الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١١٧ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال مجاهد وغير واحد : نزلت هذه الآية في غزوة تبوك ، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد ، وعسر من الزاد والماء .
قال قتادة : خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر ، على ما يعلم الله من الجهد ، أصابهم فيها جهد شديد ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم ، يمصها هذا ، ثم يشرب عليها ، ثم يمصها هذا ، ثم يشرب عليها ، [ ثم يمصها هذا ، ثم يشرب عليها ] فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم .
وقال ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عتبة بن أبي عتبة ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن عبد الله بن عباس ؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة ، فقال عمر بن الخطاب : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع [ حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء ، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ] حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ، ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله ، إن الله عز وجل ، قد عودك في الدعاء خيرا ، فادع لنا .
قال : " تحب ذلك " .
قال : نعم !
فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظلت ثم سكبت ، فملؤوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر .
وقال ابن جرير في قوله : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) أي : من النفقة والظهر والزاد والماء ، ( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ) أي : عن الحق ويشك في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرتاب ، بالذي نالهم من المشقة والشدة في سفره وغزوه ، ( ثم تاب عليهم ) يقول : ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم ، والرجوع إلى الثبات على دينه ، ( إنه بهم رءوف رحيم ) .
القول في تأويل قوله : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لقد رزق الله الإنابة إلى أمره وطاعته، نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم, والمهاجرين ديارَهم وعشيرتَهم إلى دار الإسلام, وأنصار رسوله في الله (68) = الذين اتبعوا رَسول الله في ساعة العسرة منهم من النفقة والظهر والزاد والماء (69) =( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم )، يقول: من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق، ويشك في دينه ويرتاب، بالذي ناله من المشقة والشدّة في سفره وغزوه (70) =(ثم تاب عليهم )، يقول: ثم رزقهم جلّ ثناؤه الإنابة والرجوع إلى الثبات على دينه، وإبصار الحق الذي كان قد كاد يلتبس عليهم =(إنه بهم رءوف رحيم) ، يقول: إن ربكم بالذين خالط قلوبَهم ذلك لما نالهم في سفرهم من الشدة والمشقة رءوف بهم =(رحيم) ، أن يهلكهم, فينـزع منهم الإيمان بعد ما قد أبلَوْا في الله ما أبلوا مع رسوله، وصبروا عليه من البأساء والضراء.
(71) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 17423- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( في ساعة العسرة) ، في غزوة تبوك.
17424- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عبد الله بن محمد بن عقيل: ( في ساعة العسرة ) ، قال: خرجوا في غزوةٍ، (72) الرجلان والثلاثة على بعير.
وخرجوا في حرٍّ شديد, وأصابهم يومئذ عطش شديد, فجعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها، ويشربون ماءه, (73) وكان ذلك عسرة من الماء، وعسرة من الظهر، وعسرة من النفقة.
(74) 17425- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( ساعة العسرة ) ، قال: غزوة تبوك, قال: " العسرة "، أصابهم جَهْدٌ شديد، حتى إن الرجلين ليشقَّان التمرة بينهما، وأنهم ليمصُّون التمرة الواحدة، ويشربون عليها الماء.
17426- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) ، قال: غزوة تبوك.
17427-......
قال، حدثنا زكريا بن عدي, عن ابن مبارك, عن معمر, عن عبد الله بن محمد بن عقيل, عن جابر: ( الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) ، قال: عسرة الظهر, وعسرة الزاد, وعسرة الماء.
(75) 17428- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) ، الآية, الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قِبَل الشأم في لهَبَانِ الحرّ على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهدٌ شديد, حتى لقد ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقّان التمرة بينهما, وكان النفر يتناولون التمرة بينهم، يمصُّها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصُّها هذا ثم يشرب عليها, فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوهم.
17429- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال, عن عتبة بن أبي عتبة, عن نافع بن جبير بن مطعم, عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه في شأن العسرة, فقال عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد, فنـزلنا منـزلا أصابنا فيه عطش, حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع, حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمسُ الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع, حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فَرْثه فيشربه، (76) ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيرًا, فادع لنا!
قال: تحب ذلك؟
قال: نعم!
فرفع يديه، فلم يَرْجِعهما حتى قالت السماء, فأظلّت، ثم سكبت, (77) فملئوا ما معهم, ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها، (78) جاوزت العسكر.
(79) 17430- حدثني إسحاق بن زيادة العطار قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال, عن نافع بن جبير, عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه: حدِّثنا عن شأن جيش العسرة!
فقال عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ذكر نحوه.
(80) ------------------------ الهوامش: (68) انظر تفسير " المهاجر " فيما سلف ص : 434 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(69) انظر تفسير " العسرة " فيما سلف 6 : 28 ، 29 .
(70) انظر تفسير " الزيغ " فيما سلف 6 : 183 ، 184 .
= وتفسير " فريق " فيما سلف 12 : 388 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(71) انظر تفسير " رؤوف " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( رأف ) ، (رحم ) .
(72) في المطبوعة : " في غزوة تبوك " ، زاد من عنده ، وليست في المخطوطة ، وهي بلا شك غزوة تبوك .
(73) في المطبوعة : " ماءها " ، والذي في المخطوطة صواب أيضا .
(74) الأثر : 17424 - " عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي " ، منكر الحديث ليس بمتقن ، لا يحتجون بحديثه من جهة حفظه .
مضى برقم : 487 ، وانظر الخبر رقم : 17427 .
(75) الأثر : 17427 - " زكريا بن عدي بن زريق التميمي " ، ثقة ، مضى برقم : 1566 ، 15446 ، 16945 .
وكان في المطبوعة : " زكريا بن علي " ، والصواب ما في المخطوطة ، ولكن لم يحسن قراءته .
" عبد الله بن محمد بن عقيل " ، سلف برقم : 17424 .
(76) " الفرث " ، سرجين الكرش ما دام في الكرش .
(77) " قالت السماء " ، أي : أقبلت بالسحاب ، وكان في المطبوعة : "مالت " وأثبت ما في المخطوطة .
وهو مطابق لما في مجمع الزوائد ، وفي ابن كثير ، وغيره " سالت " وليست بشيء .
وهذا تعبير عزيز جيد .
وقوله : " فأظلت " ، أي : جاء السحاب بالظل ، وفي ابن كثير وغيره " فأهطلت " ، وليست بشيء .
وفي مجمع الزوائد : " فأطلت " ، وكأنه تصحيف .
(78) في المطبوعة : " ثم رجعنا ننظر فلم نجدها ، جاوزت العسكر " ، غير ما كان في المخطوطة ، وهو صواب مطابق لما في المراجع .
وقوله : " ذهبنا ننظر " ، العرب تضع " ذهب " في الكلام ظرفا للفعل ، انظر ما سلف 11 : 128 ، تعليق : 1 ، ثم ص : 250 ، في كلام أبي جعفر ، والتعليق : 1 ، ثم رقم : 16206 .
(79) الأثر : 17429 - " عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري " .
ثقة متقن ، مضى مرارا ، آخرها رقم : 13570 ، 16732 .
و " سعيد بن أبي هلال الليثي المصري " ، ثقة ، مضى مرارا ، آخرها رقم : 13570 .
و " عتبة بن أبي عتبة " .
هو " عتبة بن مسلم التيمي " ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 374 .
و " نافع بن جبير بن مطعم " .
تابعي ثقة ، أحد الأئمة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 82 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 451 .
ورجال إسناد هذا الخبر ثقات .
وهذا الخبر خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 194 ، 195 ، وقال : " رواه البزار ، والطبراني في الأوسط ، ورجال البزار ثقات " .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 286 ، ونسبه إلى ابن جرير ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والبيهقي في الدلائل .
وهو في دلائل النبوة لأبي نعيم ص : 190 في باب " ذكر ما كان في غزوة تبوك " .
، بهذا الإسناد .
وذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 257 ، 258 ، والبغوي بهامشه .
(80) الأثر : 17430 - " إسحاق بن زياد العطار " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 14146 ، ولم نجد له ذكرا ، وقد مضى هناك : " إسحاق بن زياد العطار النصري " بغير تاء في " زياد " في المطبوعة والمخطوطة .
وغير ممكن فصل القول في ذلك ، ما لم نجد له ترجمة تهدي إلى الصواب .
قوله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيمروى الترمذي : حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال : لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بدرا ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحدا تخلف عن بدر إنما خرج يريد العير فخرجت قريش مغوثين لعيرهم فالتقوا عن غير موعد كما قال الله تعالى ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبدر وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ثم لم أتخلف بعد عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها وآذن النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل فذكر الحديث بطوله قال : فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر وكان إذا سر بالأمر استنار فجئت فجلست بين يديه فقال : أبشر يا كعب بن مالك بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك فقلت : يا نبي الله أمن عند الله أم من عندك ؟
قال : بل من عند الله ثم تلا هذه الآية - لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة حتى [ ص: 197 ] بلغ إن الله هو التواب الرحيم قال : وفينا أنزلت أيضا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين .
.
.
وذكر الحديث .
وسيأتي بكماله من صحيح مسلم في قصة الثلاثة إن شاء الله تعالى .واختلف العلماء في هذه التوبة التي تابها الله على النبي والمهاجرين والأنصار على أقوال فقال ابن عباس : كانت التوبة على النبي لأجل إذنه للمنافقين في القعود دليله قوله : عفا الله عنك لم أذنت لهم وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه .
وقيل : توبة الله عليهم استنقاذهم من شدة العسرة .
وقيل : خلاصهم من نكاية العدو ، وعبر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه وهو الرجوع إلى الحالة الأولى .
وقال أهل المعاني : إنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في التوبة لأنه لما كان سبب توبتهم ذكر معهم كقوله : فأن لله خمسه وللرسول .قوله تعالى الذين اتبعوه في ساعة العسرة أي في وقت العسرة ، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها .
وقيل : ساعة العسرة أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة .
والعسرة صعوبة الأمر .
قال جابر : اجتمع عليهم عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة الماء .
قال الحسن : كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة المنتنة وكان النفر يخرجون ما معهم - إلا التمرات - بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم .
وقال عمر رضي الله عنه وقد سئل عن ساعة العسرة : خرجنا في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش ، وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده .
فقال أبو بكر : يا رسول الله ، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا .
قال : أتحب ذلك ؟
قال : نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر .
وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأصاب الناس مجاعة وقالوا : يا رسول الله ، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( افعلوا ) ، فجاء عمر وقال : يا رسول الله إن [ ص: 198 ] فعلوا قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة .
قال : ( نعم ) ، ثم دعا بنطع فبسط ثم دعا بفضل الأزواد ، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكف تمر ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير .
قال أبو هريرة : فحزرته فإذا هو قدر ربضة العنز فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة .
ثم قال : ( خذوا في أوعيتكم ) ، فأخذوا في أوعيتهم حتى - والذي لا إله إلا هو - ما بقي في العسكر وعاء إلا ملأوه ، وأكل القوم حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة .
خرجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه ، والحمد لله .
وقال ابن عرفة : سمي جيش تبوك جيش العسرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى الغزو في حمارة القيظ ، فغلظ عليهم وعسر ، وكان إبان ابتياع الثمرة .
قال : وإنما ضرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغز قبله في عدد مثله ؛ لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ، ويوم أحد سبعمائة ، ويوم خيبر ألفا وخمسمائة ويوم الفتح عشرة آلاف ، ويوم حنين اثني عشر ألفا وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفا وزيادة ، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب وأقام بتبوك شعبان وأياما من رمضان وبث سراياه وصالح أقواما على الجزية .
وفي هذه الغزاة خلف عليا على المدينة فقال المنافقون : خلفه بغضا له ; فخرج خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال عليه السلام : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى وبين أن قعوده بأمره عليه السلام يوازي في الأجر خروجه معه ; لأن المدار على أمر الشارع .
وإنما قيل لها : غزوة تبوك لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما من أصحابه يبوكون حسي تبوك أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء ، فقال : ما زلتم تبوكونها بوكا فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك .
الحسي بالكسر ما تنشفه الأرض من الرمل فإذا صار إلى صلابة أمسكته فتحفر عنه الرمل فتستخرجه وهو الاحتساء قاله الجوهري .قوله تعالى " من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم " قلوب " رفع ب " تزيغ " عند سيبويه .
ويضمر في ( كاد ) الحديث تشبيها بكان ; لأن الخبر يلزمها كما يلزم كان .
