الآية ١٢٨ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢٨ من سورة التوبة

لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٨ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم ، أي : من جنسهم وعلى لغتهم ، كما قال إبراهيم ، عليه السلام : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) [ البقرة : 129 ] ، وقال تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) [ آل عمران : 164 ] ، وقال تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) أي : منكم وبلغتكم ، كما قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى : إن الله بعث فينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصفته ، ومدخله ومخرجه ، وصدقه وأمانته ، وذكر الحديث .

وقال سفيان بن عيينة ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه في قوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) قال : لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية ، وقال صلى الله عليه وسلم : " خرجت من نكاح ، ولم أخرج من سفاح " .

وقد وصل هذا من وجه آخر ، كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه " الفاصل بين الراوي والواعي " : حدثنا أبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال : أشهد على أبي لحدثني ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء " .

وقوله : ( عزيز عليه ما عنتم ) أي : يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها ؛ ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال : " بعثت بالحنيفية السمحة " وفي الصحيح : " إن هذا الدين يسر " وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة ، يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه .

( حريص عليكم ) أي : على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم .

قال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن فطر ، عن أبي الطفيل ، عن أبي ذر قال .

تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما - قال : وقال صلى الله عليه وسلم : " ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا [ أبو ] قطن ، حدثنا المسعودي ، عن الحسن بن سعد ، عن عبدة النهدي ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار ، كتهافت الفراش ، أو الذباب " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان ، فيما يرى النائم ، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه .

فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : اضرب مثل هذا ومثل أمته .

فقال : إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال : أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة ، وحياضا رواء أتتبعوني ؟

فقالوا : نعم .

قال : فانطلق بهم ، فأوردهم رياضا معشبة ، وحياضا رواء ، فأكلوا وشربوا وسمنوا ، فقال لهم : ألم ألقكم على تلك الحال ، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني ؟

فقالوا : بلى .

قال : فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه ، وحياضا هي أروى من هذه ، فاتبعوني .

فقالت طائفة : صدق ، والله لنتبعنه وقالت طائفة : قد رضينا بهذا نقيم عليه .

وقال البزار : حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي ، عن عكرمة عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ؛ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعينه في شيء - قال عكرمة : أراه قال : " في دم " - فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال : " أحسنت إليك ؟

" قال الأعرابي : لا ولا أجملت .

فغضب بعض المسلمين ، وهموا أن يقوموا إليه ، فأشار رسول الله إليهم : أن كفوا .

فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله ، دعا الأعرابي إلى البيت ، فقال له : " إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك ، فقلت ما قلت " فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، وقال : " أحسنت إليك ؟

" فقال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنك جئتنا تسألنا فأعطيناك ، فقلت ما قلت ، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء ، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى يذهب عن صدورهم " .

قال : نعم .

فلما جاء الأعرابي .

قال إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه ، فقال ما قال ، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي ، [ كذلك يا أعرابي ؟

] قال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة ، فشردت عليه ، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا .

فقال لهم صاحب الناقة : خلوا بيني وبين ناقتي ، فأنا أرفق بها ، وأعلم بها .

فتوجه إليها وأخذ لها من قتام الأرض ، ودعاها حتى جاءت واستجابت ، وشد عليها رحلها وإنه لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار " .

ثم قال البزار : لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه .

قلت : وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان ، والله أعلم .

وقوله : ( بالمؤمنين رءوف رحيم ) كما قال تعالى : ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين .

فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون .

وتوكل على العزيز الرحيم ) [ الشعراء : 215 - 217 ] .

وهكذا أمره تعالى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للعرب: (لقد جاءكم) ، أيها القوم، رسول الله إليكم =(من أنفسكم) ، تعرفونه، لا من غيركم, فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم (15) =(عزيز عليه ما عنتم) ، أي: عزيز عليه عنتكم, وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى (16) =(حريص عليكم) ، يقول: حريص على هُدَى ضُلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق (17) =(بالمؤمنين رءوف) ، : أي رفيق =(رحيم) .

(18) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17504- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن جعفر بن محمد, عن أبيه في قوله: (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) ، قال: لم يصبه شيء من شركٍ في ولادته.

17505- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن جعفر بن محمد في قوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) ، قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية.

قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني خرجت من نكاحٍ، ولم أخرج من سفاح.

17506- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن ابن عيينة, عن جعفر بن محمد, عن أبيه, بنحوه.

17507- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) ، قال: جعله الله من أنفسهم, فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة.

(19) * * * وأما قوله: (عزيز عليه ما عنتم) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: ما ضللتم.

* ذكر من قال ذلك: 17508- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق بن غنام قال، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي, عن ابن عباس في قوله: (عزيز عليه ما عنتم) ، قال: ما ضللتم.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: عزيز عليه عَنت مؤمنكم.

* ذكر من قال ذلك: 17509- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (عزيز عليه ما عنتم) ، عزيزٌ عليه عَنَت مؤمنهم.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ ابن عباس.

وذلك أن الله عمَّ بالخبر عن نبيّ الله أنه عزيز عليه ما عنتَ قومَه, ولم يخصص أهل الإيمان به.

فكان صلى الله عليه وسلم [كما جاء الخبرُ من] الله به، عزيزٌ عليه عَنَتُ جمعهم.

(20) * * * فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف صلى الله عليه وسلم بأنه كان عزيزًا عليه عنتُ جميعهم، وهو يقتل كفارَهم، ويسبي ذراريَّهم، ويسلبهم أموالهم؟

قيل: إن إسلامهم، لو كانوا أسلموا، كان أحبَّ إليه من إقامتهم على كفرهم وتكذيبهم إياه، حتى يستحقوا ذلك من الله.

وإنما وصفه الله جل ثناؤه بأنه عزيزٌ عليه عنتهم, لأنه كان عزيزًا عليه أن يأتوا ما يُعنتهم، وذلك أن يضلُّوا فيستوجبوا العنت من الله بالقتل والسبي.

* * * وأما " ما " التي في قوله: (ما عنتم) ، فإنه رفع بقوله: (عزيز عليه) ، لأن معنى الكلام ما ذكرت: عزيز عليه عنتكم.

* * * وأما قوله: (حريص عليكم) ، فإن معناه: ما قد بيَّنت, وهو قول أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17510- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (حريص عليكم) ، حريص على ضالهم أن يهديه الله.

17510م- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة في قوله: (حريص عليكم) ، قال: حريص على من لم يسلم أن يسلم.

------------------------ الهوامش : (15) انظر تفسير " من أنفسهم " فيما سلف 7 : 369 .

(16) انظر تفسير " عزيز " فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز) = وتفسير " العنت " فيما سلف 4 : 360 / 7 : 140 - 144 / 8 : 206 .

(17) انظر تفسير " الحرص " فيما سلف 9 : 284 .

(18) انظر تفسير " رؤوف " فيما سلف 3 : 171 : 251 / 14 : 539 .

= وتفسير " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( رحم ) .

(19) في المطبوعة والمخطوطة " ولا يحسدونه " بالواو ، والسياق يقتضي ما أثبت .

(20) في المخطوطة ، بياض بين " كما " ، و " الله به " بقدر كلمتين ، وفي المطبوعة أتم الكلام هكذا : " كما وصفه الله به ، عزيزا عليه " ، والزيادة بين القوسين استظهار مني ، وسائره كنص المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيمهاتان الآيتان في قول أبي أقرب القرآن بالسماء عهدا .

وفي قول سعيد بن جبير : آخر ما نزل من القرآن واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله على ما تقدم .

فيحتمل أن يكون قول أبي : أقرب القرآن بالسماء عهدا بعد قوله : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله .

والله أعلم .والخطاب للعرب في قول الجمهور ، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك ; إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه ، وشرفوا به غابر الأيام .

وقال الزجاج : هي مخاطبة لجميع العالم والمعنى : لقد جاءكم رسول من البشر ; والأول أصوب .

قال ابن عباس : ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه قال : يا معشر العرب لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل .

والقول الثاني أوكد للحجة أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتموا به .قوله تعالى من أنفسكم يقتضي مدحا لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها .

وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : إني من نكاح ولست من سفاح .

معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من نكاح ولم يكن فيه زنا .

وقرأ عبد الله بن قسيط المكي من " أنفسكم " بفتح الفاء من النفاسة ; ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن [ ص: 218 ] فاطمة رضي الله عنها أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم من قولك : شيء نفيس إذا كان مرغوبا فيه .

وقيل : من أنفسكم أي أكثركم طاعة .قوله تعالى عزيز عليه ما عنتم أي يعز عليه مشقتكم .

والعنت : المشقة ; من قولهم : أكمة عنوت إذا كانت شاقة مهلكة .

وقال ابن الأنباري : أصل التعنت التشديد ; فإذا قالت العرب : فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادهم يشدد عليه ويلزمه بما يصعب عليه أداؤه .

وقد تقدم في ( البقرة ) .

و " ما " في ( ما عنتم ) مصدرية ، وهي ابتداء و ( عزيز ) خبر مقدم .

ويجوز أن يكون ( ما عنتم ) فاعلا بعزيز ، و ( عزيز ) صفة للرسول ، وهو أصوب .

وكذا حريص عليكم وكذا رءوف رحيم رفع على الصفة .

قال الفراء : ولو قرئ عزيزا عليه ، ما عنتم حريصا رءوفا رحيما ، نصبا على الحال ، جاز .

قال أبو جعفر النحاس : وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال حدثنا عبد الله بن محمد الخزاعي قال سمعت عمرو بن علي يقول : سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول في قوله عز وجل : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم قال : أن تدخلوا النار ،حريص عليكم قال : أن تدخلوا الجنة .

وقيل : حريص عليكم أن تؤمنوا .

وقال الفراء : شحيح بأن تدخلوا النار .

والحرص على الشيء : الشح عليه أن يضيع ويتلف .بالمؤمنين رءوف رحيم الرءوف : المبالغ في الرأفة والشفقة .

وقد تقدم في ( البقرة ) معنى رءوف رحيم مستوفى .

وقال الحسين بن الفضل : لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ; فإنه قال : بالمؤمنين رءوف رحيم وقال : إن الله بالناس لرءوف رحيم .

وقال عبد العزيز بن يحيى : نظم الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رءوف رحيم ، عزيز عليه ما عنتم لا يهمه إلا شأنكم ، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته ; فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يمتن ‏[‏تعالى‏]‏ على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم‏.‏ ‏{‏عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ‏}‏ أي‏:‏ يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم‏.‏ ‏{‏حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ‏}‏ فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه‏.‏ ‏{‏بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم‏.‏ ولهذا كان حقه مقدمًا على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره، وتوقيره

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) تعرفون نسبه وحسبه ، قال السدي : من العرب ، من بني إسماعيل .

قال ابن عباس : ليس من العرب قبيل إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم ، وله فيهم نسب .

وقال جعفر بن محمد الصادق : لم يصبه شيء من ولاد الجاهلية من زمان آدم عليه السلام .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد ، حدثنا حامد بن محمد ، أخبرنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا محمد بن أبي نعيم ، حدثنا هشيم ، حدثني المدني - يعني : أبا معشر - عن أبي الحويرث ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ، ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام " .

وقرأ ابن عباس والزهري وابن محيصن " من أنفسكم " بفتح الفاء ، أي : من أشرفكم وأفضلكم .

( عزيز عليه ) شديد عليه ، ( ما عنتم ) قيل " ما " صلة أي : عنتكم ، وهو دخول المشقة والمضرة عليكم .

وقال القتيبي : ما أعنتكم وضركم .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما ضللتم .

وقال الضحاك والكلبي : ما أتممتم .

( حريص عليكم ) أي : على إيمانكم وصلاحكم .

وقال قتادة : حريص عليكم أي : على ضالكم أن يهديه الله ، ( بالمؤمنين رءوف رحيم ) قيل : رءوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد جاءكم رسول من أنفسكم» أي منكم: محمد صلى الله عليه وسلم «عزيز» شديد «عليه ما عَنِتُّم» أي عنتكم، أي مشقتكم ولقاءكم المكروه «حريص عليكم» أن تهتدوا «بالمؤمنين رءوف» شديد الرحمة «رحيم» يريد لهم الخير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد جاءكم أيها المؤمنون رسول من قومكم، يشق عليه ما تلقون من المكروه والعنت، حريص على إيمانكم وصلاح شأنكم، وهو بالمؤمنين كثير الرأفة والرحمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه سورة التوبة ، بآيتين كريمتين ، اشتملتا على أسمى النعوت ، وأكرم الصفات للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى - : ( لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ .

.

.

وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم ) .وجمهور المفسرين على أن الخطاب فى قوله - سبحانه - : ( لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ) للعرب : فهو كقوله : ( هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ ) أى : لقد جاءكم - يا معشر العرب - رسول كريم " من أنفسكم " أى : جنسكم ، ومن نسبكم ، فهو عربى مثلكم ، فمن الواجب عليكم أن تؤمنوا به وتطيعوه .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ترغيب العرب فى الإِيمان بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وفى طاعته وتأييده ، فإن شرفهم قد تم بشرفه ، وعزهم بعزه ، وفخرهم بفخره ، وهم فى الوقت نفسه قد شهدوا له فى صباه بالصدق والأمانة والعفاف وطهارة النسب ، والأخلاق الحميدة .قال القرطبى : قوله ( مِّنْ أَنفُسِكُمْ ) يقتضى مدحا لنسب النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنه من صميم العرب وخالصها ، وفى صحيح مسلم " عن وائلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قرش بنى هاشم ، واصطفانى من بنى هاشم " وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إنى من نكاح ولست من سفاح " .وقال الزجاج إن الخطاب فى الآية الكريمة لجميع البشر ، لعموم بثعته - صلى الله عليه وسلم - ومعنى كونه - صلى الله عليه وسلم - " من أنفسكم " إنه من جنس البشر .ويبدو لنا أن الرأى الأول ارجح؛ لأن الآية الكريمة ليت مسوقة لإِثبات رسالته - صلى الله عليه وسلم - وعمومها ، وإنما هى مسوقة لبيان منته وفضله - سبحانه - على العرب ، حيث أرسل خاتم أنبيائه منهم ، فمن الواجب عليهم أن يؤمنوا به ، لأنه ليس غريبا عنهم ، وإذا لم يؤمنوا به تكون الحجة عليهم ألزم ، والعقوبة لهم أعظم .وقوله : ( عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ) أى : شديد وشاق عليه عنتكم ومشقتكم ، لكونه بعضا منكم؛ فهو يخاف عليكم سوء العاقبة ، والوقوع فى العذاب .يقال : عزَّ عليه الأمر أى صعب وشق عليه ، والعنت المشقة والتعب ومنه قولهم : أكمة عنوت ، إذا كانت شاقة مهلكة ، والفعل عنت بوزن فرح .وقوله : ( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) أى : حريص على إيمانهم وهدايتكم وعزتكم وسعادتكم فى الدنيا والآخرة .والحرص على الشئ معناه : شدة الرغبة فى الحصول عليه وحفظه .قوله : ( بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) أى : شديد الرأفة والرحمة بكم - أيها المؤمنون - والرأفة عبارة عن السعى فى إزالة الضرر .

والرحمة عبارة عن السعى فى إيصال النفع ، فهو - صلى الله عليه وسلم - يسعى بشدة فى إيصال الخير والنفع للمؤمنين ، وفى إزالة كل مكروه عنهم .قال بعضهم : لم يجمع الله - تعالى - لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبى - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال ( بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) وقال عن ذاته - سبحانه -( إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) ثم انتقل - سبحانه - من خطاب المؤمنين إلى خطابه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ .

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله عليه السلام أن يبلغ في هذه السورة إلى الخلق تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها، إلا لمن خصه الله تعالى بوجوه التوفيق والكرامة، ختم السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك التكاليف، وهو أن هذا الرسول منكم، فكل ما يحصل له من العز والشرف في الدنيا فهو عائد إليكم.

وأيضاً فإنه بحال يشق عليه ضرركم وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقكم، والطبيب المشفق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها، والأب الرحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة، إلا أنه لما عرف أن الطبيب حاذق، وأن الأب مشفق، صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة، وصارت تلك التأديبات جارية مجرى الإحسان.

فكذا هاهنا لما عرفتم أنه رسول حق من عند الله، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير، ثم قال للرسول عليه السلام: فإن لم يقبلوها بل أعرضوا عنها وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وعول على الله وارجع في جميع أمورك إلى الله ﴿ فَقُلْ حَسْبِىَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم  ﴾ وهذه الخاتمة لهذه السورة جاءت في غاية الحسن ونهاية الكمال.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمسة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ وفي تفسيره وجوه: الأول: يريد أنه بشر مثلكم كقوله: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ  ﴾ والمقصود أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على الناس، على ما مر تقريره في سورة الأنعام.

والثاني: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي من العرب قال ابن عباس: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي عليه السلام بسبب الجدات، مضرها وربيعها ويمانيها، فالمضريون والربيعيون هم العدنانية، واليمانيون هم القحطانية ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ  ﴾ والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته، والقيام بخدمته، كأنه قيل لهم: كل ما يحصل له من الدولة والرفعة في الدنيا فهو سبب لعزكم ولفخركم، لأنه منكم ومن نسبكم.

والثالث: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ خطاب لأهل الحرم، وذلك لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته، وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل للعرب: كنتم قبل مقدمه مجدين مجتهدين في خدمة أسلافه وآبائه، فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف والرفعة إلى أسلافه؟

والقول الرابع: أن المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته، كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم، وإرسال من هذه حالته وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.

وقرئ ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي من أشرفكم وأفضلكم، وقيل: هي قراءة رسول الله وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ اعلم أن العزيز هو الغالب الشديد، والعزة هي الغلبة والشدة.

فإذا وصلت مشقة إلى الإنسان عرف أنه كان عاجزاً عن دفعها إذ لو قدر على دفعها لما قصر في ذلك الدفع، فحيث لم يدفعها، علم أنه كان عاجزاً عن دفعها، وأنها كانت غالبة على الإنسان.

فلهذا السبب إذا اشتد على الإنسان شيء قال: عز علي هذا، وأما العنت فيقال: عنت الرجل يعنت عنتاً إذا وقع في مشقة وشدة لا يمكنه الخروج منها، ومنه قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ الله لأَعْنَتَكُمْ  ﴾ وقال الفراء: ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ مَا عَنِتُّمْ ﴾ في موضع رفع، والمعنى: عزيز عليه عنتكم، أي يشق عليه مكروهكم، وأولى المكاره بالدفع مكروه عقاب الله تعالى، وهو إنما أرسل ليدفع هذا المكروه.

والصفة الثالثة: قوله: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ والحرص يمتنع أن يكون متعلقاً بذواتهم، بل المراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة.

واعلم أن على هذا التقدير يكون قوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ معناه: شديدة معزته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم، وبهذا التقدير لا يحصل التكرار.

قال الفراء: الحريص الشحيح، ومعناه: أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار، وهذا بعيد، لأنه يوجب الخلو عن الفائدة.

والصفة الرابعة والخامسة: قوله: ﴿ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه.

بقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: كيف يكون كذلك، وقد كلفهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة التي لا يقدر على تحملها إلا الموفق من عند الله تعالى؟

قلنا: قد ضربنا لهذا المعنى مثل الطبيب الحاذق والأب المشفق، والمعنى: أنه إنما فعل بهم ذلك ليتخلصوا من العقاب المؤبد، ويفوزوا بالثواب المؤبد.

السؤال الثاني: لما قال: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فهذا النسق يوجب أن يقال: رؤوف رحيم بالمؤمنين، فلم ترك هذا النسق وقال: ﴿ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

الجواب: أن قوله: ﴿ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ يفيد الحصر بمعنى أنه لا رأفة ولا رحمة له إلا بالمؤمنين.

فأما الكافرون فليس له عليهم رأفة ورحمة، وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في هذه السورة من التغليظ كأنه يقول: إني وإن بالغت في هذه السورة في التغليظ إلا أن ذلك التغليظ على الكافرين والمنافقين.

وأما رحمتي ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين فقط، فلهذه الدقيقة عدل على ذلك النسق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم، ثم ذكر ما يتبع المجانسة والمناسبة من النتائج بقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي شديد عليه شاق- لكونه بعضاً منكم- عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ حتى لا يخرج أحد منكم عن اتباعه والاستسعاد بدين الحقّ الذي جاء به ﴿ بالمؤمنين ﴾ منكم ومن غيركم ﴿ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقرئ: ﴿ من أنْفَسِكم ﴾ أي من أشرفكم وأفضلكم.

وقيل: هي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما.

وقيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك فاستعن وفوّض إليه، فهو كافيك معرّتهم ولا يضرونك وهو ناصرك عليهم.

وقرئ: ﴿ العظيم ﴾ بالرفع.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: العرش لا يقدر أحد قدره.

وعن أبيّ ابن كعب: آخر آية نزلت: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ .

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نزل عليّ القرآن إلاّ آية آية وحرفاً حرفاً، ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، فإنهما أنزلتا عليّ ومعهما سبعون ألف صفّ من الملائكة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ مِن جِنْسِكم عَرَبِيٌّ مِثْلُكم.

وقُرِئَ « مِن أنْفَسِكم» أيْ مِن أشْرَفِكم.

﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ﴾ شَدِيدٌ شاقٌّ.

﴿ ما عَنِتُّمْ ﴾ عَنَتُكم ولِقاؤُكُمُ المَكْرُوهَ.

﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ عَلى إيمانِكم وصَلاحِ شَأْنِكم.

﴿ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم.

﴿ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ قَدَّمَ الأبْلَغَ مِنهُما وهو الرَّؤُوفُ لِأنَّ الرَّأْفَةَ شِدَّةُ الرَّحْمَةِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ.

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ عَنِ الإيمانِ بِكَ.

﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ مَعَرَّتَهم ويُعِينُكَ عَلَيْهِمْ.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ فَلا أرْجُو ولا أخافُ إلّا مِنهُ.

﴿ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ المَلِكُ العَظِيمُ، أوِ الجِسْمُ العَظِيمُ المُحِيطُ الَّذِي تَنْزِلُ مِنهُ الأحْكامُ والمَقادِيرُ.

وقُرِئَ « العَظِيمُ» بِالرَّفْعِ.

وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ آخِرَ ما نَزَلَ هاتانِ الآيَتانِ وعَنِ النَّبِيِّ  : «ما نَزَلَ القُرْآنُ عَلَيَّ إلّا آيَةً آيَةً وحَرْفًا حَرْفًا ما خَلا سُورَةَ بَراءَةٍ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، فَإنَّهُما أُنْزِلَتا عَلَيَّ ومَعَهُما سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ» واللَّهُ أعْلَمُ.

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لقد جاءكم رسول} محمد صلى الله عليه وسلم {مّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} شديد عليه شاق لكونه بعضا منكم عنتكم ولقاءكم المكروه فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} على إيمانكم {بالمؤمنين} منكم ومن غيركم {رؤوف رَّحِيمٌ} قيل لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ الخِطابُ لِلْعَرَبِ ﴿ رَسُولٌ ﴾ أيْ رَسُولٌ عَظِيمُ القَدْرِ ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم ومِن نَسَبِكم عَرَبِيٌّ مِثْلُكم.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُضِرَّيُها ورَبِيعَتُها ويَمانِيُّها، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْبَشَرِ عَلى الإطْلاقِ ومَعْنى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهُ مِن جِنْسِ البَشَرِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُّهْرِيُّ (أنْفَسِكُمْ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ النَّفاسَةِ والمُرادُ الشَّرَفُ فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ العَرَبِ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ بَلَغَهُ بَعْضُ ما يَقُولُ النّاسُ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ وقالَ: مَن أنا؟

قالُوا: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.

قالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِ خَلْقِهِ وجَعَلَهم فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي في خَيْرِ فِرْقَةٍ وجَعَلَهم قَبائِلَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً وجَعَلَهم بُيُوتًا فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتًا فَأنا خَيْرُكم بَيْتًا وخَيْرُكم نَفْسًا» .

وأخْرَجَ البُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «بُعِثْتُ مِن خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا حَتّى كُنْتُ مِنَ القَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» .

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ واصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» .

ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما افْتَرَقَ النّاسُ فِرْقَتَيْنِ إلّا جَعَلَنِي اللَّهُ تَعالى في خَيْرِهِما فَأُخْرِجْتُ مِن بَيْنِ أبَوَيَّ فَلَمْ يُصِبْنِي شَيْءٌ مِن عُهْرِ الجاهِلِيَّةِ وخَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أُخْرَجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ حَتّى انْتَهَيْتُ إلى أبِي وأُمِّي فَأنا خَيْرُكم نَفْسًا وخَيْرُكم أبًا» .

﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ﴾ أيْ شَدِيدٌ شاقٌّ مِن عَزَّ عَلَيْهِ بِمَعْنى صَعُبَ وشَقَّ ﴿ ما عَنِتُّمْ ﴾ أيْ عَنَتَكم وهو بِالتَّحْرِيكِ ما يُكْرَهُ أيْ شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما يَلْحَقُكم مِنَ المَكْرُوهِ كَسُوءِ العاقِبَةِ والوُقُوعِ في العَذابِ ورَفْعُ (عَزِيزٌ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ سَبَبِيَّةٌ لِرَسُولٍ وبِهِ يَتَعَلَّقُ (عَلَيْهِ) وفاعِلُهُ المَصْدَرُ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ: إنَّ ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و ﴿ ما عَنِتُّمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ وقِيلَ: إنَّ ﴿ عَزِيزٌ ﴾ نَعْتٌ حَقِيقِيٌّ لِرَسُولٍ وعِنْدَهُ تَمَّ الكَلامُ و ﴿ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ أيْ يُهِمُّهُ ويَشُقُّ عَلَيْهِ عَنَتُكم ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ عَلى إيمانِكم وصَلاحِ شَأْنِكم لِأنَّ الحِرْصَ لا يَتَعَلَّقُ بِذَواتِهِمْ ﴿ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ 128﴾ قِيلَ: قَدَّمَ الأبْلَغَ مِنهُما وهو الرَّأْفَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الرَّحْمَةِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ وهو أمْرٌ مَرْعِيٌّ في القُرْآنِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ الرَّأْفَةَ وصَحَّحَ أنَّ الرَّأْفَةَ الشَّفَقَةُ والرَّحْمَةَ الإحْسانُ وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيمُ الرَّأْفَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ آثارَها دَفْعُ المَضارِّ وتَأْخِيرُ الرَّحْمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ آثارَها جَلْبُ المَنافِعِ والأوَّلُ أهَمُّ مِنَ الثّانِي ولِهَذا قُدِّمَتْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ﴾ ولا يَجْرِي هُنا أمْرُ الرِّعايَةِ كَما لا يَخْفى وكَأنَّ الرَّأْفَةَ عَلى هَذا مَأْخُوذَةٌ مِن رَفْوِ الثَّوْبِ لِإصْلاحِ شَقِّهِ فَيَكُونُ في وصْفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما ذَكَرَ وصْفٌ لَهُ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم وجَلْبِ المَصْلَحَةِ لَهم ولَمْ يُجْمَعْ هَذانِ الِاسْمانِ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ رَءُوفٌ بِالمُطِيعِينَ مِنهم رَحِيمٌ بِالمُذْنِبِينَ وقِيلَ: رَءُوفٌ بِأقْرِبائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ وقِيلَ: رَءُوفٌ بِمَن يَراهُ رَحِيمٌ بِمَن لَمْ يَرَهُ ولا مُسْتَنَدَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، قال مقاتل: يعني: يا أهل مكة قَدْ جآءكم رسول من أنفسكم تعرفونه ولا تنكرونه.

ويقال: هذا الخطاب لجميع العرب لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ يعني: محمدا  مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: من جميع العرب، لأنه لم يكن في العرب قبيلة إلا ولرسول الله  فيها قرابة.

وهذا من المجاز والاستعارة، لأن النبي  كان فيهم ولم يجىء من موضع آخر، ولكن معناه: ظهر فيكم رسول الله  ويقال: هذا الخطاب لجميع الناس لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: آدمياً مثلكم.

قرأ بعضهم مِنْ أَنْفُسِكُمْ بنصب الفاء يعني: من أشرفكم وأعزكم، وهي قراءة شاذة.

ثم قال تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، يعني: شديد عليه ما أثمتم وعصيتم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، قال الكلبي: يعني: على إيمانكم وقال مقاتل: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالرشد والهدى.

وقال قتادة: حَرِيصٌ على من لم يسلم أن يسلم.

ثم قال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، أي رفيق بجميع المؤمنين، رَّحِيمٌ بهم.

ثم قال الله تعالى لمحمد  : فَإِنْ تَوَلَّوْا، يعني: إن أعرضوا عنك ولم يؤمنوا بك، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ يعني قل: كفاني الله وفوضت أمري إلى الله ووثقت به.

لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ، يعني: لا ناصر ولا رازق ولا معين إِلاَّ هُوَ.

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، يعني: به أثق وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، يعني: خالق السرير العظيم، الذي هو أعظم من السموات والأرض.

وقرأ بعضهم الْعَظِيمِ بالرفع فجعل العظيم من نعت الله تعالى، وقراءة العامة الْعَظِيمِ بالخفض ويكون العظيم نعتاً للعرش.

وذكر عن عثمان بن عفان أنه لما جمع القرآن في المصحف، كان لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد بها رجلان، فجاء خزيمة بن ثابت بهاتين الآيتين لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة، فلم يطلب منه البينة وأثبتها في المصحف.

وروي عن حذيفة أنه قال: يسمون سورة براءة سورة التوبة، وهي سورة العذاب.

عن ابن عباس أنه قال: كنا نسميها الفاضحة، فما زالت تنزل في المنافقين فيهم ومنهم، حتى أشفق كل واحد على نفسه.

والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)

وقوله عز وجل: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...

الآية مخاطبةٌ للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديدِ النعمة عَلَيْهِمْ إِذْ جاءَهم بلسانِهِمْ، وبما يفهمونه منَ الأَغراض والفصاحةِ، وشُرِّفوا به غَابِرَ الدهْرِ.

وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ: يقتضي مدْحاً لنسبه صلّى الله عليه وسلّم، وأنه من صميمِ العَرَبِ، وشَرَفِها، وقرأ عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» - بفتح الفاء- من النّفاسة، ورويت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: مَا عَنِتُّمْ: معناه عَنَتُكُمْ ف «ما» مصدريةٌ، والعَنَت: المشقَّة، وهي هنا لفظةٌ عامَّة، أي: عزيز عليه مَا شَقَّ عليكم: مِنْ قتلٍ وإِسارٍ وامتحان بحسب الحَقِّ واعتقادكم أيضاً معه، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي: على إيمانكم وهداكم.

وقوله: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ أي: مبالغٌ في الشفقة عليهم، قال أبو عبيدة: الرّأفة أرقّ الرحمة.

ثم خاطب سبحانه نبيَّه بقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: هذه الآية من آخر مَا نَزَلَ، وصلى اللَّه علَى سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العظيم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الفاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِفَتْحِها.

وفي المَضْمُومَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِن جَمِيعِ العَرَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقالَ: لَيْسَ في العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ وُلِدَتْ رَسُولَ اللَّهِ  .

والثّانِي: مِمَّنْ تَعْرِفُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: مِن نِكاحٍ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، الرّابِعُ: بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، فَهو آَكَدُ لَلْحُجَّةِ، لِأنَّكم تَفْقَهُونَ عَمَّنْ هو مِثْلُكُمْ، قالَهُ.

الزَّجّاجُ وفي المَفْتُوحَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أفْضَلُكم خُلُقًا.

والثّانِي: أشْرَفُكم نَسَبًا.

والثّالِثُ: أكْثَرُكم طاعَةً لَلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما شَقَّ عَلَيْكُمْ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: شَدِيدٌ عَلَيْهِ عَنَتُكم والعَنَتُ: لِقاءُ الشِّدَّةِ.

والثّانِي شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما آَثَمَكُمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الحَسَنُ حَرِيصٌ عَلَيْكم أنْ تُؤْمِنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمّاهُ بِاسْمَيْنِ مِن أسْمائِهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "رَؤُوفٌ" فَعُولٌ، مِنَ الرَّأْفَةِ، وهي أرَقُّ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ ويُقالُ: "رَؤُفَ"، وأنْشَدَ: تَرى لَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكَ حَقًّا كَفِعْلِ الوالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمِ وَقِيلَ: رَؤُوفٌ بِالمُطِيعِينَ، رَحِيمٌ بِالمُذْنِبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بَعْضُهم ) عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، والمَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها فَضِيحَةُ أسْرارِهِمْ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، يَفْهَمُ مِن تِلْكَ النَظْرَةِ التَقْرِيرَ، هَلْ مَعَكم مَن يَنْقُلُ عنكُمْ؟

هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ حِينَ تُدَبِّرُونَ أُمُورَكُمْ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ مَعْناهُ: عن طَرِيقِ الِاهْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَما يُبَيَّنُ لَهم كَشْفُ أسْرارِهِمْ والإعْلامُ بِمُغَيَّباتِ أُمُورِهِمْ يَقَعُ لَهم لا مَحالَةَ تَعَجُّبٌ وتَوَقُّفٌ ونَظَرٌ، فَلَوِ اهْتَدَوْا لَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، فَهم إذْ يُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ ويَرْتَبِكُونَ فِيهِ كَأنَّهُمُ انْصَرَفُوا عن تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانَتْ مَظِنَّةً لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ والِاهْتِداءِ، وابْتَدَأ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِمْ إذْ هو تَعْدِيدُ ذَنْبٍ عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أيِ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ ﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ عَنِ اللهِ ولا عن رَسُولِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا: انْصَرَفْنا مِنَ الصَلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، ولَكِنْ قُولُوا: قَضَيْنا الصَلاةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا النَظَرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو إيماءٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "نَظَرَ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ: "قالَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهَذا عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، إذْ جاءَ بِلِسانِهِمْ وبِما يَفْهَمُونَهُ مِنَ الأغْراضِ والفَصاحَةِ وشُرِّفُوا بِهِ غابِرَ الأيّامِ.

وقالَ الزَجّاجُ: هي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَعْنى: لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَبِيِّ  وأنَّهُ مِن صَمِيمِ العَرَبِ وأشْرَفِها، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ  : « "إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ"»، ومِنهُ قَوْلُهُ  : « "إنِّي مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ"»، مَعْناهُ: أنَّ نَسَبَهُ  إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنِ النَسْلُ فِيهِ إلّا مِن نِكاحٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: "مِن أنْفَسِكُمْ" بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَفاسَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  وعن فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَواها عَنِ النَبِيِّ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ ما عَنِتُّمْ ﴾ مَعْناهُ: عُنَتُكُمْ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي ابْتِداءٌ، و"عَزِيزٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما عَنِتُّمْ" فاعِلًا بِـ "عَزِيزٌ" و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ لِلرَّسُولِ  ، وهَذا أصْوَبُ مِنَ الأوَّلِ.

والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، وهي هُنا لَفْظَةٌ عامَّةٌ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيْكم مِن كُفْرٍ وضَلالٍ بِحَسَبِ الحَقِّ، ومِن قَتْلٍ أو إسارٍ وامْتِحانٍ بِسَبَبِ الحَقِّ واعْتِقادِكم أيْضًا مَعَهُ، وقالَقَتادَةُ: المَعْنى: عَنَتُ مُؤْمِنِيكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعْمِيمُ عَنَتِ الجَمِيعِ أوجَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ يُرِيدُ: عَلى إيمانِكم وهُداكُمْ، وقَوْلِهِ: رَؤُفٌ مَعْناهُ: مُبالِغٌ في الشَفَقَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَأْفَةُ أرَقُّ مِنَ الرَحْمَةِ.

وقَرَأ "رَؤُفٌ" دُونَ مَدٍّ؛ الأعْمَشُ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو.

ثُمَّ خاطَبَ النَبِيَّ  بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ فَقالَ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ يا مُحَمَّدُ، أيْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذِهِ الحالِ المُتَقَرِّرَةِ الَّتِي مَنَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِها ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: وأعْمالُكَ بِحَسَبِ قَوْلِكَ مِنَ التَفْوِيضِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والجِدِّ في قِتالِهِمْ.

ولَيْسَتْ بِآيَةِ مُوادَعَةٍ لِأنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وخُصِّصَ العَرْشُ بِالذِكْرِ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.

وهاتانِ الآيَتانِ لَمْ تُوجَدا حِينَ جُمِعَ المُصْحَفُ إلّا في حِفْظِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، "وَوَقَعَ في البُخارِيِّ: أو أبِي خُزَيْمَةَ"، فَلَمّا جاءَ بِهِما تَذَكَّرَهُما كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ، وقَدْ كانَ زَيْدٌ يَعْرِفُهُما ولِذَلِكَ قالَ: "فَقَدْتُ آيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ التَوْبَةِ".

ولَوْ لَمْ يَعْرِفْهُما لَمْ يَدْرِ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا أمْ لا، فَإنَّما ثَبَتَتِ الآيَةُ بِالإجْماعِ لا بِخُزَيْمَةَ وحْدَهُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في كِتابِهِ قالَ: كانَ عُمَرُ لا يُثْبِتُ آيَةً في المُصْحَفِ إلّا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها رَجُلانِ، فَلَمّا جاءَ خُزَيْمَةُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ: واللهِ لا أسْألُكَ عَلَيْهِما بَيِّنَةً أبَدًا فَإنَّهُ هَكَذا كانَ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي صِفَةَ النَبِيِّ  الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مُدَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ الجَمْعِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ فُقِدَتِ الآيَتانِ، ولَمْ يُجْمَعْ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وخُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ هو المَعْرُوفُ بِذِي الشَهادَتَيْنِ، وعُرِفَ بِذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ  أمْضى شَهادَتَهُ وحْدَهُ في ابْتِياعِ فَرَسٍ وحَكَمَ بِها لِنَفْسِهِ  ، وهَذا خُصُوصٌ لِرَسُولِ اللهِ  .

وذَكَرَ النَقّاشُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: أقْرَبُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللهِ تَعالى هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ.

انْتَهى بِعَوْنِ اللهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُورَةُ التَوْبَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كانت هذه السورة سورة شدة وغلظة على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، وأمْراً للمؤمنين بالجهاد، وإنحاء على المقصرين في شأنه.

وتخلل ذلك تنويه بالمتصفين بضد ذلك من المؤمنين الذين هاجروا والذين نصروا واتبعوا الرسول في ساعة العسْرة.

فجاءت خاتمة هذه السورة آيتين بتذكيرهم بالمنة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والتنويه بصفاته الجامعة للكمال.

ومن أخصها حرصهُ على هداهم، ورغبته في إيمانهم ودخولِهم في جامعة الإسلام ليكون رؤوفاً رحيماً بهم ليعلموا أن ما لقيه المعرضون عن الإسلام من الإغلاظ عليهم بالقول والفعل ما هو إلا استصلاح لحالهم.

وهذا من مظاهر الرحمة التي جعلها الله تعالى مقارنة لبعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107]، بحيث جاء في هاتين الآيتين بما شأنه أن يزيل الحرج من قلوب الفرق التي نزلت فيهم آيات الشدة وعوملوا بالغلظة تعقيباً للشدة بالرفق وللغلظة بالرحمة، وكذلك عادة القرآن.

فقد انفتح بهاتين الآيتين باب حظيرة الإيمان والتوبة ليدخلها من وفقه الله إليها.

فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

وفي وقوعها آخر السورة ما يكسبها معنى التذييل والخلاصة.

فالخطاب بقوله: ﴿ جاءكم ﴾ وما تبعه من الخطاب موجه إلى جميع الأمة المدعوة للإسلام.

والمقصود بالخطاب بادئ ذي بدء هم المعرضون من المشركين والمنافقين من العرب بقرينة قوله عقب الخطاب ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم ﴾ وسيجيء أن المقصود العرب.

وافتتاحها بحرفَيْ التأكيد وهما اللام و(قد) مع كون مضمونها مما لا يتطرق إليه الإنكار لقصد الاهتمام بهذه الجملة لأهمية الغرض الذي سيقت لأجله وهو الذي سنذكره، ولأن فيما تضمنته ما ينكره المنافقون وهو كونه رسولاً من الله، ولأن في هذا التأكيد ما يجعل المخاطبين به منزَّلين منزلة المنكرين لمجيئه من حيث إنهم لم ينفعوا أنفسهم بهذا المجيء، ولأن في هذا التأكيد تسجيلاً عليهم مراداً به الإيماء إلى اقتراب الرحيل، لأنه لما أعيد الإخبار بمجيئه وهو حاصل منذ أعوام طويلة كان ذلك كناية عن اقتراب انتهائه، وهو تسجيل منه على المؤمنين، وإيداع للمنافقين ومن بقي من المشركين.

على أن آيات أخرى خوطب بها أهل الكتاب ونحوهم فأكدت بأقل من هذا التأكيد كقوله تعالى: ﴿ يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ [المائدة: 15] وكقوله تعالى: ﴿ يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ﴾ [النساء: 174] فما زيدت الجملة في هذه السورة مؤكدة إلا لغرض أهم من إزالة الإنكار.

والمجيء: مستعمل مجازاً في الخطاب بالدعوة إلى الدين.

شبه توجهه إليهم بالخطاب الذي لم يكونوا يترقبونه بمجيء الوافد إلى الناس من مكان آخر.

وهو استعمال شائع في القرآن.

والأنفس: جمع نفْس، وهي الذات.

ويضاف النفس إلى الضمير فيدل على قبيلة معاد الضمير، أي هو معدود من ذوي نسبهم وليس عداده فيهم بحلف أو ولاء أو إلصاق.

يقال: هو قريشي من أنفسهم، ويقال: القريشي مولاهم أو حليفهم، فمعنى ﴿ من أنفسكم ﴾ من صميم نسبكم، فتعين أن الخطاب للعرب لأن النازل بينهم القرآن يومئذٍ لا يَعدون العربَ ومن حالفهم وتولاهم مثلَ سلمانَ الفارسي وبلاللٍ الحبشي، وفيه امتنان على العرب وتنبيه على فضيلتهم، وفيه أيضاً تعريض بتحريضهم على اتباعه وترك مناواته وأن الأجدر بهم الافتخار به والالتفاف حوله كما قال تعالى في ذكر القرآن ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ [الزخرف: 44] أي يبقى منه لكم ذكر حسن.

والعزيز: الغالب.

والعزة: الغلبة.

يقال عزّه إذا غلبه.

ومنه ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ [ص: 23]، فإذا عُدي بعلى دل على معنى الثقل والشدة على النفس.

قال بشر بن عوانة في ذكر قتله الأسد ومصارعته إياه: فقلتُ له يعزُّ عليَّ أني *** قتلت مناسبي جلداً وقهراً و ﴿ ما ﴾ مصدرية.

و ﴿ عنتم ﴾ : تعبتم.

والعنت: التعب، أي شاق عليه حزنكم وشقاؤكم.

وهذا كقوله: ﴿ لعلّك باخِع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ﴾ [الشعراء: 3] وذكرُ هذا في صفة الرسول عليه السلام يفيد أن هذا خُلق له فيكون أثر ظهوره الرفق بالأمة والحذر مما يلقي بهم إلى العذاب في الدنيا والآخرة.

ومن آثار ذلك شفاعته للناس كلهم في الموقف لتعجيل الحساب.

ثم إن ذلك يومئ إلى أن شرعه جاء مناسباً لخُلقه فانتفى عنه الحرج والعسر قال تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185] وقال: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ [الحج: 78].

والعدول عن الإتيان بلفظ العنت الذي هو المصدر الصريح إلى الإتيان بالفعل مع (ما) المصدرية السابكة للمصدر نكتة.

وهي إفادة أنه قد عز عليه عنتهم الحاصل في الزمن الذي مضى، وذلك بما لقوه من قتْل قومهم، ومن الأسر في الغزوات، ومن قوارع الوعيد والتهديد في القرآن.

فلو أتي بالمصدر لم يكن مشيراً إلى عنتتٍ معيَّن ولا إلى عنت وقع لأن المصدر لا زمَان له بل كان محتملاً أن يعز عليه بأن يجنبهم إياه، ولكن مجيء المصدر منسبكاً من الفعل الماضي يجعله مصدراً مقيداً بالحصول في الماضي، ألا ترى أنك تقدره هكذا: عزيز عليه عنتكم الحاصل في ما مضى لتكون هذه الآية تنبيهاً على أن ما لقوه من الشدة إنما هو لاستصلاح حالهم لعلهم يخفضون بعدها من غلوائهم ويرعوون عن غيهم ويشعرون بصلاح أمرهم.

والحرص: شدة الرغبة في الشيء والجشعُ إليه.

ولما تعدى إلى ضمير المخاطبين الدال على الذوات وليست الذوات هي متعلق الحرص هنا تعين تقدير مضاف فُهم من مقام التشريع، فيقدر: على إيمانكم أو هَدْيكم.

والرؤوف: الشديد الرأفة.

والرحيم: الشديد الرحمة، لأنهما صيغتا مبالغة، وهما يتنازعان المجرور المتعلق بهما وهو ﴿ بالمؤمنين ﴾ .

والرأفة: رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرءُوف به.

يقال: رؤوف رحيم.

والرحمة: رقة تقتضي الإحسان للمرحوم، بينهما عموم وخصوص مطلق، ولذلك جمع بينهما هنا ولوازمُهما مختلفة.

وتقدمت الرأفة عند قوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم ﴾ في سورة البقرة (143) والرحمة في سورة الفاتحة (3).

وتقديم المتعلِّق على عامليه المتنازِعَيْنه في قوله: بالمؤمنين رءوف رحيم } للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتيْ رأفته ورحمته بهم.

وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم.

والفاء في قوله: ﴿ فإن تولوا ﴾ للتفريع على إرسال النبي صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الصفات إليهم فإن صفاته المذكورة تقتضي من كل ذي عقل سليم من العرب الإيمان به واتباعه لأنه من أنفسهم ومحب لخيرهم رؤوف رحيم بمن يتبعه منهم، فتفرع عليه أنهم محقوقون بالإيمان به فإن آمنوا فذاك وإن لم يؤمنوا فإن الله حسيبه وكافيه.

وقد دل الشرط على مقابله لأن ﴿ فإن تولوا ﴾ يدل على تقدير ضده وهو إن أذعنوا بالإيمان.

وبعد التفريع التفت الكلام من خطاب العرب إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بما كان مقتضى الظاهر أن يخاطَبُوا هُم به اعتماداً على قرينة حرف التفريع فقيل له: ﴿ فإن تولوا فقل حسبي الله ﴾ .

والتقدير: فإن توليتم عنه فحسبه الله وقل حسبي الله.

فجيء بهذا النظم البديع الإيجاز مع ما فيه من براعة الإيماء إلى عدم تأهلهم لخطاب الله على تقدير حالة توليهم.

والتولي: الإعراض والإدبار: وهو مستعار هنا للمكابرة والعناد.

والحسْب: الكافي، أي كافيك شر إعراضهم لأنهم إن أعرضوا بعد هذا فقد أعرضوا عن حسد وحنق.

وتلك حالة مظنة السعي في الكيد والأذى.

ومعنى الأمر بأن يقول: ﴿ حسبي الله ﴾ أن يقول ذلك قولاً ناشئاً عن عقد القلب عليه، أي فاعلم أن حسبك الله وقُل حسبي الله، لأن القول يؤكد المعلوم ويرسخه في نفس العالم به، ولأن في هذا القول إبلاغاً للمعرضين عنه بأن الله كافيه إياهم.

والتوكل: التفويض.

وهو مبالغة في وَكَل.

وهذه الآية تفيد التنويه بهذه الكلمة المباركة لأنه أمر بأن يقول هذه الكلمة بعيْنِها ولم يؤمَر بمجرد التوكل كما أمر في قوله: ﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ [النمل: 79].

ولا أخبر بأن الله حسبه مجردَ إخبار كما في قوله: ﴿ فإن حسبك الله ﴾ [الأنفال: 62].

وجملة: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ مستأنفة للثناء، أو في موضع الحال وهي ثناء بالوحدانية.

وعطفت عليها جملة: ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ للثناء بعظيم القدرة لأن من كان رباً للعرش العظيم ثبت أنه قدير، لأنه قد اشتهر أن العرش أعظم المخلوقات، ولذلك وصف بالعظيم، فالعظيم في هذه الآية صفة للعرش، فهو مجرور.

وفي هاتين الآيتين إشعار بالإيداع والإعذارِ للناس، وتنبيه إلى المبادرة باغتنام وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ليتشرفوا بالإيمان به وهم يشاهدونه ويقتبسون من أنوار هديه، لأن الاهتداء بمشاهدته والتلقي منه أرجى لحصول كمال الإيمان والانتفاع بقليل من الزمان لتحصيل وافر الخير الذي لا يحصل مثله في أضعاف ذلك الزمان.

وفيهما أيضاً إيماء إلى اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم لأن التذكير بقوله: ﴿ لقد جاءكم ﴾ يؤذن بأن هذا المجيء الذي مضى عليه زمن طويل يوشك أن ينقضي، لأن لكل وارد قفولاً، ولكل طالع أفولاً.

وقد روي عن أبَيْ بن كعب وقتادة أن هاتين الآيتين هما أحدث القرآن عهداً بالله عز وجل، أي آخرُ ما نزل من القرآن.

وقيل: إن آخر القرآن نزولاً آية الكلالة خاتمةُ سورة النساء.

وقيل آخره نزولاً قوله: ﴿ واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفَّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ من سورة البقرة (281).

في صحيح البخاري } من طريق شعيب عن الزهري عن ابن السباق عن زيد بن ثابت في حديث جمع القرآن في زمن أبي بكر رضي الله عنه قال زيد: «حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ﴾ إلى آخرهما.

ومن طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري مع أبي خزيمة الأنصاري.

ومعنى ذلك أنه بحث عن هاتين الآيتين في ما هو مكتوب من القرآن فلم يجدهما وهو يعلم أن في آخر سورة التوبة آيتين خاتمتين أو هو يحفظهما (فإن زيداً اعتنى في جمع القرآن بحفظه وبتتبع ما هو مكتوب بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وبقراءة حفاظ القرآن غيره) فوجد خزيمة أو أبا خزيمة يحفظهما.

فلما أمْلاهما خزيمة أو أبو خزيمة عليه تذكّر زيد لفظهما وتذكّرهما مَن سمعهما من الصحابة حين قرأوهما، كيف وقد قال أبَيّ بن كعب: إنهما آخر ما أنزل، فلفظهما ثابت بالإجماع، وتواترهما حاصل إذ لم يشك فيهما أحد وليس إثباتهما قاصراً على إخبار خزيمة أو أبي خزيمة.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: مِن أنْفَسِكم بِفَتْحِ الفاءِ ويَحْتَمِلُ تَأْوِيلُها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن أكْثَرِكم طاعَةً لِلَّهِ تَعالى.

الثّانِي: مِن أفْضَلِكم خُلُقًا.

الثّالِثُ: مِن أشْرَفِكم نَسَبًا.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِضَمِّ الفاءِ، وفي تَأْوِيلِها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن شِرْكٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.

الثّانِي: يَعْنِي مِن نِكاحٍ لَمْ يُصِبْهُ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ).» الثّالِثُ: مِمَّنْ تَعْرِفُونَهُ بَيْنَكم، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: يَعْنِي مِن جَمِيعِ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَطْنٌ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا قَدْ ولَدُوهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما شَقَّ عَلَيْكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما ضَلَلْتُمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ.

الثّالِثُ: عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتُ مُؤْمِنِكم، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَهُ الحَسَنُ: حَرِيصٌ عَلَيْكم أنْ تُؤْمِنُوا.

﴿ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الهِدايَةِ ويُؤْثِرُهُ لَهم مِنَ الصَّلاحِ.

الثّانِي: بِما يَضَعُهُ عَنْهم مِنَ المَشاقِّ ويَعْفُو عَنْهم مِنَ الهَفَواتِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: عَنْكَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حَسْبِيَ اللَّهُ مُعِينًا عَلَيْكم.

الثّانِي: حَسْبِيَ اللَّهُ هادِيًا لَكم.

﴿ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِسَعَتِهِ.

الثّانِي: لِجَلالَتِهِ.

رَوى يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آخِرَ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ هاتانِ الآيَتانِ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ وهَذِهِ الآيَةَ.

وَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هُما أحْدَثُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللَّهِ وقالَ مُقاتِلٌ: تَقَدَّمَ نُزُولُهُما بِمَكَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في دلائل النبوّة وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ قال: ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، مضريها وربيعيها ويمانيها.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه وأبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» .

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ قال: قد ولدتموه يا معشر العرب.

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قرأ رسول الله ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا رسول الله ما معنى ﴿ أنفسكم ﴾ ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا أنفسكم نسباً وصهراً وحسباً، ليس فيَّ ولا في آبائي من لدن آدم سفاح كلها نكاح» .

وأخرج الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ يعني من أعظمكم قدراً.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، وما ولدني إلا نكاح كنكاح الإِسلام» .

وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خرجت من نكاح غير سفاح» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في المصنف عن محمد بن علي بن حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم لم يصبني من سفاح أهل الجاهلية شيء، لم أخرج إلا من طهرة» .

وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن علي بن أبي طالب «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي، وأمي لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما» .

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير العرب مضر، وخير مضر بنو عبد مناف، وخير بني عبد مناف بنو هاشم، وخير بنو هاشم بنو عبد المطلب، والله ما افترق شعبتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما» .

وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أنس قال: «خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم، حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً» .

وأخرج ابن سعد والبخاري والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه» .

وأخرج ابن سعد ومسلم والترمذي والبيهقي في الدلائل عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير الفريقين، ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فانا من خيار إلى خيار» .

وأخرج ابن سعد عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قسم الله الأرض نصفين فجعلني في خيرهما، ثم قسم النصف على ثلاثة فكنت في خير ثلث منها، ثم اختار العرب من الناس، ثم اختار قريشاً من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطلب» .

وأخرج ابن سعد والبيهقي عن محمد بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اختار العرب فاختار منهم كنانة، ثم اختار منهم قريشاً، ثم اختار منهم بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم» .

وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اختار العرب فاختار كنانة من العرب، واختار قريشاً من كنانة، واختار بني هاشم من قريش، واختارني من بني هاشم» .

وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ولدتني بغي قط مذ خرجت من صلب آدم، ولم تزل تتنازعني الأمم كابراً عن كابر حتى خرجت من أفضل حيين من العرب هاشم وزهرة» .

وأخرج ابن أبي عمر العدني عن ابن عباس «أن قريشاً كانت نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله آدم عليه السلام ألقى ذلك النور في صلبه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم عليه السلام، وجعلني في صلب نوح، وقذف بي في صلب إبراهيم، ثم لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط» .

وأخرج البيهقي عن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب قال: «بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قوماً نالوا منه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين، فجعلني في خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلاً، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا خيركم قبيلاً وخيركم بيتاً» .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه والبيهقي عن المطلب بن أبي وداعة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: من أنا؟

قالوا: أنت رسول الله.

قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فانا خيركم بيتاً، وخيركم نفساً» .

وأخرجه الترمذي وصححه والنسائي عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب.

وأخرج ابن سعد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله أن يبعث نبياً نظر إلى خير أهل الأرض قبيلة فيبعث خيرها رجلاً» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله عز وجل بعثني فطفت شرق الأرض وغربها وسهلها وجبلها فلم أجد حياً خيراً من العرب، ثم أمرني فطفت في العرب فلم أجد حياً خيراً من مضر، ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حياً خيراً من كنانة، ثم أمرني فطفت في كنانة فلم أجد حياً خيراً من قريش، ثم أمرني فطفت في قريش فلم أجد حياً خيراً من بني هاشم، ثم أمرني أن أختار من أنفسهم فلم أجد فيهم نفساً خيراً من نفسك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وإسحق بن راهويه وابن منيع في مسنده وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ: إن آخر ما نزل من القرآن ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن الحسن أن أبي بن كعب كان يقول: إن أحدث القرآن عهداً بالله، وفي لفظ: بالسماء هاتان الآيتان ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن الضريس في فضائله وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والخطيب في تلخيص المتشابه والضياء في المختارة من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب.

أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ﴿ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال أبي بن كعب: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾ فهذا آخر ما نزل من القرآن.

قال: فختم الأمر بما فتح به بلا إله إلا الله، يقول الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾ [ الأنبياء: 25] .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن حبان وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، واني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن الا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن.

قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال عمر: هو- والله- خير.

فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر.

قال زيد بن ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمراني به من جمع القرآن.

قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال أبو بكر: هو- والله- خير.

فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر.

فقمت فتتبعت القرآن اجمعه من الرقاع والإِكاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ﴾ إلى آخرهما، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال: كان عمر لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد رجلان، فجاء رجل من الأنصار بهاتين الآيتين ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ إلى آخرها.

فقال عمر: لا أسألك عليها بينة أبداً، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عروة قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرقَّ أبو بكر على القرآن أن يضيع فقال لعمر بن الخطاب، ولزيد بن ثابت: أقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.

وأخرج ابن إسحاق وأحمد بن حنبل وابن أبي داود عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ إلى قوله: ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ إلى عمر فقال: من معك على هذا؟

فقال: لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها.

فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا من القرآن فالحقوها.

فألحقت في آخر براءة.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه، فقام عثمان بن عفان فقال: من كان عنده شيء من كتاب الله فليأتنا به، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد به شاهدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما.

فقالوا: ما هما؟

قال: تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ﴾ إلى آخر السورة فقال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما؟

قال: اختم بهما آخر ما نزلت من القرآن، فختمت بهما براءة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ الآية.

قال: جعله الله من أنفسهم فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة، عزيز عليه عنت مؤمنهم، حريص على ضالهم أن يهديه الله ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ قال: شديد عليه ما شق عليكم ﴿ حريص عليكم ﴾ أن يؤمن كفاركم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاء جبريل فقال لي: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، وهذا ملك الجبال قد أرسله الله إليك وأمره أن لا يفعل شيئاً إلا بأمرك.

فقال له ملك الجبال: إن الله أمرني أن لا أفعل شيئاً إلا بأمرك، إن شئت دمدمت عليهم الجبال، وإن شئت رميتهم بالحصباء، وإن شئت خسفت بهم الأرض.

قال: يا ملك الجبال فإني آتي بهم لعله أن يخرج منهم ذرية يقولون: لا إله إلا الله.

فقال ملك الجبال عليه السلام: أنت كما سمَّاك ربك رؤوف رحيم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رحيم ولا يضع رحمته إلا على رحيم.

قلنا: يا رسول الله كلنا نرحم أموالنا وأولادنا.

قال: ليس بذلك ولكن كما قال الله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا.

قال: ولم سألتم هذا؟

قالوا: نطلب الأمن، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ﴾ الآية» .

وأخرج ابن سعد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رحيم يحب الرحيم، يضع رحمته على كل رحيم.

قالوا: يا رسول الله إنا لنرحم أنفسنا وأموالنا وأزواجنا.

قال: ليس كذلك ولكن كونوا كما قال الله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: محمدًا  ، وليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي  مُضَريُّها (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال الزجاج: أي: هو بشر مثلكم فهو أوكد للحجة عليكم؛ لأنكم تفهمون ممن هو مثلكم (٦) ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: يعز عليه مشقتكم وكل مضرة تصيبكم (٧) وقال أهل المعاني: معنى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ﴾ شديد عليه بامتناعه من إمكان زواله (٨) (٩) ﴿ مَا عَنِتُّمْ ﴾ ما يلحقكم من الضرر، ومعنى عزّ عليّ كذا: أي اشتد (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال الزجاج: معناه: عزيز عليه عنتكم، وهو لقاء الشدة والمشقة (١٤) وقال الفراء: (ما) في موضع رفع، معناه: عزيز عليه عنتكم (١٥) وقوله تعالى: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: أي: حريص على إيمانكم (١٦) (١٧) (١٨) وقال الفراء: الحريص الشحيح بأن تدخلوا النار (١٩) ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ، قال عطاء، عن ابن عباس: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه (٢٠) (١) نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو جد جاهلي تنتسب إليه كثير من القبائل العدنانية.

انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 1.

(٢) هكذا في جميع النسخ، وفي مصادر التخريج عدا "تفسير الثعلبي": ربيعيها، وفي "تفسير الثعلبي": ربيعتها، وهو يعني القبائل المنسوبة إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 9.

(٣) يعني القبائل القحطانية.

(٤) رواه الثعلبي 6/ 165 أ، وعبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة في "مسنده"، وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في "دلائل النبوة"، وابن عساكر، كما في " الدر المنثور" 3/ 524، ورواه البغوي في "تفسيره" 4/ 115 مختصرًا.

(٥) رواه الثعلبي 6/ 165 أ، والبغوي 4/ 115.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 477.

(٧) رواه بنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1917، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 529.

(٨) المعنى: شديد عليه لكونه ممتنعًا من إمكانية الإزالة.

(٩) انظر: "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 271 مختصرًا.

(١٠) في (م): (استغز).

(١١) في (م): (من امتناعه).

(١٢) في "مختار الصحاح" (عزر)، "لسان العرب" (عزز): عز عليّ ذلك: أي حقَّ واشتد.

(١٣) انظر مثلاً: تفسير آية 125 من سورة النساء.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 477 بنحوه.

(١٥) "معاني القرآن" 1/ 456.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 477.

(١٧) ذكره السمرقندي في "تفسيره" 2/ 85، ورواه الفيروزأبادي في عنه، عن ابن عباس في "تنوير المقباس" ص 207.

(١٨) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 418، وابن الجوزي في "الزاد" 3/ 521.

(١٩) "معاني القرآن" 1/ 456.

(٢٠) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 521، والرازي في "تفسيره" 16/ 237، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 536.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب للعرب أو لقريش خاصة أي من قبيلتكم حيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته أو لبني آدم كلهم: أي من جنسكم وقرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي: يشق عليه عنتكم، والعنت: هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم وعزير صفة للرسول، وما عنتم فاعل بعزيز، وما مصدرية أو ما عنتم مصدر، وعزيز خبر مقدّم والجملة في موضع الصفة ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أي حريص على إيمانكم وسعادتكم ﴿ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ سماه الله هنا باسمين من أسمائه ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله ﴾ أي إن أعرضوا عن الإيمان، فاستعن بالله وتوكل عليه وقيل: إن هاتين الآيتين نزلتا بمكة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ موطئاً ﴾ ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿ غلظة ﴾ بفتح الغين: المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ أولا ترون ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ط ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ غلظة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ إيماناً ﴾ ط ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ إلى بعض ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ ثم انصرفوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ عزيز ﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿ حسبي الله ﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿ وكونوا مع الصادقين  ﴾ أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم.

والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام.

ومعنى ﴿ ولا يرغبوا ﴾ ولا أن يرغبوا.

يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله  بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.

وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية.

ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله: ﴿ ما كان لهم ﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب.

والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿ يغيظ ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر.

ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك.

قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى.

ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح.

وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية.

وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.

وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً.

قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله  إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.

وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم.

قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد.

قوله: ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ .

قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك.

وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال.

والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل.

﴿ إلا كتب لهم ﴾ ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة.

ثم ذكر غاية الكتب فقال: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل.

وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح.

واعلم أنه  عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .

ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله ﴿ إلا كتب لهم ﴾ لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله  أعلم بمراده.

ثم قال: ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه  لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله  سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية.

قاله ابن عباس.

والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو.

ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً ﴿ فلولا نفر ﴾ أي هلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴾ فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول  لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ النافرين ﴿ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة.

وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته.

فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق.

القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول  فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى ﴿ ليتفقهوا ﴾ ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها.

والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية.

والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.

وفي قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله  بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.

القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله  أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً.

ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ﴿ ولينذروا ﴾ وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ إيجاب للعمل بأخبارهم.

ثم أرشد  إلى ترتيب القتال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد.

والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين.

وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.

وقد حارب رسول الله  قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام.

ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال  : "كل مما يليك" .

فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة.

وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي شدة نظير قوله: { ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله  على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله.

ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ﴾ أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول ﴿ أيكم ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ زادته هذه إيماناً ﴾ .

ثم إنه  حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب.

وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه  يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً.

والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا.

وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر.

ثم عجب من حال المنافقين فقال: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ﴿ ثم لا يتوبون ﴾ من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً.

وقال مجاهد: بالقحط والجوع.

وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.

وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون.

ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك.

والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل.

﴿ ثم انصرفوا ﴾ أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه.

ومعنى ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير.

وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم.

وقال الزجاج: أضلهم الله.

قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه.

وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.

وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك.

يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه  قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟

أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم.

فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.

وقرىء ﴿ من أنفسكم ﴾ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم.

وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام.

ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم.

و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه.

﴿ حريص عليكم ﴾ الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار.

وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار.

ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال ﴿ بالمؤمنين ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ رؤوف رحيم ﴾ قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم.

التأويل: ﴿ ما كان لأهل ﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ ومن حولهم من الأعراب ﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿ أن يتخلفوا عن رسول ﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ من ماء الشهوات ﴿ ولا نصب ﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ ولا مخمصة ﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿ لا يطؤن موطئاً ﴾ من مقامات الفناء ﴿ يغيظ ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ ولا ينالون من عدوّ ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ هي بذل الصفات ﴿ ولا كبيرة ﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح.

﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ﴾ } [السجدة: 17] ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا ﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ من غير الله.

﴿ قاتلوا الذين يلونكم ﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون ﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  ﴾ أي قلب حي ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ ثم انصرفوا ﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب.

﴿ من أنفسكم ﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله.

ومن قرأ ﴿ من أنفسكم ﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله  "أول ما خلق الله  روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ولعلو همته، ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ولرؤيته سر القدر ﴿ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته  عامة للعالمين بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿ فقل حسبي الله ﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، [أي]: من البشر وهو امتنان منه عليهم؛ حيث بعث الرسول من البشر وله أن يبعث من غير البشر، لكنه بعث من البشر؛ ليعرفوا الآيات التي يأتي بها من التمويهات؛ لأنهم يعرفون مبلغ وسع البشر في الأشياء وقدر إمكانهم بعلم الأشياء، فإذا جاء بالأشياء التي هي خارجة عن الطباع ووسع البشر في التعليم، عرفوا أنها آيات لا تمويهات، مع [ما] يألف كل ذي جنس بجنسه وينفر من غير جنسه، هذا ظاهر في الخلائق أن كل ذي جنس يألف بجنسه ولا يألف بغير جنسه، فبعث الرسول من البشر ومن جنسهم؛ ليألفوا به، ويقبلوا منه ما يأتيهم به ويجيبوه إلى ما يدعوهم إليه.

وقال بعضهم: ﴿ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي: من المكان الذي أنتم فيه وهو الحرم.

وقال آخرون: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي: من أنسابكم، وهو أيضاً موضع الامتنان عليهم؛ حيث بعثه من أنسابهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه من بين أظهرهم سليماً عن جميع الآفات بريئا عن جميع المطاعن والعيوب؛ لأن المرء إذا كان مولده ومنشؤه من غير أظهرهم في قبيلة أو في مكان لا يعرف له النسب، ربما يتمكن فيه الطعن والعيب، ويقع التناكر في نسبه؛ لجهلهم بنسبه ومولده ومنشئه على السلامة والصحة والبراءة من العيوب، فبعث رسوله محمداً  ؛ لئلا يتمكن فيه ما ذكرنا من المطاعن، ولا يعرف شيء من العيوب والآفات التي ذكرنا فيه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، [أي]: من العرب أميا كما هم، لا يكتب ولا يقرأ ولا يخطه بيمينه على ما وصفه في كتابه: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ...

 ﴾ الآية، وقال: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ  ﴾ ، وذلك أن العرب تتمنى أن يبعث رسول منهم بقوله: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ ، ذكر مجيء الرسول من أنفسهم؛ ليكون أبعد من المطاعن التي طعنوا فيه والآفات التي ذكروا فيه، وأبرأه من العيوب التي رموه بها من نحو السحر والكهانة والجنون والافتراء على الله، و[ليكون] أقرب إلى المعرفة بأنه رسول؛ لأن ما يأتي به من الآيات والحجج يعرفون أنها سماوية؛ لما عرفوا أنه لم يتعلم السحر ولا أخذوا عليه بكذب قط ولا جن قط بما كان منشؤه فيما بين أظهرهم.

وقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ .

قيل: شديد عليه ما أعنتكم، أي: ما ضيق عليكم وضركم.

وقال القتبي: العنت: الضيق.

وقال بعضهم: العنت: الإثم، أي: شديد عليه ما أثمتم.

وقال أبو عوسجة: هو إلى الإثم أقرب.

وهو يحتمل كل إثم: الكفر وغيره.

﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: حريص على من يسلم أن يسلم، حريص عليكم بالهدى والرشد.

﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ : رحمة الدين والإسلام، لا رحمة الطبع.

قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله - في قوله: ﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ : سماه بفعله العمل الحسن وبرأفته ورحمته بذلك، أي: استحق ذلك الاسم بفعله، وإنما سماه بذلك؛ لأن عمله كان لله لم يكن عمل لنفسه شيئاً، وكذلك ماله وأكسابه؛ فلذلك لم يكن ماله ميراثاً بين ورثته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .

أي: أعرضوا عن إجابتك ودعائك إياهم إلى الإيمان والتوحيد.

﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: يكفيني الله لا إله إلا هو.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : عنك، وردّوا إجابتك والطاعة لك والانقياد وهمُّوا أن يكيدوك ويمكروا بك، ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: على ما وعدني من النصر والظفر ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: اتكلت على وعده ووكلت أمري إليه.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : عن نصرك ومعونتك على الأعداء، ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ ﴾ في النصر والمعونة على الأعداء يكفيني عليهم.

هذا في الموضع أقرب؛ لأنه ذكر على أثر ذكر المنافقين، ويحتمل ما ذكرنا من الإعراض عن التوحيد والإجابة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .

قيل: هو رب الملك العظيم، أي: كل ملك عند ملكه صغير ليس بملك.

فإن كان العرش هو السرير على ما قاله بعض أهل التأويل - والله أعلم - [فهو] السرير الذي يكرم به الأخيار من الخلائق والأبرار منهم، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد جاءكم -يا معشر العرب- رسول من جنسكم، فهو عربي مثلكم، شاقٌّ عليه ما يشقُّ عليكم، شديدة رغبته في هدايتكم والعناية بكم، وهو بالمؤمنين خاصة كثير العطف والرحمة.

<div class="verse-tafsir" id="91.kq7bB"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله