الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢٢ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع الرسول في غزوة تبوك ، فإنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا قال تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا ) [ التوبة : 41 ] ، وقال : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) [ التوبة : 120 ] ، قالوا : فنسخ ذلك بهذه الآية .
وقد يقال : إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها ، وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم ، ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه ، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو ، فيجتمع لهم الأمران في هذا : النفير المعين وبعده ، صلوات الله وسلامه عليه ، تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه وإما للجهاد ؛ فإنه فرض كفاية على الأحياء .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) يقول : ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) يعني : عصبة ، يعني : السرايا ، ولا يتسروا إلا بإذنه ، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : إن الله قد أنزل على نبيكم قرآنا ، وقد تعلمناه .
فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم ، ويبعث سرايا أخرى ، فذلك قوله : ( ليتفقهوا في الدين ) يقول : ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم ، وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم ( لعلهم يحذرون ) .
وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، خرجوا في البوادي ، فأصابوا من الناس معروفا ، ومن الخصب ما ينتفعون به ، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى ، فقال الناس لهم : ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا .
فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجا ، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله ، عز وجل : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) يبتغون الخير ، ( ليتفقهوا [ في الدين ] ) وليستمعوا ما في الناس ، وما أنزل الله بعدهم ، ( ولينذروا قومهم ) الناس كلهم ( إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) .
وقال قتادة في هذه الآية : هذا إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش ، أمرهم الله ألا يعروا نبيه صلى الله عليه وسلم ، وتقيم طائفة مع رسول الله تتفقه في الدين ، وتنطلق طائفة تدعو قومها ، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم .
وقال الضحاك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه ، إلا أهل الأعذار .
وكان إذا أقام فاسترت السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه ، فكان الرجل إذا استرى فنزل بعده قرآن ، تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه القاعدين معه ، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا .
فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين ، وهو قوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) يقول إذا أقام رسول الله ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) يعني بذلك : أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد ، ولكن إذا قعد نبي الله تسرت السرايا ، وقعد معه عظم الناس .
وقال [ علي ] بن أبي طلحة أيضا عن ابن عباس : قوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) فإنها ليست في الجهاد ، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم ، وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون .
فضيقوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم .
فأنزل الله يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين ، فردهم رسول الله إلى عشائرهم ، وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم ، فذلك قوله : ( ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) .
وقال العوفي ، عن ابن عباس في هذه الآية : كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة ، فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم .
فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ، ويتفقهون في دينهم ، ويقولون لنبي الله : ما تأمرنا أن نفعله ؟
وأخبرنا [ ما نقول ] لعشائرنا إذا قدمنا انطلقنا إليهم .
قال : فيأمرهم نبي الله بطاعة الله وطاعة رسوله ، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة .
وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا : إن من أسلم فهو منا ، وينذرونهم ، حتى إن الرجل ليفارق أباه وأمه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرهم قومهم ، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة .
وقال عكرمة : لما نزلت هذه الآية : [ الشريفة ] ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) [ التوبة : 39 ] ، و ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا [ عن رسول الله ] ) [ التوبة : 120 ] ، قال المنافقون : هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه .
وقد كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم ، فأنزل الله ، عز وجل : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) الآية ، ونزلت : ( والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ) الآية [ الشورى : 16 ] .
وقال الحسن البصري : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) قال : ليتفقه الذين خرجوا ، بما يردهم الله من الظهور على المشركين ، والنصرة ، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم .
القول في تأويل قوله : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولم يكن المؤمنون لينفروا جميعًا.
(68) * * * وقد بينا معنى " الكافة " بشواهده، وأقوال أهل التأويل فيه, فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(69) * * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بهذه الآية، وما " النفر "، الذي كرهه لجميع المؤمنين؟
فقال بعضهم: وهو نَفْرٌ كان من قوم كانوا بالبادية، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون الناس الإسلام, فلما نـزل قوله: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، انصرفوا عن البادية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه، وممن عُنِي بالآية.
فأنـزل الله في ذلك عذرهم بقوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، وكره انصرافَ جميعهم من البادية إلى المدينة.
* ذكر من قال ذلك: 17466- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ، قال: ناسٌ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، خرجوا في البوادي, فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب ما ينتفعون به, ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى, فقال الناس لهم: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا!
فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا, وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم, فقال الله: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ، يبتغون الخير =(ليتفقهوا) ، وليسمعوا ما في الناس, وما أنـزل الله بعدهم =(ولينذروا قومهم) ، الناس كلهم =(إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
17467- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله = إلا أنه قال في حديثه: فقال الله: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ، خرج بعض، وقعد بعضٌ يبتغون الخير.
17468-......
قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، نحو حديثه عن أبي حذيفة.
17469- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد، نحو حديث المثنى عن أبي حذيفة = غير أنه قال في حديثه: ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم!
وقال: (ليتفقهوا) ، ليسمعوا ما في الناس.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا إلى عدوّهم، ويتركوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وحده، كما:- 17470- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، قال: ليذهبوا كلهم = فلولا نفر من كل حي وقبيلة طائفة، وتخلف طائفة =(ليتفقهوا في الدين), ليتفقه المتخلفون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الدين = ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.
* * * * ذكر من قال ذلك: 17471- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا، ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده =(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ، يعني عصبة, يعني السرايا, ولا يتَسرَّوا إلا بإذنه, فإذا رجعت السرايا وقد نـزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم, قالوا: " إن الله قد أنـزل على نبيكم بعدكم قرآنا، وقد تعلمناه ".
فيمكث السرايا يتعلَّمون ما أنـزل الله على نبيهم بعدهم، [ويبعث سرايا أخر, فذلك قوله: (ليتفقهوا في الدين) ، يقول يتعلمون ما أنـزل الله على نبيه], (70) ويعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون.
(71) 17472- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، إلى قوله: (لعلهم يحذرون) ، قال: هذا إذا بعث نبيُّ الله الجيوشَ، أمرهم أن لا يُعَرُّوا نبيه، وتقيم طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين, وتنطلق طائفة تدعو قومها، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم.
17473- حدثنا الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، الآية, كان نبي الله إذا غزا بنفسه لم يحلَّ لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل العذر.
وكان إذا أقام فأسرت السرايا، لم يحلّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه.
فكان الرجل إذا أسرى فنـزل بعده قرآن، تلاه نبي الله على أصحابه القاعدين معه.
فإذا رجعت السرية، قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أنـزل بعدكم على نبيه قرآنا "، فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، يقول: إذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم =(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ، يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبيُّ الله قاعد, ولكن إذا قعد نبيُّ الله، تسرَّت السرايا، وقعد معه عُظْمُ الناس.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين, ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم، ولكنهم منافقون.
ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون، لنفر بعضٌ ليتفقه في الدين، ولينذر قومه إذا رجع إليهم.
* ذكر من قال ذلك: 17474- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، فإنها ليست في الجهاد, ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مُضَر بالسِّنين أجدبت بلادهم, وكانت القبيلة منهم تُقْبل بأسرها حتى يحلُّوا بالمدينة من الجهْد, ويعتلُّوا بالإسلام وهم كاذبون, فضيَّقوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم، وأنـزل الله يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا مؤمنين, فردّهم رسول الله عشائرهم, وحذّر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
* * * وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول ثالثٌ, وهو ما:- 17475- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، إلى قوله: (لعلهم يحذرون) ، قال: كان ينطلق من كل حيّ من العرب عصابةٌ، فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيسألونه عما يريدونه من دينهم، ويتفقهون في دينهم, ويقولون لنبي الله: ما تأمرنا أن نفعله، وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم؟
قال: فيأمرهم نبيّ الله بطاعة الله وطاعة رسوله, ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة.
وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا: " إن من أسلم فهو منَّا "، وينذرونهم, حتى إن الرجل ليعرِّف أباه وأمه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرون قومهم.
(72) فإذا رجعوا إليهم، يدعونهم إلى الإسلام، وينذرونهم النار، ويبشرونهم بالجنة.
* * * وقال آخرون: إنما هذا تكذيب من الله لمنافقين أزرَوْا بأعراب المسلمين وغيرهم، (73) في تخلُّفهم خِلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهم ممن قد عذره الله بالتخلف.
* ذكر من قال ذلك: 17476- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن سليمان الأحول, عن عكرمة قال: لما نـزلت هذه الآية: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، إلى: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ، قال ناس من المنافقين: هلك من تخلف!
فنـزلت: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، إلى: (لعلهم يحذرون) ، ونـزلت: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ، الآية [سورة الشورى: 16].
17477- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة قال، حدثنا سليمان الأحول، عن عكرمة, قال: سمعته يقول: لما نـزلت: إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [سورة التوبة: 39]، و مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ ، إلى قوله: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه!
وقد كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو، إلى قومهم يفقهونهم, فأنـزل الله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ، إلى قوله: (لعلهم يحذرون) ، ونـزلت: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ، الآية.
* * * واختلف الذين قالوا: " عُنى بذلك النهيُ عن نَفْر الجميع في السرية، وترك النبيّ عليه السلام وحده " في المعنيِّين بقوله: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) .
فقال بعضهم: عُنى به الجماعة المتخلفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقالوا: معنى الكلام: فهلا نفر من كل فرقة طائفة للجهاد، ليتفقه المتخلفون في الدين، ولينذروا قومهم الذين نفروا في السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم؟
وذلك قول قتاده, وقد ذكرنا رواية ذلك عنه، من رواية سعيد بن أبي عروبة، (74) وقد:- 17478- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) الآية, قال: ليتفقه الذين قعدوا مع نبي الله =(ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) ، يقول: لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم.
17479- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن وقتادة: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، قالا كافة, ويَدَعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
* * * وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: لتتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة، وتحذر النافرةُ المتخلفةَ.
* ذكر من قال ذلك: 17480- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) ، قال: ليتفقه الذين خرجوا، بما يُريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة, وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويلُه: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده, وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهادٍ وغير ذلك من أمورهم، ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدًا.
ولكن عليهم إذا سَرَّى رسول الله سرية أن ينفر معها من كل قبيلة من قبائل العرب = وهي الفرقة (75) =(طائفة) ، وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد, (76) كما قال الله جل ثناؤه: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ، يقول: فهلا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة؟
(77) وهذا إلى هاهنا، على أحد الأقوال التي رويت عن ابن عباس, وهو قول الضحاك وقتادة.
وإنما قلنا: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب, لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم, ومن الأعراب، لغير عذر يُعذرون به، إذا خرج رسول الله لغزوٍ وجهادِ عدوٍّ قبل هذه الآية بقوله: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، ثم عقب ذلك جل ثناؤه بقوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ، فكان معلومًا بذلك = إذْ كان قد عرّفهم في الآية التي قبلها اللازمَ لهم من فرض النَّفْر، والمباحَ لهم من تركه في حال غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشخوصه عن مدينته لجهاد عدوّ, وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خِلافه إلا لعذر، بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم = أن يكون عَقِيب تعريفهم ذلك، تعريفُهم الواجبَ عليهم عند مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته، وإشخاص غيره عنها, كما كان الابتداءُ بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم.
* * * وأما قوله: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) ، (78) فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهلَ دينه وأصحابَ رسوله، على أهل عداوته والكفر به, فيفقه بذلك من مُعاينته حقيقةَ علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان، من لم يكن فقهه, ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينـزل بهم من بأس الله مثل الذي نـزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك = إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم =(لعلهم يحذرون) ، (79) يقول: لعل قومهم، إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله, حذرًا أن ينـزل بهم ما نـزل بالذين أخبِروا خبرَهم.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب, وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه، (80) لأن " النفر " قد بينا فيما مضى، أنه إذا كان مطلقًا بغير صلة بشيء، أنَّ الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو.
(81) فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه, وكان جل ثناؤه قال: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) ، علم أن قوله: (ليتفقهوا)، إنما هو شرط للنفر لا لغيره, إذْ كان يليه دون غيره من الكلام.
* * * فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلِّفون في الدين؟
قيل: ننكر ذلك لاستحالته.
وذلك أن نَفْر الطائفة النافرة، لو كان سببًا لتفقه المتخلفة, وجب أن يكون مقامها معهم سببًا لجهلهم وترك التفقه، وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه.
* * * وبعدُ, فإنه قال جل ثناؤه: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) ، عطفًا به على قوله: (ليتفقهوا في الدين) ، ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدّم من الله إليها, وللإنذار وخوف الوعيد نَفرتْ, فما وجْهُ إنذار الطائفة المتخلفة الطائفةَ النافرةَ، وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟
ولو كانت إحداهما جائزٌ أن توصف بإنذار الأخرى, لكان أحقَّهما بأن يوصف به، الطائفة النافرة, لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به، ما لم تعاين المقيمة.
ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا، من أنها تنذر من حَيِّها وقبيلتها من لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه: أن ينـزل به ما أنـزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نُظَرائه من أهل الشرك.
------------------------ الهوامش: (68) انظر تفسير " النفر " فيما سلف 8 : 536 / 14 : 254 ، 399 .
(69) انظر تفسير " الكافة " فيما سلف 4 : 257 ، 258 / 14: 242 .
(70) ما بين القوسين ، ليس في المخطوطة ، وزاده ناشر المطبوعة من الدر المنثور 3 : 292 ، فيما أرجح .
(71) كان في المطبوعة : " ويعلمونه " ، وفي الدر : " ويعلموه " ، وفي المخطوطة : " ويعلموا " عطفا على قوله : " ليفقهوا " .
(72) هكذا جاءت هذه الجملة في المخطوطة والمطبوعة ، وهي جملة غريبة التركيب ، أخشى أن يكون سقط منها شيء (73) في المطبوعة : " بأعراب المسلمين وعزروهم " ، والصواب ما في المخطوطة .
(74) انظر ما سلف رقم : 17472 .
(75) انظر تفسير " الفريق " و " الفرقة " فيما سلف : ص : 539 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(76) انظر تفسير " طائفة " فيما سلف : ص : 403 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(77) انظر تفسير " لولا " فيما سلف 11 : 356 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(78) انظر تفسير " التفقه " فيما سلف ص : 413 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(79) انظر تفسير " الحذر " فيما سلف 10 : 575 / 14 : 331 .
(80) انظر ما سلف رقم : 17480 .
(81) انظر ما سلف ص : 251 - 256 .
قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرونفيه ست مسائل :قوله تعالى وما كان المؤمنون وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدم ; إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال ، فليخرج فريق منهم للجهاد [ ص: 210 ] وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم ، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع ، وما تجدد نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى : ( إلا تنفروا ) وللآية التي قبلها ; على قول مجاهد وابن زيد .الثانية : هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم ; لأن المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه وحده .
( فلولا نفر ) بعدما علموا أن النفير لا يسع جميعهم .
( من كل فرقة منهم طائفة ) وتبقى بقيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا ; فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموه .
وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة ، وأنه على الكفاية دون الأعيان .
ويدل عليه أيضا قوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .
فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن .الثالثة : قوله تعالى ( فلولا نفر ) قال الأخفش : أي فهلا نفر .
من كل فرقة منهم طائفة الطائفة في اللغة الجماعة ، وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين ، وللواحد على معنى نفس طائفة .
وقد تقدم أن المراد بقوله تعالى : إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة رجل واحد .
ولا شك أن المراد هنا جماعة لوجهين ; أحدهما عقلا ، والآخر لغة .
أما العقل فلأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب ، وأما اللغة فقوله : ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم فجاء بضمير الجماعة .
قال ابن العربي : والقاضي أبو بكر والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة هاهنا واحد ، ويعتضدون فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد ، وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة تنطلق على الواحد ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد ، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر .قلت : أنص ما يستدل به على أن الواحد يقال له طائفة قوله تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا يعني نفسين .
دليله قوله تعالى : فأصلحوا بين أخويكم فجاء بلفظ التثنية ، والضمير في ( اقتتلوا ) وإن كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين للعلماء .الرابعة : قوله تعالى ( ليتفقهوا ) الضمير في " ليتفقهوا ، ولينذروا " للمقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم ; قاله قتادة ومجاهد .
وقال الحسن : هما للفرقة النافرة ; واختاره الطبري .
ومعنى [ ص: 211 ] ليتفقهوا في الدين أي يتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين .قلت : قول مجاهد وقتادة أبين ، أي لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفور في السرايا .
وهذا يقتضي الحث على طلب العلم والندب إليه دون الوجوب والإلزام ; إذ ليس ذلك في قوة الكلام ، وإنما لزم طلب العلم بأدلته ; قاله أبو بكر بن العربي .الخامسة : طلب العلم ينقسم قسمين : فرض على الأعيان ; كالصلاة والزكاة والصيام .قلت : وفي هذا المعنى جاء الحديث المروي إن طلب العلم فريضة .
روى عبد القدوس بن حبيب : أبو سعيد الوحاظي عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : طلب العلم فريضة على كل مسلم .
قال إبراهيم : لم أسمع من أنس بن مالك إلا هذا الحديث .وفرض على الكفاية ; كتحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ونحوه ; إذ لا يصلح أن يتعلمه جميع الناس فتضيع أحوالهم وأحوال سراياهم وتنقص أو تبطل معايشهم ; فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين ، وذلك بحسب ما يسره الله لعباده وقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدرته وكلمته .السادسة : طلب العلم فضيلة عظيمة ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل ; روى الترمذي من حديث أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم [ ص: 212 ] ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر .
وروى الدارمي أبو محمد في مسنده قال : حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي عن الحسن قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في بني إسرائيل ، أحدهما كان عالما يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير .
والآخر يصوم النهار ويقوم الليل ، أيهما أفضل ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم .
أسنده أبو عمر في كتاب " بيان العلم " عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي .
وقال ابن عباس : أفضل الجهاد من بنى مسجدا يعلم فيه القرآن والفقه والسنة .
رواه شريك عن ليث بن أبي سليم عن يحيى بن أبي كثير عن علي الأزدي قال : أردت الجهاد فقال لي ابن عباس ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد ، تأتي مسجدا فتقرأ فيه القرآن وتعلم فيه الفقه .
وقال الربيع سمعت الشافعي يقول : طلب العلم أوجب من الصلاة النافلة .
وقوله عليه السلام : إن الملائكة لتضع أجنحتها .
.
.
الحديث ، يحتمل وجهين : أحدهما : أنها تعطف عليه وترحمه ; كما قال الله تعالى فيما وصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين بقوله : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة أي تواضع لهما .
والوجه الآخر : أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها ; لأن في بعض الروايات وإن الملائكة تفرش أجنحتها ، أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضاة الله وكانت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته وحملته عليها ; فمن هناك يسلم فلا يحفى إن كان ماشيا ولا يعيا ، وتقرب عليه الطريق البعيدة ، ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب المال وضلال الطريق .
وقد مضى شيء من هذا المعنى في ( آل عمران ) عند قوله تعالى : شهد الله الآية .
روى عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم [ ص: 213 ] الساعة .
قال يزيد بن هارون : إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم ؟
.قلت : وهذا قول عبد الرزاق في تأويل الآية ، إنهم أصحاب الحديث ; ذكره الثعلبي .
سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ النحوي المحدث أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن أبي حجة رحمه الله يقول في تأويل قوله عليه السلام : لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة إنهم العلماء ; قال : وذلك أن الغرب لفظ مشترك يطلق على الدلو الكبيرة وعلى مغرب الشمس ، ويطلق على فيضة من الدمع .
فمعنى لا يزال أهل الغرب أي لا يزال أهل فيض الدمع من خشية الله عن علم به وبأحكامه ظاهرين ; الحديث .
قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء .قلت : وهذا التأويل يعضده قوله عليه السلام في صحيح مسلم : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة .
وظاهر هذا المساق أن أوله مرتبط بآخره .
والله أعلم .
يقول تعالى: ـ منبها لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم ـ {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} أي: جميعا لقتال عدوهم، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك، وتفوت به كثير من المصالح الأخرى، {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ} أي: من البلدان، والقبائل، والأفخاذ {طَائِفَةٌ} تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى. ثم نبه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال: {لِيَتَفَقَّهُوا} أي: القاعدون {فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} أي. ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له. وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه اللّه علما ومنحه فهما. وفي هذه الآية أيضًا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور.
قوله عز وجل : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) الآية .
قال ابن عباس في رواية الكلبي : لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا فكان المسلمون ينفرون جميعا إلى الغزو ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية وهذا نفي بمعنى النهي .
قوله تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) أي : فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة ( ليتفقهوا في الدين ) يعني الفرقة القاعدين ، يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام ، فإذا رجعت السرايا أخبروهم بما أنزل بعدهم ، فتمكث السرايا يتعلمون ما نزل بعدهم ، وتبعث سرايا أخر ، فذلك قوله : ( ولينذروا قومهم ) وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به ، ( إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) لا يعملون بخلافه .
وقال الحسن : هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة ، ومعناه : هلا نفر فرقة ليتفقهوا ، أي : ليتبصروا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين ، ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد فيخبروهم بنصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لعلهم يحذرون أن يعادوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار .
وقال الكلبي : لها وجه آخر وهو أن أحياء من بني أسد من خزيمة أصابتهم سنة شديدة فأقبلوا بالذراري حتى نزلوا المدينة فأفسدوا طرقها بالعذرات وأغلوا أسعارها فنزل قوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) أي : لم يكن لهم أن ينفروا كافة ولكن من كل قبيلة طائفة ليتفقهوا في الدين .
وقال مجاهد : نزلت في ناس خرجوا في البوادي ابتغاء الخير من أهلها فأصابوا منهم معروفا ، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى ، فقال الناس لهم : ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا ، فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا ، وأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله هذه الآية ، أي : هلا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ويستمعوا ما أنزل بعدهم ولينذروا قومهم ، يعني : الناس كلهم إذا رجعوا إليهم ويدعوهم إلى الله ، لعلهم يحذرون بأس الله ونقمته ، وقعدت طائفة يبتغون الخير .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أنبأنا أبو الحسن الطيسفوني ، حدثنا عبد الله بن عمر الجوهري ، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أبي سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، حدثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أنبأنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " .
والفقه : هو معرفة أحكام الدين ، وهو ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ، ففرض العين مثل : علم الطهارة والصلاة ، والصوم ، فعلى كل مكلف معرفته ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " .
وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على كل واحد ، يجب عليه معرفة علمها ، مثل : علم الزكاة إن كان له مال ، وعلم الحج إن وجب عليه .
وأما فرض الكفاية فهو : أن يتعلم حتى يبلغ درجة الاجتهاد ورتبة الفتيا ، فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا ، وإذا قام من كل بلد واحد فتعلمه سقط الفرض عن الآخرين ، وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث ، روى أبو أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد " .
قال الشافعي : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة .
ولما وبِّخوا على التخلف وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية نفروا جميعا فنزل «وما كان المؤمنون لينفروا» إلى الغزو «كافة فلولا» فهلا «نفر من كلِّّّّ فرقة» قبيلة «منهم طائفة» جماعة، ومكث الباقون «ليتفقَّهوا» أي الماكثون «في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم» من الغزو بتعليمهم ما تعلموه من الأحكام «لعلهم يحذرون» عقاب الله بامتثال أمره ونهيه، قال ابن عباس فهذه مخصوصة بالسرايا، والتي قبلها بالنهي عن تخلُّف واحد فيما إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم.
وما كان ينبغي للمؤمنين أن يخرجوا جميعًا لقتال عدوِّهم، كما لا يستقيم لهم أن يقعدوا جميعًا، فهلا خرج من كل فرقة جماعة تحصل بهم الكفاية والمقصود؛ وذلك ليتفقه النافرون في دين الله وما أنزل على رسوله، وينذروا قومهم بما تعلموه عند رجوعهم إليهم، لعلهم يحذرون عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
وبعد أن حرض الله - تعالى - المؤمنين على الجهاد فى سبيله ، وحذرهم من التخلف عن الخروج مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتبع ذلك بالحديث عما يجب عليهم إذا لم تكن المصلحة تقتضى النفير العام ، فقال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ المؤمنون ) .قال الجمل : وسبب نزول هذه الآية أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما بالغ فى الكشف عن عيوب المنافقين ، وفضحهم فى تخلفهم عن غزوة تبوك .
قال المسلمون : والله لا نتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن سرية بعثها ، فلما قدم - صلى الله عله وسلم - المدينة من تبوك ، وبعث السرايا ، أراد المسلمون أن ينفروا جميعا للغزة وأن يتركوا النبى - صلى الله عليه وسلم - وحده فنزلت هذه الآية .والمعنى ، وما كان من شأن المؤمنين ، أن ينفروا جميعا فى كل سرية تخرج للجهاد ، ويتركوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحجه بالمدينة ، وإنما يجب عليهم النفير العام إذا ما دعاهم - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك .وقوله : ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ) معطوف على كلام محذوف ، ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا .أى : فحين لم يكن هناك موجب لنفير الكافة ، فهلا نفر من كل فرقة من المؤمنين طائفة للجهاد ، وتبقى طائفة أخرى منهم ( لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين ) أى : ليتعلموا أحكامه من رسولهم - صلى الله عليه وسلم - ( وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ) أى : وليعلموهم ويخبروهم بما أمروا به أو نهوا عنه ( إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ ) من الغزو ( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) أى : لعل هؤلاء الراجعين إليهم من الغزو يحذرون ما نهوا عنه .أى : أن على المسلمين فى حالة عدم النفير العام ، أن يقسموا أنفسهم إلى قسمين .قسم يبقى مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليتفقه فى دينه ، وقسم آخر يخرج للجهاد فى سبيل الله ، فإذا ما عاد المجاهدون ، فعلى الباقين مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغوا العائدين ما حفظوه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أحكام .وبذلك يجمع المسلمون بين المصلحتين : مصلحة الدفاع عن الدين بالحجة والبرهان ، ومصلحة الدفاع عنه بالسيف والسنان .وعلى هذا التفسير الذى سار عليه جمهور العلماء يكون الضمير فى قوله ( لِّيَتَفَقَّهُواْ .
.
.
وَلِيُنذِرُواْ ) يعود إلى الطائفة الباقية مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - .أما الضمير فى قوله ( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) فيعود على الطائفة التى خرجت للجهاد ثم عادت .ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله ( لِّيَتَفَقَّهُواْ .
.
.
وَلِيُنذِرُواْ ) يعود على الطائفة التى خرجت للجهاد .وقد رجح هذا الاتجاه الإِمام ابن جرير فقال : وأما قوله ( لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ ) فإن أولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : لتتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله لأهل دينه ولأصحابه رسوله على أهل عداوته والكفر به ، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإِسلام ، وظهوره على الأديان ، من لم يكن فقه ، ( وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ) فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله ، مثل الذى نزل بمن شاهدوا ، ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك ، إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم ( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) أى : لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك ، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله ، حذرا من أن ينزل بهم ما انزل بالذين أخبروا خبرهم ..وقد علق صاحب المنار على رأى ابن جرير هذا بقوله : وهذا تأويل متكلف ينبو عنه النظم الكريم ، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من النصر - وهو غير ممضون ولا مطرد - لا يسمى تفقها فى الدين ، وإن كان يدخل فى عموم معنى الفقه ، فإن التفقه هو التعلم الذى يكون بالتكلف والتدرج ، والمتبادر من الدين علمه ، ولا يصح هذا المعى فى ذلك العهد إلا فى الذين يبقون مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فيزدادون فى كل يوم علما وفقها بنزول القرآن .
.هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية : وجوب طلب العلم ، والتفقه فى دين الله وتعليم الناس إياه .قال القرطبى : هذه الآية أصل فى وجوب طلب العلم؛ لأن المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبى - صلى الله عليه وسلم - مقيم لا ينفر فيتركوه وحده " فلولا نفر " بعدما علموا أن النفير لا يسعه جميعهم ( مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ) وتبقى بقيتها مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا ، فإذا رجع النافرون إليهم أخبرهم بما سمعوه وعلموه ، وفى هذا إيجاب التفقه ، فى الكتاب والسنة ، وأنه على الكفاية دون الأعيان .
.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه يمكن أن يقال: هذه الآية من بقية أحكام الجهاد، ويمكن أن يقال: إنها كلام مبتدأ لا تعلق لها بالجهاد.
أما الاحتمال الأول: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه السلام كان إذا خرج إلى الغزو لم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عُذر.
فلما بالغ الله سبحانه في عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن شيء من الغزوات مع الرسول عليه السلام ولا عن سرية.
فلما قدم الرسول عليه السلام المدينة، وأرسل السرايا إلى الكفار، نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة، فنزلت هذه الآية.
والمعنى: أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بكليتهم إلى الغزو والجهاد، بل يجب أن يصيروا طائفتين.
تبقى طائفة في خدمة الرسول، وتنفر طائفة أخرى إلى الغزو، وذلك لأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجاً إلى الغزو والجهاد وقهر الكفار، وأيضاً كانت التكاليف تحدث والشرائع تنزل، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يكون مقيماً بحضرة الرسول عليه السلام فيتعلم تلك الشرائع، ويحفظ تلك التكاليف ويبلغها إلى الغائبين.
فثبت أن في ذلك الوقت كان الواجب انقسام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين، أحد القسمين ينفرون إلى الغزو والجهاد، والثاني: يكونون مقيمين بحضرة الرسول، فالطائفة النافرة إلى الغزو يكونون نائبين عن المقيمين في الغزو، والطائفة المقيمة يكونون نائبين عن النافرين، في التفقه، وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين.
إذا عرفت هذا فنقول على هذا القول احتمالان: أحدهما: أن تكون الطائفة المقيمة هم الذين يتفقهون في الدين بسبب أنهم لما لازموا خدمة الرسول- عليه الصلاة والسلام- وشاهدوا الوحي والتنزيل، فكلما نزل تكليف وحدث شرع عرفوه وضبطوه، فإذا رجعت الطائفة النافرة من الغزو إليهم، فالطائفة المقيمة ينذرونهم ما تعلموه من التكاليف والشرائع، وبهذا التقرير فلابد في الآية من إضمار، والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، وأقامت طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ولينذروا قومهم، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم.
والاحتمال الثاني: هو أن يقال: التفقه صفة للطائفة النافرة وهذا قول الحسن.
ومعنى الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدين، وذلك التفقه المراد منه أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين، وأن العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين، فحينئذ يعلمون أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم بالنصرة والتأييد وأنه تعالى يريد إعلاء دين محمد عليه السلام وتقوية شريعته، فإذا رجعوا من ذلك النفر إلى قومهم من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لعلهم يحذرون، فيتركوا الكفر والشك والنفاق، فهذا القول أيضاً محتمل، وطعن القاضي في هذا القول: قال لأن هذا الحس لا يعد فقهاً في الدين، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا شاهدوا أن القوم القليل الذين ليس لهم سلاح ولا زاد يغلبون الجمع العظيم من الكفار الذين كثر زادهم وسلاحهم، وقويت شوكتهم، فحينئذ انتبهوا لما هو المقصود وهو أن هذا الأمر من الله تعالى وليس من البشر.
إذ لو كان من البشر لما غلب القليل الكثير، ولما بقي هذا الدين في التزايد والتصاعد كل يوم، فالتنبه لفهم هذه الدقائق واللطائف لا شك أنه تفقه.
وأما الاحتمال الثالث: وهو أن يقال هذه الآية ليست من بقايا أحكام الجهاد، بل هو حكم مبتدأ مستقل بنفسه، وتقريره أن يقال إنه تعالى لما بين في هذه السورة أمر الهجرة، ثم أمر الجهاد، وهما عبادتان بالسفر، بين أيضاً عبادة التفقه من جهة الرسول عليه السلام وله تعلق بالسفر.
فقال: وما كان المؤمنون لينفروا كافة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك غير واجب وغير جائز، وليس حاله كحال الجهاد معه الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له.
ثم قال: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ يعني من الفرق الساكنين في البلاد، طائفة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في ا لدين، وليعرفوا الحلال والحرام، ويعودوا إلى أوطانهم، فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم، وعلى هذا التقدير يكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتفقه والتعلم.
فإن قيل: أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه في كل زمان؟
قلنا: متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه السفر، وفي زمان الرسول- عليه السلام- كان الأمر كذلك، لأن الشريعة ما كانت مستقرة، بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد وشرع حادث.
أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة، فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يكن السفر واجباً، إلا أنه لما كان لفظ الآية دليلاً على السفر، لا جرمَ رأينا أن العلم المبارك المنتفع به لا يحصل إلا في السفر.
المسألة الثانية: في تفسير الألفاظ المذكورة في هذه الآية لولا إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل هلا، وإنما جاز أن يكون لولا بمعنى هلا، لأن هلا كلمتان هل وهو استفهام وعرض، لأنك إذا قلت للرجل هل تأكل؟
هل تدخل؟
فكأنك عرضت ذلك عليه، ولا وهو جحد، فهلا مركب من أمرين: العرض، والجحد.
فإذا قلت: هلا فعلت كذا؟
فكأنك قلت: هل فعلت.
ثم قلت معه: لا أي ما فعلته، ففيه تنبيه على وجوب الفعل، وتنبيه على أنه حصل الإخلال بهذا الواجب، وهكذا الكلام في لولا لأنك إذا قلت: لولا دخلت علي، ولولا أكلت عندي.
فمعناه أيضاً عرض وإخبار عن سرورك به، لو فعل، وهكذا الكلام في لوما ومنه قوله: ﴿ لومَا تَأْتِينَا بالملئكة ﴾ فثبت أن لولا وهلا ولوما ألفاظ متقاربة، والمقصود من الكل الترغيب والتحضيض فقوله: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ ﴾ أي فهلا فعلوا ذلك.
المسألة الثالثة: هذه الآية حجة قوية لمن يرى أن خبر الواحد حجة، وقد أطنبنا في تقريره في كتاب المحصول من الأصول، والذي نقوله هاهنا أن كل ثلاثة؛ فرقة.
وقد أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة يكون اثنين أو واحداً، فوجب أن يكون الطائفة إما اثنين وإما واحداً، ثم إنه تعالى أوجب العمل بأخبارهم لأن قوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ عبارة عن أخبارهم.
وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ إيجاب على قومهم أن يعلموا بأخبارهم، وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في الشرع.
قال القاضي: هذه الآية لا تدل على وجوب العمل بخبر الواحد، لأن الطائفة قد تكون جماعة يقع بخبرها الحجة، ولأن قوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ يصح وإن لم يجب القبول كما أن الشاهد الواحد يلزمه الشهادة، وإن لم يلزم القبول، ولأن الإنذار يتضمن التخويف، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل به.
والجواب: أما قوله: ﴿ الطائفة ﴾ قد تكون جماعة، فجوابه: أنا بينا أن كل ثلاثة فرقة، فلما أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة لزم كون الطائفة، إما اثنين أو واحداً، وذلك يبطل كون الطائفة جماعة يحصل العلم بخبرهم.
فإن قالوا: إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف ولعلهم بلغوا في الكثرة إلى حيث يحصل العلم بقولهم.
قلنا: إنه تعالى أوجب على كل طائفة أن يرجعوا إلى قومهم وذلك يقتضي رجوع كل طائفة إلى قوم خاص، ثم إنه تعالى أوجب العلم بقول تلك الطائفة وذلك يفيد المطلوب.
وأما قوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ يصح وإن لم يجب القبول.
فنقول إنا لا نتمسك في وجوب العمل بخبر الواحد بقوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ ﴾ بل بقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ ترغيب منه تعالى في الحذر، بناء على أن ذلك الإنذار يقتضي إيجاب العمل على وفق ذلك الإنذار، وبهذا الجواب خرج الجواب عن سؤاله الثالث وهو قوله: الإنذار يتضمن التخويف، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل به.
المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق، وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم، لأن الآية تدل على أنه تعالى أمرهم بالتفقه في الدين، لأجل أنهم إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بالدين الحق، وأولئك يحذرون الجهل والمعصية ويرغبون في قبول الدين.
فكل من تفقه وتعلم لهذا الغرض كان على المنهج القويم والصراط المستقيم، ومن عدل عنه وطلب الدنيا بالدين كان من الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
<div class="verse-tafsir"
اللام لتأكيد النفي.
ومعناه أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح ولا ممكن.
وفيه أنه لو صحّ وأمكن، ولم يؤدّ إلى مفسدة لوجب التفقه على الكافة، ولأنّ طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ ﴾ فحين لم يمكن نفير الكافة ولم يكن مصلحة فهلا نفر ﴿ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ ﴾ أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير ﴿ لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين ﴾ ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا المشاق في أخذها وتحصيلها ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه: إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم، لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة ويؤمّونها من المقاصد الركيكة، ومن التصدّر والترؤس والتبسط في البلاد، والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم ومنافسة بعضهم بعضاً، وفشوّ داء الضرائر بينهم وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شرذمة جثوا بين يديه، وتهالكه على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم، فما أبعد هؤلاء من قوله عزّ وجلّ: ﴿ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً ﴾ [القصص: 83] .
﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ إرادة أن يحذروا الله فيعملوا عملاً صالحاً.
ووجه آخر: وهو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث بعثاً- بعد غزوة تبوك وبعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد- استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعاً عن استماع الوحي والتفقه في الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ويبقى أعقابهم يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، لأنّ الجدال بالحجّة أعظم أثراً من الجلاد بالسيف.
وقوله: ﴿ لّيَتَفَقَّهُواْ ﴾ الضمير فيه للفرق الباقية بعد الطواف، النافرة من بينهم ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم وعلى الأوّل الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا لِنَحْوِ غَزْوٍ أوْ طَلَبِ عِلْمٍ كَما لا يَسْتَقِيمُ لَهم أنْ يَتَثَبَّطُوا جَمِيعًا فَإنَّهُ يُخِلُّ بِأمْرِ المَعاشِ.
﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ ﴾ فَهَلّا نَفَرَ مِن كُلِّ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ كَقَبِيلَةٍ وأهْلِ بَلْدَةٍ جَماعَةٌ قَلِيلَةٌ.
﴿ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ﴾ لِيَتَكَلَّفُوا الفَقاهَةَ فِيهِ ويَتَجَشَّمُوا مَشاقَّ تَحْصِيلِها.
﴿ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ ﴾ ولِيَجْعَلُوا غايَةَ سَعْيِهِمْ ومُعْظَمَ غَرَضِهِمْ مِنَ الفَقاهَةِ إرْشادَ القَوْمِ وإنْذارَهم، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أهَمُّ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّفَقُّهَ والتَّذْكِيرَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضَ المُتَعَلِّمِ فِيهِ أنْ يَسْتَقِيمَ ويُقِيمَ لا التَّرَفُّعُ عَلى النّاسِ والتَّبَسُّطُ في البِلادِ.
﴿ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ﴾ إرادَةَ أنْ يَحْذَرُوا عَمّا يُنْذَرُونَ مِنهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ أخْبارَ الآحادِ حُجَّةٌ لِأنَّ عُمُومَ كُلِّ فِرْقَةٍ يَقْتَضِي أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ ثَلاثَةٍ تَفَرَّدُوا بِقَرْيَةٍ طائِفَةٌ إلى التَّفَقُّهِ لِتُنْذِرَ فِرْقَتَها كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَحْذَرُوا، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ الأخْبارُ ما لَمْ يَتَواتَرْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ، وقَدْ أشْبَعْتُ القَوْلَ فِيهِ تَقْرِيرًا واعْتِراضًا في كِتابِي « المِرَصادُ» .
وقَدْ قِيلَ لِلْآيَةِ مَعْنى آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ ما نَزَلَ سَبَقَ المُؤْمِنُونَ إلى النَّفِيرِ وانْقَطَعُوا عَنِ التَّفَقُّهِ، فَأُمِرُوا أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ إلى الجِهادِ ويَبْقى أعْقابُهم يَتَفَقَّهُونَ حَتّى لا يَنْقَطِعَ التَّفَقُّهُ الَّذِي هو الجِهادُ الأكْبَرُ، لِأنَّ الجِدالَ بِالحُجَّةِ هو الأصْلُ والمَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في لِيَتَفَقَّهُوا ولِيُنْذِرُوا لِبَواقِي الفِرَقِ بَعْدَ الطَّوائِفِ النّافِرَةِ لِلْغَزْوِ، وفي رَجَعُوا لِلطَّوائِفِ أيْ ولِيُنْذِرُوا البَواقِي قَوْمَهُمُ النّافِرِينَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ بِما حَصَّلُوا أيّامَ غَيْبَتِهِمْ مِنَ العُلُومِ.
<div class="verse-tafsir"
{وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الام لتأكيد النفي أي أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح للإفضاء إلى المفسدة {فَلَوْلاَ نَفَرَ} فحين لم يكن نفير الكافة فهلا نفر {مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ} أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير {لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين} ليتكلفوا الفقاهة فيه
التوبة (١٢٢ _ ١٢٦)
ويتجشموا المشاق في تحصيلها {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} وليجعلوا مرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم {إذا رجعوا إليهم} دون الاعراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ما يجب اجتنابه وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث بعثاً بعد غزوة تبوك بعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعاً عن التفقه في الدين فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ويبقى سائرهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثراً من الجهاد
بالنضال والضمير في لّيَتَفَقَّهُواْ للفرق الباقية بعد الطوائف النافرة من بينهم وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصّلوا في أيام غيبتهم من العلوم وعلى الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه
﴿ وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ أيْ ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَخْرُجُوا إلى الغَزْوِ جَمِيعًا.
رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى المُتَخَلِّفِينَ قالُوا: لا يَتَخَلَّفُ مِنّا أحَدٌ عَنْ جَيْشٍ أوْ سَرِيَّةٍ أبَدًا فَفَعَلُوا ذَلِكَ وبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحْدَهُ فَنَزَلَ ﴿ وما كانَ ﴾ إلَخْ والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ النَّفِيرِ جَمِيعًا لِما فِيهِ مِنَ الإخْلالِ بِالتَّعَلُّمِ ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ ﴾ لَوْلا هُنا تَحْضِيضِيَّةٌ وهي مَعَ الماضِي تُفِيدُ التَّوْبِيخَ عَلى تَرْكِ الفِعْلِ ومَعَ المُضارِعِ تُفِيدُ طَلَبَهُ والأمْرَ بِهِ لَكِنَّ اللَّوْمَ عَلى التَّرْكِ فِيما يُمْكِنُ تَلافِيهِ قَدْ يُفِيدُ الأمْرَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ أيْ فَهَلّا نَفَرَ ﴿ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ ﴾ أيْ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿ مِنهُمْ ﴾ كَأهْلِ بَلْدَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿ طائِفَةٌ ﴾ أيْ جَماعَةٌ قَلِيلَةٌ وحَمْلُ الفِرْقَةِ والطّائِفَةِ عَلى ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّياقِ ومِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ لِأنَّ البَعْضَ في الغالِبِ أقَلُّ مِنَ الباقِي وإلّا فالجَوْهَرِيُّ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الطّائِفَةَ قَدْ تَقَعُ عَلى الواحِدِ وآخَرُونَ أنَّها لا تَقَعُ وأنَّ أقَلَّها اثْنانِ وقِيلَ: ثَلاثَةٌ ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ﴾ أيْ لِيَتَكَلَّفُوا الفَقاهَةَ فِيهِ فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مَعْناهُ المُتَبادِرَ بَلْ مُقاساةُ الشِّدَّةِ في طَلَبِ ذَلِكَ لِصُعُوبَتِهِ فَهو لا يَحْصُلُ بِدُونِ جِدٍّ وجَهْدٍ ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ 122﴾ أيْ عَمّا يُنْذَرُونَ مِنهُ وضَمِيرُ يَتَّفِقُوا ويُنْذَرُوا عائِدٌ إلى الفِرْقَةِ الباقِيَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ وقِيلَ: لا بُدَّ مِن إضْمارٍ وتَقْدِيرٍ أيْ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ وأقامَ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا إلَخْ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: لِيَعْلَمُوا بَدَلَ (لِيُنْذَرُوا) ويَفْقَهُونَ بَدَلُ ﴿ يَحْذَرُونَ ﴾ لَكِنَّهُ اخْتِيرَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضُ المُعَلِّمِ الإرْشادَ والإنْذارَ وغَرَضُ المُتَعَلِّمِ اكْتِسابَ الخَشْيَةِ لا التَّبَسُّطَ والِاسْتِكْبارَ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: كانَ اسْمُ الفِقْهِ في العَصْرِ الأوَّلِ اسْمًا لِعِلْمِ الآخِرَةِ ومَعْرِفَةِ دَقائِقِ آفاتِ النُّفُوسِ ومُفْسِداتِ الأعْمالِ وقُوَّةِ الإحاطَةِ بِحَقارَةِ الدُّنْيا وشِدَّةِ التَّطَلُّعِ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ واسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلى القَلْبِ وتَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَما بِهِ الإنْذارُ والتَّخْوِيفُ هو الفِقْهُ دُونَ تَعْرِيفاتِ الطَّلاقِ واللِّعانِ والسَّلَمِ والإجاراتِ، وسَألَ فَرَقَدٌ السَّنْجِيُّ الحَسَنَ عَنْ شَيْءٍ فَأجابَهُ فَقالَ: إنَّ الفُقَهاءَ يُخالِفُونَكَ.
فَقالَ الحَسَنُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ هَلْ رَأيْتَ فَقِيهًا يُعِينُكَ؟
إنَّما الفَقِيهُ الزّاهِدُ في الدُّنْيا الرّاغِبُ في الآخِرَةِ البَصِيرُ بِدِينِهِ المُداوِمُ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِ الوَرِعُ الكافُّ عَنْ أعْراضِ المُسْلِمِينَ العَفِيفُ عَنْ أمْوالِهِمُ النّاصِحُ لِجَماعَتِهِمْ، ولَمْ يَقُلْ في جَمِيعِ ذَلِكَ الحافِظُ لِفُرُوعِ الفَتاوى أ هـ وهو مِنَ الحَسَنِ بِمَكانٍ، لَكِنَّ الشّائِعَ إطْلاقُ الفَقِيهِ عَلى مَن يَحْفَظُ الفُرُوعَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ بِدَلائِلِها أمْ لا كَما في التَّحْرِيرِ.