وإن شئت رفعتها بكاد ، ويكون التقدير : من بعد ما كان قلوب فريق منهم تزيغ .
وقرأ الأعمش وحمزة [ ص: 199 ] وحفص يزيغ بالياء ، وزعم أبو حاتم أن من قرأ " يزيغ " بالياء فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد .
قال النحاس : و الذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجميع .
حكى الفراء رحب البلاد وأرحبت ، ورحبت لغة أهل الحجاز واختلف في معنى " تزيغ " ، فقيل : تتلف بالجهد والمشقة والشدة .
وقال ابن عباس : تعدل - أي تميل - عن الحق في الممانعة والنصرة .
وقيل : من بعد ما هم فريق منهم بالتخلف والعصيان ثم لحقوا به وقيل : هموا بالقفول فتاب الله عليهم وأمرهم به .قوله تعالى ثم تاب عليهم قيل : توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ ، وكذلك سنة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ، ووطنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم .
وينشد :منك أرجو ولست أعرف ربا يرتجى منه بعض ما منك أرجو وإذا اشتدت الشدائد في الأرض على الخلق فاستغاثوا وعجوا وابتليت العباد بالخوف والجوع وصروا على الذنوب ولجوا لم يكن لي سواك ربي ملاذفتيقنت أنني بك أنجووقال في حق الثلاثة : ثم تاب عليهم ليتوبوا فقيل : معنى ثم تاب عليهم أي وفقهم للتوبة ليتوبوا .
وقيل : المعنى تاب عليهم ; أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم ليتوبوا .
وقيل : تاب عليهم ليثبتوا على التوبة .
وقيل : المعنى تاب عليهم ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم .
وبالجملة فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا ; دليله قوله عليه السلام : اعملوا فكل ميسر لما خلق له .
يخبر تعالى أنه من لطفه وإحسانه تَابَ عَلَى النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ {وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} فغفر لهم الزلات، ووفر لهم الحسنات، ورقاهم إلى أعلى الدرجات، وذلك بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقات، ولهذا قال: {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} أي: خرجوا معه لقتال الأعداء في وقعة \"تبوك\" وكانت في حر شديد، وضيق من الزاد والركوب، وكثرة عدو، مما يدعو إلى التخلف. فاستعانوا اللّه تعالى، وقاموا بذلك {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} أي: تنقلب قلوبهم، ويميلوا إلى الدعة والسكون، ولكن اللّه ثبتهم وأيدهم وقواهم. وزَيْغُ القلب هو انحرافه عن الصراط المستقيم، فإن كان الانحراف في أصل الدين، كان كفرا، وإن كان في شرائعه، كان بحسب تلك الشريعة، التي زاغ عنها، إما قصر عن فعلها، أو فعلها على غير الوجه الشرعي. وقوله {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} أي: قبل توبتهم {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ومن رأفته ورحمته أن مَنَّ عليهم بالتوبة، وقبلها منهم وثبتهم عليها.
قوله عز وجل : ( لقد تاب الله على النبي ) الآية ، تاب الله أي : تجاوز وصفح .
ومعنى توبته على النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه .
وقيل : افتتح الكلام به لأنه كان سبب توبتهم ، فذكره معهم ، كقوله تعالى : " فأن لله خمسه وللرسول " ( الأنفال - 41 ) ، ونحوه .
( والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) أي : في وقت العسرة ، ولم يرد ساعة بعينها ، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة ، والجيش يسمى جيش العسرة .
والعسرة الشدة ، وكانت عليهم غزوة عسرة في الظهر والزاد والماء .
قال الحسن : كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه ، يركب الرجل ساعة ، ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك ، وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير ، وكان النفر منهم يخرجون ، ما معهم إلا التمرات بينهم ، فإذا بلغ الجوع من أحدهما أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ، ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم ، ولا يبقى من التمرة إلا النواة ، فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك على صدقهم ويقينهم .
وقال عمر بن الخطاب : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، وحتى إن كان الرجل ليذهب فيلتمس الماء فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا .
قال : " أتحب ذلك؟
" قال : نعم ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت ، فملئوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر .
( من بعد ما كاد يزيغ ) قرأ حمزة وحفص : " يزيغ " بالياء لقوله : " كاد " ولم يقل : كادت .
وقرأ الآخرون بالتاء .
والزيغ : الميل ، أي : من بعد ما كاد تميل ، ( قلوب فريق منهم ) أي : قلوب بعضهم ، ولم يرد الميل عن الدين ، بل أراد الميل إلى التخلف والانصراف للشدة التي عليهم .
قال الكلبي : هم ناس بالتخلف ثم لحقوه .
( ثم تاب عليهم ) فإن قيل : كيف أعاد ذكر التوبة وقد قال في أول الآية : ( لقد تاب الله على النبي ) ؟
قيل : ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب ، وهو محض الفضل من الله عز وجل ، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة ، والمراد منه قبولها .
( إنه بهم رءوف رحيم ) قال ابن عباس : من تاب الله عليه لم يعذبه أبدا .
قوله عز وجل : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) أي خلفوا عن غزوة تبوك .
وقيل : خلفوا أي : أرجئ أمرهم ، عن توبة أبي لبابة وأصحابه ، وهؤلاء الثلاثة هم : كعب بن مالك الشاعر ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، كلهم من الأنصار .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن غزوة تبوك ، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت تخلفت عن غزوة بدر ، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها ، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها ، وكان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة ، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون .
معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ، فأرجع ولم أقض شيئا ، وأقول في نفسي : أنا قادر عليه إذا أردت ، فلم يزل يتمادى بي الأمر حتى اشتد بالناس الجد ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا .
فقلت : أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم ، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا ، وتفارط الغزو ، وهممت أن أرتحل فأدركهم ، وليتني فعلت ، فلم يقدر لي ذلك ، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : " ما فعل كعب؟
" فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه ، فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا .
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي ، فطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا؟
واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل ، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال : تعال ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : " ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟
" فقلت : بلى يا رسول الله ، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه ، إني لأرجو فيه عفو الله ، لا والله ما كان لي من عذر ، والله ما كنت أقوى قط ولا أيسر مني حين تخلفت عنك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك .
فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع وأكذب نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد؟
قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك ، فقلت : من هما قالوا : مرارة بن الربيع العمري ، وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما لي .
قال : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ، ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟
ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام ، فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟
فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت ، فعدت فنشدته فقال : الله ورسوله أعلم .
ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار .
قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ، فطفق الناس يشيرون له نحوي ، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فقرأته فإذا فيه : أما بعد : فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك ، فقلت لما قرأته : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت به التنور فسجرته .
حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل؟
فقال : لا بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك ، فقلت لامرأتي الحقي بأهلك وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر .
قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟
قال : " لا ولكن لا يقربك " ، قالت : إنه والله ما به حركة إلى شيء ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا .
قال كعب : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه .
فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ، فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة ، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع ، يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر .
فخررت لله ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج ، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم ، فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه ، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون : ليهنك توبة الله عليك .
قال كعب : حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ، ولا أنساها لطلحة .
قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور : " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " !
قال قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟
قال : لا بل من عند الله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ، قلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر .
فقلت : يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني ، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا ، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت .
وأنزل الله على رسوله : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) إلى قوله : ( وكونوا مع الصادقين ) .
وروى إسحاق بن راشد عن الزهري بهذا الإسناد عن كعب ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي ، فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر ، وما من شيء أهم إلي من أن أموت ولا يصلي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة ، فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي علي!
وأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة وكانت أم سلمة محسنة في شأني ، معينة في أمري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أم سلمة تيب على كعب " قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره؟
قال : إذا يحطمكم الناس ، فيمنعونكم النوم سائر الليلة ، حتى إذا صلى صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا .
«لقد تاب الله» أي أدام توبته «على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العُسرة» أي وقتها، وهي حالهم في غزوة تبوك كان الرجلان يقتسمان تمرة والعشرة يعتقبون البعير الواحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث «من بعد ما كاد تزيغ» بالتاء والياء تميل «قلوب فريق منهم» عن اتباعه إلى التخلف لما هم فيه من الشدة «ثم تاب عليهم» بالثبات «إنه بهم رؤوف رحيم».
لقد وفَّق الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإنابة إليه وطاعته، وتاب الله على المهاجرين الذين هجروا ديارهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وتاب على أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا معه لقتال الأعداء في غزوة (تبوك) في حرٍّ شديد، وضيق من الزاد والظَّهْر، لقد تاب الله عليهم من بعد ما كاد يَميل قلوب بعضهم عن الحق، فيميلون إلى الدَّعة والسكون، لكن الله ثبتهم وقوَّاهم وتاب عليهم، إنه بهم رؤوف رحيم.
ومن رحمته بهم أنْ مَنَّ عليهم بالتوبة، وقَبِلَها منهم، وثبَّتهم عليها.
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده المؤمنين ، حيث تقبل توبتهم ، وتجاوز عن زلاتهم ، فقال - تعالى - : ( لَقَدْ تَابَ الله على النبي .
.
.
.
) .قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما استقصى فى شرح أحوال غزوة تبوك ، وبين أحوال المتخلفين عنها ، وأطال القول فى ذلك على الترتيب الذى لخصناه فيما سبق ، عاد فى هذه الآية إلى شرح ما بقى من أحكامها ، ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يجرى مجرى ترك الأولى ، وصدر عن المؤمنين كذلك نوع زلة ، فذكر - سبحانه - أنه تفضل عليهم ، وتاب عليهم ، فى تلك الزلات ، فقال - تعالى - : ( لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) .وللعلماء أقوال فى المراد بالتوبة التى تابها الله على النبى - صلى الله عليه وسلم - وعلى المهاجرين والأنصار : فمنهم من يرى أن المرد بها قبول توبتهم ، وغفران ذنوبهم ، والتجاوز عن زلاتهم التى حدثت منهم فى تلك الغزوة أو فى غيرها ، وإلى هذا المعنى أشارة القرطبى بقوله :قال ابن عباس : كانت التوبة على النبى - صلى الله عليه وسلم - لأجل أنه أذن للمنافقين فى القعود ، بدليل قوله - سبحانه - قبل ذلك : ( عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ .
.
.
) وكانت توبته على المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه - أى : إلى التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك .ومنهم من يرى أن المقصود بذكر التوبة هنا التنويه بفضلها ، والحض على تجديدها ، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال : ( تَابَ الله على النبي ) كقوله : ( لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) وكقوله : ( واستغفر لِذَنبِكَ ) وهو بعث للمؤمنين على التوبة ، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار ، حتى النبى والمهاجرين والأنصار ، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله ، وأن صفة التوابين الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح .
.ومنهم من يرى أن المراد بالتوبة هنا : دوامها لا أصلها ، وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله : لقد تاب الله على النبى .
.
" أى : أدام توبته على النبى والمهاجرين والأنصار .
وهذا جواب عما يقال : من أن النبى معصوم من الذبن ، وأن المهاجرين والأنصار لم يفعلوا ذنبا فى هذه القضية ، بل اتبعوه من غير تلعثم ، قلنا : المراد بالتوبة فى حق الجميع دوامها لا أصلها .
.
" .ومنهم من يرى أن ذكر النبى هنا إنما هو من باب التشريف ، والمراد قبول توبة المهاجرين والأنصار فيما صدر عن بعضهم من زلات .
وقد وضح هذا المعنى الإِمام الآلوسى فقال : قال أصحاب المعانى : المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار ، إلا أنه جئ فى ذلك بالنبى - صلى الله عليه وسلم - تشريفا لهم ، وتعظيما لقدرهم ، وهذا كما قالوا فى ذكره - تعالى - فى قوله :( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ) الآية أى : عفا - سبحانه - عن زلات صدرت منهم يوم أحد ويوم حنين .
.ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب الآراء إلى الصواب ، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان فضل الله - تعالى - على رسوله وعلى المؤمنين ، حيث غفر لهم ما فرط منهم من هفوات وقعت فى هذه الغزوة وهذه الهفوات صدرت منهم بمقتضى الطبيعة البشرية ، وبمقتضى الاجتهاد فى أمور لم يبين الله - تعالى - حكمه فيها ، فهى لا تنقص من منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا من منزلة أصحابه الصادقين فى إيمانهم .والمعنى : لقد تقبل الله - تعالى - توبة النبى - صلى الله عليه وسلم - كما تقبل توبة أصحابه المهاجرين والأنصار ، الذين اتبعوه عن طواعية واختيار وإخلاص فى ساعة العسرة .
