفة حسن جعلها مبتدأ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ ﴾ .
إذا عرفت هذا فهاهنا وجهان: الأول: أن التنكير يدل على الكمال، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة ﴾ والمعنى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة دائمة كاملة غير منقطعة.
إذا ثبت هذا فقوله: سلام لفظة منكرة، فكان المراد منه سلام كامل تام، وعلى هذا التقدير: فقد صارت هذه النكرة موصوفة، فصح جعلها مبتدأ، وإذا كان كذلك فحينئذ يحصل الخبر وهو قوله: عليكم والتقدير: سلام كامل تام عليكم.
والثاني: أن يجعل قوله: عليكم صفة لقوله: سلام فيكون مجموع قوله: سلام عليكم مبتدأ ويضمر له خبر، والتقدير: سلام عليكم واقع كائن حاصل، وربما كان حذف الخبر أدل على التهويل والتفخيم.
إذا عرفت هذا فنقول: إنه عند الجواب يقلب هذا الترتيب فيقال وعليكم السلام، والسبب فيه ما قاله سيبويه أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى، فلما قال وعليكم السلام دل على أن اهتمام هذا المجيب بشأن ذلك القائل شديد كامل، وأيضاً فقوله: وعليكم السلام يفيد الحصر، فكأنه يقول إن كنت قد أوصلت السلام إلي فأنا أزيد عليه وأجعل السلام مختصاً بك ومحصوراً فيك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ ومن لطائف قوله: سلام عليكم أنها أكمل من قوله: السلام عليك وذلك لأن قوله: سلام عليك معناه: سلام كامل تام شريف رفيع عليك.
وأما قوله: السلام عليك، فالسلام لفظ مفرد محلى بالألف واللام، وأنه لا يفيد إلا أصل الماهية، واللفظ الدال على أصل الماهية لا إشعار فيه بالأحوال العارضة للماهية وبكمالات الماهية، فكان قوله: سلام عليك أكمل من قوله: السلام عليك ومما يؤكد هذا المعنى أنه أينما جاء لفظ السلام من الله تعالى ورد على سبيل التنكير، كقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى ﴾ وفي القرآن من هذا الجنس كثير.
أما لفظ السلام بالألف واللام، فإنما جاء من الأنبياء عليهم السلام، كقول موسى عليه السلام: ﴿ قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ وأما في سورة مريم فلما ذكر الله يحيى عليه السلام قال: ﴿ وسلام عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ ﴾ وهذا السلام من الله تعالى، وفي قصة عيسى عليه السلام قال: ﴿ والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ ﴾ وهذا كلام عيسى عليه السلام.
فثبت بهذه الوجوه أن قوله: سلام عليك أكمل من قوله: السلام عليك فلهذا السبب اختار الشافعي رحمه الله في قراءة التشهد قوله: سلام عليك أيها النبي على سبيل التنكير، ومن لطائف السلام أنه لا شك أن هذا العالم معدن الشرور والآفات والمحن والمخالفات، واختلف العلماء الباحثون عن أسرار الأخلاق، أن الأصل في جبلة الحيوان الخير أو الشر؟
فمنهم من قال: الأصل فيها الشر، وهذا كالإجماع المنعقد بين جميع أفراد الإنسان، بل نزيد ونقول: إنه كالإجماع المنعقد بين جميع الحيوان، والدليل عليه أن كل إنسان يرى إنساناً يعدو إليه مع أنه لا يعرفه، فإن طبعه يحمله على الاحتراز عنه والتأهب لدفعه، ولولا أن طبعه يشهد بأن الأصل في الإنسان الشر، وإلا لما أوجبت فطرة العقل التأهب لدفع شر ذلك الساعي إليه، بل قالوا: هذا المعنى حاصل في كل الحيوانات، فإن كل حيوان عدا إليه حيوان آخر فر ذلك الحيوان الأول واحترز منه، فلو تقرر في طبعه أن الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب أن يقف، لأن أصل الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير، ولو كان الأصل في طبع الحيوان أن يكون خيره وشره على التعادل والتساوي، وجب أن يكون الفرار والوقوف متعادلين، فلما لم يكن الأمر كذلك بل كل حيوان نوجه إليه حيوان مجهول الصفة عند الأول، فإن ذلك الأول يحترز عنه بمجرد فطرته الأصلية، علمنا أن الأصل في الحيوان هو الشر.
إذا ثبت هذا فنقول: دفع الشر أهم من جلب الخير، ويدل عليه وجوه: الأول: أن دفع الشر يقتضي إبقاء الأصل أهم من تحصيل الزائد.
والثاني: أن إيصال الخير إلى كل أحد ليس في الوسع، أما كف الشر عن كل أحد داخل في الوسع، لأن الأول فعل والثاني ترك، وفعل ما لا نهاية له غير ممكن، أما ترك ما لا نهاية له ممكن، والثالث: أنه إذا لم يحصل دفع الشر فقد حصل الشر، وذلك يوجب حصول الألم والحزن، وهو في غاية المشقة، وأما إذا لم يحصل أيضاً إيصال الخير بقي الإنسان لا في الخير ولا في الشر، بل على السلامة الأصلية، وتحمل هذه الحالة سهل.
فثبت أن دفع الشر أهم من إيصال الخير، وثبت أن الدنيا دار الشرور والآفات والمحن والبليات، وثبت أن الحيوان في أصل الخلقة وموجب الفطرة منشأ للشرور، وإذا وصل إنسان إلى إنسان كان أهم المهمات أن يعرفه أنه منه في السلامة والأمن والأمان، فلهذا السبب وقع الاصطلاح على أن يقع ابتداء الكلام بذكر السلام، وهو أن يقول سلام عليكم ومن لطائف قولنا سلام عليكم أن ظاهره يقتضي إيقاع السلام على جماعة، والأمر كذلك بحسب العقل، وبحسب الشرع.
أما بحسب الشرع فلأن القرآن دل على أن الإنسان لا يخلو عن جمع من الملائكة يحفظونه ويراقبون أمره، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ كِرَامًا كَٰتِبِينَ ﴾ والعقل أيضاً يدل عليه، وذلك لأن الأرواح البشرية أنواع مختلفة، فبعضها أرواح خيرة عاقلة، وبعضها كدرة خبيثة، وبعضها شهوانية، وبعضها غضبية، ولكل طائفة من طوائف الأرواح البشرية السفلية روح علوي قوي يكون كالأب لتلك الأرواح البشرية، وتكون هذه الأرواح بالنسبة إلى ذلك الروح العلوي كالأبناء بالنسبة إلى الأب، وذلك الروح العلوي هو الذي يخصها بالإلهامات، تارة في اليقظة، وتارة في النوم.
وأيضاً الأرواح المفارقة عن أبدانها المشاكلة لهذه الأرواح في الصفات والطبيعة والخاصية.
يحصل لها نوع تعلق بهذا البدن بسبب المشاكلة والمجانسة، وتصير كالمعاونة لهذه الروح على أعمالها إن خيراً فخير وأن شراً فشر.
وإذا عرفت هذا السر فالإنسان لابد وأن يكون مصحوباً بتلك الأرواح المجانسة له، فقوله: سلام عليكم إشارة إلى تسليم هذا الشخص المخصوص على جميع الأرواح الملازمة المصاحبة إياه بسبب المصاحبة الروحانية.
ومن لطائف هذا الباب أن الأرواح الإنسانية إذا اتصفت بالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة، وقويت وتجردت، ثم قوي تعلق بعضها ببعض انعكس أنوارها بعضها على بعض على مثال المرآة المشرقة المتقابلة.
فلهذا السبب فإن من أراد أن يقرأ وظيفة على أستاذه فالأدب أن يبدأ بحمد الله والثناء على الملائكة الأنبياء، ثم يدعو لأستاذه ثم يشرع في القراءة، والمقصود منها أن يقوي التعلق بين روحه وبين هذه الأرواح المقدسة الطاهرة، حتى أن بسبب قوة ذلك التعلق ربما ظهر شيء من أنوارها وآثارها في روح هذا الطالب، فيستقر في عقله من الأنوار الفائضة منها، ويقوي روحه بمدد ذلك الفيض على إدراك المعارف والعلوم.
إذا عرفت هذا فإذا قال لغيره: سلام عليكم حدث بينهما تعلق شديد، وحصل بسبب ذلك التعلق تطابق الأرواح وتعاكس الأنوار، ولنكتف بهذا القدر في هذا الباب، فإنا قد ذكرنا أن هذا الفصل أجنبي عن هذا الكلام، والله أعلم.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ إنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ قال الواحدي: السكن في اللغة ما سكنت إليه، والمعنى: أن صلاتك عليهم توجب سكون نفوسهم إليك، وللمفسرين عبارات: قال ابن عباس رضي الله عنهما: دعاؤك رحمة لهم.
وقال قتادة: وقار لهم.
وقال الكلبي: طمأنينة لهم، وقال الفراء: إذا استغفرت لهم سكنت نفوسهم إلى أن الله تعالى قبل توبتهم.
وأقول: إن روح محمد عليه السلام كانت روحاً قوية مشرقة صافية باهرة، فإذا دعا محمد لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم، وانتقلوا من الظلمة إلى النور، ومن الجسمانية إلى الروحانية، وتقريره ما تقدم في المسألة الخامسة.
ثم قال: ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ لقولهم: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنياتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تُطَهّرُهُمْ ﴾ صفة لصدقة.
وقرئ: ﴿ تطهرهم ﴾ ، من أطهره بمعنى طهره.
و ﴿ تطهرهم ﴾ ، بالجزم جواباً للأمر.
ولم يقرأ ﴿ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ إلاّ بإثبات الياء.
والتاء في ﴿ تُطَهّرُهُمْ ﴾ للخطاب أو لغيبة المؤنث.
والتزكية: مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ ﴾ واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم، والسنّة أن يدعو المصدق لصاحب الصدقة إذا أخذها.
وعن الشافعي رحمه الله: أحب أن يقول الوالي عند أخذ الصدقة: أجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت.
وقرئ: ﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد ﴿ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ يسمع اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما في ضمائرهم، والغمّ من الندم لما فرط منهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا فَقالَ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا» فَنَزَلَتْ.
﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ أوْ حُبِّ المالِ المُؤَدِّي بِهِمْ إلى مِثْلِهِ.
وقُرِئَ « تَطَهَّرَهم» مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ و « تُطَهِّرْهم» بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ.
﴿ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ وتُنَمِّي بِها حَسَناتِهِمْ وتَرْفَعُهم إلى مَنازِلِ المُخْلِصِينَ.
﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم.
﴿ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ تَسْكُنُ إلَيْها نُفُوسُهم وتَطْمَئِنُّ بِها قُلُوبُهم، وجَمَعَها لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتَّوْحِيدِ.
﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ بِاعْتِرافِهِمْ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنَدامَتِهِمْ.
﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمَتُوبِ عَلَيْهِمْ والمُرادُ أنْ يُمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ والِاعْتِدادَ بِصَدَقاتِهِمْ، أوْ لِغَيْرِهِمْ والمُرادُ بِهِ التَّحْضِيضُ عَلَيْهِما.
﴿ أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ إذا صَحَّتْ وتَعْدِيَتُهُ بِـ ﴿ عَنْ ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجاوُزِ.
﴿ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ﴾ يَقْبَلُها قَبُولَ مَن يَأْخُذُ شَيْئًا لِيُؤَدِّيَ بَدَلَهُ.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ وأنَّ مِن شَأْنِهِ قَبُولَ تَوْبَةِ التّائِبِينَ والتَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)
{خذ من أموالهم صدقة} كفارة لذنبوهم وقيل هي الزكاة
{تُطَهِّرُهُمْ} عن الذنوب وهو صفة لصدقة والتاءللخطاب أو لغيبة المؤنث والتاء في {وَتُزَكِّيهِمْ} للخطاب لا محالة {بِهَا} بالصدقة والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه أو بمعنى الإنماء والبركة في المال {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم والسنة أن يدعوا المصدق لصاحب الصدقة إذا أخذها {إن صلاتك} صلاتك كوفي غير أبي بكر قيل الصلاة أكثر من الصلوات لانها للجنس {سَكَنٌ لَّهُمْ} يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم {والله سَمِيعٌ} لدعائك أو سميع لاعترافهم بذنبوهم ودعائهم {عَلِيمٌ} بما في ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم
﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا انْطَلَقُوا فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ فَأخَذَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنها الثُّلُثَ» كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ، فَلَيْسَ المُرادُ مِنَ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ أعْنِي الزَّكاةَ لِكَوْنِها مَأْمُورًا بِها وإنَّما هي عَلى ما قِيلَ كَفّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ أيْ عَمّا تَطَلَّخُوا بِهِ مِن أوْضارِ التَّخَلُّفِ وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ المُرادَ بِها الزَّكاةُ وأمَرَ بِأخْذِها هُنا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إلْحاقِهِمْ بِبَعْضِ المُنافِقِينَ فَإنَّها لَمْ تَكُنْ تُقْبَلُ مِنهُ كَما عَلِمْتَ وأمْرُ التَّطْهِيرِ سَهْلٌ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ أمْوالِهِمْ لِهَؤُلاءِ المُعْتَرِفِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الثّانِي راجِعٌ لِأرْبابِ الأمْوالِ مُطْلَقًا، وجَمْعُ الأمْوالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الآخِذَ مِن سائِرِ أجْناسِ المالِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِخُذْ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (صَدَقَةً) والتّاءُ في تُطَهِّرُهم لِلْخِطابِ، وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والرَّفْعِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن فاعِلِ (خُذْ) أوْ صِفَةٌ لِصَدَقَةً بِتَقْدِيرِ بِها لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ الوَصْفِيَّةِ أنْ تَكُونَ التّاءُ لِلْغَيْبَةِ وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ لِلصَّدَقَةِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى بِها.
وقُرِئَ تُطْهِرُهم مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ ﴿ وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ بِإثْباتِ الياءِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الأمْرِ أوْ في جَوابِهِ وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها أيْ تُنَمِّي بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ حَسَناتِهِمْ وأمْوالَهم أوْ تُبالِغُ في تَطْهِيرِهِمْ وكَوْنُ المُرادِ تَرَفُّعُ مَنازِلِهِمْ مِن مَنازِلِ المُنافِقِينَ إلى مَنازِلِ الأبْرارِ المُخْلِصِينَ ظاهِرٌ في أنَّ القَوْمَ كانُوا مُنافِقِينَ والمُصَحِّحَ خِلافُهُ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ في (تُطَهِّرُهُمْ) وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَتُزَكِّيهِمْ عَطْفٌ عَلَيْهِ وظاهِرُ ما في الكَشّافِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التّاءَ هُنا لِلْخِطابِ لا غَيْرُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (بِها) والحَمْلُ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ تُزَكِّيهِمْ بِنَفْسِها بَعِيدٌ عَنْ فَصاحَةِ التَّنْزِيلِ.
وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ (تُزَكِّهِمْ) بِدُونِ الياءِ ﴿ وصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ أيِ ادْعُ لَهم واسْتَغْفِرْ وعُدِّيَ الفِعْلُ بِعَلى لِما فِيهِ مِن مَعْنى العَطْفِ لِأنَّهُ مِنَ الصَّلَوَيْنِ وإرادَةُ المَعْنى اللُّغَوِيِّ هُنا هو المُتَبادِرُ والحَمْلُ عَلى صَلاةِ المَيِّتِ بَعِيدٌ وإنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولِذا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ الدُّعاءِ لِمَن يَتَصَدَّقُ، واسْتَحَبَّ الشّافِعِيُّ في صِفَتِهِ أنْ يَقُولَ لِلْمُتَصَدِّقِ آجَرَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ وجَعَلَهُ لَكَ طُهُورًا وبارَكَ لَكَ فِيما أبْقَيْتَ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ عَلى الإمامِ الدُّعاءُ إذا أخَذَ وقِيلَ: يَجِبُ في صَدَقَةِ الفَرْضِ ويُسْتَحَبُّ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: يَجِبُ عَلى الإمامِ ويُسْتَحَبُّ لِلْفَقِيرِ والحَقُّ الِاسْتِحْبابُ مُطْلَقًا ﴿ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ والسَّكَنُ السُّكُونُ وما تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ مِنَ الأهْلِ والوَطَنِ مَثَلًا وعَلى الأوَّلِ جَعَلَ الصَّلاةَ نَفْسَ السَّكَنِ والِاطْمِئْنانَ مُبالَغَةً وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ تَشْبِيهَ صَلاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الِالتِجاءِ إلَيْها بِالسَّكَنِ والأوَّلُ أوْلى أيْ إنَّ دُعاءَكَ تَسْكُنُ نُفُوسُهم إلَيْهِ وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِهِ إلى الغايَةِ ويَثِقُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَبِلَهُمْ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ (صَلَواتِكَ) بِالجَمْعِ مُراعاةً لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ يَسْمَعُ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ والدُّعاءِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما في الضَّمائِرِ مِنَ النَّدَمِ والغَمِّ لِما فَرَطَ وبِالإخْلاصِ في التَّوْبَةِ والدُّعاءِ أوْ سَمِيعٌ يُجِيبُ دُعاءَكَ لَهم عَلِيمٌ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَذْلِيلٌ لِلتَّعْلِيلِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ وعَلى الأوَّلِ تَذْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الآيَتَيْنِ مُحَقِّقٌ لِما فِيهِما <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً، يعني: من الذين قبلت توبتهم، جاءوا بأموالهم إلى رسول الله فقالوا: هذه أموالنا فخذها، وتصدق بها عنا، فكره أن يأخذها، فنزل خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ بها من ذنوبهم، ويقال: هذا ابتداء، يعني: خذ من أموال المسلمين صدقة، يعني: الصدقة المفروضة.
تُطَهِّرُهُمْ، يعني: تطهر أموالهم، وَتُزَكِّيهِمْ بِها، يعني: تصلح بها أعمالهم.
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ، يعني: استغفر لهم وادع لهم إِنَّ صَلاتَكَ يعني دعاءك واستغفارك سَكَنٌ لَهُمْ يعني: طمأنينة لأن الله تعالى قد قبل منهم الصدقة، ويقال: إن الله قبل منهم التوبة.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم ولصدقاتهم، عَلِيمٌ بثوابهم.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر إِنَّ صلواتك بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون صَلاتَكَ وقال أبو عبيدة: وهذا أحبَ إليّ، لأن الصلاة أكثر من الصلوات.
ألا ترى إلى قول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [الأنعام: 72] وإنّما هي صلاة الأبد.
قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ، يعني: ويقبل الصدقات.
ومعناه: وما منعهم عن التوبة والصدقة، فكيف لم يتوبوا ولم يتصدقوا؟
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله هو يقبل التوبة عن عباده والصدقة؟
وروى أبو هريرة، عن رسول الله أنه قال: «إن الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ طَيِّبٍ، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَصِيلَهُ أوْ مُهْرَهُ، حَتَّى تَكُونَ اللُّقْمَةُ مِثْلَ أحُدٍ» (١) (١) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (1410) ومسلم (1014) والترمذي (661) والنسائي: 5/ 57 وأحمد 2/ 382، 419، 538 وابن ماجة (1842) .
<div class="verse-tafsir"
الأَعْرَابِ، وهي عامَّة في الأُمة إلى يَوْمِ القِيَامَةِ «١» .
قال أبو عثمان: ما في القرآن آيةٌ أرجى عندي لهذه الأمة منْها «٢» .
وقال مجاهد: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبي لُبَابَةَ الأنصاريِّ خاصَّةً في شأنه مع بني قُرَيْظَةَ لَمَّا أَشَارَ لَهُمْ إلى حَلْقِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَرَبَطَ نفسه في ساريَةٍ من سَوَارِي المَسْجِد «٣» ، وقالتْ فرقة عظيمةٌ: بل نزلَتْ هذه الآيةُ في شَأن المخلَّفين عن غزوة تَبُوك.
ت: وخَرَّجَ «البخاريُّ» بسنده عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أَتَاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فابتعثاني فانتهينا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ.
وَشَطْرٌ كَأَقْبَح مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالاَ لَهُمْ: اذهبوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُم رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَن صُورَةٍ، قَالاَ لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالاَ: أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، فتجاوز الله عنهم» .
انتهى «٤» .
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
وقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ...
الآية: رُوي أن الجماعة التائبة لَمَّا تِيبَ عليهَا، قالوا: يا رسُولَ اللَّه إِنَّا نُرِيدُ أن نتصدَّق بأموالنا زيادةً في تَوْبَتِنا، فقال لهم صلّى الله عليه وسلّم: «إِنِّي لاَ أَعْرِضُ لأَمْوَالِكُمْ إِلاَّ بَأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ» «٥» ، فَتَرَكَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فَهُمُ المراد بها، فروي أنه صلّى الله عليه وسلّم أخذ ثلث أموالِهِمْ، مراعاةً لقوله تعالى: مِنْ أَمْوالِهِمْ،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «لَمّا تابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا، فَقالَ: "ما أُمِرْتُ أنَّ آَخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» "وَفِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الصَّدَقَةُ الَّتِي بَذَلُوها تَطَوُّعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: الزَّكاةُ،، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ "تُطَهِّرُهم بِها" بِجَزْمِ الرّاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "تُطَهِّرُهُمْ" نَعْتًا لَلصَّدَقَةِ، كَأنَّهُ قالَ: خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهَّرَةً.
والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ لَلنَّبِيِّ ، المَعْنى: فَإنَّكَ تُطَهِّرُهم بِها فِـ تُطَهِّرْهم.
بِالجَزْمِ، عَلى جَوابِ الأمْرِ، المَعْنى: إنْ تَأْخُذْ مِن أمْوالِهِمْ، تُطَهِّرْهم.
ولا يَجُوزُ في "تُزَكِّيهِمْ" إلّا إثْباتُ الياءِ، اتِّباعًا لَلْمُصْحَفِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تُطَهِّرُهُمْ" مِنَ الذُّنُوبِ، "وَتُزَكِّيهِمْ": تُصْلِحُهم.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَغْفِرْ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ادْعُ لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: " إنَّ صَلَواتِك " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "إنَّ صَلَواتِكَ" عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "إنَّ صَلاتَكَ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: طُمَأْنِينَةٌ لَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ مِنهم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَثْبِيتٌ وسُكُونٌ.
والثّانِي: رَحْمَةٌ لَهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: قُرْبَةٌ لَهم، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: وقارٌ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: تَزْكِيَةٌ لَهم، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: وهَؤُلاءِ سِوى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ المَعْنى: ومِن هَذِهِ الطَوائِفِ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو عُثْمانَ: هي في الأعْرابِ، وهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فِيمَن لَهُ أعْمالٌ صالِحَةٌ وسَيِّئَةٌ، فَهي آيَةٌ تَرَجٍّ عَلى هَذا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ هَذا عن حَجّاجِ بْنِ أبِي زَيْنَبَ قالَ: سَمِعْتُ أبا عُثْمانَ يَقُولُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ الأنْصارِيِّ خاصَّةً في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ كَلَّمَهم في النُزُولِ عَلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ، وأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ يُرِيدُ أنَّ النَبِيَّ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتُضِحَ تابَ ونَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللهُ عنهُ أو يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللهُ عنهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ بِحَلِّهِ، ذَكَرَ هَذا الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في كِتابِ السِيَرِ أوعَبَ وأتْقَنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ المُتَخَلِّفِينَ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكانَ "عَمَلُهُمُ السَيِّئُ" التَخَلُّفَ بِإجْماعٍ مِن أهْلٍ هَذِهِ المَقالَةِ، واخْتَلَفُوا في "الصالِحِ" فَقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: الِاعْتِرافُ والتَوْبَةُ والنَدَمُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ "الصالِحُ" غَزْوُهم فِيما سَلَفَ مِن غَزْوِ النَبِيِّ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ في عَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ رَبَطَ مِنهم أنْفُسَهم سَبْعَةٌ، وبَقِيَ الثَلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا دُونَ رَبْطٍ المَذْكُورُونَ بَعْدَ هَذا، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانُوا ثَمانِيَةً مِنهم كَرَدْمُ، ومِرْداسٌ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: كانُوا سَبْعَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وفِرْقَةٌ: كانُوا خَمْسَةً، وكُلُّهم قالَ: كانَ فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ، وذَكَرَ قَتادَةُ فِيهِمُ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وهو -فِيما أعْلَمُ- وهْمٌ لِأنَّ الجِدَّ لَمْ يَكُنْ تُرْوَ لَهُ تَوْبَةٌ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "وَآخَرَ" فَهو بِمَعْنى "بِآخَرَ" وهُما مُتَقارِبانِ.
و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ.
ورُوِيَ في خَبَرِ الَّذِينَ رَبَطُوا أنْفُسَهم «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا دَخَلَ المَسْجِدَ فَرَآهم قالَ: "ما بالُ هَؤُلاءِ؟" فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم تابُوا وأقْسَمُوا ألّا يَنْحَلُّوا حَتّى يَحُلَّهم رَسُولُ اللهِ ويَعْذُرَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "وَأنا واللهِ لا أحُلُّهم ولا أعْذُرُهم إلّا أنْ يَأْمُرَنِي اللهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا عَنِّي وتَرَكُوا جِهادَ الكُفّارِ مَعَ المُؤْمِنِينَ"»، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ أبا لُبابَةَ والجَماعَةَ التائِبَةَ الَّتِي رَبَطَتْ أنْفُسَها وهي المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ جاءَتْ رَسُولَ اللهِ لَمّا تِيبَ عَلَيْها فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنّا نُرِيدُ أنْ نَتَصَدَّقَ بِأمْوالِنا زِيادَةً في تَوْبَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "إنِّي لا أعْرِضُ لِأمْوالِكم إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللهِ"، فَتَرَكَهم حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» فَهُمُ المُرادُ بِها، فَرُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ أخَذَ ثُلُثَ أمْوالِهِمْ مُراعاةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ ، فَهَذا هو الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُتَأوِّلِينَ، ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.
وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ ضَمِيرُهُ لِجَمِيعِ الناسِ، وهو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ إذْ يَخْرُجُ مِنَ الأمْوالِ الأنْواعُ الَّتِي لا زَكاةَ فِيها كالثِيابِ والرُباعِ ونَحْوِهِ، والضَمِيرُ الَّذِي في "أمْوالِهِمْ" أيْضًا كَذَلِكَ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ خُصُوصٌ إذْ يَخْرُجُ مِنهُ العَبِيدُ وسِواهُمْ، وقَوْلُهُ: "صَدَقَةً" مُجْمَلٌ يَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الإمامَ يَتَوَلّى أخْذَ الصَدَقاتِ ويَنْظُرُ فِيها، و"مِن" في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، هَذا أقْوى وُجُوهِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ أحْسَنُ ما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأفْعالُ مُسْنَدَةً إلى ضَمِيرِ النَبِيِّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "خُذْ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِفَةِ الصَدَقَةِ، وهَذا مُتَرَجِّحٌ بِحَسَبِ رَفْعِ الفِعْلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ "بِها" أيْ: بِنَفْسِها، أيْ: يَقَعُ تَطْهِيرُهم مِن ذُنُوبِهِمْ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُطَهِّرُهُمْ" صِفَةً "لِلصَّدَقَةِ"، و"تُزَكِّيهِمْ" مُسْنَدًا إلى النَبِيِّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصَدَقَةِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ لِأنَّها حالُ نَكِرَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ "تُطَهِّرُهُمْ" مِن صِفَةِ الصَدَقَةِ، وقَوْلُهُ: "وَتُزَكِّيهِمْ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "خُذْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ لِمَكانِ واوِ العَطْفِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَقَدَّرُ: "خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهِّرَةً ومُزَكِّيًا بِها"، وهَذا فاسِدُ المَعْنى، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ واوُ العَطْفِ جازَ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تُطْهِرْهُمْ" بِسُكُونِ الطاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ مَعْناهُ: ادْعُ لَهم فَإنَّ في دُعائِكَ لَهم سُكُونًا لِأنْفُسِهِمْ وَطُمَأْنِينَةً ووَقارًا، فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن صَلاحِ المُعْتَقَدِ.
وحَكى مَكِّيٌّ، والنَحّاسُ، وغَيْرُهُما أنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وهْمٌ بَعِيدٌ، وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ لَهم حُكْمُ الكافِرِينَ، وهَذِهِ في التائِبِينَ مِنَ التَخَلُّفِ الَّذِينَ لَهم حُكْمُ المُؤْمِنِينَ، فَلا تَناسُخَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "إنَّ صَلَواتِكَ" بِالجَمْعِ، وكَذَلِكَ في "هُودٍ" وفي "المُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنَّ صَلاتَكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ في "هُودٍ" وفي "المُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ عاصِمٌ في "المُؤْمِنَيْنِ" وحْدَها جَمْعًا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في سُورَةِ "الأنْعامِ" و"سَألَ سائِلٌ"، وهو مَصْدَرٌ أفْرَدَتْهُ فِرْقَةٌ وجَمَعَتْهُ فِرْقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: سَمِيعٌ أيْ: لِدُعائِكَ، عَلِيمٌ أيْ بِمَن يَهْدِي ويَتُوبُ عَلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقْتَضِيهِ هاتانِ الصِفَتانِ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الدُعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ : رَحْمَةٌ لَهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ أيْ: وقارٌ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما مَعْناهُ أنَّ مَن يَدْعُو لَهُ النَبِيُّ فَإنَّهُ تَطِيبُ نَفْسُهُ ويَقْوى رَجاؤُهُ، ويُرْوى أنَّهُ قَدْ صَحَّتْ وسِيلَتُهُ إلى اللهِ تَعالى وهَذا بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
لما كان من شرط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما فات وكان التخلف عن الغزو مشتملاً على أمرين هما عدم المشاركة في الجهاد، وعدم إنفاق المال في الجهاد، جاء في هذه الآية إرشاد لطريق تداركهم ما يُمكن تَدَارُكه مما فات وهو نفع المسلمين بالمال، فالانفاقُ العظيم على غزوة تُبوك استنفد المال المعد لنوائب المسلمين، فإذا أخذ من المخلفين شيء من المال انجبر به بعض الثلم الذي حلّ بمال المسلمين.
