الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢٣ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام ؛ ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب ، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة ، والطائف ، واليمن واليمامة ، وهجر ، وخيبر ، وحضرموت ، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب ، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا ، شرع في قتال أهل الكتاب ، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب ، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لكونهم أهل الكتاب ، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال ، وكان ذلك سنة تسع من هجرته ، عليه السلام .
ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجة الوداع .
ثم عاجلته المنية ، صلوات الله وسلامه عليه ، بعد الحجة بأحد وثمانين يوما ، فاختاره الله لما عنده .
وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر ، رضي الله عنه ، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل ، فثبته الله تعالى به فوطد القواعد ، وثبت الدعائم .
ورد شارد الدين وهو راغم .
ورد أهل الردة إلى الإسلام ، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام ، وبين الحق لمن جهله ، وأدى عن الرسول ما حمله .
ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان وإلى الفرس عبدة النيران ، ففتح الله ببركة سفارته البلاد ، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد .
وأنفق كنوزهما في سبيل الله ، كما أخبر بذلك رسول الإله .
وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده ، وولي عهده الفاروق الأواب ، شهيد المحراب ، أبي حفص عمر بن الخطاب ، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين ، وقمع الطغاة والمنافقين ، واستولى على الممالك شرقا وغربا .
وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا .
ففرقها على الوجه الشرعي ، والسبيل المرضي .
ثم لما مات شهيدا وقد عاش حميدا ، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار .
على خلافة أمير المؤمنين [ أبي عمرو ] عثمان بن عفان شهيد الدار .
فكسا الإسلام [ بجلاله ] رياسة حلة سابغة .
وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة ، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ، وعلت كلمة الله وظهر دينه .
وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها ، فكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار ، امتثالا لقوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ) وقوله تعالى : ( وليجدوا فيكم غلظة ) [ أي : وليجد الكفار منكم غلظة ] عليهم في قتالكم لهم ، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا لأخيه المؤمن ، غليظا على عدوه الكافر ، كما قال تعالى : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) [ المائدة : 54 ] ، وقال تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [ الفتح : 29 ] ، وقال تعالى : ( ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) [ التوبة : 73 ، والتحريم : 9 ] ، وفي الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنا الضحوك القتال " ، يعني : أنه ضحوك في وجه وليه ، قتال لهامة عدوه .
وقوله : ( واعلموا أن الله مع المتقين ) أي : قاتلوا الكفار ، وتوكلوا على الله ، واعلموا أن الله معكم إن اتقيتموه وأطعتموه .
وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة ، في غاية الاستقامة ، والقيام بطاعة الله تعالى ، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم ، ولم تزل الفتوحات كثيرة ، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار .
ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك ، طمع الأعداء في أطراف البلاد ، وتقدموا إليها ، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض ، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام ، فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة ، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام ، ولله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد .
فكلما قام ملك من ملوك الإسلام ، وأطاع أوامر الله ، وتوكل على الله ، فتح الله عليه من البلاد ، واسترجع من الأعداء بحسبه ، وبقدر ما فيه من ولاية الله .
والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين ، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم ، إنه جواد كريم .
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: " يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، قاتلوا من وليكم من الكفار دون من بَعُد منهم.
(1) يقول لهم: ابدأوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارًا، دون الأبعد فالأبعد.
وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ، الروم, لأنهم كانوا سكان الشأم يومئذ, والشأم كانت أقرب إلى المدينة من العراق.
فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد, فإن الفرض على أهل كل ناحية، قتالُ من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم، ما لم يضطرّ إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام, فإن اضطروا إليهم، لزمهم عونهم ونصرهم, لأن المسلمين يدٌ على من سواهم.
* * * ولصحة كون ذلك كذلك, تأوّل كلُّ من تأوّل هذه الآية، أنّ معناها إيجاب الفرض على أهل كل ناحية قتالَ من وليهم من الأعداء.
* ذكر الرواية بذلك: 17481- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن شبيب بن غرقدة البارقي, عن رجل من بني تميم قال، سألت ابن عمر عن قتال الديلم قال: عليك بالروم!
(2) 17482- حدثنا ابن بشار، وأحمد بن إسحاق، وسفيان بن وكيع قالوا، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن يونس، عن الحسن: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ، قال: الديلم.
17483- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن الربيع, عن الحسن: أنه كان إذا سئل عن قتال الروم والديلم، تلا هذه الآية: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار).
17484- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب قال، حدثنا عمران أخي قال: سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فقلت: ما ترى في قتال الديلم؟
فقال: قاتلوهم ورابطوهم, فإنهم من الذين قال الله: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار).
(3) 17485- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن الربيع, عن الحسن: أنه سئل عن الشأم والديلم, فقال: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ، الديلم.
17486- حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز يقولان: يرابط كل قوم ما يليهم من مَسَالحهم وحصونهم، ويتأوَّلان قول الله: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار).
17487- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ، قال: كان الذين يلونهم من الكفار العربُ, فقاتلهم حتى فرغ منهم.
فلما فرغ قال الله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، حتى بلغ، وَهُمْ صَاغِرُونَ ، [سورة التوبة: 29].
قال: فلما فرغ من قتال من يليه من العرب، أمره بجهاد أهل الكتاب.
قال: وجهادهم أفضل الجهاد عند الله .
* * * وأما قوله: (وليجدوا فيكم غلظة) ، فإن معناه: وليجد هؤلاء الكفار الذين تقاتلونهم =(فيكم) ، أي: منكم شدةً عليهم (4) =(واعلموا أن الله مع المتقين) ، يقول: وأيقنوا، عند قتالكم إياهم، أن الله معكم، وهو ناصركم عليهم, فإن اتقيتم الله وخفتموه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه, فإن الله ناصر من اتقاه ومعينه.
-------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .
(2) الأثر : 17481 - " شبيب بن غرقدة البارقي " ، والمشهور " السلمي " ، مضى برقم : 3008 ، 3009 ، وهو تابعي ثقة .
وهكذا جاء في المخطوطة كما أثبته ، ولكن ناشر المطبوعة كتبه هكذا " عن شبيب بن غرقدة، عن عروة البارقي ، عن رجل من بني تميم " ، وهو لا يصح أبدا ، لأن " عروة البارقي " ، هو : " عروة بن أبي الجعد البارقي " ، وهو صحابي معروف ، مضى أيضا برقم : 3008 .
والذي حدث هناك أيضا أنه زاد في الإسناد " عروة " ، واستظهر أخي أنه زيادة في الإسناد ، وهو الصواب ، ويؤيده ما حدث في هذا الموضع ، من ناسخ أو ناشر .
وعذره فيما أظن شهرة " شبيب بن غرقدة " أنه " السلمي " ، وأنه يروي عن " عروة البارقي " ، فلما رأى " شبيب بن غرقدة البارقي " ، ظن أنه خطأ في الإسناد فأضاف " عن عروة " بين " غرقدة " ، و " البارقي " .
(3) الأثر : 17484 - " يعقوب بن عبد الله القمي " ، مضى مرارا ، آخرها رقم : 16960 .
وهو يروي عن أخويه : " عبد الرحمن ، وعمران " ، ولم أجد لأخيه " عمران " ترجمة .
(4) انظر تفسير " الغلظة " فيما سلف 7 : 341 / 14 : 360 .
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين فيه أنه سبحانه عرفهم كيفية الجهاد وأن الابتداء بالأقرب فالأقرب من العدو ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرب ، فلما فرغ قصد الروم وكانوا بالشام .
وقال الحسن : نزلت قبل أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين ; فهي من التدريج الذي كان قبل الإسلام .
وقال ابن زيد : المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب ، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله .
وقد روي عن ابن عمر أن المراد بذلك الديلم .
وروي عنه أنه سئل بمن يبدأ بالروم أو بالديلم ؟
فقال بالروم .
وقال الحسن : هو قتال الديلم والترك والروم .
وقال قتادة : الآية على العموم في قتال الأقرب فالأقرب ، والأدنى فالأدنى .قلت : قول قتادة هو ظاهر الآية ، واختار ابن العربي أن يبدأ بالروم قبل الديلم ; على ما قاله ابن عمر لثلاثة أوجه .
( أحدها ) أنهم أهل كتاب ، فالحجة عليهم أكثر وآكد .
الثاني : أنهم إلينا أقرب ، أعني أهل المدينة .
الثالث : أن بلاد الأنبياء في بلادهم أكثر فاستنقاذها منهم أوجب .
والله أعلم .وليجدوا فيكم غلظة أي شدة وقوة وحمية .
وروى الفضل عن الأعمش وعاصم " غلظة " بفتح الغين وإسكان اللام .
قال الفراء : لغة أهل الحجاز وبني أسد بكسر الغين ، ولغة بني تميم " غلظة " بضم الغين .
وهذا أيضًا إرشاد آخر، بعدما أرشدهم إلى التدبير فيمن يباشر القتال، أرشدهم إلى أنهم يبدأون بالأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم، والشدة في القتال، والشجاعة والثبات. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي: وليكن لديكم علم أن المعونة من اللّه تنزل بحسب التقوى، فلازموا على تقوى اللّه، يعنكم وينصركم على عدوكم. وهذا العموم في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} مخصوص بما إذا كانت المصلحة في قتال غير الذين يلوننا، وأنواع المصالح كثيرة جدا.
( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ) قوله عز وجل : الآية ، أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : مثل بني قريظة والنضير وخيبر ونحوها .
وقيل : أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام وكان الشام أقرب إلى المدينة من العراق ، ( وليجدوا فيكم غلظة ) شدة وحمية .
قال الحسن : صبرا على جهادهم ، ( واعلموا أن الله مع المتقين ) بالعون والنصرة .
«يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار» أي الأقرب فالأقرب منهم «وليجدوا فيكم غلظة» شدة، أي أغلظوا عليهم «واعلموا أن الله مع المتقين» بالعون والنصر.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، ابدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب إلى دار الإسلام من الكفار، وليجد الكفار فيكم غِلْظة وشدة، واعلموا أن الله مع المتقين بتأييده ونصره.
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن الجهاد فى سبيل الله ، بدعوة المؤنمين إلى قتال أعدائهم بشدة وغلظة بشدة وغلظة فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ .
.
.
) .وقوله : ( يَلُونَكُمْ ) من الولى بمعنى القرب ، تقول جلست مما يلى فلان أى : يقاربه .قال ابن كثير : أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا ، الأقرب فالأقرب ، إلى حوزة الإِسلام ، ولهذا بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقتل المشكرين فى جزيرة العرب ، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة واليمن .
.
وغير ذلك من أقاليم العرب ، دخل الناس من سائر احياء العرب فى دين الله أفواجا ، شرع فى قتال أهل الكتاب ، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب ، وأولى الناس بالدعوة إلى الإِسلام لأنهم أهل كتاب ، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس ، وجدب البلاد ، وضيق الحال ، ذلك سنة تسع من الهجرة ، ثم اشتغل فى السنة العاشرة بحجة الوداع ، ثم عاجلته المنية - صلوات الله وسلامه عليه - بعد حجة الوداع بأحد وثمانين يوما وسار خلفاؤه الراشدون من بعده على نهجه .وقوله ( وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ) أى : وليجد الكفار منكم غلظة عليهم فى قتالكم ، فإن المؤمن الكامل هو الذى يكون رفيقا بأخيه المؤمن ، غليظا على عدوه الكافر .
قال - تعالى - : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ) وفى الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أنا الضحوك القتال " يعنى أنه ضحوك فى وجه وليه المؤمن ، قتال لهامة عدوه الكافر .وقوله : ( واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ) تذييل قصد به خص المؤمنين على التسلح بسلاح الإِيمان والتقوى حتى ينالوا نصر الله وعونه .أى : واعلموا أن الله - تعالى - مع المتقين بنصره ومعونته ، فاحرصوا على هذه الصفة ليستمر معكم نصره - سبحانه - وعونه .وإنما أمر الله - تعالى - المؤمنين أن يبدأوا قتالهم مع الأقرب فالأقرب من ديارهم ، لأن القتال شرع لتأمين الدعوة الإِسلامية ، وقد كانت دعوة الإِسلام موجهة إلى القرب فالأقرب ، فكان من الحكمة أن يبدأوا قتالهم مع المجاورين لهم حتى يأموا شرهم ، ولأنه من المعلوم أنه ليس فى طاقة المسلمين قتال جميع الكفار ، وغزو جميع البلاد فى زمان واحد ، فكان من قرب أولى ممن بعد .
اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة، ثم إنها صارت منسوخة بقوله: ﴿ قَاتَلُواْ المشركين كَافَّةً ﴾ وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا: إنه تعالى لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح، وهو أن يبتدؤا من الأقرب فالأقرب، منتقلاً إلى الأبعد فالأبعد.
ألا ترى أن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب قال تعالى: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب لأنه عليه السلام حارب قومه، ثم انتقل منهم إلى غزو سائر العرب ثم انتقل منهم إلى غزو الشام، والصحابة رضي الله عنهم لما فرغوا من أمر الشأم دخلوا العراق.
وإنما قلنا: إن الابتداء بالغزو من المواضع القريبة أولى لوجوه: الأول: أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة، ولما تساوى الكل في وجوب القتال لما فيهم من الكفر والمحاربة وامتنع الجمع، وجب الترجيح، والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة، وكما في سائر المهمات، ألا ترى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا المهم، فوجب الابتداء بالأقرب.
والثاني: أن الابتداء بالأقرب أولى لأن النفقات فيه أقل، والحاجة إلى الدواب والآلات والأدوات أقل.
الثالث: أن الفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.
الرابع: أن المجاورين لدار الإسلام إما أن يكونوا أقوياء أو ضعفاء، فإن كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الإسلام أشد وأكثر من تعرض الكفار المتباعدين، والشر الأقوى الأكثر أولى بالدفع، وإن كانوا ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل، وحصول عز الإسلام لسبب انكسارهم أقرب وأيسر، فكان الابتداء بهم أولى.
الخامس: أن وقوف الإنسان على حال من يقرب منه أسهل من وقوفه على حال من يبعد منه، وإذا كان كذلك كان اقتدار المسلمين على مقاتلة الأقربين أسهل لعلمهم بكيفية أحوالهم وبمقادير أسلحتهم وعدد عساكرهم.
السادس: أن دار الإسلام واسعة، فإذا اشتغل أهل كل بلد بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل، وحصول المقصود أيسر.
السابع: أنه إذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولاً وجب تقديمه، والقرب سبب السهولة، فوجب الابتداء بالأقرب.
الثامن: أنا بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ في الدعوة بالأقرب فالأقرب، وفي الغزو بالأقرب فالأقرب، وفي جميع المهمات كذلك.
فإن الأعرابي لما جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال عليه السلام له: كل مما يليك فدلت هذه الوجوه على أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب.
فإن قيل: ربما كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح، لأن الأبعد يقع في قلبه أنه إنما جاوز الأقرب لأنه لا يقيم له وزناً.
قلنا: ذاك احتمال واحد، وما ذكرنا احتمالات كثيرة، ومصالح الدنيا مبنية على ترجيح ما هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل، وهذا الذي قلناه إنما قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب والأبعد، أما إذا أمكن الجمع بين الكل، فلا كلام في أن الأولى هو الجمع، فثبت أن هذه الآية غير منسوخة ألبتة.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ قال الزجاج: فيها ثلاث لغات، فتح الغين وضمها وكسرها.
قال صاحب الكشاف: الغلظة بالكسر الشدة العظيمة، والغلظة كالضغطة، والغلظة كالسخطة، وهذه الآية تدل على الأمر بالتغليظ عليهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ ﴾ ، [النساء: 104] وقوله في صفة الصحابة- رضي الله عنهم-: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ﴾ وقوله: ﴿ أَشِدَّاء عَلَى الكفار ﴾ وللمفسرين عبارات في تفسير الغلظة، قيل شجاعة وقيل شدة وقيل غيظاً.
واعلم أن الغلظة ضد الرقة، وهي الشدة في إحلال النقمة، والفائدة فيها أنها أقوى تأثيراً في الزجر والمنع عن القبيح، ثم إن الأمر في هذا الباب لا يكون مطرداً، بل قد يحتاج تارة إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف، ولهذا السبب قال: ﴿ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ تنبيهاً على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة ألبتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم، فقوله: ﴿ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ يدل على تقليل الغلظة، كأنه قيل لابد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا على أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة.
واعلم أن هذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين.
وذلك إما بإقامة الحجة والبينة، وإما بالقتال والجهاد، فإما أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة والمؤاكلة فلا.
ثم قال: ﴿ واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ﴾ والمراد أن يكون إقدامه على الجهاد والقتال بسبب تقوى الله، لا بسبب طلب المال والجاه، فإذا رآه قبل الإسلام أحجم عن قتاله، وإذا رآه مال إلى قبوله الجزية تركه، وإذا كثر العدو أخذ الغنائم على وفق حكم الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَلُونَكُمْ ﴾ يقربون منكم، والقتال واجب مع كافة الكفرة قريبهم وبعيدهم، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب.
ونظيره ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ [الشعراء: 214] وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، ثم غيرهم من عرب الحجاز، ثم غزا الشام.
وقيل: هم قريظة والنضير وفدك وخيبر.
وقيل: الروم، لأنهم كانوا يسكنون الشأم والشأم أقرب إلى المدينة من العراق وغيره، وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم، ما لم يضطر إليهم أهل ناحية أخرى.
وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن قتال الديلم؟
فقال: عليك بالروم.
وقرئ: ﴿ غلظة ﴾ بالحركات الثلاث، فالغلظة كالشدّة، والغلظة كالضغطة، والغلظة كالسخطة ونحوه ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 73] ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ ﴾ [آل عمران: 139] وهو يجمع الجرأة والصبر على القتال وشدّة العداوة والعنف في القتل والأسر، ومنه ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله ﴾ [النور: 2] .
﴿ مَعَ المتقين ﴾ ينصر من اتقاه فلم يترأف على عدّوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ أُمِرُوا بِقِتالِ الأقْرَبِ مِنهم فالأقْرَبَ كَما أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ أوَّلًا بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ، فَإنَّ الأقْرَبَ أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ والِاسْتِصْلاحِ.
وقِيلَ هم يَهُودٌ حَوالِي المَدِينَةِ كَقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ.
وقِيلَ الرُّومُ فَإنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ الشَّأْمَ وهو قَرِيبٌ مِنَ المَدِينَةِ.
﴿ وَلْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً ﴾ شِدَّةً وصَبْرًا عَلى القِتالِ.
وقُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها وهُما لُغَتانِ فِيها.
﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ بِالحِراسَةِ والإعانَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ} يقربون منكم {مِّنَ الكفار} القتال واجب مع جميع الكفرة قريبهم وبعيدهم ولكن الأقرب فالأقرب أوجب وقد حارب النبي صلى الله عليه وسلم قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} شدة وعنفاً في المقال قبل القتال {واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} بالنصرة والغلبة
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَقْرَبُونَ مِنكم قُرْبًا مَكانِيًّا وخَصَّ الأمْرَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ: (واقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ) ونَحْوِهِ قِيلَ: لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ قِتالُ جَمِيعِ الكُفّارِ وغَزْوُ جَمِيعِ البِلادِ في زَمانٍ واحِدٍ فَكانَ مَن قَرُبَ أوْلى مِمَّنْ بَعُدَ، ولِأنَّ تَرْكَ الأقْرَبِ والِاشْتِغالَ بِقِتالِ الأبْعَدِ لا يُؤْمَنُ مَعَهُ مِنَ الهُجُومِ عَلى الذَّرّارِيِّ والضُّعَفاءِ، وأيْضًا الأبْعَدُ لا حَدَّ لَهُ بِخِلافِ الأقْرَبِ فَلا يُؤْمَرُ بِهِ، وقَدْ لا يُمْكِنُ قِتالُ الأبْعَدِ قَبْلَ قِتالِ الأقْرَبِ وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ قاتِلُوا الأقْرَبَ فالأقْرَبَ حَتّى تَصِلُوا إلى الأبْعَدِ فالأبْعَدِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الغَرَضُ مِن قِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً فَهَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ عَلى الوَجْهِ الأصْلَحِ ومِن هُنا قاتَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلًا قَوْمَهُ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى قِتالِ سائِرِ العَرَبِ ثُمَّ إلى قِتالِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ وأضْرابِهِمْ ثُمَّ إلى قِتالِ الرُّومِ فَبَدَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِتالِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ وجَرى أصْحابُهُ عَلى سُنَنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أنْ وصَلَتْ سَراياهم وجُيُوشُهم إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وعَلى هَذا فَلا نَسْخَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِما تَقَدَّمَ والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّهُ لا وجْهَ لَهُ وزَعَمَ الخازِنُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ مِنَ الوَلِيِّ ما يَعُمُّ القُرْبَ المَكانِيَّ والنَّسَبِيَّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّهُ خاصٌّ بِالنَّسَبِيِّ لِأنَّها نَزَلَتْ لَمّا تَحَرَّجَ النّاسُ مِن قَتْلِ أقْرِبائِهِمْ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ ﴿ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً ﴾ أيْ شِدَّةً كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وهي مُثَلَّثَةُ الغَيْنِ وقُرِئَ بِذَلِكَ لَكِنَّ السَّبْعَةَ عَلى الكَسْرِ والمُرادُ مِنَ الشِّدَّةِ ما يَشْمَلُ الجَراءَةَ والصَّبْرَ عَلى القِتالِ والعُنْفَ في القَتْلِ والأسْرِ ونَحْوَ ذَلِكَ ومِن هُنا قالُوا: إنَّها كَلِمَةٌ جامِعَةٌ والأمْرُ عَلى حَدٍّ - لا أرَيَنَّكَ هَهُنا - فَلَيْسَ المَقْصُودُ أمْرَ الكُفّارِ بِأنْ يَجِدُوا في المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ بَلْ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ حَتّى يَجِدَهُمُ الكَفّارُ مُتَّصِفِينَ بِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ 123﴾ بِالعِصْمَةِ والنُّصْرَةِ والمُرادُ بِهِمْ إمّا المُخاطَبُونَ والإظْهارُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ الإيمانَ والقِتالَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن بابِ التَّقْوى والشَّهادَةِ بِكَوْنِهِمْ مِن زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وأمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلُ تَأْكِيدٍ قَبْلَهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، يعني: ما حولكم وبقربكم من عدوكم، وهم بنو قريظة والنضير وفدك وخيبر، فأمر الله تعالى كل قوم بأن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار.
قال أبو جعفر الطحاوي: منع الله تعالى نبيه عن قتال الكفار بقوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثم أباح قتال من يليه بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، ثم أباح قتال جميع الكفار بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] .
ثمّ قال: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً يعني: شدّة عليهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، ينصرهم على عدوهم.
قوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يعني: القرآن على رسول الله ، فَمِنْهُمْ يعني: من المنافقين مَنْ يَقُولُ بعضهم لبعض: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيماناً، يعني: تصديقا استهزاء بها.
قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا يعني: أصحاب محمد ، فَزادَتْهُمْ إِيماناً: يعني: تصديقاً بهذه السورة مع تصديقهم بالله تعالى وثباتاً على الإيمان.
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، يقول: يفرحون بما أنزل الله من القرآن.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل، وأبو القاسم الشنابازي قالا: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل العابد قال: حدثنا يحيى بن عيسى قال: حدّثنا أبو مطيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة أنه قال: جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ، فقالوا: يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟
قال: «لا، الإيمانُ مُكَمَّلٌ فِي القَلْبِ.
زِيَادَتُهُ وَنُقْصَانُهُ كُفْرٌ» .
قال الفقيه: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستلم قال: حدثنا أبو عمران المؤدب الدستجردي قال: حدثنا صخر بن نوح قال: حدثنا مسلم بن سالم، عن أبي الحويرث، عن عون بن عبد الله قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خطبته: «لو كان الأمر على ما يقول الشكاك الضلال، إن الذنوب تنقص الإيمان، لأمسى أحدنا حين ينقلب إلى أهله وهو لا يدري ما ذهب من إيمانه أكثر أو ما بقي» .
قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني: شكا ونفاقا، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ، قال الكلبي: أي شكاً إلى شكهم، وقال مقاتل: إثماً على إثمهم، وقال القتبي: أصل الرجس النتن، ثم قال: الكفر والنفاق رجس لأنهما نتنان.
وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ، يعني: ماتوا على الكفر، لأنهم كانوا كفاراً في السر، ولم يكونوا مؤمنين في الحقيقة.
<div class="verse-tafsir"
تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق «١» وهذا هو الذي يُفْهَمُ من استدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم، وقد قالت فرقة: إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفزوا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضاً كذلك قال ابن المبارك في «رقائقه» أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال:
إِذا أراد اللَّه تبارك وتعالَى بِعَبْدٍ خيراً، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ: فقْهاً في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه «٢» .
انتهى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (١٢٧)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قيل: إِنَّ هذه الآية نزَلَتْ قبل الأمر بقتال الكُفَّار كافَّة، فهي من التدريجِ الذي كان في أوَّل الإِسلام.
قال ع «٣» : وهذا ضعيفٌ فإِن هذه السورة من آخر ما نَزَلَ.
وقالتْ فرقة: معنى الآية أنَّ اللَّه تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أنْ يقاتل كُلُّ فريقٍ منهم الجنْسَ الذي يليه من الكَفَرة.
وقوله سبحانه: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً: أي: خشونةً وبأساً، ثم وعَدَ سبحانه في آخر الآية وحَضَّ على التقوَى التي هي مِلاَكُ الدِّينِ والدنيا، وبها يُلْقَى العَدُوُّ، وقد قال
بعضُ الصحابة: إِنما تُقَاتِلُونَ النَّاس بأَعمالكم، وَوَعَد سبحانه أنه مع المتَّقِينَ، وَمَنْ كان اللَّه مَعِهُ، فَلَنْ يُغْلَبَ.
وقوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ...
الآية: هذه الآية نزلَتْ في شأن المنافقين، وقولهم: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً يحتمل أنْ يكون لمنافقينَ مِثْلِهِمْ، أو لقومٍ من قراباتهم علَى جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السُّورة، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ الردَّ عليهم بقوله: فَأَمَّا/ الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وذلك أنه إذا نزلَتْ سورةٌ، حَدَثَ للمؤمنين بها تصديقٌ خاصٌّ، لم يكنْ قبلُ، فتصديقهم بما تضمَّنته السورةُ مِنْ أخبار وأمرٍ ونَهْيٍ أمرٌ زائد على الذي كان عِنْدهم قبلُ، وهذا وجْهٌ من زيادة الإِيمان.
ووجه آخر أنَّ السورة ربَّما تضمَّنت دليلاً أو تنبيهاً على دليل، فيكون المؤمن قد عَرَفَ اللَّه بعدَّة أدلَّة، فإِذا نزلت السورةُ، زادَتْ في أدلَّته، وَوَجْهٌ آخر من وجوه الزيادة أنَّ الإِنسان ربَّما عرضه شكٌ يسيرٌ، أو لاحَتْ له شبهة مشغِّبة، فإِذا نزلَتِ السورة، ارتَفَعَتْ تلك الشبهة، وقَوِيَ إِيمانه وارتقى اعتقاده عن معارَضَة الشبهات، والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:
هم المنافقون، و «الرجْسُ» في اللغة: يجيء بمعنى القَذَرِ، ويجيء بمعنى العذاب، وحالُ هؤلاء المنافقين هي قَذَرٌ، وهي عذابٌ عاجلٌ، كفيلٌ بآجِلٍ، وإِذا تَجدَّد كفْرُهم بسورةٍ، فقد زاد كُفْرهم، فذلك زيادةُ رجْسٍ إِلى رِجْسهم.
وقوله سبحانه: أَوَلا يَرَوْنَ يعني: المنافقين، وقرأ حَمزة: «أَوَلاَ تَرَوْنَ» - بالتاء من فوق- على معنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ، أي: يُخْتَبرُونَ، وقرأ مجاهدٌ: «مَرْضَةً أَوْ مَرْضَتَيْنِ» ، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها أَنَّ الفتنة والاختبار إِنما هي بكَشْفِ اللَّه أَسرارهم وإِفشائه عقائدهم إِذ يعلمون أنَّ ذلك مِنْ عند اللَّه، وبهذا تقومُ الحُجَّة عليهم، وأما الاختبار بالمَرَضِ فهو في المؤمنين.
وقوله سبحانه: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ: المعنى: وإِذا ما أنزلَتْ سورةٌ فيها فضيحةُ أسرار المنافقين، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ: أي: هلْ معكم مَنْ يَنْقُلُ عَنْكم، هَلْ يراكم من أحدٍ حين تدبِّرون أموركم، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ طريق الاهتداء وذلك أنهم وقْتَ كشْف أسرارهم والإِعلام بمغيِّبات أمورهم، يقع لهم لا مَحَالة تَعَجُّب وتوقُّف ونَظَر، فلو أريد بهم خَيْرٌ، لكان ذلك الوَقْتُ مَظِنَّةَ الاهتداء، وقد تقدَّم بيانُ قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّانِي: قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وخَيْبَرُ، وفَدْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: الدَّيْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: العَرَبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ عامٌّ في قِتالِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقاتِلَ أهْلَ كُلِّ ثَغْرٍ الَّذِينَ يَلُونَهم.
قالَ: وقِيلَ: «كانَ النَّبِيُّ رُبَّما تَخَطّى في حَرْبِهِ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ الأعْداءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أهْيَبُ لَهُ، فَأمَرَ بِقِتالِ مَن يَلِيهِ لِيُسْتَنَّ بِذَلِكَ.» وفي الغِلْظَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ: غِلْظَةٌ، بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ وبِها قَرَأ الأكْثَرُونَ.
وغَلْظَةٌ، بِفَتْحِ الغَيْنِ، رَواها جَبَلَةٌ عَنْ عاصِمٍ.
وغُلْظَةٌ، بِضَمِّ الغَيْنِ، رَواها المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ.
ومِثْلُها: جَذْوَةٌ وجِذْوَةٌ وجُذْوَةٌ، ووَجْنَةٌ ووِجْنَةٌ ووُجْنَةٌ، ورَغْوَةٌ ورِغْوَةٌ ورُغْوَةٌ، ورَبْوَةٌ ورِبْوَةٌ ورُبْوَةٌ، وقَسْوَةٌ وقِسْوَةٌ وقُسْوَةٌ، وألْوَةٌ وإلْوَةٌ وأُلْوَةٌ، في اليَمِينِ.
وشاةٌ لَجْبَةٌ ولِجْبَةٌ ولُجْبَةٌ: قَدْ ولّى لَبَنُها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ "غِلْظَةٌ": شَجاعَةٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ: شِدَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ هَذا قَوْلُ المُنافِقِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا ﴾ لِأنَّهم إذا صَدَّقُوا بِها وعَمِلُوا بِما فِيها، زادَتْهم إيمانًا.
﴿ وَهم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِنُزُولِها.
﴿ وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ: شَكٌّ ونِفاقٌ.
وَفِي المُرادِ بِالرِّجْسِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الإثْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الكُفْرُ، لِأنَّهم كُلَّما كَفَرُوا بِسُورَةٍ زادَ كُفْرُهُمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "أوَلا تَرَوْنَ" بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لَلْمُؤْمِنِينَ.
وفي مَعْنى يَفْتِنُونَ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَكْذِبُونَ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ يَضِلُّونَ بِها، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.
والثّانِي: يُنافِقُونَ ثُمَّ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يُنافِقُونَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: يُبْتَلَوْنَ بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: يُفْتَنُونَ بِالسَّنَةِ والجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: بِالأوْجاعِ والأمْراضِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
والسّادِسُ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ يَمانُ.
والسّابِعُ: يَكْفُرُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ إذْ خَلَوْا، عَلِمُوا أنَّهُ نَبِيٌّ، ثُمَّ يَأْتِيهِمُ الشَّيْطانُ فَيَقُولُ: إنَّما بَلَغَهُ هَذا عَنْكُمْ، فَيُشْرِكُونَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
والثّامِنُ: يُفْضَحُونَ بِإظْهارِ نِفاقِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ﴾ أيْ: مِن نِفاقِهِمْ.
﴿ وَلا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ ويَتَّعِظُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالبادِيَةِ سُكّانًا ومَبْعُوثِينَ لِتَعْلِيمِ الشَرْعِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ ﴾ أهَمَّهم ذَلِكَ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ إلى رَسُولِ اللهِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ في التَخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفْرِهِمْ ذَلِكَ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ في المُتَخَلِّفِينَ قالُوا: هَلَكَ أهْلُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُقِيمَةً لِعُذْرِ أهْلِ البَوادِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ ﴾ عُمُومٌ في اللَفْظِ والمُرادُ بِهِ في المَعْنى الجُمْهُورُ والأكْثَرُ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً لِذَلِكَ مُطَّرِدَةَ الألْفاظِ مُتَّصِلَةَ المَعْنى مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُونَ ﴾ .
بَيَّنَ في آخِرِ الآيَةِ العُمُومَ الَّذِي في أوَّلِها إذْ هو مُعَرَّضٌ أنْ يُتَأوَّلَ فِيهِ ألّا يَتَخَلَّفَ بَشَرٌ.
والتَفَقُّهُ هو مِنَ النافِرِينَ، والإنْذارُ هو مِنهُمْ، والضَمِيرُ في رَجَعُوا لَهم أيْضًا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ في مَعْنى الغَزْوِ، وإنَّما سَبَبُها أنَّ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ لَمّا دَعا رَسُولُ اللهِ عَلى مُضَرَ بِالسِنِينَ أصابَتْهم مَجاعَةٌ وشِدَّةٌ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ لِمَعْنى المَعاشِ فَكادُوا أنْ يُفْسِدُوها، وكانَ أكْثَرُهم غَيْرَ صَحِيحِ الإيمانِ وإنَّما أضْرَعَهُ الجُوعُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ فَقالَ: وما كانَ مِن صِفَتِهِ الإيمانُ لِيَنْفِرَ مِثْلَ هَذا النَفِيرِ، أيْ: لَيْسَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالبُعُوثِ والسَرايا، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ في الغَزْوِ، وهَذِهِ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِهِ، أيْ: يَجِبُ إذا تَخَلَّفَ ألّا يَنْفِرَ الناسُ كافَّةً فَيَبْقى هو مُنْفَرِدًا، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَنْفِرَ طائِفَةٌ وتَبْقى طائِفَةٌ لِتَتَفَقَّهَ هَذِهِ الباقِيَةُ في الدِينِ، ويُنْذِرُوا النافِرِينَ إذا رَجَعَ النافِرُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِكُلِّ ما ورَدَ مِن إلْزامِ الكافَّةِ النَفِيرَ والقِتالَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا ﴾ عائِدٌ أيْضًا -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى الطائِفَةِ المُتَخَلِّفَةِ مَعَ النَبِيِّ ، وهو القَوْلُ الأوَّلُ في تَرْتِيبِنا هَذا عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ النافِرَةِ، وكَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَوْدُهُ مَعَ بَعْضِ الأقْوالِ عَلى هَذِهِ، ومَعَ بَعْضِها عَلى هَذِهِ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَفَقُّهَ إنَّما هو بِمُشاهَدَةِ رَسُولِ اللهِ وصُحْبَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ التَفَقُّهُ في الغَزْوِ في السَرايا لِما يَرَوْنَ مِن نُصْرَةِ اللهِ لِدِينِهِ وإظْهارِهِ العَدَدَ القَلِيلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الكافِرِينَ وعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ ومَكانَتِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ وقَوّاهُ، والآخَرُ أيْضًا قَوِيٌّ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِيُنْذِرُوا ) عائِدٌ عَلى المُتَفَقِّهِينَ بِحَسَبِ الخِلافِ، والإنْذارُ عامٌّ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي والحَذَرُ مِنها أيْضًا كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً فَهي مِنَ التَدْرِيجِ الَّذِي كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُضْعِفُهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ رُبَّما تَجاوَزَ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ غازِيًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ أبْعَدَ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِغَزْوِ الأدْنى فالأدْنى إلى المَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ صُورَةَ القِتالِ كافَّةً، وهي مُتَرَتِّبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً، ومَعْناها أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ فِيها المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُمُ الجِنْسَ الَّذِي يُصاقِبُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وهَذا هو القِتالُ لِكَلِمَةِ اللهِ ورَدِّ الناسِ إلى الإسْلامِ، وأمّا إذا مالَ العَدُوُّ إلى صُقْعٍ مِن أصْقاعِ المُسْلِمِينَ فَفَرْضٌ عَلى مَنِ اتَّصَلَ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ كِفايَةُ عَدُوِّ ذَلِكَ الصُقْعِ وإنْ بَعُدَتِ الدارُ ونَأتِ البِلادُ، وقالَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ: نَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى قِتالِ الرُومِ بِالشامِ لِأنَّهم كانُوا يَوْمَئِذٍ العَدُوَّ الَّذِي يَلِي ويَقْرُبُ، إذْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ عَمَّها الإسْلامُ وكانَتِ العِراقُ بَعِيدَةً، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ تَوَجَّهَ الفَرْضُ في قِتالِ الفُرْسِ والدَيْلَمِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمَمِ، وسَألَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلٌ عن قِتالِ الدَيْلَمِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِالرُومِ، وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الرُومُ والدَيْلَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي في زَمَنِهِ ذَلِكَ، وقالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وقْتَ نُزُولِها: العَرَبُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنهم نَزَلَتْ في الرُومِ وغَيْرِهِمْ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غِلْظَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "غَلْظَةً" بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "غُلْظَةً" بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ أبِي حَيَوَةَ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ أيْضًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ عن أبِي عَمْرٍو، وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ شُذُوذٌ، وهي لُغاتٌ.
ومَعْنى الكَلامِ: ولِيَجِدُوا فِيكم خُشُونَةً وبَأْسًا، وذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ القِتالُ، ومِنهُ: "العَذابُ الغَلِيظُ" و ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ ، و ﴿ غِلاظٌ شِدادٌ ﴾ في صِفَةِ الزَبانِيَةِ، و"غَلُظَتْ عَلَيْنا كُدْيَةٌ" في حَفْرِ الخَنْدَقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وحَضَّ عَلى التَقْوى الَّتِي هي مِلاكُ الدِينِ والدُنْيا وبِها يُلْقى العَدُوُّ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: "إنَّما تُقاتِلُونَ الناسَ بِأعْمالِكُمْ".
وأهْلُها هُمُ المُجِدُّونَ في طُرُقِ الحَقِّ، فَوَعَدَ تَعالى أنَّهُ مَعَ أهْلِ التَقْوى، ومَن كانَ اللهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ.
<div class="verse-tafsir"
كان جميع بلاد العرب خلَص للإسلام قبل حجة الوداع، فكانت تخوم بلاد الإسلام مجاورة لبلاد الشام مقرّ نصارى العرب، وكانوا تحت حكم الروم، فكانت غزوة تبوك أول غزوة للإسلام تجاوزت بلاد العرب إلى مشارف الشام ولم يكن فيها قتال ولكن وُضعت الجزية على أيْلَةَ وبُصرى، وكانت تلك الغزوة إرهاباً للنصارى، ونزلت سورة براءة عقبها فكانت هذه الآية كالوصية بالاستمرار على غزو بلاد الكفر المجاورة لبلاد الإسلام بحيث كلَّما استقر بلد للإسلام وكان تُجاوره بلاد كفر كان حقاً على المسلمين غزو البلاد المجاورة.
ولذلك ابتدأ الخلفاء بفتح الشام ثم العراق ثم فارس ثم انثنوا إلى مصر ثم إلى إفريقية ثم الأندلس.
فالجملةُ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تكملة للأمر بما يتعين على المسلمين في ذيول غزوة تبوك.
وفي توجيه الخطاب للذين آمنوا دون النبي إيماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يغزو بعد ذلك وأن أجله الشريف قد اقترب.
ولعل في قوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ إيماء إلى التسلية على فقد نبيهم عليه الصلاة والسلام وأن الله معهم كقوله في الآية الأخرى ﴿ وسيجْزي الله الشاكرين ﴾ [آل عمران: 144].
والغلظة بكسر الغين: الشدة الحسية والخشونة، وهي مستعارة هنا للمعاملة الضارة، كقوله: ﴿ واغلظ عليهم ﴾ [التوبة: 73].
قال في «الكشاف»: وذلك يجمع الجرأة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر.
اه.
قلت: والمقصد من ذلك إلقاءُ الرعب في قلوب الأعداء حتى يخشوا عاقبة التصدي لقتال المسلمين.
ومعنى أمر المسلمين بحصول ما يجده الكافرون من غلظة المؤمنين عليهم هو أمر المؤمنين بأن يكونوا أشداء في قتالهم.
وهذه مبالغة في الأمر بالشدة لأنه أمر لهم بأن يجد الكفار فيهم الشدة.
وذلك الوجدان لا يتحقق إلا إذا كانت الغلظة بحيث تظهر وتَنال العدو فيحِس بها، كقوله تعالى لموسى: ﴿ فلا يَصدَّنَّك عنها من لا يؤمن بها ﴾ [طه: 16].
وإنما وقعت هذه المبالغة لِما عليه العدو من القوة، فإن المقصود من الكفار هنا هم نصارى العرب وأنصارهم الروم، وهم أصحاب عَدد وعُدد فلا يجدون الشدة من المؤمنين إلا إذا كانت شدة عظيمة.
ومن وراء صريح هذا الكلام تعريض بالتهديد للمنافقين، إذ قد ظُهر على كفرهم وهم أشد قرباً من المؤمنين في المدينة.
وفي هذا السياق جاء قوله تعالى: ﴿ يأيها النبيءُ جاهد الكفار والمنافقين واغلُظ عليهم ﴾ [التوبة: 73].
وجملة: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ تأييد وتشجيع ووعد بالنصر إن اتقوا بامتثال الأمر بالجهاد.
وافتتحت الجملة ب ﴿ اعلموا ﴾ للاهتمام بما يراد العلم به كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ في سورة الأنفال (41).
والمعية هنا معية النصر والتأييد، كقوله تعالى: ﴿ إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ﴾ [التوبة: 40].
وهذا تأييد لهم إذ قد علموا قوة الروم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الرُّومُ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الدَّيْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ العَرَبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في قِتالِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ والأدْنى فالأدْنى، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾ قال: الأدنى فالأدنى.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: كان الذين يلونه من الكفار العرب، فقاتلهم حتى فرغ منهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن جعفر بن محمد.
أنه سئل عن قتال الديلم فقال: قاتلوهم فإنهم من الذين قال الله تعالى ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾ .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن.
أنه كان إذا سئل عن قتال الروم والديلم، تلا هذه الآية ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ﴾ قال: شدة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سئل عن غزو الديلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾ قال: الروم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ قال: شدة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ﴾ يريد: الذين يقربون منكم، قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى (١) (٢) (٣) وقيل: إن النبي كان ربما تخطى في حربه الذين يلونه من الأعداء ليكون أهيب له، فأمر بقتال من يليه (٤) قوله تعالى: ﴿ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ ، قال الزجاج: فيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقال أهل المعاني: الغلظة ضد الرقة وهي الشدة في إحلال النقمة، وذلك أدل على البصيرة في الإيمان، وأزجر عن الكفر باللهِ، وأهيب لأعداء الله، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وقوله تعالى في صفة الصحابة: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾ \[الفتح:\]، وقوله: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ .
ويخرج الكلام في هذه الآية على الأمر بالوجود، وإنما هو بالغلظة كانه قيل: اغلظوا عليهم بحيث يجدون ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ ، قال أبو إسحاق: أي أن الله ناصر من أَمَرَهُ بالحرب (١٠) (١) ساقط من (ى).
(٢) رواه مختصرًا الثعلبي 6/ 163 ب، والبغوي 4/ 113، ونحوه في "تنوير المقباس" ص 207.
(٣) ذكره بنحوه الثعلبي 6/ 163 ب، والبغوي 4/ 114 دون تعيين القائل.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 476.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 476 بمعناه (٦) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 518، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 535.
(٧) انظر: المصدرين السابقين، نفر الموضع.
(٨) رواه الثعلبي 6/ 163 ب، والبغوي 4/ 114.
(٩) رواه الثعلبي، الموضع السابق.
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 476.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قاتلوا الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار ﴾ أمر بقتال الأقرب فالأقرب على تدريج، وقيل: إنها إشارة إلى قتال الروم بالشام، لأنهم كانوا أقرب الكفار إلى أرض العرب، وكانت أرض العرب قد عمها الإسلام، وكانت العراق حينئذ بعيدة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ موطئاً ﴾ ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿ غلظة ﴾ بفتح الغين: المفضل.
الباقون بكسرها.
﴿ أولا ترون ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب.
الباقون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ط ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ غلظة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ إيماناً ﴾ ط ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ إلى بعض ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ ثم انصرفوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ عزيز ﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿ حسبي الله ﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم.
والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام.
ومعنى ﴿ ولا يرغبوا ﴾ ولا أن يرغبوا.
يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.
وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية.
ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله: ﴿ ما كان لهم ﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب.
والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿ يغيظ ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر.
ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك.
قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى.
ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح.
وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية.
وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.
وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً.
قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.
وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم.
قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد.
قوله: ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ .
قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك.
وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال.
والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل.
﴿ إلا كتب لهم ﴾ ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة.
ثم ذكر غاية الكتب فقال: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل.
وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح.
واعلم أنه عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .
ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله ﴿ إلا كتب لهم ﴾ لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله أعلم بمراده.
ثم قال: ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية.
قاله ابن عباس.
والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو.
ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً ﴿ فلولا نفر ﴾ أي هلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴾ فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ النافرين ﴿ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة.
وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته.
فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق.
القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى ﴿ ليتفقهوا ﴾ ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها.
والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية.
والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.
وفي قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.
القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً.
ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ﴿ ولينذروا ﴾ وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ إيجاب للعمل بأخبارهم.
ثم أرشد إلى ترتيب القتال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد.
والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين.
وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.
وقد حارب رسول الله قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام.
ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال : "كل مما يليك" .
فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة.
وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي شدة نظير قوله: { ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله.
ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ﴾ أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول ﴿ أيكم ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ زادته هذه إيماناً ﴾ .
ثم إنه حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب.
وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً.
والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا.
وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر.
ثم عجب من حال المنافقين فقال: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ﴿ ثم لا يتوبون ﴾ من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً.
وقال مجاهد: بالقحط والجوع.
وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.
وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون.
ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك.
والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل.
﴿ ثم انصرفوا ﴾ أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه.
ومعنى ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير.
وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم.
وقال الزجاج: أضلهم الله.
قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه.
وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.
وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك.
يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟
أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم.
فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.
وقرىء ﴿ من أنفسكم ﴾ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم.
وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام.
ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم.
و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه.
﴿ حريص عليكم ﴾ الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار.
وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار.
ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال ﴿ بالمؤمنين ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ رؤوف رحيم ﴾ قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم.
التأويل: ﴿ ما كان لأهل ﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ ومن حولهم من الأعراب ﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿ أن يتخلفوا عن رسول ﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ من ماء الشهوات ﴿ ولا نصب ﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ ولا مخمصة ﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿ لا يطؤن موطئاً ﴾ من مقامات الفناء ﴿ يغيظ ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ ولا ينالون من عدوّ ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ هي بذل الصفات ﴿ ولا كبيرة ﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح.
﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ﴾ } [السجدة: 17] ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا ﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ من غير الله.
﴿ قاتلوا الذين يلونكم ﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون ﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ أي قلب حي ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ ثم انصرفوا ﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب.
﴿ من أنفسكم ﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله.
ومن قرأ ﴿ من أنفسكم ﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله "أول ما خلق الله روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ولعلو همته، ﴿ ما زاغ البصر وما طغى ﴾ ولرؤيته سر القدر ﴿ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته عامة للعالمين بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿ فقل حسبي الله ﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: نزلت الآية قبل أن ينزل قوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً ﴾ .
كان الأمر بالقتال بالأدنى فالأدنى، ثم جاء الأمر بقتال الكفار عامة.
وقال بعضهم: إن رسول الله كان إذا غزا ربما كان يجاوز كفارا ويتركهم وراءه ويقاتل غيرهم؛ ليكون ذلك آية لنبوته، [و] ليعلم أنه لا يبالي بمن يقاتل ولا يخاف من تركهم وراءه، ثم أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأقرب فالأقرب منهم والأدنى فالأدنى وألا يتركوا العدو وراءهم؛ إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وأمكن أن يكون هذا تعليماً من الله المؤمنين أمر الحرب وأسبابها، كما علمهم جميع ما يقع لهم من الحاجة إلى أسباب الحرب في غير آي من القرآن؛ من ذلك: قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ ، وقوله: ﴿ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ الآية، وقوله: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ...
﴾ الآية، وغير ذلك من الآيات.
أو يحتمل أن يكون أمر بقتال الأقرب فالأقرب منهم كسائر العبادات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنه يخرج على أمر القتال منه للمؤمنين.
والثاني: إنباء عن دوام الجهاد والقتال مع الأعداء أبداً؛ لأنه كلما فتح ناحية وقوماً، صار الذين بقوا وراء هؤلاء الذين يلونهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ .
قيل: شدة عليهم.
وفي حرف ابن مسعود - - وأبي: (وليجدوا عليهم غلظة)، أي: شدة، ويقرأ: (غُلظة) برفع الغين، ويقرأ: ﴿ غِلْظَةً ﴾ بكسرها، وهما لغتان ومعناهما واحد.
﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
أي: من اتقى الخلاف له بالنصر لهم على عدوهم.
وقوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
يخرج على وجوه: أحدها: ما ذكرنا إذا اتقوا الخلاف له فيما علمهم من أمر الحرب يكون معهم بالنصر.
والثاني: معهم في التوفيق والهداية.
والثالث: في الجزاء.
<div class="verse-tafsir"
أمر الله تعالى المؤمنين بقتال من يجاورهم من الكفار؛ لما يسبِّبون من خطر على المؤمنين بسبب قربهم، وأمرهم كذلك أن يُظْهِروا قوة وشدة من أجل إرهابهم ودفع شرهم، والله تعالى مع المؤمنين المتقين بعونه وتأييده.
<div class="verse-tafsir" id="91.5axw3"