وفي البَحْرِ عَنِ المُنْتَقى ما يُوافِقُهُ واعْتُبِرَ في القُنْيَةِ الحِفْظُ مَعَ الأدِلَّةِ فَلا يَدْخُلُ في الوَصِيَّةِ لِلْفُقَهاءِ مَن حَفِظَ بِلا دَلِيلٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: الفَقِيهُ عِنْدَنا مَن بَلَغَ في الفِقْهِ الغايَةَ القُصْوى، ولَيْسَ المُتَفَقِّهُ بِفَقِيهٍ ولَيْسَ لَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ نَصِيبٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُعْتَبَرَ في الوَصِيَّةِ ونَحْوِها العُرْفَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِن أصْحابِنا وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ تَخْصِيصَ الإنْذارِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ الأهَمُّ وإلّا فالمَقْصُودُ الإرْشادُ الشّامِلُ لِتَعْلِيمِ السُّنَنِ والآدابِ والواجِباتِ والمُباحاتِ والإنْذارُ أخَصُّ مِنهُ، ودَعْوى أنَّهُما مُتَلازِمانِ وذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنٍ عَنِ الآخَرِ غَفْلَةٌ أوْ تَغافُلٌ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ النَّفْرِ النَّفْرُ والخُرُوجُ لِطَلَبِ العِلْمِ فالآيَةُ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبِلَها مِن أمْرِ الجِهادِ بَلْ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهِ وُجُوبَ الهِجْرَةِ والجِهادِ وكُلٌّ مِنهُما سَفَرٌ لِعِبادَةٍ فَبَعْدَما فَضَّلَ الجِهادَ ذَكَرَ السَّفَرَ الآخَرَ وهو الهِجْرَةُ لِطَلَبِ العِلْمِ فَضَمِيرُ يَتَفَقَّهُوا ويُنْذَرُوا لِلطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ وهي النّافِرَةُ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما أنَّهُ قالَ: إنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجُوا في البَوادِي فَأصابُوا مِنَ النّاسِ مَعْرُوفًا ومِنَ الخِصْبِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ ودَعَوْا مَن وجَدُوا مِنَ النّاسِ إلى الهُدى فَقالَ لَهُمُ النّاسُ: ما نَراكم إلّا قَدْ تَرَكْتُمْ أصْحابَكم وجِئْتُمُونا فَوَجَدُوا في أنْفُسِهِمْ مِن ذَلِكَ تَحَرُّجًا وأقْبَلُوا مِنَ البادِيَةِ كُلُّهم حَتّى دَخَلُوا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ وما كانَ المُؤْمِنُونَ ﴾ إلَخْ أيْ لَوْلا خَرَجَ بَعْضٌ وقَعَدَ بَعْضٌ يَبْتَغُونَ الخَيْرَ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيَسْمَعُوا ما أُنْزِلَ ولِيُنْذِرُوا النّاسَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ التَّفَقُّهَ في الدِّينِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ.
وما في كَشْفِ الحِجابِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ.
عَلى تَضْعِيفِ الصَّغانِيِّ لَهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ العِلْمِ فِيهِ إلّا ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أداءُ الفَرائِضِ ولا شَكَّ في أنَّ تَعَلُّمَهُ فَرْضٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ خَبَرَ الآحادِ حُجَّةٌ لِأنَّ عُمُومَ كُلِّ فِرْقَةٍ يَقْتَضِي أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ ثَلاثَةٍ تَفَرَّدُوا بِقَرْيَةٍ طائِفَةٌ إلى التَّفَقُّهِ لِتُنْذِرَ قَوْمَها كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَحْذَرُوا فَلَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ الأخْبارَ ما لَمْ تَتَواتَرْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ، وقَرَّرَ بَعْضُهم وجْهَ الدَّلالَةِ بِأمْرَيْنِ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الطّائِفَةَ بِالإنْذارِ وهو يَقْتَضِي فِعْلَ المَأْمُورِ بِهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ إنْذارًا والثّانِي أمْرُهُ سُبْحانَهُ القَوْمَ بِالحَذَرِ عِنْدَ الإنْذارِ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ﴾ لِيَحْذَرُوا وذَلِكَ أيْضًا يَتَضَمَّنُ لُزُومَ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ قائِمَةٌ عَلى أيِّ تَفْسِيرٍ شِئْتَ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ، ولا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ عَلى صِدْقِ الطّائِفَةِ عَلى الواحِدِ الَّذِي هو مَبْدَأِ الإعْدادِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ صِدْقُها عَلى ما لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّواتُرِ وإنْ كانَ ثَلاثَةً فَأكْثَرَ وكَذا لا يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ لا يَكُونَ التَّرَجِّي مِنَ المُنْذَرِينَ بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ويُرادُ مِنهُ الطَّلَبُ مَجازًا كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، روي عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، يعني: «ما كان للمؤمنين لينفروا جميعا ويتركوا النبيّ وحده بالمدينة» .
فَلَوْلا نَفَرَ، يقول: فهلا خرج مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ، يعني: عصبة وجماعة، ويقيم طائفة مع النبيّ ، لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، يعني: ليتعلموا العلم وشرائع الدين.
فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون عن النبيّ ، فيعلمونهم ويقولون: إن الله تعالى قد أنزل على نبيكم بعدكم كذا وكذا، وهذا قوله: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، يعني: يتعظون بما أمروا ونهوا عنه.
ولها وجه آخر، وهو ما روي أيضاً عن معاوية بن صالح، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس: «أن النبيّ ، لما دعا على مضر بالسنين، أجدبت بلادهم.
وكانت القبيلة تقبل بأسرها، حتى يلحقوا بالمدينة ويعلنوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر الرسول أنهم ليسوا بمؤمنين، فردهم رسول الله إلى عشائرهم وحذَّر قومهم أن يفعلوا فعلهم بعد ذلك، وهو قوله: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
وروى أسباط بن السدي قال: أقبلت أعراب هذيل وأصابتهم مجاعة، واستعانوا بتمر المدينة وأظهروا الإسلام، وكانوا يفتخرون على المؤمنين، فيقولون: نحن أسلمنا طائعين يعني: بغير قتال وأنتم قوتلتم، فنحن خير منكم، فآذوا المؤمنين، فأنزل الله تعالى فيهم يخبرهم بأمرهم قال: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً أي جميعاً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ يعني: من كل بطن طائفة.
فأتوا رسول الله فسمعوا كلامه، ثم رجعوا إلى قومهم فأخبروهم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ يعني: يتعظون فيعملون به ولا يعملون بخلافه.
وفي هذه الآية دليل أن أخبار الآحاد مقبولة ويجب العمل بها لأن الله تعالى أخبر أن الفرقة من الطائفة إذا تفقهت في الدين وأنذرت قومهم، صحّ ذلك.
ولفظ الطائفة يتناول الواحد والأكثر، لأن أقل الفرقة اثنان، والطائفة من الاثنين واحد.
<div class="verse-tafsir"
ففي الصحيح، بأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال في هذه الغزوة بعينها: «إِنَّ بِالمَدِينَةِ قَوْماً مَا سَلَكْتُمْ وَادِياً وَلاَ قَطَعْتُمْ شِعْباً إلّا وهم معكم حبسهم العذر» «١» انتهى.
وقوله سبحانه: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ...
الآية: قالتْ فرقة: إِن المؤمنين الذين/ كانوا بالبادية سكَّاناً ومبعوثين لتعليم الشَّرْع، لما سمعوا قولَ اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ ...
الآية [التوبة: ١٢٠] ، أهمّهم ذلك، فنفروا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خشية أنْ يكونُوا عُصَاةً في التخلُّف عن الغَزْوِ، فنزلَتْ هذه الآية في نَفْرِهِمْ ذلك.
وقالتْ فرقة: سَبَبُ هذه الآية أن المنافقين، لما نزلَتِ الآيات في المتخلِّفين، قالوا:
هَلَكَ أَهْلُ البوادِي، فنزلَتْ هذه الآية مقيمةً لعُذْرِ أهل البوادي.
قال ع «٢» : فيجيء قوله: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ:
عمومٌ في اللفظ، والمراد به في المَعنَى الجمهورُ والأكْثَرُ، وتجيءُ هذه الآية مبيِّنة لذلك.
وقالتْ فرقةٌ: هذه الآية ناسِخَةٌ لكُلِّ ما ورد من إِلزام الكافَّة النَّفير والقِتَال، وقال ابنُ عبَّاس ما معناه: أَنَّ هذه الآية مختصَّة بالبعوثِ والسَّرايا «٣» والآية المتقدِّمة ثابتةُ الحُكْم مع خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الغَزْو، وقَالَتْ فرقةٌ: يشبه أنْ يكون التفقّه في الغزو وفي
السرايا، لِمَا يَرَوْنَ من نُصْرَةِ اللَّه لدينِهِ، وإِظهارِهِ العَدَد القليلَ من المؤمنين على الكثير من الكافرين، وعِلْمِهم بذلك صحَّة دِينِ الإِسلام ومكانَتِهِ.
ع «١» : والجمهور على أن التفقُّه إِنما هو بمشاهدة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصُحْبَته، وقيل غير هذا.
ت: وَصحَّ عنه صلّى الله عليه وسلّم، أنه قَالَ: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وإذا استنفرتم فانفروا» «٢» ، وقد استنفر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس في غزوة تَبُوكَ، وأعلن بها حَسَبَ
ما هو مصرَّح به في حديث كَعْب بن مالِكٍ في «الصِّحَاح» ، فكان العَتَبُ متوجِّهاً على من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّهُ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عُيُوبَ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَ المُؤْمِنُونَ: واللَّهِ لا نَتَخَلَّفُ عَنْ غَزْوَةٍ يَغْزُوها رَسُولُ اللَّهِ ولا سَرِيَّةٍ أبَدًا.
فَلَمّا أرْسَلَ السَّرايا بَعْدَ تَبُوكَ، نَفَرَ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا، وتَرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ وحْدَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا دَعا عَلى مُضَرَ، أجْدَبَتْ بِلادُهُمْ؛ فَكانَتِ القَبِيلَةُ مِنهم تُقْبِلُ بِأسْرِها إلى المَدِينَةِ مِنَ الجَهْدِ، ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ وهم كاذِبُونَ؛ فَضَيَّقُوا عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ناسًا أسْلَمُوا، وخَرَجُوا إلى البَوادِي يَعْلَمُونَ قَوْمَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ ﴾ ، فَقالَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ: هَلَكَ مَن لَمْ يَنْفِرْ مِن أهْلِ البَوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ ناسًا خَرَجُوا إلى البَوادِي يُعَلِّمُونَ النّاسَ ويَهْدُونَهُمْ، ويُصِيبُونَ مِنَ الحُطَبِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ فَقالَ لَهُمُ النّاسُ: ما نَراكُمُ إلّا قَدْ تَرَكْتُمْ أصْحابَكم وجِئْتُمُونا؛ فَأقْبَلُوا مِنَ البادِيَةِ كُلَّهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَفَظُ الآَيَةِ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناها الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، والمَعْنى: يَنْبَغِي أنْ يَنْفِرَ بَعْضُهُمْ، ويَبْقى البَعْضُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَنْفِرُ ويَنْفُرُ، بِكَسْرِ الفاءِ وضَمِّها لُغَتانِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا النَّفِيرِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ النَّفِيرُ إلى العَدُوِّ، فالمَعْنى: ما كانَ لَهم أنْ يَنْفِرُوا بِأجْمَعِهِمْ، بَلْ تَنْفِرُ طائِفَةٌ، وتَبْقى مَعَ النَّبِيِّ طائِفَةٌ.
(لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ) يَعْنِي الفِرْقَةَ القاعِدِينَ.
فَإذا رَجَعَتِ السَّرايا، وقَدْ نَزَلَ بِعَدَهم قُرْآَنٌ أوْ تَجَدَّدَ أمْرٌ، أعْلَمُوهم بِهِ وأنْذَرُوهم بِهِ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّفِيرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، بَلْ تَنْفِرُ مِنهم طائِفَةٌ لَيَتَفَقَّهَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمُ المُتَخَلِّفِينَ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وهو أشْبَهُ بِظاهِرِ الآَيَةِ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ نَفِيرُ هَذِهِ الطّائِفَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إنْ خَرَجَ إلى غَزاةٍ أوْ مَعَ سَراياهُ.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي، يَكُونُ نَفِيرُ الطّائِفَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِاقْتِباسِ العِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالبادِيَةِ سُكّانًا ومَبْعُوثِينَ لِتَعْلِيمِ الشَرْعِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ ﴾ أهَمَّهم ذَلِكَ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ إلى رَسُولِ اللهِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ في التَخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفْرِهِمْ ذَلِكَ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ في المُتَخَلِّفِينَ قالُوا: هَلَكَ أهْلُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُقِيمَةً لِعُذْرِ أهْلِ البَوادِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ ﴾ عُمُومٌ في اللَفْظِ والمُرادُ بِهِ في المَعْنى الجُمْهُورُ والأكْثَرُ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً لِذَلِكَ مُطَّرِدَةَ الألْفاظِ مُتَّصِلَةَ المَعْنى مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُونَ ﴾ .
بَيَّنَ في آخِرِ الآيَةِ العُمُومَ الَّذِي في أوَّلِها إذْ هو مُعَرَّضٌ أنْ يُتَأوَّلَ فِيهِ ألّا يَتَخَلَّفَ بَشَرٌ.
والتَفَقُّهُ هو مِنَ النافِرِينَ، والإنْذارُ هو مِنهُمْ، والضَمِيرُ في رَجَعُوا لَهم أيْضًا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ في مَعْنى الغَزْوِ، وإنَّما سَبَبُها أنَّ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ لَمّا دَعا رَسُولُ اللهِ عَلى مُضَرَ بِالسِنِينَ أصابَتْهم مَجاعَةٌ وشِدَّةٌ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ لِمَعْنى المَعاشِ فَكادُوا أنْ يُفْسِدُوها، وكانَ أكْثَرُهم غَيْرَ صَحِيحِ الإيمانِ وإنَّما أضْرَعَهُ الجُوعُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ فَقالَ: وما كانَ مِن صِفَتِهِ الإيمانُ لِيَنْفِرَ مِثْلَ هَذا النَفِيرِ، أيْ: لَيْسَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالبُعُوثِ والسَرايا، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ في الغَزْوِ، وهَذِهِ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِهِ، أيْ: يَجِبُ إذا تَخَلَّفَ ألّا يَنْفِرَ الناسُ كافَّةً فَيَبْقى هو مُنْفَرِدًا، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَنْفِرَ طائِفَةٌ وتَبْقى طائِفَةٌ لِتَتَفَقَّهَ هَذِهِ الباقِيَةُ في الدِينِ، ويُنْذِرُوا النافِرِينَ إذا رَجَعَ النافِرُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِكُلِّ ما ورَدَ مِن إلْزامِ الكافَّةِ النَفِيرَ والقِتالَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا ﴾ عائِدٌ أيْضًا -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى الطائِفَةِ المُتَخَلِّفَةِ مَعَ النَبِيِّ ، وهو القَوْلُ الأوَّلُ في تَرْتِيبِنا هَذا عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ النافِرَةِ، وكَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَوْدُهُ مَعَ بَعْضِ الأقْوالِ عَلى هَذِهِ، ومَعَ بَعْضِها عَلى هَذِهِ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَفَقُّهَ إنَّما هو بِمُشاهَدَةِ رَسُولِ اللهِ وصُحْبَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ التَفَقُّهُ في الغَزْوِ في السَرايا لِما يَرَوْنَ مِن نُصْرَةِ اللهِ لِدِينِهِ وإظْهارِهِ العَدَدَ القَلِيلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الكافِرِينَ وعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ ومَكانَتِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ وقَوّاهُ، والآخَرُ أيْضًا قَوِيٌّ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِيُنْذِرُوا ) عائِدٌ عَلى المُتَفَقِّهِينَ بِحَسَبِ الخِلافِ، والإنْذارُ عامٌّ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي والحَذَرُ مِنها أيْضًا كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً فَهي مِنَ التَدْرِيجِ الَّذِي كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُضْعِفُهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ رُبَّما تَجاوَزَ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ غازِيًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ أبْعَدَ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِغَزْوِ الأدْنى فالأدْنى إلى المَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ صُورَةَ القِتالِ كافَّةً، وهي مُتَرَتِّبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً، ومَعْناها أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ فِيها المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُمُ الجِنْسَ الَّذِي يُصاقِبُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وهَذا هو القِتالُ لِكَلِمَةِ اللهِ ورَدِّ الناسِ إلى الإسْلامِ، وأمّا إذا مالَ العَدُوُّ إلى صُقْعٍ مِن أصْقاعِ المُسْلِمِينَ فَفَرْضٌ عَلى مَنِ اتَّصَلَ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ كِفايَةُ عَدُوِّ ذَلِكَ الصُقْعِ وإنْ بَعُدَتِ الدارُ ونَأتِ البِلادُ، وقالَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ: نَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى قِتالِ الرُومِ بِالشامِ لِأنَّهم كانُوا يَوْمَئِذٍ العَدُوَّ الَّذِي يَلِي ويَقْرُبُ، إذْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ عَمَّها الإسْلامُ وكانَتِ العِراقُ بَعِيدَةً، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ تَوَجَّهَ الفَرْضُ في قِتالِ الفُرْسِ والدَيْلَمِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمَمِ، وسَألَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلٌ عن قِتالِ الدَيْلَمِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِالرُومِ، وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الرُومُ والدَيْلَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي في زَمَنِهِ ذَلِكَ، وقالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وقْتَ نُزُولِها: العَرَبُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنهم نَزَلَتْ في الرُومِ وغَيْرِهِمْ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غِلْظَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "غَلْظَةً" بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "غُلْظَةً" بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ أبِي حَيَوَةَ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ أيْضًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ عن أبِي عَمْرٍو، وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ شُذُوذٌ، وهي لُغاتٌ.
ومَعْنى الكَلامِ: ولِيَجِدُوا فِيكم خُشُونَةً وبَأْسًا، وذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ القِتالُ، ومِنهُ: "العَذابُ الغَلِيظُ" و ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ ، و ﴿ غِلاظٌ شِدادٌ ﴾ في صِفَةِ الزَبانِيَةِ، و"غَلُظَتْ عَلَيْنا كُدْيَةٌ" في حَفْرِ الخَنْدَقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وحَضَّ عَلى التَقْوى الَّتِي هي مِلاكُ الدِينِ والدُنْيا وبِها يُلْقى العَدُوُّ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: "إنَّما تُقاتِلُونَ الناسَ بِأعْمالِكُمْ".
وأهْلُها هُمُ المُجِدُّونَ في طُرُقِ الحَقِّ، فَوَعَدَ تَعالى أنَّهُ مَعَ أهْلِ التَقْوى، ومَن كانَ اللهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ.
<div class="verse-tafsir"
كان غالب ما تقدم من هذه السورة تحريضاً على الجهاد وتنديداً على المقصرين في شأنه، وانتهى الكلام قبل هذا بتبرئة أهل المدينة والذين حولهم من التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا جرم كانت قوة الكلام مؤذنة بوجوب تمحض المسلمين للغزو.
وإذ قد كان من مقاصد الإسلام بث علومه وآدابه بين الأمة وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها، من أجل ذلك عُقب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاة أو جُنداً، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه وتكثير أتباعه، والآخَرُ يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والسَّاسَة وأولي الرأي المهْتمين بتدبير ذلك السلطان، ولذلك لم يثبت ملك اللمتونيين في الأندلس إلا قليلاً حتى تقلص، ولم تثبت دولة التتار إلا بعد أن امتزجوا بعلماء المُدن التي فتحوها ووكَلوا أمر الدولة إليهم.
وإذ قد كانت الآية السابقة قد حرضت فريقاً من المسلمين على الالتفاف حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو لمصلحة نشر الإسلام ناسب أن يُذكر عقبها نَفْر فريق من المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفقه في الدين ليكونوا مرشدين لأقوامهم الذين دخلوا في الإسلام.
ومن محاسن هذا البيان أن قابل صيغة التحريض على الغزو بمثلها في التحريض على العلم إذْ افتتحت صيغة تحريض الغزو بلام الجحود في قوله: ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ﴾ [التوبة: 120] الآية وافتتحت صيغة التحريض على العلم والتفقه بمثل ذلك إذ يقول: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ .
وهذه الجملة معطوفة على مجموع الكلام الذي قبلها فهي جملة ابتدائية مستأنفة لغرض جديد ناشئ عن قوله: ﴿ مالكم إذا قيل لكم انفروا ﴾ [التوبة: 38] ثم عن قوله: ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ﴾ [التوبة: 120] الخ.
ومعنى ﴿ أن يتخلفوا ﴾ هو أن لا ينفروا، فناسب أن يذكر بعده ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ .
والمراد بالنفير في قوله: ﴿ لينفروا ﴾ وقوله: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ الخروج إلى الغزو المأخوذ من قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38] أي وما كان المؤمنون لينفروا ذلك النفرَ كلُّهم.
فضمير ﴿ ليتفقهوا في الدين ﴾ يجوز أن يعود على قوله: ﴿ المؤمنون ﴾ ، أي ليتفقه المؤمنون.
والمراد ليتفقه منهم طائفة وهي الطائفة التي لم تنفر، كما اقتضاه قوله: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ ، فهو عام مراد به الخصوص.
ويجوز أن يعود الضمير إلى مفهوممٍ من الكلام من قوله: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ لأن مفهومه وبقيتْ طائفةً ليتفقهوا في الدين، فأعيد الضمير على (طائفة) بصيغة الجمع نظراً إلى معنى طائفة، كقوله تعالى: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ [الحجرات: 9] على تأويل اقتتل جمعهم.
ويجوز أن يكون المراد من النفرْ في قوله: ﴿ لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ نفْراً آخر غير النفر في سبيل الله، وهو النفر للتفقه في الدين، وتكون إعادةُ فعل (ينفروا) و(نَفَر) من الاستخدام بقرينة قوله: ﴿ ليتفقهوا في الدين ﴾ فيكون الضمير في قوله: ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائداً إلى ﴿ طائفة ﴾ ويكون قوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ تمهيداً لقوله: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ .
وقد نقل عن أيمة المفسرين وأسباب النزول أقوال تجري على الاحتمالين.
والاعتماد في مراجع الضمائر على قرائن الكلام على عادة العرب في الإيجاز والاعتماد على فطنة السامع فإنهم أمة فطنة.
والإتيان بصيغة لام الجحود تأكيد للنفي، وهو خبر مستعمل في النهي فتأكيده يفيد تأكيد النهي، أي كونه نهياً جازماً يقتضي التحريم.
وذلك أنه كما كان النفْر للغزو واجباً لأن في تركه إضاعة مصلحة الأمة كذلك كان تركه من طائفة من المسلمين واجباً لأن في تمحض جميع المسلمين للغزو إضاعة مصلحة للأمة أيضاً، فأفاد مجموع الكلامين أن النفْر للغزو واجب على الكفاية أي على طائفة كافية لتحصيل المقصد الشرعي منه، وأن تركه متعين على طائفة كافية منهم لتحصيل المقصد الشرعي مما أمروا بالاشتغال به من العلم في وقت اشتغال الطائفة الأخرى بالغزو.
وهذا تقييد للإطلاق الذي في فعل (انفروا)، أو تخصيص للعموم الذي في ضمير (انفروا).
ولذلك كانت هذه الآية أصلاً في وجوب طلب العلم على طائفة عظيمة من المسلمين وجوباً على الكفاية، أي على المقدار الكافي لتحصيل المقصد من ذلك الإيجاب.
وأشعر نفي وجوب النفْر على جميع المسلمين وإثباتُ إيجابه على طائفة من كل فرقة منهم بأن الذين يجب عليهم النفر ليسوا بأوفر عدداً من الذين يبقون للتفقه والإنذار، وأن ليست إحدى الحالتين بأوْلى من الأخرى على الإطلاق فيعلم أن ذلك منوط بمقدار الحاجة الداعية للنفر، وأن البقية باقية على الأصل، فعلم منه أن النفير إلى الجهاد يكون بمقدار ما يقتضيه حال العدو المغزُو، وأن الذين يبقون للتفقه يبقون بأكثر ما يستطاع، وأن ذلك سواء.
ولا ينبغي الاعتماد على ما يخالف هذا التفسير من الأقوال في معنى الآية وموقعها من الآي السالفة.
ولولا: حرف تحْضيض.
والفرقة: الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم في المواطن؛ فالقبيلة فرقة، وأهل البلاد الواحدة فرقة.
والطائفة: الجماعة، ولا تتقيد بعدد.
وتقدم عند قوله: ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ في سورة النساء (102).
وتنكير ﴿ طائفة ﴾ مؤذن بأن النفر للتفقه في الدين وما يترتب عليه من الإنذار واجب على الكفاية.
وتعيين مقدار الطائفة وضبط حد التفقه موكول إلى ولاة أمور الفرق فتتعين الطائفة بتعيينهم فهم أدرى بمقدار ما تتطلبه المصلحة المنوط بها وجوب الكفاية.
والتفقه: تكلف الفقاهة، وهي مشتقة من فقه (بكسر القاف) إذا فهم ما يدق فهمه فهو فاقِهٌ.
فالفقه أخص من العلم، ولذلك نجد في القرآن استعمال الفقه فيما يخفى علمه كقوله: ﴿ لا تفقهون تسبيحهم ﴾ [الإسراء: 44]، ويجيء منه فقه بضم القاف إذا صار الفقه سجيته، فقاهة فهو فقيه.
ولما كان مصير الفقه سجية لا يحصل إلا بمزاولة ما يبلغ إلى ذلك كانت صيغة التفعل المؤذنة بالتكلف متعينة لأن يكون المراد بها تكلف حصول الفقه، أي الفهم في الدين.
وفي هذا إيماء إلى أن فهم الدين أمرٌ دقيق المسلك لا يحصل بسهولة، ولذلك جاء في الحديث الصحيح «مَن يرد الله به خيراً يفَقِّهْه في الدِين»، ولذلك جزم العلماء بأن الفقه أفضل العلوم.
وقد ضبط العلماء حقيقة الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية بالاجتهاد.
والإنذار: الإخبار بما يتوقع منه شر.
والمراد هنا الإنذار من المهلكات في الآخرة.
ومنه النذير.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ﴾ في سورة البقرة (119)، فالإنذار هو الموعظة، وإنما اقتصر عليه لأنه أهم، لأن التخلية مقدمة على التحْلية، ولأنه ما من إرشاد إلى الخير إلا وهو يشتمل على إنذار من ضده.
ويدخل في معنى الإنذار تعليم الناس ما يميزون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطإ وذلك بأداء العالم بث علوم الدين للمتعلمين.
وحذف مفعول يحذرون} للتعميم، أي يحذرون ما يُحذر، وهو فعل المحرمات وترك الواجبات.
واقتصر على الحذر دون العمل للإنذار لأن مقتضى الإنذار التحذير، وقد علمت أنه يفيد الأمرين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا لِأنَّ فَرْضَهُ صارَ عَلى الكِفايَةِ وهَذا ناسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ وما كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً أنْ يَخْرُجُوا جَمِيعًا فِيها ويَتْرُكُوا رَسُولَ اللَّهِ وحْدَهُ بِالمَدِينَةِ حَتّى يُقِيمَ مَعَهُ بَعْضُهم، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسَبَبُ نُزُولِ ذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ عُيِّرُوا بِالتَّخَلُّفِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَوَفَّرُوا عَلى الخُرُوجِ في سَرايا رَسُولِ اللَّهِ وتَرَكُوهُ وحْدَهُ بِالمَدِينَةِ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَتَفَقَّهَ الطّائِفَةُ الباقِيَةُ إمّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في جِهادِهِ، وإمّا مُهاجِرَةً إلَيْهِ في إقامَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: لِتَتَفَقَّهَ الطّائِفَةُ المُتَأخِّرَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَنِ النُّفُورِ في السَّرايا، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: فَهَلّا إذا نَفَرُوا أنْ تُقِيمَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في الدِّينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِيَتَفَقَّهُوا في أحْكامِ الدِّينِ ومَعالِمِ الشَّرْعِ ويَتَحَمَّلُوا عَنْهُ ما يَقَعُ بِهِ البَلاغُ ويُنْذِرُوا بِهِ قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ.
الثّانِي: لِيَتَفَقَّهُوا فِيما يُشاهِدُونَهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وتَأْيِيدِهِ لِدِينِهِ وتَصْدِيقِ وعْدِهِ ومُشاهَدَةِ مُعْجِزاتِهِ لِيَقْوى إيمانُهم ويُخْبِرُوا بِهِ قَوْمَهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: نسخ هؤلاء الآيات ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ [ التوبة: 41] و ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ [ التوبة: 39] قوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ يقول: لتنفر طائفة ولتمكث طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالماكثون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون اخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، لعلهم يحذرون ما نزل من بعدهم من قضاء الله في كتابه وحدوده.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ يعني ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ يعني عصبة يعني السرايا فلا يسيرون إلا باذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم بعدنا قرآناً وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم صلى الله عليه وسلم بعدهم، ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله: ﴿ ليتفقهوا في الدين ﴾ يقول يتعلمون ما أنزل الله على نبيه ويعلمونه السرايا إذا رجعت إليهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ قال: ليست هذه الآية في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويعتلوا بالإِسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا بمؤمنين، فردهم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ﴿ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان المؤمنون يحرضهم على الجهاد إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية خرجوا فيها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في رقة من الناس، فأنزل الله تعالى ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ أمروا إذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أن تخرج طائفة وتقيم طائفة، فيحفظ المقيمون على الذين خرجوا ما أنزل الله من القرآن وما يسن من السنن، فإذا رجع اخوانهم أخبروهم بذلك وعلموهم، وإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتخلف عنه أحد إلا باذن أو عذر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ [ التوبة: 39] ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ [ التوبة: 120] الآية.
قال المنافقون: هلك أهل البدو الذين تخلفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم ولم يغزوا معه، وقد كان ناس خرجوا إلى البدو وإلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله تعالى ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ الآية.
ونزلت ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة ﴾ [ الشورى: 16] الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ الآية.
قال: ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي، فاصابوا من الناس معروفاً ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتونا.
فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجاً واقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ خرج بعض وقعد بعض يبتغون الخير ﴿ ليتفقهوا في الدين ﴾ وليسمعوا ما في الناس وما أنزل بعدهم ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ قال: الناس كلهم إذا رجعوا إليهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: هذا لفظ خبر فيه معنى أمر كقوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ (١) واختلفوا في سبب نزول هذه الآية؛ فالذي عليه الجمهور أنه لما عيب من تخلف عن غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله [ولا عن سرية أبدًا، فلما أمر رسول الله ] (٢) ] (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ﴾ (لولا) إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل (هلّا).
قال صاحب النظم: وإنما جاز أن يكون (لولا) بمعنى (هلّا) كلمتان: (هل) وهو استفهام وعرض و (لا) وهو جحد، فـ (هلا) تنتظم معنيين الجحد وهو (لا) والعرض وهو (هل)، وذلك أنك إذا قلت للرجل [هل تأكل] (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ﴿ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَة ﴾ ، ومعنى الآية: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة، ويبقى مع النبي جماعة؛ لئلا يبقى وحده.
وقوله تعالى: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ﴾ قال ابن عباس: يريد: يتعلموا القرآن والسنن والحدود والفرائض (١٤) (١٥) ﴿ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ﴾ يعني النافرين إلى الغزو، ﴿ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ﴾ ، قال أبو إسحاق: المعنى أنهم إذا بقيت منهم بحضرة النبي بقية فسمعوا منه علمًا (١٦) (١٧) قال المفسرون: إذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا: إن الله تعالى قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنًا، وقد تعلمناه فتتعلم السرايا ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، فذلك قوله: ﴿ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ﴾ أي: وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ ولا يعملون بخلافه، وهذا الذي ذكرنا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي (١٨) (١٩) وقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة (٢٠) والمؤمنين] (٢١) ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الكفار.
قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل على أن فرض الجهاد يجزئ فيه الجماعة [عن الجماعة (٢٢) (٢٣) [قال أبو عبيد (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 475.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 162 أ، وابن الجوزي 3/ 516، والبغوي 4/ 111، "أسباب النزول" للمؤلف.
(٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 67 - 68، وابن أبي حاتم 6/ 1910.
(٦) "معاني القرآن" 1/ 454.
(٧) " معاني القرآن وإعرابه" 2/ 475.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٩) ساقط من (م).
(١٠) في (ح): (ألا).
(١١) في (ح): (لآن).
(١٢) ساقط من (م).
(١٣) في (ى): (بعوض).
(١٤) ذكره بمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 517، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 206.
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(١٦) في "معاني القرآن وإعرابه": وحيًا.
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 475.
(١٨) رواه ابن جرير 68/ 11، وابن أبي حاتم 6/ 1913، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "المدخل" كما في "الدر المنثور" 3/ 521.
(١٩) رواه ابن أبي حاتم 6/ 1913، وابن مردويه وأبو داود في "ناسخه" كما في "الدر المنثور" 3/ 521.
(٢٠) هذا معنى قول الحسن.
انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 69 - 70، و"ابن أبي حاتم" 6/ 1913، و"الصنعاني" 1/ 2/ 291، وقد ذكره بنحو ما ذكره المؤلف، "الثعلبي" 6/ 162/ ب، و"البغوي" 4/ 111.
(٢١) ما بِن المعقوفين ساقط من (ح).
(٢٢) " معاني القرآن وإعرابه" 2/ 475.
(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) وفي (ى): عن الجهاد، والمثبت موافق لـ"معاني القرآن وإعرابه".
(٢٤) في (م): (أبو عبيدة).
(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٦) من (م).
(٢٧) لم أجده في كتاب "الأموال"، وكتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد، ولا في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، ولم تذكره المصادر التي بين يدي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾ .
قال ابن عباس: هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا: أي لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه، فالآية الأولى في الخروج معه صلى الله عليه وسلم، وهذه في السرايا التي كان يبعثها، وقيل: هي ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع، فهو دليل على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، وقيل: هي في طلب العلم، ومعناها: أنه لا تجب الرحلة في طلب العلم على الجميع، بل على البعض لأنه فرض كفاية ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ تحضيض على نفر بعض المؤمنين للجهاد أو لطلب العلم ﴿ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين ﴾ إن قلنا إن الآية في الخروج إلى طلب العلم، فالضمير في يتفقهوا للفرقة التي تنفر أي ترحل، وكذلك الضمير في ينذروا وفي رجعوا: أي ليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم من الرحلة، وإن قلنا: إن الآية في السرايا، فالضمير في يتفقهوا للفرقة التي تقعد في المدينة ولا تخرج مع السرايا، وأما الضمير في رجعوا فهو للفرقة التي خرجت مع السرايا ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ الضمير للقوم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ موطئاً ﴾ ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿ غلظة ﴾ بفتح الغين: المفضل.
الباقون بكسرها.
﴿ أولا ترون ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب.
الباقون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ط ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ غلظة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ إيماناً ﴾ ط ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ إلى بعض ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ ثم انصرفوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ عزيز ﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿ حسبي الله ﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم.
والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام.
ومعنى ﴿ ولا يرغبوا ﴾ ولا أن يرغبوا.
يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.
وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية.
ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله: ﴿ ما كان لهم ﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب.
والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿ يغيظ ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر.
ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك.
قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى.
ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح.
وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية.
وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.
وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً.
قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.
وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم.
قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد.
قوله: ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ .
قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك.
وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال.
والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل.
﴿ إلا كتب لهم ﴾ ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة.
ثم ذكر غاية الكتب فقال: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل.
وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح.
واعلم أنه عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .
ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله ﴿ إلا كتب لهم ﴾ لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله أعلم بمراده.
ثم قال: ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية.
قاله ابن عباس.
والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو.
ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً ﴿ فلولا نفر ﴾ أي هلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴾ فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ النافرين ﴿ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة.
وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته.
فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق.
القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى ﴿ ليتفقهوا ﴾ ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها.
والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية.
والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.
وفي قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.
القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً.
ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ﴿ ولينذروا ﴾ وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ إيجاب للعمل بأخبارهم.
ثم أرشد إلى ترتيب القتال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد.
والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين.
وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.
وقد حارب رسول الله قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام.
ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال : "كل مما يليك" .
فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة.
وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي شدة نظير قوله: { ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله.
ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ﴾ أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول ﴿ أيكم ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ زادته هذه إيماناً ﴾ .
ثم إنه حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب.
وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً.
والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا.
وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر.
ثم عجب من حال المنافقين فقال: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ﴿ ثم لا يتوبون ﴾ من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً.
وقال مجاهد: بالقحط والجوع.
وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.
وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون.
ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك.
والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل.
﴿ ثم انصرفوا ﴾ أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه.
ومعنى ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير.
وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم.
وقال الزجاج: أضلهم الله.
قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه.
وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.
وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك.
يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟
أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم.
فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.
وقرىء ﴿ من أنفسكم ﴾ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم.
وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام.
ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم.
و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه.
﴿ حريص عليكم ﴾ الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار.
وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار.
ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال ﴿ بالمؤمنين ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ رؤوف رحيم ﴾ قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم.
التأويل: ﴿ ما كان لأهل ﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ ومن حولهم من الأعراب ﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿ أن يتخلفوا عن رسول ﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ من ماء الشهوات ﴿ ولا نصب ﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ ولا مخمصة ﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿ لا يطؤن موطئاً ﴾ من مقامات الفناء ﴿ يغيظ ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ ولا ينالون من عدوّ ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ هي بذل الصفات ﴿ ولا كبيرة ﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح.
﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ﴾ } [السجدة: 17] ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا ﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ من غير الله.
﴿ قاتلوا الذين يلونكم ﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون ﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ أي قلب حي ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ ثم انصرفوا ﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب.
﴿ من أنفسكم ﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله.
ومن قرأ ﴿ من أنفسكم ﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله "أول ما خلق الله روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ولعلو همته، ﴿ ما زاغ البصر وما طغى ﴾ ولرؤيته سر القدر ﴿ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته عامة للعالمين بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿ فقل حسبي الله ﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.
قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
في ظاهر الآية أن قوماً عرفوا بالصدق فأمروا بالكون معهم، ويشبه أن يكون أمر هؤلاء [الذين] تخلفوا عن رسول الله بالكون مع المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع رسول الله.
وفيه دلالة على أن الإجماع حجة؛ لأنه أمر بالكون مع الصادقين في دين الله، فلو لم يلزمهم قبول قولهم لم يكن للأمر بالكون معهم وجه.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ، وهو ظاهر.
وقوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: أحدها: [يقول]: احفظوا الله في حقه ولا تضيعوه، وكونوا مع الصادقين في وفاء ذلك وحفظه.
أو: اتقوا الله فيما نزل ما امتحنكم به من الخروج والجهاد مع رسول الله وغير ذلك من المحن.
أو يقول: اتقوا مخالفة الله ورسوله فيما يأمركم به، وكونوا مع الموافقين لأمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة ما سبق منهم من المبايعة والعهود التي جرت بينهم وبين رسول الله؛ يقول - والله أعلم -: ﴿ مَا كَانَ ﴾ ، أي: لم يكن لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، بعد ما قبلوا النصر له والمعونة وبايعوه على ذلك؛ هذا محتمل.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يكون صلة ما ذكر على أثره وهو قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ يقول - والله أعلم -: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، وقد جعل بكل ما يصيبهم في أنفسهم من العناء والشدة، وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون من النفقة قليلة كانت أو كثيرة، أو يصيبون من العدو ومن القتل والغنيمة - إلا كتب لهم بذلك العمل الصالح، أي: ما كان ينبغي لهم أن يتخلفوا عنه، وقد كتب لهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء وما يصيبون من الخير - العمل الصالح والأجر لهم، والله أعلم.
أو يقول: ما كان لأهل المدينة إذ تخلفوا عن رسول الله أن يتخلفوا عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، أي: ولا يرغبوا بالتخلف عن نفسه؛ يقال: جاء فلان بنفسه، ورأيت أنا بعيني ونحوه، أي: جاء هو ورأى هو؛ فعلى ذلك هذا ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ ﴾ ، أي: ما كان ينبغي لهم أن يرغبوا عن رسول الله.
ويحتمل ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: لأنفسهم عن نفسه، [و] ذلك جائز ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾ قيل: عطش، ﴿ وَلاَ نَصَبٌ ﴾ : العناء والمشقة، ﴿ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مجاعة.
﴿ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ ﴾ ، قال بعضهم: ولا يقفون موقفاً.
وقال بعضهم: هو من الوطء والموطئ: الشيء الذي يوطأ.
﴿ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً ﴾ ، قيل: فيهم أو إغارة عليهم، ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ ، أي: يكتب ما لهم وما عليهم العمل الصالح مكان من تخلف منهم مخافة أن يصيبه ما ذكر من العناء والشدة؛ يقول: كتب لهم بكل ما يصيبهم العمل الصالح، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه يجزيهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء في أنفسهم وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون.
﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: يجزيهم لصالح أعمالهم وأحسنها، ولا يجزيهم لسيئاتهم؛ وهو كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ، أخبر أنه يتقبل منهم أحسن ما عملوا ويكفر عنهم سيئاتهم؛ فعلى ذلك الأول يخبر أنه يجزيهم أحسن ما عملوا في الغزو، ويتجاوز عن سيئاتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ...
﴾ الآية.
اختلف أهل التأويل: قال بعضهم: إن نبي الله كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعاً، فتبقى المدينة خالية عن الرجال، فنهى الله عن ذلك وقال: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .
وقال بعضهم: كان رسول الله إذا بعث سرية خرجوا جميعاً، فبقي هو وحده لم يبق معه أحد ممن يشهد التنزيل؛ ليخبروا أولئك إذا حضروا.
وقال آخرون: الآية في الوفود، وذلك أن الوفود إذا قدموا من الآفاق المدينة قدموا مع النساء والذراري جميعاً، فأمروا أن ينفر الرجال منهم دون النساء والذراري، أو من كل قوم نفر؛ ليتفقهوا في الدين.
ذكر في هذه الآية: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ ، نهى الكل أن ينفروا، وأمروا في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ ، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أمر بالنفر الجميع عند قلة المؤمنين؛ ليكون لهم الكفاية مع العدو.
والثاني: أمر بنفر الكل عند النفير.
فيكون إحدى الآيتين في حالة النفير، والاخرى في غير حال النفير وما ذكرنا في وقت القلة والكثرة.
فمن يقول: إن الآية في الذين كانوا يخرجون جميعاً مع رسول الله إذا خرج، كأنه نهى عن الخروج جملة مع رسول الله؛ خوفاً على أهاليهم وذراريهم، لعل العدو سباهم وأخذ أموالهم يقول الله: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: هلا نفر طائفة منهم فيخبروا الكفار المقيمين بما أنزل الله على رسوله من النصر والمعونة والهزيمة على الكفار الذين قاتلوا رسول الله، فيكون ذلك سبب دعائهم إلى الإسلام.
وإلى هذا ذهب الحسن والأصم ويقولون: إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها وهي قوله: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ ﴾ .
يقول الحسن: إن عليهم أن يخرجوا مع رسول الله إذا خرج، فيقول: هذا منسوخ بالآية التي تليها: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾ الآية.
ومن يقول بأن الآية في الوفود الذين كانوا يأتون رسول الله المدينة بالنساء والذراري، فالنهي لذلك لما كانوا يضيقون على أهل المدينة أوطانهم ويغلون أسعارهم ونحوه؛ يقول: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ، أي: يعلمون الدين وأحكامه، ثم ليرجعوا إلى قومهم فيعلموهم.
ومن يقول: الآية في الذين خرجوا ونفروا مع السرايا، نهاهم عن خروج الكل؛ لما لعله لما نزل على رسول الله شيئاً، فلم يكن معه أحد يبلغه إليهم ثم يبلغ إلى من هو غاب عنه ضاع ذلك فيقول: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ما نزل على رسول الله، وليبلغوا ذلك إلى من غاب عنه.
﴿ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ .
قيل: من كل عصبة، ومن كل قبيلة، ومن كل حي، ففي الآية دلالة سقوط فرض السفر لتعلم العلم والتفقه في الدين عن الكل إذا قام بعض بذلك يخرجون ويتعلمون ثم يعلمون قومهم؛ لأنه قال: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ...
﴾ الآية.
وفيه أيضاً دلالة سقوط فرض الجهاد عن الجماعة إذا قام بعضهم عن بعض.
وفيه دلالة لزوم العمل بخبر الأحاد وإن احتمل الغلط؛ لأن ما ذكر من الطائفة يحتمل أن يجتمعوا على ذلك كذبا أو غلطا، ثم ألزم قومهم قبول خبرهم وإن احتمل الغلط والكذب بقوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ .
والآية تخرج على وجهين: أحدهما: أن كل أهل بلدة وأهل قبيلة يختارون من يصلح للتفقة في الدين والتعلم فينفر، حتى إذا تفقه وتعلم رجع إلى قومه فيعلمهم.
والثاني: يأمر من يصلح للتفقه بالتخلف عن الجهاد إذا كان بهم غنية ليتفقه عند رسول الله؛ فينذر قومه إذا رجعوا إليه من غزاتهم.
<div class="verse-tafsir"
وما ينبغي للمؤمنين أن يخرجوا للقتال جميعًا حتَّى لا يُسْتَأصَلوا إذا ظهر عليهم عدوهم، فهلَّا خرج للجهاد فريق منهم، وبقي فريق ليرافقوا رسول الله ، ويتفقهوا في الدين بما يسمعونه منه من القرآن وأحكام الشرع، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما تعلموه؛ رجاء أن يحذروا من عذاب الله وعقابه، فيمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه.
وكان هذا في السرايا التي كان يبعثها رسول الله إلى النواحي، ويختار لها طائفة من أصحابه.
من فوائد الآيات وجوب تقوى الله والصدق وأنهما سبب للنجاة من الهلاك.
عظم فضل النفقة في سبيل الله.
وجوب التفقُّه في الدين مثله مثل الجهاد، وأنه لا قيام للدين إلا بهما معًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.9xbaV"