فهذا وجه مناسبة ذكر هذه الآية عقب التي قبلها.
وقد روي أن الذين اعترفوا بذنوبهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك خذها فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا، فقال لهم: لم أومر بأن آخذ من أموالكم.
حتى نزلت هذه الآية فأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم صدقاتهم، فالضمير عائد على آخرين اعترفوا بذنوبهم.
والتاء في ﴿ تطهّرهم ﴾ تحتمل أن تكون تاء الخطاب نظراً لقوله: ﴿ خذ ﴾ ، وأن تكون تاء الغائبة عائدة إلى الصدقة.
وأيّاماً كان فالآية دالة على أن الصدقة تطهر وتزكي.
والتزكية: جعل الشيء زكياً، أي كثير الخيرات.
فقوله: ﴿ تطهرهم ﴾ إشارة إلى مقام التخلية عن السيئات.
وقوله: ﴿ تزكيهم ﴾ إشارة إلى مقام التحلية بالفضائل والحسنات.
ولا جرم أن التخلية مقدمة على التحلية.
فالمعنى أن هذه الصدقة كفارة لذنوبهم ومجلبة للثواب العظيم.
والصلاة عليهم: الدعاء لهم.
وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وصلوات الرسول ﴾ [التوبة: 99].
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إذا جاءه أحد بصدقته يقول: اللهم صل على آل فلان.
كما ورد في حديث عبد الله بن أبي أوفى يجمع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه في هذا الشأن بين معنى الصلاة وبين لفظها فكان يُسْأل من الله تعالى أن يصلي على المتصدِق.
والصلاة من الله الرحمة، ومن النبي الدعاء.
وجملة: ﴿ إن صلواتك سكن لهم ﴾ تعليل للأمر بالصلاة عليهم بأن دعاءه سكن لهم، أي سبب سَكَن لهم، أي خير.
فإطلاق السكن على هذا الدعاء مجاز مرسل.
والسكن: بفتحتين ما يُسكَن إليه، أي يُطمأن إليه ويُرتاح به.
وهو مشتق من السكون بالمعنى المجازي، وهو سكون النفس، أي سلامتها من الخوف ونحوه، لأن الخوف يوجب كثرة الحذر واضطراب الرأي فتكون النفس كأنها غير مستقرة، ولذلك سمي ذلك قلقاً لأن القلق كثرة التحرك.
وقال تعالى: ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ [الأنعام: 96] وقال: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكَناً ﴾ [النحل: 80]، ومن أسماء الزوجة السكن، أو لأن دعاءه لهم يزيد نفوسهم صلاحاً وسكوناً إلى الصالحات لأن المعصية تردد واضطراب، كما قال تعالى: ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ [التوبة: 45]، والطاعة اطمئنان ويقين، كما قال تعالى: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ [الرعد: 28].
وجملة: ﴿ والله سميع عليم ﴾ تذييل مناسب للأمر بالدعاء لهم.
والمراد بالسميع هنا المجيب للدعاء.
وذكره للإشارة إلى قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ففيه إيماء إلى التنويه بدعائه.
وذكر العليم إيماء إلى أنه ما أمره بالدعاء لهم إلا لأن في دعائه لهم خيراً عظيماً وصلاحاً في الأمور.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر ويعقوب ﴿ صلواتِك ﴾ بصيغة الجمع.
وقرأه حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ﴿ صلاتك ﴾ بصيغة الإفراد.
والقراءتان سواء، لأن المقصود جنس صلاته عليه الصلاة والسلام.
فمن قرأ بالجمع أفاد جميع أفراد الجنس بالمطابقة لأن الجمع المعرف بالإضافة يعم، ومن قرأ بالإفراد فهمت أفراد الجنس بالالتزام.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ في أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآيَةَ.
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ مِنّا صَدَقَةَ أمْوالِنا لِتُطَهِّرَنا وتُزَكِّيَنا، قالَ: لا أفْعَلُ حَتّى أُؤْمَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّدَقَةُ الَّتِي بَذَلُوها مِن أمْوالِهِمْ تَطَوُّعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها الزَّكاةُ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ تَعالى في أمْوالِهِمْ فَرْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ لِأنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في الأمْوالِ كُلِّها وإنَّما تَجِبُ في بَعْضِها.
﴿ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ أيْ تُطَهِّرُ ذُنُوبَهم وتُزَكِّي أعْمالَهم.
﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ادْعُ لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قُرْبَةٌ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ.
الثّانِي: رَحْمَةٌ لَهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: وقارٌ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: تَثَبُّتٌ لَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الخامِسُ: أمْنٌ لَهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: يا جارَةَ الحَيِّ كُنْتِ لِي سَكَنًا إذْ لَيْسَ بَعْضُ الجِيرانِ بِالسَّكَنِ وَفِي الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ والدُّعاءِ لَهم عِنْدَ أخْذِ الصَّدَقَةِ مِنهم سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَجِبُ عَلى الآخِذِ الدُّعاءُ لِلْمُعْطِي اعْتِبارًا بِظاهِرِ الأمْرِ.
الثّانِي: لا يَجِبُ ولَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِأنَّ جَزاءَها عَلى اللَّهِ تَعالى لا عَلى الآخِذِ.
والثّالِثُ: إنْ كانَتْ تَطَوُّعًا وجَبَ عَلى الآخِذِ الدُّعاءُ، وإنْ كانَتْ فَرْضًا اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.
والرّابِعُ: إنْ كانَ آخِذُها الوالِي اسْتُحِبَّ لَهُ الدُّعاءُ ولَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ آخِذُها الفَقِيرَ وجَبَ عَلَيْهِ الدُّعاءُ لَهُ، لِأنَّ الحَقَّ في دَفْعِها إلى الوالِي مُعَيَّنٌ، وإلى الفَقِيرِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.
والخامِسُ: إنْ كانَ آخِذُها الوالِيَ وجَبَ، وإنْ كانَ الفَقِيرَ اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.
لِأنَّهُ دَفْعَها إلى الوالِي إظْهارُ طاعَةٍ فَقُوبِلَ عَلَيْها بِالشُّكْرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الفَقِيرُ.
والسّادِسُ: إنْ سَألَ الدّافِعُ الدُّعاءَ وجَبَ، وإنْ لَمْ يَسْألِ اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.
رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ بِصَدَقاتِ قَوْمِي فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ، فَقالَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى) .» <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ﴾ قال: من ذنوبهم التي أصابوا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وصل عليهم ﴾ قال: استغفر لهم من ذنوبهم التي أصابوها ﴿ إن صلواتك سكن لهم ﴾ قال: رحمة لهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وصل عليهم ﴾ يقول: ادع لهم ﴿ إن صلواتك سكن لهم ﴾ قال: استغفارك يسكن قلوبهم ويطمن لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قال: اللهمَّ صل على آل فلان.
فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفي» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ سكن لهم ﴾ قال: أمن لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبدالله قال: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له امرأتي: يا رسول الله صل علي وعلى زوجي.
فقال «صلى الله عليك وعلى زوجك» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن خارجة بن زيد عن عمه يزيد بن ثابت- وكان أكبر من زيد- قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه فقالوا: فلانة.
فعرفها فقال «أفلا آذنتموني بها؟
قالوا: كنت قائلاً فكرهنا أن نؤذيك.
فقال: لا تفعلوا.
ما مات منكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه رحمة» .
وأخرج الباوردي في معرفة الصحابة وابن مردويه عن دلسم السدوسي قال: قلنا لبشير بن الخصاصية: إن أصحاب الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟
فقال: إذا جاؤوكم فاجمعوها ثم مروهم فليصلوا عليكم، ثم تلا هذه الآية ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ ، قال المفسرون: (لما عذر رسول الله هؤلاء وأطلقهم قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال رسول الله : "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا" فأنزل الله هذه الآية (١) ثلث أموالهم وترك الثلثين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ ولم يقل (٢) (٣) قال الحسن: (هذه الصدقة هي كفارة الذنوب التي أصابوها وليست بالزكاة المفروضة) (٤) (٥) (٦) (٧) والإمام أولى بأن يتولى أخذ الصدقات [ومعنى الجمع في الأموال يقتضي أنه يأخذ بعض كل صنف من المال: الثمار والمواشي والنقود.
وقوله] (٨) ﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: تطهرهم من الذنوب) (٩) (١٠) ﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ \[نعتاً للصدقة كأنه قال خذ من أموالهم صدقة مطهرة، والأجود أن يكون ﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ \] (١١) ؛ المعنى خذ من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم بها) (١٢) قال أبو علي: (من جعل (التاء) في ﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ ضمير الصدقة ولم يجعله ضمير (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ أثبت طهارة الحكم للمسلمين بالصدقة، وعلى هذا الوجه في ﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ تجعل: ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ \[منقطعًا عن الأول، أي: وأنت تزكيهم بها\] (٢٠) ﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ ضمير المخاطب، ويكون المعنى: تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها (٢١) ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ لأن قوله: (تزكي) للآخذ (٢٢) (٢٣) وقوله: ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ أي: ترفعهم بهذه الصدقة من منازل المنافقين (٢٤) (٢٥) (٢٦) ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قال يريد: (ادع لهم) (٢٧) (٢٨) -: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٢٩) (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ وقرئ (صلاتك) على واحدة (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال أبو حاتم: (من زعم أن الجمع بالتاء تقليل فقد غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾ ، لم يرد القليل) (٣٦) قال أبو علي الفارسي: (الصلاة مصدر يقع على الجميع والمفرد بلفظ واحد كقوله سبحانه: ﴿ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ [فإذا اختلفت جاز أن يُجمع لاختلاف ضروبه كما قال: ﴿ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ ] (٣٧) ﴿ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [[[البقرة: 43، 83، 110، النساء: 77، يونس: 87، النور: 56، الروم: 31، المزمل: 20].]] والمصدر إذا سمي به صار (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) ﴿ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ ﴾ فأن يجمع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر) (٤٢) وقال بعضهم: (الصلوات) في هذه السورة وفي هود (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) ﴿ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ﴾ (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ السكن في اللغة: ما سكنت إليه، فالمعنى: إن دعواتك مما تسكن إليه نفوسهم، قال ابن عباس: (يريد: دعاؤك رحمة لهم) (٥١) (٥٢) وقال الكلبي: (طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم) (٥٣) وقال الكفراء: (استغفر لهم؛ فإن استغفارك لهم تسكن إليه قلوبهم، وتطمئن بأن قد تاب الله عليهم) (٥٤) وقوله (٥٥) ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لقولهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بندامتهم ورجوعهم.
(١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 16 - 18، وابن أبي حاتم 6/ 1874 - 1875، والثعلبي 6/ 144 أ، والبغوي 4/ 90، وأسباب النزول للمؤلف ص 258.
(٢) في (ى): (ولم يقل خذ)، والمثبت موافق لتفسير الثعلبي.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 145 أ، والبغوي 4/ 91، وروى نحوه مطولاً عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 286، وابن جرير في "تفسيره" 11/ 15 عن الزهري لكنه مرسل.
(٤) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 177، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 522.
(٥) انظر قوله في: "تفسير الثعلبي" 6/ 145 ب، والبغوي 4/ 92.
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 398، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 496، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 522، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 244.
(٧) انظر: "أحكام القرآن" للإمام الشافعي 1/ 120، و"فقه الزكاة" للقرضاوي 1/ 24.
(٨) ما بين المعقوفين بياض في (ح).
(٩) "زاد المسير" 3/ 496، و"تنوير المقباس" ص 203.
(١٠) في (ى): (يجوز)، وما أثبته موافق للمصدر.
(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 467.
(١٣) في (ى): (ضمير الصدقة)، وهو وهم من الناسخ.
(١٤) وذلك في الحديث الذي رواه مسلم (1072)، كتاب: الزكاة، باب: ترك استعمال آل النبي على الصدقة، ولفظه: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
(١٥) في"الحجة": كالرفع.
والمعنيان متقاربان، وقد اعتمد الرازي المعنى الذي ذكره المحؤلف فقال: (وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس، فإذا أخذت الصدقة اندفعت تلك الأوساخ، فكان اندفاعها جاريًا مجرى التطهير).
تفسير الرازي 16/ 179، والرازي كثير الاعتماد على "البسيط"، وعبارته تؤكد أن الواحدي أراد الدفع وليس الرفع.
(١٦) في "الحجة": (ورفعه)، وانظر التعليق السابق.
(١٧) أهـ.
كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 2/ 324.
(١٨) في (ح): (من).
(١٩) السياق يقتضي أن يقول: (فكما).
(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢١) في (ح): (بما تأخذها).
(٢٢) في (ح): (الآخذ).
(٢٣) في (ح): (الانفصال)، وهو خطأ.
(٢٤) لم يثبت أن هؤلاء كانوا منافقين، بل من عصاة المؤمنين، كما أخبر الله عنهم بقوله في الآية السابقة ﴿ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ﴾ وليس في قول ابن عباس المذكور ما يؤيد ما ذكره المؤلف.
(٢٥) في (ح): (نبيهم)، وهو خطأ.
(٢٦) لم أجد من ذكره، ولفظ الأثر ومعناه غير متوافق مع الآية، وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 496 عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾ قال: (تصلحهم).
(٢٧) رواه بمعناه ابن جرير 11/ 16، 17، 18، وابن أبي حاتم 6/ 1876.
(٢٨) روى أبو داود (1583)، كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة، حديثًا طويلًا في الزكاة، وفيه: (فأمر رسول الله - - بقبضها -يعني زكاة ماله- ودعا له في ماله بالبركة).
(٢٩) هو: عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي، صحابي شهد الحديبية وعُمّر بعد النبي - -، مات سنة 87 هـ وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة.
انظر: "الإصابة" 2/ 279، و"تقريب التهذيب" 296 (3219) (٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٣١) رواه البخاري (1497)، كتاب: الزكاة، باب: صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، ومسلم (1078)، كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته.
(٣٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم (إن صلاتك) بالتوحيد، وقرأ الباقون (إن صلواتك) بالجمع، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 166، و"تقريب النشر" ص 121.
(٣٣) في (ى): (أبو عبيدة)، وهو خطأ.
(٣٤) في (ح): (أربع صلوات)، وهذه الزيادة ليست في المصدر التالي.
(٣٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 145 ب.
(٣٦) انظر: المصدر السابق، نفس الموضوع.
(٣٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٣٨) في (ى): (جاز)، وهو خطأ.