أى فى وقت الشدة والضيق ، وهو وقت غزوة تبوك ، فالمراد بالساعة هنا مطلق الوقت .وقد كانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة ، كما كان الجيش الذى اشترك فيها يسمى بجيش العسرة ، وذلك لأن المؤمنين خرجوا إليها فى مجدبة ، وحر شديد ، وفقر فى الزاد والماء والراحلة .قال ابن كثير : قال مجاهد وغير واحد : نزلت هذه الآية فى غزة تبوك ، وذلك أنهم خرجوا إليها فى شدة من الأمر ، فى سنة مجدبة ، وحر شديد ، وعسر فى الزاد والماء .وقال قتادة : خرجوا إلى الشام عام تبوك فى لهبان الحر - أى شدته - على ما يعلم الله من الجهد ، أصابهم تعب شديد ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما .وقال الحسن : كان العشرة منهم يعتقبون بعيرا واحداً .
يركب الرجل منهم ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك ، وكان النفر منهم يخرجون وليس معهم إلا التمرات اليسيرة فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ، ثم يشر عليها جرعة من الماء .
.
ومضوا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - على صدقهم ويقينهم - رضى الله عنهم .وقوله : ( مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ) بيان لتناهى الشدة ، وبلوغها الغاية القصوى .أى : تاب - سبحانه - على الذين اتبعوا رسوله من المهاجرين والأنصار من بعد أن أشرف فريق منهم على الميل عن التخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك ، لما لابسها وصاحبها من عسر وشدة وتعب .وفى ذكر ( فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ) إشارة إلى أن معظم المهاجرين والأنصار ، مضوا معه - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك دون أن تؤثر هذه الشدائد فى قوة إيمانهم وصدق يقينهم ، وضماء عزيمتهم ، وشدة إخلاصهم .قال الآلوسى ما ملخصه : وفى " كاد " ضمير الشأن و " قلوب " فاعل " يزيغ " والجملة فى موضع الخبر لكاد .
.
وهذا على قراءة " يزيغ " بالياء ، وهى قراءة حمزة ، وحفص والأعمش .وأما على قراء " تزيغ " بالتاء ، وهى قراءة الباقين .
فيحتمل أن يكون " قلوب " اسم كان " وتزيغ " خبرها ، وهي ضمير يعود على اسمها .وقوه : ( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) تذييل مؤكد لقبول التوبة ولعظيم فضل الله عليهم .
ولطفه بهم .أى : ثم تاب عليهم - سبحانه - بعد أن كابدوا ما كابدوا من العسر والمشقة ومجاهدة النفس .
إنه بهم رءوف رحيم .قال بعضهم : فإن قلت : قد ذكر التوبة أولا ثم ذكرها ثانياً فما فائدة التكرار؟قلت : إنه - سبحانه - ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا لقلوبهم ، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى ، تعظيما لشأنهم ، وليعلموا أنه - تعالى - قد قبل توبتهم ، وعفا عنهم ، ثم أتبعه بقوله - سبحانه - ( إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) تأكيدا لذلك .
والرأفة عبارة عن السعى فى إزالة الضرر ، والرحمة عبارة عن السعى فى إيصال النفع .وقال القرطبى : قوله ( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ) قيل : توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ وتلك سنة الحق - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ووطنوا أنفسهم على الهلاك ، أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم .قال الشاعر :منك أرجوا ولست أعرب ربا ...
يرتجى منه بعض ما منك أرجووإذا اشتدت الشدائد فى الأر ...
ض على الخلق فاستغاثوا وعجواوابتليت العباد بالخوف والجو ...
ع ، وصروا على الذنوب ولجوالم يكن لى سواك ربى ملاذ ...
فتيقنت أننى بك أنجو
اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك وبين أحوال المتخلفين عنها، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه في هذا التفسير، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها.
ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نوع زلة جارية مجرى ترك الأولى، وصدر أيضاً عن المؤمنين نوع زلة، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات.
فقال: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: دلت الأخبار على أن هذا السفر كان شاقاً شديداً على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين، على ما سيجيء شرحها، وهذا يوجب الثناء، فكيف يليق بها قوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى والمهاجرين ﴾ .
والجواب من وجوه: الأول: أنه صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من باب ترك الأفضل، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ وأيضاً لما اشتد الزمان في هذه الغزوة على المؤمنين على ما سيجيء شرحها، فربما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السفرة، وربما وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار.
ولست أقول عزموا عليه، بل أقول وساوس كانت تقع في قلوبهم، فالله تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله عفا عنها.
فقال: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله على النبى والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ﴾ .
والوجه الثاني: في الجواب أن الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات، إما من باب الصغائر، وإما من باب ترك الأفضل.
ثم إن النبي عليه السلام وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه، وصبروا على تلك الشدائد والمحن، أخبر الله تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفراً لجميع الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر، وصار قائماً مقام التوبة المقرونة بالإخلاص عن كلها.
فلهذا السبب قال تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى ﴾ الآية.
والوجه الثالث: في الجواب: أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم، فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى الله منها، وتضرع إلى الله في إزالتها عن قلبه، فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى ﴾ الآية.
والوجه الرابع: لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذكرهم تنبيهاً على عظم مراتبهم في الدين.
وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي لأجلها، ضم الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول التوبة.
المسألة الثانية: في المراد بساعة العسرة قولان: القول الأول: أنها مختصة بغزوة تبوك، والمراد منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم جداً في ذلك السفر والعسرة تعذر الأمر وصعوبته.
قال جابر: حصلت عسرة الظهر وعسرة الماء وعسرة الزاد.
أما عسرة الظهر: فقال الحسن: كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم، وأما عسرة الزاد، فربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة، وكان معهم شيء من شعير مسوس، فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة.
وأما عسرة الماء: فقال عمر: خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد، حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه.
واعلم أن هذه الغزوة تسمى غزوة العسرة، ومن خرج فيها فهو جيش العسرة.
وجهزهم عثمان وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
والقول الثاني: قال أبو مسلم: يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها.
وقد ذكر الله تعالى بعضها في كتابه كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ﴾ وقوله: ﴿ لَقَدِ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ الآية، والمقصود منه وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول عليه السلام في الأوقات الشديدة والأحوال الصعبة، وذلك يفيد نهاية المدح والتعظيم.
ثم قال تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: فاعل ﴿ كَادَ ﴾ يجوز أن يكون ﴿ قُلُوبُ ﴾ والتقدير: كاد قلوب فريق منهم تزيغ، ويجوز أن يكون فيه ضمير الأمر والشأن، والفعل والفاعل تفسير للأمر والشأن، والمعنى: كادوا لا يثبتون على اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة لشدة العسرة.
البحث الثاني: قرأ حمزة وحفص عن عاصم ﴿ يَزِيغُ ﴾ بالياء لتقدم الفعل، والباقون بالتاء لتأنيث قلوب، وفي قراءة عبد الله ﴿ مّن بَعْدِ مَا زَاغَتِ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ﴾ .
البحث الثالث: ﴿ كَادَ ﴾ عند بعضهم تفيد المقاربة فقط، وعند آخرين تفيد المقارية مع عدم الوقوع، فهذه التوبة المذكورة توبة عن تلك المقاربة، واختلفوا في ذلك الذي وقع في قلوبهم.
فقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة العظيمة أن يفارق الرسول، لكنه صبر واحتسب.
فلذلك قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر اليسير.
وقال الآخرون بل كان ذلك لحديث النفس الذي يكون مقدمة العزيمة، فلما نالتهم الشدة وقع ذلك في قلوبهم ومع ذلك تلافوا هذا اليسير خوفاً منه أن يكون معصية.
فلذلك قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ .
فإن قيل: ذكر التوبة في أول الآية وفي آخرها فما الفائدة في التكرار؟
قلنا: فيه وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم، ثم ذكر الذنب ثم أردفه مرة أخرى بذكر التوبة، والمقصود منه تعظيم شأنهم.
والوجه الثاني: أنه إذا قيل: عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه، دل ذلك على أن ذلك العفو عفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة».
وهذا معنى قول ابن عباس في قوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ يريد ازداد عنهم رضا.
والوجه الثالث: أنه قال: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله على النبى والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فِي سَاعَةِ العسرة ﴾ وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه تعالى تاب عليهم من الوساوس التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة، ثم إنه تعالى زاد عليه فقال: ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ فهذه الزيادة أفادت حصول وساوس قوية، فلا جرم أتبعها تعالى بذكر التوبة مرة أخرى لئلا يبقى في خاطر أحدهم شك في كونهم مؤاخذين بتلك الوساوس.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهما صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب، ويشبه أن تكون الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضر، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة.
وقيل: إحداهما للرحمة السالفة، والأخرى للمستقبلة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَابَ الله على النبى ﴾ كقوله: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: 2] وقوله: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ ﴾ وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلاّ وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي والمهاجرون والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأوّابين صفة الأنبياء، كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح.
وقيل: معناه تاب الله عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه، كقوله: ﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ [التوبة: 43] ، ﴿ فِى سَاعَةِ العسرة ﴾ في وقتها، والساعة مستعملة في معنى الزمان المطلق، كما استعملت الغداة والعشية واليوم: غَدَاةً طَفَتْ عَلْمَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ** وَكُنَّا حَسِبْنَا كُلَّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً عَشِيَّةَ قَارَعْنَا جُذَامَ وَحِمْيَراً ** إذَا جَاءَ يَوْماً وَارِثِي يَبْتَغِي الْغِنَى يَجِدْ جُمْعَ كَفٍّ غَيْرَ مَلأَى وَلاَ صِفْر والعسرة: حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة من الظهر: يعتقب العشرة على بعير واحد.
وفي عسرة من الزاد: تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوّس والإهالة الزنخة، وبلغت بهم الشدّة أن اقتسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء.
وفي عسرة من الماء، حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها.
وفي شدّة زمان، من حمارّة القيظ ومن الجدب والقحط والضيقة الشديدة ﴿ كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ﴾ عن الثبات على الإيمان، أو عن اتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه.
وفي ﴿ كاد ﴾ ضمير الشأن، وشبهه سيبويه بقولهم: ليس خلق الله مثله.
وقرئ: ﴿ يزيغ ﴾ بالياء.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم ﴾ ، يريد المتخلفين من المؤمنين كأبي لبابة وأمثاله ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ تكرير للتوكيد.
ويجوز أن يكون الضمير للفريق: تاب عليهم لكيدودتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴾ مِن إذْنِ المُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ أوْ بَرَّأهم عَنْ عَلَقَةِ الذُّنُوبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ وقِيلَ: هو بُعِثَ عَلى التَّوْبَةِ والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ حَتّى النَّبِيُّ والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ إذْ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَقامٌ يَسْتَنْقِصُ دُونَهُ ما هو فِيهِ والتَّرَقِّي إلَيْهِ تَوْبَةٌ مِن تِلْكَ النَّقِيصَةِ وإظْهارٌ لِفَضْلِها بِأنَّها مَقامُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ في وقْتِها هي حالُهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ كانُوا في عُسْرَةِ الظَّهْرِ تَعْتَقِبُ العَشَرَةُ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ والزّادِ حَتّى قِيلَ إنَّ الرَّجُلَيْنِ كانا يَقْتَسِمانِ تَمْرَةً والماءِ حَتّى شَرِبُوا الفَظَّ.
(مِن بَعْدِ ما كادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ) عَنِ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ أوِ اتِّباعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي ﴿ كادَ ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ أوْ ضَمِيرُ القَوْمِ والعائِدُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في ﴿ مِنهُمْ ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ﴿ يَزِيغُ ﴾ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ القُلُوبِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
وقُرِئَ « مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم» يَعْنِي المُتَخَلِّفِينَ.
﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ ما كابَدُوا مِنَ العُسْرَةِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ لِكَيْدُودَتِهِمْ.
﴿ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)
{إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ لَقَدْ تَابَ الله على النبي} أى تاب الله عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه كقوله عفا الله عنك {والمهاجرين والأنصار} فيه بعث للمؤمنين على التوبة وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى
التوبة (١١٧ _ ١٢٠)
النبى صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار {الذين اتبعوه فِى سَاعَةِ العسرة} في غزوة تبوك ومعناه في وقتها والساعة مستعملة في معنى الزمان المطلق وكانوا في عسرة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد ومن الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة
حتى اقتسم التمرة اثنان وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء ومن الماء حتى نحروا الإبل وعصروا كرشها وشربوه فى شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ} عن الثبات على الإيمان أو عن اتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه وفي كَادَ ضمير الشأن والجملة بعده في موضع النصب وهو كقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن خلق الله مثله يزيغ حمزة وحفص {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} تكرير للتوكيد {إِنَّهُ بِهِمْ رؤوف رحيم}
﴿ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴾ قالَ أصْحابُ المَعانِي المُرادُ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إلّا أنَّهُ جِيءَ في ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهم وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِمْ وهَذا كَما قالُوا في ذِكْرِهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ﴾ إلَخْ أيْ عَفا سُبْحانَهُ عَنْ زَلّاتٍ سَبَقَتْ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ وقِيلَ: المُرادُ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلَيْهِمْ والذَّنَبُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بابِ خِلافِ الأوْلى نَظَرًا إلى مَقامِهِ الجَلِيلِ وفُسِّرَ هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالإذْنِ لِلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ وبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا إذْ لا عِصْمَةَ عِنْدَنا لِغَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُفَسَّرُ بِما فُسِّرَ أوَّلًا وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِن بابِ خِلافِ الأوْلى بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ ذَنْبَهم كانَ المَيْلَ إلى القُعُودِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حَيْثُ وقَعَتْ في وقْتٍ شَدِيدٍ وقَدْ تُفَسَّرُ التَّوْبَةُ بِالبَراءَةِ عَنِ الذَّنْبِ والصَّوْنِ عَنْهُ مَجازًا حَيْثُ إنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ فِي كُلٍّ، وظاهِرُ الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، وفي الآيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّحْرِيضِ والبَعْثِ عَلى التَّوْبَةِ لِلنّاسِ كُلِّهِمُ ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ أيْ في وقْتِ الشِّدَّةِ والضِّيقِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالسّاعَةِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِهِ وكانَتْ تِلْكَ الشِّدَّةُ حالَهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَإنَّهم كانُوا في شِدَّةٍ مِنَ الظَّهْرِ يَعْتَقِبُ العَشَرَةُ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ وفي شِدَّةٍ مِنَ الزّادِ تَزَوَّدُوا التَّمْرَ المُدَوَّدَ والشَّعِيرَ المُسَوَّسَ والإهالَةَ الزَّنِخَةَ وبَلَغَتْ بِهِمُ الشِّدَّةُ أنْ قَسَمَ التَّمْرَةَ اثْنانِ ورُبَّما مَصَّها الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةُ وفي شِدَّةٍ مِنَ الماءِ حَتّى نَحَرُوا الإبِلَ واعْتَصَرُوا فُرُوثَها كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفي شِدَّةِ زَمانٍ مِن حِمارَةِ القَيْظِ ومِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ ومِن هُنا قِيلَ لِتِلْكَ الغَزْوَةِ: غَزْوَةُ العُسْرَةِ ولِجَيْشِها جَيْشُ العُسْرَةِ ووَصْفُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِالِاتِّباعِ في هَذِهِ السّاعَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم حَرِيُّونَ بِأنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ وفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ التَّحْرِيضِ السّابِقِ ﴿ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ ﴾ بَيانٌ لِتَناهِي الشِّدَّةِ وبُلُوغِها الغايَةَ القُصْوى وهو إشْرافُ بَعْضِهِمْ إلى أنْ يَمِيلُوا إلى التَّخَلُّفِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: هو إشْرافُ بَعْضِهِمْ إلى أنْ يَمِيلُوا عَنِ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ الهَمِّ والوَسْوَسَةِ وقِيلَ: كانَ مَيْلًا مِن ضُعَفائِهِمْ وحَدِيثِي عَهْدِهِمْ بِالإسْلامِ وفي كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ و ﴿ قُلُوبُ ﴾ فاعِلُ ﴿ يَزِيغُ ﴾ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لَكادَ ولا تَحْتاجُ إلى رابِطٍ لِكَوْنِها خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وهو المَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ وإضْمارُ الشَّأْنِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ في أفْعالِ المُقارَبَةِ إلّا في كادَ وفي النّاقِصَةِ إلّا في كانَ ولَيْسَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ كادَ ضَمِيرَ القَوْمِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ أيْضًا، والرّابِطُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في ﴿ مِنهُمْ ﴾ وهَذا عَلى قِراءَةِ ﴿ يَزِيغُ ﴾ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ وحَفْصٍ والأعْمَشِ وأمّا عَلى قِراءَةِ (تَزِيغُ) التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿ قُلُوبُ ﴾ اسْمَ كادَ و(تَزِيغُ) خَبَرَها وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اسْمِها ولا يَصِحُّ هَذا عَلى القِراءَةِ الأُولى لِتَذْكِيرِ ضَمِيرِ ﴿ يَزِيغُ ﴾ وتَأْنِيثِ ما يَعُودُ إلَيْهِ وقَدْ ذَكَرَ هَذا الوَجْهَ مُنْتَخَبُ الدِّينِ الهَمْدانِيُّ وأبُو طالِبٍ المَكِّيُّ وغَيْرُهُما وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ في جَعْلِ القُلُوبِ اسْمَ كادَ خِلافُ وضْعِهِ مِن وُجُوبِ تَقْدِيمِ اسْمِهِ عَلى خَبَرِهِ كَما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ وفي البَحْرِ أنَّ تَقْدِيمَ خَبَرِ كادَ عَلى اسْمِها مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَرْكِيبِ كانَ يَقُومُ زَيْدٌ وفِيهِ خِلافٌ والأصَحُّ المَنعُ وأجابَ بَعْضُ فُضَلاءِ الرُّومِ بِأنَّ أبا عَلِيٍّ جَوَّزَ ذَلِكَ وكَفى بِهِ حُجَّةً وبِأنَّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وكَذا كَلامُ شُرّاحِهِ ومِنهم أبُو حَيّانَ وجَرى عَلَيْهِ في ارْتِشافِهِ أيْضًا ولا يَعْبَأُ بِمُخالَفَتِهِ في البَحْرِ إذْ مَبْنى ذَلِكَ القِياسُ عَلى بابِ كانَ وهو لا يُصادِمُ النَّصَّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، عَلى أنَّ في كَوْنِ أبِي حَيّانَ مِن أهْلِ القِياسِ مَنعًا ظاهِرًا فالحَقُّ الجَوازُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ كادَ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أيْ مِن بَعْدِ ما كادَ الجَمْعُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ القَوْمُ أيْ مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ وضَعُفَ بِأنَّهُ أُضْمِرَ في كادَ ضَمِيرٌ لا يَعُودُ إلّا عَلى مُتَوَهِّمٍ، وبِأنَّ خَبَرَها يَكُونُ قَدْ رُفِعَ سَبَبِيًّا، وقَدْ قالُوا: إنَّهُ لا يَرْفَعُ إلّا ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اسْمِها وكَذا خَبَرُ سائِرِ أخَواتِها ما عَدا عَسى في رَأْيٍ، ولا يَخْفى وُرُودُ هَذا أيْضًا عَلى تَوْجِيهَيِ القِراءَةِ الأُولى لَكِنَّ الأمْرَ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ سَهْلٌ وجَوَّزَ الرَّضِيُّ تَخْرِيجَ الآيَةِ عَلى التَّنازُعِ وهو ظاهِرٌ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ إعْمالُ الأوَّلِ إذْ لَوْ أُعْمِلَ الثّانِي لَوَجَبَ أنْ يُقالَ في الأوَّلِ (كادَتْ) كَما قَرَأ بِهِ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولا يَجُوزُ كادَ إلّا عِنْدَ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَحْذِفُ الفاعِلَ وكَأنَّ الرَّضِيَّ لَمْ يُبالِ بِما لَزِمَ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ مِن تَقْدِيمِ خَبَرِ كادَ عَلى اسْمِهِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِمَحْذُورٍ عَلى ما هو الحَقُّ وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنْ ﴿ كادَ ﴾ زائِدَةٌ ومَعْناها مُرادٌ كَكانَ ولا عَمَلَ لَها في اسْمٍ ولا خَبَرٍ لِيَخْلُصَ مِنَ القِيلِ والقالِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (مِن بَعْدِ ما زاغَتْ) بِإسْقاطِ كادَ وقَدْ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى زِيادَتِها في نَحْوِ لَمْ يَكَدْ مَعَ أنَّها عامِلَةٌ مَعْمُولَةٌ فَهَذا أوْلى وقَرَأ الأعْمَشُ (تُزِيغُ) بِضَمِّ التّاءِ وجَعَلُوا الضَّمِيرَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِلْمُتَخَلِّفِينَ سَواءٌ كانُوا مِنَ المُنافِقِينَ أمْ لا كَأبِي لُبابَةَ ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ بِناءً عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والتَّأْكِيدُ يَجُوزُ عَطْفُهُ بِثُمَّ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ وإنْ كانَ كَلامُ أهْلِ المَعانِي يُخالِفُهُ ظاهِرًا وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَوْبَتَهُ سُبْحانَهُ في مُقابَلَةِ ما قاسُوهُ مِنَ الشَّدائِدِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيقُ بِالمَوْصُولِ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقِ والمُرادُ أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ لِكَيْدُودَتِهِمْ وقُرْبِهِمْ مِنَ الزَّيْغِ لِأنَّهُ جُرْمٌ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ عَلَيْهِ فَلا تَكْرارَ لِما سَبَقَ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 117﴾ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ فَإنَّ صِفَةَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ مِن دَواعِي التَّوْبَةِ والعَفْوِ وجُوِّزَ كَوْنُ الأوَّلِ عِبارَةً عَنِ ازالَةِ الضَّرَرِ والثّانِي عَنْ إيصالِ النَّفْعِ وأنْ يَكُونَ أحَدُهُما لِلسَّوابِقِ والآخَرُ لِلَّواحِقِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ، يعني: تجاوز الله عن النبي إذنه للمنافقين بالتخلف، كقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43] ويقال: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ يعني: غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كما ذكر في أول سورة الفتح.
ثم قال: وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، يعني: تجاوز عنهم ذنوبهم، لما أصابهم من الشدة في ذلك الطريق.
ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ، يعني: وقت الشدة في غزوة تبوك كانت لهم العسرة في أربعة أشياء: عسرة النفقة، والركوب، والحر، والخوف مِنْ بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، يعني: تميل قلوب طائفة منهم عن الخروج إلى الغزو، ويقال: من بعد ما كادوا أن يرجعوا من غزوتهم من الشدة.
ويقال: هم قوم تخلفوا عنه، ثم خرجوا فأدركوه في الطريق.
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ، يعني: تجاوز عنهم.
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، حين تاب عليهم.
قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص يَزِيغُ قُلُوبُ بالياء بلفظ التذكير، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث.
ولفظ التأنيث إذا لم يكن حقيقيا، جاز والتأنيث والتذكير، لأن الفعل مقدم فيجوز التذكير والتأنيث.
<div class="verse-tafsir"
بعضهم خَافَ عَلَى نَفْسِه مِنَ الاستغفار للمشْركين، فنزلت الآيةُ مُؤْنسة، أيْ: ما كان اللَّه بَعْدَ/ أَنْ هدَى إِلى الإِسْلاَمِ، وأنقذ مِنَ النار لِيُحْبِطَ ذلك، ويضلَّ أهله لمواقعتهم ذَنْباً لم يتقدَّم من اللَّه عنه نَهْيٌ، فأما إِذا بيَّن لهم ما يتَّقون من الأمورِ، ويتجنَّبون من الأشياء، فحينئذٍ مَنْ واقع شيئاً من ذلك بعد النَّهْيِ، استوجب العقوبة، وباقي الآية بيّن.
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)
وقوله سبحانه: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ...
الآية: التوبةُ مِنَ اللَّه تعالَى هو رُجُوعه بعبده مِنْ حالة إِلى أَرفَعَ منها، فقد تكونُ في الأكثَرِ رُجُوعاً من حالة طاعةٍ إِلى أَكْمَلَ منها، وهذه توبته سبحانه في هذه الآيةِ عَلَى نبيِّه عليه السلام، وأما توبته على المهاجرين والأنصار، فمعرَّضةً لأنْ تكونَ مِنْ تقصير إلى طاعة وجِدٍّ في الغزو ونُصْرَةِ الدِّين، وأما توبته على الفريق الذي كاد يزيغ، فَرُجُوعٌ من حالة محطوطةٍ إلى حال غفران ورضاً وقال الشيخ أبو الحَسَن الشَّاذِلِيُّ رحمه اللَّه: في هذه الآية ذَكَر اللَّه سبحانه تَوْبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَئِلاَ يستوحِشَ مَنْ أذنب لأنه ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا، ثم قال: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، فذكر مَنْ لم يُذْنِبْ لِيُؤْنَسَ من قد أذنب، انتهى من «لطائف المنن» .
وساعَةِ الْعُسْرَةِ يريد: وقْت العسرة، والعُسْرة الشِّدَّةُ، وضيقُ الحَالِ، والعُدْمُ، وهذا هو جيشُ العُسْرة الذي قال فيه صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَلَهُ الجنة» «١» ، فجهزه عثمانُ بْنُ عفَّان رضي اللَّه عنه بألْفِ جَمَلٍ، وألْف دينارٍ، وجاء أيضاً رجلٌ من الأنصار بِسَبْعِمَائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْر، وهذه غزوةُ تبوكَ.
ت: وعن ابن عَبَّاس أنَّه قيل لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب: حدِّثنا عن شأنِ سَاعَةِ العُسْرَة، فقال عمر: خَرَجْنَا إلى تبوكَ في قَيْظٍ شديدٍ، فنزلْنا منزلاً أصابنا فيه عَطَشٌ، حتى ظَنَنَّا أَنَّ رقابنا سَتَنْقَطِعُ حتى إنَّ الرجُلَ لَيَنْحَرُ بعيره، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ «٢» فيشربه، ثم يجعل ما بقي
عَلَى كَبِدِهِ، فقال أبو بكر: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّه قد عَوَّدَكَ في الدعاءِ خيراً، فادع اللَّهَ، فَقَالَ: «أَتُحِبُّ ذلكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فلم يَرْجِعْهما حتَّى مالَتِ السماء، فَأَظلَّتْ، ثم سَكَبَتْ فملؤوا ما معهم، ثم ذهبْنا ننظر، فلم نجدْها جاوَزَتِ العَسْكَر، رواه الحاكم في «مستدركه على الصحيحين» ، وقال: صحيحٌ على شرط الشَّيْخَيْن، يعني: مسلماً والبخاريَّ «١» انتهى في «السلاح» ، ووصل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تَبُوكَ إِلى أوائلِ بلد العَدُوِّ فصالحه أَهْلُ أذرح وأَيْلَةَ وغيرهما على الجِزْية ونحوها، وانصرف، والزيغ المذْكُور هو ما هَمَّت به طائفةٌ من الانصراف لِمَا لَقُوا من المشقَّة والعُسْرة.
قاله الحسن «٢» .
وقيل: زيغها إِنما كان بظُنُونٍ لها ساءَتْ في معنى عزم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تلك الغزوة، لما رأته من شدَّة الحال وقوَّة العدوِّ والمقصود، ثم أخبر عزَّ وجلَّ أنه تاب أيضاً على هذا الفريقِ، وراجَعَ به، وأنس بإِعلامه للأمَّة بأنه رؤوفٌ رحيمٌ، والثلاثة الذين خُلِّفوا هم كعْبُ بن مالِكٍ وهلال بن أمية الوَاقفيُّ ومُرَارَةُ بنُ الرَّبيع العامريُّ، وقد خرَّج حديثهم بكماله البخاريُّ ومسلم «٣» ، وهو في السِّير فلذلك اختصرنا سَوْقَهُ، وهم الذين تقدَّم فيهم:
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة: ١٠٦] ، ومعنى خُلِّفُوا أُخِّروا، وتُرِكَ النظرُ في أمرهم، قال كَعْب: وليس بتخلُّفنا عَنِ الغَزْوِ، وهو بَيِّنٌ من لفظ الآية.
وقوله: وَظَنُّوا أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ظَنُّوا هنا بمعنى: أيقنوا، قال
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تابَ عَلَيْهِ مِن إذْنِهِ لَلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ.
وقالَ أهْلُ المَعانِي: هو مِفْتاحُ كَلامِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبَ تَوْبَةِ التّائِبِينَ، ذُكِرَ مَعَهم كَقَوْلِهِ: ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُرادُ بِساعَةِ العُسْرَةِ: وقْتَ العُسْرَةِ، لِأنَّ السّاعَةَ تَقَعُ عَلى كُلِّ الزَّمانِ، وكانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَرٌّ شَدِيدٌ، والقَوْمُ في ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ، كانَ الجَمَلُ بَيْنَ جَماعَةٍ يَعْتَقِبُونَ عَلَيْهِ، وكانُوا في فَقْرٍ، فَرُبَّما اقْتَسَمَ التَّمْرَةَ اثْنانِ، ورُبَّما مَصَّ التَّمْرَةَ الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ، ورُبَّما نَحَرُوا الإبِلَ فَشَرِبُوا مِن ماءِ كُرُوشِها مِنَ الحَرِّ.
«وَقِيلَ لِعُمَرَ بْنَ الخَطّابِ: حَدِّثْنا عَنْ ساعَةِ العُسْرَةِ، فَقالَ خَرَجْنا إلى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا أصابَنا فِيهِ عَطَشٌ حَتّى ظَنَنّا أنَّ رِقابَنا سَتَتَقَطَّعُ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الماءَ فَلا يَرْجِعُ حَتّى يَظُنَّ أنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ، وحَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرَ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ، ويَجْعَلُ ما بَقِيَ عَلى كَبِدِهِ.
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ في الدُّعاءِ خَيْرًا، فادْعُ لَنا.
قالَ: "تُحِبُّ ذَلِكَ"؟
قالَ: نَعَمْ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يُرْجِعْهُما حَتّى قالَتِ السَّماءُ، فَمَلَؤُوا ما مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنا نَنْظُرُ، فَلَمْ نَجِدْها جاوَزَتِ العَسْكَرَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "كادَ يَزِيغُ" بِالياءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ.
وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَمِيلُ إلى التَّخَلُّفِ عَنْهُ، وهم ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ هَمُّوا بِذَلِكَ، ثُمَّ لَحِقُوهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ القُلُوبَ مالَتْ إلى الرُّجُوعِ لِلشِّدَّةِ الَّتِي لَقَوْها، ولَمْ تَزِغْ عَنِ الإيمانِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ القُلُوبَ كادَتْ تَزِيغُ تَلَفًا بِالجَهْدِ والشِّدَّةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في ابْتِداءِ الآَيَةِ ذِكْرُ ذَنْبِهِمْ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ التَّوْبَةِ فَضْلًا مِنهُ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَنْبَهُ ثُمَّ أعادَ ذِكْرَ التَّوْبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ تابَ اللهُ عَلى النَبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَلى الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمُ لِيَتُوبُوا إنَّ اللهِ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ التَوْبَةُ مِنَ اللهِ رُجُوعُهُ بِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها، فَقَدْ تَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا مِن حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطاعَةِ، وقَدْ تَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَبِيِّ لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالِهِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وأجْرِها وتَحَمُّلِ مَشَقّاتِها إلى حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن تَقْصِيرٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي كادَ أنْ يَزِيغَ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالِ غُفْرانٍ ورِضا.
واتَّبَعُوهُ مَعْناهُ: دَخَلُوا في أمْرِهِ وانْبِعاثِهِ ولَمْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ يُرِيدُ: في وقْتِ العُسْرَةِ، فَأنْزَلَ الساعَةَ مَنزِلَةَ المُدَّةِ والوَقْتِ والزَمَنِ وإنْ كانَ عُرْفُ الساعَةِ في اللُغَةِ أنَّهُ لِما قَلَّ مِنَ الزَمَنِ كالقِطْعَةِ مِنَ النَهارِ.
ألا تَرى قَوْلَهُ في رَواحِ يَوْمِ الجُمْعَةِ: "فِي الساعَةِ الأُولى وفي الثانِيَةِ" الحَدِيثُ، فَهي هُنا تَجَوُّزٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ الساعَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها عَزْمُهم وانْقِيادُهم لِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ إذِ السُفْرَةُ كُلُّها تَبَعٌ لِتِلْكَ الساعَةِ وبِها وفِيها يَقَعُ الأجْرُ عَلى اللهِ وتَرْتَبِطُ النِيَّةُ، فَمَنِ اعْتَزَمَ عَلى الغَزْوِ وهو مُعْسِرٌ فَقَدِ اتَّبَعَ في ساعَةِ العُسْرَةِ، ولَوِ اتَّفَقَ أنْ يَطْرَأ لَهم غِنًى في سائِرِ سَفْرَتِهِمْ لَما اخْتَلَّ كَوْنُهم مُتَّبِعِينَ في ساعَةِ عُسْرَةِ، والعُسْرَةُ: الشِدَّةُ وضِيقُ الحالِ والعُدْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ ، وهَذا هو جَيْشُ العُسْرَةِ الَّذِي قالَ رَسُولُ اللهِ فِيهِ: « "مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِألْفِ جَمَلٍ وألْفِ دِينارٍ.
ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قَلَبَ الدَنانِيرَ بِيَدِهِ وقالَ: "وَما عَلى عُثْمانَ ما عَمِلَ بَعْدَ هَذا؟"، وجاءَ أيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِسَبْعِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ،» وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ العُسْرَةَ بَلَغَتْ بِهِمْ في تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ إلى أنْ قَسَّمُوا التَمْرَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ كانَ النَفَرُ يَأْخُذُونَ التَمْرَةَ الواحِدَةَ فَيَمْضُغُها أحَدُهم ويَشْرَبُ عَلَيْها الماءَ ثُمَّ يَفْعَلُ كُلُّهم بِها ذَلِكَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأصابَهم في بَعْضِها عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَشْرَبُونَ ما في كُرُوشِها مِنَ الماءِ ويَعْصِرُونَ الفَرْثَ حَتّى اسْتَسْقى لَهم رَسُولُ اللهِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما رَجَعَهُما حَتّى انْسَكَبَتْ سَحابَةٌ فَشَرِبُوا وادَّخَرُوا ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَإذا السَحابَةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العَسْكَرِ، وحِينَئِذٍ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: وهَلْ هَذِهِ إلّا سَحابَةٌ مَرَّتْ؟
وكانَتِ الغَزْوَةُ في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَ الناسُ كَثِيرًا فَقَلَّ الظَهْرُ فَجاءَتْهُمُ العُسْرَةُ مِن جِهاتٍ، ووَصَلَ رَسُولُ اللهِ إلى أوائِلِ بَلَدِ العَدُوِّ فَصالَحَهُ أهْلُ أذْرَجَ وأيْلَةَ، وغَيْرُهُما عَلى الجِزْيَةِ ونَحْوِها، وانْصَرَفَ.
وأمّا الزَيْغُ الَّذِي كادَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم أنْ تُواقِعَهُ فَقِيلَ: هَمَّتْ فِرْقَةٌ بِالِانْصِرافِ لَمّا لَقُوا مِنَ المَشَقَّةِ والعُسْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقِيلَ: زَيْغُها إنَّما كانَ بِظُنُونٍ لَها ساءَتْ في مَعْنى عَزْمِ رَسُولِ اللهِ عَلى تِلْكَ الغَزْوَةِ لِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ وبُعْدِ المَشَقَّةِ وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَزِيغُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى لَفْظِ القُلُوبِ.
ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ الدالَ في التاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِيغُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى جَمْعِ القُلُوبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن بَعْدِ ما كادَتْ تَزِيغُ".
وَأمّا "كادَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِها ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ أوَّلُها وأقْواها: القِصَّةُ والشَأْنُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وتَرْتَفِعُ "القُلُوبُ" -عَلى هَذا- بِـ "تَزِيغُ"، والثانِي: أنْ يَرْتَفِعَ بِها ما يَقْتَضِيهِ ذِكْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوَّلًا، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ: "القَوْمُ"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، والثالِثُ: أنْ يَرْتَفِعَ بِها "القُلُوبُ" ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "تَزِيغُ" ضَمِيرُ "القُلُوبِ"، وجازَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا التَقْدِيمَ لِلْخَبَرِ يُرادُ بِهِ التَأْخِيرُ، وشُبِّهَتْ "كادَ" بِـ "كانَ" لِلُزُومِ الخَبَرِ لَها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في "عَسى".
ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ تابَ أيْضًا عَلى هَذا الفَرِيقِ وراجَعَ بِهِ، وأنِسَ بِإعْلامِهِ لِلْأُمَّةِ بِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، والثَلاثَةُ هُمْ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ العامِرِيُّ، ويُقالُ: ابْنُ رَبِيعَةَ، ويُقالُ: ابْنُ رِبْعِيِّ، وقَدْ خَرَجَ حَدِيثُهم بِكَمالِهِ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وهو في السَيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا سَوْقَهُ.
وهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِيهِمْ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ ، ومَعْنى: خُلِّفُوا: أُخِّرُوا وتُرِكَ أمْرُهم ولَمْ تُقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةٌ ولا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خُلِّفُوا عَنِ المُعْتَذِرِينَ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ خُلِّفُوا ﴾ أيْ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ وقَدْ رَدَّهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ نَفْسُهُ وقالَ: مَعْنى خُلِّفُوا: تُرِكُوا عن قَبُولِ العُذْرِ، ولَيْسَ بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ جَعْلُهُ ﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ ﴾ غايَةً لِلتَّخَلُّفِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عن تَخْلِيفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ عن تَخْلِيفِهِمْ عن قَبُولِ العُذْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلِّفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وشَدِّ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ هارُونَ المَخْزُومِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللامِ غَيْرَ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "خَلِفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وتَخْفِيفِ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "خالَفُوا" والمَعْنى قَرِيبُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَعَلى الثَلاثَةِ المُخَلَّفِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما رَحُبَتْ ﴾ مَعْناهُ: بِرُحْبِها، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ما هي في نَفْسِها رَحْبَةٌ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، ﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الهَمَّ والغَمَّ مَلَأها، ﴿ وَظَنُّوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: أيْقَنُوا وحَصَلَ عِلْمٌ لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ لَمّا كانَ هَذا القَوْلُ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدا في تَرْتِيبِهِ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى تَلَقِّي النِعْمَةِ مِن عِنْدِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ القَوْلُ في تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكانَ الِابْتِداءُ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ المُذْنِبِ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ لِيَكُونَ هَذا أشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن فَصاحَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ نَظْمِهِ ومُعْجِزِ اتِّساقِهِ.
وبَيانُ هَذِهِ الآيَةِ ومَواقِعُ ألْفاظِها إنَّما يَكْمُلُ مَعَ مُطالَعَةِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا في الكُتُبِ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنَّما عَظُمَ ذَنْبُهم واسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ الشَرْعَ يَطْلُبُهم مِنَ الجِدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ مِنهُ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إذْ هم أُسْوَةٌ وحُجَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ والطاعِنِينَ، إذْ كانَ كَعْبٌ مِن أهْلِ العَقَبَةِ وصاحَباهُ مَن أهْلِ بَدْرٍ.
وفي هَذا ما يَقْتَضِي أنَّ الرَجُلَ العالِمَ والمُقْتَدى بِهِ أقَلُّ عُذْرًا في السُقُوطِ مِن سِواهُ، وكَتَبَ الأوزاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ في آخِرِ رِسالَةٍ: "واعْلَمْ أنَّ قَرابَتَكَ مِن رَسُولِ اللهِ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللهِ عَلَيْكَ إلّا عِظَمًا، ولا طاعَتَهُ إلّا وُجُوبًا، ولا الناسَ فِيما خالَفَ ذَلِكَ مِنكَ إلّا إنْكارًا والسَلامُ"، ولَقَدْ أحْسَنَ القاضِي التَنُوخِيُّ في قَوْلِهِ: والعَيْبُ يُعْلَقُ بِالكَبِيرِ كَبِيرُ وفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ لَيْلَةَ نُزُولِ تَوْبَتِهِمْ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ، وكانَتْ لَهم صالِحَةٌ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ : "يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ ألا أبْعَثُ إلَيْهِمْ؟
فَقالَ: "إذًا يَحْطِمُكُمُ الناسُ سائِرَ اللَيْلَةِ فَيَمْنَعُوكُمُ النَوْمَ"».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ ، هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ أهْلِ الصِدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَلاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِدْقُ وذَهَبَ بِهِمْ عن مَنازِلِ المُنافِقِينَ، فَجاءَ هَذا الأمْرُ اعْتِراضًا في أثْناءِ الكَلامِ إذْ عَنَّ في القِصَّةِ ما يَجِبُ التَنْبِيهُ عَلى امْتِثالِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ هو صِدْقُ الحَدِيثِ، وقالَ نافِعٌ، والضَحّاكُ ما مَعْناهُ: إنَّ اللَفْظَ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِحَّةِ في الدِينِ والتَمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "عَوْدٌ صِدْقٌ ورَجُلٌ صِدْقٌ"، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وأخْيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ فِي الإسْلامِ.
و"مَعَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الصُحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَكُونُوا مِنَ الصادِقِينَ"، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلُهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ.
ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
انتقال من التحريض على الجهاد والتحذير من التقاعس والتوبيخ على التخلف، وما طرأ على ذلك التحريض من بيان أحوال الناس تُجاه ذلك التحريض وما عقبه من أعمال المنافقين والضعفاء والجبناء إلى بيان فضيلة الذين انتدبوا للغزو واقتحموا شدائده، فالجملة استئناف ابتدائي.
وافتتاحها بحرف التحقيق تأكيد لمضمونها المتقرر فيما مضى من الزمان حسبما دل عليه الإتيان بالمسندات كلها أفعالاً ماضية.
ومن المحسنات افتتاح هذا الكلام بما يؤذن بالبشارة لرضى الله على المؤمنين الذين غزوا تبوك.
وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم في تعلق فعل التوبة بالغُزاة للتنويه بشأن هذه التوبة وإتيانها على جميع الذنوب إذ قد علم المسلمون كلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ومعنى ﴿ تاب ﴾ عليه: غفر له، أي لم يؤاخذه بالذنوب سواء كان مذنباً أم لم يكنه، كقوله تعالى: ﴿ علم أنْ لن تحصوه فتاب عليكم ﴾ [المزمل: 20] أي فغفر لكم وتجاوز عن تقصيركم وليس هنالك ذنب ولا توبة.
فمعنى التوبة على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه أن الله لا يؤاخذهم بما قد يحسبون أنه يسبب مؤاخذة كقول النبي صلى الله عليه وسلم «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وأما توبة الله على الثلاثة الذين خُلفوا فهي استجابته لتوبتهم من ذنبهم.
والمهاجرون والأنصار: هم مجموع أهل المدينة، وكان جيش العسرة منهم ومن غيرهم من القبائل التي حول المدينة ومكة، ولكنهم خُصوا بالثناء لأنهم لم يترددوا ولم يتثاقلوا ولا شحوا بأموالهم، فكانوا إسوة لمن اتَّسى بهم من غيرهم من القبائل.
ووصف المهاجرون والأنصار ب ﴿ الذين اتبعوه ﴾ للإيماء إلى أن لصلة الموصول تسبباً في هذه المغفرة.
ومعنى ﴿ اتبعوه ﴾ أطاعوه ولم يخالفوا عليه، فالاتباع مجازي.
والساعة: الحصة من الزمن.
والعسرة: اسم العسر، زيدت فيه التاء للمبالغة وهي الشدة.
وساعة العسرة هي زمن استنفار النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى غزوة تبوك.
فهو الذي تقدمت الإشارة إليه بقوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38] فالذين انتدبوا وتأهبوا وخرجوا هم الذين اتبعوه، فأما ما بعد الخروج إلى الغزو فذلك ليس هو الاتباع ولكنه الجهاد.
ويدل لذلك قوله: ﴿ من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم ﴾ أي من المهاجرين والأنصار، فإنه متعلق ب ﴿ اتبعوه ﴾ أي اتبعوا أمره بعد أن خامر فريقاً منهم خاطر التثاقل والقعود والمعصية بحيث يشبهون المنافقين، فإن ذلك لا يتصور وقوعه بعد الخروج، وهذا الزيغ لم يقع ولكنه قارب الوقوع.
و ﴿ كاد ﴾ من أفعال المقاربة تعمل في اسمين عَملَ كانَ، واسمُها هنا ضمير شأن مقدر، وخبرها هو جملة الخبر عن ضمير الشأن، وإنما جُعل اسمها هنا ضمير شأن لتهويل شأنهم حين أشرفوا على الزيغ.
وقرأ الجمهور ﴿ تَزيغ ﴾ بالمثناة الفوقية.
وقرأه حمزة، وحفص عن عاصم، وخلف بالمثناة التحتية.
وهما وجهان في الفعل المسند لجمع تكسير ظاهر.
والزيغ: الميل عن الطريق المقصود.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا ﴾ في سورة آل عمران (8).
وجملة؛ ثم تاب عليهم } عطف على جملة ﴿ لقد تاب الله ﴾ أي تاب على غير هذا الفريق مطلقاً، وتاب على هذا الفريق بعد ما كادت قلوبهم تزيغ، فتكون ﴿ ثم ﴾ على أصلها من المهلة.
وذلك كقوله في نظير هذه الآية ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ [التوبة: 118].
والمعنى تاب عليهم فأهموا به وخرجوا فلقوا المشقة والعسر، فالضمير في قوله ﴿ عليهم ﴾ لل ﴿ فريق ﴾ .
وجوز كثير من المفسرين أن تكون ﴿ ثم ﴾ للترتيب في الذكر، والجملة بعدها توكيداً لجملة ﴿ تاب الله ﴾ ، فالضمير للمهاجرين والأنصار كلهم.
وجملة: ﴿ إنه بهم رءوف رحيم ﴾ تعليل لما قبلها على التفسيرين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ الآيَةَ.
هي غَزْوَةُ تَبُوكَ قِبَلَ الشّامِ، كانُوا في عُسْرَةٍ مِنَ الظَّهْرِ، كانَ الرَّجُلانِ والثَّلاثَةُ عَلى بَعِيرٍ وفي عُسْرَةٍ مِنَ الزّادِ، قالَ قَتادَةُ حَتّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَيْنِ كانا يَشُقّانِ التَّمْرَةَ بَيْنَهُما، وكانَ النَّفَرُ يَتَداوَلُونَ التَّمْرَةَ بَيْنَهم يَمُصُّها أحَدُهم ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْها مِنَ الماءِ، ثُمَّ يَمُصُّها الآخَرُ، وفي عُسْرَةٍ مِنَ الماءِ، وكانُوا في لَهَبانِ الحَرِّ وشِدَّتِهِ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: «وَأصابَهم يَوْمًا عَطَشٌ شَدِيدٌ فَجَعَلُوا يَنْحَرُونَ إبِلَهم ويَعْصِرُونَ أكْراشَها فَيَشْرَبُونَ ماءَها، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأمْطَرَ اللَّهُ السَّماءَ بِدُعاءِ النَّبِيِّ فَغَشِيَنا.
» وفي هَذِهِ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: اسْتِنْقاذُهم مِن شِدَّةِ العُسْرِ.
والثّانِي: أنَّها خَلاصُهم مِن نِكايَةِ العَدُوِّ.
وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وإنْ خَرَجَ عَنْ عُرْفِها لِوُجُودِ مَعْنى التَّوْبَةِ فِيهِ وهو الرُّجُوعُ إلى الحالَةِ الأُولى.
﴿ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَتْلَفُ بِالجَهْدِ والشِّدَّةِ.
والثّانِي: تَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ في المُتابَعَةِ والنُّصْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ وهَذِهِ التَّوْبَةُ غَيْرُ الأُولى، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّوْبَةَ الأُولى في الذَّهابِ، والتَّوْبَةَ الثّانِيَةَ في الرُّجُوعِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأُولى في السَّفَرِ، والثّانِيَةَ بَعْدَ العَوْدَةِ إلى المَدِينَةِ.
فَإنْ قِيلَ بِالأوَّلِ، أنَّ التَّوْبَةَ الثّانِيَةَ في الرُّجُوعِ، احْتَمَلَتْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها الإذْنُ لَهم بِالرُّجُوعِ إلى المَدِينَةِ.
الثّانِي: أنَّها بِالمَعُونَةِ لَهم في إمْطارِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ حَتّى حَيَّوْا، وتَكُونُ التَّوْبَةُ عَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ عامَّةً.
وَإنْ قِيلَ إنَّ التَّوْبَةَ الثّانِيَةَ بَعْدَ عَوْدِهِمْ إلى المَدِينَةِ احْتَمَلَتْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها العَفْوُ عَنْهم مِن مُمالَأةِ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهم.
الثّانِي: غُفْرانُ ما هَمَّ بِهِ فَرِيقٌ مِنهم مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، وتَكُونُ التَّوْبَةُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ خاصَّةً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل والضياء في المختارة عن ابن عباس.
أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثنا من شأن ساعة العسرة.
فقال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا إن رقابنا ستقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع لنا.
فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأهطلت، ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ في ساعة العسرة ﴾ قال: غزوة تبوك.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ﴾ قال: هم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قبل الشام في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كان يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها أحدهم ثم يشرب عليها الماء ثم يمصها الآخر، فتاب الله عليهم فأقفلهم من غزوتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن محمد بن عبد الله بن عقيل بن أبي طالب في قوله: ﴿ الذين اتبعوه في ساعة العسرة ﴾ قال: خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد فأصابهم يوماً عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها، فكان ذلك عسرة من الماء وعسرة من النفقة وعسرة من الظهر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن جابر في قوله: ﴿ الذين اتبعوه في ساعة العسرة ﴾ قال: عسرة الظهر، وعسرة، وعسرة الماء.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك.
أنه قرأ ﴿ من بعد ما زاغت قلوب طائفة منهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ الآية، يروى عن ابن عباس في معنى التوبة على النبي أن ذلك لإذنه للمنافقين في التخلف عنه (١) وقال أبو عبيدة: (هو مفتاح كلام كقوله تعالى: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ (٢) ومعني هذا أن ذكر النبي [بالتوبة عليه] (٣) (٤) ﴿ كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ﴾ ويذكر ذلك، ولكن الله تعالى قدم ذكر التوبة فضلًا منه، ثم ذكر ذنبهم.
وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ ، قال أبو إسحاق: (معناه في وقت العسرة لأن الساعة تقع على كل الزمان) (٥) (٦) (٧) وقال غيره: (يريد أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزوة) (٨) (٩) أما عسرة الظهر فقال الحسن: (كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم) (١٠) وعسرة الزاد أنه (١١) (١٢) -: (خرجنا في قيظ شديد، وأصابنا فيه عطش شديد، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: يميل بعض من كان فيها إلى التخلف والعصيان) (١٤) وقال الكلبي: (هم أناس من المسلمين هموا بالتخلف ثم لحقوه) (١٥) وقال أبو إسحاق: (أي من بعد ما كادوا يقفلون عن غزوتهم للشدة ليس أنه زائغ (١٦) (١٧) وقرأ حمزة (يَزِيغُ) بالياء (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) والثاني: أن يكون فاعل (كاد) القلوب، كأنه: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ، ولكنه قدم (تزيغ) كما تقدم خبر كان في قوله: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وجاء تقديمه وإن كان فيه ذكر من القلوب (٢٢) (٢٣) (٢٤) أحدهما: أن يكون الكلام على النظم الذي هو عليه، والفعل المسند إلى المؤنث إذا تقدم عليه جاز تذكيره وتأنيثه، فلما جاز الوجهان ذكر الفعل الأول لما وقع من الحيلولة بينه وبين المؤنث بالفعل الذي هو (يزيغ) فصار كقولهم: حضر القاضي امرأةٌ، وأنث الفعل الثاني لأنه ملتزق بالقلوب.
الوجه الثاني: أن (كاد) ليس بفعل متصرف كغيره من الأفعال، ألا ترى أنه لا يبنى منه فاعل ولا مفعول فصار كـ (ليس)، و (ليس) يجوز تذكيره وإن أسند إلى مؤنث كقولك: ليس تخرج جاريتك (٢٥) ومن قرأ (يزيغ) بالياء فوجهه تقدم الفعل (٢٦) قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ كرر ذكر التوبة وهما واحد لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم، فقدم الله ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبهم، ثم أعاد ذكر التوبة، وقيل: إن المراد بالتوبة بعد التوبة رحمة بعد رحمة، وقد قال رسول الله : "إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم (٢٧) (٢٨) ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ يريد (ازداد عنهم رضًا) (٢٩) (١) ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 278.
(٢) ذكره الثعلبي 6/ 156 أ، وابن الجوزي 3/ 511، والقرطبي 8/ 278، و"الخازن" 2/ 268، منسوبًا لأهل المعاني ولم أجد من ذكره عن أبي عبيدة، وليس في كتابه "مجاز القرآن".
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٤) في (ح): (مثل).
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 474.
(٦) في (ح): (جماعة)، وهو خطأ.
(٧) "تنوير المقباس" ص 205.
(٨) انظر: "المحرر الوجيز" 7/ 67 - 68، و"تفسير القرطبي" 8/ 278.
(٩) رواه ابن جرير 11/ 55، وابن المنذر وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 512، وذكره بغير سند الثعلبي 6/ 156 أ.
(١٠) "تفسير الثعلبي" 6/ 156 أ، والبغوي 4/ 104، والقرطبي 8/ 279.
(١١) ساقط من (ى).
(١٢) هذا معنى قول مجاهد وقتادة فيما رواه عنهما ابن جرير 11/ 55، وقول الحسن فيما رواه عنه الثعلبي 6/ 156 أ، والبغوي 4/ 104.
(١٣) رواه ابن جرير 11/ 55، وابن حبان في "صحيحه" (الإحسان) رقم (1383) 4/ 223، والحاكم 1/ 159، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(١٤) "تنوير المقباس" ص 205 بمعناه.
(١٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 512، والبغوي في "تفسيره" 4/ 105، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 529.
(١٦) في "معاني القرآن وإعرابه": يزيغ.
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 474.
(١٨) وكذلك هي قراءة حفص عن عاصم وقرأ الباقون بالتاء، انظر: "السبعة" ص 319، و"التيسير في القراءات السبع" ص120، و"رشاد المبتدي" ص 357، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 245.
(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٠) في جميع النسخ لم توضع نقطة فوق الزاي والتصحيح من"الحجة للقراء السبعة".
(٢١) في (ح) زيادة نصها: (تزيغ ولكنه قدم) وهي وهم من الناسخ وتكرار لبعض ما ذكر في الوجه الثاني.
(٢٢) يعني أن فيه ضميرًا يعود على القلوب.
(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من: (ح).
(٢٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 236.
(٢٥) لم أجد قول الفراء بهذا السياق، والوجه الأول في كتابه "معاني القرآن" 1/ 454 مختصرًا، وذكره كذلك المؤلف في "الوسيط" 2/ 529.
(٢٦) من (م).
(٢٧) ساقط من (ى).
(٢٨) لم أجده في المصادر التي بين يدي سوى "تفسير الرازي" 16/ 216.
(٢٩) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 216.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً ﴾ الآية: نزلت في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية تأنيساً لهم أي: ما كان الله ليؤاخذكم بذلك قبل أن يبين لكم المنع من ذلك ﴿ سَاعَةِ العسرة ﴾ يعني: حين محاولة غزوة تبوك، والساعة هنا بمعنى الحين والوقت، وإن كان مدة، والعسرة: الشدة وضيق الحال ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ يعني تزيغ عن الثبات على الإيمان، أو عن الخروج في تلك الغزوة لما رأوا من الضيق والمشقة، وفي كاد ضمير الأمر والشأن، أو ترتفع بها القلوب ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ يعني: على هذا الفريق أي رجع بهم عما كادوا يقعون فيه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فيقتلون ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ويقتلون ﴾ مبنياً للفاعل: حمزة علي وخلف الآخرون على العكس.
﴿ ويقتلون ﴾ بالتشديد: أبو عون عن قنبل.
﴿ إبراهام ﴾ وكذلك ما بعده: هشام ﴿ يزيغ ﴾ بياء الغيبة.
حمزة وحفص والمفضل.
والباقون بتاء التأنيث.
﴿ خلفوا ﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس.
الباقون بالتشديد مجهولاً.
الوقوف: ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ ويقتلون ﴾ ط ﴿ والقرآن ﴾ ط ﴿ بايعتهم به ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لحدود الله ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ إياه ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ج ﴿ حليم ﴾ ه ط ﴿ ما يتقون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ تاب عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿ خلفوا ﴾ ط ﴿ إلا إليه ﴾ ط ﴿ ليتوبوا ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه فقال: ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.
قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.
فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.
قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟
قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.
قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم.
وقال جعفر الصادق : والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.
واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه.
ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها.
والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع.
وههنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات.
وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات العاليات؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ وفي قوله ﴿ يقاتلون ﴾ معنى الأمر كقوله ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ﴾ وهو كالتفسير لتلك المبايعة ﴿ فيقتلون ويقتلون ﴾ أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين.
ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان.
ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ .
والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال لعلي : " لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس" ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال: "هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قوله ﴿ وعداً عليه ﴾ قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ كأنه قيل: وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال ﴿ ومن أوفى ﴾ استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد ﴿ من الله ﴾ لأنه الغني عن كل الحاجات القادر على كل المقدورات.
وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: ﴿ إن الله اشترى ﴾ وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً.
ومنها أنه قال ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة.
ومنها قوله ﴿ وعداً ﴾ و ﴿ إنه لا يخلف الميعاد ﴾ .
ومنها قوله ﴿ عليه ﴾ وكلمة "على" للوجوب ظاهراً.
ومنها قوله: ﴿ حقاً ﴾ وهو تأكيد التحقيق.
ومنها قوله: ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة.
ومنها قوله: ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف ألبتة.
ومنها قوله: ﴿ فاستبشروا ﴾ والبشارة الخبر الصدق الأول.
ومنها قوله: ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ ثم وصف الفوز بـ ﴿ العظيم ﴾ واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها ﴿ ذلك الفوز ﴾ بغير "هو" وإنه في ستة مواضع: في "براءة" موضعان، وفي "النساء والمائدة والصف والتغابن" وما في "النساء" بزيادة واو.
والآخر ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ بزيادة "هو" وذلك في ستة مواضع أخرى في "براءة" موضعان و "يونس" و "المؤمن" و "الدخان" و "الحديد" وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في "المؤمن".
وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها.
وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة.
وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد.
وكذلك في "المؤمن" وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية ﴿ فاغفر ﴾ ﴿ وقهم ﴾ ﴿ وأدخلهم ﴾ قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة.
ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: ﴿ التائبون ﴾ قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في ﴿ يقاتلون ﴾ وقيل: مبتدأ خبره ﴿ العابدون ﴾ وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.
أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق.
ومال آخرون الى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص ﴿ والعابدون ﴾ قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم.
وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع.
وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
و ﴿ الحامدون ﴾ هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ و ﴿ السائحون ﴾ قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله: " سياحة أمتي الصيام" .
ثم قيل: هذا صوم الفرض.
وقيل: الذين يديمون الصيام.
قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم.
وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع.
وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول.
وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل.
قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثراً عظيماً في تكميل النفس لأنه يلقى أنواعاً من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على الله فيصير ذلك ملكه له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال والأخلاق والسير والآثار ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ يعني المصلين قال بعض العلماء: إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود.
وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع.
ثم قال: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن ههنا بحثاً آخر وهو أنه لم أدخل الواو في قوله: ﴿ والناهون ﴾ ﴿ والحافظون ﴾ دون سائر الأوصاف؟
وأجيب بأن النسق يجيء بالواو وبغيرها كقوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ﴾ أو المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه الواو تنبيهاً على هذه المخالفة والمباينة.
ولبعض النحويين جواب عام يشمل هذه الآية وما في "الكهف" في قوله: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ وما في "الزمر" في قوله في ذكر الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وما في "التحريم" في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وذلك أنهم سموا هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها في القرآن والأخبار.
فالثمانية تجري مجرى استنئاف كلام فلهذا فصل بالواو.
وأما قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ فكإجمال بعد تفصيل؛ وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات.
وإنها إما لجلب المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية.
فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها.
والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها كحالة الإحرام.
ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في المسجد.
والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال والبحث عنها إما من جهة الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بيع العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئاً في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع الكاليء بالكالىء المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس.
وأما دفع المضار والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو السرقة.
وههنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولاً إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى والبينات.
فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله وأحكامه وحدوده، وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.
ولكن قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ يشمل ذلك أيضاً بل رعايته أهم من رعاية أحوال الظواهر.
ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه.
ولما بين من أول السورة إلى ههنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضاً وإن كانوا أقارب فقال: ﴿ ما كان للنبي ﴾ ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك.
ثم علل المنع بقوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فطلب غفرانهم جارٍ مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا يستجاب له.
وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا بالغ فيه بقوله: ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية - فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.
فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب.
فقال النبي : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآيتان.
وقيل عن ابن عباس: لما افتتح مكة سأل أي أبويه أحدث به عهداً أي آخرهما موتاً؟
فقيل: أمك آمنة.
فزار قبرها ثم قام باكياً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل عليّ ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآية.
فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة في آخر القرآن نزولاً، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام.
ويمكن أن يوجه الأول بأنه لعله بقي مستغفراً إلى حين نزول الآية.
ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد.
﴿ فلما تبين ﴾ لإبراهيم ﴿ أنه عدو لله ﴾ إما بإصراره على الكفر أو بموته على ذلك أو بطريق الوحي ﴿ تبرأ منه ﴾ وترك الاستغفار.
ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم ويوافقه قراءة الحسن ﴿ وعدها أباه ﴾ بالباء الموحدة وذلك في قوله: ﴿ لأستغفرن لك ﴾ وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه.
وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع إلى الله أن يرزقه الإيمان.
وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة فكان قوله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم ﴾ في حق المنافقين خاصة وهذه في حق الكافرين عامة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال أهل اللغة: أوّاه "فعال" مأخوذ من حروف "أوه" كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، وعن النبي أنه قال: "الأوّاه الخاشع المتضرع" والحلم ضد السفه، وصفه بشدّة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى أولى.
ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال أو يخذلهم أو يوقع الضالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به العقاب ﴿ بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ ما يجب عليهم أن يحترزوا عنه.
والحاصل أن الله لا يسمي قوماً ضلالاً بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب الخمر والربا قبل تحريمهما.
وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض المحظورات داخلاً في حكم الضلال.
ثم قال: ﴿ إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ﴾ والمراد أن من كان عالماً قادراً هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر.
قالت المعتزلة: وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب.
وأجيب بأن له ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر عادة، وفي قوله: ﴿ إن الله له ملك السموات والأرض ﴾ فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية نصرته لمن أراد استظهاراً للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب والأنصار كأنه قال: وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي.
ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الآية.
ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها.
فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم.
الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى.
والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي بقوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص.
ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب.
السؤال الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟
فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته.
والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد.
وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿ لا تنفروا في الحر ﴾ وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله في غزوة الخندق ﴿ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ﴾ الثالث: ما معنى ﴿ كاد يزيغ ﴾ وكيف إعرابه؟
والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد.
معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر.
وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان.
وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا.
وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية.
الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ ؟
الجواب إن عاد الضمير في ﴿ عليهم ﴾ الى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك.
وإليه الإشارة بقوله: : "إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" .
وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ يريد ازداد عنهم رضا.
ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿ إنه بهم رؤوف رحيم ﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة.
أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.
الخامس: الثلاثة الذين خلفوا من هم؟
الجواب هم المرجون لأمر الله كما مرّ، سّمُّوا مخلفين كما سمو مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد أولئك.
وقيل: لأنهم خلفوا عن الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين.
وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، وقرأ جعفر الصادق : ﴿ خالفوا ﴾ .
﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ﴾ مع سعتها وهو مثل للحيره في الأمر، ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور ﴿ وظنوا ﴾ أي علموا وتيقنوا ﴿ أن لا ملجأ من ﴾ سخط ﴿ الله إلا ﴾ إلى استغفاره كقوله : "أعوذ بك منك" .
وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون المدة قصيرة وجواب "إذا" محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، وحسن حذفه لتقدم ذكره.
عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله سلمت عليه فرد عليّ كالمغضب بعدما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه.
فقال: معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا - أيها الثلاثة - فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع - وهو جبل بالمدينة - أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي ﴿ وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ﴾ وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة.
وقال رسول الله وهو يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية.
سئل أبو بكر الورّاق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
السادس: قد عرفنا فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ ؟
الجواب معناه رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علماً منهم بأن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم.
وقالت الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله حتى إنه لو لم يتب عليهم لم يتوبوا.
وأيضاً قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر، ثم إنه لم يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوماً.
ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أوّل الأمر فلهذا تأخر القبول دليله قوله : ﴿ حتى إذا ضاقت ﴾ الآية.
ثم حث المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل الصدق لا النفاق فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال بعض العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة.
والكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين.
ثم إنه ثبت بالتواتر من دين محمد أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة علىالمكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصاً بالكون مع الرسول وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك.
ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصراً في الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على شيء كانوا صادقين فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهراً وباطناً.
وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا عليه من الطاعة نية وقولاً وعملاً.
وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في الصدق والثبات.
وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، وقيل: الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري.
وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته.
ومن خصائص الصدق ما روي أن أعرابياً جاء إلى رسول الله وقال: إني أريد أن أؤمن بك إلا إني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم.
فلما خرج من عند رسول الله عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل.
ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرّده وكفره استنكف منه حتى استثنى في قوله ﴿ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ .
ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذباً عند المعتزلة وكونه مفضياً إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن الله اشترى ﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة.
﴿ التائبون ﴾ عما سوى الله ﴿ العابدون ﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿ الحامدون ﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿ السائحون ﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿ الراكعون ﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿ الساجدون ﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿ الآمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي ﴿ الناهون ﴾ عما سواه ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره.
﴿ ما كان للنبي ﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿ إن إبراهيم لأواه ﴾ الأواه هو المتبرىء من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق.
﴿ حليم ﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا ﴿ وما كان الله ليضل قوماً ﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿ بعد إذ هداهم ﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن الله بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.
﴿ إن الله له ملك السموات ﴾ سموات القلوب ﴿ والأرض ﴾ أرض النفوس ﴿ يحيي ﴾ بنور ربوبيته ﴿ من يشاء ويميت ﴾ عن صفات بشريته ﴿ من يشاء ومالكم من دون الله من ولي ﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها.
أو نقول ﴿ لقد تاب الله ﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿ والأنصار ﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل.
﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم ﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ...
﴾ الآية.
قال بعض من أهل التأويل: تاب الله عليهم لزلات سبقت منهم، ولهفوات تقدمت من غير أن كان منهم زلات في هذا - يعني: [في] غزوة تبوك - وهفوات، أما التوبة على النبي فقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ وعلى المهاجرين والأنصار ما كان منهم يوم أحد ويوم حنين، و[هو] قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: تاب عليهم لهفوات كانت منهم في غزوة تبوك، هموا أن ينصرفوا في غير وقت الانصراف على غير إذن لشدائد أصابتهم، فقال: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، لما هموا بالانصراف في غير وقت الانصراف.
ويشبه أن تكون التوبة التي ذكر على وجهين سوى ما ذكروا: [أحدهما]: وهو أنه تاب عليهم، أي: جدد عليهم التوبة للهفوات التي تقدمت، أو الثبات عليها من غير أن كان منهم في الحدوث شيء، ولكن يكون لذلك حكم التجديد أو الثبات عليها كسؤال الهدى [وهم] على الهدى؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ .
[وقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الوقت آمنوا في حادث الوقت، أو اثبتوا على ذلك؛ فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله]: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: جدد عليهم التوبة من غير أن كان منهم هفوة، أو ثبتهم على التوبة التي كانت منهم.
والثاني: أنه ذكر التوبة، وذلك أنهم حيث صبروا على ما أصابهم من الشدائد والجهد، كشف الله عنهم أشياء كانت مستورة عندهم وجلالهم أغطية كانت لا تنجلي لهم من قبل، لكن انجلى ذلك لهم وانكشف؛ لصبرهم على الشدائد التي أصابتهم؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ ، لما صبروا على ما أصابهم من المصائب ازداد لهم تفويض وتسليم الأمر والمرجع إليه؛ وكقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية، ازداد لهم بما صبروا هدى وتجلى لهم أشياء لهم لم تكن من قبل؛ فعلى ذلك يحتمل التوبة التي ذكر أنهم لما صبروا على ما أصابهم من الشدة والجهد، تجلت لهم أشياء كانت مغطاة - والله أعلم - فإنه ذكر: ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ ، [ولم يذكر أنها زاغت وذكر قلوب فريق منهم] ولم يذكر قلوب الكل فهو ما ذكرنا.
ويحتمل ذكر التوبة على النبي على الإشراك مع المؤمنين من غير أن كان له ذنب؛ لأنه أخبر أن ذنبه مغفور بقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ ، فهو كما أشركه في الاستغفار؛ بقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ، أمره بالاستغفار لذنبه على الإشراك له مع استغفار المؤمنين؛ إذ أخبر أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
والتوبة من الله تخرج على وجوه: أحدها: التوفيق وفقهم للتوبة وأكرمهم بها؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ﴾ أي: وفقهم للتوبة فتابوا.
والثاني: التوبة منه قبولها منهم، أي: يقبل منهم التوبة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
والثالث: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: تجاوز عنهم وعفا وصفح عنهم.
على هذه الوجوه الثلاثة تخرج إضافة التوبة إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ ﴾ .
قيل: في عسرة النفقة وعسرة الظهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ .
ذكر في بعض القصة أنه قد أصابهم من الجهد والشدة حتى أن الرجلين يقسمان التمرة بينهما، وكانوا يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها الماء، ثم يمصها هذا، ذكر نحو هذا، ولكن لا ندري كيف كان الأمر سوى أنه أخبر أن قلوبهم كادت تزيغ من الجهد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ ﴾ .
[قال بعضهم: خلفوا] عن التوبة؛ نحو قوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ﴾ .
فكانوا يبتهلون ويدعون الله حتى تاب الله عليهم فتابوا.
وقال قائلون: خلفوا عن رسول الله لما تقدمهم القوم، فهم المخلفون بتقدم أولئك.
وقال قائلون: خلفوا خلفهم الله، أي: خلفهم.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ ﴾ هم الذين تخلفوا فخلفهم رسول الله، وهو ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ .
يحتمل هذا على التحقيق، ويحتمل أن يكون على التمثيل.
وللتحقيق وجهان: أحدهما: ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ : ما ذكر أنهم شدوا أنفسهم بالسواري والأسطوانات، وأتوا بأموالهم التي منعتهم عن الخروج مع رسول الله، وتصدقوا بالأرضين التي منعتهم عن الخروج، وضاقت عليهم الأرض بعد ما كانت عليهم متسعة يتسعون فيها؛ لأنه ذكر في القصة أن واحداً من هؤلاء ممن حبسته أرضه عن الخروج فتصدق بها على الفقراء، وكان له التوسع بتلك الأرض ثم ضاقت عليه.
والثاني: ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ : لما حبسوا أنفسهم عن أراضيهم، وتركوا شهواتهم وأمانيهم وما يتلذذون به؛ ذلك ضيق الأرض.
﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ : لما شدوا أنفسهم بالأسطوانات.
ويحتمل أن يكون على التمثيل؛ وذلك أن الخوف إذا اشتد بالإنسان وبلغ غايته حتى يمنعه عن القرار في الأرض والتلذذ فيها يقال: ضاقت عليه الأرض بسعتها، وضاقت عليهم أنفسهم؛ لما ذكر كان الناس لا يكلمونهم ولا يخالطونهم ولا يبايعونهم ولا يكلمهم أهاليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: ظنوا أن لا نجاة من عقوبة الله إلا عفوه، أي: أيقنوا أن لا مخلص لهم ولا احتراز [لهم] من عقابه.
وقيل: ظنوا أن لا ملجأ من عذاب الله إلا إلى رحمته.
وقيل: وظنوا أن لا ملجأ من رسول الله [إلا إلى الله؛ لأنه ذكر أنهم سألوا رسول الله] التجاوز عن ذلك فلم يجبهم، فأيقنوا عند ذلك أن المفزع والملجأ إلى الله لا إلى أحد دونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ .
أي: وفقهم للتوبة فتابوا.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
أي: يقبل التوبة، أي: قابلها.
<div class="verse-tafsir"
لقد تاب الله على النبي محمد إذ أذن للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، ولقد تاب على المهاجرين، وعلى الأنصار الذين لم يتخلفوا عنه، بل اتبعوه في غزوة تبوك مع شدة الحر وقلة ذات اليد وقوة الأعداء، بعدما كادت تميل قلوب طائفة منهم هَمُّوا بترك الغزو؛ لما هم فيه من الشدة العظيمة، ثم وفقهم الله للثبات والخروج إلى الغزو، وتاب عليهم، إنه سبحانه رؤوف بهم رحيم، ومن رحمته توفيقهم للتوبة وقبولها منهم.
من فوائد الآيات بطلان الاحتجاج على جواز الاستغفار للمشركين بفعل إبراهيم .
أن الذنوب والمعاصي هي سبب المصائب والخذلان وعدم التوفيق.
أن الله هو مالك الملك، وهو ولينا، ولا ولي ولا نصير لنا من دونه.
بيان فضل أصحاب النبي على سائر الناس.
<div class="verse-tafsir" id="91.g7gER"