الآية ١١٨ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١١٨ من سورة التوبة

وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 175 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٨ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله ، عن عمه محمد بن مسلم الزهري ، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فقال كعب بن مالك : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غيرها قط إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ، ولم يعاتب أحد تخلف عنها ، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر ، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة ، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ، واستقبل عدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فأخبرهم وجهه الذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ، لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - فقال كعب : فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله ، عز وجل ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل ، وأنا إليها أصعر .

فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه ، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا ، فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردت ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، وقلت : الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز ، فرجعت ولم أقض شيئا من جهازي .

ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا ، فلم يزل [ ذلك ] يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، فهممت أن أرتحل فأدركهم - وليت أني فعلت - ثم لم يقدر ذلك لي ، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد [ خروج ] رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فطفت فيهم ] يحزنني ألا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق ، أو رجلا ممن عذره الله ، عز وجل ، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : " ما فعل كعب بن مالك ؟

" قال رجل من بني سلمة : حبسه يا رسول الله برداه ، والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت !

والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا !

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب ، وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا ؟

أستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي .

فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما ، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا .

فأجمعت صدقه ، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس .

فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له - وكانوا بضعة وثمانين رجلا - فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم ، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى ، حتى جئت ، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال لي : " تعال " ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : " ما خلفك ، ألم تك قد اشتريت ظهرك " ؟

قال : فقلت : يا رسول الله ، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ، لقد أعطيت جدلا ولكنه والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ، ليوشكن الله يسخطك علي ، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه ، إني لأرجو أقرب عقبى ذلك [ عفوا ] من الله ، عز وجل والله ما كان لي عذر ، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك " .

فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني ، فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون فقد كان كافيك [ من ذنبك ] استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك .

قال : فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي : قال : ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟

قالوا : نعم ، [ لقيه معك ] رجلان ، قالا ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك .

قلت : فمن هما ؟

قالوا : مرارة بن الربيع العامري ، وهلال بن أمية الواقفي .

فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة .

قال : فمضيت حين ذكروهما لي - قال : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا - أيها الثلاثة - من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة .

فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم ، وأقول في نفسي : حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟

ثم أصلي قريبا منه ، وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي ، فإذا التفت نحوه أعرض ، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي ، وأحب الناس إلي - فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام ، فقلت له : يا أبا قتادة ، أنشدك الله : هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟

قال : فسكت .

قال : فعدت فنشدته [ فسكت ، فعدت فنشدته ] فقال : الله ورسوله أعلم .

قال : ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار .

فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ، ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟

قال : فطفق الناس يشيرون له إلي ، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان ، وكنت كاتبا فإذا فيه : أما بعد ، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك .

قال : فقلت حين قرأتها : وهذا أيضا من البلاء .

قال : فتيممت به التنور فسجرته حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين ، إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك .

قال : فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟

قال : بل اعتزلها ولا تقربها .

قال : وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك قال : فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك ، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر .

قال : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول الله ، إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟

قال : " لا ولكن لا يقربنك " قالت : وإنه والله ما به حركة إلى شيء ، والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا .

قال : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك ، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه .

قال : فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أدري ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته وأنا رجل شاب ؟

قال : فلبثنا [ بعد ذلك ] عشر ليال ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال : ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا : قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك ، أبشر .

قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء فرج ، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض إلي رجل فرسا ، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس .

فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني ، فنزعت ثوبي ، فكسوتهما إياه ببشارته ، والله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ، يقولون : ليهنك توبة الله عليك .

حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول ، حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة .

قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " .

قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟

قال : " لا بل من عند الله " .

قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، حتى يعرف ذلك منه .

فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله .

قال : " أمسك عليك بعض مالك ، فهو خير لك " .

قال : فقلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر .

وقلت : يا رسول الله ، إنما نجاني الله بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت .

قال : فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى ، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا ، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي .

قال : وأنزل الله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم .

وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم .

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) قال كعب : فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه [ حين كذبوه ] ؛ فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد ، قال الله تعالى : ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون .

يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) [ التوبة : 95 ، 96 ] .

قال : وكنا خلفنا - أيها الثلاثة - عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا ، فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ رسول الله أمرنا ، حتى قضى الله فيه ، فبذلك قال الله تعالى : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو ، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه ، فقبل منه .

هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته ، رواه صاحبا الصحيح : البخاري ومسلم من حديث الزهري ، بنحوه .

فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها .

وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها ، كما رواه الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) قال : هم كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن ربيعة وكلهم من الأنصار .

وكذا قال مجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي وغير واحد - وكلهم قال : مرارة بن ربيعة .

[ وكذا في مسلم : مرارة بن ربيعة في بعض نسخه ، وفي بعضها : مرارة بن الربيع ] .

وفي رواية عن سعيد بن جبير : ربيع بن مرارة .

وقال الحسن البصري : ربيع بن مرارة أو مرارة بن ربيع .

وفي رواية عن الضحاك : مرارة بن الربيع ، كما وقع في الصحيحين ، وهو الصواب .

وقوله : " فسموا رجلين شهدا بدرا " ، قيل : إنه خطأ من الزهري ، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا ، والله أعلم .

ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب ، من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، أي : مع سعتها ، فسددت عليهم المسالك والمذاهب ، فلا يهتدون ما يصنعون ، فصبروا لأمر الله ، واستكانوا لأمر الله ، وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخلفهم ، وأنه كان عن غير عذر ، فعوقبوا على ذلك هذه المدة ، ثم تاب الله عليهم ، فكان عاقبة صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ =(وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا)، وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قيل, هم الآخرون الذين قال جل ثناؤه: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [سورة التوبة: 106]، فتاب عليهم عز ذكره وتفضل عليهم.

وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(1) قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة, فأرجأهم عمَّن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما:- 17431- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عمن سمع عكرمة في قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: خُلِّفوا عن التوبة.

17432- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أما قوله: (خلفوا) ، فخلِّفوا عن التوبة.

* * * (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) ، يقول: بسعتها، (2) غمًّا وندمًا على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم =(وضاقت عليهم أنفسهم) ، بما نالهم من الوَجْد والكرْب بذلك =(وظنوا أن لا ملجأ) ، يقول: وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نـزل بهم من أمر الله من البلاء، (3) بتخلفهم خِلافَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينجيهم من كربه, ولا مما يحذرون من عذاب الله، إلا الله، ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته, والرجوع إلى ما يرضيه عنهم, لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه =(إن الله هو التواب الرحيم) ، يقول: إن الله هو الوهّاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفقُ من أحبَّ توفيقه منهم لما يرضيه عنه =(الرحيم)، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة, أو يخذل من أراد منهم التوبةَ والإنابةَ ولا يتوب عليه.

(4) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17433- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر في قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: كعب بن مالك, وهلال بن أمية, ومُرارة بن الربيع, وكلهم من الأنصار.

(5) 17434- حدثني عبيد بن محمد الوراق قال، حدثنا أبو أسامة, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر بنحوه = إلا أنه قال: ومرارة بن الربيع, أو: ابن ربيعة, شكّ أبو أسامة.

(6) 17435- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن عكرمة وعامر: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: أرْجئوا، في أوسط " براءة ".

17436- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: الذين أرجئوا في أوسط " براءة ", قوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ ، [سورة التوبة: 106] هلال بن أمية, ومرارة بن رِبْعيّ, وكعب بن مالك.

(7) 17437- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، الذين أرجئوا في وسط " براءة ".

17438- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبيه, عن ليث, عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية, ومرارة بن ربيعة, وكعب بن مالك.

17439-......

قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: الذين أرجئوا.

17440-......

قال، حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد قال: (الثلاثة الذين خلفوا) ، كعب بن مالك وكان شاعرا, ومرارة بن الربيع, وهلال بن أمية, وكلهم أنصاريّ.

(8) 17441-......

قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، والمحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية, ومرارة بن الربيع, وكعب بن مالك.

17442- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هاشم, عن جويبر, عن الضحاك قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: هلال بن أمية, وكعب بن مالك, ومرارة بن الربيع، كلهم من الأنصار.

17443- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، إلى قوله: (ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم) ، كعب بن مالك, وهلال بن أمية, ومرارة بن ربيعة، تخلفوا في غزوة تبوك.

ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية, فقال: لا أطلقها = أو لا أطلق نفسي (9) = حتى يُطلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم!

فقال رسول الله: والله لا أطلقه حتى يطلقه ربُّه إن شاء!

وأما الآخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك, (10) فجعله صدقة في سبيل الله, وقال: والله لا أطعمه!

وأما الآخر فركب المفاوز يتبع رسول الله، ترفعه أرض وتَضَعه أخرى, وقدماه تَشَلْشَلان دمًا.

(11) 17444- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن السدي, عن أبي مالك قال: (الثلاثة الذين خلفوا) ، هلال بن أمية, وكعب بن مالك, ومرارة بن ربيعة.

17445-......

قال، حدثنا أبو داود الحفري, عن سلام أبي الأحوص, عن سعيد بن مسروق, عن عكرمة: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: هلال بن أمية, ومرارة, وكعب بن مالك.

17446- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون, عن عمر بن كثير بن أفلح قال: قال كعب بن مالك: ما كنت في غَزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغَزاة!

قال كعب بن مالك: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: " أتجهز غدًا ثم ألحقه "، فأخذت في جَهازي, فأمسيت ولم أفرغ.

فلما كان اليوم الثالث، أخذت في جهازي, فأمسيت ولم أفرغ, فقلت: هيهات!

سار الناس ثلاثًا!

فأقمت.

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الناس يعتذرون إليه, فجئت حتى قمت بين يديه، فقلت: ما كنت في غَزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة!

فأعرض عني رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأمر الناس أن لا يكلمونا, وأمِرَتْ نساؤنا أن يتحوَّلن عنَّا.

قال: فتسوَّرت حائطا ذات يوم، فإذا أنا بجابر بن عبد الله, فقلت: أيْ جابر!

نشدتك بالله، هل علمتَني غششت الله ورسوله يومًا قطُّ؟

فسكت عني فجعل لا يكلمني.

(12) فبينا أنا ذات يوم, إذ سمعت رجلا على الثنيَّة يقول: كعب!

كعب!

حتى دنا مني, فقال: بشِّروا كعبًا.

(13) 17447- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس, عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام, حتى إذا بلغ تبوك، أقام بها بضع عشرة ليلة، ولقيه بها وفد أذْرُح ووفد أيلة, فصَالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية، ثم قَفَل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ولم يجاوزها, وأنـزل الله: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ، الآية, والثلاثة الذين خلفوا: رَهْطٌ منهم: كعب بن مالك، وهو أحد بني سَلِمة, ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بني عمرو بن عوف, وهلال بن أمية، وهو من بني واقف، وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلا.

فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, صَدَقه أولئك حديثهم، واعترفوا بذنوبهم, وكذب سائرهم, فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حبسهم إلا العذر, فقبل منهم رسول الله وبايعهم, ووكَلَهم في سرائرهم إلى الله، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام الذين خُلِّفوا, وقال لهم حين حدَّثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم: قد صدقتم، فقوموا حتى يقضي الله فيكم.

فلما أنـزل الله القرآن، تاب على الثلاثة, وقال للآخرين: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ، حتى بلغ: لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [سورة التوبة: 95 - 96].

= قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب بن مالك = وكان قائد كعبٍ من بنيه حين عَمي = قال: سمعت كعب بن مالك يحدِّث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.

قال كعب: لم أتخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك, غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتبْ أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عِيرَ قريش, حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد.

ولقد شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام, وما أحبُّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكرَ في الناس منها.

(14) = فكان من خبري حين تخلفت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة, والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ حتى جمعْتُهما في تلك الغزوة.

فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرٍّ شديد, واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوِزَ, واستقبل عدوًّا كثيرًا, فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبُوا أهبة غزوهم, فأخبرهم بوجهه الذي يريد, والمسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم كثير, ولا يجمعهم كتاب حافظٌ = يريد بذلك: الديوان = قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيّب إلا يظنَّ أن ذلك سيخفى، ما لم ينـزل فيه وَحْيٌ من الله.

وغزا رسول الله تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال, وأنا إليهما أصعَرُ.

(15) فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه, وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم, [فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: " أنا قادر على ذلك إذا أردت!"، فلم يزل ذلك يتمادى بي، حتى استمرّ بالناس الجدُّ.

فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه]، (16) ولم أقض من جَهازي شيئًا, ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا.

فلم يزل ذلك يتمادى [بي]، (17) حتى أسرعوا وتفارط الغزْوُ, (18) وهممت أن أرتحل فأدركهم, فيا ليتني فعلت, فلم يُقَدَّر ذلك لي.

فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم يحزنني أنّي لا أرى لي أسوةً إلا رجلا مغموصًا عليه في النفاق، (19) أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء.

ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك, فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟

فقال رجل من بني سَلِمَة: يا رسول الله، حبسه بُرْداه، والنظر في عِطْفيْه!

(20) [فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت!

والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا]!

(21) فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو على ذلك، رأى رجلا مُبَيِّضًا يزول به السرابُ, (22) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة!

فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري, وهو الذي تصدَّق بصاع التمر, فلمزه المنافقون.

(23) = قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه قافلا من تبوك، حضرني بثِّي, (24) فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: " بم أخرج من سَخَطه غدًا " ؟

وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي.

فلما قيل: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظَلّ قادمًا‍!"، زاح عني الباطل, (25) حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا, فأجمعت صدقه، (26) وصَبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا, (27) وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس.

فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له, وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم, ووكل سرائرهم إلى الله.

حتى جئتُ, فلما سلمت تبسم تبسُّم المغْضَب, ثم قال: تعالَ!

فجئت أمشي حتى جلست بين يديه, فقال لي: ما خلَّفك؟

ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟

قال قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطه بعذرٍ، لقد أعطيتُ جدلا (28) ولكني والله لقد علمت لئن حدَّثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يُسْخِطَك عليّ, ولئن حدثتك حديث صِدْق تَجدُ عليّ فيه، (29) إني لأرجو فيه عفوَ الله، (30) والله ما كان لي عُذْر!

والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمّا هذا فقد صَدَق, قم حتى يقضي الله فيك!

فقمت, وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا!

لقد عجزتَ في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون, (31) فقد كان كافِيَك ذنبك استغفارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لك!

قال: فوالله ما زالوا يؤنِّبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذّبَ نفسي!

قال: ثم قلت لهم: هل لَقي هذا معي أحدٌ؟

قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثلَ ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك.

قال: قلت من هما؟

قالوا: مرارة بن ربيع العامري، (32) وهلال بن أمية الواقفي.

قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة.

(33) قال: فمضيت حين ذكروهما لي.

(34) = ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة، (35) من بين من تخلّف عنه.

قال: فاجتنبنا الناسُ وتغيَّروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف.

فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان, وأمّا أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم, فكنت أخرج وأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحدٌ, وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة, فأقول في نفسي: " هل حرك شفتيه بردّ السلام أم لا؟"، ثم أصلي معه، وأسارقه النظر, فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين, مشيت حتى تسوَّرت جدار حائط أبي قتادة = وهو ابن عمي، وأحبُّ الناس إليّ = فسلمت عليه, فوالله ما ردّ علي السلام!

فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟

فسكت.

قال: فعُدْت فناشدته، فسكت, فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم!

ففاضت عيناي, وتولَّيت حتى تسوَّرت الجدار.

= فبينا أنا أمشي في سوق المدينة, إذا بنبطيّ من نَبَط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة, يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟

قال: فطفق الناس يشيرون له، حتى جاءني, فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان, وكنت كاتبًا, فقرأته، فإذا فيه: " أما بعدُ، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك, ولم يجعلك الله بدار هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ, فالحق بنا نُوَاسِك ".

= قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضًا من البلاء!!

فتأمَّمتُ به التنُّور فسجرته به.

(36) حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، (37) إذا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك.

قال فقلت: أطلِّقها، أم ماذا أفعل؟

قال: لا بل اعتزلها فلا تقربها.

قال: وأرسل إلى صاحبي بذلك.

قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.

(38) = قال: فجاءت امرأة هلالٍ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادمٌ, فهل تكره أن أخدُمَه؟

فقال: لا ولكن لا يقرَبَنْكِ!

قالت فقلت: إنه والله ما به حركة إلى شيء!

ووالله ما زال يبكي مُنْذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا!

قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدُمه؟

قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما يدريني ماذا يقول لي إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شابٌّ!

= فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ, فكمل لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا.

(39) قال: ثم صليت صلاة الفجر صباحَ خمسين ليلة على ظهر بيتٍ من بيوتنا, فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منّا، (40) قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت, سمعتُ صوت صارخٍ أوْفى على جبل سَلْع، (41) يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر!

قال: فخررت ساجدًا, وعرفت أن قد جاء فرجٌ.

قال: وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر, (42) فذهب الناس يبشروننا, (43) فذهب قِبَلَ صاحبي مبشرون, وركض رجل إلي فرسًا, وسعى ساعٍ من أسْلَم قِبَلي وأوفى على الجبل, وكان الصوت أسرعَ من الفرس.

فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نـزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشارته, والله ما أملك غيرهما يومئذ, واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(44) فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة ويقولون: لِتَهْنِكَ توبة الله عليك!

(45) حتى دخلت المسجد, فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس, فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهَرول حتى صافحني، وهنأني, والله ما قام رجل من المهاجرين غيره = قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة (46) = قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو يبرُقُ وجهه من السرور: أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك!

فقلت: أمن عندك، يا رسول الله, أم من عند الله؟

قال: لا بل من عند الله!

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأن وجهه قطعة قمر, وكنا نعرف ذلك منه.

= قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله.

(47) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك، فهو خيرٌ لك!

قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.

وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق, وإنّ من توبتي أن لا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيت!

قال: فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين ابتلاه الله في صِدْق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله عليه السلام، أحسن مما ابتلاني, (48) والله ما تعمَّدت كِذْبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا, وإني أرجو أن يحفظني الله فيما بقي.

قال: فأنـزل الله: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ، حتى بلغ: (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا) ، إلى: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ .

= قال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمةٍ قطُّ بعد أن هَدَاني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته، (49) فأهلك كما هلك الذين كذبوه, فإن الله قال للذين كذبوا، حين أنـزل الوحي، شَرَّ ما قال لأحدٍ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، إلى قوله: لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ، [سورة التوبة: 95 - 96].

= قال كعب: خُلِّفنا، أيها الثلاثة، (50) عن أمر أولئك الذين قَبِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم توبتهم حين حَلفوا له, فبايعهم واستغفر لهم, وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمْرَنا حتى قضى الله فيه.

فبذلك قال الله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا عن الغزو، (51) إنما هو تخليفه إيّانا، (52) وإرجاؤه أمرَنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.

(53) 17448- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث, عن عقيل, عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب بن مالك = وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِي = قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فذكر نحوه.

(54) 17449- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري, عن عبد الرحمن بن كعب, عن أبيه قال: لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غَزاة غَزاها إلا بدرًا, ولم يعاتب النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا تخلف عن بدر, ثم ذكر نحوه.

(55) 17450- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن ابن شهاب الزهري, عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري, ثم السلمي, عن أبيه، أن أباه عبد الله بن كعب, وكان قائد أبيه كعب حين أصيب بصره = قال: سمعت أبي كعبَ بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, وحديث صاحبيه، قال: ما تخلفت عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها, غير أني كنت تخلفت عنه في غزوة بدر, ثم ذكر نحوه.

(56) ---------------------- الهوامش : (1) انظر ما سلف ص : 464 - 467 .

(2) انظر تفسير " رحب " فيما سلف .

ص : 179 .

(3) انظر تفسير " الظن " فيما سلف 2 : 17 - 20 ، 265 / 5 : 352 .

= وتفسير " الملجأ " فيما سبق ص : 298 .

(4) انظر تفسير " التواب " ، " والرحيم " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( ثوب ) ، ( رحم ) .

(5) الأثر : 17433 - " مرارة بن ربيعة " ، المشهور : " مرارة بن الربيع " ، ولكنه هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة هنا .

ثم جاء في الأخبار التالية " الربيع " .

وقد مضى مثل هذا الاختلاف وأشد منه فيما سلف في التعليق على رقم 17177 ، 17178 ، 17183 .

وذكر ابن كثير في تفسيره 4 : 264 ، وذكر هذا الخبر فقال : " وكذا في مسلم : ربيعة ، في بعض نسخه ، وفي بعضها : مرارة بن الربيع " .

(6) الأثر : 17434 - " عبيد بن محمد الوراق " ، هو " عبيد بن محمد بن القاسم بن سليمان بن أبي مريم " ، " أبو محمد الوراق النيسابوري " ، سكن بغداد ، وحدث بها عن موسى بن هلال العبدي وأبي النضر هاشم بن القاسم ، والحسن بن موسى الأشيب ، ويعقوب بن محمد الزهري ، وبشر بن الحارث .

كان ثقة ، مات سنة 255 ، ولم أجد له ترجمة في غير تاريخ بغداد 11 : 97 ، وروى عنه الطبري في موضعين من تاريخه 2 : 202 ، 250 ، روى عن روح بن عبادة .

وكان في المطبوعة : " عبيد بن الوراق " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأن الناسخ كتب " عبيد بن محمد " كلمة واحدة مشتبكة الحروف .

وأما " مرارة بن الربيع " أو " ابن ربيعة " ، فانظر التعليق السالف .

(7) الأثر : 17436 - " مرارة بن ربعي " ، هكذا في المخطوطة كما أثبته ، وفي المطبوعة " ابن ربيعة " ولكن هكذا ، جاء هنا ، كالذي مضى في رقم : 17177 ، 17178 ، فانظر التعليق هناك .

(8) في المطبوعة : " أنصار " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .

(9) في المطبوعة : " لا أطلقها ، أو لا أطلق نفسي " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(10) " الحائط " ، هو البستان من النخيل ، إذا كان عليه حائط ، وهو الجدار .

ويقال لها أيضا " حديقة " ، لإحداق سوره بها .

فإذا لم يكن عليها حائط ، فهي " ضاحية " ، لبروزها للعين .

و " أدرك الثمر " ، أي بلغ نضجه .

(11) " تشلشلان " ، " تتشلشلان " ، على حذف إحدى التائين .

" تشلشل الماء والدم " ، إذا تبع قطران بعضه بعضا في سيلانه متفرقا .

(12) انظر " جعل " ، وأنها من حروف الاستعانة فيما سلف 11 : 250 ، في كلام الطبري ، والتعليق هناك رقم : 1 ، والتعليق على الأثر رقم : 13862 .

(13) الأثر : 17446 - " عمر بن كثير بن أفلح المدني " ، مولى أبي أيوب الأنصاري ، ثقة ، ذكره ابن حبان في أتباع التابعين ، وكأنه لم يصح عنده لقيه للصحابة .

وذكر غيره أنه روى عن كعب بن مالك .

وابن عمر ، وسفينة .

ومضى برقم : 12223 .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 4 : 454 ، 455 ، من هذه الطريق نفسها بنحوه .

(14) قوله : " أذكر " أي أشهر ذكرا .

(15) " أصعر " ، أي : أميل ، على وزن " أفعل " التفضيل ، وأصله من " الصعر " ( بفتحتين ) ، وهو ميل في الوجه ، كأنه يلتفت إليه شوقا .

(16) الذي بين القوسين ساقط من المخطوطة ، وأثبته من رواية مسلم في صحيحه .

وكان في المطبوعة : " .

.

.

لكي أتجهز معهم ، فلم أقضي من جهازي شيئا " ، أما المخطوطة ، فكان فيها ما يدل على أن الناسخ قد أسقط من الكلام : " .

.

.

لكي أتجهز معهم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا " .

(17) الزيادة بين القوسين ، من صحيح مسلم .

(18) " تفارط الغزو " ، أي فات وقته ، ومثله " تفرط " ، وفي الحديث : " أنه نام عن العشاء حتى تفرطت " ، أي : فات وقتها .

(19) " أسوة " ، أي : قدوة ومثلا .

و " المغموص عليه " ، من قولهم " غمص عليه قولا قاله " ، أي : عابه عليه، وطعن به عليه .

ويعني : مطعونا في دينه ، متهما بالنفاق .

(20) " النظر في عطفيه " ، كناية عن إعجابه بنفسه ، واختياله بحسن لباسه .

و " العطفان " ، الجانبان ، فهو يتلفت من شدة خيلائه .

(21) الزيادة بين القوسين ، من صحيح مسلم .

وظاهر أن الناسخ أسقطها في نسخه .

(22) " المبيض " ( بتشديد الباء وكسرها ) ، هو لا بس البياض .

و " يزول به السراب " ، أي : يرفعه ويخفضه ، وإنما يحرك خياله .

(23) " لمزه " ، عابه وحقره .

(24) في المطبوعة : " حضرني همي " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، والذي فيها مطابق لرواية مسلم في صحيحه .

و " البث " ، أشد الحزن .

وذلك أنه إذا اشتد حزن المرء ، احتاج أن يفضي بغمه وحزنه إلى صاحب له يواسيه ، أو يسليه ، أو يتوجع له .

(25) " أظل قادما " ، أي : أقبل ودنا قدومه ، كأنه ألقى على المدينة ظله .

وقوله : " زاح عني الباطل " ، أي : زال وذهب وتباعد .

(26) " أجمعت صدقه " ، أي : عزمت على ذلك كل العزم ، " أجمع صدقه " و " أجمع على صدقه " ، سواء .

(27) في المطبوعة : " وأصبح " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في صحيح مسلم .

(28) " الجدل " ، اللدد في الخصومة ، والقدرة عليها ، وعلى مقابلة الحجة بالحجة .

(29) " تجد " من " الوجد " ، وهو الغضب والسخط .

(30) هكذا في المخطوطة : " عفو الله " ومثله في مسند أحمد 3 : 460 وفي صحيح مسلم " عقبى الله " ، أي : أن يعقبني خيرا ، وأن يثبتني عليه .

(31) في المطبوعة حذف " في " من قوله : " لقد عجزت في أن لا تكون " ، وهي ثابتة في المخطوطة ، وهي مطابقة لما في صحيح مسلم .

وأما الذي في المطبوعة ، فهو مطابق لما في البخاري من رواية غيره .

(32) في المطبوعة : " ابن الربيع " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر روايته في مسلم " مرارة بن ربيعة " ، وما قالوا في اختلاف رواه مسلم .

وما قالوه أيضا في روايته " العامري " ، وأن صوابها " العمري " نسبة إلى بني عمرو بن عوف .

(33) في المطبوعة : " لي فيهما أسوة " ، زاد من عنده ما ليس في المخطوطة ، ولا في صحيح مسلم .

وإنما هو من رواية البخاري ، بغير هذا الإسناد .

(34) " مضيت " ، أي : أنفذت ما رأيت .

من قولهم : " مضى في الأمر مضاء " ، نفذ ، و " أمضاه " أنفذه .

(35) قوله : " أيها الثلاثة " ، أي : خصصنا بذلك دون سائر المعتذرين .

وهذه اللفظة تقال في الاختصاص ، وتختص بالمخبر عن نفسه والمخاطب ، تقول : " أما أنا فأفعل هذا ، أيها الرجل " ، يعني نفسه .

انظر ما سلف 3 : 147 ، تعليق : 1 ، في الخبر رقم : 2182 .

(36) " فتأممت " ، وهكذا في المخطوطة أيضا ، وفي رواية البخاري " فتيممت ".

وأما في صحيح مسلم ، " فتياممت " ، وقال النووي : " هكذا هو في حميع النسخ ببلادنا ، وهي لغة في : تيممت ، ومعناها : قصدت " .

وأما القاضي عياض ، فقال في مشارق الأنوار ( أمم ) : " ومثله : فتيممت بها التنور ، كذا رواه البخاري .

ولمسلم : فتأممت ، وكلاهما بمعنى ، سهل الهمزة في رواية ، وحققها في أخرى = أي : قصدت " .

ثم انظر تفسير " الأم " و " التأمم " في تفسير أبي جعفر فيما سلف 5 : 558 / 8 : 407 / 9 : 471 .

وفي المطبوعة : " فتأممت به " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في مسلم والبخاري ، إلا أن في مسلم " فسجرتها بها " ، وفي البخاري : " فسجرته بها " .

وأنث " بها " ، إرادة لمعنى الصحيفة ، وهي الكتاب ، ثم رجع بالضمير إلى " الكتاب " .

" والتنور " ، الكانون الذي يخبز فيه .

و " سجر التنور " ، أوقده وأحماه وأشبع وقوده ، وأراد : أنه زاد التنور التهابا ، بإلقائه الصحيفة في ناره .

وهذا كلام معجب ، أراد به أن يسخر من رسالة ملك غسان إليه .

(37) " استلبث " ، أي : أبطأ وتأخر .

(38) في المطبوعة : " تكوني عندهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في صحيح مسلم .

وفي البخاري بغير هذا الإسناد : " فتكوني " .

(39) في صحيح مسلم " حين نهي عن كلامنا " ، وضبط " نهي " بالبناء للمجهول ، ورواية أبي جعفر ، تصحح ضبطه بالبناء للمعلوم أيضا .

(40) في المطبوعة : " التي ذكر الله عنا " ، غير ما في المخطوطة ، هو مطابق لما في صحيح مسلم ، وهو العربي العريق .

(41) " أوفى عليه " ، صعده وارتفع عليه ، فأشرف على الوادي منه واطلع .

(42) " آذن " أعلم الناس بها .

ورواية مسلم : " فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس " ، والذي هنا مطابق لرواية البخاري ، بغير هذا الإسناد .

(43) " ذهب " ، سلف ما كتبته عن الاستعانة بقولهم : " ذهب " و " جعل " .

انظر رقم : 17429 ، ص : 541 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك .

(44) انظر ص : 553 ، تعليق : 1 .

(45) في المخطوطة والمطبوعة : " لتهنك " ، وهي كذلك في رواية البخاري بغير هذا الإسناد ، وفي صحيح مسلم المطبوع : " لتهنئك " ، وذكره القاضي عياض في مشارق الأنوار ( هنأ ) فقال : " ولتهنك توبة الله ، يهمز ، ويسهل " .

وقد ذكر صاحب لسان العرب (هنأ ) أن العرب تقول : " ليهنئك الفارس " بجزم الهمزة ، و " ليهنيك الفارس " بياء ساكنة ، ولا يجوز " ليهنك " كما تقول العامة " ، والذي قاله ونسبه للعامة ، صواب لا شك فيه عندي .

(46) قال الحافظ في الفتح : " قالوا : سبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بينه وبين طلحة ، لما آخى بين المهاجرين والأنصار .

والذي ذكره أهل المغازي أنه كان أخا الزبير ، لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين ، فهو أخو أخيه " .

(47) " انخلع من ماله " ، أي : خرج من جميع ماله ، وتعرى منه كما يتعرى إنسان إذا خلع ثوبه .

وأراد : إخراجه متصدقا به .

(48) " أبلاه " أي : أنعم عليه .

(49) " أن لا أكون " ، " لا " زائدة ، كالتي في قوله تعالى : ( مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) [ سورة : الأعراف : 12] .

انظر ما سلف في تفسير الآية 12 : 323 - 325 .

(50) في المطبوعة : " خلفنا " دون " كنا " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وما أثبته مطابق لرواية مسلم في صحيحه .

(51) في صحيح مسلم : " مما خلفنا ، تخلفنا عن الغزو " ، والذي هنا وفي المخطوطة ، مطابق لما فيه رواية البخاري بغير هذا الإسناد .

(52) في المطبوعة : " ختم الجملة بقوله : " فقبل منهم " بالجمع ، خالف ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في صحيح مسلم والبخاري .

(53) الأثر : 17447 - حديث كعب بن مالك ، سيرويه أبو جعفر من طرق سأبينها بعد .

أما روايته هذه من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، فهو إسناد مسلم في صحيحه 17 : 87 ، 98 ، وانظر التعليق على الأخبار التالية .

وانظر الأثرين السالفين رقم : 16147 ، 17091 ، والتعليق عليهما .

(54) الأثر : 17448 - من هذه الطريق رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 86 - 93 ) ، وأحمد في مسنده 3 : 459 ، 460 ، الحديث بطوله .

(55) الأثر : 17449 - من هذه الطريق ، طريق معمر ، رواه أحمد في مسنده 6 : 387 - 390 .

وانظر أيضا ما رواه أحمد في مسنده 3 : 456 ، روايته من طريق يعقوب بن إبراهيم ، عن ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله ، عن عمه محمد بن مسلم الزهري ، الحديث بطوله ، وصحيح مسلم 17 : 98 - 100 .

(56) الأثر : 17450 - سيرة ابن هشام 4 : 175 - 181 ، الحديث بطوله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيمقوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا قيل : عن التوبة عن مجاهد وأبي مالك .

[ ص: 200 ] وقال قتادة : عن غزوة تبوك .

وحكي عن محمد بن زيد معنى ( خلفوا ) تركوا ; لأن معنى خلفت فلانا تركته وفارقته قاعدا عما نهضت فيه .

وقرأ عكرمة بن خالد " خلفوا " أي أقاموا بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروي عن جعفر بن محمد أنه قرأ " خالفوا " .

وقيل : ( خلفوا ) أي أرجئوا وأخروا عن المنافقين فلم يقض فيهم بشيء .

وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم ، واعتذر أقوام فقبل عذرهم ، وأخر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن .

وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخاري وغيرهما .

واللفظ لمسلم قال كعب : كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه ; فبذلك قال الله عز وجل : وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .

وهذا الحديث فيه طول ، هذا آخره .والثلاثة الذين خلفوا هم : كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي وكلهم من الأنصار .

وقد خرج البخاري ومسلم حديثهم ، فقال مسلم عن كعب بن مالك قال : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - [ ص: 201 ] يريد بذلك الديوان - قال كعب : فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر ، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا وأقول في نفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أترحل فأدركهم فيا ليتني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذ خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك : ما فعل كعب بن مالك ؟

فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله ، حبسه برداه والنظر في عطفيه .

فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا .

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حتى لمزه المنافقون .

فقال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول : بم أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه ، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال : تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟

قال : قلت : يا رسول الله ، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه [ ص: 202 ] بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبى الله ، والله ما كان لي عذر ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك .

فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المتخلفون ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك قال : فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي .

قال : ثم قلت لهم هل لقي هذا معي من أحد ؟

قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك .

قال قلت : من هما ؟

قالوا : مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي .

قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة ; قال : فمضيت حين ذكروهما لي .

قال : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه .

قال : فاجتنبنا الناس .

وقال : وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ; فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا!

ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام ، فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله ؟

قال : فسكت فعدت فناشدته فسكت ، فعدت فناشدته فقال : الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار ، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟

قال : فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان ، وكنت كاتبا فقرأته فإذا فيه : أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك .

قال : فقلت حين قرأتها : وهذه أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها [ ص: 203 ] حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك .

قال فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟

قال : لا ، بل اعتزلها فلا تقربنها .

قال : فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك .

قال : فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر .

قال : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول الله ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟

قال : لا ، ولكن لا يقربنك ، فقالت : إنه والله ما به حركة إلى شيء ، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا .

قال : فقال بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه .

قال فقلت : لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ، قال : فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا .

قال : ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر .

قال : فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج .

قال : فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، فذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشارته ، والله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون : لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره .

قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة .

قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك .

قال : فقلت أمن عند الله يا رسول الله أم من عندك ؟

قال : لا بل من عند الله .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر .

قال : وكنا نعرف ذلك .

قال : فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله ، إن من توبة الله علي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك .

قال : فقلت : فإني أمسك سهمي [ ص: 204 ] الذي بخيبر .

قال : وقلت : يا رسول الله ، إن الله إنما أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت .

قال : فوالله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به ، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا وإني لأرجو الله أن يحفظني فيما بقي ، فأنزل الله عز وجل : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة حتى بلغ " إنه بهم رءوف رحيم " .

وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم حتى بلغ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين .

قال كعب : والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد ، وقال الله تعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون .

يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين .

قال كعب : كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه ، فبذلك قال الله عز وجل : وعلى الثلاثة وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .قوله تعالى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي بما اتسعت يقال : منزل رحب ورحيب ورحاب .

و ( ما ) : مصدرية ; أي ضاقت عليهم الأرض برحبها ؛ لأنهم كانوا مهجورين لا يعاملون ولا يكلمون .

وفي هذا دليل على هجران أهل المعاصي حتى يتوبوا .قوله تعالى وضاقت عليهم أنفسهم أي ضاقت صدورهم بالهم والوحشة ، وبما لقوه من الصحابة من الجفوة .وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجأون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه .

قال أبو بكر الوراق .

التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت ، وتضيق عليه نفسه ; كتوبة كعب وصاحبيه .قوله تعالى ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم فبدأ بالتوبة منه .

قال أبو زيد : غلطت في أربعة أشياء : في الابتداء مع الله تعالى ، ظننت أني أحبه فإذا هو أحبني ; قال الله تعالى : يحبهم ويحبونه .

وظننت أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عني ; قال الله [ ص: 205 ] تعالى : رضي الله عنهم ورضوا عنه .

وظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني ; قال الله تعالى : ولذكر الله أكبر .

وظننت أني أتوب فإذا هو قد تاب علي ; قال الله تعالى : ثم تاب عليهم ليتوبوا .

وقيل : المعنى ثم تاب عليهم ليثبتوا على التوبة ; كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا آمنوا وقيل : أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم كما فعل بغيرهم ; قال جل وعز : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{‏و‏}‏ كذلك لقد تاب الله ‏{‏عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا‏}‏ عن الخروج مع المسلمين، في تلك الغزوة، وهم‏:‏ ‏\"‏كعب بن مالك‏\"‏ وصاحباه، وقصتهم مشهورة معروفة، في الصحاح والسنن‏.‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا‏}‏ حزنوا حزنًا عظيمًا، و‏{‏ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ‏}‏ أي‏:‏ على سعتها ورحبها ‏{‏وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ‏}‏ التي هي أحب إليهم من كل شيء، فضاق عليهم الفضاء الواسع، والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منه، وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج، بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه، وذلك لأنهم قدموا رضا اللّه ورضا رسوله على كل شيء‏.‏ ‏{‏وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ تيقنوا وعرفوا بحالهم، أنه لا ينجي من الشدائد، ويلجأ إليه، إلا اللّه وحده لا شريك له، فانقطع تعلقهم بالمخلوقين، وتعلقوا باللّه ربهم، وفروا منه إليه، فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة‏.‏ ‏{‏ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ أذن في توبتهم ووفقهم لها ‏{‏لِيَتُوبُوا‏}‏ أي‏:‏ لتقع منهم، فيتوب اللّه عليهم، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ‏}‏ أي‏:‏ كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، ‏{‏الرَّحِيمِ‏}‏ وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية‏.‏ وفي هذه الآيات دليل على أن توبة اللّه على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات، فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها‏.‏ ومنها‏:‏ لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة‏.‏ ومنها‏:‏ أن العبادة الشاقة على النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر‏.‏ ومنها‏:‏ أن توبة اللّه على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة‏.‏ ومنها‏:‏ أن علامة الخير وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا تاما، وانقطع عن المخلوقين‏.‏ ومنها‏:‏ أن من لطف اللّه بالثلاثة، أن وسمهم بوسم، ليس بعار عليهم فقال‏:‏ ‏{‏خُلِّفُوا‏}‏ إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، ‏[‏أو خلفوا عن من بُتّ في قبول عذرهم، أو في رده‏]‏ وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل‏:‏ ‏"‏تخلفوا‏"‏‏.‏ ومنها‏:‏ أن اللّه تعالى من عليهم بالصدق.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) اتسعت ، ( وضاقت عليهم أنفسهم ) غما وهما ، ( وظنوا ) أي : تيقنوا ، ( أن لا ملجأ من الله ) لا مفزع من الله ، ( إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا ) أي : ليستقيموا على التوبة فإن توبتهم قد سبقت .

( إن الله هو التواب الرحيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» تاب «على الثلاثة الذين خُلِّفوا» عن التوبة عليهم بقرينة «حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت» أي مع رحبها، أي سعتها فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه «وضاقت عليهم أنفسهم» قلوبهم للغمِّ والوحشة بتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس «وظنُّوا» أيقنوا «أن» مخففة «لا ملجأ من الله إلاّ إليه ثم تاب عليهم» وفقهم للتوبة «ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكذلك تاب الله على الثلاثة الذين خُلِّفوا من الأنصار -وهم كعب بن مالك وهلال بن أُميَّة ومُرَارة بن الربيع- تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحزنوا حزنًا شديدًا، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بسَعَتها غمًّا وندمًا بسبب تخلفهم، وضاقت عليهم أنفسهم لِمَا أصابهم من الهم، وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وفَّقهم الله سبحانه وتعالى إلى الطاعة والرجوع إلى ما يرضيه سبحانه.

إن الله هو التواب على عباده، الرحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكما تقبل الله - تعالى - توبة المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فى ساعة السعرة .

ز فقد تقبل توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن الاشتراك فى غزوة تبوك ، فقال - تعالى - : ( وَعَلَى الثلاثة الذين .

.

.

) .هذه الآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة لها .

والمعنى : لقد تقبل الله - تعالى - بفضله وإحسانه توبة النبى والمهاجرين والأنصار ، وتقبل كذلك توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كسلا وحبا للراحة ، والذين سبق أن أرجأ الله حكمه فيهم بقوله ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ .

.

) وقوله : ( حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ ) كناية عن شدة تحيرهم ، وكثرهم حزنهم ، واستسلامهم لحكم الله فيهم .أى : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض على سعتها ، بسبب إعراض الناس عنهم ، ومقاطعتهم لهم ، وضاقت عليهم أنفسهم ، بسبب الهم والغم الذى ملأها واعتقدوا أنهم ملجأ ولا مهرب لهم من حكم الله وقضائه إلا إليه .حتى إذا كان كذلك ، جاءهم فرج الله ، حيث قبل توبتهم ، وغفر خطأهم وعفا عنهم .وقوله : ( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم ) أى : بعد هذا التأديب الشديد لهم ، تقبل - سبحانه - توبتهم ، ليتوبوا إليه توبة نصوحا ، لا تكاسل معها بعد ذلك عن طاعة الله وطاعة رسوله ، إن الله - تعالى - هو الكثير القبول لتوبة التائبين ، وهو الواسع الرحمة بعباده المحسنين .هذا ، والمقصود بهؤلاء الثلاثة الذين خلفوا : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع؛ وكلهم من الأنصار .وقد ذكرت قصتهم فى الصحيحين وفى غيرهما من كتب السنة والسيرة ، وهناك خلاصة لها :قال الإِمام ابن كثير : روى الإِمام " أن كعب بن مالك قال ، لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزة غزاها قط إلا فى تبوك .وكان من خبرى حين تخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك .

أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة .وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار والضلال ، وتجهر لها المؤمنون معه ، فطفقت أغدو لكى أتجهز معهم .

فأرجع ولم أقض من جهازى شيئاً .

.

فأقول لنفسى أنا قادر على ذلك إذا أردت .

.

.

ولم يزل ذلك شأنى أسرعوا وتفارظ الغزوة ، فهممت أن أرتحل فألحقهم - وليتنى فعلت - ولكن لم يقدر لى ذلك .ولم يذكرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك فقال : ما فعل كعب بن مالك؟

فقال رجل من بنى سلمة : حبسه برداه والنظر فى عطفيه .فقال معاذ بن جبل : بئسما قلت .

والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال كعب : فلما بلغنى أن رسول الله قد توجه قافلا من تبوك ، حضرنى بثى ، وطفقت أتذكر الكذب وأقوال بماذا أخرج من سخط غدا؟

.وعندما عاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة جاءه المتخلفون ، فطفقوا يعتذرون إليه .

.

وجئت إليه فقال : تعالى .

.

ما خلفك؟!

ألم تكن قد اشتريت ظهرا؟فقلت يا رسول الله؛ إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر .

والله لقد علمت لئن حدثتك اليم بحديث كذاب ترضى به عنى ، ليوشكن الله أن يسخطك على .

ولئن حدثتك بصدق تغضب على فيه ، إنى لأرجو عقبى ذلك من الله - تعالى - والله ما كان لى من عذر .قال - صلى الله عليه وسلم - أما هذا فقد صدق .

فقم حتى يقضى الله فيك .

وكان هناك رجلان قد قالا مثل ما قلت هما مرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية .قال : ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلامنا ، فاعتزلنا الناس وتغيروا لنا .

.

.

ولبثنا على ذلك خمسين ليلة .

.

.

.

ثم أمرنا أن نعتزل نساءنا ففعلنا .قال : ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتها فبينا أنا على الحال التى ذكرها الله عنا ، قد ضاقت على نفسى .

.

سمعت صراخا يقول بأعلى صوته : أبشر يا كعب بن مالك .وذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أبشر بخير يوم مر عليك منذر ولدتك أمك .

قال : وأنزل الله - تعالى - ( وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ ) "الآية .قال الإِمام ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث بتمامه : هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته ، وقد تضمن تفسير الآية بأحسن الوجوه وأبسطها .وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا من فضل الله على عباده ، حيث قبل توبتهم ، وغسل حوبتهم .

إنه بهم رءوف رحيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: هذا معطوف على الآية الأولى، والتقدير: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين خلفوا، والفائدة في هذا العطف أنا بينا أن من ضم ذكر توبته إلى توبة النبي عليه الصلاة والسلام، كان ذلك دليلاً على تعظيمه وإجلاله، وهذا العطف يوجب أن يكون قبول توبة النبي عليه الصلاة والسلام وتوبة المهاجرين والأنصار في حكم واحد، وذلك يوجب إعلاء شأنهم وكونهم مستحقين لذلك.

المسألة الثانية: إن هؤلاء الثلاثة هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله ﴾ واختلفوا في السبب الذي لأجله وصفوا بكونهم مخلفين وذكروا وجوهاً: أحدها: أنه ليس المراد أن هؤلاء أمروا بالتخلف، أو حصل الرضا من الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك، بل هو كقولك لصاحبك أين خلفت فلاناً فيقول: بموضع كذا لا يريد به أنه أمره بالتخلف بل لعله نهاه عنه وإنما يريد أنه تخلف عنه.

وثانيها: لا يمتنع أن هؤلاء الثلاثة كانوا على عزيمة الذهاب إلى الغزو فأذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام قدر ما يحصل الآلات والأدوات فلما بقوا مدة ظهر التواني والكسل فصح أن يقال: خلفهم الرسول.

وثالثها: أنه حكى قصة أقوام وهم المرادون بقوله: ﴿ وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله ﴾ فالمراد من كون هؤلاء مخلفين كونهم مؤخرين في قبول التوبة عن الطائفة الأولى.

قال كعب بن مالك وهو أحد هؤلاء الثلاثة: قول الله تعالى في حقنا: ﴿ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ ﴾ ليس من تخلفنا إنما هو تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ليشير به إلى قوله: ﴿ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله ﴾ .

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ خُلِّفُواْ ﴾ أي خلفوا الغازين بالمدينة، أي صاروا خلفاء للذين ذهبوا إلى الغزو وفسدوا من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ جعفر الصادق ﴿ خالفوا ﴾ وقرأ الأعمش وعلى الثلاثة المخلفين.

المسألة الرابعة: هؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية الذي نزلت فيه آية اللعان، ومرارة بن الربيع، وللناس في هذه القصة قولان: القول الأول: أنهم ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام، قال الحسن: كان لأحدهم أرض ثمنها مائة ألف درهم فقال: يا أرضاه ما خلفني عن رسول الله إلا أمرك، إذهبي فأنت في سبيل الله فلأكابدن المفاوز حتى أصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفعل، وكان للثاني أهل فقال: يا أهلاه ما خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمرك فلأكابدن المفاوز حتى أصل إليه وفعل، والثالث: ما كان له مال ولا أهل فقال: مالي سبب إلا الضن بالحياة والله لأكابدن المفاوز حتى أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله ﴾ .

والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أنهم ما ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام قال كعب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حديثي فلما أبطأت عنه في الخروج قال عليه الصلاة والسلام: «ما الذي حبس كعباً؟» فلما قدم المدينة اعتذر المنافقون فعذرهم وأتيته وقلت: إن كراعي وزادي كان حاضراً واحتبست بذنبي فاستغفر لي فأبى الرسول ذلك، ثم إنه عليه الصلاة والسلام نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة، وأمر بمباينتهم حتى أمر بذلك نساءهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وجاءت امرأة هلال بن أمية وقالت: يا رسول الله لقد بكى هلال حتى خفت على بصره حتى إذا مضى خمسون يوماً أنزل الله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى والمهاجرين ﴾ وأنزل قوله: ﴿ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ ﴾ فعند ذلك خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته وهو عند أم سلمة فقال: الله أكبر قد أنزل الله عذر أصحابنا فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه وبشرهم بأن الله تاب عليهم، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم ما نزل فيهم.

فقال كعب: توبني إلى الله تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال: لا قلت: فنصفه قال: لا قلت: فثلثه قال: نعم واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاثة.

الصفة الأولى: قوله: ﴿ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ﴾ قال المفسرون: معناه: أن النبي عليه الصلاة والسلام صار معرضاً عنهم ومنع المؤمنين من مكالمتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم وبقوا على هذه الحالة خمسين يوماً، وقيل: أكثر، ومعنى ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ﴾ تقدم تفسيره في هذه السورة.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ والمراد ضيق صدورهم بسبب الهم والغم ومجانبة الأولياء والأحباء، ونظر الناس لهم بعين الإهانة.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ ﴾ ويقرب معناه من قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك ومن الناس من قال معنى قوله: ﴿ وَظَنُّواْ ﴾ أي علموا كما في قوله: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ  ﴾ والدليل عليه أنه تعالى ذكر هذا الوصف في حقهم في معرض المدح والثناء، ولا يكون كذلك إلا وكانوا عالمين بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه.