(٣٩) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي التذكير، وقد تصرف الواحدي في عبارة أبي علي ونصها: (وحسن ذلك جمعها حيث جمعت لأنه صار بالتسمية بها وكثرة الاستعمال لها كالخارجة عن ..) الخ.
(٤٠) ساقط من (ح).
(٤١) في (ح): (اجتمعت)، وهو خطأ.
(٤٢) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 214، 215 باختصار وتصرف.
(٤٣) يعني قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ ﴾ .
(٤٤) في (ى): المؤمنون، وما أثبته موافق للمصدر التالي، والمقصود قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ .
(٤٥) ساقط من (ى).
(٤٦) يعني قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ .
(٤٧) في (ح): (إحدى).
(٤٨) في (ح): (لكثرة).
(٤٩) في (ح): (للتقليل).
(٥٠) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 217 ولم يعين القائل.
(٥١) رواه مختصرًا دون قوله (دعاؤك) ابن جرير 11/ 18، وابن أبي حاتم 6/ 1876، والثعلبي 6/ 145 ب، ورواه بلفظ المؤلف البغوي في "تفسيره" 4/ 91.
(٥٢) رواه ابن جرير 11/ 18، وابن أبي حاتم 6/ 1876، والثعلبي 6/ 145 ب.
(٥٣) الثعلبي 4/ 145 ب، وابن الجوزي 3/ 496، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 522.
(٥٤) "معاني القرآن" 1/ 451.
(٥٥) من (م).
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ أي اجترأوا عليه وقيل: أقاموا عليه ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله، فالثانية منهما عذاب القبر، والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل: بفضيحتهم بالنفاق ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية: قيل: إنها نزلت في أبي لبابة الأنصاري فعمله الصالح الجهاد وعمله السيء نصيحته لبني قريظة، وقيل: هو لمن تخلف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم، وعملهم السيىء تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.
قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله؛ إنا نريد أن نتصدق بأموالنا.
فنزلت هذه الآية.
وأخذ ثلث أموالهم.
وقيل: هي الزكاة المفروضة، فالضمير على العموم لجميع المسلمين ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ أي ادع لهم ﴿ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ أي تسكن به نفوسهم، فهو عبارة عن صحة الاعتقاد، أو عن طمأنينة نفوسهم إذ علموا أن الله تاب عليهم.
﴿ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ الضمير في يعلموا للتائبين من التخلف.
وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا، وقيل عام.
وفائدة الضمير المؤكد تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ قيل: معناه يأمر بها، وقيل: هم الذين بنوا مسجد الضرار، وقرئ مرجئون بالهمز وتركه وهما لغتان ومعناه التأخير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.
والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.
﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.
﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.
الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.
﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.
الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.
الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.
﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.
الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.
الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: { م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.
وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.
والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.
قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله عنهم بأنه رضي عنهم.
ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.
قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.
وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.
وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.
وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله وما كان بينهم؟
فقال لي: إن الله قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.
قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟
قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟
أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.
قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.
ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.
فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.
ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.
روى السدي عن أبي مالك أنه قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.
وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.
وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.
وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.
وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.
وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.
﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.
قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.
ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.
و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.
وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.
وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.
عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله وأصحابه في الجهاد.
روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.
وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقنا ويعذرنا.
فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.
فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.
فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.
والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.
﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.
وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.
لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.
وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.
ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.
قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.
وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.
وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.
وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.
ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.
ثم قال ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.
وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.
ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.
وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.
وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.
وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.
قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.
قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.
وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.
فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.
وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.
وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.
قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟
ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟
وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟
﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟
احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.
ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.
روي أن رسول الله لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.
وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.
وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.
وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.
وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.
وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.
ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.
والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.
وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.
ولا شك أن رؤية الله شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.
أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.
واعلم أنه قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.
وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.
وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.
وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.
وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.
قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.
ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.
في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.
وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.
واعلم أنه حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.
وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.
وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.
وقال الأكثرون: إنه الإعداد.
والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.
ثم أخبر الله عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.
قال المفسرون.
إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.
فقال رسول الله : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.
فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.
وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.
ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.
ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟
قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.
واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله عن المسجد الذي أسس على التقوى.
فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.
وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.
وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.
وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.
ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.
وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.
"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟
فسكت القوم.
ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.
فقال : أترضون بالقضاء؟
قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟
قالوا: نعم.
قال: أتشكرون في الرخاء؟
قالوا: نعم.
فقال : مؤمنون ورب الكعبة.
فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟
فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.
فتلا النبي : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.
ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.
ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.
والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.
قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.
وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.
ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.
والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.
قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.
وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .
﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان { م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.
﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.
فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.
﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.
﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.
﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.
﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.
﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.
﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.
﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.
ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ اختلف في هذه الصدقة التي أمر الله رسوله بأخذها من أموالهم: قال بعضهم: هي صدقة فريضة، ثم اختلف فيها أية فريضة هي؟
فقال بعضهم: فريضة زكاة الأموال.
وقال بعضهم: هي فريضة كفارة المآثم، وذلك أن أولئك الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك ندموا على تخلفهم، فلما رجع رسول الله جاءوا بأموالهم فقالوا له: تصدق بأموالنا عنا؛ فإن أموالنا هي التي خلفتنا عنك، فأمر الله رسوله أن يأخذ منهم ذلك ويتصدق به كفارة لما ارتكبوا.
ومن قال: هي فريضة زكاة المال؛ لما روي عن أبي أمامة [قال]: "إن ثعلبة بن حاطب أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال رسول الله: ويحك يا ثعلبة!
قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: ويحك يا ثعلبة!
أما [ترضى أن تكون مثل] رسول الله لو سألت الله أن يسيل الجبال علي ذهباً لسالت، ثم أتاه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، فوالله لو أتاني مالاً لأوتين كل ذي حق حقه.
فدعا له فقال: اللهم ارزق ثعلبة مالاً ثلاث مرات، وذكر أنه اتخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت عليه أزقة المدينة، فتنحى بها، وكان يصلي الصلوات كلها مع رسول الله ويخرج إليها، ثم ضاقت عليه [بها] مراعي المدينة فتنحى بها فكان يصلي الظهر والعصر مع رسول الله ثم يتبعها، ثم تنحى بها، فكان يصلي الجمعة مع رسول الله ثم يتبعها، ثم بلغ أمره إلى أن ترك الجمعة والجماعات، فتنحى بها ويتلقى الركبان فيسألهم عن الخبر وعما أنزل على رسول الله [فأنزل الله]: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً...
﴾ الآية، فبعث رسول الله على الصدقة رجلين فكتب لهما فرائض [الصدقة]، وأمرهما أن يسعيا في الناس ويأخذا صدقاتهم، وأن يمرّا بثعلبة ورجل من بني سليم فيأخذا صدقاتهما، فخرجا بصدقات الناس، فمرا بالسلمى فأقراه كتاب رسول الله فأطاع بالصدقة، ومرّا بثعلبة فأقراه كتاب رسول الله ، فقال: والله ما أدري ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فإذا فرغتما فمرا بي حتى أرى رأيي، فلما فرغا من الناس مرّا به [فقال لهما مثل] مقالته الأولى، وقال: انطلقا فإني سألقى رسول الله، فأنزل الله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ " إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل أنها نزلت في شأن ثعلبة.
ومنهم من قال ما ذكرنا أنها نزلت في شأن أهل تبوك الذين تخلفوا عن رسول الله.
ومنهم من قال: الصدقة التي أمر الله رسوله أن يأخذها من أموالهم هي صدقة تطوع وتبرع، وهو ما ذكر أن رسول الله كان يحث الناس على الإنفاق في غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بكذا، وفلان بكذا، فأخذهم منهم، وفيه نزل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ﴾ .
ومنهم من قال: هو في كل صدقة تطوع، قلَت الصدقة أو كثرت، أمر رسوله أن يأخذ من أموالهم ما رأى لا يأخذ الكل؛ لأن أخذ الكل يحوجهم ويشغلهم عن جميع الطاعات والعبادات، ولكن أمر أن يأخذ قدراً منها وطائفة، مقدار ما يكفر ما ارتكبوا من المآثم.
وقوله: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ .
إن كانت صدقة الزكاة، فهي تطهر آثامهم وتزكي أخلاقهم حتى يتيسر عليهم إخراج الصدقة وأداؤها إلى أهلها، وإن كان صدقة كفارة لمن تخلف عن غزوة تبوك، فهي تكفر آثامهم التي لحقتهم بذلك ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾ .
قيل: وتصلحهم، وهو ظاهر.
وإن كانت صدقة تطوع فهي مما يطهرهم أيضاً، ويزكيهم؛ لما ينفي عنهم البخل، ويؤدي إلى الجود والكرم؛ ألا ترى أنه مدح من أعطى، وذم من بخل ومنع بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...
﴾ الآية ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: كان رسول الله إذا أتى أحد بصدقة دعا له ويستغفر، وكان لا يستغفر لأهل النفاق، وكانت قلوبهم تسكن وتطمئن باستغفار النبي؛ لما علموا بذلك أنهم ليسوا من أهل النفاق؛ هذا يحتمل.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله أمر رسوله أن يستغفر لهم ويصلي عليهم، ثم لا يحتمل أن يأمره بذلك فلا يفعل، أو يفعل فلا يجيبه، [فكانت قلوبهم تسكن] وتطمئن باستغفار النبي لهم لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، والله أعلم.
﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قد ذكرنا هذا غير مرة.
وفي قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾ دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد المتولي والعامل عليها سقطت عن أربابها، وإن لم تقع في أيدي الفقراء ولم تصل إليهم؛ لأن النبي كان لا يحل له الصدقة، ثم أخبر أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية.
وفيه استدلال لمحمد بن الحسن في الوقف؛ أن الوقف إذا وقف وأخرجه من يده وجعله في يد آخر ممن لا حق له في ذلك كان جائزاً، وكان وقفاً صحيحاً.
ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال، وكذلك مضت السنة من رسول الله في بعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعد: أبو بكر، وعمر، والأئمة الراشدون، وظهر العمل بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت، حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه الزكاة: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله حاربتهم عليها.
فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة الإمام أصحاب الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم.
وقد بين الله وجوب ذلك بياناً شافياً بقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ الآية، فجعل للعاملين عليها حقّاً، فلو لم يكن على الإمام أن يطالب بصدقات الأنعام في أماكنها، وكان أداء ذلك إلى أرباب الأموال؛ ما كان لذكر العاملين وجه، ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومن حمله منهم إلى الأئمة يقبلون ما يحمل إليهم منه، ولا يسألون أحداً عن مبلغ ملكه، ولا يطالبون به إلا ما كان من توجيه عمر العشار في الأطراف، وكان ذلك منه عندنا - والله أعلم - للتخفيف عمن بعد عن داره، وشق عليه أن يحمل صدقته إلى إمامه، فجعل في [كل] طرف من الأطراف عاشراً لتجار أهل الحرب والذمة، وأمره أن يأخذ من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه، وكان ذلك من عمر تخفيفاً على المسلمين؛ لأنه ليس على الإمام مطالبة أرباب الأموال بأموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة سوى المواشي والأنعام، فإن مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحد منهم الإمام بشيء من ذلك، فيقبله منه ولا يتعدى ما جرت به السنة إلى غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: قد علموا أن الله يقبل توبة من تاب.
ويحتمل على الأمر، أي: اعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده.
[و]يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ أي: قد علموا ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ ﴾ ممن تاب.
﴿ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، قيل: يقبل.
ويشبه إضافة الأخذ إلى نفسه إضافته إلى رسوله بقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ ، وذلك كثير في القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ قال أبو بكر الأصم: التواب هو صفة العافي، وهو اسم للتائب.
والتواب عندنا: هو الموفق للتوبة.
ثم الكافر إذا أسلم وتاب لم يلزم مع التوبة كفارة أخرى سوى التوبة، وإن كان ارتكب مساوئ وفواحش سوى الشرك والكفر، والمسلم إذا ارتكب مساوئ لزمته التوبة والكفارة جميعاً؛ وذلك لأن المسلم لما أسلم اعتقد حفظ ما لزمه من الشرائع، فإذا ارتكب ما ذكرنا خرج [عن] شرائعه وأدخل نقصاناً فيما اعتقد حفظه، فإذا ترك حفظه وأدخل فيه النقصان، لزمته الكفارة يجبر بها النقصان الذي أدخل فيه، وأما الكافر فليس عليه شيء من الشرائع، إنما عليه أن يتوب عن الشرك ويأتي بالإيمان؛ لذلك افترقا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك في الذين كانوا تخلفوا عن تبوك، ثم ندموا وتابوا عن ذلك، فتاب الله عليهم؛ يقول: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، أي: إن عدتم إلى ما عنه تبتم - وهو التخلف - يطلع الله رسوله والمؤمنون على ذلك ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ \[أي: تردون إلى ما أعد لكم في عالم الغيب والشهادة\].
وقال بعضهم: الآية في المنافقين؛ يقول: [اعملوا] فيما تستأنفون؛ فإن الله يطلع رسوله والمؤمنين على نفاقكم فتفتضحون، حيث يطلعون على سرائركم.
﴿ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
أي: تردون إلى ما أعد لكم [في] عالم الغيب والشهادة.
﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: يجزيكم جزاء ما كنتم تعملون؛ يخرج ذلك على الوعيد.
وذكر في بعض الأخبار "أن رسول الله شهد جنازة والمؤمنون - أيضاً - شهدوها، فأثنى عليها، فقال رسول الله : وجبت، فقيل: يا رسول الله، ما وجبت؟
قال: الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، فإذا شهدتم وجبت" ثم [قرأ] قوله: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
فإن ثبت هذا ففيه دلالة جواز حجة الإجماع؛ لأنه قال: "الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض [فإذا شهدتم وجبت]" ، فإذا شهدوا على شر فهو شر، وإذا شهدوا على خير فهو خير، فعلى ذلك إذا شهدوا على حكم يلزم العمل به.
وقوله: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
ليس على الأمر أن يقول لهم جميعاً: اعملوا كذا، ولكن [أن] كل من بلغته هذه الآية يتفكر فيها ويتدبر، فلا يقدم [على عمل] لا يستحسنه أن يكون رسول الله والمؤمنون بحضرته فإذا خلا به لا يعمله، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، ليس على الأمر بالسير على الأرض، ولكن على الأمر بالتفكر والتدبر فيما نزل بهم بالتكذيب، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، ليس على الأمر أن يقول لهم ذلك، ولكن يتفكر كل فيه أنه واحد.
<div class="verse-tafsir"
خذ -أيها الرسول- من أموالهم زكاة تطهرهم بها من دنس المعاصي والآثام، وتُنَمِّي حسناتهم بها، وادع لهم بعد أخذها منهم، إن دعاءك رحمة لهم وطمأنينة، والله سميع لدعائك، عليم بأعمالهم ونياتهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Ap2gP"