الآية ١٢٩ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢٩ من سورة التوبة

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ١٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٩ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذه الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى : ( فإن تولوا ) أي : تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة ، ( فقل حسبي الله ) أي : الله كافي ، لا إله إلا هو عليه توكلت ، كما قال تعالى : ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) [ المزمل : 9 ] .

( وهو رب العرش العظيم ) أي : هو مالك كل شيء وخالقه ، لأنه رب العرش العظيم ، الذي هو ، سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى ، وعلمه محيط بكل شيء ، وقدره نافذ في كل شيء ، وهو على كل شيء وكيل .

قال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثني محمد بن أبي بكر ، حدثنا بشر بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، عن أبي بن كعب قال : آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلى آخر السورة .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا روح بن عبد المؤمن ، حدثنا عمر بن شقيق ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، رضي الله عنه ؛ أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر ، رضي الله عنه ، فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب ، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة ( براءة ) : ( ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ) [ التوبة : 127 ] ، فظنوا أن هذا آخر ما أنزل من القرآن .

فقال لهم أبي بن كعب : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) إلى : ( وهو رب العرش العظيم ) قال : " هذا آخر ما أنزل من القرآن " قال : فختم بما فتح به ، بالله الذي لا إله إلا هو ، وهو قول الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] غريب أيضا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن بحر ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد ، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنه ، قال : أتى الحارث بن خزمة بهاتين الآيتين من آخر ( براءة ) : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلى عمر بن الخطاب ، فقال : من معك على هذا ؟

قال : لا أدري ، والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها .

فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة ، فانظروا سورة من القرآن ، فضعوها فيها .

فوضعوها في آخر ( براءة ) .

وقد تقدم أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهما ، بجمع القرآن ، فأمر زيد بن ثابت فجمعه .

وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك .

وفي الصحيح أن زيدا قال : فوجدت آخر سورة " براءة " مع خزيمة بن ثابت - أو : أبي خزيمة وقدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها ، والله أعلم .

وقد روى أبو داود ، عن يزيد بن محمد ، عن عبد الرزاق بن عمر - وقال : كان من ثقات المسلمين من المتعبدين ، عن مدرك بن سعد - قال يزيد : شيخ ثقة - عن يونس بن ميسرة ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء قال : من قال إذا أصبح وإذا أمسى : حسبي الله لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم ، سبع مرات ، إلا كفاه الله ما أهمه .

وقد رواه ابن عساكر في ترجمة " عبد الرزاق بن عمر " هذا ، من رواية أبى زرعة الدمشقي ، عنه ، عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري ، عن يونس بن ميسرة بن حليس ، عن أم الدرداء ، سمعت أبا الدرداء يقول : ما من عبد يقول : حسبي الله ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم ، سبع مرات ، صادقا كان بها أو كاذبا ، إلا كفاه الله ما همه .

وهذه زيادة غريبة .

ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد ، عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق ، عن جده عبد الرزاق بن عمر ، بسنده فرفعه فذكر مثله بالزيادة .

وهذا منكر ، والله أعلم .

آخر سورة ( براءة ) ، والحمد لله وحده .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن تولى، يا محمد، هؤلاء الذين جئتهم بالحق من عند ربك من قومك, فأدبروا عنك ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النصيحة في الله، وما دعوتهم إليه من النور والهدى (21) =(فقل حسبي الله), يكفيني ربي (22) =(لا إله إلا هو) ، لا معبود سواه =(عليه توكلت) ، وبه وثقت, وعلى عونه اتكلت, وإليه وإلى نصره استندت, فإنه ناصري ومعيني على من خالفني وتولى عني منكم ومن غيركم من الناس (23) =(وهو رب العرش العظيم) ، الذي يملك كلَّ ما دونه, والملوك كلهم مماليكه وعبيده.

(24) وإنما عنى بوصفه جل ثناؤه نفسه بأنه رب العرش العظيم, الخبرَ عن جميع ما دونه أنهم عبيده، وفي ملكه وسلطانه، لأن " العرش العظيم "، إنما يكون للملوك, فوصف نفسه بأنه " ذو العرش " دون سائر خلقه، وأنه الملك العظيم دون غيره، وأن من دونه في سلطانه وملكه، جارٍ عليه حكمه وقضاؤه.

17511- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (فإن تولوا فقل حسبي الله) ، يعني الكفار، تولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذه في المؤمنين.

17512- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن عبيد بن عمير قال: كان عمر رحمة الله عليه لا يُثْبت آيةً في المصحف حتى يَشْهَدَ رجلان, فجاء رجل من الأنصار بهاتين الآيتين: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ، فقال عمر: لا أسألك عليهما بيّنةً أبدًا, كذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم!

17513- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس, عن زهير, عن الأعمش, عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله رحيم يحبّ كل رحيم, يضع رحمته على كل رحيم.

قالوا: يا رسول الله، إنا لنرحم أنفسنا وأموالنا = قال: وأراه قال: وأزواجنا =؟

قال: ليس كذلك, ولكن كونوا كما قال الله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ .

أراهُ قرأ هذه الآية كلها.

(25) 17514- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة, عن علي بن زيد, عن يوسف, عن ابن عباس, عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نـزلت من القرآن: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ، إلى آخر الآية.

17515- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا شعبة, عن علي بن زيد, عن يوسف بن مهران, عن ابن عباس, عن أبيّ قال: آخر آية نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، الآية.

(26) 17516- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا شعبة، عن علي بن زيد, عن يوسف بن مهران, عن أبيّ قال: أحدثُ القرآن عهدًا بالله هاتان الآيتان: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ، إلى آخر الآيتين.

(27) 17517- حدثني أبو كريب قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا أبان بن يزيد العطار, عن قتادة, عن أبي بن كعب قال: أحدث القرآن عهدًا بالله، الآيتان: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، إلى آخر السورة.

(28) -------------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .

(22) انظر تفسير " حسب " فيما سلف ص : 340 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(23) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص : 291 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(24) انظر تفسير " العرش " فيما سلف 12 : 482 .

(25) الأثر : 17513 - " أحمد بن عبد الله بن يونس التيمي " ، ثقة ، مضى مرارا آخرها رقم : 16095 .

و " زهير " ، هو " زهير بن معاوية بن حديج الجعفي " ، ثقة ، مضى مرارا ، آخرها رقم : 12794 .

و " أبو صالح الحنفي " تابعي ثقة ، مضى برقم : 3226 ، 13291 - 13293 وهذا خبر مرسل .

(26) الأثران : 17514 ، 17515 - " علي بن زيد بن جدعان " ، سيئ الحفظ ، مضى مرارا آخرها رقم : 13493 ، 16736 .

و " يوسف بن مهران البصري " ، ثقة ، مضى مرارا ، آخرها : 13495 .

وهذا الخبر رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه 5 : 117 ، من طريق محمد بن أبي بكر ، عن بشر بن عمر ، عن شعبة ، بمثله .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 36 ، وقال : " رواه عبد الله بن أحمد ، والطبراني ، وفيه علي بن زيد بن جدعان ، وهو ثقة سيء الحفظ ، وبقية رجاله ثقات " .

(27) الأثر : 17516 - مكرر الذي قبله ، ولكنه مرسل عن أبي .

(28) الأثر : 17517 - مرسل ، قتادة لم يرو عن أبي بن كعب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فإن تولوا فقل حسبي الله أي إن أعرض الكفار يا محمد بعد هذه النعم التي من الله عليهم بها فقل حسبي الله أي كافي الله تعالى .لا إله إلا هو عليه توكلت أي اعتمدت وإليه فوضت جميع أموري .وهو رب العرش العظيم خص العرش لأنه أعظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه إذا ما ذكره .

وقراءة العامة بخفض العظيم نعتا للعرش .

وقرئ بالرفع صفة للرب ، رويت عن ابن كثير ، وهي قراءة ابن محيصن وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء قال : من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات ، كفاه الله ما أهمه صادقا كان بها أو كاذبا .

وفي نوادر الأصول عن بريدة قال : قال [ ص: 219 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مكفيا مجزيا خمس للدنيا وخمس للآخرة حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغى علي حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند الموت حسبي الله عند المسألة في القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله عند الصراط حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب .وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال : أقرب القرآن عهدا بالله تعالى هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة ; وقد بيناه .

وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس أن آخر ما نزل من القرآن لقد جاءكم رسول من أنفسكم وهذه الآية ; ذكره الماوردي .

وقد ذكرنا عن ابن عباس خلافه ; على ما ذكرناه في ( البقرة ) وهو أصح .

وقال مقاتل : تقدم نزولها بمكة .

وهذا فيه بعد لأن السورة مدنية والله أعلم .

وقال يحيى بن جعدة : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة ( براءة ) لقد جاءكم رسول من أنفسكم فقال عمر : والله لا أسألك عليهما بينة كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم فأثبتهما .

قال علماؤنا : الرجل هو خزيمة بن ثابت وإنما أثبتهما عمر رضي الله عنه بشهادته وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية الأحزاب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد تقدم هذا المعنى في مقدمة الكتاب والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏فَإِنْ‏}‏ آمنوا، فذلك حظهم وتوفيقهم، وإن ‏{‏تَوَلَّوا‏}‏ عن الإيمان والعمل، فامض على سبيلك، ولا تزل في دعوتك، وقل ‏{‏حَسْبِيَ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ الله كافيَّ في جميع ما أهمني، ‏{‏لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ‏}‏ أي‏:‏ لا معبود بحق سواه‏.‏ ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏ أي‏:‏ اعتمدت ووثقت به، في جلب ما ينفع، ودفع ما يضر، ‏{‏وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏ الذي هو أعظم المخلوقات‏.‏ وإذا كان رب العرش العظيم، الذي وسع المخلوقات، كان ربا لما دونه من باب أولى وأحرى‏.‏ تم تفسير سورة التوبة بعون اللّه ومنه فلله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإن تولوا ) إن أعرضوا عن الإيمان وناصبوك الحرب ( فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ( روي عن أبي بن كعب قال : آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلى آخر السورة .

وقال : هما أحدث الآيات بالله عهدا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن تولَّوا» عن الإيمان بك «فقل حسبي» كافيّ «الله لا إله إلا هو عليه توكلت» به وثقت لا بغيره «وهو ربُّ العرش» الكرسي «العظيم» خصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، وروى الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت «لقد جاءكم رسول» إلى آخر السورة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن أعرض المشركون والمنافقون عن الإيمان بك -أيها الرسول- فقل لهم: حسبي الله، يكفيني جميع ما أهمَّني، لا معبود بحق إلا هو، عليه اعتمدت، وإليه فَوَّضْتُ جميع أموري؛ فإنه ناصري ومعيني، وهو رب العرش العظيم، الذي هو أعظم المخلوقات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ .

.

)أى : فإن أعرضوا عن الإِيمان بك ، وتركوا طاعتك ، فلا تبتئس ولا تيأس ، بل قل " حسبى الله " أى : هو كافينى ونصيرى ( لا إله إِلاَّ هُوَ ) - سبحانه - ( رَبُّ العرش العظيم ) الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا الله - عز وجل - .ففى هاتين الآيتين الكريمتين بيان للصفات التى منحها - سبحانه - لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ودعوة له - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يفوض أمره إلى خالقه فهو - سبحانه - كافيه وناصره .وبعد فهذه سورة التوبة .السورة التى احتوت على بيان الأحكام النهائية فى العلاقات الدائمة بين المجتمع الإِسلامى ، والمجتمعات الأخرى .السورة التى حرضت المؤمنين على الجهاد فى سيبل الله ، وساقت لهم من وسائل الترغيب فى ذلك ، ما يجعلهم يقدمون على قتال أعدائهم بصبر وثبات واستبشار .السورة التى اوجبت على المؤمنين أن تكون محبتهم لله ولرسوله ، ولإِعلاء كلمة الحق ، فوق محبة الآباء والأبناء والإِخوان والأزواج والعشيرة والأموال .السورة التى ذكرت المؤمنين بنصر الله لهم فى مواطن كثيرة ، وحذرتهم من الغرور بأنفسهم .

والعجب بقوتهم ، وأمرتهم بنصرة رسوله فى السراء والضراء والعسر واليسر ، والمنشط والمكره .السورة التى أمرت المؤمنين بأن يخلصوا فى دفاعهم عن دين الله وعن حرماته وعن مقدساته .

وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك ، فسوف يغنيهم الله من فضله .السورة التى فضحت المنافقين ، وكشفت عن أساليبهم الخبيثة ، ومسالكهم القبيحة ، وأقوالهم المنكرة ، وأفعالهم الأثيمة ، وسجلت عليهم الخزى والعار وحذرت المؤمنين من شرورهم .

.السورة التى رسمت أسس التكافل الاجتماعى بين أفراد الأمة الإِسلامية ، عن طريق مشروعية الزكاة ، ووجوب أدائها لمستحقيها .السورة التى ساقت ألونا من فضل الله على عباده المؤمنين ، حيث تقبل سبحانه توبتهم ، وغسل حوبتهم ، وتجاوز عن خطئهم .السورة التى صنفت المجتمع الإِسلامى فى أواخر اعهد النبوى تصنيفا دقيقا .فهناك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان وهناك الذين خطلوا عملا صالحا وآخر سيئاً .وهناك المرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .وهناك الأعراب المنافقون ، وهناك الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة .وقد بينت السورة الكريمة ما يستحقه كل قسم من الأقسام من ثواب أو عقاب .السورة التى أوحبت على المؤمنين أن يقيموا علاقاتهم على أساس العقيدة الدينية لا على أساس القرابة الجسدية ، فنهتهم أن يستغفروا للمشكرين ولو كانوا أولى قربى .هذا جانب من المقاصد الإِجمالية التى اشتملت عليها هذه السورة الكريمة ونسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ريبع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، وان يرزقنا الإِخلاص والتوفيق فى القول والعمل .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ يريد المشركين والمنافقين.

ثم قيل: ﴿ تَوَلَّوْاْ ﴾ أي أعرضوا عنك.

وقيل: تولوا عن طاعة الله تعالى وتصديق الرسول عليه الصلاة والسلام.

وقيل: تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه السورة، وقيل: تولوا عن نصرتك في الجهاد.

واعلم أن المقصود من هذه الآية بيان أن الكفار لو أعرضوا ولم يقبلوا هذه التكاليف، لم يدخل في قلب الرسول حزن ولا أسف، لأن الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء، وفي إيصاله إلى مقامات الآلاء والنعماء ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ وإذا كان لا إله إلا هو وجب أن يكون لا مبدئ لشيء من الممكنات ولا محدث لشيء من المحدثات إلا هو، وإذا كان هو الذي أرسلني بهذه الرسالة، وأمرني بهذا التبليغ كانت النصرة عليه والمعونة مرتقبة منه.

ثم قال: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ وهو يفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه وهو رب العرش العظيم، والسبب في تخصيصه بالذكر أنه كلما كانت الآثار أعظم وأكرم، كان ظهور جلالة المؤثر في العقل والخاطر أعظم، ولما كان أعظم الأجسام هو العرض كان المقصود من ذكره تعظيم جلال الله سبحانه.

فإن قالوا: العرش غير محسوس فلا يعرف وجوده إلا بعد ثبوت الشريعة فكيف يمكن ذكره في معرض شرح عظمة الله تعالى؟

قلنا: وجود العرش أمر مشهور والكفار سمعوه من اليهود والنصارى، ولا يبعد أيضاً أنهم كانوا قد سمعوه من أسلافهم ومن الناس من قرأ قوله: ﴿ العظيم ﴾ بالرفع ليكون صفة للرب سبحانه.

قال أبو بكر: وهذه القراءة أعجب، لأن جعل العظيم صفة لله تعالى أولى من جعله صفة للعرش، وأيضاً فإن جعلناه صفة للعرش، كان المراد من كونه عظيماً كبر جرمه وعظم حجمه واتساع جوانبه على ما هو مذكور في الأخبار، وإن جعلناه صفة لله سبحانه، كان المراد من العظمة وجوب الوجود والتقديس عن الحجمية والأجزاء والأبعاض، وكمال العلم والقدرة، وكونه منزهاً عن أن يتمثل في الأوهام أو تصل إليه الأفهام.

وقال الحسن: هاتان الآيتان آخر ما أنزل الله من القرآن، وما أنزل بعدهما قرآن.

وقال أبي بن كعب: أحدث القرآن عهد بالله- عز وجل- هاتان الآيتان، وهو قول سعيد بن جبير، ومنهم من يقول: آخر ما أنزل من القرآن قوله تعالى: ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله  ﴾ .

ونقل عن حذيفة أنه قال: أنتم تسمون هذه السورة بالتوبة، وهي سورة العذاب ما تركتم أحداً إلا نالت منه، والله ما تقرؤن ربعها.

اعلم أن هذه الرواية يجب تكذيبها، لأنا لو جوزنا ذلك لكان ذلك دليلاً على تطرق الزيادة والنقصان إلى القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا خفاء أن القول به باطل، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده.

وهذا آخر تفسير هذه السورة، ولله الحمد والشكر.

فرغ المؤلف رحمه الله من تفسيرها في يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان سنة إحدى وستمائة والحمد لله وحده والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم، ثم ذكر ما يتبع المجانسة والمناسبة من النتائج بقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي شديد عليه شاق- لكونه بعضاً منكم- عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ حتى لا يخرج أحد منكم عن اتباعه والاستسعاد بدين الحقّ الذي جاء به ﴿ بالمؤمنين ﴾ منكم ومن غيركم ﴿ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقرئ: ﴿ من أنْفَسِكم ﴾ أي من أشرفكم وأفضلكم.

وقيل: هي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما.

وقيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك فاستعن وفوّض إليه، فهو كافيك معرّتهم ولا يضرونك وهو ناصرك عليهم.

وقرئ: ﴿ العظيم ﴾ بالرفع.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: العرش لا يقدر أحد قدره.

وعن أبيّ ابن كعب: آخر آية نزلت: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ .

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نزل عليّ القرآن إلاّ آية آية وحرفاً حرفاً، ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، فإنهما أنزلتا عليّ ومعهما سبعون ألف صفّ من الملائكة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ مِن جِنْسِكم عَرَبِيٌّ مِثْلُكم.

وقُرِئَ « مِن أنْفَسِكم» أيْ مِن أشْرَفِكم.

﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ﴾ شَدِيدٌ شاقٌّ.

﴿ ما عَنِتُّمْ ﴾ عَنَتُكم ولِقاؤُكُمُ المَكْرُوهَ.

﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ عَلى إيمانِكم وصَلاحِ شَأْنِكم.

﴿ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم.

﴿ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ قَدَّمَ الأبْلَغَ مِنهُما وهو الرَّؤُوفُ لِأنَّ الرَّأْفَةَ شِدَّةُ الرَّحْمَةِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ.

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ عَنِ الإيمانِ بِكَ.

﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ مَعَرَّتَهم ويُعِينُكَ عَلَيْهِمْ.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ فَلا أرْجُو ولا أخافُ إلّا مِنهُ.

﴿ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ المَلِكُ العَظِيمُ، أوِ الجِسْمُ العَظِيمُ المُحِيطُ الَّذِي تَنْزِلُ مِنهُ الأحْكامُ والمَقادِيرُ.

وقُرِئَ « العَظِيمُ» بِالرَّفْعِ.

وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ آخِرَ ما نَزَلَ هاتانِ الآيَتانِ وعَنِ النَّبِيِّ  : «ما نَزَلَ القُرْآنُ عَلَيَّ إلّا آيَةً آيَةً وحَرْفًا حَرْفًا ما خَلا سُورَةَ بَراءَةٍ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، فَإنَّهُما أُنْزِلَتا عَلَيَّ ومَعَهُما سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ» واللَّهُ أعْلَمُ.

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِن تَوَلَّوْاْ} فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك {فَقُلْ حَسْبِيَ الله} فاستعن بالله وفوض إليه أمورك فهو كافيك معرتهم وناصرك عليهم {لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فوضت أمرى إليه {وهو رب العرش} هو أعظم خلق الله خلق مطافاً لأهل السماء وقبلة للدعاء {العظيم} بالجر وقرىء بالرفع على نعت الرب جل وعز عن أبيّ آخر آية نزلت لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ الآية

سورة يونس عليه السلام مائة وتسع آيات مكية

وكذا ما بعدها إلى سورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم

يونس (١ _ ٣)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخُطّابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيَةً لَهُ، أيْ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِكَ ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ مَعَرَّتُهم ويُعِينُكَ عَلَيْهِمْ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كالدَّلِيلِ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ المُتَوَحِّدَ بِالأُلُوهِيَّةِ هو الكافِي المُعِينُ ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ فَلا أرْجُو ولا أخافُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿ وهُوَ رَبُّ العَرْشِ ﴾ أيِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِسائِرِ الأجْسامِ ويُسَمّى بِفَلَكِ الأفْلاكِ وهو مُحَدِّدُ الجِهاتِ ﴿ العَظِيمِ ﴾ الَّذِي لا يَعْلَمُ مِقْدارَ عَظَمَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى وفي الخَبَرِ «أنَّ الأرْضَ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ وكَذا السَّماءُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ الَّتِي فَوْقَها وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ وهي بِالنِّسْبَةِ إلى الكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ وهو بِالنِّسْبَةِ إلى العَرْشِ كَذَلِكَ» .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ أحَدٌ وذَكَرَ أهْلُ الإرْصادِ أنَّ بُعْدَ مُقَعَّرِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِن مَرْكَزِ العالَمِ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا وسِتُّمِائَةٍ وتِسْعُ فَراسِخَ وأنَّ بُعْدَ مُحَدَّبِهِ مِنهُ قَدْ بَلَغَ مَرْتَبَةً لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقَدْ يُفَسَّرُ العَرْشُ هُنا بِالمُلْكِ وهو أحَدُ مَعانِيهِ كَما في القامُوسِ وقُرِئَ (العَظِيمُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الرَّبِّ وخَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما ذَكَرَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيها التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ والزَّواجِرَ الصَّعْبَةَ فَأرادَ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ويُشَجِّعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى تَبْلِيغِهِ وقَدْ تَضَمَّنَ مِن أوْصافِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكَرِيمَةِ ما تَضَمَّنَ وقَدْ بَدَأ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ لِأنَّهُ كالأُمِّ في هَذا البابِ ولا يُنافِي وصْفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ تَكْلِيفَهُ إيّاهم في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ لِأنَّ هَذا التَّكْلِيفَ أيْضًا مِن كَمالِ ذَلِكَ الوَصْفِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ العِقابِ المُؤَبَّدِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ المُخَلَّدِ ومِن هَذا القَبِيلِ مُعامَلَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا كَما عَلِمْتَ وما أحْسَنَ ما قِيلَ: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيُقَسْ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ وهاتانِ الآيَتانِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ لَكِنْ رَوى الشَّيْخانِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ ﴾ وآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَةُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ وكانَ بَيْنَ نُزُولِها ومَوْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَمانُونَ يَوْمًا وقِيلَ: تِسْعُ لَيالٍ وحاوَلَ بَعْضُهُمُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الرِّواياتِ في هَذا الشَّأْنِ بِما لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ ويَبْعُدُ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنُكَ وتَأْمَنّا.

قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا؟

قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ » إلَخْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ وقَدْ ذَكَرُوا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ الآيَةَ ما ذَكَرُوا مِنَ الخَواصِّ وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَوْقُوفًا وابْنُ السُّنِّيِّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن قالَ حِينَ أصْبَحَ وحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَبْعَ مَرّاتٍ كَفاهُ اللَّهُ تَعالى ما أهَمَّهُ مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ».

وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ سَبْعَ مَرّاتٍ: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو إلَخْ لَمْ يُصِبْهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَرْبٌ ولا نَكْبٌ ولا غَرَقٌ» .

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ إلى أرْضِ الرُّومِ فَسَقَطَ رَجُلٌ مِنهم فانْكَسَرَتْ فَخِذُهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَحْمِلُوهُ فَرَبَطُوا فَرَسَهُ عِنْدَهُ ووَضَعُوا عِنْدَهُ شَيْئًا مِن ماءٍ وزادٍ فَلَمّا ولَّوْا أتاهُ آتٍ فَقالَ لَهُ: ما لَكَ هَهُنا؟

قالَ: انْكَسَرَتْ فَخِذِي فَتَرَكَنِي أصْحابِي.

فَقالَ: ضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَجِدُ الألَمَ وقُلْ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ الآيَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَرَأها فَصَحَّ ورَكِبَ فَرَسَهُ وأدْرَكَ أصْحابَهُ وهَذِهِ الآيَةُ وِرْدُ هَذا الفَقِيرِ ولِلَّهِ الحَمْدُ مُنْذُ سِنِينَ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَ لَنا الخَيْرَ بِبَرَكَتِها إنَّهُ خَيْرُ المُوَفِّقِينَ * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ لَمّا هَداهم سُبْحانَهُ إلى الإيمانِ العِلْمِيِّ وهم مَفْتُونُونَ بِمَحَبَّةِ الأنْفُسِ والأمْوالِ اسْتَنْزَلَهم لِغايَةِ عِنايَتِهِ سُبْحانَهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِالمُعامَلَةِ الرّابِحَةِ بِأنْ أعْطاهم بَدَلَ ذَلِكَ الجَنَّةَ ولَعَلَّ المُرادَ بِها جَنَّةُ النَّفْسِ لِيَكُونَ الثَّمَنُ مِن جِنْسِ المُثَمِّنِ الَّذِي هو مَأْلُوفُهم ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: نَفْسُكَ مَوْضِعُ كُلِّ شَهْوَةٍ وبَلِيَّةٍ ومالُكَ مَحَلُّ كُلِّ إثْمٍ ومَعْصِيَةٍ فاشْتَرى مَوْلاكَ ذَلِكَ مِنكَ لِيُزِيلَ ما يَضُرُّكَ ويُعَوِّضُكَ عَلَيْهِ ما يَنْفَعُكَ ولِهَذا اشْتَرى سُبْحانَهُ النَّفْسَ ولَمْ يَشْتَرِ القَلْبَ وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الأكابِرِ في ذَلِكَ أيْضًا أنَّ النَّفْسَ مَحَلُّ العَيْبِ والكِرِيمُ يَرْغَبُ في شِراءِ ما يَزْهَدُ فِيهِ غَيْرُهُ فَشِراءُ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ مَعَ اطِّلاعِهِ سُبْحانَهُ عَلى العَيْبِ بِالجَنَّةِ الَّتِي لا عَيْبَ فِيها نِهايَةُ الكَرَمِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ: ولِي كَبِدٌ مَقْرُوحَةٌ مَن يَبِيعُنِي بِها كَبِدًا لَيْسَتْ بِذاتِ قُرُوحِ أباها جَمِيعُ النّاسِ لا يَشْتَرُونَها ∗∗∗ ومَن يَشْتَرِي ذا عِلَّةٍ بِصَحِيحِ وعَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ اشْتَرى مِنكَ ما هو صِفَتُكَ وتَحْتَ تَصَرُّفِكَ والقَلْبُ تَحْتَ صِفَتِهِ وتَصَرُّفِهِ لَمْ تَقَعِ المُبايَعَةُ عَلَيْهِ ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» .

وذَكَرَ بَعْضُ أرْبابِ التَّأْوِيلِ أنَّهُ تَعالى لَمّا اشْتَرى الأنْفُسَ مِنهم فَذاقُوا بِالتَّجَرُّدِ عَنْها حَلاوَةَ اليَقِينِ ولَذَّةَ التَّرْكِ ورَجَعُوا عَنْ مَقامِ لَذَّةِ النَّفْسِ وتابُوا عَنْ هَواها ولَمْ يَبْقَ عِنْدَهم لِجَنَّةِ النَّفْسِ الَّتِي كانَتْ ثَمَنًا قَدْرٌ وصَفَهم بِالتّائِبِينَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ التّائِبُونَ ﴾ أيِ الرّاجِعُونَ عَنْ طَلَبِ مَلاذِّ النَّفْسِ وتَوَقُّعِ الأجْرِ إلَيْهِ تَعالى وبِلَفْظٍ آخَرَ هم قَوْمٌ رَجَعُوا مِن غَيْرِ اللَّهِ إلى اللَّهِ واسْتَقامُوا بِاللَّهِ تَعالى مَعَ اللَّهِ تَعالى ﴿ العابِدُونَ ﴾ أيِ الخاضِعُونَ المُتَذَلِّلُونَ لِعَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ تَعالى تَعْظِيمًا وإجْلالًا لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا رَغْبَةً في ثَوابٍ ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ وهَذِهِ أقْصى دَرَجاتِ العِبادَةِ ويُسَمِّيها بَعْضُهم عُبُودَةَ ﴿ الحامِدُونَ ﴾ بِإظْهارِ الكَمالاتِ العَمَلِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ حَمَدًا فِعْلِيًّا حالِيًّا وأقْصى مَراتِبِ الحَمْدِ إظْهارُ العَجْزِ عَنْهُ.

يُرْوى أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أحْمَدُكَ والحَمْدُ مِن آلائِكَ.

فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ.

الآنَ حَمَدْتَنِي يا داوُدُ وما أعْلى كَلِمَةَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» .

﴿ السّائِحُونَ ﴾ إلَيْهِ تَعالى بِالهِجْرَةِ عَنْ مَقامِ الفِطْرَةِ ورُؤْيَةِ الكَمالاتِ الثّابِتَةِ لَهم في مَفاوِزِ الصِّفاتِ ومَنازِلِ السَّبَحاتِ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: السّائِحُونَ هُمُ السَّيّارُونَ بِقُلُوبِهِمْ في المَلَكُوتِ الطّائِرُونَ بِأجْنِحَةِ المَحَبَّةِ في هَواءِ الجَبَرُوتِ وقَدْ يُقالُ: هُمُ الَّذِينَ صامُوا عَنِ المَأْلُوفاتِ حِينَ عايَنُوا هِلالَ جَمالِهِ تَعالى في هَذِهِ النَّشْأةِ ولا يُفْطِرُونَ حَتّى يُعايِنُوهُ مَرَّةً أُخْرى في النَّشْأةِ الأُخْرى وقَدِ امْتَثَلُوا ما أشارَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» .

﴿ الرّاكِعُونَ ﴾ في مَقامِ مَحْوِ الصِّفاتِ ﴿ السّاجِدُونَ ﴾ بِفَناءِ الذّاتِ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الرّاكِعُونَ هُمُ العاشِقُونَ المُنْحَنُونَ مِن ثِقَلِ أوَقارِ المَعْرِفَةِ عَلى بابِ العَظَمَةِ ورُؤْيَةِ الهَيْبَةِ والسّاجِدُونَ هُمُ الطّالِبُونَ لِقُرْبِهِ سُبْحانَهُ فَقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ.

وقَدْ يُقالُ: الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ هُمُ المُشاهِدُونَ لِلْحَبِيبِ السّامِعُونَ مِنهُ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ: لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ كَلامَها ∗∗∗ خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُودًا ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ أيِ الدّاعُونَ الخَلْقَ إلى الحَقِّ والدّافِعُونَ لَهم عَمّا سِواهُ فَإنَّ المَعْرُوفَ عَلى الإطْلاقِ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، والكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ مُنْكَرٌ ﴿ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ أيِ المُراعُونَ أوامِرَهُ ونَواهِيَهُ سُبْحانَهُ في جَوارِحِهِمْ وأسْرارِهِمْ وأرْواحِهِمْ أوِ الَّذِينَ حَفِظُوا حُدُودَ اللَّهِ المَعْلُومَةَ فَأقامُوها عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ وقِيلَ: هُمُ القائِمُونَ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ كَشْفِ صِفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهم فَلا يَتَجاوَزُونَ ذَلِكَ وإنْ حَصَلَ لَهم ما حَصَلَ فَهم في مَقامِ التَّمْكِينِ والصَّحْوِ لا يَقُولُونَ ما يَقُولُهُ سُكارى المَحَبَّةِ ولا يَهِيمُونَ في أوْدِيَةِ الشَّطَحاتِ وفِي الآيَةِ نَعْيٌ عَلى أُناسٍ ادَّعَوُا الِانْتِظامَ في سِلْكِ حِزْبِ اللَّهِ تَعالى وزُمْرَةِ أوْلِيائِهِ وهم قَدْ ضَيَّعُوا الحُدُودَ وخَرَقُوا سَفِينَةَ الشَّرِيعَةِ وتَكَلَّمُوا بِالكَلِماتِ الباطِلَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ عَلى اخْتِلافِ فِرَقِهِمْ حَتّى عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهم أوْجَبُوا حِفْظَ المَراتِبِ وقالُوا: إنْ تَضْيِيعَها زَنْدَقَةٌ وقَدْ خالَطْتُهم فَرَأيْتُ مِنهم ∗∗∗ خَبائِثَ بِالمُهَيْمِنِ نَسْتَجِيرُ ولَعَمْرِي إنَّ المُؤْمِنَ مَن يُنْكِرُ عَلى أمْثالِهِمْ فَإيّاكَ أنْ تَغْتَرَّ بِهِمْ ﴿ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِالإيمانِ الحَقِّيِّ المُقِيمِينَ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ واتِّباعِ الشَّرِيعَةِ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ أيْ ما صَحَّ مِنهم ذَلِكَ ولا اسْتَقامَ فَإنَّ الوُقُوفَ عِنْدَ القَدَرِ مِن شَأْنِ الكامِلِينَ ومِن هُنا قِيلَ: لا تُؤَثِّرُ هِمَّةُ العارِفِ بَعْدَ كَمالِ عِرْفانِهِ أيْ إذا تَيَقَّنَ وُقُوعَ كُلِّ شَيْءٍ بِقَدَرِهِ تَعالى المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ وأنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ولَمْ يَتَّهِمِ اللَّهَ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ سَكَنَ تَحْتَ كَهْفِ الأقْدارِ وسَلَّمَ لِمُدَّعِي الإرادَةِ وأنْصَتَ لِمُنادِي الحِكْمَةِ وتَرَكَ مُرادَهُ لِمُرادِ الحَبِيبِ بَلْ لا يُرِيدُ إلّا ما يُرِيدُهُ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ الَّذِي هو أعْلى المَقاماتِ ودُونَ ذَلِكَ مَقامُ الإدْلالِ ولَقَدْ كانَ حَضْرَةُ مَوْلانا القُطْبُ الرَّبّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ الكِيلانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في هَذا المَقامِ ولَهُ كَلِماتٌ تُشْعِرُ بِذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَتَوَفَّ قُدِّسَ سِرُّهُ حَتّى انْتَقَلَ مِنهُ إلى مَقامِ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ كَما نَقَلَ مَوْلانا عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعَرانِيُّ في الدُّرَرِ واليَواقِيتِ وقَدْ ذَكَرَ أنَّ هَذا المَقامَ كانَ مَقامَ تِلْمِيذِهِ حَضْرَةِ مَوْلانا أبِي السُّعُودِ الشَّلَبِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا ﴾ أيْ لِيَصِفَهم بِالضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ التَّسْلِيمِ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ والرِّضا بِحُكْمِهِ ﴿ بَعْدَ إذْ هَداهُمْ ﴾ إلى التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ ورُؤْيَةِ وُقُوعِ كُلِّ شَيْءٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ ﴾ أيْ ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ في كُلِّ مَقامٍ مِن مَقاماتِ سُلُوكِهِمْ وكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ وُصُولِهِمْ فَإذا بَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَإنْ أقْدَمُوا في بَعْضِ المَقاماتِ عَلى ما تَبَيَّنَ لَهم وُجُوبُ اتِّقائِهِ أضَلَّهم لِارْتِكابِهِمْ ما هو ضَلالٌ في دِينِهِمْ وإلّا فَلا ﴿ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فَيَعْلَمُ دَقائِقَ ذُنُوبِهِمْ وإنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَها أحَدٌ ﴿ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ لا يَخْفى أنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى كُلٍّ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ بِحَسَبِ مَقامِهِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّوْبَةَ إذا نُسِبَتْ إلى العَبْدِ كانَتْ بِمَعْنى الرُّجُوعِ مِنَ الزَّلّاتِ إلى الطّاعاتِ وإذا نُسِبَتْ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كانَتْ بِمَعْنى رُجُوعِهِ إلى العِبادِ بِنَعْتِ الوِصالِ وفَتْحِ البابِ ورَفْعِ الحِجابِ ﴿ وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهُمْ ﴾ وذَلِكَ لِاسْتِشْعارِ سَخَطِ المَحْبُوبِ ﴿ وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلا إلَيْهِ ﴾ أيْ تَحَقَّقُوا ذَلِكَ فانْقَطَعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ورَفَعُوا الوَسائِطَ ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ﴾ حَيْثُ رَأى سُبْحانَهُ انْقِطاعَهم إلَيْهِ وتَضَرُّعَهم بَيْنَ يَدَيْهِ وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ تَعالى مَعَ أهْلِ مَحَبَّتِهِ إذا صَدَرَ مِنهم ما يُنافِي مَقامَهم بِأدَبِهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ الحِجابِ حَتّى إذا ذاقُوا طَعْمَ الجِنايَةِ واحْتَجَبُوا عَنِ المُشاهَدَةِ وعَراهم ما عَراهم مِمّا أنْساهم دُنْياهم وأُخْراهم أمْطَرَ عَلَيْهِمْ وابِلَ سَحابِ الكَرَمِ وأشْرَقَ عَلى آفاقِ أسْرارِهِمْ أنْوارَ القِدَمِ فَيُؤْنِسُهم بَعْدَ يَأْسِهِمْ ويَمُنُّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ قُنُوطِهِمْ ﴿ وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ﴾ وما أحْلى قَوْلَهُ: هَجَرُوا والهَوى وِصالٌ وهَجْرٌ ∗∗∗ هَكَذا سُنَّتُ الغَرامِ المِلاحِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في جَمِيعِ الرَّذائِلِ بِالِاجْتِنابِ عَنْها ﴿ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ﴾ نِيَّةً وقَوْلًا وفِعْلًا أيِ اتَّصِفُوا بِما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الصِّدْقِ وقِيلَ: خالِطُوهم لِتَكُونُوا مِثْلَهم فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يُقْتَدى وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الصّادِقِينَ بِالَّذِينِ لَمْ يُخْلِفُوا المِيثاقَ الأوَّلَ فَإنَّهُ أصْدَقُ كَلِمَةٍ وقَدْ يُقالُ: الأصْلُ الصِّدْقُ في عَهْدِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ ﴾ ثُمَّ في عَقْدِ العَزِيمَةِ ووَعْدِ الخَلِيقَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ في إسْماعِيلَ: ﴿ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ ﴾ وإذا رُوعِيَ الصِّدْقُ في المَواطِنِ كُلِّها كالخاطِرِ والفِكْرِ والنِّيَّةِ والقَوْلِ والعَمَلِ صَدَقَتِ المَناماتُ والوارِداتُ والأحْوالُ والمَقاماتُ والمَواهِبُ والمُشاهَداتُ فَهو أصْلُ شَجَرَةِ الكَمالِ وبِذْرُ ثَمَرَةِ الأحْوالِ ومِلاكُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ وضِدُّهُ الكَذِبُ فَهو أسْوَأُ الرَّذائِلِ وأقْبَحُها وهو مُنافِي المُرُوءَةِ كَما قالُوا: لا مُرُوءَةَ لِكَذُوبٍ ﴿ وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْتَعِدٍّ مِن جَماعَةٍ سُلُوكُ طَرِيقِ طَلَبِ العِلْمِ إذْ لا يُمْكِنُ لِجَمِيعِهِمْ أمّا ظاهِرًا فَلِفَواتِ المَصالِحِ وأمّا باطِنًا فَلِعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ لِلْجَمِيعِ والفِقْهُ مِن عُلُومِ القَلْبِ وهي إنَّما تَحْصُلُ بِالتَّزْكِيَةِ والتَّصْفِيَةِ وتَرْكِ المَأْلُوفاتِ واتِّباعِ الشَّرِيعَةِ فالمُرادُ مِنَ النَّفَرِ السَّفَرُ المَعْنَوِيُّ وهَذا هو العِلْمُ النّافِعُ وعَلامَةُ حُصُولِهِ عَدَمُ خَشْيَةِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى كَيْفَ نَفى اللَّهُ عَمَّنْ خَشِيَ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ الفِقْهَ فَقالَ: ﴿ لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ وعَلى هَذا فَحَقَّ لِمِثْلِي أنْ يَنُوحَ عَلى نَفْسِهِ وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأكابِرِ أنَّ الفِقْهَ عِلْمٌ راسِخٌ في القَلْبِ ضارِبَةٌ عُرُوقُهُ في النَّفْسِ ظاهِرٌ أثَرُهُ عَلى الجَوارِحِ لا يُمْكِنُ لِصاحِبِهِ أنْ يَرْتَكِبَ خِلافَ ما يَقْتَضِيهِ إلّا إذا غَلَبَ القَضاءُ والقَدَرُ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى كَما قِيلَ عَلى بَعْضِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: لا تَقُولُوا العِلْمُ بِالسَّماءِ مَن يَنْزِلُ بِهِ ولا في تُخُومِ الأرْضِ مَن يَصْعَدُ بِهِ ولا مِن وراءِ البَحْرِ مَن يَعْبُرُ ويَأْتِي بِهِ والعِلْمُ مَجْعُولٌ في قُلُوبِكم تَأدَّبُوا بَيْنَ يَدَيَّ بِآدابِ الرُّوحانِيِّينَ وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ الصِّدِّيقِينَ أُظْهِرِ العِلْمَ مِن قُلُوبِكم حَتّى يَغْمُرَكم ويُغَطِّيَكم وجاءَ: «مَنِ اتَّقى اللَّهَ أرْبَعِينَ صَباحًا تَفَجَّرَتْ يَنابِعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ:» وإذا تَحَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أنَّ دَعْوى قَوْمِ اليَوْمِ الفِقْهَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ مَعَ تَهافُتِهِمْ عَلى المَعاصِي تَهافُتَ الفَراشِ عَلى النّارِ وعَقْدَهُمُ الحَلَقاتِ عَلَيْها دَعْوى كاذِبَةٌ مُصادِمَةٌ لِلْعَقْلِ والنَّقْلِ وهَيْهاتَ أنْ يَحْصُلَ لَهم ذَلِكَ الفِقْهُ ما دامُوا عَلى تِلْكَ الحالِ ولَوْ ضَرَبُوا رُءُوسَهم بِألْفِ صَخْرَةٍ صَمّاءَ وعَطْفُ سُبْحانِهِ قَوْلَهُ: ﴿ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ ﴾ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْذارَ بَعْدَ التَّفَقُّهِ والتَّحَلِّي بِالفَضائِلِ إذْ هو الَّذِي يُرْجى نَفْعُهُ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمٌ فَهُناكَ يَسْمَعُ ما تَقُولُ ويُقْتَدى ∗∗∗ بِالقَوْلِ مِنكَ ويَنْفَعُ التَّعْلِيمُ ولِذا قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ إشارَةٌ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ ولَعَلَّهُ تَعْلِيمٌ لِكَيْفِيَّةِ النَّصْرِ المَطْلُوبِ وبَيانٌ لِطَرِيقِ تَحْصِيلِ الفِقْهِ أيْ قاتِلُوا كُفّارَ قُوى نُفُوسِكم بِمُخالَفَةِ هَواها وفي الخَبَرِ: أعْدى عَدُّوِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ.

﴿ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً ﴾ أيْ قَهْرًا وشِدَّةً حَتّى تَبْلُغُوا دَرَجَةَ التَّقْوى ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ بِالوَلايَةِ والنَّصْرِ ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ يُصِيبُهم بِالبَلاءِ لِيَتُوبُوا ﴿ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ وفي الأثَرِ: البَلاءُ سَوْطٌ مِن سِياطِ اللَّهِ تَعالى يَسُوقُ بِهِ عِبادَهُ إلَيْهِ.

ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ وبِالجُمْلَةِ إنَّ البَلاءَ يَكْسِرُ سَوْرَةَ النَّفْسِ فَيَلِينُ القَلْبُ فَيَتَوَجَّهُ إلى مَوْلاهُ إلّا أنَّ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ ذَهَبَ مِنهُ ذَلِكَ الحالَ إذا صُرِفَ عَنْهُ البَلاءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم لِتَقَعَ الأُلْفَةُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَإنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ يَمِيلُ وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْكُمُ الِاقْتِباسُ مِن أنْوارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقُرِئَ كَما قَدَّمْنا (مِن أنْفَسِكُمْ) أيْ أشْرَفِكم في كُلِّ شَيْءٍ ويَكْفِيهِ شَرَفًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ التَّعَيُّناتِ وأنَّهُ كَما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وعَلى تَفَنُّنِ واصِفِيهِ بِوَصْفِهِ ∗∗∗ يَفْنى الزَّمانُ وفِيهِ ما لَمْ يُوصَفِ ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ﴾ أيْ يَشُقُّ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَشَقَّتُكم فَيَتَألَّمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما يُؤْلِمُكم كَما يَتَألَّمُ الشَّخْصُ إذا عَرا بَعْضَ أعْضائِهِ مَكْرُوهٌ وعَنْ سَهْلٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى شَدِيدٌ عَلَيْهِ غَفْلَتُكم عَنِ اللَّهِ تَعالى ولَوْ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإنَّ العَنَتَ ما يَشُقُّ ولا شَيْءَ أشَقَّ في الحَقِيقَةِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ المَحْبُوبِ ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ عَلى صَلاحِ شَأْنِكم أوْ عَلى حُضُورِكم وعَدَمِ غَفْلَتِكم عَنْ مَوْلاكم جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ ﴾ يَدْفَعُ عَنْهم ما يُؤْذِيهِمْ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ يَجْلِبُ لَهم ما يَنْفَعُهُمْ، ومِن آثارِ الرَّأْفَةِ تَحْذِيرُهم مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي ومِن آثارِ الرَّحْمَةِ إضافَتُهُ  عَلَيْهِمُ العُلُومَ والمَعارِفَ والكَمالاتِ قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ طاعَتِهِ فَعَرَّفَهم ذَلِكَ لِكَيْ يَعْلَمُوا أنَّهم لا يَنالُونَ الصَّفْوَ مِن خَدَمَتِهِ فَأقامَ سُبْحانَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَخْلُوقًا مِن جِنْسِهِمْ في الصُّورَةِ فَقالَ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ وألْبَسَهُ مِن نَعْتِهِ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ وأخْرَجَهُ إلى الخَلْقِ سَفِيرًا صادِقًا وجَعَلَ طاعَتَهُ ومُوافَقَتَهُ مُوافَقَتَهُ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ ثُمَّ أفْرَدَهُ لِنَفْسِهِ خاصَّةً وآواهُ إلَيْهِ بِشُهُودِهِ عَلَيْهِ في جَمِيعِ أنْفاسِهِ وسَلّى قَلْبَهُ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ وأعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ ما أنْتَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ وزَوالِهِ ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ لا حاجَةَ لِي بِكم كَما لا حاجَةَ لِلْإنْسانِ إلى العُضْوِ المُتَعَفِّنِ الَّذِي يَجِبُ قَطْعُهُ عَقْلًا فاللَّهُ تَعالى كافٍ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ فَلا مُؤَثِّرَ غَيْرُهُ ولا ناصِرَ سِواهُ ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إذْ لا أرى لِأحَدٍ مِنهم فِعْلًا ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ﴿ وهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ ألْبَسَهُ سُبْحانَهُ أنْوارَ عَظَمَتِهِ وقَوّاهُ عَلى حَمْلِ تَجَلِّياتِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَذابَ بِأقَلَّ مِن لَمْحَةِ عَيْنٍ وإذا قُرِئَ ﴿ العَظِيمِ ﴾ بِالرَّفْعِ فَهو صِفَةٌ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَظْمَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ مِمّا لا نِهايَةَ لَها وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ نَسْألُهُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ أنْ يُوَفِّقَنا لِإتْمامِ تَفْسِيرِ كِتابِهِ حَسْبَما يُحِبُّ ويَرْضى فَلا إلَهَ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، قال مقاتل: يعني: يا أهل مكة قَدْ جآءكم رسول من أنفسكم تعرفونه ولا تنكرونه.

ويقال: هذا الخطاب لجميع العرب لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ يعني: محمدا  مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: من جميع العرب، لأنه لم يكن في العرب قبيلة إلا ولرسول الله  فيها قرابة.

وهذا من المجاز والاستعارة، لأن النبي  كان فيهم ولم يجىء من موضع آخر، ولكن معناه: ظهر فيكم رسول الله  ويقال: هذا الخطاب لجميع الناس لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: آدمياً مثلكم.

قرأ بعضهم مِنْ أَنْفُسِكُمْ بنصب الفاء يعني: من أشرفكم وأعزكم، وهي قراءة شاذة.

ثم قال تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، يعني: شديد عليه ما أثمتم وعصيتم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، قال الكلبي: يعني: على إيمانكم وقال مقاتل: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالرشد والهدى.

وقال قتادة: حَرِيصٌ على من لم يسلم أن يسلم.

ثم قال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، أي رفيق بجميع المؤمنين، رَّحِيمٌ بهم.

ثم قال الله تعالى لمحمد  : فَإِنْ تَوَلَّوْا، يعني: إن أعرضوا عنك ولم يؤمنوا بك، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ يعني قل: كفاني الله وفوضت أمري إلى الله ووثقت به.

لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ، يعني: لا ناصر ولا رازق ولا معين إِلاَّ هُوَ.

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، يعني: به أثق وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، يعني: خالق السرير العظيم، الذي هو أعظم من السموات والأرض.

وقرأ بعضهم الْعَظِيمِ بالرفع فجعل العظيم من نعت الله تعالى، وقراءة العامة الْعَظِيمِ بالخفض ويكون العظيم نعتاً للعرش.

وذكر عن عثمان بن عفان أنه لما جمع القرآن في المصحف، كان لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد بها رجلان، فجاء خزيمة بن ثابت بهاتين الآيتين لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة، فلم يطلب منه البينة وأثبتها في المصحف.

وروي عن حذيفة أنه قال: يسمون سورة براءة سورة التوبة، وهي سورة العذاب.

عن ابن عباس أنه قال: كنا نسميها الفاضحة، فما زالت تنزل في المنافقين فيهم ومنهم، حتى أشفق كل واحد على نفسه.

والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)

وقوله عز وجل: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...

الآية مخاطبةٌ للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديدِ النعمة عَلَيْهِمْ إِذْ جاءَهم بلسانِهِمْ، وبما يفهمونه منَ الأَغراض والفصاحةِ، وشُرِّفوا به غَابِرَ الدهْرِ.

وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ: يقتضي مدْحاً لنسبه صلّى الله عليه وسلّم، وأنه من صميمِ العَرَبِ، وشَرَفِها، وقرأ عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» - بفتح الفاء- من النّفاسة، ورويت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: مَا عَنِتُّمْ: معناه عَنَتُكُمْ ف «ما» مصدريةٌ، والعَنَت: المشقَّة، وهي هنا لفظةٌ عامَّة، أي: عزيز عليه مَا شَقَّ عليكم: مِنْ قتلٍ وإِسارٍ وامتحان بحسب الحَقِّ واعتقادكم أيضاً معه، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي: على إيمانكم وهداكم.

وقوله: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ أي: مبالغٌ في الشفقة عليهم، قال أبو عبيدة: الرّأفة أرقّ الرحمة.

ثم خاطب سبحانه نبيَّه بقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: هذه الآية من آخر مَا نَزَلَ، وصلى اللَّه علَى سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العظيم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ أيْ: يَكْفِينِي ﴿ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ.

وإنَّما خُصَّ العَرْشُ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ الأعْظَمُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأصْغَرُ.

قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ آَخِرَ آَيَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ إلى آَخَرِ السُّورَةِ تُمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى - الجُزْءُ الثّالِثُ مِن "زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ" ويَلِيهِ الجُزْءُ الرّابِعُ وأوَّلُهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ [يُونُسَ]

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بَعْضُهم ) عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، والمَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها فَضِيحَةُ أسْرارِهِمْ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، يَفْهَمُ مِن تِلْكَ النَظْرَةِ التَقْرِيرَ، هَلْ مَعَكم مَن يَنْقُلُ عنكُمْ؟

هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ حِينَ تُدَبِّرُونَ أُمُورَكُمْ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ مَعْناهُ: عن طَرِيقِ الِاهْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَما يُبَيَّنُ لَهم كَشْفُ أسْرارِهِمْ والإعْلامُ بِمُغَيَّباتِ أُمُورِهِمْ يَقَعُ لَهم لا مَحالَةَ تَعَجُّبٌ وتَوَقُّفٌ ونَظَرٌ، فَلَوِ اهْتَدَوْا لَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، فَهم إذْ يُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ ويَرْتَبِكُونَ فِيهِ كَأنَّهُمُ انْصَرَفُوا عن تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانَتْ مَظِنَّةً لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ والِاهْتِداءِ، وابْتَدَأ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِمْ إذْ هو تَعْدِيدُ ذَنْبٍ عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أيِ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ ﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ عَنِ اللهِ ولا عن رَسُولِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا: انْصَرَفْنا مِنَ الصَلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، ولَكِنْ قُولُوا: قَضَيْنا الصَلاةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا النَظَرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو إيماءٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "نَظَرَ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ: "قالَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهَذا عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، إذْ جاءَ بِلِسانِهِمْ وبِما يَفْهَمُونَهُ مِنَ الأغْراضِ والفَصاحَةِ وشُرِّفُوا بِهِ غابِرَ الأيّامِ.

وقالَ الزَجّاجُ: هي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَعْنى: لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَبِيِّ  وأنَّهُ مِن صَمِيمِ العَرَبِ وأشْرَفِها، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ  : « "إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ"»، ومِنهُ قَوْلُهُ  : « "إنِّي مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ"»، مَعْناهُ: أنَّ نَسَبَهُ  إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنِ النَسْلُ فِيهِ إلّا مِن نِكاحٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: "مِن أنْفَسِكُمْ" بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَفاسَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  وعن فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَواها عَنِ النَبِيِّ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ ما عَنِتُّمْ ﴾ مَعْناهُ: عُنَتُكُمْ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي ابْتِداءٌ، و"عَزِيزٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما عَنِتُّمْ" فاعِلًا بِـ "عَزِيزٌ" و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ لِلرَّسُولِ  ، وهَذا أصْوَبُ مِنَ الأوَّلِ.

والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، وهي هُنا لَفْظَةٌ عامَّةٌ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيْكم مِن كُفْرٍ وضَلالٍ بِحَسَبِ الحَقِّ، ومِن قَتْلٍ أو إسارٍ وامْتِحانٍ بِسَبَبِ الحَقِّ واعْتِقادِكم أيْضًا مَعَهُ، وقالَقَتادَةُ: المَعْنى: عَنَتُ مُؤْمِنِيكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعْمِيمُ عَنَتِ الجَمِيعِ أوجَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ يُرِيدُ: عَلى إيمانِكم وهُداكُمْ، وقَوْلِهِ: رَؤُفٌ مَعْناهُ: مُبالِغٌ في الشَفَقَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَأْفَةُ أرَقُّ مِنَ الرَحْمَةِ.

وقَرَأ "رَؤُفٌ" دُونَ مَدٍّ؛ الأعْمَشُ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو.

ثُمَّ خاطَبَ النَبِيَّ  بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ فَقالَ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ يا مُحَمَّدُ، أيْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذِهِ الحالِ المُتَقَرِّرَةِ الَّتِي مَنَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِها ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: وأعْمالُكَ بِحَسَبِ قَوْلِكَ مِنَ التَفْوِيضِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والجِدِّ في قِتالِهِمْ.

ولَيْسَتْ بِآيَةِ مُوادَعَةٍ لِأنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وخُصِّصَ العَرْشُ بِالذِكْرِ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.

وهاتانِ الآيَتانِ لَمْ تُوجَدا حِينَ جُمِعَ المُصْحَفُ إلّا في حِفْظِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، "وَوَقَعَ في البُخارِيِّ: أو أبِي خُزَيْمَةَ"، فَلَمّا جاءَ بِهِما تَذَكَّرَهُما كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ، وقَدْ كانَ زَيْدٌ يَعْرِفُهُما ولِذَلِكَ قالَ: "فَقَدْتُ آيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ التَوْبَةِ".

ولَوْ لَمْ يَعْرِفْهُما لَمْ يَدْرِ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا أمْ لا، فَإنَّما ثَبَتَتِ الآيَةُ بِالإجْماعِ لا بِخُزَيْمَةَ وحْدَهُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في كِتابِهِ قالَ: كانَ عُمَرُ لا يُثْبِتُ آيَةً في المُصْحَفِ إلّا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها رَجُلانِ، فَلَمّا جاءَ خُزَيْمَةُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ: واللهِ لا أسْألُكَ عَلَيْهِما بَيِّنَةً أبَدًا فَإنَّهُ هَكَذا كانَ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي صِفَةَ النَبِيِّ  الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مُدَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ الجَمْعِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ فُقِدَتِ الآيَتانِ، ولَمْ يُجْمَعْ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وخُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ هو المَعْرُوفُ بِذِي الشَهادَتَيْنِ، وعُرِفَ بِذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ  أمْضى شَهادَتَهُ وحْدَهُ في ابْتِياعِ فَرَسٍ وحَكَمَ بِها لِنَفْسِهِ  ، وهَذا خُصُوصٌ لِرَسُولِ اللهِ  .

وذَكَرَ النَقّاشُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: أقْرَبُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللهِ تَعالى هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ.

انْتَهى بِعَوْنِ اللهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُورَةُ التَوْبَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كانت هذه السورة سورة شدة وغلظة على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، وأمْراً للمؤمنين بالجهاد، وإنحاء على المقصرين في شأنه.

وتخلل ذلك تنويه بالمتصفين بضد ذلك من المؤمنين الذين هاجروا والذين نصروا واتبعوا الرسول في ساعة العسْرة.

فجاءت خاتمة هذه السورة آيتين بتذكيرهم بالمنة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والتنويه بصفاته الجامعة للكمال.

ومن أخصها حرصهُ على هداهم، ورغبته في إيمانهم ودخولِهم في جامعة الإسلام ليكون رؤوفاً رحيماً بهم ليعلموا أن ما لقيه المعرضون عن الإسلام من الإغلاظ عليهم بالقول والفعل ما هو إلا استصلاح لحالهم.

وهذا من مظاهر الرحمة التي جعلها الله تعالى مقارنة لبعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107]، بحيث جاء في هاتين الآيتين بما شأنه أن يزيل الحرج من قلوب الفرق التي نزلت فيهم آيات الشدة وعوملوا بالغلظة تعقيباً للشدة بالرفق وللغلظة بالرحمة، وكذلك عادة القرآن.

فقد انفتح بهاتين الآيتين باب حظيرة الإيمان والتوبة ليدخلها من وفقه الله إليها.

فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

وفي وقوعها آخر السورة ما يكسبها معنى التذييل والخلاصة.

فالخطاب بقوله: ﴿ جاءكم ﴾ وما تبعه من الخطاب موجه إلى جميع الأمة المدعوة للإسلام.

والمقصود بالخطاب بادئ ذي بدء هم المعرضون من المشركين والمنافقين من العرب بقرينة قوله عقب الخطاب ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم ﴾ وسيجيء أن المقصود العرب.

وافتتاحها بحرفَيْ التأكيد وهما اللام و(قد) مع كون مضمونها مما لا يتطرق إليه الإنكار لقصد الاهتمام بهذه الجملة لأهمية الغرض الذي سيقت لأجله وهو الذي سنذكره، ولأن فيما تضمنته ما ينكره المنافقون وهو كونه رسولاً من الله، ولأن في هذا التأكيد ما يجعل المخاطبين به منزَّلين منزلة المنكرين لمجيئه من حيث إنهم لم ينفعوا أنفسهم بهذا المجيء، ولأن في هذا التأكيد تسجيلاً عليهم مراداً به الإيماء إلى اقتراب الرحيل، لأنه لما أعيد الإخبار بمجيئه وهو حاصل منذ أعوام طويلة كان ذلك كناية عن اقتراب انتهائه، وهو تسجيل منه على المؤمنين، وإيداع للمنافقين ومن بقي من المشركين.

على أن آيات أخرى خوطب بها أهل الكتاب ونحوهم فأكدت بأقل من هذا التأكيد كقوله تعالى: ﴿ يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ [المائدة: 15] وكقوله تعالى: ﴿ يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ﴾ [النساء: 174] فما زيدت الجملة في هذه السورة مؤكدة إلا لغرض أهم من إزالة الإنكار.

والمجيء: مستعمل مجازاً في الخطاب بالدعوة إلى الدين.

شبه توجهه إليهم بالخطاب الذي لم يكونوا يترقبونه بمجيء الوافد إلى الناس من مكان آخر.

وهو استعمال شائع في القرآن.

والأنفس: جمع نفْس، وهي الذات.

ويضاف النفس إلى الضمير فيدل على قبيلة معاد الضمير، أي هو معدود من ذوي نسبهم وليس عداده فيهم بحلف أو ولاء أو إلصاق.

يقال: هو قريشي من أنفسهم، ويقال: القريشي مولاهم أو حليفهم، فمعنى ﴿ من أنفسكم ﴾ من صميم نسبكم، فتعين أن الخطاب للعرب لأن النازل بينهم القرآن يومئذٍ لا يَعدون العربَ ومن حالفهم وتولاهم مثلَ سلمانَ الفارسي وبلاللٍ الحبشي، وفيه امتنان على العرب وتنبيه على فضيلتهم، وفيه أيضاً تعريض بتحريضهم على اتباعه وترك مناواته وأن الأجدر بهم الافتخار به والالتفاف حوله كما قال تعالى في ذكر القرآن ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ [الزخرف: 44] أي يبقى منه لكم ذكر حسن.

والعزيز: الغالب.

والعزة: الغلبة.

يقال عزّه إذا غلبه.

ومنه ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ [ص: 23]، فإذا عُدي بعلى دل على معنى الثقل والشدة على النفس.

قال بشر بن عوانة في ذكر قتله الأسد ومصارعته إياه: فقلتُ له يعزُّ عليَّ أني *** قتلت مناسبي جلداً وقهراً و ﴿ ما ﴾ مصدرية.

و ﴿ عنتم ﴾ : تعبتم.

والعنت: التعب، أي شاق عليه حزنكم وشقاؤكم.

وهذا كقوله: ﴿ لعلّك باخِع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ﴾ [الشعراء: 3] وذكرُ هذا في صفة الرسول عليه السلام يفيد أن هذا خُلق له فيكون أثر ظهوره الرفق بالأمة والحذر مما يلقي بهم إلى العذاب في الدنيا والآخرة.

ومن آثار ذلك شفاعته للناس كلهم في الموقف لتعجيل الحساب.

ثم إن ذلك يومئ إلى أن شرعه جاء مناسباً لخُلقه فانتفى عنه الحرج والعسر قال تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185] وقال: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ [الحج: 78].

والعدول عن الإتيان بلفظ العنت الذي هو المصدر الصريح إلى الإتيان بالفعل مع (ما) المصدرية السابكة للمصدر نكتة.

وهي إفادة أنه قد عز عليه عنتهم الحاصل في الزمن الذي مضى، وذلك بما لقوه من قتْل قومهم، ومن الأسر في الغزوات، ومن قوارع الوعيد والتهديد في القرآن.

فلو أتي بالمصدر لم يكن مشيراً إلى عنتتٍ معيَّن ولا إلى عنت وقع لأن المصدر لا زمَان له بل كان محتملاً أن يعز عليه بأن يجنبهم إياه، ولكن مجيء المصدر منسبكاً من الفعل الماضي يجعله مصدراً مقيداً بالحصول في الماضي، ألا ترى أنك تقدره هكذا: عزيز عليه عنتكم الحاصل في ما مضى لتكون هذه الآية تنبيهاً على أن ما لقوه من الشدة إنما هو لاستصلاح حالهم لعلهم يخفضون بعدها من غلوائهم ويرعوون عن غيهم ويشعرون بصلاح أمرهم.

والحرص: شدة الرغبة في الشيء والجشعُ إليه.

ولما تعدى إلى ضمير المخاطبين الدال على الذوات وليست الذوات هي متعلق الحرص هنا تعين تقدير مضاف فُهم من مقام التشريع، فيقدر: على إيمانكم أو هَدْيكم.

والرؤوف: الشديد الرأفة.

والرحيم: الشديد الرحمة، لأنهما صيغتا مبالغة، وهما يتنازعان المجرور المتعلق بهما وهو ﴿ بالمؤمنين ﴾ .

والرأفة: رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرءُوف به.

يقال: رؤوف رحيم.

والرحمة: رقة تقتضي الإحسان للمرحوم، بينهما عموم وخصوص مطلق، ولذلك جمع بينهما هنا ولوازمُهما مختلفة.

وتقدمت الرأفة عند قوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم ﴾ في سورة البقرة (143) والرحمة في سورة الفاتحة (3).

وتقديم المتعلِّق على عامليه المتنازِعَيْنه في قوله: بالمؤمنين رءوف رحيم } للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتيْ رأفته ورحمته بهم.

وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم.

والفاء في قوله: ﴿ فإن تولوا ﴾ للتفريع على إرسال النبي صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الصفات إليهم فإن صفاته المذكورة تقتضي من كل ذي عقل سليم من العرب الإيمان به واتباعه لأنه من أنفسهم ومحب لخيرهم رؤوف رحيم بمن يتبعه منهم، فتفرع عليه أنهم محقوقون بالإيمان به فإن آمنوا فذاك وإن لم يؤمنوا فإن الله حسيبه وكافيه.

وقد دل الشرط على مقابله لأن ﴿ فإن تولوا ﴾ يدل على تقدير ضده وهو إن أذعنوا بالإيمان.

وبعد التفريع التفت الكلام من خطاب العرب إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بما كان مقتضى الظاهر أن يخاطَبُوا هُم به اعتماداً على قرينة حرف التفريع فقيل له: ﴿ فإن تولوا فقل حسبي الله ﴾ .

والتقدير: فإن توليتم عنه فحسبه الله وقل حسبي الله.

فجيء بهذا النظم البديع الإيجاز مع ما فيه من براعة الإيماء إلى عدم تأهلهم لخطاب الله على تقدير حالة توليهم.

والتولي: الإعراض والإدبار: وهو مستعار هنا للمكابرة والعناد.

والحسْب: الكافي، أي كافيك شر إعراضهم لأنهم إن أعرضوا بعد هذا فقد أعرضوا عن حسد وحنق.

وتلك حالة مظنة السعي في الكيد والأذى.

ومعنى الأمر بأن يقول: ﴿ حسبي الله ﴾ أن يقول ذلك قولاً ناشئاً عن عقد القلب عليه، أي فاعلم أن حسبك الله وقُل حسبي الله، لأن القول يؤكد المعلوم ويرسخه في نفس العالم به، ولأن في هذا القول إبلاغاً للمعرضين عنه بأن الله كافيه إياهم.

والتوكل: التفويض.

وهو مبالغة في وَكَل.

وهذه الآية تفيد التنويه بهذه الكلمة المباركة لأنه أمر بأن يقول هذه الكلمة بعيْنِها ولم يؤمَر بمجرد التوكل كما أمر في قوله: ﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ [النمل: 79].

ولا أخبر بأن الله حسبه مجردَ إخبار كما في قوله: ﴿ فإن حسبك الله ﴾ [الأنفال: 62].

وجملة: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ مستأنفة للثناء، أو في موضع الحال وهي ثناء بالوحدانية.

وعطفت عليها جملة: ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ للثناء بعظيم القدرة لأن من كان رباً للعرش العظيم ثبت أنه قدير، لأنه قد اشتهر أن العرش أعظم المخلوقات، ولذلك وصف بالعظيم، فالعظيم في هذه الآية صفة للعرش، فهو مجرور.

وفي هاتين الآيتين إشعار بالإيداع والإعذارِ للناس، وتنبيه إلى المبادرة باغتنام وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ليتشرفوا بالإيمان به وهم يشاهدونه ويقتبسون من أنوار هديه، لأن الاهتداء بمشاهدته والتلقي منه أرجى لحصول كمال الإيمان والانتفاع بقليل من الزمان لتحصيل وافر الخير الذي لا يحصل مثله في أضعاف ذلك الزمان.

وفيهما أيضاً إيماء إلى اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم لأن التذكير بقوله: ﴿ لقد جاءكم ﴾ يؤذن بأن هذا المجيء الذي مضى عليه زمن طويل يوشك أن ينقضي، لأن لكل وارد قفولاً، ولكل طالع أفولاً.

وقد روي عن أبَيْ بن كعب وقتادة أن هاتين الآيتين هما أحدث القرآن عهداً بالله عز وجل، أي آخرُ ما نزل من القرآن.

وقيل: إن آخر القرآن نزولاً آية الكلالة خاتمةُ سورة النساء.

وقيل آخره نزولاً قوله: ﴿ واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفَّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ من سورة البقرة (281).

في صحيح البخاري } من طريق شعيب عن الزهري عن ابن السباق عن زيد بن ثابت في حديث جمع القرآن في زمن أبي بكر رضي الله عنه قال زيد: «حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ﴾ إلى آخرهما.

ومن طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري مع أبي خزيمة الأنصاري.

ومعنى ذلك أنه بحث عن هاتين الآيتين في ما هو مكتوب من القرآن فلم يجدهما وهو يعلم أن في آخر سورة التوبة آيتين خاتمتين أو هو يحفظهما (فإن زيداً اعتنى في جمع القرآن بحفظه وبتتبع ما هو مكتوب بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وبقراءة حفاظ القرآن غيره) فوجد خزيمة أو أبا خزيمة يحفظهما.

فلما أمْلاهما خزيمة أو أبو خزيمة عليه تذكّر زيد لفظهما وتذكّرهما مَن سمعهما من الصحابة حين قرأوهما، كيف وقد قال أبَيّ بن كعب: إنهما آخر ما أنزل، فلفظهما ثابت بالإجماع، وتواترهما حاصل إذ لم يشك فيهما أحد وليس إثباتهما قاصراً على إخبار خزيمة أو أبي خزيمة.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: مِن أنْفَسِكم بِفَتْحِ الفاءِ ويَحْتَمِلُ تَأْوِيلُها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن أكْثَرِكم طاعَةً لِلَّهِ تَعالى.

الثّانِي: مِن أفْضَلِكم خُلُقًا.

الثّالِثُ: مِن أشْرَفِكم نَسَبًا.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِضَمِّ الفاءِ، وفي تَأْوِيلِها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن شِرْكٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.

الثّانِي: يَعْنِي مِن نِكاحٍ لَمْ يُصِبْهُ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ).» الثّالِثُ: مِمَّنْ تَعْرِفُونَهُ بَيْنَكم، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: يَعْنِي مِن جَمِيعِ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَطْنٌ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا قَدْ ولَدُوهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما شَقَّ عَلَيْكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما ضَلَلْتُمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ.

الثّالِثُ: عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتُ مُؤْمِنِكم، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَهُ الحَسَنُ: حَرِيصٌ عَلَيْكم أنْ تُؤْمِنُوا.

﴿ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الهِدايَةِ ويُؤْثِرُهُ لَهم مِنَ الصَّلاحِ.

الثّانِي: بِما يَضَعُهُ عَنْهم مِنَ المَشاقِّ ويَعْفُو عَنْهم مِنَ الهَفَواتِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: عَنْكَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حَسْبِيَ اللَّهُ مُعِينًا عَلَيْكم.

الثّانِي: حَسْبِيَ اللَّهُ هادِيًا لَكم.

﴿ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِسَعَتِهِ.

الثّانِي: لِجَلالَتِهِ.

رَوى يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آخِرَ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ هاتانِ الآيَتانِ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ وهَذِهِ الآيَةَ.

وَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هُما أحْدَثُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللَّهِ وقالَ مُقاتِلٌ: تَقَدَّمَ نُزُولُهُما بِمَكَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإن تولوا فقل حسبي الله ﴾ يعني الكفار، تولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه في المؤمنين.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: خرجت سرية إلى أرض الروم، فسقط رجل منهم فانكسرت فخذه، فلم يستطيعوا أن يحملوه فربطوا فرسه عنده ووضعوا عنده شيئاً من ماء وزاد، فلما ولوا أتاه آت فقال له: ما لك ههنا؟

قال: انكسرت فخذي فتركني أصحابي.

فقال: ضع يدك حيث تجد الألم.

فقل ﴿ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾ قال: فوضع يده فقرأ هذه الآية، فصح مكانه وركب فرسه وأدرك أصحابه.

وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء موقوفاً وابن السني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يصبح وحين يمسي ﴿ حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾ سبع مرات كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن الحسن قال: من قال حين يصبح سبع مرات ﴿ حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾ لم يصبه ذلك اليوم ولا تلك الليلة كرب ولا سلب ولا غرق.

أما قوله تعالى: ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى خلق العرش والكرسي من نوره، فالعرش ملتصق بالكرسي، والملائكة في جوف الكرسي وحول العرش أربعة أنهار، نهر من نور يتلألأ، ونهر من نار تتلظى، ونهر من ثلج أبيض تلتمع منه الأبصار، ونهر من ماء، والملائكة قيام في تلك الأنهار يسبحون الله تعالى، وللعرش ألسنة بعدد ألسنة الخلق كلهم، فهو يسبح الله تعالى ويذكره بتلك الألسنة.

وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العرش ياقوتة حمراء، وإن ملكاً من الملائكة نظر إليه وإلى عظمه فأوحى الله إليه: إني قد جعلت فيك قوّة سبعين ألف ملك لكل ملك سبعون ألف جناح فطر.

فطار الملك بما فيه من القوّة والأجنحة ما شاء الله أن يطير، فوقف فنظر فكأنه لم يرم» .

وأخرج أبو الشيخ عن حماد قال: خلق الله العرش من زمردة خضراء، وخلق له أربع قوائم من ياقوتة حمراء، وخلق له ألف لسان، وخلق في الأرض ألف أمة كل أمة تسبح الله بلسان من ألسن العرش.

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: إن العرش مطوّق بحية، والوحي ينزل في السلاسل.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال: كانوا يرون أن العرش على الحرم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه، وإن السموات في خلق العرش مثل قبة في صحراء.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: ما أخذت السموات والأرض من العرش إلا كما تأخذ الحلقة من أرض الفلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: إن السموات في العرش كالقنديل معلقاً بين السماء والأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن يزيد البصري قال: في كتاب ما تنبأ عليه هرون النبي عليه الصلاة والسلام: إن بحرنا هذا خليج من نبطس، ونبطس وراءه وهو محيط بالأرض، فالأرض وما فوقها من البحار عند نبطس كعين على سيف البحر، وخلف نبطس قينس محيط بالأرض، فنبطس وما دونه عنده كعين على سيف البحر، وخلف قينس الأصم محيط بالأرض، فقينس وما دونه عنده كعين على سيف البحر، وخلف الأصم المظلم محيط بالأرض، فالأصم وما دونه عنده كعين على سيف البحر: وخلف المظلم جبل من الماس محيط بالأرض، فالمظلم وما دونه عنده كعين على سيف البحر، وخلف الماس الباكي وهو ماء عذب محيط بالأرض أمر الله نصفه أن يكون تحت العرش، فأراد أن يستجمع فزجره فهو باك يستغفر الله، فالماس وما دونه عنده كعين على سيف البحر، والعرش خلف ذلك محيط بالأرض، فالباكي وما دونه عنده كعين على سيف البحر.

وأخرج أبو الشيخ عن عبد الرحمن بن زيد أسلم عن أبيه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة القيت في ترس» قال ابن زيد: قال أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد القيت بين ظهري فلاة من الأرض، والكرسي موضع القدمين» .

وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال: خلق الله العرش، وللعرش سبعون ألف ساق كل ساق كاستدارة السماء والأرض.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد رضي الله عنه قال: بين الملائكة وبين العرش سبعون حجاباً، حجاب من نور وحجاب من ظلمة، وحجاب من نور وحجاب من ظلمة...

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرضين ورب العرش الكريم» .

وأخرج النسائي والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: علمني علي رضي الله عنه كلمات علمهن رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه يقولهن عند الكرب والشيء يصيبه «لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين» .

وأخرج الحكيم الترمذي من طريق إسحاق بن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين.

قالوا: يا رسول الله فكيف هي للحي؟

قال: أجود وأجود» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن جعفر، أنه زوّج ابنته فخلا بها فقال: إذا نزل بك الموت أو أمر من أمور الدنيا فظيع فاستقبليه بأن تقولي «لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين» .

وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه رضي الله عنه.

أن حزقيل كان في سبا بختنصر مع دانيال من بيت المقدس، فزعم حزقيل أنه كان نائماً على شاطئ الفرات، فأتاه ملك وهو نائم فأخذ برأسه فاحتمله حتى وضعه في خزانة بيت المقدس قال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا السموات منفرجات دون العرش قال: فبدا لي العرش ومن حوله، فنظرت إليهم من تلك الفرجة فإذا العرش- إذا نظرت إليه- مظل على السموات والأرض، وإذا نظرت إلى السموات والأرض رأيتهن متعلقات ببطن العرش، وإذا الحملة أربعة من الملائكة لكل ملك منهم أربعة وجوه، وجه إنسان، ووجه نسر، ووجه أسد، ووجه ثور، فلما أعجبني ذلك منهم نظرت إلى أقدامهم فإذا هي في الأرض على عجل تدور بها، وإذا ملك قائم بين يدي العرش له ستة أجنحة لها لون كلون فرع، لم يزل ذلك مقامه منذ خلق الله الخلق إلى أن تقوم الساعة، فإذا هو جبريل عليه السلام، وإذا ملك أسفل من ذلك أعظم شيء رأيته من الخلق، فإذا هو ميكائيل وهو خليفة على ملائكة السماء، وإذا ملائكة يطوفون بالعرش منذ خلق الله الخلق إلى أن تقوم الساعة يقولون: قدوس قدوس ربنا الله القوي ملأت عظمته السموات والأرض، وإذا ملائكة أسفل من ذلك، لكل ملك منهم ستة أجنحة، جناحان يستر بهما وجهه من النور، وجناحان يغطي بهما جسده، وجناحان يطير بهما.

وإذا هم الملائكة المقربون، وإذا ملائكة أسفل من ذلك سجود مذ خلق الله الخلق إلى أن ينفخ في الصور، فإذا نفخ في الصور رفعوا رؤوسهم، فإذا نظروا إلى العرش قالوا: سبحانك ما كنا نقدرك حق قدرتك!

ثم رأيت العرش تدلى من تلك الفرجة فكان قدرها، ثم أفضى إلى ما بين السماء والأرض فكان يلي ما بينهما، ثم دخل من باب الرحمة فكان قدره، ثم أفضى إلى المسجد فكان قدره، ثم وقع على الصخرة فكان قدرها، ثم قال: يا ابن آدم.

فصعقت وسمعت صوتاً لم أسمع مثله قط، فذهبت أقدر ذلك الصوت فإذا قدره كعسكر اجتمعوا فاجلبوا بصوت واحد أو كفئة اجتمعت فتدافعت وأتى بعضها بعضاً، أو أعظم من ذلك.

قال حزقيل: فلما صعقت قال: أنعشوه فإنه ضعيف خلق من طين، ثم قال: اذهب إلى قومك فأنت طليعتي عليهم كطليعة الجيش من دعوته منهم، فأجابك واهتدى بهداك فلك مثل أجره، ومن غفلت عنه حتى يموت ضالاً فعليك مثل وزره لا يخفف ذلك من أوزارهم شيئاً، ثم عرج بالعرش واحتملت حتى رددت إلى شاطئ الفرات، فبينما أنا نائم على شاطئ الفرات إذ أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى ادخلني جنب بيت المقدس، فإذا أنا بحوض ماء لا يجوز قدمي، ثم افضيت منه إلى الجنة فإذا شجرها على شطوط أنهارها، وإذا هو شجر لا يتناثر ورقه ولا يفنى عمره، فإذا فيه الطلع والقضيب والبيع والقطيف قلت: فما لباسها؟

قال: هو ثياب كثياب الحور يتفلق على أي لون شاء صاحبه.

قلت: فما ازواجها؟

فعرضن عليَّ فذهبت لأقيس حسن وجوههن، فإذا هن لو جمع الشمس والقمر كان وجه احداهن اضوأ منهما، وإذا لحم إحداهن لا يواري عظمها، وإذا عظمها لا يواري مخها، وإذا هي إذا نام عنها صاحبها استيقظ وهي بكر فعجبت من ذلك...

!

فقيل لي: لم تعجب من هذا؟

فقلت: وما لي لا أعجب؟!

قال: فإنه من أكل من هذه الثمار التي رأيت خلد، ومن تزوج من هذه الأزواج انقطع عنه الهم والحزن قال: ثم أخذ برأسي فردني حيث كنت.

قال حزقيل: فبينا أنا نائم على شاطئ الفرات إذ أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى وضعني بقاع من الأرض قد كانت معركة، وإذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بددت الطيور والسباع لحومهم وفرقت بين اوصالهم، ثم قال لي: إن قوماً يزعمون أنه من مات منهم أو قتل فقد انفلت مني وذهبت عنه قدرتي فادعهم.

قال حزقيل: فدعوتهم فإذا كل عظم قد أقبل إلى مفصله الذي منه انقطع، ما رجل بصاحبه باعرف من العظم بمفصله الذي فارق حتى أمَّ بعضها بعضاً، ثم نبت عليها اللحم، ثم نبتت العروق، ثم انبسطت الجلود وأنا أنظر إلى ذلك، ثم قال: ادع لي أرواحهم.

قال حزقيل: فدعوتها وإذا كل روح قد أقبل إلى جسده الذي فارق، فلما جلسوا سألتهم فيم كنتم؟!

قالوا: انَّا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك يقال له ميكائيل، قال: هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم، كذلك سُنَّتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم.

فنظر في أعمالنا فوجدنا نعبد الأوثان، فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه، وسلط الغم على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه، فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا.

قال: احتملني فردني حيث كنت.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: المشركين والمنافقين والكفار (١) وقال الكلبي: أعرضوا عن الإيمان وعنك يا محمد فلم يؤمنوا بك (٢) وقال الحسن: تولوا عن طاعة (٣) ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ أي: الذي يكفيني الله -عز وجل-، ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ ، قال النحويون: موضع هذه الجملة نصب؛ لأنه في موضع الحال بتقدير: حسبي الله مستحقًّا لإخلاص العبادة، والإقرار بأن لا إله إلا هو (٤) ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ ، قال أهل المعاني: إنه رب كل شيء، وخص العرش بالذكر؛ لأنه لما ذكر الأعظم دخل فيه الأصغر (٥) (١) رواه مختصرًا ابن جرير 78/ 11، وابن أبي حاتم 6/ 1919، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 529.

(٢) "تنوير المقباس" 207 بنحوه، عن الكلبي، عن ابن عباس.

(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 419، ولفظه: عن طاعة الله.

(٤) انظر: "إعراب القرآن وبيانه" 4/ 199، "الجداول في إعراب القرآن" 6/ 69.

(٥) انظر: "زاد المسير" 3/ 522، "تفسير القرطبي" 8/ 302.

ولم أجده في كتب أهل المعاني.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب للعرب أو لقريش خاصة أي من قبيلتكم حيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته أو لبني آدم كلهم: أي من جنسكم وقرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي: يشق عليه عنتكم، والعنت: هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم وعزير صفة للرسول، وما عنتم فاعل بعزيز، وما مصدرية أو ما عنتم مصدر، وعزيز خبر مقدّم والجملة في موضع الصفة ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أي حريص على إيمانكم وسعادتكم ﴿ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ سماه الله هنا باسمين من أسمائه ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله ﴾ أي إن أعرضوا عن الإيمان، فاستعن بالله وتوكل عليه وقيل: إن هاتين الآيتين نزلتا بمكة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ موطئاً ﴾ ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿ غلظة ﴾ بفتح الغين: المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ أولا ترون ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ط ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ غلظة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ إيماناً ﴾ ط ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ إلى بعض ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ ثم انصرفوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ عزيز ﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿ حسبي الله ﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿ وكونوا مع الصادقين  ﴾ أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم.

والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام.

ومعنى ﴿ ولا يرغبوا ﴾ ولا أن يرغبوا.

يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله  بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.

وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية.

ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله: ﴿ ما كان لهم ﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب.

والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿ يغيظ ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر.

ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك.

قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى.

ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح.

وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية.

وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.

وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً.

قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله  إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.

وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم.

قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد.

قوله: ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ .

قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك.

وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال.

والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل.

﴿ إلا كتب لهم ﴾ ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة.

ثم ذكر غاية الكتب فقال: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل.

وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح.

واعلم أنه  عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .

ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله ﴿ إلا كتب لهم ﴾ لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله  أعلم بمراده.

ثم قال: ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه  لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله  سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية.

قاله ابن عباس.

والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو.

ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً ﴿ فلولا نفر ﴾ أي هلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴾ فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول  لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ النافرين ﴿ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة.

وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته.

فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق.

القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول  فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى ﴿ ليتفقهوا ﴾ ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها.

والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية.

والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.

وفي قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله  بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.

القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله  أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً.

ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ﴿ ولينذروا ﴾ وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ إيجاب للعمل بأخبارهم.

ثم أرشد  إلى ترتيب القتال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد.

والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين.

وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.

وقد حارب رسول الله  قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام.

ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال  : "كل مما يليك" .

فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة.

وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي شدة نظير قوله: { ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله  على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله.

ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ﴾ أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول ﴿ أيكم ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ زادته هذه إيماناً ﴾ .

ثم إنه  حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب.

وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه  يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً.

والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا.

وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر.

ثم عجب من حال المنافقين فقال: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ﴿ ثم لا يتوبون ﴾ من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً.

وقال مجاهد: بالقحط والجوع.

وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.

وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون.

ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك.

والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل.

﴿ ثم انصرفوا ﴾ أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه.

ومعنى ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير.

وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم.

وقال الزجاج: أضلهم الله.

قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه.

وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.

وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك.

يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه  قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟

أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم.

فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.

وقرىء ﴿ من أنفسكم ﴾ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم.

وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام.

ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم.

و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه.

﴿ حريص عليكم ﴾ الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار.

وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار.

ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال ﴿ بالمؤمنين ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ رؤوف رحيم ﴾ قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم.

التأويل: ﴿ ما كان لأهل ﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ ومن حولهم من الأعراب ﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿ أن يتخلفوا عن رسول ﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ من ماء الشهوات ﴿ ولا نصب ﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ ولا مخمصة ﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿ لا يطؤن موطئاً ﴾ من مقامات الفناء ﴿ يغيظ ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ ولا ينالون من عدوّ ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ هي بذل الصفات ﴿ ولا كبيرة ﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح.

﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ﴾ } [السجدة: 17] ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا ﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ من غير الله.

﴿ قاتلوا الذين يلونكم ﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون ﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  ﴾ أي قلب حي ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ ثم انصرفوا ﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب.

﴿ من أنفسكم ﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله.

ومن قرأ ﴿ من أنفسكم ﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله  "أول ما خلق الله  روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ولعلو همته، ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ولرؤيته سر القدر ﴿ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته  عامة للعالمين بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿ فقل حسبي الله ﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، [أي]: من البشر وهو امتنان منه عليهم؛ حيث بعث الرسول من البشر وله أن يبعث من غير البشر، لكنه بعث من البشر؛ ليعرفوا الآيات التي يأتي بها من التمويهات؛ لأنهم يعرفون مبلغ وسع البشر في الأشياء وقدر إمكانهم بعلم الأشياء، فإذا جاء بالأشياء التي هي خارجة عن الطباع ووسع البشر في التعليم، عرفوا أنها آيات لا تمويهات، مع [ما] يألف كل ذي جنس بجنسه وينفر من غير جنسه، هذا ظاهر في الخلائق أن كل ذي جنس يألف بجنسه ولا يألف بغير جنسه، فبعث الرسول من البشر ومن جنسهم؛ ليألفوا به، ويقبلوا منه ما يأتيهم به ويجيبوه إلى ما يدعوهم إليه.

وقال بعضهم: ﴿ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي: من المكان الذي أنتم فيه وهو الحرم.

وقال آخرون: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي: من أنسابكم، وهو أيضاً موضع الامتنان عليهم؛ حيث بعثه من أنسابهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه من بين أظهرهم سليماً عن جميع الآفات بريئا عن جميع المطاعن والعيوب؛ لأن المرء إذا كان مولده ومنشؤه من غير أظهرهم في قبيلة أو في مكان لا يعرف له النسب، ربما يتمكن فيه الطعن والعيب، ويقع التناكر في نسبه؛ لجهلهم بنسبه ومولده ومنشئه على السلامة والصحة والبراءة من العيوب، فبعث رسوله محمداً  ؛ لئلا يتمكن فيه ما ذكرنا من المطاعن، ولا يعرف شيء من العيوب والآفات التي ذكرنا فيه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، [أي]: من العرب أميا كما هم، لا يكتب ولا يقرأ ولا يخطه بيمينه على ما وصفه في كتابه: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ...

 ﴾ الآية، وقال: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ  ﴾ ، وذلك أن العرب تتمنى أن يبعث رسول منهم بقوله: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ ، ذكر مجيء الرسول من أنفسهم؛ ليكون أبعد من المطاعن التي طعنوا فيه والآفات التي ذكروا فيه، وأبرأه من العيوب التي رموه بها من نحو السحر والكهانة والجنون والافتراء على الله، و[ليكون] أقرب إلى المعرفة بأنه رسول؛ لأن ما يأتي به من الآيات والحجج يعرفون أنها سماوية؛ لما عرفوا أنه لم يتعلم السحر ولا أخذوا عليه بكذب قط ولا جن قط بما كان منشؤه فيما بين أظهرهم.

وقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ .

قيل: شديد عليه ما أعنتكم، أي: ما ضيق عليكم وضركم.

وقال القتبي: العنت: الضيق.

وقال بعضهم: العنت: الإثم، أي: شديد عليه ما أثمتم.

وقال أبو عوسجة: هو إلى الإثم أقرب.

وهو يحتمل كل إثم: الكفر وغيره.

﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: حريص على من يسلم أن يسلم، حريص عليكم بالهدى والرشد.

﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ : رحمة الدين والإسلام، لا رحمة الطبع.

قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله - في قوله: ﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ : سماه بفعله العمل الحسن وبرأفته ورحمته بذلك، أي: استحق ذلك الاسم بفعله، وإنما سماه بذلك؛ لأن عمله كان لله لم يكن عمل لنفسه شيئاً، وكذلك ماله وأكسابه؛ فلذلك لم يكن ماله ميراثاً بين ورثته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .

أي: أعرضوا عن إجابتك ودعائك إياهم إلى الإيمان والتوحيد.

﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: يكفيني الله لا إله إلا هو.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : عنك، وردّوا إجابتك والطاعة لك والانقياد وهمُّوا أن يكيدوك ويمكروا بك، ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: على ما وعدني من النصر والظفر ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: اتكلت على وعده ووكلت أمري إليه.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : عن نصرك ومعونتك على الأعداء، ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ ﴾ في النصر والمعونة على الأعداء يكفيني عليهم.

هذا في الموضع أقرب؛ لأنه ذكر على أثر ذكر المنافقين، ويحتمل ما ذكرنا من الإعراض عن التوحيد والإجابة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .

قيل: هو رب الملك العظيم، أي: كل ملك عند ملكه صغير ليس بملك.

فإن كان العرش هو السرير على ما قاله بعض أهل التأويل - والله أعلم - [فهو] السرير الذي يكرم به الأخيار من الخلائق والأبرار منهم، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن أعرضوا عنك، ولم يؤمنوا بما جئت به، فقل لهم -أيها الرسول-: يكفيني الله الَّذي لا معبود بحقٍّ سواه، عليه وحده اعتمدت، وهو سبحانه رب العرش العظيم.

من فوائد الآيات وجوب ابتداء القتال بالأقرب من الكفار إذا اتسعت رقعة الإسلام، ودعت إليه حاجة.

بيان حال المنافقين حين نزول القرآن عليهم وهي الترقُّب والاضطراب.

بيان رحمة النبي  بالمؤمنين وحرصه عليهم.

في الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده فيجدده وينميه؛ ليكون دائمًا في صعود.

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل