الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١١٩ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
؛ ولهذا قال : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) أي : اصدقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم ، ومخرجا ، وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن شقيق ؛ عن عبد الله ، هو ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالصدق ؛ فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإياكم والكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب ، حتى يكتب عند الله كذابا " .
أخرجاه في الصحيحين .
وقال شعبة ، عن عمرو بن مرة ، سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، أنه قال : [ إن ] الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ، اقرءوا إن شئتم : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين ) - هكذا قرأها - ثم قال : فهل تجدون لأحد فيه رخصة .
وعن عبد الله بن عمر : ( اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
وقال الضحاك : مع أبي بكر وعمر وأصحابهما .
وقال الحسن البصري : إن أردت أن تكون مع الصادقين ، فعليك بالزهد في الدنيا ، والكف عن أهل الملة .
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين، معرِّفَهم سبيل النجاة من عقابه، والخلاصِ من أليم عذابه: (يا أيها الذين آمنوا)، بالله ورسوله =(اتقوا الله)، وراقبوه بأداء فرائضه، وتجنب حدوده =(وكونوا)، في الدنيا، من أهل ولاية الله وطاعته, تكونوا في الآخرة =(مع الصادقين)، في الجنة.
يعني: مع من صَدَق اللهَ الإيمانَ به، فحقَّق قوله بفعله، ولم يكن من أهل النفاق فيه، الذين يكذِّب قيلَهم فعلُهم.
وإنما معنى الكلام: وكونوا مع الصادقين في الآخرة باتقاء الله في الدنيا, كما قال جل ثناؤه: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [سورة النساء: 69].
* * * وإنما قلنا ذلك معنى الكلام, لأن كون المنافق مع المؤمنين غيرُ نافعه بأيّ وجوه الكون كان معهم، إن لم يكن عاملا عملهم.
وإذا عمل عملهم فهو منهم, وإذا كان منهم، كان وجْهُ الكلام أن يقال: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، (57) ولتوجيه الكلام إلى ما وجَّهنا من تأويله، فسَّر ذلك من فسَّره من أهل التأويل بأن قال: معناه: وكونوا مع أبي بكر وعمر, أو: مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين رحمة الله عليهم.
* * * * ذكر من قال ذلك أو غيره في تأويله: 17451- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن زيد بن أسلم, عن نافع في قول الله: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، قال: مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
17452- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حبويه أبو يزيد, عن يعقوب القمي, عن زيد بن أسلم, عن نافع قال: قيل للثلاثة الذين خُلِّفوا: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، محمدٍ وأصحابه.
17453- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن عبد الرحمن المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: (وكونوا مع الصادقين) ، قال: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما، رحمةُ الله عليهم.
17454-......
قال، حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا إسحاق بن بشر الكاهلي قال، حدثنا خلف بن خليفة, عن أبي هاشم الرمّاني, عن سعيد بن جبير في قول الله: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، قال: مع أبي بكر وعمر، رحمة الله عليهما.
(58) 17455- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، قال: مع المهاجرين الصادقين.
* * * وكان ابن مسعود فيما ذكر عنه يقرؤه: (وَكُونُوا مِن الصَّادِقينَ)، ويتأوّله: أنّ ذلك نَهْىٌ من الله عن الكذب.
* ذكر الرواية عنه بذلك: 17456- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة, عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يقول: قال ابن مسعود: إن الكذب لا يحلُّ منه جدٌّ ولا هزلٌ, اقرءوا إن شئتم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ)، قال: وكذلك هي قراءة ابن مسعود: (من الصادقين), فهل ترون في الكذب رُخْصَة؟
17457-......
قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شعبة, عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة, عن عبد الله, نحوه.
17458-......
قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة يحدِّث عن عبد الله قال: الكذب لا يصلح منه جدٌّ ولا هزل, اقرءوا إن شئتم.(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ) = وهي كذلك في قراءه عبد الله = فهل ترون من رخصة في الكذب؟
17459- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن عبد الله قال: لا يصلح الكذب في هزلٍ ولا جدٍّ.
ثم تلا عبد الله: (اتقوا الله وكونوا) ، ما أدري أقال: (من الصادقين) أو (مع الصادقين) ، وهو في كتابي: (مع الصادقين).
17460-......
قال، حدثنا أبي, عن الأعمش, عن مجاهد, عن أبي معمر, عن عبد الله, مثله.
17461-......
قال، حدثنا أبي, عن الأعمش, عن عمرو بن مرة, عن أبي عبيدة, عن عبد الله, مثله.
* * * قال أبو جعفر: والصحيح من التأويل في ذلك، هو التأويل الذي ذكرناه عن نافع والضحاك.
وذلك أنّ رسوم المصاحف كلّها مجمعة على: (وكونوا مع الصادقين) ، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحدٍ القراءةَ بخلافها.
* * * وتأويل عبد الله، رحمة الله عليه، في ذلك على قراءته، تأويلٌ صحيح, غير أن القراءة بخلافها.
------------------------ الهوامش : (57) في المطبوعة : " كان لا وجه في الكلام أن يقال " ، غير ما في المخطوطة ، والذي فيها ما أثبته ، وهو مستقيم صحيح .
والذي جاء به من عنده مفسد للكلام .
(58) الأثر : 17454 - " أبو هاشم الرماني " ثقة ، روى له الجماعة .
مختلف في اسمه ، مضى برقم : 10818 .
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقينفيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : وكونوا مع الصادقين هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل المنافقين .
قال مطرف : سمعت مالك بن أنس يقول : قلما كان رجل صادقا لا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف .واختلف في المراد هنا بالمؤمنين والصادقين على أقوال ; فقيل : هو خطاب لمن آمن من أهل الكتاب .
وقيل : هو خطاب لجميع المؤمنين ; أي اتقوا مخالفة أمر الله .
وكونوا مع الصادقين أي مع الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا مع المنافقين .
أي كونوا على مذهب الصادقين وسبيلهم .
وقيل : هم الأنبياء ; أي كونوا معهم بالأعمال الصالحة في الجنة .
وقيل : هم المراد بقوله : ليس البر أن تولوا وجوهكم - الآية إلى قوله - أولئك الذين صدقوا .
وقيل : هم الموفون بما عاهدوا ; وذلك لقوله تعالى : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقيل : هم المهاجرون ; لقول أبي بكر يوم السقيفة إن الله سمانا الصادقين فقال : للفقراء المهاجرين الآية ، ثم سماكم بالمفلحين فقال : والذين تبوءوا الدار والإيمان الآية .
وقيل : هم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم .
قال ابن العربي : وهذا القول هو الحقيقة والغاية التي إليها المنتهى فإن هذه الصفة يرتفع بها النفاق في العقيدة والمخالفة في الفعل ، وصاحبها يقال له الصديق كأبي بكر وعمر وعثمان ومن دونهم على منازلهم وأزمانهم .
وأما من قال : إنهم المراد بآية البقرة فهو معظم الصدق ويتبعه الأقل وهو معنى آية الأحزاب .
وأما تفسير أبي بكر الصديق فهو الذي يعم الأقوال كلها فإن جميع الصفات فيهم موجودة .[ ص: 206 ] الثانية : حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال ، والإخلاص في الأعمال ، والصفاء في الأحوال ، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار ; قال صلى الله عليه وسلم : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا .
والكذب على الضد من ذلك ; قال صلى الله عليه وسلم : إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا خرجه مسلم .
فالكذب عار وأهله مسلوبو الشهادة ، وقد رد صلى الله عليه وسلم شهادة رجل في كذبة كذبها .
قال معمر : لا أدري أكذب على الله أو كذب على رسوله أو كذب على أحد من الناس .
وسئل شريك بن عبد الله فقيل له : يا أبا عبد الله ، رجل سمعته يكذب متعمدا أأصلي خلفه ؟
قال لا .
وعن ابن مسعود قال : إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ، ولا أن يعد أحدكم شيئا ثم لا ينجزه ، اقرءوا إن شئتم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين هل ترون في الكذب رخصة ؟
وقال مالك : لا يقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال غيره : يقبل حديثه .
والصحيح أن الكاذب لا تقبل شهادته ولا خبره لما ذكرناه ; فإن القبول مرتبة عظيمة وولاية شريفة لا تكون إلا لمن كملت خصاله ولا خصلة هي أشر من الكذب فهي تعزل الولايات وتبطل الشهادات .
أي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} باللّه، وبما أمر اللّه بالإيمان به، قوموا بما يقتضيه الإيمان، وهو القيام بتقوى اللّه تعالى، باجتناب ما نهى اللّه عنه والبعد عنه. {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم، وأحوالهم لا تكون إلا صدقا خلية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. قال الله تعالى: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} الآية.
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) قال نافع : مع محمد وأصحابه .
وقال سعيد بن جبير : مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وقال ابن جريج : مع المهاجرين ، لقوله تعالى : " للفقراء المهاجرين " إلى قوله " أولئك هم الصادقون " ( الحشر - 8 ) .
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : مع الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاص نية .
وقيل : مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة .
وكان ابن مسعود يقرأ : ( وكونوا مع الصادقين ) وقال ابن مسعود : إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ينجز له ، اقرءوا إن شئتم وقرأ هذه الآية .
«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله» بترك معاصيه «وكونوا مع الصادقين» في الإيمان والعهود بأن تلزموا الصدق.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه في كل ما تفعلون وتتركون، وكونوا مع الصادقين في أَيمانهم وعهودهم، وفي كل شأن من شؤونهم.
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتقوا الله حق تقاته وأن يكونوا مع الصادقين ، وأوجب عليهم الغزة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعدهم عليه بجزيل الثواب ، وتوعد المتخلفين عنه بشديد العقاب فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ .
.
.
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .والمعنى : يا من آمنتم بالله واليوم الآخر .
.
اتقوا الله حق تقاته ، بأن تفعلوا ما كلفكم به .
وتتركوا ما نهاكم عنه ، ( وَكُونُواْ مَعَ الصادقين ) فى دين الله نية وقولا وعملا وإخلاصا؛ فإن الصدق ما وجد فى شئ إلا زانه ، وما وجد الكذب فى شئ إلا شأنه .قال القرطبى : حق من فهم عن الله وعقل منه : أن يلازم الصدق فى الأقوال والإِخلاص فى الأعمال ، والصفاء فى الأحوال ، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى ربنا الغفار .قال - صلى الله عليه وسلم - " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا " .والكذب على الضد من ذلك .
قال - صلى الله عليه وسلم - " إياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " .فالكذب عار ، وأهله مسلوبو الشهادة ، وقد رد - صلى الله عليه وسلم - شهاد رجل من كذبه كذبها .
وسئل شريك بن عبد الله فقيل له : يا أبا عبد الله ، رجل سمعته يكذب متعمدا ، أصلى خلفه؟
قال : لا .
واعلم أنه تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة، ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى، وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله ﴾ في مخالفة أمر الرسول ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصادقين ﴾ يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع الصادقين فلابد من وجود الصادقين في كل وقت، وذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل، ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل، وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقين.
فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد بقوله: ﴿ كُونُواْ مَعَ الصادقين ﴾ أي كونوا على طريقة الصادقين، كما أن الرجل إذا قال لولده: كن مع الصالحين، لا يفيد إلا ذلك سلمنا ذلك، لكن نقول: إن هذا الأمر كان موجوداً في زمان الرسول فقط، فكان هذا أمراً بالكون مع الرسول، فلا يدل على وجود صادق في سائر الأزمنة سلمنا ذلك، لكن لم لا يجوز أن يكون الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة؟
والجواب عن الأول: أن قوله: ﴿ كُونُواْ مَعَ الصادقين ﴾ أمر بموافقة الصادقين، ونهى عن مفارقتهم، وذلك مشروط بوجود الصادقين وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فدلت هذه الآية على وجود الصادقين.
وقوله: إنه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين.
فنقول: إنه عدول عن الظاهر من غير دليل.
قوله: هذا الأمر مختص بزمان الرسول عليه الصلاة والسلام.
قلنا: هذا باطل لوجوه: الأول: أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على المكلفين إلى قيام القيامة، فكان الأمر في هذا التكليف كذلك.
والثاني: أن الصيغة تتناول الأوقات كلها بدليل صحة الاستثناء.
والثالث: لما لم يكن الوقت المعين مذكوراً في لفظ الآية لم يكن حمل الآية على البعض أولى من حمله على الباقي، فأما أن لا يحمل على شيء من الأوقات فيفضي إلى التعطيل وهو باطل، أو على الكل وهو المطلوب، والرابع: وهو أن قوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله ﴾ أمر لهم بالتقوى، وهذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون متقياً، وإنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالة على أن من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتدياً بمن كان واجب العصمة، وهم الذين حكم الله تعالى بكونهم صادقين، فهذا يدل على أنه واجب على جائز الخطأ كونه مع المعصوم عن الخطأ حتى يكون المعصوم عن الخطأ مانعاً لجائز الخطأ عن الخطأ، وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان، فوجب حصوله في كل الأزمان.
قوله: لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل زمان؟
قلنا: نحن نعترف بأنه لابد من معصوم في كل زمان، إلا أنا نقول: ذلك المعصوم هو مجموع الأمة، وأنتم تقولون: ذلك المعصوم واحد منهم، فنقول: هذا الثاني باطل، لأنه تعالى أوجب على كل واحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين، وإنما يمكنه ذلك لو كان عالماً بأن ذلك الصادق من هو لا الجاهل بأنه من هو، فلو كان مأموراً بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق، وأنه لا يجوز، لكنا لا نعلم إنساناً معيناً موصوفاً بوصف العصمة، والعلم بأنا لا نعلم هذا الإنسان حاصل بالضرورة، فثبت أن قوله: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصادقين ﴾ ليس أمراً بالكون مع شخص معين، ولما بطل هذا بقي أن المراد منه الكون مع مجموع الأمة، وذلك يدل على أن قول مجموع الأمة حق وصواب ولا معنى لقولنا الإجماع إلا ذلك.
المسألة الثانية: الآية دالة على فضل الصدق وكمال درجته، والذي يؤيده من الوجوه الدالة على أن الأمر كذلك وجوه: الأول: روي أن واحداً جاء إلى النبي عليه السلام وقال: إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب، والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقال عليه السلام اترك الكذب فقبل ذلك ثم أسلم، فلما خرج من عند النبي عليه السلام عرضوا عليه الخمر، فقال: إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها ثم عرضوا عليه الزنا، فجاء ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة، فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي علي، وتاب عن الكل.
الثاني: روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر والبر يقرب إلى الجنة، وإن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقاً وإياكم والكذب، فإن الكذب يقرب إلى الفجور.
والفجور يقرب إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، ألا ترى أنه يقال صدقت وبررت وكذبت وفجرت.
الثالث: قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ إن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء، لأنه لو لم يذكره لصار كاذباً في ادعاء إغواء الكل، فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء، وإذا كان الكذب شيئاً يستنكف منه إبليس، فالمسلم أولى أن يستنكف منه.
الرابع: من فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، واختلف الناس في أن المقتضي لقبحه ما هو؟
فقال أصحابنا: المقتضي بقبحه هو كونه مخلاً لمصالح العالم ومصالح النفس، وقالت المعتزلة: المقتضى لقبحه هو كونه كذباً ودليلنا قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ على مَا فَعَلْتُمْ نادمين ﴾ يعني لا تقبلوا قول الفاسق فربما كان كذباً، فيتولد عن قبول ذلك الكذب فعل تصيرون نادمين عليه، وذلك يدل على أنه تعالى إنما أوجب رد ما يجوز كونه كذباً لاحتمال كونه مفضياً إلى ما يضاد المصالح، فوجب أن يكون المقتضى لقبح الكذب إفضاءه إلى المفاسد، واحتج القاضي على قوله بأن من دفع إلى طلب منفعة أو دفع مضرة وأمكنه الوصول إلى ذلك بأن يكذب وبأن يصدق فقد علم ببديهة العقل أنه لا يجوز أن يعدل عن الصدق إلى الكذب، ولو أمكنه أن يصل إلى ذلك بصدقين لجاز أن يعدل من أحدهما إلى الآخر، فلو كان الكذب يحسن لمنفعة أو إزالة مضرة لكان حاله حال الصدق.
ولما لم يكن كذلك علم أنه لا يكون إلا قبيحاً، ولأنه لو جاز أن يحسن لوجب أن يجوز أن يأمر الله تعالى به إذا كان مصلحة، وذلك يؤدي إلى أن لا يوثق بأخباره، هذا ما ذكره في التفسير فيقال له في الجواب عن الأول إن الإنسان لما تقرر عنده من أول عمره تقبيح الكذب لأجل كونه مخلاً لمصالح العالم صار ذلك نصب عينه وصورة خياله فتلك الصورة النادرة إذا اتفقت للحكم عليها حكمت العادة الراسخة عليها بالقبح، فلو فرضتم كون الإنسان خالياً عن هذه العادة وفرضتم استواء الصدق والكذب في الإفضاء إلى المطلوب، فعلى هذا التقدير لا نسلم حصول الترجيح، ويقال له في الجواب عن الحجة الثانية، إنكم تثبتون امتناع الكذب على الله تعالى بكونه قبيحاً لكونه كذباً، فلو أثبتم هذا المعنى بامتناع صدوره عن الله لزم الدور وهو باطل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَعَ الصادقين ﴾ وقرئ: ﴿ من الصادقين ﴾ وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولاً وعملاً، أو الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم لله ورسوله على الطاعة من قوله: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23] وقيل: هم الثلاثة، أي كونوا مثل هؤلاء في صدقهم وثباتهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب، أي كونوا مع المهاجرين والأنصار، ووافقوهم وانتظموا في جملتهم، واصدقوا مثل صدقهم.
وقيل لمن تخلف من الطلقاء عن غزوة تبوك.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: لا يصلح الكذب في جدّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجزه.
اقرءوا إن شئتم: وكونوا مع الصادقين فهل فيها من رخصة؟
﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم في الشدائد ما تلقاه نفسه، علماً بأنها أعزُّ نفس عند الله وأكرمها عليه.
فإذا تعرضت مع كرامتها وعزّتها للخوض في شدّة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرّضت له، ولا يكترث لها أصحابها ولا يقيموا لها وزناً، وتكون أخفّ شيء عليهم وأهونه، فضلاً عن أن يربئوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهي بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما دلّ عليه قوله: ما كان لهم أن يتخلفوا من وجوب مشايعته، كأنه قيل ذلك الوجوب ﴿ ب ﴾ سبب ﴿ إِنَّهُمْ لا يُصِيبَهُم ﴾ شيء من عطش، ولا تعب، ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم.
ولا يتصرفون في أرضهم تصرفاً يغيظهم ويضيق صدورهم ﴿ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً ﴾ ولا يرزءونهم شيئاً بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ واستوجبوا الثواب ونيل الزلفى عند الله، وذلك مما يوجب المشايعة.
ويجوز أن يراد بالوطء الإيقاع والإبادة، لا الوطء بالأقدام والحوافر، كقوله عليه السلام: «آخر وطأة وطئها الله بوج» والموطئ.
إما مصدر كالمورد وإما مكان فإن كان مكاناً فمعنى يغيظ الكفار: يغيظهم وطئه والنيل أيضاً يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً، وأن يكون بمنعى المنيل.
ويقال: نال منه إذا رزأه ونقصه، وهو عام في كل ما يسؤوهم وينكبهم ويلحق بهم ضرراً.
وفيه دليل على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وكذلك الشرّ.
وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أنّ المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك لنا الجيش في الغنيمة، لأنّ وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.
ولقد أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لابني عامر، وقد قدما بعد تقضي الحرب، وأمدّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه المهاجر بن أبي أمية وزياد بن أبي لبيد بعكرمة بن أبي جهل مع خمسمائة نفس، فلحقوا بعد ما فتحوا فأسهم لهم.
و عند الشافعي: لا يشارك المدد الغانمين، وقرأ عبيد ابن عمير: ﴿ ظماء ﴾ بالمدح يقال: ظمئ ظماءة وظماء ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ﴾ ولو تمرة ولو علاقة سوط ﴿ وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة ﴿ وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم، والوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل، وهو في الأصل (فاعل) من ودى إذا سال.
ومنه الودي.
وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض.
يقولون: لا تصلّ في وادي غيرك ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ﴾ ذلك من الإنفاق وقطع الوادي: ويجوز أن يرجع الضمير فيه إلى عمل صالح وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ﴾ متعلق بكتب أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعَلى الثَّلاثَةِ ﴾ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ.
﴿ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ أوْ خَلَفَ أمْرُهم فَإنَّهُمُ المُرْجَئُونَ.
﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ﴾ أيْ بِرَحَبِها لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ.
﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ قُلُوبُهم مِن فَرْطِ الوَحْشَةِ والغَمِّ بِحَيْثُ لا يَسَعُها أُنْسٌ ولا سُرُورٌ.
﴿ وَظَنُّوا ﴾ وعَلِمُوا.
﴿ أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن سُخْطِهِ.
﴿ إلا إلَيْهِ ﴾ إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ.
﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ.
﴿ لِيَتُوبُوا ﴾ أوْ أنْزَلَ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيُعَدُّوا مِن جُمْلَةِ التّائِبِينَ، أوْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى تَوْبَتِهِمْ.
﴿ إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ ﴾ لِمَن تابَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ.
﴿ الرَّحِيمُ ﴾ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما لا يَرْضاهُ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ وعُهُودِهِمْ، أوْ في دِينِ اللَّهِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا.
وقُرِئَ « مِنَ الصّادِقِينَ» أيْ في تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ وأضْرابُهم.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين} في إيمانهم دون
المنافقين أو مع الذين لم يتخلفوا أو مع الذين صدقوا في دين الله نية وقولاً وعملاً والآية تدل على أن الاجماع حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فلزم قبول قولهم
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما لا يَرْضاهُ ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ 119﴾ أيْ مِثْلَهم في صِدْقِهِمْ: وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (وكُونُوا مِنَ الصّادِقِينَ) وكَذا رَوى البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ كَذَلِكَ والخِطابُ قِيلَ: لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَكُونُ المُرادُ بِالصّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ ومُعاهَدَتِهِمُ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الطّاعَةِ: وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عامًّا لَهم ولِغَيْرِهِمْ فَيَكُونُ المُرادُ بِالصّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الدِّينِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا وأنْ يَكُونَ خاصًّا بِمَن تَخَلَّفَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِالسَّوارِي فالمُناسِبُ أنْ يُرادَ بِالصّادِقِينَ الثَّلاثَةُ أيْ كُونُوا مِثْلَهم في الصِّدْقِ وخُلُوصِ النِّيَّةِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ نافِعٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا والمُرادُ بِالصّادِقِينَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ كُونُوا مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وآخَرُونَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَكُونُوا مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأصْحابِهِما وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ المُرادَ كُونُوا مَعَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وبِهَذا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الشِّيعَةِ عَلى أحَقِّيَّتِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالخِلافَةِ، وفَسادُهُ عَلى فَرْضِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ ظاهِرٌ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالثَّلاثَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْخِطابِ والظّاهِرُ عُمُومُ الخِطابِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ التّائِبُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وكَذا عُمُومُ مَفْعُولِ ﴿ اتَّقُوا ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ المُعامَلَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِ المَغازِي دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْضًا وكَذا عُمُومُ ﴿ الصّادِقِينَ ﴾ ويُرادُ بِهِمْ ما تَقَدَّمَ عَلى احْتِمالِ عُمُومِ الخِطابِ وفِي الآيَةِ ما لا يَخْفى مِن مَدْحِ الصِّدْقِ واسْتُدِلَّ بِها كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ مَن لَمْ يُبِحِ الكَذِبَ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ لا تَصْرِيحًا ولا تَعْرِيضًا وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لا يَصْلُحُ الكَذِبُ في جِدٍّ ولا هَزْلٍ ولا أنْ يَعِدَ أحَدُكم صِبْيَتَهُ شَيْئًا ثُمَّ لا يُنْجِزُهُ وتَلا الآيَةَ والأحادِيثَ في ذَمِّهِ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى والحَقُّ إباحَتُهُ في مَواضِعَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «كُلُّ الكَذِبِ يُكْتَبُ عَلى ابْنِ آدَمَ إلّا رَجُلٌ كَذَبَ في خَدِيعَةِ حَرْبٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أوْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ امْرَأتَهُ لِيُرْضِيَها» وكَذا إباحَةُ المَعارِيضِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، - أي اخشوا الله ولا تعصوه، وهم من أسلم من أهل الكتاب وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١) إلى الغزو بإخلاص نية، ويقال: هذا الخطاب للمنافقين الذين كانوا يعتذرون بالكذب، ومعناه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في العلانية اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي مع الذين صدقوا.
وروي عن كعب بن مالك أنه قال: فينا نزلت: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وقال الكلبي: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ يعني: المهاجرين والأنصار الذين صلوا إلى القبلتين، وقال مقاتل: هم الذين وصفهم الله تعالى في آية أخرى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور: 62] الآية ويقال: مَعَ الصَّادِقِينَ في إيمانهم، يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضوان الله عليهم أجمعين حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال: أمروا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.
قوله تعالى: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ، يعني: المنافقين الذين بالمدينة وحوالي المدينة.
أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في الغزو وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، يعني: لا ينبغي أن يكونوا بأنفسهم أبرّ وأشفق من نفس محمد .
وأن يتركوا محبته، ويقال: وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ، يعني: لا يركنوا بإبقاء أنفسهم على إبقاء نفسه، يعني: ينبغي لهم أن يتبعوه حيث ما يريد.
ذلِكَ، يعني: النهي عن التخلف، ويقال: ذلك التحضيض الذي حضّهم عليه.
بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ في غزوهم ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ، يعني: ولا تعب ولا مشقة في أجسادهم.
ثم قال: وَلا مَخْمَصَةٌ، يعني: مجاعة.
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً، يعني: لا يطئون أرضاً وموضعاً من سهل أو جبل.
يَغِيظُ الْكُفَّارَ، يعني: يحزن الكفار بهم، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، يعني: لا يصيبون من عدو قتلاً أو غارة أو هزيمة، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، يعني: يضاعف حسناتهم على حسنات القاعدين إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، يقول: لا يبطل ثواب المجاهدين.
وفي هذه الآية دليل أن ما أصاب الإنسان من الشدة يكتب له بذلك ثواب.
قال بعضهم: لا يكتب له بالشدة ثواب، ولكن يحط عنه الخطيئة، وقال بعضهم: لا يكون بالمشقة أجر، ولكن بالصبر على ذلك.
ثم قال تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً يعني: في الجهاد صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً، يعني: قليلاً ولا كثيراً.
وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً من الأودية مقبلين إلى العدو أو مدبرين إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ يعني كتب لهم ثواب لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يقول: ليجزيهم بأعمالهم، ويقال يجزيهم أحسن من أعمالهم، لأنه يعطي بحسنة واحدة عشرة، إلى سبعمائة، إلى ما لا يدرك حسابه، ويقال: ليجزيهم بأحسن أعمالهم وتصير سائر أعمالهم فضلا.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
<div class="verse-tafsir"
الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرة رحمه اللَّه: قال بعضُ أهْل التوفيق: إِذا نزلَتْ بي نازلةٌ مَا مِنْ أي نوع كانَتْ، فَأُلْهِمْتُ فيها اللَّجَأَ، فلا أبالي بها، / واللَّجَأُ على وجوه منها: الاشتغال بالذِّكْرِ والتعبُّدِ وتفويض الأمر له عزَّ وجلَّ، لقوله تعالى على لسان نبيه: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلتي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين» «١» ، ومنها: الصَّدَقة، ومنها: الدعاء، فكيفَ بالمَجْمُوع.
انتهى.
وقوله سبحانه: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا لما كان هذا القولُ في تعديد النعم، بدأ في ترتيبه بالجهَة الَّتي هي عن الله عز وجلّ ليكون ذلك مِنْها على تلقِّي النعمة مِنْ عنده لا رَبَّ غيره، ولو كان هذا القولُ في تعديد ذَنْبٍ، لكان الابتداء بالجهة التي هي على المذنب، كما قال عز وجل: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥] ليكون ذلك أشدَّ تقريراً للذنْب عليهم، وهذا مِنْ فصاحة القُرآن وبديعِ نظمِهِ ومُعْجِزِ اتساقه.
وبيانُ هذه الآيةِ ومواقعِ ألفاظها إِنما يَكْمُلُ مع مطالعة حديثِ الثلاثة الذين خُلِّفوا في الكُتُب المذكورة، فَانظره، وإِنما عَظُم ذنبهم، واستحقوا عليه ذلك، لأن الشرع يطلبهم مِنَ الجِدِّ فيه بحَسَب منازلهم منه، وتقدُّمهم فيه إِذ هم أُسْوة وحُجَّة للمنافقين، والطاعنين، إِذ كان كعْبٌ من أهْل العقبة، وصاحباه من أهْل بدر، وفي هذا ما يقتضي أَنَّ الرجُلَ العَالِمَ والمُقْتَدَى به أَقلُّ عذراً في السقوطِ مِنْ سواه، وكَتَب الأوزاعيُّ رحمه اللَّه إلى أبي جَعْفَرِ المنصورِ في آخر رسالةٍ: واعلم أَنَّ قرابتك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ إِلاَّ عَظِماً، ولا طاعَتَهُ إِلا وجُوباً، ولا النَّاسَ فيما خالف ذلك منك إلّا إنكارا، والسلام.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ هذا الأمر بالكوْن مع الصَّادقين حَسَنٌ بعد قصَّة الثلاثة حين نَفَعَهم الصِّدْق، وذَهَبَ بهم عن منازل المنافقين،
وكان ابنُ مسعودٍ يتأوَّل الآية في صِدْق الحديث «١» ، وإِليه نحا كَعْبُ بنُ مالك.
وقوله سبحانه: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ...
الآية هذه الآية معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يَثْرِبَ وقبائل العرب المُجَاورة لها، على التخلُّف عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوةٍ، وقُوَّةُ الكلام تعطي الأمر بِصُحْبَتِهِ أَيْنَ ما توجَّه غازياً وبَذْلِ النفوس دونه، و «المخُمَصَة» مَفْعَلَةٌ من خُمُوص البَطْنِ، وهو ضُمُوره واستعير ذلك لحالة الجُوع، إِذ الخُمُوص ملازمٌ له، ومن ذلك قولُ الأَعْشَى: [الطويل]
تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاَءً بُطُونُكُمْ ...
وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى «٢» يَبِتْنَ خَمَائِصَا «٣»
وقوله: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا: لفظٌ عامٌّ لقليلِ ما يصنعه المؤمنون بالكَفَرةِ- من أخْذ مالٍ، أو إِيراد هوانٍ- وكثيره ونَيْلًا: مصدر نَالَ يَنَالُ وفي الحديث: «مَا ازداد قومٌ مِنْ أَهْلِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بُعْداً إِلاَّ ازدادوا مِنَ اللَّهِ قُرْباً» .
ت: وروى أَبو داود في «سننه» ، عن أبي مالكٍ الأشعريّ، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، وإِنَّ لَهُ الْجَنَّةَ» ، انتهى «٤» .
قال ابنُ العربي «٥» في «أحكامه» : قَوْلُه عزَّ وجلَّ: وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ: يعني إِلاَّ كُتِبَ لهم ثوابُهُ، وكذلك قال في المجاهد: «إِنَّ أَرْوَاثَ دَوَابِّهِ وأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٌ له» وَكَذَلِكَ أَعطَى سبحانه لأَهْل العُذْر من الأجر ما أعطى للقويّ العامل بفضله،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ الثَّلاثَةِ المُتَخَلِّفِينَ.
والثّانِي: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ.
والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا بِمُوسى وعِيسى اتَّقُوا اللَّهَ في إيمانِكم بِمُحَمَّدٍ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ.
وَفِي المُرادِ بِالصّادِقِينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النَّبِيُّ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
وقَدْ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ومُعاذٌ القارِئُ: "مَعَ الصّادِقِينَ" بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ النُّونِ عَلى التَّثْنِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا صَدَقُوا النَّبِيَّ عَنْ تَأخُّرِهِمْ قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ، لِأنَّهم لَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وقِيلَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآَيَةِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ مَن هُمْ؟
قالَتِ الأنْصارُ: أنْتُمْ هم.
قالَ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ فَأمَرَكم أنْ تَكُونُوا مَعَنا، ولَمْ يَأْمُرْنا أنْ نَكُونَ مَعَكُمْ، فَنَحْنُ الأُمَراءُ وأنْتُمُ الوُزَراءُ.
والخامِسُ: أنَّهُ عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
"وَمَعَ" بِمَعْنى "مِن" وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وكُونُوا مِنَ الصّادِقِينَ" .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ تابَ اللهُ عَلى النَبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَلى الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمُ لِيَتُوبُوا إنَّ اللهِ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ التَوْبَةُ مِنَ اللهِ رُجُوعُهُ بِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها، فَقَدْ تَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا مِن حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطاعَةِ، وقَدْ تَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَبِيِّ لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالِهِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وأجْرِها وتَحَمُّلِ مَشَقّاتِها إلى حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن تَقْصِيرٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي كادَ أنْ يَزِيغَ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالِ غُفْرانٍ ورِضا.
واتَّبَعُوهُ مَعْناهُ: دَخَلُوا في أمْرِهِ وانْبِعاثِهِ ولَمْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ يُرِيدُ: في وقْتِ العُسْرَةِ، فَأنْزَلَ الساعَةَ مَنزِلَةَ المُدَّةِ والوَقْتِ والزَمَنِ وإنْ كانَ عُرْفُ الساعَةِ في اللُغَةِ أنَّهُ لِما قَلَّ مِنَ الزَمَنِ كالقِطْعَةِ مِنَ النَهارِ.
ألا تَرى قَوْلَهُ في رَواحِ يَوْمِ الجُمْعَةِ: "فِي الساعَةِ الأُولى وفي الثانِيَةِ" الحَدِيثُ، فَهي هُنا تَجَوُّزٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ الساعَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها عَزْمُهم وانْقِيادُهم لِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ إذِ السُفْرَةُ كُلُّها تَبَعٌ لِتِلْكَ الساعَةِ وبِها وفِيها يَقَعُ الأجْرُ عَلى اللهِ وتَرْتَبِطُ النِيَّةُ، فَمَنِ اعْتَزَمَ عَلى الغَزْوِ وهو مُعْسِرٌ فَقَدِ اتَّبَعَ في ساعَةِ العُسْرَةِ، ولَوِ اتَّفَقَ أنْ يَطْرَأ لَهم غِنًى في سائِرِ سَفْرَتِهِمْ لَما اخْتَلَّ كَوْنُهم مُتَّبِعِينَ في ساعَةِ عُسْرَةِ، والعُسْرَةُ: الشِدَّةُ وضِيقُ الحالِ والعُدْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ ، وهَذا هو جَيْشُ العُسْرَةِ الَّذِي قالَ رَسُولُ اللهِ فِيهِ: « "مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِألْفِ جَمَلٍ وألْفِ دِينارٍ.
ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قَلَبَ الدَنانِيرَ بِيَدِهِ وقالَ: "وَما عَلى عُثْمانَ ما عَمِلَ بَعْدَ هَذا؟"، وجاءَ أيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِسَبْعِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ،» وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ العُسْرَةَ بَلَغَتْ بِهِمْ في تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ إلى أنْ قَسَّمُوا التَمْرَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ كانَ النَفَرُ يَأْخُذُونَ التَمْرَةَ الواحِدَةَ فَيَمْضُغُها أحَدُهم ويَشْرَبُ عَلَيْها الماءَ ثُمَّ يَفْعَلُ كُلُّهم بِها ذَلِكَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأصابَهم في بَعْضِها عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَشْرَبُونَ ما في كُرُوشِها مِنَ الماءِ ويَعْصِرُونَ الفَرْثَ حَتّى اسْتَسْقى لَهم رَسُولُ اللهِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما رَجَعَهُما حَتّى انْسَكَبَتْ سَحابَةٌ فَشَرِبُوا وادَّخَرُوا ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَإذا السَحابَةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العَسْكَرِ، وحِينَئِذٍ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: وهَلْ هَذِهِ إلّا سَحابَةٌ مَرَّتْ؟
وكانَتِ الغَزْوَةُ في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَ الناسُ كَثِيرًا فَقَلَّ الظَهْرُ فَجاءَتْهُمُ العُسْرَةُ مِن جِهاتٍ، ووَصَلَ رَسُولُ اللهِ إلى أوائِلِ بَلَدِ العَدُوِّ فَصالَحَهُ أهْلُ أذْرَجَ وأيْلَةَ، وغَيْرُهُما عَلى الجِزْيَةِ ونَحْوِها، وانْصَرَفَ.
وأمّا الزَيْغُ الَّذِي كادَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم أنْ تُواقِعَهُ فَقِيلَ: هَمَّتْ فِرْقَةٌ بِالِانْصِرافِ لَمّا لَقُوا مِنَ المَشَقَّةِ والعُسْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقِيلَ: زَيْغُها إنَّما كانَ بِظُنُونٍ لَها ساءَتْ في مَعْنى عَزْمِ رَسُولِ اللهِ عَلى تِلْكَ الغَزْوَةِ لِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ وبُعْدِ المَشَقَّةِ وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَزِيغُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى لَفْظِ القُلُوبِ.
ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ الدالَ في التاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِيغُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى جَمْعِ القُلُوبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن بَعْدِ ما كادَتْ تَزِيغُ".
وَأمّا "كادَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِها ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ أوَّلُها وأقْواها: القِصَّةُ والشَأْنُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وتَرْتَفِعُ "القُلُوبُ" -عَلى هَذا- بِـ "تَزِيغُ"، والثانِي: أنْ يَرْتَفِعَ بِها ما يَقْتَضِيهِ ذِكْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوَّلًا، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ: "القَوْمُ"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، والثالِثُ: أنْ يَرْتَفِعَ بِها "القُلُوبُ" ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "تَزِيغُ" ضَمِيرُ "القُلُوبِ"، وجازَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا التَقْدِيمَ لِلْخَبَرِ يُرادُ بِهِ التَأْخِيرُ، وشُبِّهَتْ "كادَ" بِـ "كانَ" لِلُزُومِ الخَبَرِ لَها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في "عَسى".
ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ تابَ أيْضًا عَلى هَذا الفَرِيقِ وراجَعَ بِهِ، وأنِسَ بِإعْلامِهِ لِلْأُمَّةِ بِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، والثَلاثَةُ هُمْ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ العامِرِيُّ، ويُقالُ: ابْنُ رَبِيعَةَ، ويُقالُ: ابْنُ رِبْعِيِّ، وقَدْ خَرَجَ حَدِيثُهم بِكَمالِهِ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وهو في السَيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا سَوْقَهُ.
وهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِيهِمْ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ ، ومَعْنى: خُلِّفُوا: أُخِّرُوا وتُرِكَ أمْرُهم ولَمْ تُقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةٌ ولا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خُلِّفُوا عَنِ المُعْتَذِرِينَ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ خُلِّفُوا ﴾ أيْ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ وقَدْ رَدَّهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ نَفْسُهُ وقالَ: مَعْنى خُلِّفُوا: تُرِكُوا عن قَبُولِ العُذْرِ، ولَيْسَ بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ جَعْلُهُ ﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ ﴾ غايَةً لِلتَّخَلُّفِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عن تَخْلِيفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ عن تَخْلِيفِهِمْ عن قَبُولِ العُذْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلِّفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وشَدِّ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ هارُونَ المَخْزُومِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللامِ غَيْرَ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "خَلِفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وتَخْفِيفِ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "خالَفُوا" والمَعْنى قَرِيبُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَعَلى الثَلاثَةِ المُخَلَّفِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما رَحُبَتْ ﴾ مَعْناهُ: بِرُحْبِها، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ما هي في نَفْسِها رَحْبَةٌ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، ﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الهَمَّ والغَمَّ مَلَأها، ﴿ وَظَنُّوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: أيْقَنُوا وحَصَلَ عِلْمٌ لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ لَمّا كانَ هَذا القَوْلُ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدا في تَرْتِيبِهِ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى تَلَقِّي النِعْمَةِ مِن عِنْدِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ القَوْلُ في تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكانَ الِابْتِداءُ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ المُذْنِبِ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ لِيَكُونَ هَذا أشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن فَصاحَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ نَظْمِهِ ومُعْجِزِ اتِّساقِهِ.
وبَيانُ هَذِهِ الآيَةِ ومَواقِعُ ألْفاظِها إنَّما يَكْمُلُ مَعَ مُطالَعَةِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا في الكُتُبِ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنَّما عَظُمَ ذَنْبُهم واسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ الشَرْعَ يَطْلُبُهم مِنَ الجِدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ مِنهُ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إذْ هم أُسْوَةٌ وحُجَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ والطاعِنِينَ، إذْ كانَ كَعْبٌ مِن أهْلِ العَقَبَةِ وصاحَباهُ مَن أهْلِ بَدْرٍ.
وفي هَذا ما يَقْتَضِي أنَّ الرَجُلَ العالِمَ والمُقْتَدى بِهِ أقَلُّ عُذْرًا في السُقُوطِ مِن سِواهُ، وكَتَبَ الأوزاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ في آخِرِ رِسالَةٍ: "واعْلَمْ أنَّ قَرابَتَكَ مِن رَسُولِ اللهِ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللهِ عَلَيْكَ إلّا عِظَمًا، ولا طاعَتَهُ إلّا وُجُوبًا، ولا الناسَ فِيما خالَفَ ذَلِكَ مِنكَ إلّا إنْكارًا والسَلامُ"، ولَقَدْ أحْسَنَ القاضِي التَنُوخِيُّ في قَوْلِهِ: والعَيْبُ يُعْلَقُ بِالكَبِيرِ كَبِيرُ وفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ لَيْلَةَ نُزُولِ تَوْبَتِهِمْ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ، وكانَتْ لَهم صالِحَةٌ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ : "يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ ألا أبْعَثُ إلَيْهِمْ؟
فَقالَ: "إذًا يَحْطِمُكُمُ الناسُ سائِرَ اللَيْلَةِ فَيَمْنَعُوكُمُ النَوْمَ"».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ ، هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ أهْلِ الصِدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَلاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِدْقُ وذَهَبَ بِهِمْ عن مَنازِلِ المُنافِقِينَ، فَجاءَ هَذا الأمْرُ اعْتِراضًا في أثْناءِ الكَلامِ إذْ عَنَّ في القِصَّةِ ما يَجِبُ التَنْبِيهُ عَلى امْتِثالِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ هو صِدْقُ الحَدِيثِ، وقالَ نافِعٌ، والضَحّاكُ ما مَعْناهُ: إنَّ اللَفْظَ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِحَّةِ في الدِينِ والتَمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "عَوْدٌ صِدْقٌ ورَجُلٌ صِدْقٌ"، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وأخْيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ فِي الإسْلامِ.
و"مَعَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الصُحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَكُونُوا مِنَ الصادِقِينَ"، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلُهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ.
ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
الظاهر أن هذه الآية خاتمة للآي السابقة وليست فاتحة غرض جديد.
ففي «صحيح البخاري» من حديث كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك أنه قال: «فوالله ما أعلم أحداً...
أبْلاه الله في صدق الحديث أحسنَ مما أبْلاني ما تعمدتُ منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذباً وأنزل الله على رسوله ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ [التوبة: 117 119] اه.
فهذه الآية بمنزلة التذييل للقصة فإن القصة مشتملة على ذكر قوم اتقوا الله فصدقوا في إيمانهم وجهادهم فرضي الله عنهم، وذِكر قوم كذبوا في ذلك واختلقوا المعاذير وحلفوا كذباً فغضب الله عليهم، وقوم تخلفوا عن الجهاد وصدقوا في الاعتراف بعدم العذر فتاب الله عليهم، فلما كان سبب فوز الفائزين في هذه الأحوال كلها هو الصدق لا جرم أمر الله المؤمنين بتقواه وبأن يكونوا في زمرة الصادقين مثل أولئك الصادقين الذين تضمنتهم القصة.
والأمر ب ﴿ كونوا مع الصادقين ﴾ أبلغ في التخلق بالصدق من نحو: اصدقوا.
ونظيره ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ [البقرة: 43].
وكذلك جَعله بعد (من) التبعيضية وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿ أبى واستكبر وكان من الكافرين ﴾ [البقرة: 43] ومنه قوله: ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ [البقرة: 67].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ يَعْنِي وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ وأُخِّرَتْ عَلَيْهِمْ حِينَ تابَ عَلَيْهِمْ، أيْ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لَمْ يَرْبُطُوا أنْفُسَهم مَعَ أبِي لُبابَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ.
الثّانِي: خُلِّفُوا عَنْ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هُمْ: هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومِرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ.
﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ﴾ لِأنَّ المُسْلِمِينَ امْتَنَعُوا مِن كَلامِهِمْ.
﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ بِما لَقُوهُ مِنَ الجَفْوَةِ لَهم.
﴿ وَظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلا إلَيْهِ ﴾ أيْ تَيَقَّنُوا أنْ لا مَلْجَأ يَلْجَؤُونَ إلَيْهِ في الصَّفْحِ عَنْهم وقَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهم إلّا إلَيْهِ.
﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: بَعْدَ خَمْسِينَ لَيْلَةً مِن مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ مِن غَزاةِ تَبُوكَ.
﴿ لِيَتُوبُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِيَسْتَقِيمُوا لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ تَوْبَتُهم وإنَّما امْتَحَنَهم بِذَلِكَ اسْتِصْلاحًا لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، وتَأْوِيلُها: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اليَهُودِ بِمُوسى، ومِنَ النَّصارى بِعِيسى اتَّقُوا اللَّهَ في إيمانِكم بِمُحَمَّدٍ فَآمِنُوا بِهِ، وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ يَعْنِي مَعَ النَّبِيِّ وأصْحابِهِ في جِهادِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الثّانِي: أنَّها في المُسْلِمِينَ: وتَأْوِيلُها: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ المُسْلِمِينَ اتَّقُوا اللَّهَ، وفي المُرادِ بِهَذِهِ التَّقْوى وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّقُوا اللَّهَ مِنَ الكَذِبِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الكَذِبَ لا يَصْلُحُ في جِدٍّ ولا هَزْلٍ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَكَذا: مِنَ الصّادِقِينَ.
والثّانِي: اتَّقُوا اللَّهَ في طاعَةِ رَسُولِهِ إذا أمَرَكم بِجِهادِ عَدُوِّهِ.
﴿ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مَعَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حِينَ صَدَقُوا النَّبِيَّ عَنْ تَأخُّرِهِمْ ولَمْ يَكْذِبُوا.
قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: مَعَ مَن صَدَقَ في قَوْلِهِ ونِيَّتِهِ وعَمَلِهِ وسِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: مَعَ المُهاجِرِينَ لِأنَّهم لَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن نافع في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ قال: نزلت في الثلاثة الذين خلفوا: قيل لهم: كونوا مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأخرج ابن المنذر عن كعب بن مالك قال: فينا نزلت أيضاً ﴿ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ قال: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ قال: مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الضحاك في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ قال: امروا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ قال: مع علي بن أبي طالب.
وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر في قوله: ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ قال: مع علي بن أبي طالب.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ قال: كونوا مع كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن مسعود قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئاً ثم لا ينجزه، اقرأوا إن شئتم ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ قال: وهي في قراءة عبد الله هكذا، قال: فهل تجدون لأحد رخصة في الكذب.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ .
وأخرج أبو داود الطيالسي والبخاري في الأدب وابن عدي والبيهقي في الشعب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار، ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن عدي والبيهقي وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فأن الصدق يهدي إلى البر، وأن البر يهدي إلى الجنة، وأن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» .
وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس اجتنبوا الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإنه يقال: صدق وبر وكذب وفجر» .
وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب «عن أبي مالك الجشمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أرأيت لو كان لك عبدان أحدهما يخونك ويكذبك حديثاً، والآخر لا يخونك ويصدقك حديثاً أيهما أحب إليك؟
قال: قلت: الذي لا يخونني ويصدقني حديثاً، قال: كذلك أنتم عند ربكم عز وجل» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له، إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق صدق وبر، ويقال للكاذب كذب وفجر، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ويكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أسماء بنت يزيد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب كما يتتابع الفراش في النار، كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب، أو إصلاح بين إثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها» .
وأخرج البيهقي عن النوّاس بن سمعان الكلابي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب، أو إصلاح بين إثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها» .
وأخرج البيهقي عن ابن شهاب قال: ليس بكذاب من درأ عن نفسه.
وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعفه عن أبي بكر رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الكذب مجانب للإِيمان» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن عدي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإِيمان.
قال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف.
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب» .
وأخرج ابن عدي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب» .
وأخرج ابن عدي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليطبع على خلال شتى من الجود والبخل وحسن الخلق، ولا يطبع المؤمن على الكذب، ولا يكون كذاباً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال: يبنى الإِنسان على خصال، فمهما بني عليه فإنه لا يبنى على الخيانة والكذب.
وأخرج مالك والبيهقي عن صفوان بن سليم أنه قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جباناً؟
قال «نعم.
قيل: أيكون المؤمن بخيلاً؟
قال: نعم.
قيل: أيكون المؤمن كذاباً؟
قال: لا» .
وأخرج البيهقي وأبو يعلى وضعفه عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكذب يسوّد الوجه، والنميمة عذاب القبر» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت «ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة» .
وأخرج أحمد وهناد بن السري رضي الله عنه في الزهد وابن عدي والبيهقي عن النوّاس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق وأنت به كاذب» .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أسماء بنت عميس قالت «كنت صاحبة عائشة التي هيأتها، فأدخلتها على النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة، فما وُجدنا عنده قرى إلا قدح من لبن، فتناوله فشرب منه ثم ناوله عائشة، فاستحيت منه فقلت: لا تردي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأخذته فشربته، ثم قال: ناولي صواحبك.
فقلت: لا نشتهيه.
فقال: لا تجمعن كذباً وجوعاً.
فقلت: إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهي أيعدُّ ذلك كذباً.
فقال: إن الكذب يكتب كذباً، حتى الكذيبة تكتب كذيبة» .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتنا وأنا صبي صغير، فذهبت ألعب فقالت أمي لي: يا عبد الله تعال أعطيك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أردت أن تعطيه؟
قالت: أردت أن أعطيه تمراً قال: إما أنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة» .
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وصححه والدارمي وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والبيهقي والضياء عن الحسن بن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة» .
وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته «إن أعظم الخطيئة عند الله اللسان الكاذب» .
وأخرج ابن عدي عن أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصدق أمانة والكذب خيانة» .
وأخرج ابن ماجة والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: قلنا يا رسول الله من خير الناس؟
قال «ذو القلب المحموم واللسان الصادق، قلنا: قد عرفنا اللسان الصادق فما القلب المحموم؟
قال: التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد.
قلنا يا رسول الله: فمن على أثره؟
قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة، قلنا ما نعرف هذا فينا إلا رافعاً مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن على أثره؟
قال: مؤمن في حسن خلق.
قلنا: أما هذا ففينا» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن عمر بن الخطاب قال: لا تجد المؤمن كذاباً.
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: «لا تنظروا إلى صلاة أحد ولا إلى صيامه، ولكن انظروا إلى من إذا حدث صدق، وإذا ائتمن أدى، وإذا أشفى ورع» .
وأخرج البيهقي عن أنس قال: إن الرجل ليحرم قيام الليل وصيام النهار بالكذبة يكذبها.
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن محمد بن سيرين قال: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف.
وأخرج البيهقي عن مطر الوراق قال: خصلتان إذا كانتا في عبد كان سائر عمله تبعاً لهما، حسن الصلاة وصدق الحديث.
وأخرج البيهقي عن الفضيل قال: لم يتزين الناس بشيء أفضل من الصدق، وطلب الحلال.
وأخرج البيهقي عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: أبرار الدنيا الكذب وقلة الحياء، من طلب الدنيا بغيرهما فقد أخطأ الطريق والمطلب، وأبرار الآخرة، الحياء والصدق، فمن طلب الآخرة بغيرهما فقد أخطأ الطريق والمطلب.
وأخرج البيهقي عن يوسف بن أسباط قال: يرزق العبد بالصدق ثلاث خصال، الحلاوة والملاحة والمهابة.
وأخرج البيهقي عن أبي روح حاتم بن يوسف قال: أتيت باب الفضيل بن عياض فسلمت عليه فقلت: يا أبا علي معي خمسة أحاديث إن رأيت أن تأذن لي فأقرأ.
فقال لي: اقرأ.
فقرأت فإذا هي ستة فقال لي: أن قم يا بني تعلم الصدق ثم اكتب الحديث.
وأخرج ابن عدي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» .
وأخرج ابن عدي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في المعاريض ما يغني الرجل العاقل عن الكذب» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، قال ابن عباس ومقاتل: (يعني به مؤمني أهل الكتاب يأمرهم بالجهاد وأن يكونوا مع المهاجرين) (١) ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [وفي الحشر ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ \[الحشر:\]] (٢) وقال نافع (٣) والأنبياء) (٤) (٥) و (مع) تقتضي المصاحبة، والمعنى على (٦) في الشدة والرخاء، قاله أبو إسحاق (٧) (١) انظر قول ابن عباس في: "تفسير هود بن محكم" 2/ 174، والزمخشري 2/ 219 وانظر قول مقاتل -وهو ابن حيان- في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1906، والماوردي 2/ 413 وقد ذكر قولهما المؤلف في "الوسيط" 2/ 533، وليس هناك دليل على تخصيص مؤمني أهل الكتاب بالخطاب، والأصل حمل كلام الله على العموم، فالخطاب موجه إلى كافة المؤمنين في كل زمان ومكان.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٣) هو: نافع المدني أبو عبد الله القرشي مولاهم، مولى ابن عمر وراويته، الإمام المثبت المفتي، عالم أهل المدينة، وأحد فقهائها، مات سنة 117 هـ.
انظر: "تذكرة الحفاظ" 1/ 99، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 95، و"تقريب التهذيب" ص 559 (7086).
(٤) رواه ابن جرير عن نافع بلفظ محمد وأصحابه 11/ 63، والثعلبي 6/ 16 ب، والبغوي 4/ 109، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1906 عنه عن ابن عمر، ولفظه عندهم جميعًا: مع محمد وأصحابه.
(٥) رواه عنهما ابن جرير 11/ 63.
(٦) في (ح): (علم)، وسقطت الكلمة من (ى)، وما أثبته من (م) موافق لما في "الوسيط" 2/ 533 ونص العبارة في "المصدر السابق": (..
وكونوا مع الصادقين) على نسق الكلام يدل على أنهم أمروا ...
إلخ.
أقول: وقد ذكر الزجاج قولًا آخر في الآية فقال: (يجوز أن يكون ممن يصدق ولا يكذب في قول ولا فعل)، وذكر هذا القول أيضًا ابن جرير 11/ 63 تفسيرًا لقراءة ابن مسعود (وكونوا من الصادقين) لكنه لم يرتض هذا المعنى محتجًا بأنه مخالف للقراءة الموافقة لرسم المصحف، واحتجاجه هذا فيه نظر؛ لأن (مع) في لغة العرب للصحبة اللائقة، ولا تستلزم المخالطة والممازجة، بل تختلف باختلاف مصحوبها، فكون الله تعالى مع المتقين لون، وكون عقل الإنسان معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره معه لون ..
وهكذا، فإذا علم هذا كان المعنى اللائق بقوله تعالى: ﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ كونوا منهم؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يكون مع مجموعة جمعهم الصدق إلا إذا كان صادقًا موافقًا لهم في الخصلة الي جمعتهم.
والله أعلم.
وانظر مبحث المعية في " مختصر الصواعق المرسلة" 2/ 265، و"لسان العرب" (معع) 7/ 4234، و"البحر المحيط" 5/ 111.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 475.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ ﴾ هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن غزوة تبوك، من غير عذر ومن غير نفاق ولا قصد للمخالفة، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عتب عليهم، وأمر أن لا يكلمهم أحد، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فبقوا على ذلك مدّة إلى أن أنزل الله توبتهم، وقد روي حديثهم في البخاري ومسلم والسير، ومعنى خُلّفوا هنا: أي عن الغزوة.
وقال كعب بن مالك معناه: خُلفوا عن قبول الضر وليس بالتخلف عن الغزو.
يقوِّي ذلك كونه جعل إذا ضاقت غاية للتخلف ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض ﴾ عبارة عما أصابه من الغم والخوف من الله ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا ﴾ أي رجع بهم ليستقيموا على التوبة ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصادقين ﴾ يحتمل أن يريد صدق اللسان إذا كانوا هؤلاء الثلاثة قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك، ويحتمل أن يريد أعم من صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزائم، والمراد بالصادقين: المهاجرون لقول الله في الحشر: للفقراء المهاجرين، إلى قوله: هم الصادقون وقد احتج بها أبو بكر الصديق على الأنصار يوم السقيفة، فقال: نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا، أي تابعين لنا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فيقتلون ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ويقتلون ﴾ مبنياً للفاعل: حمزة علي وخلف الآخرون على العكس.
﴿ ويقتلون ﴾ بالتشديد: أبو عون عن قنبل.
﴿ إبراهام ﴾ وكذلك ما بعده: هشام ﴿ يزيغ ﴾ بياء الغيبة.
حمزة وحفص والمفضل.
والباقون بتاء التأنيث.
﴿ خلفوا ﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس.
الباقون بالتشديد مجهولاً.
الوقوف: ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ ويقتلون ﴾ ط ﴿ والقرآن ﴾ ط ﴿ بايعتهم به ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لحدود الله ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ إياه ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ج ﴿ حليم ﴾ ه ط ﴿ ما يتقون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ تاب عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿ خلفوا ﴾ ط ﴿ إلا إليه ﴾ ط ﴿ ليتوبوا ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه فقال: ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.
قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.
فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.
قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟
قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.
قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم.
وقال جعفر الصادق : والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.
واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه.
ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها.
والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع.
وههنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات.
وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات العاليات؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ وفي قوله ﴿ يقاتلون ﴾ معنى الأمر كقوله ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ﴾ وهو كالتفسير لتلك المبايعة ﴿ فيقتلون ويقتلون ﴾ أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين.
ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان.
ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ .
والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال لعلي : " لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس" ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال: "هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قوله ﴿ وعداً عليه ﴾ قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ كأنه قيل: وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال ﴿ ومن أوفى ﴾ استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد ﴿ من الله ﴾ لأنه الغني عن كل الحاجات القادر على كل المقدورات.
وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: ﴿ إن الله اشترى ﴾ وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً.
ومنها أنه قال ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة.
ومنها قوله ﴿ وعداً ﴾ و ﴿ إنه لا يخلف الميعاد ﴾ .
ومنها قوله ﴿ عليه ﴾ وكلمة "على" للوجوب ظاهراً.
ومنها قوله: ﴿ حقاً ﴾ وهو تأكيد التحقيق.
ومنها قوله: ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة.
ومنها قوله: ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف ألبتة.
ومنها قوله: ﴿ فاستبشروا ﴾ والبشارة الخبر الصدق الأول.
ومنها قوله: ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ ثم وصف الفوز بـ ﴿ العظيم ﴾ واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها ﴿ ذلك الفوز ﴾ بغير "هو" وإنه في ستة مواضع: في "براءة" موضعان، وفي "النساء والمائدة والصف والتغابن" وما في "النساء" بزيادة واو.
والآخر ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ بزيادة "هو" وذلك في ستة مواضع أخرى في "براءة" موضعان و "يونس" و "المؤمن" و "الدخان" و "الحديد" وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في "المؤمن".
وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها.
وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة.
وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد.
وكذلك في "المؤمن" وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية ﴿ فاغفر ﴾ ﴿ وقهم ﴾ ﴿ وأدخلهم ﴾ قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة.
ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: ﴿ التائبون ﴾ قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في ﴿ يقاتلون ﴾ وقيل: مبتدأ خبره ﴿ العابدون ﴾ وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.
أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق.
ومال آخرون الى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص ﴿ والعابدون ﴾ قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم.
وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع.
وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
و ﴿ الحامدون ﴾ هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ و ﴿ السائحون ﴾ قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله: " سياحة أمتي الصيام" .
ثم قيل: هذا صوم الفرض.
وقيل: الذين يديمون الصيام.
قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم.
وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع.
وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول.
وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل.
قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثراً عظيماً في تكميل النفس لأنه يلقى أنواعاً من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على الله فيصير ذلك ملكه له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال والأخلاق والسير والآثار ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ يعني المصلين قال بعض العلماء: إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود.
وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع.
ثم قال: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن ههنا بحثاً آخر وهو أنه لم أدخل الواو في قوله: ﴿ والناهون ﴾ ﴿ والحافظون ﴾ دون سائر الأوصاف؟
وأجيب بأن النسق يجيء بالواو وبغيرها كقوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ﴾ أو المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه الواو تنبيهاً على هذه المخالفة والمباينة.
ولبعض النحويين جواب عام يشمل هذه الآية وما في "الكهف" في قوله: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ وما في "الزمر" في قوله في ذكر الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وما في "التحريم" في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وذلك أنهم سموا هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها في القرآن والأخبار.
فالثمانية تجري مجرى استنئاف كلام فلهذا فصل بالواو.
وأما قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ فكإجمال بعد تفصيل؛ وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات.
وإنها إما لجلب المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية.
فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها.
والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها كحالة الإحرام.
ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في المسجد.
والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال والبحث عنها إما من جهة الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بيع العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئاً في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع الكاليء بالكالىء المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس.
وأما دفع المضار والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو السرقة.
وههنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولاً إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى والبينات.
فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله وأحكامه وحدوده، وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.
ولكن قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ يشمل ذلك أيضاً بل رعايته أهم من رعاية أحوال الظواهر.
ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه.
ولما بين من أول السورة إلى ههنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضاً وإن كانوا أقارب فقال: ﴿ ما كان للنبي ﴾ ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك.
ثم علل المنع بقوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فطلب غفرانهم جارٍ مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا يستجاب له.
وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا بالغ فيه بقوله: ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية - فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.
فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب.
فقال النبي : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآيتان.
وقيل عن ابن عباس: لما افتتح مكة سأل أي أبويه أحدث به عهداً أي آخرهما موتاً؟
فقيل: أمك آمنة.
فزار قبرها ثم قام باكياً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل عليّ ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآية.
فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة في آخر القرآن نزولاً، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام.
ويمكن أن يوجه الأول بأنه لعله بقي مستغفراً إلى حين نزول الآية.
ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد.
﴿ فلما تبين ﴾ لإبراهيم ﴿ أنه عدو لله ﴾ إما بإصراره على الكفر أو بموته على ذلك أو بطريق الوحي ﴿ تبرأ منه ﴾ وترك الاستغفار.
ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم ويوافقه قراءة الحسن ﴿ وعدها أباه ﴾ بالباء الموحدة وذلك في قوله: ﴿ لأستغفرن لك ﴾ وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه.
وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع إلى الله أن يرزقه الإيمان.
وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة فكان قوله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم ﴾ في حق المنافقين خاصة وهذه في حق الكافرين عامة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال أهل اللغة: أوّاه "فعال" مأخوذ من حروف "أوه" كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، وعن النبي أنه قال: "الأوّاه الخاشع المتضرع" والحلم ضد السفه، وصفه بشدّة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى أولى.
ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال أو يخذلهم أو يوقع الضالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به العقاب ﴿ بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ ما يجب عليهم أن يحترزوا عنه.
والحاصل أن الله لا يسمي قوماً ضلالاً بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب الخمر والربا قبل تحريمهما.
وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض المحظورات داخلاً في حكم الضلال.
ثم قال: ﴿ إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ﴾ والمراد أن من كان عالماً قادراً هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر.
قالت المعتزلة: وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب.
وأجيب بأن له ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر عادة، وفي قوله: ﴿ إن الله له ملك السموات والأرض ﴾ فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية نصرته لمن أراد استظهاراً للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب والأنصار كأنه قال: وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي.
ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الآية.
ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها.
فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم.
الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى.
والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي بقوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص.
ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب.
السؤال الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟
فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته.
والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد.
وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿ لا تنفروا في الحر ﴾ وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله في غزوة الخندق ﴿ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ﴾ الثالث: ما معنى ﴿ كاد يزيغ ﴾ وكيف إعرابه؟
والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد.
معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر.
وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان.
وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا.
وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية.
الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ ؟
الجواب إن عاد الضمير في ﴿ عليهم ﴾ الى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك.
وإليه الإشارة بقوله: : "إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" .
وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ يريد ازداد عنهم رضا.
ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿ إنه بهم رؤوف رحيم ﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة.
أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.
الخامس: الثلاثة الذين خلفوا من هم؟
الجواب هم المرجون لأمر الله كما مرّ، سّمُّوا مخلفين كما سمو مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد أولئك.
وقيل: لأنهم خلفوا عن الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين.
وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، وقرأ جعفر الصادق : ﴿ خالفوا ﴾ .
﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ﴾ مع سعتها وهو مثل للحيره في الأمر، ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور ﴿ وظنوا ﴾ أي علموا وتيقنوا ﴿ أن لا ملجأ من ﴾ سخط ﴿ الله إلا ﴾ إلى استغفاره كقوله : "أعوذ بك منك" .
وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون المدة قصيرة وجواب "إذا" محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، وحسن حذفه لتقدم ذكره.
عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله سلمت عليه فرد عليّ كالمغضب بعدما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه.
فقال: معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا - أيها الثلاثة - فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع - وهو جبل بالمدينة - أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي ﴿ وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ﴾ وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة.
وقال رسول الله وهو يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية.
سئل أبو بكر الورّاق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
السادس: قد عرفنا فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ ؟
الجواب معناه رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علماً منهم بأن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم.
وقالت الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله حتى إنه لو لم يتب عليهم لم يتوبوا.
وأيضاً قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر، ثم إنه لم يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوماً.
ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أوّل الأمر فلهذا تأخر القبول دليله قوله : ﴿ حتى إذا ضاقت ﴾ الآية.
ثم حث المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل الصدق لا النفاق فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال بعض العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة.
والكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين.
ثم إنه ثبت بالتواتر من دين محمد أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة علىالمكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصاً بالكون مع الرسول وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك.
ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصراً في الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على شيء كانوا صادقين فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهراً وباطناً.
وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا عليه من الطاعة نية وقولاً وعملاً.
وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في الصدق والثبات.
وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، وقيل: الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري.
وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته.
ومن خصائص الصدق ما روي أن أعرابياً جاء إلى رسول الله وقال: إني أريد أن أؤمن بك إلا إني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم.
فلما خرج من عند رسول الله عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل.
ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرّده وكفره استنكف منه حتى استثنى في قوله ﴿ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ .
ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذباً عند المعتزلة وكونه مفضياً إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن الله اشترى ﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة.
﴿ التائبون ﴾ عما سوى الله ﴿ العابدون ﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿ الحامدون ﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿ السائحون ﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿ الراكعون ﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿ الساجدون ﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿ الآمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي ﴿ الناهون ﴾ عما سواه ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره.
﴿ ما كان للنبي ﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿ إن إبراهيم لأواه ﴾ الأواه هو المتبرىء من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق.
﴿ حليم ﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا ﴿ وما كان الله ليضل قوماً ﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿ بعد إذ هداهم ﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن الله بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.
﴿ إن الله له ملك السموات ﴾ سموات القلوب ﴿ والأرض ﴾ أرض النفوس ﴿ يحيي ﴾ بنور ربوبيته ﴿ من يشاء ويميت ﴾ عن صفات بشريته ﴿ من يشاء ومالكم من دون الله من ولي ﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها.
أو نقول ﴿ لقد تاب الله ﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿ والأنصار ﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل.
﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم ﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
في ظاهر الآية أن قوماً عرفوا بالصدق فأمروا بالكون معهم، ويشبه أن يكون أمر هؤلاء [الذين] تخلفوا عن رسول الله بالكون مع المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع رسول الله.
وفيه دلالة على أن الإجماع حجة؛ لأنه أمر بالكون مع الصادقين في دين الله، فلو لم يلزمهم قبول قولهم لم يكن للأمر بالكون معهم وجه.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ، وهو ظاهر.
وقوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: أحدها: [يقول]: احفظوا الله في حقه ولا تضيعوه، وكونوا مع الصادقين في وفاء ذلك وحفظه.
أو: اتقوا الله فيما نزل ما امتحنكم به من الخروج والجهاد مع رسول الله وغير ذلك من المحن.
أو يقول: اتقوا مخالفة الله ورسوله فيما يأمركم به، وكونوا مع الموافقين لأمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة ما سبق منهم من المبايعة والعهود التي جرت بينهم وبين رسول الله؛ يقول - والله أعلم -: ﴿ مَا كَانَ ﴾ ، أي: لم يكن لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، بعد ما قبلوا النصر له والمعونة وبايعوه على ذلك؛ هذا محتمل.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يكون صلة ما ذكر على أثره وهو قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ يقول - والله أعلم -: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، وقد جعل بكل ما يصيبهم في أنفسهم من العناء والشدة، وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون من النفقة قليلة كانت أو كثيرة، أو يصيبون من العدو ومن القتل والغنيمة - إلا كتب لهم بذلك العمل الصالح، أي: ما كان ينبغي لهم أن يتخلفوا عنه، وقد كتب لهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء وما يصيبون من الخير - العمل الصالح والأجر لهم، والله أعلم.
أو يقول: ما كان لأهل المدينة إذ تخلفوا عن رسول الله أن يتخلفوا عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، أي: ولا يرغبوا بالتخلف عن نفسه؛ يقال: جاء فلان بنفسه، ورأيت أنا بعيني ونحوه، أي: جاء هو ورأى هو؛ فعلى ذلك هذا ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ ﴾ ، أي: ما كان ينبغي لهم أن يرغبوا عن رسول الله.
ويحتمل ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: لأنفسهم عن نفسه، [و] ذلك جائز ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾ قيل: عطش، ﴿ وَلاَ نَصَبٌ ﴾ : العناء والمشقة، ﴿ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مجاعة.
﴿ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ ﴾ ، قال بعضهم: ولا يقفون موقفاً.
وقال بعضهم: هو من الوطء والموطئ: الشيء الذي يوطأ.
﴿ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً ﴾ ، قيل: فيهم أو إغارة عليهم، ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ ، أي: يكتب ما لهم وما عليهم العمل الصالح مكان من تخلف منهم مخافة أن يصيبه ما ذكر من العناء والشدة؛ يقول: كتب لهم بكل ما يصيبهم العمل الصالح، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه يجزيهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء في أنفسهم وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون.
﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: يجزيهم لصالح أعمالهم وأحسنها، ولا يجزيهم لسيئاتهم؛ وهو كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ، أخبر أنه يتقبل منهم أحسن ما عملوا ويكفر عنهم سيئاتهم؛ فعلى ذلك الأول يخبر أنه يجزيهم أحسن ما عملوا في الغزو، ويتجاوز عن سيئاتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ...
﴾ الآية.
اختلف أهل التأويل: قال بعضهم: إن نبي الله كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعاً، فتبقى المدينة خالية عن الرجال، فنهى الله عن ذلك وقال: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .
وقال بعضهم: كان رسول الله إذا بعث سرية خرجوا جميعاً، فبقي هو وحده لم يبق معه أحد ممن يشهد التنزيل؛ ليخبروا أولئك إذا حضروا.
وقال آخرون: الآية في الوفود، وذلك أن الوفود إذا قدموا من الآفاق المدينة قدموا مع النساء والذراري جميعاً، فأمروا أن ينفر الرجال منهم دون النساء والذراري، أو من كل قوم نفر؛ ليتفقهوا في الدين.
ذكر في هذه الآية: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ ، نهى الكل أن ينفروا، وأمروا في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ ، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أمر بالنفر الجميع عند قلة المؤمنين؛ ليكون لهم الكفاية مع العدو.
والثاني: أمر بنفر الكل عند النفير.
فيكون إحدى الآيتين في حالة النفير، والاخرى في غير حال النفير وما ذكرنا في وقت القلة والكثرة.
فمن يقول: إن الآية في الذين كانوا يخرجون جميعاً مع رسول الله إذا خرج، كأنه نهى عن الخروج جملة مع رسول الله؛ خوفاً على أهاليهم وذراريهم، لعل العدو سباهم وأخذ أموالهم يقول الله: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: هلا نفر طائفة منهم فيخبروا الكفار المقيمين بما أنزل الله على رسوله من النصر والمعونة والهزيمة على الكفار الذين قاتلوا رسول الله، فيكون ذلك سبب دعائهم إلى الإسلام.
وإلى هذا ذهب الحسن والأصم ويقولون: إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها وهي قوله: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ ﴾ .
يقول الحسن: إن عليهم أن يخرجوا مع رسول الله إذا خرج، فيقول: هذا منسوخ بالآية التي تليها: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾ الآية.
ومن يقول بأن الآية في الوفود الذين كانوا يأتون رسول الله المدينة بالنساء والذراري، فالنهي لذلك لما كانوا يضيقون على أهل المدينة أوطانهم ويغلون أسعارهم ونحوه؛ يقول: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ، أي: يعلمون الدين وأحكامه، ثم ليرجعوا إلى قومهم فيعلموهم.
ومن يقول: الآية في الذين خرجوا ونفروا مع السرايا، نهاهم عن خروج الكل؛ لما لعله لما نزل على رسول الله شيئاً، فلم يكن معه أحد يبلغه إليهم ثم يبلغ إلى من هو غاب عنه ضاع ذلك فيقول: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ما نزل على رسول الله، وليبلغوا ذلك إلى من غاب عنه.
﴿ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ .
قيل: من كل عصبة، ومن كل قبيلة، ومن كل حي، ففي الآية دلالة سقوط فرض السفر لتعلم العلم والتفقه في الدين عن الكل إذا قام بعض بذلك يخرجون ويتعلمون ثم يعلمون قومهم؛ لأنه قال: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ...
﴾ الآية.
وفيه أيضاً دلالة سقوط فرض الجهاد عن الجماعة إذا قام بعضهم عن بعض.
وفيه دلالة لزوم العمل بخبر الأحاد وإن احتمل الغلط؛ لأن ما ذكر من الطائفة يحتمل أن يجتمعوا على ذلك كذبا أو غلطا، ثم ألزم قومهم قبول خبرهم وإن احتمل الغلط والكذب بقوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ .
والآية تخرج على وجهين: أحدهما: أن كل أهل بلدة وأهل قبيلة يختارون من يصلح للتفقة في الدين والتعلم فينفر، حتى إذا تفقه وتعلم رجع إلى قومه فيعلمهم.
والثاني: يأمر من يصلح للتفقه بالتخلف عن الجهاد إذا كان بهم غنية ليتفقه عند رسول الله؛ فينذر قومه إذا رجعوا إليه من غزاتهم.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا بشرعه، اتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وكونوا مع الصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم، فلا مَنْجاة لكم إلا في الصدق.
<div class="verse-tafsir" id="91.QaYXk"