وقال آخرون: وقف أمرهم على الوحي وهم ما كانوا قاطعين أن الله ينزل الوحي ببراءتهم عن النفاق ولكنهم كانوا يجوزون أن تطول المدة في بقائهم في الشدة فالطعن عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة، ولما وصفهم الله بهذه الصفات الثلاث؛ قال: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه لابد هاهنا من إضمار.

والتقدير: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه.

تاب عليهم ثم تاب عليهم، فما الفائدة في هذا التكرير؟

قلنا: هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في تقرير العفو لبعض عبيده يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك.

فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ ﴾ .

قلنا فيه وجوه: الأول: قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ يدل على أن التوبة فعل الله وقوله: ﴿ لِيَتُوبُواْ ﴾ يدل على أنها فعل العبد، فهذا صريح قولنا، ونظيره ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ ﴾ مع قوله: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى ﴾ وقوله: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ﴾ مع قوله: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وقوله: ﴿ هُوَ الذي يُسَيّرُكُمْ ﴾ مع قوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ ﴾ والثاني: المراد تاب الله عليهم في الماضي ليكون ذلك داعياً لهم إلى التوبة في المستقبل.

والثالث: أصل التوبة الرجوع، فالمراد ثم تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، وزوال المباينة فتسكن نفوسهم عند ذلك.

الرابع: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ ﴾ أي ليدوموا على التوبة، ولا يراجعوا ما يبطلها.

الخامس: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ لينتفعوا بالتوبة ويتوفر عليهم ثوابها وهذان النفعان لا يحصلان إلا بعد توبة الله عليهم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله عقلاً قالوا: لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت من أول الأمر.

ثم إنه عليه الصلاة والسلام ما قبلهم ولم يلتفت إليهم وتركهم مدة خمسين يوماً أو أكثر، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً لما جاز ذلك.

أجاب الجبائي عنه بأن قال: يقال إن تلك التوبة صارت مقبولة من أول الأمر، لكنه يقال: أراد تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف عن الرسول فيما يأمر به من جهاد وغيره.

وأيضاً لم يكن نهيه عليه الصلاة والسلام عن كلامهم عقوبة، بل كان على سبيل التشديد في التكليف.

قال القاضي: وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة بهذا التشديد، لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب، فالذي يجري عليهم، وهذه حالهم يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من يظهر العذر من المنافقين.

والجواب: أنا متمسكون بظاهر قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ وكلمة ﴿ ثُمَّ ﴾ للتراخي، فمقتضى هذا اللفظ تأخير قبول التوبة، فإن حملتم ذلك على تأخير إظهار هذا القبول كان ذلك عدولاً عن الظاهر من غير دليل.

فإن قالوا: الموجب لهذا العدول قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ .

قلنا: صيغة يقبل للمستقبل، وهو لا يفيد الفور أصلاً بالإجماع، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم ﴾ .

واعلم أن ذكر الرحيم عقيب ذكر التواب، يدل على أن قبول التوبة لأجل محض الرحمة والكرم، لا لأجل الوجوب، وذلك يقوي قولنا في أنه لا يجب عقلاً على الله قبول التوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الثلاثة ﴾ كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.

ومعنى ﴿ خُلّفُواْ ﴾ خلفوا عن الغزو وقيل عن أبي لبابة وأصحابه حين تيب عليهم بعدهم وقرئ ﴿ خلفوا ﴾ أي خلفوا الغازين بالمدينة، أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم.

وقرأ جعفر الصادق رضي الله عنه: ﴿ خالفوا ﴾ .

وقرأ الأعمش: ﴿ وعلى الثلاثة المخلفين ﴾ ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ برحبها، أي: مع سعتها، وهو مثل للحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرّون فيه قلقاً وجزعاً مما هم فيه ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ أي قلوبهم، لا يسعها أنس ولا سرور؛ لأنها حرجت من فرط الوحشة والغمّ ﴿ وَظَنُّواْ ﴾ وعلموا ﴿ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ﴾ سخط ﴿ الله إِلاَّ ﴾ إلى استغفاره ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ ﴾ ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة كرّة بعد أخرى، ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا وليتوبوا أيضاً فيما يستقبل إن فرطت منهم خطيئة، علماً منهم أن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة.

روي أن ناساً من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به.

عن الحسن: بلغني أنه كان لأحدهم حائط كان خيراً من مائة ألف درهم فقال: يا حائطاه، ما خلفني إلاّ ظلك وانتظار ثمرك، اذهب فأنت في سبيل الله.

ولم يكن لآخر إلاّ أهله فقال: يا أهلاه ما بطأني ولا خلفني إلاّ الضنّ بك لا جرم، والله لأكابدنّ المفاوز حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فركب ولحق به.

ولم يكن لآخر إلاّ نفسه لا أهل ولا مال، فقال: يا نفس ما خلفني إلاّ حبّ الحياة لك والله لأكابدنّ الشدائد حتى ألحق برسول الله، فتأبط زاده ولحق به.

قال الحسن: كذلك والله المؤمن يتوب من ذنوبه ولا يصرّ عليها.

وعن أبي ذرّ الغفاري: أن بعيره أبطأ به فحمل متاعه على ظهره واتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى سواده: كن أبا ذرّ، فقال الناس: هو ذاك، فقال: «رحم الله أبا ذرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» .

وعن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء، فرشت له في الظلّ، وبسطت له الحصير، وقرّبت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظلّ ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الضحّ والريح.: ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومرّ كالريح، فمدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب فقال: «كن أبا خيثمة» فكانه.

ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له.

ومنهم من بقي لم يلحق به.

منهم الثلاثة.

قال كعب: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه فردّ عليّ كالمغضب بعد ما ذكرني وقال: «ليت شعري ما خلف كعباً» ؟

فقيل له: ما خلفه إلاّ حسن برديه والنظر في عطفيه.

فقال معاذ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما أعلم إلاّ فضلاً وإسلاماً، ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة، فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهنّ، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع: أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ وتتابعت البشارة، فلبست ثوبي وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمين، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك، فلن أنساها لطلحة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستنير استنارة القمر: (أبشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك، ثم تلا علينا الآية).

وعن أبي بكر الورّاق أنه سئل عن التوبة النصوح؟

فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعَلى الثَّلاثَةِ ﴾ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ.

﴿ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ أوْ خَلَفَ أمْرُهم فَإنَّهُمُ المُرْجَئُونَ.

﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ﴾ أيْ بِرَحَبِها لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ.

﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ قُلُوبُهم مِن فَرْطِ الوَحْشَةِ والغَمِّ بِحَيْثُ لا يَسَعُها أُنْسٌ ولا سُرُورٌ.

﴿ وَظَنُّوا ﴾ وعَلِمُوا.

﴿ أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن سُخْطِهِ.

﴿ إلا إلَيْهِ ﴾ إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ.

﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ.

﴿ لِيَتُوبُوا ﴾ أوْ أنْزَلَ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيُعَدُّوا مِن جُمْلَةِ التّائِبِينَ، أوْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى تَوْبَتِهِمْ.

﴿ إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ ﴾ لِمَن تابَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ.

﴿ الرَّحِيمُ ﴾ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما لا يَرْضاهُ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ وعُهُودِهِمْ، أوْ في دِينِ اللَّهِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا.

وقُرِئَ « مِنَ الصّادِقِينَ» أيْ في تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ وأضْرابُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَعَلَى الثلاثة} أي وتاب على الثلاثة وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وهو عطف على النبى {الذين خُلّفُواْ} عن الغزو {حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ} برحبها أي مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمرهم كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرون فيه قلقاً وجزعاً {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور لانها خرجت من فرط الوحشية والغم {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ} وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} بعد خمسين يوماً {لِيَتُوبُواْ} ليكونوا من جملة التبوابين {إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم} عن أبي بكر الوراق أنه قال التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وعَلى الثَّلاثَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ النَّبِيِّ ﴾ وقِيلَ: إنَّ ﴿ تابَ ﴾ مُقَدَّرٌ في نَظْمِ الكَلامِ لِتَغايُرِ هَذِهِ التَّوْبَةِ والتَّوْبَةِ السّابِقَةِ وفِيهِ نَظَرٌ أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ ﴿ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ أيْ خَلُفَ أمْرُهم وأُخِّرَ عَنْ أمْرِ أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةً مِثْلَ أُولَئِكَ ولا رُدَّتْ ولَمْ يَقْطَعْ في شَأْنِهِمْ بِشَيْءٍ إلى أنْ نَزَلَ الوَحْيُ بِهِمْ فالإسْنادُ إلَيْهِمْ إمّا مَجازًا أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقَدْ يُفَسَّرُ المُتَعَدِّي بِاللّازِمِ أيِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ وهم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِن بَنِي واقِفٍ ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ويُقالُ فِيهِ: ابْنُ رَبِيعَةَ وفي مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ وصْفُهُ بِالعامِرِيِّ وصَوَّبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ العُمَرِيُّ بَدَلَهُ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ورَزِينُ بْنُ حُبَيْشٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (خَلَفُوا) بِفَتْحِ الخاءِ واللّامِ خَفِيفَةً أيْ خَلَفُوا الغازِينَ بِالمَدِينَةِ أوْ فَسَدُوا مِنَ الخالِفَةِ وخُلُوفِ الفَمِ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ومُحَمَّدٌ الباقِرُ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ (خالَفُوا) وقَرَأ الأعْمَشُ: (وعَلى المُخَلَّفِينَ) وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ ﴾ أنَّهُ غايَةٌ لِلتَّخْلِيفِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ الأمْرِ أيْ أُخِّرَ أمْرُهم إلى أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ ﴿ بِما رَحُبَتْ ﴾ أيْ بِرَحَبِها وسِعَتِها لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وعَدَمِ مُجالَسَتِهِمْ ومُحادَثَتِهِمْ لَهم لِأمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم بِذَلِكَ وهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ والمُرادُ أنَّهم لَمْ يَقَرُّوا في الدُّنْيا مَعَ سِعَتِها وهو كَما قِيلَ: كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهي فَسِيحَةٌ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ ﴿ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ قُلُوبُهم وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ مَجازًا لِأنَّ قِيامَ الذَّواتِ بِها ومَعْنى ضِيقِها غَمُّها وحُزْنُها كَأنَّها لا تَسَعُ السُّرُورَ لِضِيقِها وفي هَذا تَرَقٍّ مِن ضِيقِ الأرْضِ عَلَيْهِمْ إلى ضِيقِهِمْ في أنْفُسِهِمْ وهُوَ في غايَةِ البَلاغَةِ ﴿ وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلا إلَيْهِ ﴾ أيْ عَلِمُوا أنْ لا مَلْجَأ مِن سَخَطِهِ إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وحَمْلُ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لَهم ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ ﴿ لِيَتُوبُوا ﴾ أوْ أنْزَلَ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ في القُرْآنِ وأعْلَمَهم بِها لِيَعُدُّهُمُ المُؤْمِنُونَ في جُمْلَةِ التّائِبِينَ أوْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى التَّوْبَةِ ويَسْتَمِرُّوا عَلَيْها وقِيلَ: التَّوْبَةُ لَيْسَتْ هي المَقْبُولَةَ والمَعْنى قِبَلَ تَوْبَتَهم مِنَ التَّخَلُّفِ لِيَتُوبُوا في المُسْتَقْبَلِ إذْ صَدَرَتْ مِنهم هَفْوَةٌ ولا يَقْنَطُوا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ ﴾ المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ لِمَن تابَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ﴿الرَّحِيمِ 118﴾ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِفُنُونِ الآلاءِ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِأفانِينِ العِقابِ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وكانَ قائِدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزاةِ تَبُوكَ «قالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزاةٍ غَزاها قَطُّ إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزاةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعاقِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْها إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتّى جَمَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَواثَقْنا عَلى الإسْلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في النّاسِ مِنها وأشْهَرَ وكانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الغَزاةِ، واللَّهِ ما جَمَعْتُ قَبْلَها راحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتّى جَمَعْتُهُما في تِلْكَ الغَزاةِ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَلَّما يُرِيدُ غَزاةً إلّا ورّى بِغَيْرِها حَتّى كانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ فَغَزاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَرٍّ شَدِيدٍ واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفاوِزَ واسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهم لِيَتَأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ وأخْبَرَهم بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ والمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَثِيرٌ لا يَجْمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ يُرِيدُ الدِّيوانَ قالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلّا ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ سَيَخْفى لَهُ ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وغَزا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تِلْكَ الغَزاةَ حِينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلُّ وأنا إلَيْها أصْغَرُهم فَتَجَهَّزَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهم فَأرْجِعَ ولا أقْضِيَ شَيْئًا فَأقُولُ لِنَفْسِي: أنا قادِرٌ عَلى ذَلِكَ إذا أرَدْتُ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمادى بِي حَتّى اسْتَمَرَّ بِالنّاسِ الجِدُّ فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غادِيًا والمُسْلِمُونَ مَعَهُ ولَمْ أقْضِ مِن جَهازِي شَيْئًا وقُلْتُ: أتَجَهَّزُ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ ألْحَقُهُ فَغَدَوْتُ يَوْمَ ما فَصَلُوا لِأتَجَهَّزَ فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ مِن جَهازِي شَيْئًا ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمادى بِي حَتّى انْتَهَوْا وتَفارَطَ الغَزْوُ فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهم ولَيْتَ أنِّي فَعَلْتُ ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي وطَفِقْتُ إذا خَرَجْتُ في النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحْزِنُنِي أنْ لا أرى إلّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ في النِّفاقِ أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَهُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقالَ وهو جالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ؟

قالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ: حَبَسَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ بُرْداهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ.

فَقالَ لَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَما قُلْتَ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا.

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ تَوَجَّهَ قافِلًا مِن تَبُوكَ حَضَرَنِي شَيْءٌ فَطَفِقْتُ أتَفَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِماذا أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ غَدًا أسْتَعِينُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِن أهْلِي فَلَمّا قِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ أظَلُّ قادِمًا زاحَ عَنِّي الباطِلُ وعَرَفْتُ أنِّي لَمْ أنْجُ مِنهُ بِشَيْءٍ أبَدًا فَأجْمَعْتُ صِدْقَهُ فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قادِمًا وكانَ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنّاسِ فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ جاءَ المُتَخَلِّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ لَهُ وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلانِيَتَهم واسْتَغْفَرَ لَهم ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ حَتّى جِئْتُ فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضِبِ ثُمَّ قالَ لِي: تَعالَ فَجِئْتُ أمْشِي حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لِي: ما خَلَّفَكَ ألَمْ تَكُنْ قَدِ اشْتَرَيْتَ ظَهْرَكَ؟

فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيا لَرَأيْتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ بِعُذْرٍ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا ولَكِنْ واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ بِحَدِيثٍ كَذِبٍ تَرْضى عَنِّي بِهِ لِيُوشِكَنَّ اللَّهُ تَعالى بِسَخَطِكَ عَلَيَّ ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فَيْهِ أنِّي لَأرْجُوَ فِيهِ عُقْبى مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ ما كانَ لِي عُذْرٌ واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أفْرَغَ ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ.

فَقُمْتُ وبادَرَنِي رِجالٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ واتَّبَعُونِي فَقالُوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْناكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذا ولَقَدْ عَجَزْتَ أنْ لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما اعْتَذَرَ بِهِ المُتَخَلِّفُونَ ولَقَدْ كانَ كافِيَكَ مِن ذَنْبِكَ اسْتِغْفارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟

قالَ: فَوَ اللَّهِ ما زالُوا يُرايِبُونِي حَتّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟

قالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قالا ما قُلْتَ وقِيلَ لَهُما مِثْلَ ما قِيلَ لَكَ.

فَقُلْتُ: مَن هُما؟

قالُوا: مُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ.

فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ قَدْ شَهِدا بَدْرًا لِي فِيهِما أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي قالَ: ونَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ كَلامِنا أيُّها الثَّلاثَةُ مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ فاجْتَنَبَنا النّاسُ وتَغَيَّرَ لَنا حَتّى تَنَكَّرَتْ لِي في نَفْسِي الأرْضُ فَما هي بِالأرْضِ الَّتِي كُنْتُ أعْرِفُ فَلَبِثْنا عَلى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأمّا صاحِبايَ فاسْتَكانا وقَعَدا في بُيُوتِهِما وأمّا أنا فَكُنْتُ أشَدَّ القَوْمِ وأجْلَدَهم فَكُنْتُ أشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ وأطُوفُ بِالأسْواقِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ وآتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَأُسَلِّمُ وأقُولُ في نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ أمْ لا ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنهُ وأُسارِقُهُ النَّظَرَ فَإذا أقْبَلْتُ عَلى صَلاتِي أقْبَلَ إلَيَّ فَإذا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ حَتّى إذا طالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِن هَجْرِ المُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ حائِطَ أبِي قَتادَةَ وهو ابْنُ عَمِّي وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَواللَّهِ ما رَدَّ السَّلامَ عَلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: أبا قَتادَةَ أنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى هَلْ تَعْلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ: فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَشَدْتُهُ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَفاضَتْ عَيْنايَ وتَوَلَّيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ الجِدارَ فَبَيْنا أنا أمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ إذا نَبَطِيٌّ مِن أنْباطِ الشّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِطَعامٍ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ؟

فَطَفِقَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتّى جاءَ فَدَفَعَ إلَيَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسّانَ وكُنْتُ كاتِبًا فَإذا فِيهِ: أمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قَدْ جَفاكَ ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ تَعالى بِدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ فالحَقْ بِنا نُواسِيكَ.

فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُها: وهَذِهِ أيْضًا مِنَ البَلاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِها التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ فِيها حَتّى إذا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ إذا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْتِينِي فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ.

قُلْتُ: أُطَلِّقُها أمْ ماذا أفْعَلُ؟

قالَ: بَلِ اعْتَزِلْها ولا تَقْرَبْها وأرْسَلَ إلى صاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لِامْرَأتِي: الحَقِي بِأهْلِكِ لِتَكُونِي عِنْدَهم حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى في هَذا الأمْرِ فَجاءَتِ امْرَأةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هِلالًا شَيْخٌ ضائِعٌ ولَيْسَ لَهُ خادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟

فَقالَ: لا ولَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ.

قالَتْ: وإنَّهُ واللَّهِ ما بِهِ حَرَكَةٌ إلى شَيْءٍ واللَّهِ ما زالَ يَبْكِي مِن لَدُنْ أنْ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ إلى يَوْمِهِ هَذا فَقالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في امْرَأتِكَ فَقَدْ أذِنَ لِامْرَأةِ هِلالٍ أنْ تَخْدُمَهُ.

فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيها رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما أدْرِي ماذا يَقُولُ إذا اسْتَأْذَنْتُهُ وأنا رَجُلٌ شابٌّ قالَ: فَلَبِثْتُ عَشْرَ لَيالٍ فَكَمُلَ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينِ نَهى عَنْ كَلامِنا ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الفَجْرِ صَباحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلى ظَهْرِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنا فَبَيْنا أنا جالِسٌ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَنّا قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ سَمِعْتُ صارِخًا أوْفى عَلى جَبَلِ سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بْنَ مالِكٍ أبْشِرْ فَخَرَرْتُ ساجِدًا وعَرَفْتُ أنْ قَدْ جاءَ فَرَجٌ فَآذَنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا حِينَ صَلّى الفَجْرَ فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشِّرُونَنا وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ ورَكَضَ إلى رَجُلٍ فَرَسًا وسَعى ساعٍ مِن أسْلَمَ وأوْفى عَلى الجَبَلِ فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبِي وكَسَوْتُهُما إيّاهُ بِبِشارَتِهِ واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَوْمَئِذٍ فاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما فانْطَلَقْتُ أؤُمُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَلَقّانِي النّاسُ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ يُهَنِّئُونَنِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ حَتّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ  جالِسٌ في المَسْجِدِ حَوْلَهُ النّاسُ فَقامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتّى صافَحَنِي وهَنَّأنِي واللَّهِ ما قامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ غَيْرُهُ قالَ: فَكانَ كَعْبٌ لا يَنْساها لِطَلْحَةَ قالَ كَعْبٌ: فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ.

قُلْتُ: أمِن عِنْدِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ؟

قالَ: لا بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وجْهُهُ حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ فَلَمّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ: أمْسِكْ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ.

قُلْتُ: إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ.

وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نَجّانِي اللَّهُ تَعالى بِالصِّدْقِ وإنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ لا أُحَدِّثَ إلّا صِدْقًا ما بَقِيتُ، فَواللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلاهُ اللَّهُ تَعالى في الصِّدْقِ بِالحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحْسَنَ مِمّا أبَلّانِي اللَّهُ تَعالى، واللَّهِ ما تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ إلى يَوْمِي هَذا وإنِّي لِأرْجُوَ أنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ تَعالى فِيما بَقِيَ قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لَقَدْ تابَ ﴾ الآيَةَ فَواللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ مِن نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدانِي اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَئِذٍ أنْ لا أكُونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلِكَ كَما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِلَّذِينِ كَذَّبُوهُ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ شَرَّ ما قالَ لِأحَدٍ فَقالَ: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الفاسِقِينَ ﴾ » وجاءَ في رِوايَةٍ «عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ كَلامِي وكَلامِ صاحِبَيَّ فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتّى طالَ عَلَيَّ الأمْرُ وما مِن شَيْءٍ أهَمَّ إلَيَّ مِن أنْ أمُوتَ فَلا يُصَلِّيَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأكُونَ مِنَ النّاسِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنهم ولا يُصَلِّي عَلَيَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَوْبَتَنا عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ وكانَتْ مُحْسِنَةً في شَأْنِي مُعِينَةً في أمْرِي فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ.

قالَتْ: أفَلا أُرْسِلُ إلَيْهِ أُبَشِّرُهُ؟

قالَ: إذًا تُحَطِّمُكُمُ النّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سائِرَ اللَّيْلِ حَتّى إذا صَلّى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلاةَ الفَجْرَ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا» هَذا وفي وصْفِهِ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ بِما وصَفَهم بِهِ دَلالَةٌ وأيَّةُ دَلالَةٍ عَلى قُوَّةِ إيمانِهِمْ وصِدْقِ تَوْبَتِهِمْ وعَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقالَ: أنْ تَضِيقَ عَلى التّائِبِ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وتَضِيقَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ كَتَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، يعني: وتاب الله على الثلاثة وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.

قال الفقيه: سمعت أبي رحمه الله يذكر بإسناده، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: لم أتخلف عن رسول الله  في غزوة له غزاها، حتى كانت غزوة تبوك إلا بدراً، فلم يعاتب النبيّ  أحداً تخلف عن بدر، إنَّما خرج يريد العير، فخرجت قريش معينين لعيرهم، فالتقوا على غير موعدهم.

ثم لم أتخلف عن النبيّ  وعن غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها فأذن للناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوتهم، وذلك حين طابت الظلال وطابت الثمار، وكان قل ما أراد غزوة إلا ورّى بغيرها، وكان يقول: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» ، فأراد في غزوة أن يتأهب الناس أهبتهم، وأنا أيسر ما كنت قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحال، وأنا في ذلك أصبو إلى الظلال وطيب الثمار.

فلم أزل كذلك، حتى قام النبيّ  غازياً بالغداة، وذلك يوم الخميس.

وكان يحب أن يخرج يوم الخميس، فأصبح غادياً، فقلت: انطلق غادياً إلى السوق غداً فأشتري ثم ألحق بهم، فانطلقت إلى السوق من الغد فعسر عليّ بعض شأني، فرجعت فقلت: أرجع غَداً إنْ شَاءَ الله فألحق بهم، فعسر عليّ بعض شأني فلم أزل كذلك، حتى التبس بي الريب وتخلفت عن رسول الله  ، فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف في المدينة، فيحزنني أن لا أرى أحداً تخلف إلا رجلا مغموسا عليه في النفاق.

وكان جميع من تخلف عن رسول الله  بضعاً وثمانين رجلاً، ولم يذكرني النبيّ  حتى بلغ تبوك فلما بلغ تبوك قال: «فَمَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ» ؟

فقال رجل من قومي: خلفه يا رسول الله حسن برديه والنظر إلى عطفيه.

فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت.

والله، يا نبي الله ما نعلم منه إلاَّ خيراً.

فلما قضى النبي  غزوة تبوك، وقفل ودنا من المدينة، جعلت أتذكر بماذا أخرج من سخطة رسول الله  وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، حتى إذا أقبل النبيّ  زاح عني الباطل وعرفت ألا أنجو إلاَّ بالصدق.

ودخل النبيّ  ضحى، فصلى في المسجد ركعتين.

وكان إذا جاء من السفر فعل ذلك، فدخل المسجد وصلى ركعتين، ثم جلس فجعل يأتيه من تخلف فيحلفون له ويعتذرون إليه، ويستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.

فدخلت المسجد فإذا هو جالس، فلما رآني تبسَّم تبسُّم المُغضب، فجئت فجلست بين يديه.

فقال: «أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ» ؟

فقلت بلى يا رسول الله.

فقال: «ما خَلَّفَكَ» ؟

فقلت: والله لو أني بين يدي أحد من الناس غيرك لخرجت من سخطه عليّ بعذر، ولقد أوتيت جَدَلاً، ولكني قد علمت يا رسول الله إني لو أخبرتك اليوم بقول تجد عليّ فيه وهو حق، فإني أرجو فيه عفو الله، وإن حدثتك حديثا ترضى عني فيه وهو كذب، يوشك الله أن يطلعك عليّ، والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حالاً حين تخلفت عنك.

قال: «أمَّا هذا فَقَدْ صَدَقَكُمْ الحَدِيثَ قُمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله فيك» .

فقمت فنازعني ناس من قومي يؤنبونني وقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنباً قط قبل هذا، فهلا اعتذرت إلى النبيّ  بما يرضى عنك فيه، فكان استغفاره سيأتي من وراء ذلك، ولم توقف نفسك موقفا ما تدري ما يقضى لك فيه.

فلم يزالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي، فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟

قالوا: نعم، فقلت: من هو؟

فقالوا: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة، فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبداً، ولا أكذب نفسي.

قال: فنهى النبي  عن كلامنا نحن الثلاثة.

قال: فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرفهم، وتنكرت لنا الأرض، حتى ما هي بالتي نعرف.

وكنت أقوى أصحابي، فكنت أخرج وأطوف بالأسواق وآتي المسجد وآتي النبي  فأسلم عليه وأقول: هل حرك شفتيه بالسلام؟.

فإذا قمت أصلي إلى سارية، فأقبلت على صلاتي، نظر إلي بمؤخر عينيه، فإذا نظرت إليه، أعرض عني.

واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار، ولا يطلعان رؤوسهما.

فبينما أنا أطوف بالسوق، إذا برجل نصراني جاء بطعام له يبيعه يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟

فانطلق الناس يشيرون إليّ، فأتاني بصحيفة من ملك غسان وإذا فيها: أما بعد، فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولست بدار مضيعة ولا هوان، فالحق بنا نواسيك.

فقلت: هذا أيضاً من البلاء، يعني: الدعوة إلى الكفرَ، فسجَّرْت لها التنور فأحرقتها فيه.

فلما مضت أربعون ليلة، إذا رسول من النبيّ  قد أتاني وقال: «اعْتَزِل امْرَأَتَكَ» .

فقلت: أطلقها؟

فقال: «لا، ولكن لا تَقْرَبْهَا» .

فجاءت امرأة هلال بن أمية، فقالت: يا نبي الله إن هلالاً شيخ ضعيف فهل تأذن لي أن أخدمه؟

قال: «نَعَمْ، ولكن لا يَقْرَبَنَّكِ» .

فقالت: يا نبي الله، والله ما به من حركة من شيء، يبكي الليل والنهار منذ كان من أمره ما كان.

قال كعب: فلما طال علي البلاء، اقتحمت على أبي قتادة حائطه، وهو ابن عمي، فسلمت عليه فلم يرد عليّ السلام، فقلت: أنشدك الله يا أبا قتادة، أتعلم أني أحب الله ورسولهُ؟

فسكت ثم قلت أنشدك بالله يا أبا قتادة أتعلم أني أحب الله ورسوله؟

حتى عاودته ثلاث مرات قال: الله تعالى ورسوله أعلم، فلم أملك نفسي أن بكيت، ثم اقتحمت الحائط خارجاً، حتى إذا مضت خمسون ليلة من حين نهى النبي  الناس عن كلامنا، صليت على ظهر بيت لنا صلاة الفجر، ثم جلست، وأنا في المنزلة التي قال الله تعالى: ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ إذ سمعت نداء من ذروة سلع أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجداً، وعرفت إن الله تعالى قد جاء بالفرج.

ثم جاء رجل يركب على فرس يبشرني، فكان الصوت أسرع من فرسه، فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين، وانطلقت إلى النبيّ  .

وجعل الأنصار يستقبلونني فوجاً فوجاً ويهنئونني ويبشرونني.

ولم يقم أحد من المهاجرين غير طلحة بن عبيد الله، قام وتلقاني بالتهنئة، فما نسيت ذلك منه.

وانطلقت إلى النبيّ  ، فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر وكان إذا بشّر بالأمر، استنار وجهه كالقمر، فجئت فجلست بين يديه فقال: «أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أمُّكَ» .

فقلت: يا نبي الله أمن عندك أم من عند الله؟

قال: «بل من عند الله» ثُمَّ تلا قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ إلى قوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا الآية.

فقلت: يا نبي الله، إن من توبتي ألا أحدث إلاَّ صدقاً، وأن أنخلع من مالي كله صدقة لله ورسوله.

قال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» .

قال: فما أنعم الله عليّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله  حين صدقته أنا وصاحباي، ألا نكون كذبنا فهلكنا كما هلكوا.

وإني لأرجو ألا يكون الله أبلى أحداً في الصدق كما أبلاني، ما تعمدت لكذبة قط مذ قلت ذلك لرسول الله  إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي (١) وروى الزهري عن كعب بن مالك قال: كانت توبتنا نزلت على النبيّ  في ثلث الليل، فقالت أم سلمة: يا نبي الله ألا نبشر كعباً بن مالك؟

قال: «إذاً يَحْطِمَنَّكُمْ النَّاسُ وَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ» .

وكانت أم سلمة محسنة في شأني، تحزن بأمري وذلك قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا يعني: وتاب الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك.

ويقال وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا عن التوبة، يعني: أبا لبابة حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، يعني: بسعتها، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، يعني: ضاقت قلوبهم، وَظَنُّوا أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ، يعني: علموا وأيقنوا أن لا مفر من عذاب الله إِلَّا إِلَيْهِ، يعني: إلا بالتوبة إليه ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا، يعني: تجاوز عنهم حتى تابوا ويقال: أكرمهم الله فوفقهم للتوبة لكي يتوبوا.

ويقال: تاب عليهم ليتوب من بعدهم ويقتدي بهم.

إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، يعني: المتجاوز لمن تاب، الرَّحِيمُ بهم بعد التوبة.

(١) حديث كعب بن مالك: أخرجه البخاري (4418) ومسلم (2769) والترمذي (3102) وأحمد 5/ 387- 388 وهو عند أبي داود (3320) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بعضهم خَافَ عَلَى نَفْسِه مِنَ الاستغفار للمشْركين، فنزلت الآيةُ مُؤْنسة، أيْ: ما كان اللَّه بَعْدَ/ أَنْ هدَى إِلى الإِسْلاَمِ، وأنقذ مِنَ النار لِيُحْبِطَ ذلك، ويضلَّ أهله لمواقعتهم ذَنْباً لم يتقدَّم من اللَّه عنه نَهْيٌ، فأما إِذا بيَّن لهم ما يتَّقون من الأمورِ، ويتجنَّبون من الأشياء، فحينئذٍ مَنْ واقع شيئاً من ذلك بعد النَّهْيِ، استوجب العقوبة، وباقي الآية بيّن.

لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)

وقوله سبحانه: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ...

الآية: التوبةُ مِنَ اللَّه تعالَى هو رُجُوعه بعبده مِنْ حالة إِلى أَرفَعَ منها، فقد تكونُ في الأكثَرِ رُجُوعاً من حالة طاعةٍ إِلى أَكْمَلَ منها، وهذه توبته سبحانه في هذه الآيةِ عَلَى نبيِّه عليه السلام، وأما توبته على المهاجرين والأنصار، فمعرَّضةً لأنْ تكونَ مِنْ تقصير إلى طاعة وجِدٍّ في الغزو ونُصْرَةِ الدِّين، وأما توبته على الفريق الذي كاد يزيغ، فَرُجُوعٌ من حالة محطوطةٍ إلى حال غفران ورضاً وقال الشيخ أبو الحَسَن الشَّاذِلِيُّ رحمه اللَّه: في هذه الآية ذَكَر اللَّه سبحانه تَوْبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَئِلاَ يستوحِشَ مَنْ أذنب لأنه ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا، ثم قال: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، فذكر مَنْ لم يُذْنِبْ لِيُؤْنَسَ من قد أذنب، انتهى من «لطائف المنن» .

وساعَةِ الْعُسْرَةِ يريد: وقْت العسرة، والعُسْرة الشِّدَّةُ، وضيقُ الحَالِ، والعُدْمُ، وهذا هو جيشُ العُسْرة الذي قال فيه صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَلَهُ الجنة» «١» ، فجهزه عثمانُ بْنُ عفَّان رضي اللَّه عنه بألْفِ جَمَلٍ، وألْف دينارٍ، وجاء أيضاً رجلٌ من الأنصار بِسَبْعِمَائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْر، وهذه غزوةُ تبوكَ.

ت: وعن ابن عَبَّاس أنَّه قيل لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب: حدِّثنا عن شأنِ سَاعَةِ العُسْرَة، فقال عمر: خَرَجْنَا إلى تبوكَ في قَيْظٍ شديدٍ، فنزلْنا منزلاً أصابنا فيه عَطَشٌ، حتى ظَنَنَّا أَنَّ رقابنا سَتَنْقَطِعُ حتى إنَّ الرجُلَ لَيَنْحَرُ بعيره، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ «٢» فيشربه، ثم يجعل ما بقي

عَلَى كَبِدِهِ، فقال أبو بكر: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّه قد عَوَّدَكَ في الدعاءِ خيراً، فادع اللَّهَ، فَقَالَ: «أَتُحِبُّ ذلكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فلم يَرْجِعْهما حتَّى مالَتِ السماء، فَأَظلَّتْ، ثم سَكَبَتْ فملؤوا ما معهم، ثم ذهبْنا ننظر، فلم نجدْها جاوَزَتِ العَسْكَر، رواه الحاكم في «مستدركه على الصحيحين» ، وقال: صحيحٌ على شرط الشَّيْخَيْن، يعني: مسلماً والبخاريَّ «١» انتهى في «السلاح» ، ووصل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تَبُوكَ إِلى أوائلِ بلد العَدُوِّ فصالحه أَهْلُ أذرح وأَيْلَةَ وغيرهما على الجِزْية ونحوها، وانصرف، والزيغ المذْكُور هو ما هَمَّت به طائفةٌ من الانصراف لِمَا لَقُوا من المشقَّة والعُسْرة.

قاله الحسن «٢» .

وقيل: زيغها إِنما كان بظُنُونٍ لها ساءَتْ في معنى عزم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تلك الغزوة، لما رأته من شدَّة الحال وقوَّة العدوِّ والمقصود، ثم أخبر عزَّ وجلَّ أنه تاب أيضاً على هذا الفريقِ، وراجَعَ به، وأنس بإِعلامه للأمَّة بأنه رؤوفٌ رحيمٌ، والثلاثة الذين خُلِّفوا هم كعْبُ بن مالِكٍ وهلال بن أمية الوَاقفيُّ ومُرَارَةُ بنُ الرَّبيع العامريُّ، وقد خرَّج حديثهم بكماله البخاريُّ ومسلم «٣» ، وهو في السِّير فلذلك اختصرنا سَوْقَهُ، وهم الذين تقدَّم فيهم:

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة: ١٠٦] ، ومعنى خُلِّفُوا أُخِّروا، وتُرِكَ النظرُ في أمرهم، قال كَعْب: وليس بتخلُّفنا عَنِ الغَزْوِ، وهو بَيِّنٌ من لفظ الآية.

وقوله: وَظَنُّوا أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ظَنُّوا هنا بمعنى: أيقنوا، قال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: "خالَفُوا" بِألِفٍ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدُ: "خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللّامِ المُخَفَّفَةِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "خَلَّفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللّامِ مَعَ تَشْدِيدِها.

وهَؤُلاءِ هُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم [التَّوْبَةِ:١٠٦] .

وفي مَعْنى "خُلِّفُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: خُلِّفُوا عَنَ التَّوْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

فَيَكُونُ المَعْنى: خُلِّفُوا عَنْ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ إذْ لَمْ يَخْضَعُوا كَما خَضَعَ أُولَئِكَ.

والثّانِي: خُلِّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وحَدِيثُهم مُنْدَرِجٌ في تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، وقَدْ رَوَيْتُها في كِتابِ "الحَدائِقِ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ﴾ أيْ: ضاقَتْ مَعَ سِعَتِها، وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ مَنَعُوا مِن مُعامَلَتِهِمْ وكَلامِهِمْ، وأمَرُوا بِاعْتِزالِ أزْواجِهِمْ، وكانَ النَّبِيُّ  مُعْرِضًا عَنْهم.

﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ بِالهَمِّ والغَمِّ.

(وَظَنُّوا) أيْ: أيْقَنُوا ﴿ أنْ لا مَلْجَأ ﴾ أيْ: لا مُعْتَصِمَ مِنَ اللَّهِ ومِن عَذابِهِ إلّا هو.

﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ أعادَ التَّوْبَةَ تَأْكِيدًا، ﴿ لِيَتُوبُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَسْتَقِيمُوا.

وقالَ غَيْرُهُ: وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ لِيَدُومُوا عَلَيْها ولا يَرْجِعُوا إلى ما يُبْطِلُها.

وسُئِلَ بَعْضُهم عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقالَ: أنْ تَضِيقَ عَلى التّائِبِ الأرْضُ، وتَضِيقَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، كَتَوْبَةِ كَعْبٍ وصاحِبَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ تابَ اللهُ عَلى النَبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَلى الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمُ لِيَتُوبُوا إنَّ اللهِ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ التَوْبَةُ مِنَ اللهِ رُجُوعُهُ بِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها، فَقَدْ تَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا مِن حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطاعَةِ، وقَدْ تَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَبِيِّ  لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالِهِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وأجْرِها وتَحَمُّلِ مَشَقّاتِها إلى حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ.

وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن تَقْصِيرٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي كادَ أنْ يَزِيغَ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالِ غُفْرانٍ ورِضا.

واتَّبَعُوهُ مَعْناهُ: دَخَلُوا في أمْرِهِ وانْبِعاثِهِ ولَمْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ يُرِيدُ: في وقْتِ العُسْرَةِ، فَأنْزَلَ الساعَةَ مَنزِلَةَ المُدَّةِ والوَقْتِ والزَمَنِ وإنْ كانَ عُرْفُ الساعَةِ في اللُغَةِ أنَّهُ لِما قَلَّ مِنَ الزَمَنِ كالقِطْعَةِ مِنَ النَهارِ.

ألا تَرى قَوْلَهُ  في رَواحِ يَوْمِ الجُمْعَةِ: "فِي الساعَةِ الأُولى وفي الثانِيَةِ" الحَدِيثُ، فَهي هُنا تَجَوُّزٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ الساعَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها عَزْمُهم وانْقِيادُهم لِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ إذِ السُفْرَةُ كُلُّها تَبَعٌ لِتِلْكَ الساعَةِ وبِها وفِيها يَقَعُ الأجْرُ عَلى اللهِ وتَرْتَبِطُ النِيَّةُ، فَمَنِ اعْتَزَمَ عَلى الغَزْوِ وهو مُعْسِرٌ فَقَدِ اتَّبَعَ في ساعَةِ العُسْرَةِ، ولَوِ اتَّفَقَ أنْ يَطْرَأ لَهم غِنًى في سائِرِ سَفْرَتِهِمْ لَما اخْتَلَّ كَوْنُهم مُتَّبِعِينَ في ساعَةِ عُسْرَةِ، والعُسْرَةُ: الشِدَّةُ وضِيقُ الحالِ والعُدْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ  ﴾ ، وهَذا هو جَيْشُ العُسْرَةِ الَّذِي قالَ رَسُولُ اللهِ  فِيهِ: « "مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِألْفِ جَمَلٍ وألْفِ دِينارٍ.

ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قَلَبَ الدَنانِيرَ بِيَدِهِ وقالَ: "وَما عَلى عُثْمانَ ما عَمِلَ بَعْدَ هَذا؟"، وجاءَ أيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِسَبْعِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ،» وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ العُسْرَةَ بَلَغَتْ بِهِمْ في تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ إلى أنْ قَسَّمُوا التَمْرَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ كانَ النَفَرُ يَأْخُذُونَ التَمْرَةَ الواحِدَةَ فَيَمْضُغُها أحَدُهم ويَشْرَبُ عَلَيْها الماءَ ثُمَّ يَفْعَلُ كُلُّهم بِها ذَلِكَ.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأصابَهم في بَعْضِها عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَشْرَبُونَ ما في كُرُوشِها مِنَ الماءِ ويَعْصِرُونَ الفَرْثَ حَتّى اسْتَسْقى لَهم رَسُولُ اللهِ  فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما رَجَعَهُما حَتّى انْسَكَبَتْ سَحابَةٌ فَشَرِبُوا وادَّخَرُوا ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَإذا السَحابَةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العَسْكَرِ، وحِينَئِذٍ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: وهَلْ هَذِهِ إلّا سَحابَةٌ مَرَّتْ؟

وكانَتِ الغَزْوَةُ في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَ الناسُ كَثِيرًا فَقَلَّ الظَهْرُ فَجاءَتْهُمُ العُسْرَةُ مِن جِهاتٍ، ووَصَلَ رَسُولُ اللهِ  إلى أوائِلِ بَلَدِ العَدُوِّ فَصالَحَهُ أهْلُ أذْرَجَ وأيْلَةَ، وغَيْرُهُما عَلى الجِزْيَةِ ونَحْوِها، وانْصَرَفَ.

وأمّا الزَيْغُ الَّذِي كادَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم أنْ تُواقِعَهُ فَقِيلَ: هَمَّتْ فِرْقَةٌ بِالِانْصِرافِ لَمّا لَقُوا مِنَ المَشَقَّةِ والعُسْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقِيلَ: زَيْغُها إنَّما كانَ بِظُنُونٍ لَها ساءَتْ في مَعْنى عَزْمِ رَسُولِ اللهِ  عَلى تِلْكَ الغَزْوَةِ لِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ وبُعْدِ المَشَقَّةِ وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَزِيغُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى لَفْظِ القُلُوبِ.

ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ الدالَ في التاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِيغُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى جَمْعِ القُلُوبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن بَعْدِ ما كادَتْ تَزِيغُ".

وَأمّا "كادَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِها ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ أوَّلُها وأقْواها: القِصَّةُ والشَأْنُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وتَرْتَفِعُ "القُلُوبُ" -عَلى هَذا- بِـ "تَزِيغُ"، والثانِي: أنْ يَرْتَفِعَ بِها ما يَقْتَضِيهِ ذِكْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوَّلًا، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ: "القَوْمُ"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، والثالِثُ: أنْ يَرْتَفِعَ بِها "القُلُوبُ" ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "تَزِيغُ" ضَمِيرُ "القُلُوبِ"، وجازَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا التَقْدِيمَ لِلْخَبَرِ يُرادُ بِهِ التَأْخِيرُ، وشُبِّهَتْ "كادَ" بِـ "كانَ" لِلُزُومِ الخَبَرِ لَها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في "عَسى".

ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ تابَ أيْضًا عَلى هَذا الفَرِيقِ وراجَعَ بِهِ، وأنِسَ بِإعْلامِهِ لِلْأُمَّةِ بِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، والثَلاثَةُ هُمْ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ العامِرِيُّ، ويُقالُ: ابْنُ رَبِيعَةَ، ويُقالُ: ابْنُ رِبْعِيِّ، وقَدْ خَرَجَ حَدِيثُهم بِكَمالِهِ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وهو في السَيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا سَوْقَهُ.

وهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِيهِمْ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ  ﴾ ، ومَعْنى: خُلِّفُوا: أُخِّرُوا وتُرِكَ أمْرُهم ولَمْ تُقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةٌ ولا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خُلِّفُوا عَنِ المُعْتَذِرِينَ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ خُلِّفُوا ﴾ أيْ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ وقَدْ رَدَّهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ نَفْسُهُ وقالَ: مَعْنى خُلِّفُوا: تُرِكُوا عن قَبُولِ العُذْرِ، ولَيْسَ بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ جَعْلُهُ ﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ ﴾ غايَةً لِلتَّخَلُّفِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عن تَخْلِيفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ عن تَخْلِيفِهِمْ عن قَبُولِ العُذْرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلِّفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وشَدِّ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ هارُونَ المَخْزُومِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللامِ غَيْرَ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "خَلِفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وتَخْفِيفِ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "خالَفُوا" والمَعْنى قَرِيبُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَعَلى الثَلاثَةِ المُخَلَّفِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما رَحُبَتْ ﴾ مَعْناهُ: بِرُحْبِها، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ما هي في نَفْسِها رَحْبَةٌ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، ﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الهَمَّ والغَمَّ مَلَأها، ﴿ وَظَنُّوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: أيْقَنُوا وحَصَلَ عِلْمٌ لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ لَمّا كانَ هَذا القَوْلُ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدا في تَرْتِيبِهِ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى تَلَقِّي النِعْمَةِ مِن عِنْدِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ القَوْلُ في تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكانَ الِابْتِداءُ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ المُذْنِبِ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ لِيَكُونَ هَذا أشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن فَصاحَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ نَظْمِهِ ومُعْجِزِ اتِّساقِهِ.

وبَيانُ هَذِهِ الآيَةِ ومَواقِعُ ألْفاظِها إنَّما يَكْمُلُ مَعَ مُطالَعَةِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا في الكُتُبِ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنَّما عَظُمَ ذَنْبُهم واسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ الشَرْعَ يَطْلُبُهم مِنَ الجِدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ مِنهُ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إذْ هم أُسْوَةٌ وحُجَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ والطاعِنِينَ، إذْ كانَ كَعْبٌ مِن أهْلِ العَقَبَةِ وصاحَباهُ مَن أهْلِ بَدْرٍ.

وفي هَذا ما يَقْتَضِي أنَّ الرَجُلَ العالِمَ والمُقْتَدى بِهِ أقَلُّ عُذْرًا في السُقُوطِ مِن سِواهُ، وكَتَبَ الأوزاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ في آخِرِ رِسالَةٍ: "واعْلَمْ أنَّ قَرابَتَكَ مِن رَسُولِ اللهِ  لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللهِ عَلَيْكَ إلّا عِظَمًا، ولا طاعَتَهُ إلّا وُجُوبًا، ولا الناسَ فِيما خالَفَ ذَلِكَ مِنكَ إلّا إنْكارًا والسَلامُ"، ولَقَدْ أحْسَنَ القاضِي التَنُوخِيُّ في قَوْلِهِ: والعَيْبُ يُعْلَقُ بِالكَبِيرِ كَبِيرُ وفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ لَيْلَةَ نُزُولِ تَوْبَتِهِمْ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ، وكانَتْ لَهم صالِحَةٌ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ  : "يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ ألا أبْعَثُ إلَيْهِمْ؟

فَقالَ: "إذًا يَحْطِمُكُمُ الناسُ سائِرَ اللَيْلَةِ فَيَمْنَعُوكُمُ النَوْمَ"».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ ، هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ أهْلِ الصِدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَلاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِدْقُ وذَهَبَ بِهِمْ عن مَنازِلِ المُنافِقِينَ، فَجاءَ هَذا الأمْرُ اعْتِراضًا في أثْناءِ الكَلامِ إذْ عَنَّ في القِصَّةِ ما يَجِبُ التَنْبِيهُ عَلى امْتِثالِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ هو صِدْقُ الحَدِيثِ، وقالَ نافِعٌ، والضَحّاكُ ما مَعْناهُ: إنَّ اللَفْظَ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِحَّةِ في الدِينِ والتَمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "عَوْدٌ صِدْقٌ ورَجُلٌ صِدْقٌ"، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ  ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وأخْيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ فِي الإسْلامِ.

و"مَعَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الصُحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَكُونُوا مِنَ الصادِقِينَ"، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلُهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ.

ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وعلى الثلاثة ﴾ معطوف ﴿ على النبي ﴾ [التوبة: 117] بإعادة حرف الجر لبُعد المعطوف عليه، أي وتاب على الثلاثة الذين خلفوا.

وهؤلاء فريق له حالة خاصة من بين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك غير الذين ذكروا في قوله: ﴿ فرح المخلفون بمقعدهم ﴾ [التوبة: 81] الآية، والذين ذكروا في قوله: ﴿ وجاء المعذرون ﴾ [التوبة: 90] الآية.

والتعريف في ﴿ الثلاثة ﴾ تعريف العهد فإنهم كانوا معروفين بين الناس، وهم: كَعب بن مالك من بني سَلِمَة، ومُرارة بن الربيع العَمْري من بني عَمرو بن عَوْف، وهلال بن أمية الواقفي من بني واقف، كلهم من الأنصار تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر.

ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك سألهم عن تخلفهم فلم يكذبوه بالعذر ولكنهم اعترفوا بذنبهم وحزنوا.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامهم، وأمرهم بأن يعتزلوا نساءهم.

ثم عفا الله عنهم بعد خمسين ليلة.

وحديث كعب بن مالك في قصته هذه مع الآخرين في «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» طويل أغر وقد ذكره البغوي في «تفسيره».

و ﴿ خلفوا ﴾ بتشديد اللام مضاعف خَلَف المخفف الذي هو فعل قاصر، معناه أنه وراء غيره، مشتق من الخلف بسكون اللام وهو الوراء.

والمقصود بَقي وراء غيره.

يقال: خَلَف عن أصحابه إذا تخلف عنهم في المشيء يَخْلُف بضم اللام في المضارع، فمعنى ﴿ خُلِّفوا ﴾ خَلّفهم مُخَلِّف، أي تركهم وراءه وهم لم يخلفهم أحد وإنما تخلفوا بفعل أنفسهم.

فيجوز أن يكون ﴿ خلفوا ﴾ بمعنى خلَّفوا أنفسهم على طريقة التجريد.

ويجوز أن يكون تخليفهم تخليفاً مجازياً استعير لتأخير البت في شأنهم، أي الذين خُلفوا عن القضاء في شأنهم فلم يعذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا آيسهم من التوبة كما آيس المنافقين.

فالتخليف هنا بمعنى الإرجاء.

وبهذا التفسير فَسره كعب بن مالك في حديثه المروي في «الصحيح» فقال: وليس الذي ذكر الله مما خُلفنا عن الغزو وإنما تخليفُه إياناً وإرجاؤه أمرنا عَمَّن حَلَف له واعتذر إليه فقُبل منه.

اه.

يعني ليس المعنى أنهم خَلَّفوا أنفسهم عن الغزو وإنما المعنى خلَّفهم أحد، أي جعلهم خَلْفاً وهو تخليف مجازي، أي لم يُقض فيهم.

وفاعل التخليف يجوز أن يراد به النبي صلى الله عليه وسلم أو الله تعالى.

وبناء فعل ﴿ خلفوا ﴾ للنائب على ظاهره، فليس المراد أنهم خلفوا أنفسهم.

وتعليق التخليف بضمير ﴿ الثلاثة ﴾ من باب تعليق الحكم باسم الذات.

والمراد: تعليقه بحاللٍ من أحوالها يعلم من السياق، مثلُ ﴿ حُرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3].

وهذا الذي فَسَّر كعب به هو المناسب للغاية بقوله: ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت ﴾ لأن تخيل ضيق الأرض عليهم وضيققِ أنفسهم هو غاية لإرجاء أمرهم انتهى عندها التخليف، وليس غايةً لتخلفهم عن الغزو، لأن تخلفهم لا انتهاء له.

وضيق الأرض: استعارة، أي حتى كانت الأرض كالضَّيقة عليهم، أي عندهم.

وذلك التشبيه كناية عن غمهم وتنكر المسلمين لهم.

فالمعنى أنهم تخيلوا الأرض في أعينهم كالضيقة كما قال الطرماح: مَلأتُ عليه الأرض حتى كأنها *** من الضيق في عينيه كِفَّة حَابل وقوله: ﴿ بما رحبت ﴾ حال من ﴿ الأرض ﴾ .

والباء للملابسة، أي الأرض الملابسة لسعتها المعروفة.

و ﴿ ما ﴾ مصدرية.

﴿ ورحُبت ﴾ اتسعت، أي تخيلوا الأرض ضيقة وهي الأرض الموصوفة بسعتها المعروفة.

وضيق أنفسهم: استعارة للغم والحزن لأن الغم يكون في النفس بمنزلة الضيق.

ولذلك يقال للمحزون: ضاق صدره، وللمسرور: شُرح صدره.

والظن مستعمل في اليقين والجَزممِ، وهو من معانيه الحقيقية.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ في سورة البقرة (46) وعند قوله تعالى: ﴿ وإنّا لنظنك من الكاذبين ﴾ في سورة الأعراف (66)، أي وأيقنوا أن أمر التوبة عليهم موكول إلى الله دون غيره بما يُوحي به إلى رسوله، أي التجأوا إلى الله دون غيره.

وهذا كناية عن أنهم تابوا إلى الله وانتظروا عفوه.

وقوله: ثم تاب عليهم} عطف على ضاقت عليهم الأرض وما بعده، أي حتى وقع ذلك كله ثم تاب عليهم بعده.

و ﴿ ثُم ﴾ هنا للمهلة والتراخي الزمَني وليست للتراخي الرتبي، لأن ما بعدها ليس أرفع درجة مما قبلها بقرينة السياق، وهو مغن عن جواب (إذا) لأنه يفيد معناه، فهو باعتبار العطف تنهية للغاية، وباعتبار المعطوف دال على الجواب.

واللام في ﴿ ليتوبوا ﴾ للتعليل، أي تاب عليهم لأجل أن يكفوا عن المخالفة ويتنزهوا عن الذنب، أي ليدوموا على التوبة، فالفعل مستعمل في معنى الدوام على التلبس بالمصدر لا على إحداث المصدر.

وليس المراد ليذنبوا فيتوبوا، إذ لا يناسب مقام التنويه بتوبته عليهم.

وجملة ﴿ إن الله هو التواب الرحيم ﴾ تذييل مفيد للامتنان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ يَعْنِي وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ وأُخِّرَتْ عَلَيْهِمْ حِينَ تابَ عَلَيْهِمْ، أيْ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لَمْ يَرْبُطُوا أنْفُسَهم مَعَ أبِي لُبابَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ.

الثّانِي: خُلِّفُوا عَنْ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هُمْ: هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومِرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ.

﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ﴾ لِأنَّ المُسْلِمِينَ امْتَنَعُوا مِن كَلامِهِمْ.

﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ بِما لَقُوهُ مِنَ الجَفْوَةِ لَهم.

﴿ وَظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلا إلَيْهِ ﴾ أيْ تَيَقَّنُوا أنْ لا مَلْجَأ يَلْجَؤُونَ إلَيْهِ في الصَّفْحِ عَنْهم وقَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهم إلّا إلَيْهِ.

﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: بَعْدَ خَمْسِينَ لَيْلَةً مِن مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ  مِن غَزاةِ تَبُوكَ.

﴿ لِيَتُوبُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِيَسْتَقِيمُوا لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ تَوْبَتُهم وإنَّما امْتَحَنَهم بِذَلِكَ اسْتِصْلاحًا لَهم ولِغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، وتَأْوِيلُها: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اليَهُودِ بِمُوسى، ومِنَ النَّصارى بِعِيسى اتَّقُوا اللَّهَ في إيمانِكم بِمُحَمَّدٍ  فَآمِنُوا بِهِ، وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ يَعْنِي مَعَ النَّبِيِّ  وأصْحابِهِ في جِهادِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الثّانِي: أنَّها في المُسْلِمِينَ: وتَأْوِيلُها: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ المُسْلِمِينَ اتَّقُوا اللَّهَ، وفي المُرادِ بِهَذِهِ التَّقْوى وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّقُوا اللَّهَ مِنَ الكَذِبِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الكَذِبَ لا يَصْلُحُ في جِدٍّ ولا هَزْلٍ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَكَذا: مِنَ الصّادِقِينَ.

والثّانِي: اتَّقُوا اللَّهَ في طاعَةِ رَسُولِهِ إذا أمَرَكم بِجِهادِ عَدُوِّهِ.

﴿ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مَعَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حِينَ صَدَقُوا النَّبِيَّ  عَنْ تَأخُّرِهِمْ ولَمْ يَكْذِبُوا.

قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: مَعَ مَن صَدَقَ في قَوْلِهِ ونِيَّتِهِ وعَمَلِهِ وسِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: مَعَ المُهاجِرِينَ لِأنَّهم لَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن منده وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبد الله في قوله وعلى الثلاثة الذين خلفوا قال: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة وكلهم من الأنصار.

وأخرج ابن مردويه عن مجمع بن جارية قال: الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ربعي.

وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال: إن الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك من بني سلمة وهلال بن أمية من بني واقف ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي أوان خرج عامة المنافقين الذين كانوا تخلفوا عنه يتلقونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «لا تكلمن رجلا تخلف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم فلم يكلموهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الذين تخلفوا يسلمون عليه فأعرض عنهم وأعرض المؤمنون عنهم حتى أن الرجل ليعرض عنه أخوه وأبوه وعمه فجعلوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعتذرون بالجهد والأسقام فرحمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعهم واستغفر لهم وكان ممن تخلف عن غير شك ولا نفاق ثلاثة نفر الذين ذكر الله تعالى في سورة التوبة كعب بن مالك السلمي وهلال بن أمية الواقفي ومرارة بن ربيعة العامري» وأخرج ابن منده وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما وعلى الثلاثة الذين خلفوا قال: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقي من طريق الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر.

وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم فأخبرهم وجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان.

قال كعب رضي الله عنه: فقل رجل يريد أن يتغيب إلى ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وآن لها أن تصغر فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئا فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إن أردت.

فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا وفلت الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم- وليت أني أفعل- ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذ خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه من النفاق أو رجلا ممن عذره الله.

ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك «ما فعل كعب بن مالك؟

فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم» قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما راح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي «تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال: ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك؟

فقلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكنه- والله- لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله يسخطك علي ولئن حدثتك الصدق وتجد علي فيه أني لأرجو قرب عتبي من الله والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحدا؟

قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك.

فقلت: من هما؟

قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة حسنة فمضيت حين ذكروهما لي.

قال: ونهى رسول الله الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد السلام علي فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟

قال: فسكت.

قال: فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته قال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.

وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟

فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان- وكنت كاتبا- فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك.

فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء.

فيممت بها التنور فسجرته فيها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك.

فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟

!

قال: بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك.

فقلت لإمرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟

قال: لا ولكن لا يقربنك.

فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي من لدن إن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا.

فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه.

فقلت: والله لا استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب.

قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا.

قال: ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عنا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر.

فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته- والله ما أملك غيرهما يومئذ- فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره.

قال: فكان كعب رضي الله عنه لا ينساها لطلحة.

قال كعب رضي الله عنه: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟

قال: لا بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم قال: أمسك بعض مالك فهو خير لك قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت قال: فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى والله ما تعمدت منذ قلت ذلك إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي وأنزل الله ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ﴾ [التوبة 117 ]إلى قوله وكونوا مع الصادقين فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال ﴿ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ﴾ [التوبة 95 ]إلى قوله الفاسقين قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خلفوا فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو وإنما هو حلف له واعتذر إليه فقبل منه» وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت توبتي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبَّلت يده وركبتيه، وكسوت المبشر ثوبين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ قال: الذين أرجأوا في وسط براءة قوله: ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله ﴾ [ التوبة: 106] هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ مثقلة يقول: عن غزوة تبوك.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك تخلف كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، قال: أما أحدهم فكان له حائط حين زها قد فشت فيه الحمرة والصفرة فقال: غزوت وغزوت وغزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلو أقمت العام في هذا الحائط فأصبت منه.

فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دخل حائطه فقال: ما خلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استبق المؤمنون في الجهاد في سبيل الله إلا ضن بك أيها الحائط، اللهمَّ إني أشهدك أني تصدقت به في سبيلك.

وأما الآخر فكان قد تفرق عنه من أهله ناس واجتمعوا له فقال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت، فلو أني أقمت العام في أهلي.

فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: ما خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استبق إليه المجاهدون في سبيل الله إلا ضن بكم أيها الأهل، اللهم إن لك عليَّ أن لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى أعلم ما تقضي فيَّ.

وأما الآخر فقال: اللهم إن لك عليَّ أن ألحق بالقوم حتى أدركهم أو أنقطع.

فجعل يتتبع الدقع والحزونة حتى لحق بالقوم، فأنزل الله: ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ﴾ قال الحسن رضي الله عنه: يا سبحان الله!

والله ما أكلوا مالاً حراماً، لا أصابوا دماً حراماً، ولا أفسدوا في الأرض، غير أنهم أبطأوا عن شيء من الخير الجهاد في سبيل الله، وقد- والله- جاهدوا وجاهدوا وجاهدوا، فبلغ منهم ما سمعتم فهكذا يبلغ الذنب من المؤمن.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ يعني خلفوا عن التوبة، لم يتب عليهم حتى تاب الله على أبي لبابة وأصحابه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر عن عكرمة في قوله: ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ عن التوبة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة بن خالد المخزومي، أنه كان يقرؤها ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ نصب أي بعد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: دعا الله إلى توبته من قال: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ [ النازعات: 24] .

وقال: ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ [ القصص: 38] ومن آيس العباد من التوبة بعد هؤلاء فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله وهو قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ فبدء التوبة من الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ الآية، هؤلاء هم المعنيون بقوله: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ﴾ الآية، وقد ذكرنا هناك من هم، والمعنى: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا، قال ابن عباس ومجاهد: (خلفوا عن التوبة عليهم) (١) وقال كعب بن مالك الشاعر -وكان أحد الثلاثة الذين تخلفوا بغير عذر-: (ما هذا من تخلفنا إنما هو تأخير رسول الله -  - أمرنا) (٢) ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ قال المفسرون: (ضيق الأرض عليهم بأن المؤمنين منعوا من كلامهم ومعاملتهم، وأمر (٣)  معرضًا عنهم، إلى أن أنزل الله توبتهم وأمر بالرجوع لهم بعد خمسين يومًا (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ يعني ضيق صدورهم بالهم الذي حصل فيها، قال ابن عباس: (يريد من الوحشة) (٧) ﴿ وَظَنُّوا ﴾ أي أيقنوا ﴿ أَ {أَنْ لَا مَلْجَأَ ﴾ معتصم من الله إلا به (٨) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قال صاحب النظم: قول: ﴿ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ﴾ معرفة منهم بالذنب وإضمار للتوبة وطلب لها، والله -عز وجل- يقبل النية الصالحة، فلما كان هذا نيتهم أضمر الله -عز وجل- في الكلام أنه قبل ذلك منهم ورحمهم، ثم نسق بـ (ثم) على هذا الإضمار، على تأويل: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وعلموا (٩) ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ إعادة للتوكيد؛ لأن ذكر التوبة على هؤلاء قد مضى في قوله: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: ازداد لهم رضا وعصمة) (١٠) ومعنى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ أي لطف لهم (١١) (١٢) وقال ابن الأنباري: (معناه: ثم تاب عليهم ليدوموا على التوبة، ولا يراجعوا ما يبطلها، قال: ويجوز أن يكون المعنى: ثم تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة (١٣) (١٤) (١) ذكره عنهما ابن الجوزي 3/ 513، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 529، ورواه عن عكرمة الإمام ابن جرير 11/ 56.

(٢) رواه بنحوه البخاري (4677)، كتاب التفسير، سورة براءة، ومسلم (2769)، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب، والإمام أحمد في "المسند" 4/ 457.

(٣) في (م): (وأمروا).

(٤) في (ى): (ليلة).

(٥) انظر: "تفسير هود" 2/ 174، والماوردي 2/ 413، وابن الجوزي 3/ 513، والرازي 16/ 218.

(٦) يعني عند قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَت  ﴾ .

(٧) لم أقف عليه.

(٨) هكذا في جميع النسخ، ولذا لم أجعل الجملة من القرآن، وتفسير المؤلف للجملة يوحي أنه يريد قول الله تعالى: (من الله إلا إليه) وعبارته في "الوسيط": (لا ملجأ) لامعتصم (من الله) من عذاب الله (إلا إليه) إلا به.

(٩) في (ج): (واعملوا).

(١٠) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 216.

(١١) في (ى): (بهم)، وما في (م) و (ح) موافق لما في "الوسيط" 2/ 533.

(١٢) ساقط من (ى).

(١٣) في (ح): (في التوبة).

(١٤) "تفسير الرازي" 16/ 219 بلا نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ ﴾ هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن غزوة تبوك، من غير عذر ومن غير نفاق ولا قصد للمخالفة، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عتب عليهم، وأمر أن لا يكلمهم أحد، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فبقوا على ذلك مدّة إلى أن أنزل الله توبتهم، وقد روي حديثهم في البخاري ومسلم والسير، ومعنى خُلّفوا هنا: أي عن الغزوة.

وقال كعب بن مالك معناه: خُلفوا عن قبول الضر وليس بالتخلف عن الغزو.

يقوِّي ذلك كونه جعل إذا ضاقت غاية للتخلف ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض ﴾ عبارة عما أصابه من الغم والخوف من الله ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا ﴾ أي رجع بهم ليستقيموا على التوبة ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصادقين ﴾ يحتمل أن يريد صدق اللسان إذا كانوا هؤلاء الثلاثة قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك، ويحتمل أن يريد أعم من صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزائم، والمراد بالصادقين: المهاجرون لقول الله في الحشر: للفقراء المهاجرين، إلى قوله: هم الصادقون وقد احتج بها أبو بكر الصديق على الأنصار يوم السقيفة، فقال: نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا، أي تابعين لنا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فيقتلون ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ويقتلون ﴾ مبنياً للفاعل: حمزة علي وخلف الآخرون على العكس.

﴿ ويقتلون ﴾ بالتشديد: أبو عون عن قنبل.

﴿ إبراهام ﴾ وكذلك ما بعده: هشام ﴿ يزيغ ﴾ بياء الغيبة.

حمزة وحفص والمفضل.

والباقون بتاء التأنيث.

﴿ خلفوا ﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس.

الباقون بالتشديد مجهولاً.

الوقوف: ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ ويقتلون ﴾ ط ﴿ والقرآن ﴾ ط ﴿ بايعتهم به ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لحدود الله ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ إياه ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ج ﴿ حليم ﴾ ه ط ﴿ ما يتقون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ تاب عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿ خلفوا ﴾ ط ﴿ إلا إليه ﴾ ط ﴿ ليتوبوا ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه فقال: ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.

قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله  ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.

قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟

قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.

قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم.

وقال جعفر الصادق  : والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.

واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه.

ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها.

والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع.

وههنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه  هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات.

وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات العاليات؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ وفي قوله ﴿ يقاتلون ﴾ معنى الأمر كقوله ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  ﴾ وهو كالتفسير لتلك المبايعة ﴿ فيقتلون ويقتلون ﴾ أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين.

ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان.

ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ .

والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال  لعلي  : " لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس" ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال: "هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قوله ﴿ وعداً عليه ﴾ قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ كأنه قيل: وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال ﴿ ومن أوفى ﴾ استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد ﴿ من الله ﴾ لأنه الغني عن كل الحاجات القادر على كل المقدورات.

وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: ﴿ إن الله اشترى ﴾ وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً.

ومنها أنه قال ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة.

ومنها قوله ﴿ وعداً ﴾ و ﴿ إنه لا يخلف الميعاد ﴾ .

ومنها قوله ﴿ عليه ﴾ وكلمة "على" للوجوب ظاهراً.

ومنها قوله: ﴿ حقاً ﴾ وهو تأكيد التحقيق.

ومنها قوله: ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة.

ومنها قوله: ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف ألبتة.

ومنها قوله: ﴿ فاستبشروا ﴾ والبشارة الخبر الصدق الأول.

ومنها قوله: ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ ثم وصف الفوز بـ ﴿ العظيم ﴾ واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها ﴿ ذلك الفوز ﴾ بغير "هو" وإنه في ستة مواضع: في "براءة" موضعان، وفي "النساء والمائدة والصف والتغابن" وما في "النساء" بزيادة واو.

والآخر ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ بزيادة "هو" وذلك في ستة مواضع أخرى في "براءة" موضعان و "يونس" و "المؤمن" و "الدخان" و "الحديد" وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في "المؤمن".

وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها.

وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة.

وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد.

وكذلك في "المؤمن" وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية ﴿ فاغفر ﴾ ﴿ وقهم ﴾ ﴿ وأدخلهم ﴾ قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله  للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة.

ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: ﴿ التائبون ﴾ قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى  ﴾ وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في ﴿ يقاتلون ﴾ وقيل: مبتدأ خبره ﴿ العابدون ﴾ وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.

أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق.

ومال آخرون الى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص ﴿ والعابدون ﴾ قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم.

وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع.

وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.

و ﴿ الحامدون ﴾ هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ و ﴿ السائحون ﴾ قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله: " سياحة أمتي الصيام" .

ثم قيل: هذا صوم الفرض.

وقيل: الذين يديمون الصيام.

قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم.

وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع.

وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول.

وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل.

قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثراً عظيماً في تكميل النفس لأنه يلقى أنواعاً من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على الله فيصير ذلك ملكه له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال والأخلاق والسير والآثار ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ يعني المصلين قال بعض العلماء: إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود.

وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع.

ثم قال: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن ههنا بحثاً آخر وهو أنه لم أدخل الواو في قوله: ﴿ والناهون ﴾ ﴿ والحافظون ﴾ دون سائر الأوصاف؟

وأجيب بأن النسق يجيء بالواو وبغيرها كقوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب  ﴾ أو المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه الواو تنبيهاً على هذه المخالفة والمباينة.

ولبعض النحويين جواب عام يشمل هذه الآية وما في "الكهف" في قوله: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم  ﴾ وما في "الزمر" في قوله في ذكر الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وما في "التحريم" في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وذلك أنهم سموا هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها في القرآن والأخبار.

فالثمانية تجري مجرى استنئاف كلام فلهذا فصل بالواو.

وأما قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ فكإجمال بعد تفصيل؛ وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات.

وإنها إما لجلب المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية.

فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها.

والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها كحالة الإحرام.

ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في المسجد.

والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال والبحث عنها إما من جهة الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بيع العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئاً في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع الكاليء بالكالىء المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس.

وأما دفع المضار والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو السرقة.

وههنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولاً إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى والبينات.

فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله  وأحكامه وحدوده، وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.

ولكن قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ يشمل ذلك أيضاً بل رعايته أهم من رعاية أحوال الظواهر.

ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه.

ولما بين من أول السورة إلى ههنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضاً وإن كانوا أقارب فقال: ﴿ ما كان للنبي ﴾ ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك.

ثم علل المنع بقوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال  : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فطلب غفرانهم جارٍ مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا يستجاب له.

وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا بالغ فيه بقوله: ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله  - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية - فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.

فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟

فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب.

فقال النبي  : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآيتان.

وقيل عن ابن عباس: لما افتتح  مكة سأل أي أبويه أحدث به  عهداً أي آخرهما موتاً؟

فقيل: أمك آمنة.

فزار  قبرها ثم قام باكياً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل عليّ ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآية.

فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة في آخر القرآن نزولاً، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام.

ويمكن أن يوجه الأول بأنه  لعله بقي مستغفراً إلى حين نزول الآية.

ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد.

﴿ فلما تبين ﴾ لإبراهيم ﴿ أنه عدو لله ﴾ إما بإصراره على الكفر أو بموته على ذلك أو بطريق الوحي ﴿ تبرأ منه ﴾ وترك الاستغفار.

ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم  ويوافقه قراءة الحسن ﴿ وعدها أباه ﴾ بالباء الموحدة وذلك في قوله: ﴿ لأستغفرن لك  ﴾ وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه.

وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع إلى الله  أن يرزقه الإيمان.

وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة فكان قوله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم  ﴾ في حق المنافقين خاصة وهذه في حق الكافرين عامة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال أهل اللغة: أوّاه "فعال" مأخوذ من حروف "أوه" كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، وعن النبي  أنه قال: "الأوّاه الخاشع المتضرع" والحلم ضد السفه، وصفه  بشدّة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى أولى.

ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال أو يخذلهم أو يوقع الضالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به العقاب ﴿ بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ ما يجب عليهم أن يحترزوا عنه.

والحاصل أن الله لا يسمي قوماً ضلالاً بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب الخمر والربا قبل تحريمهما.

وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض المحظورات داخلاً في حكم الضلال.

ثم قال: ﴿ إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ﴾ والمراد أن من كان عالماً قادراً هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب.

وأجيب بأن له ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر عادة، وفي قوله: ﴿ إن الله له ملك السموات والأرض ﴾ فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية نصرته لمن أراد استظهاراً للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب والأنصار كأنه قال: وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي.

ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الآية.

ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها.

فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم.

الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى.

والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي  بقوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم  ﴾ ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله  أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص.

ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب.

السؤال الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟

فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته.

والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد.

وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿ لا تنفروا في الحر  ﴾ وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله  في غزوة الخندق ﴿ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر  ﴾ الثالث: ما معنى ﴿ كاد يزيغ ﴾ وكيف إعرابه؟

والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد.

معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر.

وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان.

وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا.

وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية.

الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ ؟

الجواب إن عاد الضمير في ﴿ عليهم ﴾ الى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي  والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك.

وإليه الإشارة بقوله:  : "إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" .

وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ يريد ازداد عنهم رضا.

ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿ إنه بهم رؤوف رحيم ﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة.

أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.

الخامس: الثلاثة الذين خلفوا من هم؟

الجواب هم المرجون لأمر الله كما مرّ، سّمُّوا مخلفين كما سمو مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد أولئك.

وقيل: لأنهم خلفوا عن الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين.

وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، وقرأ جعفر الصادق  : ﴿ خالفوا ﴾ .

﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ﴾ مع سعتها وهو مثل للحيره في الأمر، ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور ﴿ وظنوا ﴾ أي علموا وتيقنوا ﴿ أن لا ملجأ من ﴾ سخط ﴿ الله إلا ﴾ إلى استغفاره كقوله  : "أعوذ بك منك" .

وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون المدة قصيرة وجواب "إذا" محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، وحسن حذفه لتقدم ذكره.

عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله  سلمت عليه فرد عليّ كالمغضب بعدما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه.

فقال: معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا - أيها الثلاثة - فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع - وهو جبل بالمدينة - أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي ﴿ وضاقت عليهم الأرض بما رحبت  ﴾ وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله  فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة.

وقال رسول الله  وهو يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية.

سئل أبو بكر الورّاق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.

السادس: قد عرفنا فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ ؟

الجواب معناه رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علماً منهم بأن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم.

وقالت الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله  حتى إنه لو لم يتب عليهم لم يتوبوا.

وأيضاً قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر، ثم إنه  لم يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوماً.

ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أوّل الأمر فلهذا تأخر القبول دليله قوله  : ﴿ حتى إذا ضاقت ﴾ الآية.

ثم حث  المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل الصدق لا النفاق فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية.

قال بعض العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة.

والكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين.

ثم إنه ثبت بالتواتر من دين محمد  أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة علىالمكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصاً بالكون مع الرسول وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك.

ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصراً في الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على شيء كانوا صادقين فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهراً وباطناً.

وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا عليه من الطاعة نية وقولاً وعملاً.

وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في الصدق والثبات.

وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، وقيل: الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري.

وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته.

ومن خصائص الصدق ما روي أن أعرابياً جاء إلى رسول الله  وقال: إني أريد أن أؤمن بك إلا إني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم.

فلما خرج من عند رسول الله  عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله  عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله  وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل.

ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرّده وكفره استنكف منه حتى استثنى في قوله ﴿ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين  ﴾ .

ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذباً عند المعتزلة وكونه مفضياً إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم.

التأويل: ﴿ إن الله اشترى ﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة.

﴿ التائبون ﴾ عما سوى الله ﴿ العابدون ﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿ الحامدون ﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿ السائحون ﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿ الراكعون ﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿ الساجدون ﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿ الآمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي ﴿ الناهون ﴾ عما سواه ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره.

﴿ ما كان للنبي ﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿ إن إبراهيم لأواه ﴾ الأواه هو المتبرىء من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق.

﴿ حليم ﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال  لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا ﴿ وما كان الله ليضل قوماً ﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿ بعد إذ هداهم ﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن الله  بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.

﴿ إن الله له ملك السموات ﴾ سموات القلوب ﴿ والأرض ﴾ أرض النفوس ﴿ يحيي ﴾ بنور ربوبيته ﴿ من يشاء ويميت ﴾ عن صفات بشريته ﴿ من يشاء ومالكم من دون الله من ولي ﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي  على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها.

أو نقول ﴿ لقد تاب الله ﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿ والأنصار ﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل.

﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم ﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ...

﴾ الآية.

قال بعض من أهل التأويل: تاب الله عليهم لزلات سبقت منهم، ولهفوات تقدمت من غير أن كان منهم زلات في هذا - يعني: [في] غزوة تبوك - وهفوات، أما التوبة على النبي فقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ  ﴾ وعلى المهاجرين والأنصار ما كان منهم يوم أحد ويوم حنين، و[هو] قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: تاب عليهم لهفوات كانت منهم في غزوة تبوك، هموا أن ينصرفوا في غير وقت الانصراف على غير إذن لشدائد أصابتهم، فقال: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، لما هموا بالانصراف في غير وقت الانصراف.

ويشبه أن تكون التوبة التي ذكر على وجهين سوى ما ذكروا: [أحدهما]: وهو أنه تاب عليهم، أي: جدد عليهم التوبة للهفوات التي تقدمت، أو الثبات عليها من غير أن كان منهم في الحدوث شيء، ولكن يكون لذلك حكم التجديد أو الثبات عليها كسؤال الهدى [وهم] على الهدى؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ .

[وقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ أي: يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الوقت آمنوا في حادث الوقت، أو اثبتوا على ذلك؛ فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله]: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: جدد عليهم التوبة من غير أن كان منهم هفوة، أو ثبتهم على التوبة التي كانت منهم.

والثاني: أنه ذكر التوبة، وذلك أنهم حيث صبروا على ما أصابهم من الشدائد والجهد، كشف الله عنهم أشياء كانت مستورة عندهم وجلالهم أغطية كانت لا تنجلي لهم من قبل، لكن انجلى ذلك لهم وانكشف؛ لصبرهم على الشدائد التي أصابتهم؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ ، لما صبروا على ما أصابهم من المصائب ازداد لهم تفويض وتسليم الأمر والمرجع إليه؛ وكقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ...

 ﴾ الآية، ازداد لهم بما صبروا هدى وتجلى لهم أشياء لهم لم تكن من قبل؛ فعلى ذلك يحتمل التوبة التي ذكر أنهم لما صبروا على ما أصابهم من الشدة والجهد، تجلت لهم أشياء كانت مغطاة - والله أعلم - فإنه ذكر: ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ ، [ولم يذكر أنها زاغت وذكر قلوب فريق منهم] ولم يذكر قلوب الكل فهو ما ذكرنا.

ويحتمل ذكر التوبة على النبي على الإشراك مع المؤمنين من غير أن كان له ذنب؛ لأنه أخبر أن ذنبه مغفور بقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  ﴾ ، فهو كما أشركه في الاستغفار؛ بقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، أمره بالاستغفار لذنبه على الإشراك له مع استغفار المؤمنين؛ إذ أخبر أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

والتوبة من الله  تخرج على وجوه: أحدها: التوفيق وفقهم للتوبة وأكرمهم بها؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ  ﴾ أي: وفقهم للتوبة فتابوا.

والثاني: التوبة منه قبولها منهم، أي: يقبل منهم التوبة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ  ﴾ .

والثالث: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: تجاوز عنهم وعفا وصفح عنهم.

على هذه الوجوه الثلاثة تخرج إضافة التوبة إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ ﴾ .

قيل: في عسرة النفقة وعسرة الظهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ .

ذكر في بعض القصة أنه قد أصابهم من الجهد والشدة حتى أن الرجلين يقسمان التمرة بينهما، وكانوا يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها الماء، ثم يمصها هذا، ذكر نحو هذا، ولكن لا ندري كيف كان الأمر سوى أنه أخبر أن قلوبهم كادت تزيغ من الجهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ ﴾ .

[قال بعضهم: خلفوا] عن التوبة؛ نحو قوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ  ﴾ .

فكانوا يبتهلون ويدعون الله حتى تاب الله عليهم فتابوا.

وقال قائلون: خلفوا عن رسول الله لما تقدمهم القوم، فهم المخلفون بتقدم أولئك.

وقال قائلون: خلفوا خلفهم الله، أي: خلفهم.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ ﴾ هم الذين تخلفوا فخلفهم رسول الله، وهو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ .

يحتمل هذا على التحقيق، ويحتمل أن يكون على التمثيل.

وللتحقيق وجهان: أحدهما: ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ : ما ذكر أنهم شدوا أنفسهم بالسواري والأسطوانات، وأتوا بأموالهم التي منعتهم عن الخروج مع رسول الله، وتصدقوا بالأرضين التي منعتهم عن الخروج، وضاقت عليهم الأرض بعد ما كانت عليهم متسعة يتسعون فيها؛ لأنه ذكر في القصة أن واحداً من هؤلاء ممن حبسته أرضه عن الخروج فتصدق بها على الفقراء، وكان له التوسع بتلك الأرض ثم ضاقت عليه.

والثاني: ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ : لما حبسوا أنفسهم عن أراضيهم، وتركوا شهواتهم وأمانيهم وما يتلذذون به؛ ذلك ضيق الأرض.

﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ : لما شدوا أنفسهم بالأسطوانات.

ويحتمل أن يكون على التمثيل؛ وذلك أن الخوف إذا اشتد بالإنسان وبلغ غايته حتى يمنعه عن القرار في الأرض والتلذذ فيها يقال: ضاقت عليه الأرض بسعتها، وضاقت عليهم أنفسهم؛ لما ذكر كان الناس لا يكلمونهم ولا يخالطونهم ولا يبايعونهم ولا يكلمهم أهاليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ﴾ .

قال بعضهم: ظنوا أن لا نجاة من عقوبة الله إلا عفوه، أي: أيقنوا أن لا مخلص لهم ولا احتراز [لهم] من عقابه.

وقيل: ظنوا أن لا ملجأ من عذاب الله إلا إلى رحمته.

وقيل: وظنوا أن لا ملجأ من رسول الله [إلا إلى الله؛ لأنه ذكر أنهم سألوا رسول الله] التجاوز عن ذلك فلم يجبهم، فأيقنوا عند ذلك أن المفزع والملجأ إلى الله لا إلى أحد دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ .

أي: وفقهم للتوبة فتابوا.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: يقبل التوبة، أي: قابلها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد تاب الله على الثلاثة، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية؛ الذين خُلِّفُوا عن التوبة وأُخِّرَ قبول توبتهم بعد تخلُّفهم عن الخروج مع رسول الله  إلى تبوك، فأمر النبي  الناس بهجرانهم، وأصابهم حزن وغم على ذلك حتَّى ضاقت عليهم الأرض على سعتها، وضاقت صدورهم بما حصل لهم من الوحشة، وعلموا أنْ لا ملجأ لهم يلجؤون إليه إلا إلى الله وحده، فرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبل توبتهم، إنه هو التواب على عباده، الرحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.zM4Jl"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر