الآية ١٠٥ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٥ من سورة التوبة

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٥ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٥ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد : هذا وعيد ، يعني من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى ، وعلى الرسول ، وعلى المؤمنين .

وهذا كائن لا محالة يوم القيامة ، كما قال : ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) [ الحاقة : 18 ] ، وقال تعالى : ( يوم تبلى السرائر ) [ الطارق : 9 ] ، وقال ( وحصل ما في الصدور ) [ العاديات : 10 ] وقد يظهر ذلك للناس في الدنيا ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة ، لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان " .

.

وقد ورد : أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ ، كما قال أبو داود الطيالسي : حدثنا الصلت بن دينار ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم ، فإن كان خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : " اللهم ، ألهمهم أن يعملوا بطاعتك " .

وقال الإمام أحمد : أخبرنا عبد الرزاق ، عن سفيان ، عمن سمع أنسا يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات ، فإن كان خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم ، لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا " .

وقال البخاري : قالت عائشة ، رضي الله عنها : إذا أعجبك حسن عمل امرئ ، فقل : ( اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) .

وقد ورد في الحديث شبيه بهذا ، قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا حميد ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له ؟

فإن العامل يعمل زمانا من عمره - أو : برهة من دهره - بعمل صالح لو مات عليه لدخل الجنة ، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا ، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ ، لو مات عليه دخل النار ، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا ، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته " .

قالوا : يا رسول الله وكيف يستعمله : قال : " يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه " تفرد به أحمد من هذا الوجه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وقل)، يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك =(اعملوا)، لله بما يرضيه، من طاعته، وأداء فرائضه =(فسيرى الله عملكم ورسوله)، يقول: فسيرى الله إن عملتم عملكم, ويراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا =(وستردون)، يوم القيامة، إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم, فلا يخفى عليه شيء من باطن أموركم وظواهرها (56) =(فينبئكم بما كنتم تعملون)، يقول: فيخبركم بما كنتم تعملون, (57) وما منه خالصًا، وما منه رياءً، وما منه طاعةً، وما منه لله معصية, فيجازيكم على ذلك كله جزاءكم, المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

* * * 17173- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، قال: هذا وعيدٌ.

(58) ------------------- الهوامش : (56) انظر تفسير " عالم الغيب والشهادة " فيما سلف من فهارس اللغة ( غيب ) ، ( شهد ) .

(57) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .

(58) عند هذا الموضع انتهى الجزء الحادي عشر من مخطوطتنا ، وفي نهايته ما نصه : " نجز المجلد الحادي عشر من كتاب البيان ، بحمد الله وعونه وحُسْن توفيقه يتلوه في الجزء الثاني عشر ، إن شاء الله تعالى : القول في تأويل قوله : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وكان الفراغ من نسخه في شهر شعبان المبارك سنة خمس عشرة وسبعمائة .

غفر الله لمؤلفه ، ولصاحبه ، ولكاتبه ، ولجميع المسلمين .

آمين ، آمين ، آمين ، آمين " ثم يتلوه الجزء الثاني عشر ، وأوله : " بسم الله الرحمن الرحيم رَبِّ يَسِّرْ ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملونقوله تعالى وقل اعملوا خطاب للجميع .

فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم .

وفي الخبر : لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْ‏}‏ لهؤلاء المنافقين‏:‏ ‏{‏اعْمَلُوا‏}‏ ما ترون من الأعمال، واستمروا على باطلكم، فلا تحسبوا أن ذلك، سيخفى‏.‏ ‏{‏فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا بد أن يتبين عملكم ويتضح، ‏{‏وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ من خير وشر، ففي هذا التهديد والوعيد الشديد على من استمر على باطله وطغيانه وغيه وعصيانه‏.‏ ويحتمل أن المعنى‏:‏ أنكم مهما عملتم من خير أوشر، فإن اللّه مطلع عليكم، وسيطلع رسوله وعباده المؤمنين على أعمالكم ولو كانت باطنة‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) قال مجاهد : هذا وعيد لهم .

قيل : رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بإعلام الله تعالى إياه ، ورؤية المؤمنين بإيقاع المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح ، والبغضة لأهل الفساد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقل» لهم أو للناس «اعملوا» ما شئتم «فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون» بالبعث «إلى عالم الغيب والشهادة» أي الله «فينبئكم بما كنتم تعملون» فيجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المتخلِّفين عن الجهاد: اعملوا لله بما يرضيه من طاعته، وأداء فرائضه، واجتناب المعاصي، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وسيتبين أمركم، وسترجعون يوم القيامة إلى مَن يعلم سركم وجهركم، فيخبركم بما كنتم تعملون.

وفي هذا تهديد ووعيد لمن استمر على باطله وطغيانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - بالتزود من العمل الصالح ، وحذر من الوقوع فى العمل السئ ، فقال - تعالى - : ( وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون ) .أى : وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء التائبين وغيرهم ، قل لهم : اعملوا ما تشاءون من الأعمال ، فإن الله مطلع عليها ، وسيطلع رسوله والمؤمنون عليها كذلك .وخص - سبحانه - رسوله والمؤمنين بالذكر ، لأنهم هم الذين يهتم المخاطبون باطلاعهم .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ) تعليل لما قبله ، أو تأكيد لما يستافد منه من الترغييب والترهيب ، والسين للتأكيد .

.

والمراد من رؤية الله العمل - عند جمع - الاطلاع عليه ، وعلمه علما جليا ، ونسبة ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، باعتبار ان الله - تعالى - لا يخفى ذلك عنهم ، بل يطلعهم عليه .

.

.

.

" .وقوله : ( وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) بيان لما سيكون عليه حالهم فى الآخرة .أى : وسترجعون بعد موتكم إلى الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ ، فينبئكم بما كنتم تعملونه فى الدنيا من خير أو شر ، وسيجازيكم بما تستحقونه من ثواب أو عقاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا الكلام جامع للترغيب والترهيب، وذلك لأن المعبود إذا كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ وقلت في بعض المجالس ليس المقصود من هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام القدح في إلهية الصنم، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه حجر وخشب وأنه معرض لتصرف المتصرفين، فمن شاء أحرقه، ومن شاء كسره، ومن كان كذلك كيف يتوهم العاقل كونه إلهاً؟

بل المقصود أن أكثر عبدة الأصنام كانوا في زمان إبراهيم عليه السلام أتباع الفلاسفة القائلين بأن إله العالم موجب بالذات، وليس بموجد بالمشيئة والاختيار، فقال: الموجب بالذات إذا لم يكن عالماً بالخيرات ولم يكن قادراً على الإنفاع والإضرار، ولا يسمع دعاء المحتاجين ولا يرى تضرع المساكين، فأي فائدة في عبادته؟

فكان المقصود من دليل إبراهيم عليه السلام الطعن في قول من يقول: إله العالم موجب بالذات.

أما إذا كان فاعلاً مختاراً وكان عالماً بالجزئيات فحينئذ يحصل للعباد الفوائد العظيمة، وذلك لأن العبد إذا أطاع علم المعبود طاعته وقدر على إيصال الثواب إليه في الدنيا والآخرة، وإن عصاه علم المعبود ذلك، وقدر على إيصال العقاب إليه في الدنيا والآخرة، فقوله: ﴿ وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ ترغيب عظيم للمطيعين، وترهيب عظيم للمذنبين، فكأنه تعالى قال: اجتهدوا في المستقبل، فإن لعملكم في الدنيا حكماً وفي الآخرة حكماً.

أما حكمه في الدنيا فهو أنه يراه الله ويراه الرسول ويراه المسلمون، فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة، وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة.

فثبت أن هذه اللفظة الواحدة جامعة لجميع ما يحتاج المرء إليه في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده.

المسألة الثانية: دلت الآية على مسائل أصولية.

الحكم الأول: إنها تدل على كونه تعالى رائياً للمرئيات، لأن الرؤية المعداة إلى مفعول واحد، هي الإبصار، والمعداة إلى مفعولين هي العلم، كما تقول رأيت زيداً فقيهاً، وهاهنا الرؤية معداة إلى مفعول واحد فتكون بمعنى الإبصار، وذلك يدل على كونه مبصراً للأشياء كما أن قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ  ﴾ يدل على كونه تعالى مبصراً ورائياً للأشياء، ومما يقوي أن الرؤية لا يمكن حملها هاهنا على العلم أنه تعالى وصف نفسه بالعلم بعد هذه الآية فقال: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ ولو كانت هذه الرؤية هي العلم لزم حصول التكرير الخالي عن الفائدة وهو باطل.

الحكم الثاني: مذهب أصحابنا أن كل موجود فإنه يصح رؤيته، واحتجوا عليه بهذه الآية وقالوا: قد دللنا على أن الرؤية المذكورة في هذه الآية معداة إلى مفعول واحد، والقوانين اللغوية شاهدة بأن الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها الإبصار.

فكانت هذه الرؤية معناها الإبصار.

ثم إنه تعالى عدى هذه الرؤية إلى عملهم والعمل ينقسم إلى أعمال القلوب، كالإرادات والكراهات والأنظار.

وإلى أعمال الجوارح، كالحركات والسكنات.

فوجب كونه تعالى رائياً للكل وذلك يدل على أن هذه الأشياء كلها مرئية لله تعالى، وأما الجبائي فإنه كان يحتج بهذه الآية على كونه تعالى رائياً للحركات والسكنات والاجتماعات والافتراقات، فلما قيل له: إن صح هذا الاستدلال، فيلزمك كونه تعالى رائياً لأعمال القلوب، فأجاب عنه أنه تعالى عطف عليه قوله: ﴿ وَرَسُولُهُ والمؤمنون ﴾ وهم إنما يرون أفعال الجوارح، فلما تقيدت هذه الرؤية بأعمال الجوارح في حق المعطوف وجب تقييدها بهذا القيد في حق المعطوف عليه، وهذا بعيد لأن العطف لا يفيد إلا أصل التشريك.

فأما التسوية في كل الأمور فغير واجب، فدخول التخصيص في المعطوف، لا يوجب دخول التخصيص في المعطوف عليه، ويمكن الجواب عن أصل الاستدلال فيقال: رؤية الله تعالى حاصلة في الحال.

والمعنى الذي يدل عليه لفظ الآية وهو قوله: ﴿ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ أمر غير حاصل في الحال، لأن السين تختص بالاستقبال.

فثبت أن المراد منه الجزاء على الأعمال.

فقوله: ﴿ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ أي فسيوصل لكم جزاء أعمالكم.

ولمجيب أن يجيب عنه، بأن إيصال الجزاء إليهم مذكور بقوله: ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فلو حملنا هذه الرؤية على إيصال الجزاء لزم التكرار، وأنه غير جائز.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون ﴾ سؤال: وهو أن عملهم لا يراه كل أحد، فما معنى هذا الكلام؟

والجواب: معناه وصول خبر ذلك العمل إلى الكل.

قال عليه السلام: «لو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان».

فإن قيل: فما الفائدة في ذكر الرسول والمؤمنين بعد ذكر الله في أنهم يرون أعمال هؤلاء التائبين؟

قلنا: فيه وجهان: الوجه الأول: أن أجدر ما يدعو المرء إلى العمل الصالح ما يحصل له من المدح والتعظيم والعز الذي يلحقه عند ذلك، فإذا علم أنه إذا فعل ذلك الفعل عظمه الرسول والمؤمنون، عظم فرحه بذلك وقويت رغبته فيه، ومما ينبه على هذه الدقيقة أنه ذكر رؤية الله تعالى أولاً، ثم ذكر عقيبها رؤية الرسول عليه السلام والمؤمنين، فكأنه قيل: إن كنت من المحقين المحققين في عبودية الحق، فاعمل الأعمال الصالحة لله تعالى، وإن كنت من الضعفاء المشغولين بثناء الخلق فاعمل الأعمال الصالحة لتفوز بثناء الخلق، وهو الرسول والمؤمنون.

الوجه الثاني: في الجواب ما ذكره أبو مسلم: أن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة كما قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ الآية، والرسول شهيد الأمة، كما قال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ فثبت أن الرسول والمؤمنين شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية، فذكر الله أن الرسول عليه السلام والمؤمنين يرون أعمالهم، والمقصود التنبيه على أنهم يشهدون يوم القيامة عند حضور الأولين والآخرين، بأنهم أهل الصدق والسداد والعفاف والرشاد.

ثم قال تعالى: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الغيب ما يسرونه، والشهادة ما يظهرونه.

وأقول لا يبعد أن يكون الغيب ما حصل في قلوبهم من الدواعي والصوارف، والشهادة الأعمال التي تظهر على جوارحهم، وأقول أيضاً مذهب حكماء الإسلام أن الموجودات الغائبة عن الحواس علل أو كالعلل للموجودات المحسوسات، وعندهم أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول.

فوجب كون العلم بالغيب سابقاً على العلم بالشهادة، فلهذا السبب أينما جاء هذا الكلام في القرآن كان الغيب مقدماً على الشهادة.

المسألة الثانية: إن حملنا قوله تعالى: ﴿ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ على الرؤية، فحينئذ يظهر أن معناه مغاير لمعنى قوله: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ وإن حملنا تلك الرؤية على العلم أو على إيصال الثواب جعلنا قوله: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ جارياً مجرى التفسير لقوله: ﴿ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ معناه: بإظهار المدح والثناء والإعزاز في الدنيا، أو بإظهار أضدادها.

وقوله: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ معناه: ما ينظره في القيامة من حال الثواب والعقاب.

ثم قال: ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ والمعنى يعرفكم أحوال أعمالكم ثم يجازيكم عليها، لأن المجازاة من الله تعالى لا تحصل في الآخرة إلا بعد التعريف.

ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم، فإن كان من أهل الثواب كان فرحه وسعادته أكثر، وإن كان من أهل العقاب كان غمه وخسرانه أكثر.

وقال حكماء الإسلام، المراد من قوله تعالى: ﴿ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ الإشارة إلى الثواب الروحاني، وذلك لأن العبد إذا تحمل أنواعاً من المشاق في الأمور التي أمره بها مولاه، فإذا علم العبد أن مولاه يرى كونه متحملاً لتلك المشاق، عظم فرحه وقوي ابتهاجه بها، وكان ذلك عنده ألذ من الخلع النفيسة والأموال العظيمة.

وأما قوله: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ فالمراد منه تعريف عقاب الخزي والفضيحة.

ومثاله أن العبد الذي خصه السلطان بالوجوه الكثيرة من الإحسان إذا أتى بأنواع كثيرة من المعاصي، فإذا حضر ذلك العبد عند ذلك السلطان وعدد عليه أنواع قبائحه وفضائحه، قوي حزنه وعظم غمه وكملت فضيحته، وهذا نوع من العذاب الروحاني، وربما رضي العاقل بأشد أنواع العذاب الجسماني حذراً منه.

والمقصود من هذه الآية تعريف هذا النوع من العقاب الروحاني نسأل الله العصمة منه ومن سائر العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقُلِ ﴾ لهؤلاء التائبين ﴿ اعملوا ﴾ فإن عملكم لا يخفى- خيراً كان أو شراً- على الله وعباده كما رأيتم وتبين لكم.

والثاني: أن يراد غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة، فقد روي أنهم لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا: هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ قلت: هو مجاز عن قبوله لها، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: إن الصدقة تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد السائل والمعنى: أنه يتقبلها ويضاعف عليها، وقوله: ﴿ فَسَيَرَى الله ﴾ وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ ما شِئْتُمْ.

﴿ فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا.

﴿ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَنْهم كَما رَأيْتُمْ وتَبَيَّنَ لَكم.

﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ بِالمَوْتِ.

﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ.

﴿ وَآخَرُونَ ﴾ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ.

﴿ مُرْجَوْنَ ﴾ مُؤَخَّرُونَ أيْ مَوْقُوفٌ أمْرُهم مِن أرْجَأْتَهُ إذا أخَّرْتَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ مُرْجَوْنَ ﴾ بِالواوِ وهُما لُغَتانِ.

﴿ لأمْرِ اللَّهِ ﴾ في شَأْنِهِمْ.

﴿ إمّا يُعَذِّبُهُمْ ﴾ إنْ أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ.

﴿ وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ إنْ تابُوا والتَّرْدِيدُ لِلْعِبادِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِأحْوالِهِمْ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ.

وقُرِئَ « واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، أمَرَ الرَّسُولُ  أصْحابَهُ أنْ لا يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ولا يُكَلِّمُوهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ أخْلَصُوا نِيّاتِهِمْ وفَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللَّهِ فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقُلِ} لهؤلاء التائبين {اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون} أي فإن عملكم لا يخفى خيراً كان أو شراً على الله وعباده كما رأيتم وتبين لكم أو غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة فقد رُوي أنه لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت وقوله تعالى فَسَيَرَى الله وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة {وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب}

ما يغيب عن الناس {والشهادة} ما يشاهدونه {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تنبئة تذكير ومجازاة عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقُلِ اعْمَلُوا ﴾ ما تَشاءُونَ مِنَ الأعْمالِ ﴿ فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ﴾ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ أوْ تَأْكِيدٌ لِما يُسْتَفادُ مِنهُ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ كَما قَرَّرْنا أيْ يَرى اللَّهُ تَعالى البَتَّةَ ﴿ ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والتَّأْخِيرُ عَنِ المَفْعُولِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، والمُرادُ مِن رُؤْيَةِ العَمَلِ عِنْدَ جَمْعٍ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ وعِلْمُهُ عِلْمًا جَلِيًّا ونِسْبَةُ ذَلِكَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُخْفِي ذَلِكَ عَنْهم ويُطْلِعُهم عَلَيْهِ إمّا بِالوَحْيِ أوْ بِغَيْرِهِ وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الإخْلاصِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ».

وتَخْصِيصُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ عَلى هَذا لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْبَأُ المُخاطَبُونَ بِإطْلاعِهِمْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُؤْمِنِينَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الأعْمالَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ بَلْ أدْهى وأمَرُّ ما زَعَمَهُ بَعْضُ الإمامِيَّةِ أنَّهُمُ الأئِمَّةُ الطّاهِرُونَ ورَوَوْا أنَّ الأعْمالَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ اثْنَيْنِ وخَمِيسٍ بَعْدَ أنْ تُعْرَضَ عَلى النَّبِيِّ  وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هُنا كِنايَةً عَنِ المُجازاةِ ويَكُونُ ذَلِكَ خاصًّا بِالدُّنْيَوِيِّ مِن إظْهارِ المَدْحِ والإعْزازِ مَثَلًا ولَيْسَ بِالرَّدِيءِ وقِيلَ: يَجُوزُ إبْقاءُ الرُّؤْيَةِ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ التِزامَ القَوْلِ بِرُؤْيَةِ المَعانِي وهو تَكَلُّفٌ وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى غَيْرَ بَعِيدٍ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِنَ الأعْمالِ ما يُرى عادَةً كالحَرَكاتِ ولا حاجَةَ فِيهِ إلى حَدِيثِ الِالتِزامِ المَذْكُورِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِالتِزامَ في جانِبِ المَعْطُوفِ لا يَخْفى ما فِيهِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ (فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ)» أيْ فَسَيُظْهِرُهُ ﴿ وسَتُرَدُّونَ ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ إلى عالِمِ الغَيْبِ ﴾ ومِنهُ ما سَتَرَوْنَهُ مِنَ الأعْمالِ ﴿ والشَّهادَةِ ﴾ ومِنها ما تُظْهِرُونَهُ، وفي ذِكْرِ هَذا العُنْوانِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما لا يَخْفى ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ ﴾ بَعْدَ الرَّدِّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ المُمْتَدِّ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 105﴾ قَبْلَ ذَلِكَ في الدُّنْيا والإنْباءُ مَجازٌ عَنِ المُجازاةِ أوْ كِنايَةٌ أيْ يُجازِيكم حَسَبَ ذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ فَفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا أي: اعملوا خيرا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، يعني: ويراه رسوله، ويراه المؤمنون.

وقال ابن مسعود  «إن الناس قد أحسنوا القول كلهم، فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبّخ نفسه» .

وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، يعني: يوم القيامة، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ، يعني: موفقون لأمر الله.

وقال القتبي: مؤخرون على أمر الله، ويقال: متروكون لأمر الله تعالى لهم ويقال مؤخر أمرهم، ولم يبيّن شيء، فنزلت هذه الآية في الثلاثة الذين تخلفوا، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع.

ثم بيَّن توبتهم في الآية التي بعد هذه وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

قرأ حمزة والكسائي ونافع مُرْجَوْنَ بغير همز، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالهمز، واختلف عن عاصم وابن عامر، وأصله من التأخير إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ بتخلفهم، وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، يعني: يتجاوز عنهم.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بهم، حَكِيمٌ يحكم في أمرهم ما يشاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء: المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها: أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله سبحانه: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: معناه: ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا قال ابنُ زَيْدٍ: يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين «١» ، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قال الزَّجَّاج «٢» : معناه: ويقبل الصدقات «٣» ، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية منها حديثُ أبي هريرة: «إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» «٤» ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد.

وقوله: عَنْ عِبادِهِ: هي بمعنى «من» .

وقوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ...

الآية: هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ.

وقال الطبري «١» : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا.

قال ع «٢» : والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير أَلَمْ يَعْلَمُوا، ومعنى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، أي: موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ.

وقال ابنُ العرَبِيِّ «٣» في «أحكامه» : قوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٩٤] فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها: التهديد وذلك لأن/ النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: عَطْفٌ على قوله أولاً: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا: ومعنى الإِرجاء: التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ: الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه «٤» على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل: إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا: يكون الَّذِينَ اتَّخَذُوا بإسقاط واو العطف بدلاً من آخَرُونَ، أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم «٥» وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قطر إلّا ب «المدينة» :

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا- بإسقاط الواو- على أنه مبتدأ، والخبر: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ وأما الجماعة المرادة ب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً، فهم منافقو بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عوف، وأسند الطبريُّ «١» ، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال: أقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ- بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار- وكان أصحاب مسجد الضّرار، قد أتوه صلّى الله عليه وسلّم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّهِ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال: «إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ» ، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شأن مسجد الضّرار، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ: «انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاهُ» فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ «٢» ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلّى الله عليه وسلّم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطاً لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها: لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ: واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فحزّب على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب «مكة» مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة» ، هَرَبَ إِلى «الطائف» ، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجداً، مقاومةً لمسجد «قُبَاء» ، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من «المدينة» ، فبَنُوهُ وقالوا: سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ: سيأتي أبو عامر، وقوله: ضِراراً أي: داعيةً للتضارر من/ جماعتين.

وقوله: تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريدُ: تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء» ، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل: أراد بقوله: بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ جماعة مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروي: أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزلَتْ: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها.

وقوله: لَمَسْجِدٌ: قيل: إن اللام لام قسمٍ، وقيل: هي لام ابتداء، كما تقول:

لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب «مسجد أسس على التقوى» : مسجد «قباء» «١» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثاني مرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي «٣» في «أحكامِه» : وقَدْ رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ أن المراد ب «مسجد أُسس على التقوى» : مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى: وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء» ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» .

قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم «٤» انتهى.

ومعنى: أَنْ تَقُومَ فِيهِ: أي: بصلاتك وعبادتك.

وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا اختلف في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو على مسجد «قُبَاءَ» ؟

روي أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ» «١» .

والبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ: هو مسجدُ الضِّرار بإِجماع، و «الشّفا» :

الحاشية والشّفير، وهارٍ: معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من: هَارَ يَهُورُ «٢» البخاريُّ: هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله.

انتهى.

وتأسيسُ البناء علَى تقوى إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه كما صنع في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي مسجدِ «قُبَاء» ، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ.

وقوله سبحانه: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ: الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج «٣» ، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره أنه قال: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «٤» ، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلّى الله عليه وسلّم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ/ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ: رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان «٥» وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جريج «٦» : أسنده الطبري.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَعْلَمُوا" بِالياءِ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ "تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ مِن عَبِيدِهِ، تَقُولُ: أخَذْتُهُ مِنكَ، وأخَذْتُهُ عَنْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَقْبَلُها.

ومِثْلُهُ ﴿ خُذِ العَفْوَ  ﴾ أيِ: اقْبَلْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا خِطابٌ لَلَّذِينِ تابُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ هو يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَدَقاتِ وأنَّ اللهَ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألَمْ يَعْلَمُوا" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: "ألَمْ تَعْلَمُوا" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ ألَمْ تَعْلَمُوا؟، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُوا" قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُرادُ بِهِ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا تِيبَ عَلى بَعْضِهِمْ قالَ الغَيْرُ: ما هَذِهِ الخاصَّةُ الَّتِي خُصَّ بِها هَؤُلاءِ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "يَعْلَمُوا" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ تابُوا ورَبَطُوا أنْفُسَهم.

وقَوْلُهُ: "هُوَ" تَأْكِيدٌ لِانْفِرادِ اللهِ بِهَذِهِ الأُمُورِ وتَحْقِيقٌ لِذَلِكَ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: "أنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَوْبَةَ" لاحْتَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَبُولُ رَسُولِهِ قَبُولًا مِنهُ، فَبَيَّنَتِ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَصِلُ إلَيْهِ نَبِيٌّ ولا مَلَكٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَأْخُذُ الصَدَقاتِ ﴾ مَعْناهُ: يَأْمُرُ بِها ويُشَرِّعُها كَما تَقُولُ: أخَذَ السُلْطانُ مِنَ الناسِ كَذا، إذا حَمَلَهم عَلى أدائِهِ.

وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: ويَقْبَلُ الصَدَقاتِ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في أخْذِ اللهِ صَدَقَةً مِن عَبِيدِهِ، مِنها قَوْلُهُ  الَّذِي رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ المُحارِبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عنهُ: "إنَّ العَبْدَ إذا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وقَعَتْ في يَدِ اللهِ قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السائِلِ"، ومِنها قَوْلُهُ الَّذِي رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ: "إنَّ الصَدَقَةَ تَكُونُ قَدْرَ اللُقْمَةِ يَأْخُذُها اللهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها لِأحَدِكم كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ"، وغَيْرُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ والتَحَفِّي بِصَدَقَةِ العَبْدِ، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تُخَرَّجَ لَفْظَةُ "وَيَأْخُذُ" عَلى هَذا.

وَيَتَعَلَّقُ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ في قَبُولِ التَوْبَةِ، وتَلْخِيصُ ذَلِكَ أنَّ قَبُولَ التَوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ يَقْطَعُ بِهِ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إجْماعًا، وهَذِهِ نازِلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ التائِبَةُ مِنَ النِفاقِ تائِبَةٌ مِن كُفْرٍ، وأمّا قَبُولُ التَوْبَةِ مِنَ المَعاصِي فَيَقْطَعُ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَقْبَلُ مِن طائِفَةٍ مِنَ الأُمَّةِ تَوْبَتَهُمْ، واخْتُلِفَ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الجَمِيعِ؟،وَأمّا إذا عُيِّنَ إنْسانٌ تائِبٌ فَيُرْجى قَبُولُ تَوْبَتِهِ ولا يَقْطَعُ بِها عَلى اللهِ.

وأمّا إذا فَرَضْنا تائِبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ صَحِيحَ التَوْبَةِ، فَهَلْ يَقْطَعُ عَلى اللهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ أمْ لا؟

فاخْتُلِفَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ فِيها الفُقَهاءُ والمُحَدِّثُونَ- وهو كانَ مَذْهَبَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ-: يَقْطَعُ عَلى اللهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِذَلِكَ عن نَفْسِهِ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تُقْبَلَ تَوْبَةُ جَمِيعِ التائِبِينَ، وذَهَبَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُقْطَعُ بِهِ عَلى اللهِ تَعالى، بَلْ يَقْوى فِيهِ الرَجاءُ، ومِن حُجَّتِهِمْ أنَّ الإنْسانَ إذا قالَ في الجُمْلَةِ: إنِّي لا أغْفِرُ لِمَن ظَلَمَنِي، ثُمَّ جاءَ مَن قَدْ سَبَّهُ وآذاهُ، فَلَهُ تَعَقُّبُ حَقِّهِ، وبِالغُفْرانِ لِقَوْمٍ يَصْدُقُ وعْدُهُ ولا يَلْزَمُهُ الغُفْرانُ لِكُلِّ ظالِمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن عِبادِهِ ﴾ هي بِمَعْنى "مِن"، وكَثِيرًا ما يُتَوَصَّلُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ بِهَذِهِ وهَذِهِ، تَقُولُ: لا صَدَقَةَ إلّا عن غِنًى، ومِن غِنًى، وفَعَلَ فُلانٌ ذَلِكَ مِن أشَرِهِ وبَطَرِهِ، وعن أشَرِهِ وبَطَرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: حُقَّ لَهم أنْ يَعْلَمُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ الآيَةُ، صِيغَةُ أمْرٍ مُضَمَّنُها الوَعِيدُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ بِها الَّذِينَ اعْتَذَرُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وتابُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها الَّذِينَ اعْتَذَرُوا ولَمْ يَتُوبُوا، وهُمُ المُتَوَعَّدُونَ، وهُمُ الَّذِينَ في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ إلّا عَلى الِاحْتِمالِ الثانِي مِن أنَّ الآياتِ كُلَّها في الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، ومَعْنى ﴿ فَسَيَرى اللهُ ﴾ أيْ مَوْجُودًا مُعَوَّضًا لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أو شَرٍّ، وأمّا الرَسُولُ والمُؤْمِنُونَ فَرُؤْيَتُهم رُؤْيَةُ حَقِيقَةٍ لا تَجَوُّزٍ، وقالَ ابْنُ المُبارَكُ: رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ هي شَهادَتُهم عَلى المَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهي ثَناؤُهم عِنْدَ الجَنائِزِ.

وقالَ الحَسَنُ ما مَعْناهُ أنَّهم حَذَّرُوا مِن فِراسَةِ المُؤْمِنِ الَّتِي قالَ فِيها النَبِيُّ  : « "اتَّقَوْا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يُرِيدُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، ومَعْنى الغَيْبِ والشَهادَةِ: ما غابَ وما شُوهِدَ، وهي حالَتانِ تَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: فَيُنَبِّئُكم عِبارَةٌ عن حُضُورِ الأعْمالِ وإظْهارِها لِلْجَزاءِ عَلَيْها وهَذا وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ﴾ [التوبة: 104] الذي هو في قوة إخبارهم بأن الله يقبل التوبة وقل لهم اعملوا، أي بعد قبول التوبة، فإن التوبة إنما ترفع المؤاخذة بما مضى فوجب على المؤمن الراغب في الكمال بعد توبته أن يزيد من الأعمال الصالحة ليجبر ما فاته من الأوقات التي كانت حقيقة بأن يعمرها بالحسنات فعمرها بالسيئات فإذا وردت عليها التوبة زالت السيئات وأصبحت تلك المدة فارغة من العمل الصالح، فلذلك أمروا بالعمل عقب الإعلام بقبول توبتهم لأنهم لما قُبلت توبتهم كان حقاً عليهم أن يدلوا على صدق توبتهم وفرط رغبتهم في الارتقاء إلى مراتب الكمال حتى يَلحقوا بالذين سبقوهم، فهذا هو المقصود، ولذلك كان حذف مفعول ﴿ اعملوا ﴾ لأجل التعويل على القرينة، ولأن الأمر من الله لا يكون بعمل غير صالح.

والمراد بالعمل ما يشمل العمل النفساني من الاعتقاد والنية.

وإطلاق العمل على ما يشمل ذلك تغليب.

وتفريع ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ زيادة في التحْضيض.

وفيه تحذير من التقصير أو من ارتكاب المعاصي لأن كون عملهم بمرأى من الله مما يبعث على جعله يرضي الله تعالى.

وذلك تذكير لهم باطلاع الله تعالى بعلمه على جميع الكائنات.

وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الإحسان: «هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وعطف ﴿ ورسوله ﴾ على اسم الجلالة لأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن الله وهو الذي يتولى معاملتهم على حسب أعمالهم.

وعطف ﴿ المؤمنون ﴾ أيضاً لأنهم شهداء الله في أرضه ولأن هؤلاء لما تابوا قد رجعوا إلى حضيرة جماعة الصحابة فإن عملوا مثلهم كانوا بمحل الكرامة منهم وإلا كانوا ملحوظين منهم بعين الغضب والإنكار.

وذلك مما يحذره كل أحد هو من قوم يرمقونه شزراً ويرونه قد جاء نكراً.

والرؤية المسندة إلى الله تعالى رؤية مجازية.

وهي تعلق العلم بالواقعات سواء كانت ذواتتٍ مبصَراتتٍ أم كانت أحداثاً مسموعات ومعاني مدرَكات، وكذلك الرؤية المسندة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المعنى المجزى لقوله: ﴿ عملكم ﴾ .

وجملة: ﴿ وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ من جملة المقول.

وهو وعد ووعيد معاً على حسب الأعمال، ولذلك جاء فيه ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ وقد تقدم القول في نظيره آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ في أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ مِنّا صَدَقَةَ أمْوالِنا لِتُطَهِّرَنا وتُزَكِّيَنا، قالَ: لا أفْعَلُ حَتّى أُؤْمَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّدَقَةُ الَّتِي بَذَلُوها مِن أمْوالِهِمْ تَطَوُّعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها الزَّكاةُ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ تَعالى في أمْوالِهِمْ فَرْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ لِأنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في الأمْوالِ كُلِّها وإنَّما تَجِبُ في بَعْضِها.

﴿ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ أيْ تُطَهِّرُ ذُنُوبَهم وتُزَكِّي أعْمالَهم.

﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ادْعُ لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قُرْبَةٌ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ.

الثّانِي: رَحْمَةٌ لَهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: وقارٌ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: تَثَبُّتٌ لَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الخامِسُ: أمْنٌ لَهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: يا جارَةَ الحَيِّ كُنْتِ لِي سَكَنًا إذْ لَيْسَ بَعْضُ الجِيرانِ بِالسَّكَنِ وَفِي الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ والدُّعاءِ لَهم عِنْدَ أخْذِ الصَّدَقَةِ مِنهم سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَجِبُ عَلى الآخِذِ الدُّعاءُ لِلْمُعْطِي اعْتِبارًا بِظاهِرِ الأمْرِ.

الثّانِي: لا يَجِبُ ولَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِأنَّ جَزاءَها عَلى اللَّهِ تَعالى لا عَلى الآخِذِ.

والثّالِثُ: إنْ كانَتْ تَطَوُّعًا وجَبَ عَلى الآخِذِ الدُّعاءُ، وإنْ كانَتْ فَرْضًا اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.

والرّابِعُ: إنْ كانَ آخِذُها الوالِي اسْتُحِبَّ لَهُ الدُّعاءُ ولَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ آخِذُها الفَقِيرَ وجَبَ عَلَيْهِ الدُّعاءُ لَهُ، لِأنَّ الحَقَّ في دَفْعِها إلى الوالِي مُعَيَّنٌ، وإلى الفَقِيرِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.

والخامِسُ: إنْ كانَ آخِذُها الوالِيَ وجَبَ، وإنْ كانَ الفَقِيرَ اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.

لِأنَّهُ دَفْعَها إلى الوالِي إظْهارُ طاعَةٍ فَقُوبِلَ عَلَيْها بِالشُّكْرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الفَقِيرُ.

والسّادِسُ: إنْ سَألَ الدّافِعُ الدُّعاءَ وجَبَ، وإنْ لَمْ يَسْألِ اسْتُحِبَّ ولَمْ يَجِبْ.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ  بِصَدَقاتِ قَوْمِي فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ، فَقالَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى) .» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ﴾ قال: هذا وعيد من الله عز وجل.

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع «قال: مرَّ بجنازة فأثنى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:وجبت.

ثم مر بجنازة أخرى فأثنى عليها، فقال: وجبت.

فسئل عن ذلك فقال: إن الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، فما شهدتم عليه من شيء وجب، وذلك قول الله: ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: ما احتقرت أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نجم القراء الذين طعنوا على عثمان، فقالوا قولاً لا نحسن مثله، وقرأوا قراءة لا نقرأ مثلها، وصلوا صلاة لا نصلي مثلها، فلما تذكرت إذن والله ما يقاربون عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أعجبك حسن قول امرئ منهم ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ﴾ ولا يستخفنك أحد.

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا في الإِخلاص والضياء في المختارة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس يريد: (يا معشر عبادي المحسن والمسيء (١) (٢) ﴿ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ يريد: إن الله تعالى يطلع (٣) (٤)  -: "لو (٥) (٦) ﴿ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ﴾ سيحدث المرئي فتصح الصفة (برأى) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يوقفكم على أعمالكم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء) (٨) (٩) ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا  ﴾ الآية، ومثل هذه الآية قد تقدم في هذه السورة (١٠) (١) ساقط من (ى).

(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 523.

(٣) في (ح): (مطلع)، وما أثبته موافق لما في "الوسيط".

(٤) ساقط من (م) و (ى).

(٥) ساقط من (ح).

(٦) رواه أحمد في "المسند" 3/ 28، والحاكم في "المستدرك" 4/ 314 وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، ووراه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (الإحسان) رقم (5678) 12/ 491، وقد ضعف الحديث الشيخ الألباني، انظر: "ضعيف الجامع الصغير"، رقم (4802) 5/ 40، وكذلك الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على "صحيح ابن حبان".

(٧) ساقط من (ح) وفي (ى): (يرى)، والمعنى: سيحدث المرئي فيرى الله ذلك، وحينئذٍ يصح وصف الله برأى فيقال: رأى الله ما حدث.

(٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 523.

(٩) من (ى).

(١٠) يعني الآية: 94.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ أي اجترأوا عليه وقيل: أقاموا عليه ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله، فالثانية منهما عذاب القبر، والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل: بفضيحتهم بالنفاق ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية: قيل: إنها نزلت في أبي لبابة الأنصاري فعمله الصالح الجهاد وعمله السيء نصيحته لبني قريظة، وقيل: هو لمن تخلف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم، وعملهم السيىء تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.

قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله؛ إنا نريد أن نتصدق بأموالنا.

فنزلت هذه الآية.

وأخذ ثلث أموالهم.

وقيل: هي الزكاة المفروضة، فالضمير على العموم لجميع المسلمين ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ أي ادع لهم ﴿ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ أي تسكن به نفوسهم، فهو عبارة عن صحة الاعتقاد، أو عن طمأنينة نفوسهم إذ علموا أن الله تاب عليهم.

﴿ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ الضمير في يعلموا للتائبين من التخلف.

وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا، وقيل عام.

وفائدة الضمير المؤكد تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ قيل: معناه يأمر بها، وقيل: هم الذين بنوا مسجد الضرار، وقرئ مرجئون بالهمز وتركه وهما لغتان ومعناه التأخير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.

والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.

﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.

﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.

الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.

﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.

الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.

الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.

﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.

الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.

الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: {  م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.

وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.

والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.

قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله  عنهم بأنه رضي عنهم.

ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.

قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.

وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.

وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.

وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله  وما كان بينهم؟

فقال لي: إن الله  قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.

قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟

قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله  : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟

أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.

قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.

ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.

فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.

ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.

روى السدي عن أبي مالك أنه  قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.

وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.

وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.

وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.

وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.

وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.

﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.

قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.

ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.

و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.

وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.

وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.

عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله  وأصحابه في الجهاد.

روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.

وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله  هو الذي يطلقنا ويعذرنا.

فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.

فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.

فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.

والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.

﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.

وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.

لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.

وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.

ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.

قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.

وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.

وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.

وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.

ثم قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.

وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.

ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.

وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.

وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.

وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.

قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه  جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.

قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.

وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.

فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.

وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي  إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.

وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.

وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده  وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.

قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟

ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟

وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟

﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟

احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.

ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.

روي أن رسول الله  لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.

وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.

وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.

وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.

وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.

وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.

ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.

والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.

وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.

ولا شك أن رؤية الله  شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.

أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.

واعلم أنه  قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه  ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.

وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.

وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.

وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.

وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.

قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.

ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.

في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.

وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله  أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.

واعلم أنه  حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي  وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.

وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.

قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.

وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.

وقال الأكثرون: إنه الإعداد.

والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله  عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله  يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.

ثم أخبر الله  عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.

قال المفسرون.

إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.

فقال رسول الله  : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.

فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.

وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.

ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.

ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟

قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ  لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.

واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله  بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله  عن المسجد الذي أسس على التقوى.

فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.

وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله  وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.

وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.

وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.

ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.

وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.

"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟

فسكت القوم.

ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.

فقال  : أترضون بالقضاء؟

قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟

قالوا: نعم.

قال: أتشكرون في الرخاء؟

قالوا: نعم.

فقال  : مؤمنون ورب الكعبة.

فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟

فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.

فتلا النبي  : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.

ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.

ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.

والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.

قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.

وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.

ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.

والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.

وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.

التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي  وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .

﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان {  م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.

﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال  : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.

فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال  : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.

﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.

﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.

﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.

﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.

﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.

﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.

﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.

ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ اختلف في هذه الصدقة التي أمر الله رسوله بأخذها من أموالهم: قال بعضهم: هي صدقة فريضة، ثم اختلف فيها أية فريضة هي؟

فقال بعضهم: فريضة زكاة الأموال.

وقال بعضهم: هي فريضة كفارة المآثم، وذلك أن أولئك الذين تخلفوا عن رسول الله  في غزوة تبوك ندموا على تخلفهم، فلما رجع رسول الله جاءوا بأموالهم فقالوا له: تصدق بأموالنا عنا؛ فإن أموالنا هي التي خلفتنا عنك، فأمر الله رسوله أن يأخذ منهم ذلك ويتصدق به كفارة لما ارتكبوا.

ومن قال: هي فريضة زكاة المال؛ لما روي عن أبي أمامة [قال]: "إن ثعلبة بن حاطب أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال رسول الله: ويحك يا ثعلبة!

قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: ويحك يا ثعلبة!

أما [ترضى أن تكون مثل] رسول الله لو سألت الله أن يسيل الجبال علي ذهباً لسالت، ثم أتاه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، فوالله لو أتاني مالاً لأوتين كل ذي حق حقه.

فدعا له فقال: اللهم ارزق ثعلبة مالاً ثلاث مرات، وذكر أنه اتخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت عليه أزقة المدينة، فتنحى بها، وكان يصلي الصلوات كلها مع رسول الله ويخرج إليها، ثم ضاقت عليه [بها] مراعي المدينة فتنحى بها فكان يصلي الظهر والعصر مع رسول الله ثم يتبعها، ثم تنحى بها، فكان يصلي الجمعة مع رسول الله ثم يتبعها، ثم بلغ أمره إلى أن ترك الجمعة والجماعات، فتنحى بها ويتلقى الركبان فيسألهم عن الخبر وعما أنزل على رسول الله [فأنزل الله]: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً...

﴾ الآية، فبعث رسول الله  على الصدقة رجلين فكتب لهما فرائض [الصدقة]، وأمرهما أن يسعيا في الناس ويأخذا صدقاتهم، وأن يمرّا بثعلبة ورجل من بني سليم فيأخذا صدقاتهما، فخرجا بصدقات الناس، فمرا بالسلمى فأقراه كتاب رسول الله فأطاع بالصدقة، ومرّا بثعلبة فأقراه كتاب رسول الله  ، فقال: والله ما أدري ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فإذا فرغتما فمرا بي حتى أرى رأيي، فلما فرغا من الناس مرّا به [فقال لهما مثل] مقالته الأولى، وقال: انطلقا فإني سألقى رسول الله، فأنزل الله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ " إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل أنها نزلت في شأن ثعلبة.

ومنهم من قال ما ذكرنا أنها نزلت في شأن أهل تبوك الذين تخلفوا عن رسول الله.

ومنهم من قال: الصدقة التي أمر الله رسوله أن يأخذها من أموالهم هي صدقة تطوع وتبرع، وهو ما ذكر أن رسول الله كان يحث الناس على الإنفاق في غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بكذا، وفلان بكذا، فأخذهم منهم، وفيه نزل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ  ﴾ .

ومنهم من قال: هو في كل صدقة تطوع، قلَت الصدقة أو كثرت، أمر رسوله أن يأخذ من أموالهم ما رأى لا يأخذ الكل؛ لأن أخذ الكل يحوجهم ويشغلهم عن جميع الطاعات والعبادات، ولكن أمر أن يأخذ قدراً منها وطائفة، مقدار ما يكفر ما ارتكبوا من المآثم.

وقوله: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ .

إن كانت صدقة الزكاة، فهي تطهر آثامهم وتزكي أخلاقهم حتى يتيسر عليهم إخراج الصدقة وأداؤها إلى أهلها، وإن كان صدقة كفارة لمن تخلف عن غزوة تبوك، فهي تكفر آثامهم التي لحقتهم بذلك ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾ .

قيل: وتصلحهم، وهو ظاهر.

وإن كانت صدقة تطوع فهي مما يطهرهم أيضاً، ويزكيهم؛ لما ينفي عنهم البخل، ويؤدي إلى الجود والكرم؛ ألا ترى أنه مدح من أعطى، وذم من بخل ومنع بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...

 ﴾ الآية ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ...

 ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: كان رسول الله  إذا أتى أحد بصدقة دعا له ويستغفر، وكان لا يستغفر لأهل النفاق، وكانت قلوبهم تسكن وتطمئن باستغفار النبي؛ لما علموا بذلك أنهم ليسوا من أهل النفاق؛ هذا يحتمل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله أمر رسوله أن يستغفر لهم ويصلي عليهم، ثم لا يحتمل أن يأمره بذلك فلا يفعل، أو يفعل فلا يجيبه، [فكانت قلوبهم تسكن] وتطمئن باستغفار النبي لهم لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، والله أعلم.

﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا هذا غير مرة.

وفي قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾ دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد المتولي والعامل عليها سقطت عن أربابها، وإن لم تقع في أيدي الفقراء ولم تصل إليهم؛ لأن النبي  كان لا يحل له الصدقة، ثم أخبر أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية.

وفيه استدلال لمحمد بن الحسن في الوقف؛ أن الوقف إذا وقف وأخرجه من يده وجعله في يد آخر ممن لا حق له في ذلك كان جائزاً، وكان وقفاً صحيحاً.

ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال، وكذلك مضت السنة من رسول الله  في بعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعد: أبو بكر، وعمر، والأئمة الراشدون، وظهر العمل بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت، حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه الزكاة: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله  حاربتهم عليها.

فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة الإمام أصحاب الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم.

وقد بين الله  وجوب ذلك بياناً شافياً بقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ  ﴾ الآية، فجعل للعاملين عليها حقّاً، فلو لم يكن على الإمام أن يطالب بصدقات الأنعام في أماكنها، وكان أداء ذلك إلى أرباب الأموال؛ ما كان لذكر العاملين وجه، ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومن حمله منهم إلى الأئمة يقبلون ما يحمل إليهم منه، ولا يسألون أحداً عن مبلغ ملكه، ولا يطالبون به إلا ما كان من توجيه عمر العشار في الأطراف، وكان ذلك منه عندنا - والله أعلم - للتخفيف عمن بعد عن داره، وشق عليه أن يحمل صدقته إلى إمامه، فجعل في [كل] طرف من الأطراف عاشراً لتجار أهل الحرب والذمة، وأمره أن يأخذ من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه، وكان ذلك من عمر تخفيفاً على المسلمين؛ لأنه ليس على الإمام مطالبة أرباب الأموال بأموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة سوى المواشي والأنعام، فإن مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحد منهم الإمام بشيء من ذلك، فيقبله منه ولا يتعدى ما جرت به السنة إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: قد علموا أن الله يقبل توبة من تاب.

ويحتمل على الأمر، أي: اعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده.

[و]يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ أي: قد علموا ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ ﴾ ممن تاب.

﴿ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، قيل: يقبل.

ويشبه إضافة الأخذ إلى نفسه إضافته إلى رسوله بقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً  ﴾ ، وذلك كثير في القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ قال أبو بكر الأصم: التواب هو صفة العافي، وهو اسم للتائب.

والتواب عندنا: هو الموفق للتوبة.

ثم الكافر إذا أسلم وتاب لم يلزم مع التوبة كفارة أخرى سوى التوبة، وإن كان ارتكب مساوئ وفواحش سوى الشرك والكفر، والمسلم إذا ارتكب مساوئ لزمته التوبة والكفارة جميعاً؛ وذلك لأن المسلم لما أسلم اعتقد حفظ ما لزمه من الشرائع، فإذا ارتكب ما ذكرنا خرج [عن] شرائعه وأدخل نقصاناً فيما اعتقد حفظه، فإذا ترك حفظه وأدخل فيه النقصان، لزمته الكفارة يجبر بها النقصان الذي أدخل فيه، وأما الكافر فليس عليه شيء من الشرائع، إنما عليه أن يتوب عن الشرك ويأتي بالإيمان؛ لذلك افترقا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك في الذين كانوا تخلفوا عن تبوك، ثم ندموا وتابوا عن ذلك، فتاب الله عليهم؛ يقول: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، أي: إن عدتم إلى ما عنه تبتم - وهو التخلف - يطلع الله رسوله والمؤمنون على ذلك ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ \[أي: تردون إلى ما أعد لكم في عالم الغيب والشهادة\].

وقال بعضهم: الآية في المنافقين؛ يقول: [اعملوا] فيما تستأنفون؛ فإن الله يطلع رسوله والمؤمنين على نفاقكم فتفتضحون، حيث يطلعون على سرائركم.

﴿ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .

أي: تردون إلى ما أعد لكم [في] عالم الغيب والشهادة.

﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: يجزيكم جزاء ما كنتم تعملون؛ يخرج ذلك على الوعيد.

وذكر في بعض الأخبار "أن رسول الله  شهد جنازة والمؤمنون - أيضاً - شهدوها، فأثنى عليها، فقال رسول الله  : وجبت، فقيل: يا رسول الله، ما وجبت؟

قال: الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، فإذا شهدتم وجبت" ثم [قرأ] قوله: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

فإن ثبت هذا ففيه دلالة جواز حجة الإجماع؛ لأنه قال: "الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض [فإذا شهدتم وجبت]" ، فإذا شهدوا على شر فهو شر، وإذا شهدوا على خير فهو خير، فعلى ذلك إذا شهدوا على حكم يلزم العمل به.

وقوله: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

ليس على الأمر أن يقول لهم جميعاً: اعملوا كذا، ولكن [أن] كل من بلغته هذه الآية يتفكر فيها ويتدبر، فلا يقدم [على عمل] لا يستحسنه أن يكون رسول الله والمؤمنون بحضرته فإذا خلا به لا يعمله، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ ، ليس على الأمر بالسير على الأرض، ولكن على الأمر بالتفكر والتدبر فيما نزل بهم بالتكذيب، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، ليس على الأمر أن يقول لهم ذلك، ولكن يتفكر كل فيه أنه واحد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقل -أيها الرسول- لهؤلاء المُتخَلِّفين عن الجهاد والتائبين من ذنبهم: اجبروا ضرر ما فاتكم، وأخلصوا أعمالكم لله، واعملوا بما يرضيه، فسيرى الله ورسوله والمؤمنون أعمالكم، وسترجعون يوم القيامة إلى ربكم الَّذي يهلم كل شيء، فيعلم ما تسرون وما تعلنون، وسيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، ويجازيكم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.E8OA9"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر