الآية ١٠٤ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٤ من سورة التوبة

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٤ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٤ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها .

وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها ، حتى تصير التمرة مثل أحد .

كما جاء بذلك الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما قال الثوري ووكيع ، كلاهما عن عباد بن منصور ، عن القاسم بن محمد أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم ، كما يربي أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد " ، وتصديق ذلك في كتاب الله ، عز وجل : ( [ ألم يعلموا أن الله ] هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) و [ قوله ] ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) [ البقرة : 276 ] .

وقال الثوري والأعمش كلاهما ، عن عبد الله بن السائب ، عن عبد الله بن أبي قتادة قال : قال عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه : إن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل .

ثم قرأ هذه الآية : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) .

وقد روى ابن عساكر في تاريخه ، في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي - وأصله حمصي ، وكان أحد الفقهاء ، روى عن معاوية وغيره ، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي - قال : غزا الناس في زمان معاوية ، رضي الله عنه ، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية .

فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير ، فأبى أن يقبلها منه ، وقال : قد تفرق الناس ولن أقبلها منك ، حتى تأتي الله بها يوم القيامة فجعل الرجل يستقرئ الصحابة ، فيقولون له مثل ذلك ، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه ، فأبى عليه .

فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع ، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي ، فقال له : ما يبكيك ؟

فذكر له أمره ، فقال أمطيعني أنت ؟

فقال : نعم ، فقال : اذهب إلى معاوية فقل له : اقبل مني خمسك ، فادفع إليه عشرين دينارا ، وانظر الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم ففعل الرجل ، فقال معاوية ، رضي الله عنه : لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه ، أحسن الرجل " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره، أخبر به المؤمنين به: أن قبول توبة من تاب من المنافقين، وأخذ الصدقة من أموالهم إذا أعطوها، ليسا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم = وأن نبيَّ الله حين أبى أن يطلق من ربط نفسه بالسواري من المتخلفين عن الغزو معه، وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق الله عنهم حين أذن له في ذلك، إنما فعل ذلك من أجل أن ذلك لم يكن إليه صلى الله عليه وسلم, وأن ذلك إلى الله تعالى ذكره دون محمد, وأن محمدًا إنما يفعل ما يفعل من تركٍ وإطلاقٍ وأخذِ صدقةٍ وغير ذلك من أفعاله بأمر الله.

فقال جل ثناؤه: ألم يعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد مع المؤمنين، الموثقو أنفسهم بالسواري, القائلون: " لا نُطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ", السَّائلو رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أخذَ صدقة أموالهم، أنَّ ذلك ليس إلى محمد, وأن ذلك إلى الله, وأن الله هو الذي يقبل توبة من تاب من عباده أو يردُّها, ويأخذ صدقة من تصدَّق منهم أو يردُّها عليه دون محمد, فيوجِّهوا توبتهم وصدقتهم إلى الله, ويقصدوا بذلك قصدَ وجهه دون محمد وغيره, ويخلصوا التوبة له، ويريدوه بصدقتهم, ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم؟

= يقول: المراجع لعبيده إلى العفو عنه إذا رجعوا إلى طاعته, الرحيم بهم إذا هم أنابوا إلى رضاه من عقابه.

(46) * * * وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: - 17162- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قال الآخرون = يعني الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء، يعني الذين تابوا، كانوا بالأمس معنا لا يكلَّمون ولا يجالَسون, فما لهم؟

فقال الله: (إن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم).

(47) 17163- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني رجل كان يأتي حمادًا ولم يجلس إليه = قال شعبة: قال العوام بن حوشب: هو قتادة, أو ابن قتادة, رجل من محارب = قال: سمعت عبد الله بن السائب = وكان جاره = قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما من عبدٍ تصدق بصدقة إلا وقعت في يد الله, فيكون هو الذي يضعُها في يد السائل.

وتلا هذه الآية: (هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات).

(48) 17164- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن عبد الله بن السائب, عن عبد الله بن أبي قتادة المحاربي, عن عبد الله بن مسعود قال: ما تصدَّق رجلٌ بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، وهو يضعها في يد السائل.

ثم قرأ: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات).

(49) 17165- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن عبد الله بن السائب, عن عبد الله بن أبي قتادة, عن ابن مسعود, بنحوه.

(50) 17166- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن عبد الله بن السائب, عن عبد الله بن أبي قتادة قال، قال عبد الله: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل.

ثم قرأ هذه الآية: (هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) (51) 17168- حدثنا أبو كريب [قال، حدثنا وكيع] قال، حدثنا عباد بن منصور، عن القاسم: أنه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه, فيربِّيها لأحدكم كما يربِّي أحدكم مُهْرَه, حتى إن اللقمة لتصيرُ مثل أُحُدٍ.

وتصديق ذلك في كتاب الله: ( هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)، (52) و يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ، (53) [سورة البقرة: 276] 17169- حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع الرَّقي قال، حدثنا ابن المبارك, عن سفيان, عن عباد بن منصور, عن القاسم, عن أبي هريرة, ولا أراه إلا قد رفعه قال: إن الله يقبل الصدقة = ثم ذكر نحوه.

(54) 17170- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة قال: إن الله يقبل الصدقة إذا كانت من طيِّب, ويأخذها بيمينه, وإن الرّجل يتصدق بمثل اللقمة, فيربِّيها الله له كما يربِّي أحدكم فصيله أو مُهْره, فتربو في كف الله = أو قال: في يد الله = حتى تكون مثل الجبل.

(55) 17171- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " والذي نفس محمد بيده, لا يتصدق رجلٌ بصدقة فتقع في يد السائل، حتى تقع في يد الله!

17172- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (وأن الله هو التواب الرحيم)، يعني: إن استقاموا.

---------------------- الهوامش : (46) انظر تفسير " التوبة " ، " التواب " ، " الرحيم " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) ، ( رحم ) .

(47) انظر تفسير " التوبة " ، " التواب " ، " الرحيم " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) ، ( رحم ) .

(48) الأثر : 17163 - " قتادة " ، أو " ابن قتادة " ، رجل من محارب .

لم أجده هكذا .

ولم أجد أحدًا تكلم في أمره أو ذكره .

وصريح هذا الإسناد يدل على أن " قتادة " أو " ابن قتادة " المحاربي ، هذا ، هو الذي أخبر شعبة ، وهو الذي كان يأتي حمادًا ، ولم يجلس إليه ، وأنه هو الذي سمع من عبد الله بن السائب ، وكان جاره ، وأن " عبد الله بن السائب " هو الذي سمع من عبد الله ابن مسعود .

وهذا إشكال : فإن " عبد الله بن السائب " ، هو " عبد الله بن السائب الكندي " ، روى عن أبيه ، وزادان الكندي .

وعبد الله بن معقل بن مقرن ، وعبد الله بن قتادة المحاربي ( كما سيأتي في الآثار التالية ) .

وروى عنه الأعمش ، وأبو إسحاق الشيباني ، والعوام بن حوشب ، وسفيان الثوري .

وهو ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 75 ، ولم يذكروا له رواية عن ابن مسعود كما ترى ، بل ذكروا روايته عن " عبد الله بن قتادة المحاربي " ، كما سيأتي في الآثار التالية .

فأنا أخشى أن يكون في إسناد هذا الخبر شيء ، بدلالة الآثار التي تليه ، وهي مستقيمة على ما ذكر في كتب الرجال ، وأخشى أن يكون شعبة سمعه عن رجل كان يأتي حمادًا ولم يجلس إليه ، عن عبد الله بن السائب ، عن قتادة ، أو ابن قتادة ، رجل من محارب = ثم سمعه من العوام بن حوشب ، عن عبد الله بن السائب ، عن قتادة ، أو قتادة ، رجل من محارب = وأن يكون الناسخ قد أفسد الإسناد .

وانظر الكلام على " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " أو " عبد الله بن قتادة " في التعليق على الآثار التالية .

(49) الآثار : 17164 - 17166 - " عبد الله بن السائب الكندي " ، مضى في التعليق السالف .

وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " ، فهو هكذا في جميعها ، إلا في رقم : 17165 ، فإنه في المخطوطة : " عبد الله بن قتادة " ، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه .

وأما كتب التراجم ، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي " ، ترجم له ابن أبي حاتم 2 2 141 وقال : " روي عن عبد الله بن مسعود ، روى عنه عبد الله بن السائب ، سمعت أبي يقول ذلك " .

وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة : 233 ، وقال : " عن ابن مسعود ، وعنه عبد الله بن السائب , وثقه ابن حبان " ، ثم قال : " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال : روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة ، قاله الثوري ، عن عبد الله بن السائب ، عنه " .

وأما " عبد الله بن أبي قتادة " ، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر .

وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 275 ، ونسبه إلى عبد الرزاق ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن أبي حاتم ، والطبراني .

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 111 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه : عبد الله بن قتادة المحاربي ، لم يضعفه أحد ، وبقية رجاله ثقات " .

(50) الآثار : 17164 - 17166 - " عبد الله بن السائب الكندي " ، مضى في التعليق السالف .

وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " ، فهو هكذا في جميعها ، إلا في رقم : 17165 ، فإنه في المخطوطة : " عبد الله بن قتادة " ، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه .

وأما كتب التراجم ، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي " ، ترجم له ابن أبي حاتم 2 2 141 وقال : " روي عن عبد الله بن مسعود ، روى عنه عبد الله بن السائب ، سمعت أبي يقول ذلك " .

وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة : 233 ، وقال : " عن ابن مسعود ، وعنه عبد الله بن السائب , وثقه ابن حبان " ، ثم قال : " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال : روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة ، قاله الثوري ، عن عبد الله بن السائب ، عنه " .

وأما " عبد الله بن أبي قتادة " ، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر .

وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 275 ، ونسبه إلى عبد الرزاق ، والحكم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن أبي حاتم ، والطبراني .

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 111 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه : عبد الله بن قتادة المحاربي ، لم يضعفه أحد ، وبقية رجاله ثقات " .

(51) الآثار : 17164 - 17166 - " عبد الله بن السائب الكندي " ، مضى في التعليق السالف .

وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " ، فهو هكذا في جميعها ، إلا في رقم : 17165 ، فإنه في المخطوطة : " عبد الله بن قتادة " ، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه .

وأما كتب التراجم ، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي " ، ترجم له ابن أبي حاتم 2 2 141 وقال : " روي عن عبد الله بن مسعود ، روى عنه عبد الله بن السائب ، سمعت أبي يقول ذلك " .

وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة : 233 ، وقال : " عن ابن مسعود ، وعنه عبد الله بن السائب , وثقه ابن حبان " ، ثم قال : " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال : روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة ، قاله الثوري ، عن عبد الله بن السائب ، عنه " .

وأما " عبد الله بن أبي قتادة " ، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر .

وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 275 ، ونسبه إلى عبد الرزاق ، والحكم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن أبي حاتم ، والطبراني .

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 111 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه : عبد الله بن قتادة المحاربي ، لم يضعفه أحد ، وبقية رجاله ثقات " .

(52) هكذا جاءت الآية في المخطوطة " وهو الذي يقبل التوبة " ، كما رواه أحمد في المسند أيضا رقم : 10090 ، بهذا الإسناد ، بمثل هذا الخطأ ، فإن التلاوة : " ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة .

.

.

" ، وقد استظهر أخي السيد أحمد أنه خطأ قديم ، كما قال في التعليق على الخبر رقم : 6253 فيما سلف .

وأما في المطبوعة ، فقد صححها الناشر " أن الله هو يقبل التوبة .

.

.

" .وأثبت ما في المخطوطة ليعلم هذا الخطأ .

(53) الأثر : 17168 - سلف هذا الخبر بهذا الإسناد برقم : 6253 ، وخرجه أخي السيد أحمد هناك .

(54) الأثر : 17169 - " سليمان بن عمر بن خالد الأقطع الرقي " ، مضى برقم : 6254 ، وكان في المطبوعة " الربى " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وصواب قراءتها " الرقى " .

مضى برقم : 6254 ، وخرجه أخي السيد أحمد فيما سلف .

(55) الأثر : 17170 - مضى برقم : 6256 ، من طريق محمد بن عبد الملك ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، بنحوه .

وخرجه أخي السيد أحمد هناك ، وأشار إلى رواية الطبري في هذا الموضع ، وصحح إسناده هذا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم فيه مسألتان :قيل : قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين : هؤلاء كانوا معنا بالأمس ، لا يكلمون ولا يجالسون ، فما لهم الآن ؟

وما هذه الخاصة التي خصوا بها دوننا ; فنزلت : ألم يعلموا فالضمير في ( يعلموا ) عائد إلى الذين لم يتوبوا من المتخلفين .

قال معناه ابن زيد .

ويحتمل أن يعود إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم .

وقوله تعالى : ( هو ) تأكيد لانفراد الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور .

وتحقيق ذلك أنه لو قال : إن الله يقبل التوبة لاحتمل أن يكون قبول رسوله قبولا منه ; فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك .الثانية : قوله تعالى ويأخذ الصدقات ويأخذ الصدقات هذا نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثيب عليها وأن الحق له جل وعز ، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة ، فإن توفي فعامله هو الواسطة [ ص: 172 ] بعده ، والله عز وجل حي لا يموت .

وهذا يبين أن قوله سبحانه وتعالى : خذ من أموالهم صدقة ليس مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم : روى الترمذي عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات و يمحق الله الربا ويربي الصدقات .

قال : هذا حديث حسن صحيح .

وفي صحيح مسلم : لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه - في رواية : فتربو في كف الرحمن - حتى تكون أعظم من الجبل الحديث .

وروي إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله والله يضاعف لمن يشاء قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تأويل هذه الأحاديث : إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها ; كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض تعطفا عليه بقوله : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني .

.

.

الحديث .

وقد تقدم هذا المعنى في ( البقرة ) .

وخص اليمين والكف بالذكر إذ كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه أو يوضع له فيه ; فخرج على ما يعرفونه ، والله جل وعز منزه عن الجارحة .

وقد جاءت اليمين في كلام العرب بغير معنى الجارحة ; كما قال الشاعر :إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمينأي هو مؤهل للمجد والشرف ، ولم يرد بها يمين الجارحة ؛ لأن المجد معنى فاليمين التي تتلقى به رايته معنى .

وكذلك اليمين في حق الله تعالى .

وقد قيل : إن معنى تربو في كف الرحمن عبارة عن كفة الميزان التي توزن فيها الأعمال ، فيكون من باب حذف المضاف ; كأنه قال .

فتربو كفة ميزان الرحمن .

وروي عن مالك والثوري وابن المبارك أنهم قالوا في تأويل هذه الأحاديث وما شابهها : أمروها بلا كيف ; قاله الترمذي وغيره .

وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ أما علموا سعة رحمة اللّه وعموم كرمه وأنه ‏{‏يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ‏}‏ التائبين من أي ذنب كان، بل يفرح تعالى بتوبة عبده، إذا تاب أعظم فرح يقدر‏.‏ ‏{‏وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ‏}‏ منهم أي‏:‏ يقبلها، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدهم كما يربي الرجل فلوه، حتى تكون التمرة الواحدة كالجبل العظيم، فكيف بما هو أكبر وأكثر من ذلك‏.‏ ‏{‏وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ‏}‏ أي‏:‏ كثير التوبة على التائبين، فمن تاب إليه تاب عليه، ولو تكررت منه ‏[‏المعصية‏]‏ مرارا‏.‏ ولا يمل اللّه من التوبة على عباده، حتى يملوا هم، ويأبوا إلا النفار والشرود عن بابه، وموالاتهم عدوهم‏.‏ ‏{‏الرَّحِيمِ‏}‏ الذي وسعت رحمته كل شيء، وكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويتبعون رسوله‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فقال تعالى : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) أي : يقبلها ، ( وأن الله هو التواب الرحيم ) .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أنبأنا الربيع بن سليمان ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه .

قال : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : " والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ، ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب إلا كأنما يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه ، حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل العظيم ، ثم قرأ : ( أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ» يقبل «الصدقات وأن الله هو التواب» على عباده بقبول توبتهم «الرحيم» بهم، والاستفهام للتقرير، والقصد به هو تهييجهم إلى التوبة والصدقة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم يعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد وغيرهم أن الله وحده هو الذي يقبل توبة عباده، ويأخذ الصدقات ويثيب عليها، وأن الله هو التواب لعباده إذا رجعوا إلى طاعته، الرحيم بهم إذا أنابوا إلى رضاه؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حرضهم - سبحانه - على التوبة النصوح ، وحثهم على بذل الصدقات فقال : ( أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات .

.

.

) .أى : ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم ، أن الله - تعالى - وحده ، هو الذى يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين ، وأنه - سبحانه - هو الذى " يأخذ الصدقات " .أى : يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله : فالتعبير بالأخذ للترغيب فى بذل الصدقات ، ودفعها للفقراء .

والاستفهام للتقرير والتحضيض على تجديد التوبة وبذل الصدقة .وقوله : ( وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم ) تذييل قصد به تقرير ما قبله وتأكيده .أى : وأن الله وحده هو الذى يقل توبة المرة بعد الأخرى ، وأنه هو الواسع الرحمة بهم ، الكثير المغفرة لهم :قال ابن كثير : قوله : ( أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات ) هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحقها ، وأخبر - تعالى - أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله يتقبلها بيمينه ، فيربيها لصاحبها حتى تصير الثمرة مثل أحد ، كل جاء بذلك الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .فعن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد " وتصديق ذلك فى كتاب الله قوله : ( أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات ) .

وقوله : ( يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات ) وعن عبد الله بن مسعود قال : إن الصدقة تقع فى يد الله - تعالى - قبل أن تقع فى يد السائل ، ثم قرأ هذه الآية .

( أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ وما كان ذلك صريحاً في قبول التوبة ذكر في هذه الآية أنه يقبل التوبة وأنه يأخذ الصدقات، والمقصود ترغيب من لم يتب في التوبة، وترغيب كل العصاة في الطاعة.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو مسلم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ ﴾ وإن كان بصيغة الاستفهام، إلا أن المقصود منه التقرير في النفس، ومن عادة العرب في إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا: أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته.

أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره، فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم.

ثم زاده تأكيداً بقوله: ﴿ وَهُوَ التواب الرحيم ﴾ .

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ ﴾ بالياء والتاء، وفيه وجهان: الأول: أن يكون المراد من هذه الآية هؤلاء الذين تابوا يعني ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ ﴾ قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم، أن الله يقبل التوبة الصحيحة، ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية، والثاني: أن يكون المراد من هذه الآية غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة.

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حكم بصحة توبتهم قال: «الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم» فنزلت هذه الآية.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ هُوَ يَقْبَلُ التوبة ﴾ في فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى سمى نفسه هاهنا باسم الله.

ثم قال عقيبه: ﴿ هُوَ يَقْبَلُ التوبة ﴾ وفيه تنبيه على أن كونه إلهاً يوجب قبول التوبة، وذلك لأن الإله هو الذي يمتنع تطرق الزيادة والنقصان إليه، ويمتنع أن يزداد حاله بطاعة المطيعين وأن ينتقص حاله بمعصية المذنبين، ويمتنع أيضاً أن يكون له شهوة إلى الطاعة، ونفرة عن المعصية، حتى يقال: إن نفرته وغضبه يحمله على الانتقام، بل المقصود من النهي عن المعصية والترغيب في الطاعة، هو أن كل ما دعا القلب إلى عالم الآخرة ومنازل السعداء، ونهاه عن الاشتغال بالجسمانيات الباطلة، فهو العبادة والعمل الحق والطريق الصالح، وكل ما كان بالضد منه فهو المعصية والعمل الباطل، فالمذنب لا يضر إلا نفسه، والمطيع لا ينفع إلا نفسه.

كما قال تعالى: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ فإن كان الإله رحيماً حكيماً كريماً ولم يكن غضبه على المذنب لأجل أنه تضرر بمعصيته، فإذا انتقل العبد من المعصية إلى الطاعة كان كرمه كالموجب عليه قبول توبته.

فثبت أن الإلهية لما كانت عبارة عن الاستغناء المطلق، وكان الاستغناء المطلق ممتنع الحصول لغيره، كان قبول التوبة من الغير كالممتنع إلا لسبب آخر منفصل، أو لمعارض أو لمباين.

الفائدة الثانية: في هذا التخصيص هو أن قبول التوبة ليس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما إلى الله الذي هو يقبل التوبة تارة ويردها أخرى.

فاقصدوا الله بها ووجهوها إليه، وقيل لهؤلاء التائبين اعملوا فإن عملكم لا يخفى على الله خيراً كان أو شراً.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: قبول التوبة واجب عقلاً على الله تعالى.

وقال أصحابنا: قبول التوبة واجب بحكم الوعد والتفضل والإحسان، أما عقلاً فلا.

وحجة أصحابنا على عدم وجوب قبول التوبة وجوه: الأول: أن الوجوب لا يتقرر معناه ألا إذا كان بحيث لو لم يفعله الفاعل لاستحق الذم، فلو وجب قبول التوبة على الله تعالى لكان بحيث لو لم يقبلها لصار مستحقاً للذم، وهذا محال، لأن من كان كذلك فإنه يكون مستكملاً بفعل القبول، والمستكمل بالغير ناقص لذاته وذلك في حق الله تعالى محال.

الثاني: أن الذم إنما يمنع من الفعل إذا كان بحيث يتأذى عن سماع ذلك الذم وينفر عنه طبعه، ويظهر له بسببه نقصان حال، أما من كان متعالياً عن الشهوة والنفرة والزيادة والنقصان لا يعقل تحقق الوجوب في حقه بهذا المعنى.

الثالث: أنه تعالى تمدح بقبول التوبة في هذه الآية، ولو كان ذلك واجباً لما تمدح به، لأن أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم.

المسألة الخامسة: ﴿ عَنْ ﴾ في قوله تعالى: ﴿ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه لا فرق بين قوله: ﴿ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ وبين قوله: من عباده يقال: أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك.

والثاني: قال القاضي: لعل ﴿ عَنْ ﴾ أبلغ لأنه ينبئ عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت، وأقول: إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة ﴿ عَنْ ﴾ على هذا المعنى، والذي أقوله إن كلمة ﴿ عَنْ ﴾ وكلمة من متقاربتان، إلا أن كلمة ﴿ عَنْ ﴾ تفيد البعد، فإذا قيل: جلس فلان عن يمين الأمير، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ضرب من البعد فقوله: ﴿ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ يفيد أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه صار مبعداً عن قبول الله تعالى له بسبب ذلك الذنب، ويحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه، وبعده عن حضرة نفسه، فلفظة ﴿ عَنْ ﴾ كالتنبيه على أنه لابد من حصول هذا المعنى للتائب.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ فيه سؤال: وهو أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الآخذ هو الله وقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ يدل على أن الآخذ هو الرسول عليه الصلاة والسلام وقوله عليه السلام لمعاذ: خذها من أغنيائهم يدل على أن آخذ تلك الصدقات هو معاذ وإذا دفعت الصدقة إلى الفقير فالحس يشهد أن آخذها هو الفقير فكيف الجمع بين هذه الألفاظ؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لما بين في قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ أن الآخذ هو الرسول، ثم ذكر في هذه الآية أن الآخذ هو الله تعالى، كان المقصود منه أن أخذ الرسول قائم مقام أخذ الله تعالى، والمقصود منه التنبيه على تعظيم شأن الرسول من حيث إن أخذه للصدقة جار مجرى أن يأخذها الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله  ﴾ والمراد منه إيذاء النبي عليه السلام.

والجواب الثاني: أنه أضيف إلى الرسول عليه السلام بمعنى أنه يأمر بأخذها ويبلغ حكم الله في هذه الواقعة إلى الناس، وأضيف إلى الفقير بمعنى أنه هو الذي يباشر الأخذ، ونظيره أنه تعالى أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يتوفاكم  ﴾ وأضافه إلى ملك الموت، وهو قوله تعالى: ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت  ﴾ وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت، وهو قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا  ﴾ فأضيف إلى الله بالخلق وإلى ملك الموت للرياسة في ذلك النوع من العمل، وإلى أتباع ملك الموت، يعني أنهم هم الذين يباشرون الأعمال التي عندها يخلق الله الموت، فكذا هاهنا.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ تشريف عظيم لهذه الطاعة، والأخبار فيه كثيرة عن النبي عليه السلام أنه قال: «إن الله يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا طيباً وأنه يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها كما يربى أحدكم مهره أو فصيله حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد» وقال عليه السلام: «والذي نفس محمد بيده ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة فتصل إلى الذي يتصدق بها عليه حتى تقع في كف الله».

ولما روى الحسن هذين الخبرين قال: ويمين الله وكفه وقبضته لا توصف ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء  ﴾ واعلم أن لفظ اليمين والكف من التقديس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ ﴾ بالياء والتاء، وفيه وجهان، أحدهما: أن يراد المتوب عليهم، يعني: ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة ﴾ إذا صحّت، ويقبل الصدقات إذا صدرت عن خلوص النية، وهو للتخصيص والتأكيد، وأن الله تعالى من شأنه قبول توبة التائبين.

وقيل: معنى التخصيص في هو: أن ذلك ليس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما الله سبحانه هو الذي يقبل التوبة ويردّها، فاقصدوه بها ووجهوها إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا فَقالَ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا» فَنَزَلَتْ.

﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ أوْ حُبِّ المالِ المُؤَدِّي بِهِمْ إلى مِثْلِهِ.

وقُرِئَ « تَطَهَّرَهم» مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ و « تُطَهِّرْهم» بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ.

﴿ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ وتُنَمِّي بِها حَسَناتِهِمْ وتَرْفَعُهم إلى مَنازِلِ المُخْلِصِينَ.

﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم.

﴿ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ تَسْكُنُ إلَيْها نُفُوسُهم وتَطْمَئِنُّ بِها قُلُوبُهم، وجَمَعَها لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتَّوْحِيدِ.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ بِاعْتِرافِهِمْ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنَدامَتِهِمْ.

﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمَتُوبِ عَلَيْهِمْ والمُرادُ أنْ يُمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ والِاعْتِدادَ بِصَدَقاتِهِمْ، أوْ لِغَيْرِهِمْ والمُرادُ بِهِ التَّحْضِيضُ عَلَيْهِما.

﴿ أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ إذا صَحَّتْ وتَعْدِيَتُهُ بِـ ﴿ عَنْ ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجاوُزِ.

﴿ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ﴾ يَقْبَلُها قَبُولَ مَن يَأْخُذُ شَيْئًا لِيُؤَدِّيَ بَدَلَهُ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ وأنَّ مِن شَأْنِهِ قَبُولَ تَوْبَةِ التّائِبِينَ والتَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ يَعْلَمُواْ} المراد المتوب عليهم أي ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم {أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} إذا صحت {ويأخذ الصدقات} ويقبلها إذا صارت عن خلوص النية وهو للتخصيص أي إن ذلك ليس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها ووجهوها إليه {وَأَنَّ الله هُوَ التواب} كثير قبول التوبة {الرحيم} يعفو الحوبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمَتُوبِ عَلَيْهِمْ والمُرادُ تَمْكِينُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ في قُلُوبِهِمْ والِاعْتِدادُ بِصَدَقاتِهِمْ وإمّا لِغَيْرِهِمْ والمُرادُ التَّحْضِيضُ عَلى التَّوْبَةِ والصَّدَقَةِ والتَّرْغِيبُ فِيهِما وقُرِئَ (تَعْلَمُوا) بِالتّاءِ وهو عَلى الأوَّلِ التِفاتٌ وعَلى الثّانِي بِتَقْدِيرِ قُلْ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلتّائِبِينَ وغَيْرِهِمْ عَلى أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ التَّمْكِينَ والتَّحْضِيضَ لا غَيْرُ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ لِلْغَيْرِ لا غَيْرُ لِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ تَوْبَةُ هَؤُلاءِ التّائِبِينَ قالَ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنَ المُخَلَّفِينَ هَؤُلاءِ كانُوا مَعَنا بِالأمْسِ لا يُكَلَّمُونَ ولا يُجالَسُونَ فَما لَهُمُ اليَوْمَ فَنَزَلَتْ ويُشْعِرُ صَنِيعُ الجُمْهُورِ بِاخْتِيارِ الأوَّلِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ، والخَبَرُ لَمْ نَقِفْ عَلى سَنَدٍ لَهُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أيْ ألَمْ يَعْلَمْ هَؤُلاءِ التّائِبُونَ ﴿ أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ﴾ الصَّحِيحَةَ الخالِصَةَ ﴿ عَنْ عِبادِهِ ﴾ المُخْلِصِينَ فِيها، وتَعْدِيَةُ القَبُولِ بِعَنْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجاوُزِ والعَفْوِ أيْ يَقْبَلُ ذَلِكَ مُتَجاوِزًا عَنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي تابُوا عَنْها، وقِيلَ: عَنْ بِمَعْنى مِن والضَّمِيرُ إمّا لِلتَّأْكِيدِ أوَّلُهُ مَعَ التَّخْصِيصِ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ لا غَيْرُهُ أيْ أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ لَمّا قَرَّرَ أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ ذَلِكَ والخَبَرُ المُضارِعُ مِن مَواقِعِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ التَّخْصِيصَ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ أنَّهُ جَلَّ وعَلا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ لا رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ كَثْرَةَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ مَظِنَّةٌ لِتَوَهُّمِ ذَلِكَ والمُرادُ بِالعِبادِ إمّا أُولَئِكَ التّائِبُونَ ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةٍ ما يُشِيرُ إلَيْهِ القَبُولُ وإمّا كافَّةُ العِبادِ وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ﴾ أيْ يَقْبَلُها قَبُولَ مَن يَأْخُذُ شَيْئًا لِيُؤَدِّيَ بَدَلَهُ فالأخْذُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْقَبُولِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إسْنادُ الأخْذِ إلى اللَّهِ تَعالى مَجازًا مُرْسَلًا وقِيلَ: نِسْبَةُ الأخْذِ إلى الرَّسُولِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خُذْ ﴾ ثُمَّ نِسْبَتُهُ إلى ذاتِهِ تَعالى إشارَةٌ إلى أنَّ أخْذَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قائِمٌ مَقامَ أخْذِ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لِشَأْنِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ فَهو عَلى حَقِيقَتِهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ إلّا أنَّ في دَعْوى الحَقِيقَةِ ما لا يَخْفى، والمُخْتارُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِأخْذِ الصَّدَقاتِ الِاعْتِناءُ بِأمْرِها ووُقُوعُها عِنْدَهُ سُبْحانَهُ مَوْقِعًا حَسَنًا، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّرْغِيبِ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ إذا كانَتْ مِن طَيِّبٍ ويَأْخُذُها بِيَمِينِهِ وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَصَدَّقُ بِمِثْلِ اللُّقْمَةِ فَيُرَبِّيها لَهُ كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَصِيلَهُ أوْ مُهْرَهُ فَتَرْبُو في كَفِّ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ».

وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَصَدَّقُوا فَإنَّ أحَدَكم يُعْطِي اللُّقْمَةَ أوِ الشَّيْءَ فَيَقَعُ في يَدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في يَدِ السّائِلِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ».

وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ أخْذٌ حَقِيقَةً فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ طَيِّبَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى إلّا طَيِّبًا ولا يَصْعَدُ إلى السَّماءِ إلّا طَيِّبٌ فَيَضَعُها في حَقٍّ إلّا كانَتْ كَأنَّما يَضَعُها في يَدِ الرَّحْمَنِ فَيُرَبِّيها لَهُ كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ حَتّى إنَّ اللُّقْمَةَ أوِ التَّمْرَةَ لَتَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ» وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ الآيَةَ.

و(ألْ) في الصَّدَقاتِ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ صَدَقاتِهِمْ وأنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ أيْ جِنْسِ الصَّدَقاتِ المُنْدَرِجِ فِيهِ صَدَقاتُهُمُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الإخْبارِ ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ 104﴾ تَأْكِيدٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ وزِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما يُقَرِّرُهُ مَعَ زِيادَةِ مَعْنًى لَيْسَ فِيهِ أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ المُخْتَصُّ المُسْتَأْثِرُ بِبُلُوغِ الغايَةِ القُصْوى مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ وذَلِكَ شَأْنٌ مِن شُئُونِهِ وعادَةٌ مِن عَوائِدِهِ المُسْتَمِرَّةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والجُمْلَتانِ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِيَعْلَمُوا يَسُدُّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً، يعني: من الذين قبلت توبتهم، جاءوا بأموالهم إلى رسول الله  فقالوا: هذه أموالنا فخذها، وتصدق بها عنا، فكره أن يأخذها، فنزل خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ بها من ذنوبهم، ويقال: هذا ابتداء، يعني: خذ من أموال المسلمين صدقة، يعني: الصدقة المفروضة.

تُطَهِّرُهُمْ، يعني: تطهر أموالهم، وَتُزَكِّيهِمْ بِها، يعني: تصلح بها أعمالهم.

وَصَلِّ عَلَيْهِمْ، يعني: استغفر لهم وادع لهم إِنَّ صَلاتَكَ يعني دعاءك واستغفارك سَكَنٌ لَهُمْ يعني: طمأنينة لأن الله تعالى قد قبل منهم الصدقة، ويقال: إن الله قبل منهم التوبة.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم ولصدقاتهم، عَلِيمٌ بثوابهم.

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر إِنَّ صلواتك بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون صَلاتَكَ وقال أبو عبيدة: وهذا أحبَ إليّ، لأن الصلاة أكثر من الصلوات.

ألا ترى إلى قول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [الأنعام: 72] وإنّما هي صلاة الأبد.

قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ، يعني: ويقبل الصدقات.

ومعناه: وما منعهم عن التوبة والصدقة، فكيف لم يتوبوا ولم يتصدقوا؟

أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله هو يقبل التوبة عن عباده والصدقة؟

وروى أبو هريرة، عن رسول الله  أنه قال: «إن الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ طَيِّبٍ، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَصِيلَهُ أوْ مُهْرَهُ، حَتَّى تَكُونَ اللُّقْمَةُ مِثْلَ أحُدٍ» (١) (١) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (1410) ومسلم (1014) والترمذي (661) والنسائي: 5/ 57 وأحمد 2/ 382، 419، 538 وابن ماجة (1842) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأَعْرَابِ، وهي عامَّة في الأُمة إلى يَوْمِ القِيَامَةِ «١» .

قال أبو عثمان: ما في القرآن آيةٌ أرجى عندي لهذه الأمة منْها «٢» .

وقال مجاهد: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبي لُبَابَةَ الأنصاريِّ خاصَّةً في شأنه مع بني قُرَيْظَةَ لَمَّا أَشَارَ لَهُمْ إلى حَلْقِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَرَبَطَ نفسه في ساريَةٍ من سَوَارِي المَسْجِد «٣» ، وقالتْ فرقة عظيمةٌ: بل نزلَتْ هذه الآيةُ في شَأن المخلَّفين عن غزوة تَبُوك.

ت: وخَرَّجَ «البخاريُّ» بسنده عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«أَتَاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فابتعثاني فانتهينا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ.

وَشَطْرٌ كَأَقْبَح مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالاَ لَهُمْ: اذهبوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُم رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَن صُورَةٍ، قَالاَ لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالاَ: أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، فتجاوز الله عنهم» .

انتهى «٤» .

خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)

وقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ...

الآية: رُوي أن الجماعة التائبة لَمَّا تِيبَ عليهَا، قالوا: يا رسُولَ اللَّه إِنَّا نُرِيدُ أن نتصدَّق بأموالنا زيادةً في تَوْبَتِنا، فقال لهم صلّى الله عليه وسلّم: «إِنِّي لاَ أَعْرِضُ لأَمْوَالِكُمْ إِلاَّ بَأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ» «٥» ، فَتَرَكَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فَهُمُ المراد بها، فروي أنه صلّى الله عليه وسلّم أخذ ثلث أموالِهِمْ، مراعاةً لقوله تعالى: مِنْ أَمْوالِهِمْ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَعْلَمُوا" بِالياءِ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ "تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ مِن عَبِيدِهِ، تَقُولُ: أخَذْتُهُ مِنكَ، وأخَذْتُهُ عَنْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَقْبَلُها.

ومِثْلُهُ ﴿ خُذِ العَفْوَ  ﴾ أيِ: اقْبَلْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا خِطابٌ لَلَّذِينِ تابُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ هو يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَدَقاتِ وأنَّ اللهَ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألَمْ يَعْلَمُوا" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: "ألَمْ تَعْلَمُوا" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ ألَمْ تَعْلَمُوا؟، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُوا" قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُرادُ بِهِ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا تِيبَ عَلى بَعْضِهِمْ قالَ الغَيْرُ: ما هَذِهِ الخاصَّةُ الَّتِي خُصَّ بِها هَؤُلاءِ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "يَعْلَمُوا" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ تابُوا ورَبَطُوا أنْفُسَهم.

وقَوْلُهُ: "هُوَ" تَأْكِيدٌ لِانْفِرادِ اللهِ بِهَذِهِ الأُمُورِ وتَحْقِيقٌ لِذَلِكَ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: "أنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَوْبَةَ" لاحْتَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَبُولُ رَسُولِهِ قَبُولًا مِنهُ، فَبَيَّنَتِ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَصِلُ إلَيْهِ نَبِيٌّ ولا مَلَكٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَأْخُذُ الصَدَقاتِ ﴾ مَعْناهُ: يَأْمُرُ بِها ويُشَرِّعُها كَما تَقُولُ: أخَذَ السُلْطانُ مِنَ الناسِ كَذا، إذا حَمَلَهم عَلى أدائِهِ.

وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: ويَقْبَلُ الصَدَقاتِ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في أخْذِ اللهِ صَدَقَةً مِن عَبِيدِهِ، مِنها قَوْلُهُ  الَّذِي رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ المُحارِبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عنهُ: "إنَّ العَبْدَ إذا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وقَعَتْ في يَدِ اللهِ قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السائِلِ"، ومِنها قَوْلُهُ الَّذِي رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ: "إنَّ الصَدَقَةَ تَكُونُ قَدْرَ اللُقْمَةِ يَأْخُذُها اللهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها لِأحَدِكم كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ"، وغَيْرُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ والتَحَفِّي بِصَدَقَةِ العَبْدِ، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تُخَرَّجَ لَفْظَةُ "وَيَأْخُذُ" عَلى هَذا.

وَيَتَعَلَّقُ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ في قَبُولِ التَوْبَةِ، وتَلْخِيصُ ذَلِكَ أنَّ قَبُولَ التَوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ يَقْطَعُ بِهِ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إجْماعًا، وهَذِهِ نازِلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ التائِبَةُ مِنَ النِفاقِ تائِبَةٌ مِن كُفْرٍ، وأمّا قَبُولُ التَوْبَةِ مِنَ المَعاصِي فَيَقْطَعُ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَقْبَلُ مِن طائِفَةٍ مِنَ الأُمَّةِ تَوْبَتَهُمْ، واخْتُلِفَ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الجَمِيعِ؟،وَأمّا إذا عُيِّنَ إنْسانٌ تائِبٌ فَيُرْجى قَبُولُ تَوْبَتِهِ ولا يَقْطَعُ بِها عَلى اللهِ.

وأمّا إذا فَرَضْنا تائِبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ صَحِيحَ التَوْبَةِ، فَهَلْ يَقْطَعُ عَلى اللهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ أمْ لا؟

فاخْتُلِفَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ فِيها الفُقَهاءُ والمُحَدِّثُونَ- وهو كانَ مَذْهَبَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ-: يَقْطَعُ عَلى اللهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِذَلِكَ عن نَفْسِهِ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تُقْبَلَ تَوْبَةُ جَمِيعِ التائِبِينَ، وذَهَبَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُقْطَعُ بِهِ عَلى اللهِ تَعالى، بَلْ يَقْوى فِيهِ الرَجاءُ، ومِن حُجَّتِهِمْ أنَّ الإنْسانَ إذا قالَ في الجُمْلَةِ: إنِّي لا أغْفِرُ لِمَن ظَلَمَنِي، ثُمَّ جاءَ مَن قَدْ سَبَّهُ وآذاهُ، فَلَهُ تَعَقُّبُ حَقِّهِ، وبِالغُفْرانِ لِقَوْمٍ يَصْدُقُ وعْدُهُ ولا يَلْزَمُهُ الغُفْرانُ لِكُلِّ ظالِمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن عِبادِهِ ﴾ هي بِمَعْنى "مِن"، وكَثِيرًا ما يُتَوَصَّلُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ بِهَذِهِ وهَذِهِ، تَقُولُ: لا صَدَقَةَ إلّا عن غِنًى، ومِن غِنًى، وفَعَلَ فُلانٌ ذَلِكَ مِن أشَرِهِ وبَطَرِهِ، وعن أشَرِهِ وبَطَرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: حُقَّ لَهم أنْ يَعْلَمُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ الآيَةُ، صِيغَةُ أمْرٍ مُضَمَّنُها الوَعِيدُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ بِها الَّذِينَ اعْتَذَرُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وتابُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها الَّذِينَ اعْتَذَرُوا ولَمْ يَتُوبُوا، وهُمُ المُتَوَعَّدُونَ، وهُمُ الَّذِينَ في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ إلّا عَلى الِاحْتِمالِ الثانِي مِن أنَّ الآياتِ كُلَّها في الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، ومَعْنى ﴿ فَسَيَرى اللهُ ﴾ أيْ مَوْجُودًا مُعَوَّضًا لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أو شَرٍّ، وأمّا الرَسُولُ والمُؤْمِنُونَ فَرُؤْيَتُهم رُؤْيَةُ حَقِيقَةٍ لا تَجَوُّزٍ، وقالَ ابْنُ المُبارَكُ: رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ هي شَهادَتُهم عَلى المَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهي ثَناؤُهم عِنْدَ الجَنائِزِ.

وقالَ الحَسَنُ ما مَعْناهُ أنَّهم حَذَّرُوا مِن فِراسَةِ المُؤْمِنِ الَّتِي قالَ فِيها النَبِيُّ  : « "اتَّقَوْا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يُرِيدُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، ومَعْنى الغَيْبِ والشَهادَةِ: ما غابَ وما شُوهِدَ، وهي حالَتانِ تَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: فَيُنَبِّئُكم عِبارَةٌ عن حُضُورِ الأعْمالِ وإظْهارِها لِلْجَزاءِ عَلَيْها وهَذا وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن كان الذين اعترفوا بذنوبهم وعرضوا أموالهم للصدقة قد بقي في نفوسهم اضطراب من خوف أن لا تكون توبتهم مقبولة وأن لا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد رضي عنهم وكان قوله: ﴿ إن صلواتك سكن لهم ﴾ [التوبة: 103] مشيراً إلى ذلك، وذلك الذي يشعر به اقتران قبول التوبة وقبول الصدقات هنا ليناظر قوله: ﴿ اعترفوا بذنوبهم ﴾ [التوبة: 102] وقوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ [التوبة: 103] كانت جملة: ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ﴾ استينافاً بيانياً ناشئاً عن التعليل بقوله: ﴿ إن صلواتك سكن لهم ﴾ [التوبة: 103]، لأنه يثير سؤال من يسأل عن موجب اضطراب نفوسهم بعد أن تابوا، فيكون الاستفهام تقريراً مشوباً بتعجيببٍ من ترددهم في قبول توبتهم.

والمقصود منه التذكير بأمر معلوم لأنهم جروا على حال نسيانه، ويكون ضمير ﴿ يعلموا ﴾ عائداً إلى الذين اعترفوا بذنوبهم.

وإن كان الذين اعترفوا بذنوبهم لم يخطر ببالهم شك في قبول توبتهم وكان قوله: ﴿ إن صلواتك سكن لهم ﴾ [التوبة: 103] مجرد إرشاد من الله لرسوله إلى حكمة دعائه لهم بأن دعاءه يصلح نفوسهم ويقوي إيمانهم كان الكلام عليهم قد تم عند قوله: ﴿ والله سميع عليم ﴾ [التوبة: 103]، وكانت جملة: ﴿ ألم يعلموا ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً على طريقة الاستطراد لترغيب أمثال أولئك في التوبة ممن تأخروا عنها، وكان ضمير ﴿ ألم يعلموا ﴾ عائداً إلى ما هو معلوم من مقام التنزيل وهو الكلام على أحوال الأمة، وكان الاستفهام إنكارياً.

ونُزل جميعهم منزلة من لا يعلم قبول التوبة، لأن حالهم حال من لا يعلم ذلك سواء في ذلك من يعلم قبولها ومن لا يعلم حقيقةً، وكان الكلام أيضاً مسوقاً للتحْضيض.

وقوله: ﴿ وأن الله هو التواب الرحيم ﴾ عطف على ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ ، تنبيهاً على أنه كما يجب العلم بأن الله يفعل ذلك يجب العلم بأن من صفاته العُلى أنه التواب الرحيم، أي الموصوف بالإكثار من قبول توبة التائبين، الرحيم لعباده، ولا شك أن قبول التوبة من الرحمة فتعقيب ﴿ التواب ﴾ ب ﴿ الرحيم ﴾ في غاية المناسبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ في أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ مِنّا صَدَقَةَ أمْوالِنا لِتُطَهِّرَنا وتُزَكِّيَنا، قالَ: لا أفْعَلُ حَتّى أُؤْمَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّدَقَةُ الَّتِي بَذَلُوها مِن أمْوالِهِمْ تَطَوُّعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها الزَّكاةُ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ تَعالى في أمْوالِهِمْ فَرْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ لِأنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في الأمْوالِ كُلِّها وإنَّما تَجِبُ في بَعْضِها.

﴿ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ أيْ تُطَهِّرُ ذُنُوبَهم وتُزَكِّي أعْمالَهم.

﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ادْعُ لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قُرْبَةٌ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ.

الثّانِي: رَحْمَةٌ لَهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: وقارٌ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: تَثَبُّتٌ لَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الخامِسُ: أمْنٌ لَهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: يا جارَةَ الحَيِّ كُنْتِ لِي سَكَنًا إذْ لَيْسَ بَعْضُ الجِيرانِ بِالسَّكَنِ وَفِي الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ والدُّعاءِ لَهم عِنْدَ أخْذِ الصَّدَقَةِ مِنهم سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَجِبُ عَلى الآخِذِ الدُّعاءُ لِلْمُعْطِي اعْتِبارًا بِظاهِرِ الأمْرِ.

الثّانِي: لا يَجِبُ ولَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِأنَّ جَزاءَها عَلى اللَّهِ تَعالى لا عَلى الآخِذِ.

والثّالِثُ: إنْ كانَتْ تَطَوُّعًا وجَبَ عَلى الآخِذِ الدُّعاءُ، وإنْ كانَتْ فَرْضًا اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.

والرّابِعُ: إنْ كانَ آخِذُها الوالِي اسْتُحِبَّ لَهُ الدُّعاءُ ولَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ آخِذُها الفَقِيرَ وجَبَ عَلَيْهِ الدُّعاءُ لَهُ، لِأنَّ الحَقَّ في دَفْعِها إلى الوالِي مُعَيَّنٌ، وإلى الفَقِيرِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.

والخامِسُ: إنْ كانَ آخِذُها الوالِيَ وجَبَ، وإنْ كانَ الفَقِيرَ اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.

لِأنَّهُ دَفْعَها إلى الوالِي إظْهارُ طاعَةٍ فَقُوبِلَ عَلَيْها بِالشُّكْرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الفَقِيرُ.

والسّادِسُ: إنْ سَألَ الدّافِعُ الدُّعاءَ وجَبَ، وإنْ لَمْ يَسْألِ اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ  بِصَدَقاتِ قَوْمِي فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ، فَقالَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى) .» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: قال الآخرون: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟

فأنزل الله: ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود قال: ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل.

قال: وهو يضعها في يد السائل، ثم قرأ ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله: ﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ قال: إن الله هو يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه، وإن الرجل ليصدق بمثل اللقمة فيربيها به كما يربي أحدكم فصيله أو مهره، فتربو في كف الله حتى تكون مثل أحد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة طيبة من كسب طيب- ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا طيب- فيضعها في حق إلا كانت كأنما يضعها في يد الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى أن اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم، وتصديق ذلك في كتاب الله العظيم ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ﴾ » .

وأخرج الدارقطني في الافراد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فتقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل، ثم تلا هذه الآية ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ﴾ فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله فيوفيها إياه يوم القيامة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الآية، قال أهل التفسير: (لما نزلت توبة هؤلاء، قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟

فقال الله -عز وجل-: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾ (١) ومعنى صيغة الاستفهام هاهنا: التنبيه على ما يجب أن يعلموا، وقوله تعالى: ﴿ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾ ، قال المفسرون وأهل المعاني: (معناه: يقبلها) (٢) قال بعض أهل (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ يريد: يرجع إلى من رجع إليه بالرحمة والمغفرة، قاله ابن عباس (٤) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 19، وابن أبي حاتم 6/ 1876، والثعلبي 6/ 145 ب.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 467، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 199، و"تأويل مشكل القرآن"، له ص 502، و"معاني القرآن الكريم" للنحاس 2/ 251، و"تفسير الثعلبي" 6/ 146 أ، والبغوي 4/ 29.

(٣) في (م): (أصحاب)، ولم أجد قولهم هذا فيما بين يدي من مصادر.

(٤) انظر: "الوسيط" 2/ 523.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ أي اجترأوا عليه وقيل: أقاموا عليه ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله، فالثانية منهما عذاب القبر، والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل: بفضيحتهم بالنفاق ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية: قيل: إنها نزلت في أبي لبابة الأنصاري فعمله الصالح الجهاد وعمله السيء نصيحته لبني قريظة، وقيل: هو لمن تخلف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم، وعملهم السيىء تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.

قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله؛ إنا نريد أن نتصدق بأموالنا.

فنزلت هذه الآية.

وأخذ ثلث أموالهم.

وقيل: هي الزكاة المفروضة، فالضمير على العموم لجميع المسلمين ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ أي ادع لهم ﴿ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ أي تسكن به نفوسهم، فهو عبارة عن صحة الاعتقاد، أو عن طمأنينة نفوسهم إذ علموا أن الله تاب عليهم.

﴿ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ الضمير في يعلموا للتائبين من التخلف.

وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا، وقيل عام.

وفائدة الضمير المؤكد تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ قيل: معناه يأمر بها، وقيل: هم الذين بنوا مسجد الضرار، وقرئ مرجئون بالهمز وتركه وهما لغتان ومعناه التأخير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.

والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.

﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.

﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.

الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.

﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.

الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.

الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.

﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.

الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.

الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: {  م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.

وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.

والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.

قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله  عنهم بأنه رضي عنهم.

ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.

قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.

وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.

وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.

وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله  وما كان بينهم؟

فقال لي: إن الله  قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.

قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟

قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله  : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟

أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.

قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.

ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.

فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.

ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.

روى السدي عن أبي مالك أنه  قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.

وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.

وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.

وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.

وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.

وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.

﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.

قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.

ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.

و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.

وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.

وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.

عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله  وأصحابه في الجهاد.

روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.

وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله  هو الذي يطلقنا ويعذرنا.

فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.

فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.

فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.

والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.

﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.

وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.

لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.

وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.

ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.

قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.

وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.

وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.

وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.

ثم قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.

وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.

ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.

وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.

وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.

وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.

قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه  جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.

قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.

وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.

فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.

وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي  إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.

وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.

وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده  وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.

قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟

ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟

وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟

﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟

احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.

ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.

روي أن رسول الله  لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.

وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.

وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.

وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.

وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.

وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.

ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.

والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.

وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.

ولا شك أن رؤية الله  شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.

أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.

واعلم أنه  قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه  ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.

وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.

وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.

وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.

وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.

قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.

ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.

في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.

وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله  أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.

واعلم أنه  حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي  وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.

وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.

قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.

وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.

وقال الأكثرون: إنه الإعداد.

والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله  عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله  يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.

ثم أخبر الله  عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.

قال المفسرون.

إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.

فقال رسول الله  : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.

فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.

وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.

ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.

ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟

قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ  لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.

واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله  بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله  عن المسجد الذي أسس على التقوى.

فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.

وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله  وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.

وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.

وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.

ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.

وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.

"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟

فسكت القوم.

ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.

فقال  : أترضون بالقضاء؟

قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟

قالوا: نعم.

قال: أتشكرون في الرخاء؟

قالوا: نعم.

فقال  : مؤمنون ورب الكعبة.

فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟

فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.

فتلا النبي  : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.

ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.

ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.

والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.

قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.

وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.

ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.

والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.

وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.

التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي  وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .

﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان {  م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.

﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال  : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.

فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال  : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.

﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.

﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.

﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.

﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.

﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.

﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.

﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.

ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ اختلف في هذه الصدقة التي أمر الله رسوله بأخذها من أموالهم: قال بعضهم: هي صدقة فريضة، ثم اختلف فيها أية فريضة هي؟

فقال بعضهم: فريضة زكاة الأموال.

وقال بعضهم: هي فريضة كفارة المآثم، وذلك أن أولئك الذين تخلفوا عن رسول الله  في غزوة تبوك ندموا على تخلفهم، فلما رجع رسول الله جاءوا بأموالهم فقالوا له: تصدق بأموالنا عنا؛ فإن أموالنا هي التي خلفتنا عنك، فأمر الله رسوله أن يأخذ منهم ذلك ويتصدق به كفارة لما ارتكبوا.

ومن قال: هي فريضة زكاة المال؛ لما روي عن أبي أمامة [قال]: "إن ثعلبة بن حاطب أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال رسول الله: ويحك يا ثعلبة!

قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: ويحك يا ثعلبة!

أما [ترضى أن تكون مثل] رسول الله لو سألت الله أن يسيل الجبال علي ذهباً لسالت، ثم أتاه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، فوالله لو أتاني مالاً لأوتين كل ذي حق حقه.

فدعا له فقال: اللهم ارزق ثعلبة مالاً ثلاث مرات، وذكر أنه اتخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت عليه أزقة المدينة، فتنحى بها، وكان يصلي الصلوات كلها مع رسول الله ويخرج إليها، ثم ضاقت عليه [بها] مراعي المدينة فتنحى بها فكان يصلي الظهر والعصر مع رسول الله ثم يتبعها، ثم تنحى بها، فكان يصلي الجمعة مع رسول الله ثم يتبعها، ثم بلغ أمره إلى أن ترك الجمعة والجماعات، فتنحى بها ويتلقى الركبان فيسألهم عن الخبر وعما أنزل على رسول الله [فأنزل الله]: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً...

﴾ الآية، فبعث رسول الله  على الصدقة رجلين فكتب لهما فرائض [الصدقة]، وأمرهما أن يسعيا في الناس ويأخذا صدقاتهم، وأن يمرّا بثعلبة ورجل من بني سليم فيأخذا صدقاتهما، فخرجا بصدقات الناس، فمرا بالسلمى فأقراه كتاب رسول الله فأطاع بالصدقة، ومرّا بثعلبة فأقراه كتاب رسول الله  ، فقال: والله ما أدري ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فإذا فرغتما فمرا بي حتى أرى رأيي، فلما فرغا من الناس مرّا به [فقال لهما مثل] مقالته الأولى، وقال: انطلقا فإني سألقى رسول الله، فأنزل الله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ " إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل أنها نزلت في شأن ثعلبة.

ومنهم من قال ما ذكرنا أنها نزلت في شأن أهل تبوك الذين تخلفوا عن رسول الله.

ومنهم من قال: الصدقة التي أمر الله رسوله أن يأخذها من أموالهم هي صدقة تطوع وتبرع، وهو ما ذكر أن رسول الله كان يحث الناس على الإنفاق في غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بكذا، وفلان بكذا، فأخذهم منهم، وفيه نزل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ  ﴾ .

ومنهم من قال: هو في كل صدقة تطوع، قلَت الصدقة أو كثرت، أمر رسوله أن يأخذ من أموالهم ما رأى لا يأخذ الكل؛ لأن أخذ الكل يحوجهم ويشغلهم عن جميع الطاعات والعبادات، ولكن أمر أن يأخذ قدراً منها وطائفة، مقدار ما يكفر ما ارتكبوا من المآثم.

وقوله: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ .

إن كانت صدقة الزكاة، فهي تطهر آثامهم وتزكي أخلاقهم حتى يتيسر عليهم إخراج الصدقة وأداؤها إلى أهلها، وإن كان صدقة كفارة لمن تخلف عن غزوة تبوك، فهي تكفر آثامهم التي لحقتهم بذلك ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾ .

قيل: وتصلحهم، وهو ظاهر.

وإن كانت صدقة تطوع فهي مما يطهرهم أيضاً، ويزكيهم؛ لما ينفي عنهم البخل، ويؤدي إلى الجود والكرم؛ ألا ترى أنه مدح من أعطى، وذم من بخل ومنع بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...

 ﴾ الآية ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ...

 ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: كان رسول الله  إذا أتى أحد بصدقة دعا له ويستغفر، وكان لا يستغفر لأهل النفاق، وكانت قلوبهم تسكن وتطمئن باستغفار النبي؛ لما علموا بذلك أنهم ليسوا من أهل النفاق؛ هذا يحتمل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله أمر رسوله أن يستغفر لهم ويصلي عليهم، ثم لا يحتمل أن يأمره بذلك فلا يفعل، أو يفعل فلا يجيبه، [فكانت قلوبهم تسكن] وتطمئن باستغفار النبي لهم لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، والله أعلم.

﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا هذا غير مرة.

وفي قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾ دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد المتولي والعامل عليها سقطت عن أربابها، وإن لم تقع في أيدي الفقراء ولم تصل إليهم؛ لأن النبي  كان لا يحل له الصدقة، ثم أخبر أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية.

وفيه استدلال لمحمد بن الحسن في الوقف؛ أن الوقف إذا وقف وأخرجه من يده وجعله في يد آخر ممن لا حق له في ذلك كان جائزاً، وكان وقفاً صحيحاً.

ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال، وكذلك مضت السنة من رسول الله  في بعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعد: أبو بكر، وعمر، والأئمة الراشدون، وظهر العمل بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت، حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه الزكاة: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله  حاربتهم عليها.

فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة الإمام أصحاب الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم.

وقد بين الله  وجوب ذلك بياناً شافياً بقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ  ﴾ الآية، فجعل للعاملين عليها حقّاً، فلو لم يكن على الإمام أن يطالب بصدقات الأنعام في أماكنها، وكان أداء ذلك إلى أرباب الأموال؛ ما كان لذكر العاملين وجه، ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومن حمله منهم إلى الأئمة يقبلون ما يحمل إليهم منه، ولا يسألون أحداً عن مبلغ ملكه، ولا يطالبون به إلا ما كان من توجيه عمر العشار في الأطراف، وكان ذلك منه عندنا - والله أعلم - للتخفيف عمن بعد عن داره، وشق عليه أن يحمل صدقته إلى إمامه، فجعل في [كل] طرف من الأطراف عاشراً لتجار أهل الحرب والذمة، وأمره أن يأخذ من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه، وكان ذلك من عمر تخفيفاً على المسلمين؛ لأنه ليس على الإمام مطالبة أرباب الأموال بأموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة سوى المواشي والأنعام، فإن مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحد منهم الإمام بشيء من ذلك، فيقبله منه ولا يتعدى ما جرت به السنة إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: قد علموا أن الله يقبل توبة من تاب.

ويحتمل على الأمر، أي: اعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده.

[و]يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ أي: قد علموا ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ ﴾ ممن تاب.

﴿ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، قيل: يقبل.

ويشبه إضافة الأخذ إلى نفسه إضافته إلى رسوله بقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً  ﴾ ، وذلك كثير في القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ قال أبو بكر الأصم: التواب هو صفة العافي، وهو اسم للتائب.

والتواب عندنا: هو الموفق للتوبة.

ثم الكافر إذا أسلم وتاب لم يلزم مع التوبة كفارة أخرى سوى التوبة، وإن كان ارتكب مساوئ وفواحش سوى الشرك والكفر، والمسلم إذا ارتكب مساوئ لزمته التوبة والكفارة جميعاً؛ وذلك لأن المسلم لما أسلم اعتقد حفظ ما لزمه من الشرائع، فإذا ارتكب ما ذكرنا خرج [عن] شرائعه وأدخل نقصاناً فيما اعتقد حفظه، فإذا ترك حفظه وأدخل فيه النقصان، لزمته الكفارة يجبر بها النقصان الذي أدخل فيه، وأما الكافر فليس عليه شيء من الشرائع، إنما عليه أن يتوب عن الشرك ويأتي بالإيمان؛ لذلك افترقا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك في الذين كانوا تخلفوا عن تبوك، ثم ندموا وتابوا عن ذلك، فتاب الله عليهم؛ يقول: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، أي: إن عدتم إلى ما عنه تبتم - وهو التخلف - يطلع الله رسوله والمؤمنون على ذلك ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ \[أي: تردون إلى ما أعد لكم في عالم الغيب والشهادة\].

وقال بعضهم: الآية في المنافقين؛ يقول: [اعملوا] فيما تستأنفون؛ فإن الله يطلع رسوله والمؤمنين على نفاقكم فتفتضحون، حيث يطلعون على سرائركم.

﴿ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .

أي: تردون إلى ما أعد لكم [في] عالم الغيب والشهادة.

﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: يجزيكم جزاء ما كنتم تعملون؛ يخرج ذلك على الوعيد.

وذكر في بعض الأخبار "أن رسول الله  شهد جنازة والمؤمنون - أيضاً - شهدوها، فأثنى عليها، فقال رسول الله  : وجبت، فقيل: يا رسول الله، ما وجبت؟

قال: الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، فإذا شهدتم وجبت" ثم [قرأ] قوله: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

فإن ثبت هذا ففيه دلالة جواز حجة الإجماع؛ لأنه قال: "الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض [فإذا شهدتم وجبت]" ، فإذا شهدوا على شر فهو شر، وإذا شهدوا على خير فهو خير، فعلى ذلك إذا شهدوا على حكم يلزم العمل به.

وقوله: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

ليس على الأمر أن يقول لهم جميعاً: اعملوا كذا، ولكن [أن] كل من بلغته هذه الآية يتفكر فيها ويتدبر، فلا يقدم [على عمل] لا يستحسنه أن يكون رسول الله والمؤمنون بحضرته فإذا خلا به لا يعمله، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ ، ليس على الأمر بالسير على الأرض، ولكن على الأمر بالتفكر والتدبر فيما نزل بهم بالتكذيب، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، ليس على الأمر أن يقول لهم ذلك، ولكن يتفكر كل فيه أنه واحد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد والتائبون إلى الله أن الله يقبل التوبة من عباده التائبين إليه، وأنه يقبل الصدقات وهو غني عنها، ويثيب المتصدق على صدقته، وأنه سبحانه هو التواب على من تاب من عباده، الرحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.8eQJ9"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل