الآية ٢٨ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٢٨ من سورة التوبة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 146 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا ، عن المسجد الحرام ، وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية .

وكان نزولها في سنة تسع ؛ ولهذا بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا صحبة أبي بكر - رضي الله عنهما - عامئذ ، وأمره أن ينادي في المشركين : ألا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

فأتم الله ذلك ، وحكم به شرعا وقدرا .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى : ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) إلا أن يكون عبدا ، أو أحدا من أهل الذمة .

وقد روي مرفوعا من وجه آخر ، فقال الإمام أحمد : حدثنا حسين حدثنا شريك ، عن الأشعث - يعني : ابن سوار - عن الحسن ، عن جابر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك ، إلا أهل العهد وخدمهم .

تفرد به أحمد مرفوعا ، والموقوف أصح إسنادا .

وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي : كتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - : أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين ، وأتبع نهيه قول الله : ( إنما المشركون نجس ) وقال عطاء : الحرم كله مسجد ، لقوله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) .

ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما دلت [ على طهارة المؤمن ، ولما ] ورد في [ الحديث ] الصحيح : المؤمن لا ينجس وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات ؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم .

وقال أشعث ، عن الحسن : من صافحهم فليتوضأ .

رواه ابن جرير .

وقوله : ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) قال ابن إسحاق : وذلك أن الناس قالوا : لتنقطعن عنا الأسواق ، ولتهلكن التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق ، فنزلت ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) من وجه غير ذلك - ( إن شاء ) إلى قوله : ( وهم صاغرون ) أي : إن هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق ، فعوضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك ، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب ، من الجزية .

وهكذا روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة والضحاك ، وغيرهم .

( إن الله عليم ) أي : بما يصلحكم ، ( حكيم ) أي : فيما يأمر به وينهى عنه ؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله ، العادل في خلقه وأمره ، تبارك وتعالى ؛ ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله وأقرُّوا بوحدانيته: ما المشركون إلا نَجَس.

* * * واختلف أهل التأويل في معنى " النجس "، وما السبب الذي من أجله سمَّاهم بذلك.

فقال بعضهم: سماهم بذلك، لأنهم يجنبون فلا يغتسلون, فقال: هم نجس, ولا يقربوا المسجد الحرام = لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد.

* ذكر من قال ذلك: 16591- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, في قوله: (إنما المشركون نجس)، : لا أعلم قتادة إلا قال: " النجس "، الجنابة.

16592- وبه، عن معمر قال: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي حذيفة, وأخذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيده, فقال حذيفة: يا رسول الله، إني جُنُب !

فقال: إنّ المؤمن لا ينجُس.

16593- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس)، أي: أجْنَابٌ.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خنـزير أو كلب.

وهذا قولٌ رُوِي عن ابن عباس من وجه غير حميد, فكرهنا ذكرَه.

* * * وقوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، يقول للمؤمنين: فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرَم.

وإنما عنى بذلك منعَهم من دخول الحرم, لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم فيه نحو الذي قلناه.

* ذكر من قال ذلك: 16594- حدثنا بشر، وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء: الحرمُ كله قبلةٌ ومسجد.

قال: (فلا يقربوا المسجد الحرام)، لم يعن المسجدَ وحده, إنما عنى مكة والحرم.

قال ذلك غير مرَّةٍ.

وذكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما:- 16595- حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو عمرو: أن عمر بن عبد العزيز كتب: " أنِ امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين "، وأَتْبَعَ في نهيه قولَ الله: (إنما المشركون نجس).

16596- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث, عن الحسن: (إنما المشركون نجس)، قال: لا تصافحوهم, فمن صافحَهم فليتوضَّأ.

* * * وأما قوله: (بعد عامهم هذا)، فإنه يعني: بعد العام الذي نادَى فيه علي رحمة الله عليه ببراءة, وذلك عام حجَّ بالناس أبو بكر, وهي سنة تسع من الهجرة، كما:- 16597- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر, ونادى عليّ رحمة الله عليهما بالأذان، وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحجَّ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل حجّة الوداع، لم يحجَّ قبلها ولا بعدها.

* * * وقوله: (وإن خفتم عيلة)، يقول للمؤمنين: وإن خفتم فاقَةً وفقرًا, بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام =(فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء).

* * * يقال منه: عال يَعِيلُ عَيْلَةً وعُيُولا ومنه قول الشاعر: (2) وَمَــا يَــدْرِي الفَقِـيرُ مَتَـى غِنَـاه وَمَــا يَــدْرِي الغَنِـيُّ مَتَـى يَعِيـلُ (3) وقد حكي عن بعضهم أنّ من العرب من يقولُ في الفاقة: " عال يعول " بالواو.

(4) * * * وذكر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوّل قوله (5) (وإن خفتم عيلة)، بمعنى: وإذ خفتم.

ويقول: كان القوم قد خافُوا, وذلك نحو قول القائل لأبيه: " إن كنت أبي فأكرمني", بمعنى: إذ كنت أبي.

* * * وإنما قيل ذلك لهم, لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم، انقطاع تجاراتهم، ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك.

وأمَّنهم الله من العيلة، وعوَّضهم مما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم، ما هو خير لهم منه, وهو الجزية, فقال لهم: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، إلى: صَاغِرُونَ .

* * * وقال قوم: بإدرار المطر عليهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16598- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنى معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، قال: لما نَفَى الله المشركين عن المسجد الحرام، ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَن, قال: من أين تأكلون، وقد نُفِيَ المشركون وانقطعت عنهم العيرُ!

(6) فقال الله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)، فأمرهم بقتال أهل الكتاب, وأغناهم من فضله.

16599- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن عكرمة في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت, ويجيئون معهم بالطعام، وَيتَّجرون فيه.

فلما نُهُوا أن يأتوا البيت، قال المسلمون: من أين لنا طعام؟

فأنـزل الله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)، فأنـزل عليهم المطر, وكثر خيرهم، حتى ذهب عنهم المشركون.

16600- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن علي بن صالح, عن سماك, عن عكرمة: (إنما المشركون نجس)، الآية = ثم ذكر نحو حديث هنّاد, عن أبي الأحوص.

16601- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن واقد, عن سعيد بن جبير قال: لما نـزلت: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقالوا: مَنْ يأتينا بطعامنا, ومن يأتينا بالمتاع؟

فنـزلت: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء).

(7) 16602- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن واقد مولى زيد بن خليدة, عن سعيد بن جبير, قال: كان المشركون يقدَمون عليهم بالتجارة, فنـزلت هذه الآية: (إنما المشركون نجس)، إلى قوله: (عيلة)، قال: الفقر =(فسوف يغنيكم الله من فضله).

16603- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن أبيه, عن عطية العوفي قال: قال المسلمون: قد كنّا نصيب من تجارتهم وبِياعاتهم, فنـزلت: (إنما المشركون نجس)، إلى قوله: (من فضله).

16604- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي =أحسِبه قال: أنبأنا أبو جعفر، عن عطية, قال: لما قيل: ولا يحج بعد العام مشرك !

قالوا: قد كنا نصيب من بياعاتهم في الموسم.

قال: فنـزلت: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، يعني: بما فاتهم من بياعاتهم.

16605- حدثنا أبو كريب وابن وكيع, قالا حدثنا ابن يمان, عن أبي سنان, عن ثابت, عن الضحاك: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، قال: الجزية.

16606- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان وأبو معاوية, عن أبي سنان, عن ثابت, عن الضحاك, قال: أخرج المشركون من مكة, فشقَّ ذلك على المسلمين وقالوا: كنا نُصيب منهم التجارة والميرة.

فأنـزل الله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ 16607- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، كان ناس من المسلمين يتألَّفون العير; فلما نـزلت " براءة " بقتال المشركين حيثما ثقفوا, وأن يقعدُوا لهم كل مرصد, قذف الشيطان في قلوب المؤمنين: فمن أين تعيشون وقد أمرتم بقتال أهل العير؟

فعلم الله من ذلك ما علم, فقال: أطيعوني, وامضوا لأمري, وأطيعوا رسولي, فإني سوف أغنيكم من فضلي.

فتوكل لهم الله بذلك.

16608- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (إنما المشركون نجس)، إلى قوله: (فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)، قال: قال المؤمنون: كنا نصيب من متاجر المشركين!

فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله، عوضًا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام.

فهذه الآية مع أول " براءة " في القراءة, ومع آخرها في التأويل (8) قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، إلى قوله: عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، حين أمر محمد وأصحابه بغزْوة تبوك.

16609- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه.

16609م- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام, شقَّ ذلك على المسلمين, وكانوا يأتون بِبَيْعَات ينتفع بذلك المسلمون.

(9) فأنـزل الله تعالى ذكره: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، فأغناهم بهذا الخراج، الجزيةَ الجاريةَ عليهم, يأخذونها شهرًا شهرًا, عامًا عامًا، فليس لأحد من المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم بحالٍ، إلا صاحب الجزية, أو عبد رجلٍ من المسلمين.

16610- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج, قال: أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمّة.

16611-......

قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، قال: إلا صاحب جزية, أو عبد لرجلٍ من المسلمين.

16612- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج, عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.

قال، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في هذه الآية: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام)، إلا أن يكون عبدًا، أو أحدًا من أهل الجزية.

16613- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، قال: أغناهم الله بالجزية الجارية شهرًا فشهرًا، وعامًا فعامًا.

16614- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام, عن الحجاج, عن أبي الزبير, عن جابر: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، قال: لا يقرب المسجد الحرام بعد عامه هذا مشركٌ ولا ذميٌّ.

16615- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة)، وذلك أن الناس قالوا: لتقطعنَّ عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبنّ ما كنا نصيب فيها من المَرافق!

(10) فقال الله عز وجل: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، من وجه غير ذلك =(إن شاء)، إلى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ ، ففي هذا عوَض مما تخوَّفتم من قطع تلك الأسواق، فعوَّضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطَاهم من أعْناق أهلِ الكتاب من الجزية.

(11) * * * وأما قوله: (إن الله عليم حكيم)، فإن معناه: (إن الله عليم)، بما حدثتكم به أنفسكم، أيها المؤمنون، من خوف العيلة عليها بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام, وغير ذلك من مصالح عباده =(حكيم)، في تدبيره إياهم، وتدبير جميع خلقه.

(12) --------------------- الهوامش : (2) هو أحيحة بن الجلاح .

(3) سلف البيت وتخريجه وشرحه ، فيما سلف 7 : 459 ، وانظر مجاز القرآن 1 : 255 .

(4) انظر تفسير " عال " فيما سلف 7 : 548 ، 549 .

(5) " عمرو بن فائد " ، أبو علي الأسواري ، وردت عنه الرواية في حروف من القرآن .

مترجم في طبقات القراء 1 : 602 رقم : 2462 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 253 ، ولسان الميزان 4 : 372 ، وميزان الاعتدال ، 2 : 298 ، وهو في الحديث ليس بشيء ، بل هو منكر الحديث ، متروك .

(6) في المطبوعة : " وانقطعت عنكم " وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .

(7) الأثران : 16601 ، 16602 - " واقد ، ولي زيد بن خليدة " ، ثقة ، سلف برقم : 11450 .

(8) في المطبوعة : " من أول براءة .

.

.

ومن آخرها " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .

(9) في المطبوعة : " ببياعات " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(10) في المطبوعة : " فنزل : وإن خفتم " ، ولم تكن " فنزل " في المخطوطة ، سها الكاتب وتجاوز ما كان ينقل منه ، وأثبته من نص ابن إسحاق في سيرة ابن هشام .

(11) الأثر : 16615 - سيرة ابن هشام 4 : 192 ، 193 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16556 .

(12) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) ، ( حكم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيمفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ابتداء وخبر .

واختلف العلماء في معنى وصف المشرك بالنجس ، فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما : لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل .

وقال ابن عباس وغيره : بل معنى الشرك هو الذي نجسه .

قال الحسن البصري من صافح مشركا فليتوضأ .

والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبد الحكم فإنه قال : ليس بواجب ؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله .

وبوجوب [ ص: 39 ] الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد .

وأسقطه الشافعي وقال : أحب إلي أن يغتسل .

ونحوه لابن القاسم .

ولمالك قول : إنه لا يعرف الغسل ، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس .

وحديث ثمامة وقيس بن عاصم يرد هذه الأقوال .

رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده .

وأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بثمامة يوما فأسلم فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل ، فاغتسل وصلى ركعتين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حسن إسلام صاحبكم وأخرجه مسلم بمعناه .

وفيه : أن ثمامة لما من عليه النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل .

وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر .فإن كان إسلامه قبيل احتلامه فغسله مستحب .

ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة .

هذا قول علمائنا ، وهو تحصيل المذهب .

وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه إذا اعتقد الإسلام بقلبه وهو قول ضعيف في النظر مخالف للأثر .

وذلك أن أحدا لا يكون بالنية مسلما دون القول .

هذا قول جماعة أهل السنة في الإيمان : إنه قول باللسان وتصديق بالقلب ، ويزكو بالعمل .

قال الله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه .الثانية : قوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام ( فلا يقربوا ) نهي ، ولذلك حذفت منه النون .

( المسجد الحرام ) هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم ، وهو مذهب عطاء فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع .

فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول .

ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه .

فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز .

وأما جزيرة العرب ، وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها ، فقال مالك : يخرج من هذه المواضع كل من كان على غير الإسلام ، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين .

وكذلك قال الشافعي رحمه الله ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن .

ويضرب لهم أجل [ ص: 40 ] ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر رضي الله عنه حين أجلاهم .

ولا يدفنون فيها ويلجئون إلى الحل .الثالثة : واختلف العلماء في دخول الكفار المساجد والمسجد الحرام على خمسة أقوال ، فقال أهل المدينة : الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد .

وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية .

ويؤيد ذلك قوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه .

ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها .

وفي صحيح مسلم وغيره : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر .

.

.

الحديث .

والكافر لا يخلو عن ذلك .

وقال صلى الله عليه وسلم : لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب والكافر جنب .

وقوله تعالى : إنما المشركون نجس فسماه الله تعالى نجسا .

فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدا من طريق الحكم .

وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم ، والحرمة موجودة في المسجد .

يقال : رجل نجس ، وامرأة نجس ، ورجلان نجس ، وامرأتان نجس ، ورجال نجس ، ونساء نجس ، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر .

فأما النجس - بكسر النون وجزم الجيم - فلا يقال إلا إذا قيل معه رجس .

فإذا أفرد قيل نجس - بفتح النون وكسر الجيم - ونجس - بضم الجيم - .

وقال الشافعي رحمه الله : الآية عامة في سائر المشركين ، خاصة في المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد .

قال ابن العربي : وهذا جمود منه على الظاهر ؛ لأن قوله عز وجل : إنما المشركون نجس تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة .

فإن قيل : فقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة في المسجد وهو مشرك .

قيل له : أجاب علماؤنا عن هذا الحديث - وإن كان صحيحا - بأجوبة : أحدها : أنه كان متقدما على نزول الآية .

الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه .

[ ص: 41 ] الثالث : أن ذلك قضية في عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها ، لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية .

وقد يمكن أن يقال : إنما ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها ، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد ، فيستأنس بذلك ويسلم ، وكذلك كان .

ويمكن أن يقال : إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد ، والله أعلم .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره ، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان .

وهذا قول يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها .

قال الكيا الطبري : ويجوز للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة .

وقال الشافعي : تعتبر الحاجة ، ومع عدم الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام .

وقال عطاء بن أبي رباح : الحرم كله قبلة ومسجد ، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم ، لقوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام .

وإنما رفع من بيت أم هانئ .

وقال قتادة : لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبدا كافرا لمسلم .

وروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقرب المسجد مشرك إلا أن يكون عبدا أو أمة فيدخله لحاجة .

وبهذا قال جابر بن عبد الله فإنه قال : العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام ، وهو مخصوص في العبد والأمة .الرابعة : قوله تعالى بعد عامهم هذا فيه قولان : أحدهما - أنه سنة تسع التي حج فيها أبو بكر .

الثاني سنة عشر قاله قتادة .

ابن العربي : وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ وإن من العجب أن يقال : إنه سنة تسع وهو العام الذي وقع فيه الأذان .

ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه : لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه .الخامسة : وإن خفتم عيلة قال عمرو بن فائد : المعنى وإذ خفتم .

وهذه عجمة والمعنى بارع ب ( إن ) .

وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات ، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا : من أين نعيش .

فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله .

قال الضحاك : ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل [ ص: 42 ] الذمة بقوله عز وجل : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية .

وقال عكرمة : أغناهم الله بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض فأخصبت تبالة وجرش وحملوا إلى مكة الطعام والودك وكثر الخير وأسلمت العرب : أهل نجد وصنعاء وغيرهم فتمادى حجهم وتجرهم وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم .

والعيلة : الفقر .

يقال : عال الرجل يعيل إذا افتقر .

قال الشاعر :وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيلوقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود " عائلة " وهو مصدر كالقائلة من قال يقيل .

وكالعافية .

ويحتمل أن يكون نعتا لمحذوف تقديره : حالا عائلة ، ومعناه : خصلة شاقة .

يقال منه : عالني الأمر يعولني : أي شق علي واشتد .

وحكى الطبري أنه يقال : عال يعول إذا افتقر .السادسة : في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز وليس ذلك بمناف للتوكل وإن كان الرزق مقدرا وأمر الله وقسمه مفعولا ولكنه علقه بالأسباب حكمة ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب .

وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل قال صلى الله عليه وسلم : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا .

أخرجه البخاري .

فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق .

ابن العربي : ولكن شيوخ الصوفية قالوا : إنما يغدو ويروح في الطاعات فهو السبب الذي يجلب الرزق .

قالوا : والدليل عليه أمران : أحدهما : قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك الثاني : قوله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فليس ينزل الرزق من محله ، وهو السماء ، إلا ما يصعد وهو الذكر الطيب والعمل الصالح وليس بالسعي في الأرض فإنه ليس فيها رزق .

والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر وهو العمل بالأسباب الدنيوية من الحرث والتجارة في الأسواق والعمارة للأموال وغرس الثمار .

وقد كانت الصحابة تفعل ذلك [ ص: 43 ] والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم .

قال أبو الحسن بن بطال : أمر الله سبحانه عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا إلى غير ذلك من الآي .

وقال : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه .

فأحل للمضطر ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به ، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء ، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذى به لكان لنفسه قاتلا .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله ، ولم ينزل عليه طعام من السماء ، وكان يدخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه الفتوح .

وقد روى أنس بن مالك أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببعير فقال : يا رسول الله ، أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل ؟

قال : اعقله وتوكل .قلت : ولا حجة لهم في أهل الصفة ، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون ، ليس لهم كسب ولا مال ، إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان ، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرءون القرآن بالليل ويصلون .

هكذا وصفهم البخاري وغيره .

فكانوا يتسببون .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته هدية أكلها معهم ، وإن كانت صدقة خصهم بها ، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا - كأبي هريرة وغيره - وما قعدوا .

ثم قيل : الأسباب التي يطلب بها الرزق ستة أنواع : أعلاها كسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ قال : جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري .

خرجه الترمذي وصححه .

فجعل الله رزق نبيه صلى الله عليه وسلم في كسبه لفضله ، وخصه بأفضل أنواع الكسب ، وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه .

الثاني : أكل الرجل من عمل يده ، قال صلى الله عليه وسلم : إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده خرجه البخاري .

وفي التنزيل وعلمناه صنعة لبوس لكم وروي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه .

[ ص: 44 ] الثالث : التجارة ، وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم ، وخاصة المهاجرين ، وقد دل عليها التنزيل في غير موضع .

الرابع : الحرث والغرس .

وقد بيناه في سورة " البقرة " الخامس : إقراء القرآن وتعليمه والرقية ، وقد مضى في " الفاتحة " السادس : يأخذ بنية الأداء إذا احتاج ، قال صلى الله عليه وسلم : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله .

خرجه البخاري .

رواه أبو هريرة رضي الله عنه .السابعة : قوله تعالى إن شاء دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد ، وإنما هو من فضل الله تولى قسمته بين عباده وذلك بين في قوله تعالى : نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ‏}‏ باللّه الذين عبدوا معه غيره ‏{‏نَجَسٌ‏}‏ أي‏:‏ خبثاء في عقائدهم وأعمالهم، وأي نجاسة أبلغ ممن كان يعبد مع اللّه آلهة لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنه شيئا‏؟‏‏\"‏‏.‏ وأعمالهم ما بين محاربة للّه، وصد عن سبيل اللّه ونصر للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح، فعليكم أن تطهروا أشرف البيوت وأطهرها عنهم‏.‏ ‏{‏فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏ وهو سنة تسع من الهجرة، حين حج بالناس أبو بكر الصديق، وبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابن عمه عليا، أن يؤذن يوم الحج الأكبر ب ـ ‏{‏براءة‏}‏ فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان‏.‏ وليس المراد هنا، نجاسة البدن، فإن الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن اللّه تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب منها‏.‏ والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار، ولم ينقل عنهم أنهم تقذروا منها، تَقَذُّرَهْم من النجاسات، وإنما المراد كما تقدم نجاستهم المعنوية، بالشرك، فكما أن التوحيد والإيمان، طهارة، فالشرك نجاسة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ خِفْتُمْ‏}‏ أيها المسلمون ‏{‏عَيْلَةً‏}‏ أي‏:‏ فقرا وحاجة، من منع المشركين من قربان المسجد الحرام، بأن تنقطع الأسباب التي بينكم وبينهم من الأمور الدنيوية، ‏{‏فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏}‏ فليس الرزق مقصورا على باب واحد، ومحل واحد، بل لا ينغلق باب إلا وفتح غيره أبواب كثيرة، فإن فضل اللّه واسع، وجوده عظيم، خصوصا لمن ترك شيئا لوجهه الكريم، فإن اللّه أكرم الأكرمين‏.‏ وقد أنجز اللّه وعده، فإن اللّه قد أغنى المسلمين من فضله، وبسط لهم من الأرزاق ما كانوا به من أكبر الأغنياء والملوك‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ شَاءَ‏}‏ تعليق للإغناء بالمشيئة، لأن الغنى في الدنيا، ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة اللّه، فلهذا علقه اللّه بالمشيئة‏.‏ فإن اللّه يعطي الدنيا، من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين، إلا من يحب‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ علمه واسع، يعلم من يليق به الغنى، ومن لا يليق، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها‏.‏ وتدل الآية الكريمة، وهي قوله ‏{‏فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏ أن المشركين بعد ما كانوا، هم الملوك والرؤساء بالبيت، ثم صار بعد الفتح الحكم لرسول اللّه والمؤمنين، مع إقامتهم في البيت، ومكة المكرمة، ثم نزلت هذه الآية‏.‏ ولما مات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر أن يجلوا من الحجاز، فلا يبقى فيها دينان، وكل هذا لأجل بُعْدِ كل كافر عن المسجد الحرام، فيدخل في قوله ‏{‏فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ) الآية ، قال الضحاك وأبو عبيدة : نجس قذر .

وقيل : خبيث .

وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى والتثنية والجمع ، فأما النجس : بكسر النون وسكون الجيم ، فلا يقال على الانفراد ، إنما يقال : رجس نجس ، فإذا أفرد قيل : نجس ، بفتح النون وكسر الجيم ، وأراد به : نجاسة الحكم لا نجاسة العين ، سموا نجسا على الذم .

وقال قتادة : سماهم نجسا لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضئون .

قوله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام ، وأراد به الحرم وهذا كما قال الله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " [ الإسراء - 1 ] ، وأراد به الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ .

قال الشيخ الإمام الأجل : وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام : أحدها : الحرم ، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال ، ذميا كان أو مستأمنا ، لظاهر هذه الآية ، وإذا جاء رسول من بلاد الكفار إلى الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم ، بل يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم .

وجوز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم .

والقسم الثاني من بلاد الإسلام : الحجاز ، فيجوز للكافر دخولها بالإذن ولكن لا يقيم فيها أكثر من مقام السفر وهو ثلاثة أيام ، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لئن عشت إن شاء الله تعالى لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما " .

فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " فلم يتفرغ لذلك أبو بكر رضي الله عنه ، وأجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته ، وأجل لمن يقدم منهم تاجرا ثلاثا .

وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام .

والقسم الثالث : سائر بلاد الإسلام ، يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة وأمان ، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم .

قوله : ( بعد عامهم هذا ) يعني : العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه بالناس ، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة ، وهو سنة تسع من الهجرة .

قوله ( وإن خفتم عيلة ) وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون ، فلما منعوا من دخول الحرم خافوا الفقر ، وضيق العيش ، وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ( وإن خفتم عيلة ) فقرا وفاقة .

يقال : عال يعيل عيلة ، ( فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ) قال عكرمة : فأغناهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مدرارا فكثر خيرهم .

وقال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجريش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون .

وقال الضحاك وقتادة : عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس» قذر لخبث باطنهم «فلا يقربوا المسجد الحرام» أي لا يدخلوا الحرم «بعد عامهم هذا» عام تسع من الهجرة «وإن خفتم عَيْلةٌ» فقرا بانقطاع تجارتهم عنكم «فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء» وقد أغناهم بالفتوح والجزية «إن الله عليم حكيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا معشر المؤمنين إنما المشركون رِجْس وخَبَث فلا تمكنوهم من الاقتراب من الحرم بعد هذا العام التاسع من الهجرة، وإن خفتم فقرًا لانقطاع تجارتهم عنكم، فإن الله سيعوضكم عنها، ويكفيكم من فضله إن شاء، إن الله عليم بحالكم، حكيم في تدبير شؤونكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التذكير والتوجيه من الله - تعالى - لعباده المؤمنين - وجه - سبحانه - إليهم نداء أمرهم فيه بمنع المشركين من قربان المسجد الحرام ، ووعدهم بالعطاء الذى يغنيهم ، فقال : ( ياأيها الذين آمنوا .

.

.

.

) .وقوله : ( نَجَسٌ ) بالتحريك - مصدر نجس الشئ ينجس فهو نجس إذا كان قذراً غير نظيف ، وفعله من باب " تعب " وفى لغة من باب " قتل " .قال صاحب الكشاف : النجس : مصدر .

يقال نجس نجسا وقذر قذرا ، لأن معهم الشرك الذى هو بمنزلة النجس ، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهى ملابسة لهم .

أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها ، مبالغة فى وصفهم بها .قيل : وجوز أن يكون لفظ " نجس " صفة مشبهة - وإليه ذهب الجوهرى ولا بد حينئذ من تقدير موصوف مفرد لفظاً مجمع معنى ، ليصح الإِخبار به عن الجمع .

أى جنس ونجس ونحوه .وقوله : ( إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ) فيه ما فيه من التعبير البديع المصور المجسم لهم ، حتى لكأنهم بأرواحهم وماهيتهم وكيانهم : النجس يمشى على الأرض فيتحاشاه المتطهرون ، ويتحاماه الأتقياء من الناس .وقوله : ( فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ) تفريع على نجاستهم والمراد النهى عن الدخول إلا أنه عبر عنه بالنهى عن القرب مبالغة فى إبعادهم عن المسجد الحرام .والنهى وإن كان موجهاً إلى المشركين ، إلا أن المقصود منه نهى المؤمنين عن تمكينهم من ذلك ، والمراد بقوله : ( بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ) العام الذى حصل فيه النداء بالبراءة من المشركين ، وبعدم طوافهم بالمجسد الحرام .

.

وهو العام التاسع من الهجرة .قال ابن كثير : أمر الله عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً بنفى المشركين الذين هم نجس دينا - عن المسجد الحرام ، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية .

وكان نزولها فى سنة تسع .ولهذا بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا صحبة أبى بكر رضى الله عنهما - عامئذ ، وأمره أن ينادى فى المشركين : أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .

فأتم الله ذلك وحكم به شرعاً وقدراً .وقوله : ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ ) بشارة من الله تعالى للمؤمنين بأن سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المشركين .والعيلة : الفقر والفاقة : يقال : عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا افتقر ، ومنه قول الشاعر :وما يدرى الفقير متى غناه ...

وما يدرى الغنى متى يقيلوقرئ " عائلة " بمعنى المصدر كالعافية : اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أى : حالا عائلة .قال ابن جرير - بعد أن ساق روايات فى سبب نزول الآية - : عن عطية العوفى قال : لما قيل " ولا يحج بعد العام مشرك " قالوا : قد كنا نصيب من بياعاتهم فى الموسم ، قال فنزلت ( ياأيها الذين آمنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ) الآية .والمعنى : لا تمكنوا أيها المؤمنون .

المشركين من دخول المسجد الحرام بعد هذه السنة ، لأنهم نجس .

.

.

ولا تخشوا الفقر والفاقة بسبب عدم تمكينهم ، حيث إنكم تتبادلون معهم التجارات والمبايعات .

.

لأن الله - تعالى - قد وعدكم أن يغنيكم من فضله بالعطايا والخيرات التى تكفيكم أمر معاشكم .

.وقد أنجز الله - تعالى - لهم وعده ، فأرسل السماء عليهم مدرارا ، وفتح لهم البلاد ، فكثرت بين أيديهم الغنائم وألوان الخيرات ، ودخل فى دين الله من هم أيس حالا وأغنى مالا من هؤلاء المشركين .

.قال صاحب الكشاف : قوله : ( فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ) أى : من عطائه أو من تفضله بوجه آخر ، فأرسل عليهم السماء مدرارا ، فأغزر بها خيرهم ، وأكثر مسيرهم .

وأسلم أهل تبالة وجرس فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به : فكان أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته .والتقييد بالمشيئة فى قوله : ( إِن شَآءَ ) ليس للتردد ، بل هو لتعليم المؤمنين رعاية الأدب مع الله - تعالى - كما فى قوله : ( لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ ) ولبيان أن هذا الاغناء بإرادته - سبحانه - وحده ، فعليهم أن يجعلوا اعتمادهم عليه ، وتضرعهم إليه لا إلى غيره ، وللتنبيه على أن عطاءه سبحانه لهم ، هو من باب التفضل ولا الوجوب ، لأنه لو كان واجبا مع قيده بالمشيئة .ولما كانت مشيئته - سبحانه - تجرى حسب مقتضى علمه وحكمته ، فقد ختم الآية بقوله : ( إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .أى : إن الله عليم بأحوالكم ومصالحكم ، وبما يكون عليه أمر حاضركم ومستقبلكم حكيم فيما شرعه لكم .

فاستجيبوا له لتنالوا السعادة فى دنياكم وآخرتكم .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى استنبطها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- أن المراد بالمشركين فى الآية ما يناول عبدة الأوثان وغيرهم من أهل الكتاب .

كما هو مقتضى ظاهر اللفظ ، وكما يدل عليه قوله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ .

.

) أى : لا يغفر أن يشرك به بأى لون من ألوان الشرك .ويرى كثير من الفقهاء أن المراد بالمشركين هنا عبدة الأوثان فحسب ، لأن الحديث خاص بهم من أول السورة إلى هنا .2- يرى جمهور الفقهاء أن نجاسة المشركين مرجعها إلى خبث بواطنهم لعبادتهم سوى الله - تعالى - أما أبدانهم فطاهرة .وقد بسط صاحب المنار القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه : " قال بعضهم بنجاسة أعيان المشركين ، ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل .حكى هذا القول عن ابن عباس والحسن البصرى .

.

وجمهور الظاهرية .

.ويرى جمهور السلف والخلف وأصحاب المذاهب الأربعة أن أعيانهم طاهرة .

لأنه من المعلوم أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم .

ومع هذا فالنبى - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بغسل شئ مما أصابته أبدانهم ..

بل الثابت أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ من مزادة مشركة وأكل من طعام اليهود .

.

وأطعم هو وأصحابه وفداً من الكفار ولم يأمر بغسل الأوانى التى أكلوا وشربوا وروى الإِمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن مسعود قال : كنا نغزو مع رسول الله ، فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا .

.3- اختلف الفقهاء فى المراد بالمسجد الحرام فى قوله - تعالى - ( فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا .

.

.

) .فقال ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء : المراد به الحرم كله فيشمل المسجد الحرام ومكة ، لأن المسجد الحرام حيث أطلق فى القرآن فالمراد به الحرم كله .

وعليه فالكافر يمنع من دخول الحرم كله .

.ويرى الشافعى أن المراد المسجد الحرام بخصوصه أخذا بظاهر اللفظ .قال القرطبى : وقال الشافعى : الآية فى سائر المشركين ، خاصة فى المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهود والنصرانى فى سائر المساجد .ويرى الإِمام مالك أن المراد المسجد الحرام بالنص وبقية المساجد تقاس عليه ، لأن العلة - وهى النجاسة - موجودة فى المشركين ، والحرمة موجودة فى كل مسجد .وعليه فلا يجوز تمكينهم لا من المسجد الحرام ولا من غيره من المساجد .ويرى الأحناف أن المراد بالمسجد الحرم كله ، إلا أن النهى هنا ليس منصباً على دخوله وإنما هو منصب على المنع من الحج والعمرة .

ومن الحج إليه أى : لا تمكنوا - أيها المؤمنون - المشركين من الطواف بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا .قال الآلوسى : ويؤيده قوله - تعالى - ( لْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ) ، فإن تقييد النهى يدل على اختصاص المنهى عنه بوقت من اوقات العام .

أى : لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسعة من الهجرة .

.

ويدل عليه نداء على - كرم الله وجهه - يوم نادى ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك ، وكذا قوله - سبحانه - ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) أى فقراً بسبب منعهم ، لما أنهم كانوا يأتون فى الموسم بالمتاجر ، فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم كما لا يخفى .ثم قال : والحاصل أن الإِمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل النهى عليه ، ولا يمنعون عنده من دخول المسجد الحرام ومن دخول سائر المساجد .4- قال القرطبى : فى هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب فى الرزق جائز ، وليس ذلك بمناف للتوكل ، وإن كان الرزق مقدراً ، ولكنه علقه بالأسباب لتظهر القلوب التى تتعلق بالأسباب ، من القلوب التى تتوكل على رب الأرباب وقد تقدم أن السبب لا ينافى التوكل ، ففى الحديث الذى أخرجه البخارى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال :" لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا " - أى : تغدو صباحا وهى جياع ، وتعود عشية وهى ممتلئة البطون - .هذا ، وبتدبير آيات السورة الكريمة - من أولها إلى هنا - نراها قد وضحت العلاقات النهائية بين المسلمين وعبدة الأوثان ، وفصلت كثيراً من الأحكام التى تخص الفريقين ، ومن ذلك أنها قررت :1- براءة الله ورسوله من عهود المشركين الذين مردوا على نقض المواثيق .2- إعطاؤهم مهلة مقدارها أربعة أشهر يتدبرون خلالها أمرهم ، دون أن يتعرض المسلمون لهم بسوء .3- إعلان الناس جميعاً يوم الحج الأكبر بهذه البراءة .

.4- أمر المؤمنين بإتمام مدة العهد لمن حافظ من المشركين على عهده .5- بيان ما يجب على المؤمنين فعله إذا ما انقضت أشهر الأمان التى أعطيت للمشركين .6- إرشاد المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم تأمين المشرك المستجير بهم حتى يسمع كلام الله ، ويطلع على حقيقة الإِسلام .

.

ثم توصيله إلى موضع أمنه إن لم يسلم .7- بيان الأسباب التى تدعو إلى قتال المشركين ، وإلى وجوب البراءة منهم .8- بيان بعض الحكم والأسرار التى من أجلها شرع الجهاد فى الإِسلام .9- بيان أن المشركين ليسوا أهلاً لعمارة مساجد الله .

.

وأن الذين هم أهل لذلك : المؤمنون الصادقون .10- توجيه المؤمنين إلى أن إيمانهم يحتم عليهم أن يؤثروا محبة الله ورسوله على أى شئ آخر ، من الآباء والأبناء والإِخوان .11- تذكيرهم بجانب من نعم الله عليهم حيث نصرهم فى مواطن كثيرة ونصرهم يوم غزوة حنين ، بعد أن هزموا فى أول المعركة دون أن تنفعهم كثرتم التى أعجبوا بها .12- نهيهم عن تمكين المشركين من قربان المسجد الحرام ، وإزالة الوساوس التى قد تخطر ببالهم بسبب هذا النهى ، بأن وعدهم - سبحانه - بأنه سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المكاسب التى تأتيهم عن طريق تبادل المنافع مع المشركين فى موسم الحج .هذه أهم الموضوعات التى تعرضت لها سورة التوبة فى ثمان وعشرين آية من أولها إلى هنا .

وهى موضوعات وضحت .

كما أسلفنا .

الأحكام النهائية فى علاقات المسلمين بالمشركين عبدة الأوثان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه هي الشبهة الثالثة التي وقعت في قلوب القوم، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما أمر علياً أن يقرأ على مشركي مكة، أول سورة براءة وينبذ إليهم عهدهم وأن الله برئ من المشركين ورسوله، قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة، وأجاب الله تعالى عنها بقوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ أي فقراً وحاجة ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ فهذا وجه النظم وهو حسن موافق.

المسألة الثانية: قال الأكثرون لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان.

وقال قوم: بل يتناول جميع الكفار وقد سبقت هذه المسألة، وصححنا هذا القول بالدلائل الكثيرة، والذي يفيد هاهنا التمسك بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ ومعلوم أنه باطل.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: النجس مصدر نجس نجساً وقذر قذراً، ومعناه ذو نجس.

وقال الليث: النجس الشيء القذر من الناس ومن كل شيء، ورجل نجس، وقوم أنجاس، ولغة أخرى رجل نجس وقوم نجس وفلان نجس ورجل نجس وامرأة نجس.

واختلفوا في تفسير كون المشرك نجساً نقل صاحب الكشاف عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ، وهذا هو قول الهادي من أئمة الزيدية، وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم.

واعلم أن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاساً فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصل، ولا يمكن ادعاء الإجماع فيه لما بينا أن الاختلاف فيه حاصل.

واحتج القاضي على طهارتهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم، وأيضاً لو كان جسمه نجساً لم يبدل ذلك بسبب الإسلام.

والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن القرآن أقوى من خبر الواحد، وأيضاً فبتقدير صحة الخبر وجب أن يعتقد أن حل الشرب من أوانيهم كان متقدماً على نزول هذه الآية وبيانه من وجهين: الأول: أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن وأيضاً كانت المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها الله تعالى، وكانت المعاهدات معهم حاصلة فأزالها الله، فلا يبعد أن يقال أيضاً الشرب من أوانيهم كان جائزاً فحرمه الله تعالى.

الثاني: أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان، فلو قلنا: إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان.

أما إذا قلنا: إنه كان حلالاً بحكم الأصل، والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل، ثم جاء التحريم بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة، فوجب أن يكون هذا أولى.

أما قول القاضي: لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الإسلام فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح، وأيضاً أن أصحاب هذا المذهب يقولون إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر، فهذا تقرير هذا القول، وأما جمهور الفقهاء فإنهم حكموا بكون الكافر طاهراً في جسمه، ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية على وجوه: الأول: قال ابن عباس وقتادة: معناه أنهم لا يغتسلون من الجنابة ولا يتوضؤن من الحدث.

الثاني: المراد أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب النفرة عنه.

الثالث: أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء.

واعلم أن كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل.

المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم: أعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية وبنوا عليه أن الماء المستعمل في الوضوء والجنابة نجس.

ثم روى أبو يوسف رحمه الله تعالى أنه نجس نجاسة خفيفة، وروى الحسن بن زياد: أنه نجس نجاسة غليظة، وروى محمد بن الحسن أن ذلك الماء طاهر.

واعلم أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ يدل على فساد هذا القول، لأن كلمة إنما للحصر، وهذا يقتضي أن لا نجس إلا المشرك، فالقول بأن أعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النص، والعجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس وفي أن المؤمن ليس بنجس، ثم إن قوماً ما قلبوا القضية وقالوا المشرك طاهر والمؤمن حال كونه محدثاً أو جنباً نجس، وزعموا أن المياه التي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة: والمياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة، وهذا من العجائب، ومما يؤكد القول بطهارة أعضاء المسلم قوله عليه السلام: «المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً» فصار هذا الخبر مطابقاً للقرآن، ثم الاعتبارات الحكمية طابقت القرآن، والأخبار في هذا الباب، لأن المسلمين أجمعوا على أن إنساناً لو حمل محدثاً في صلاته لم تبطل صلاته، ولو كانت يده رطبة فوصلت إلى يد محدث لم تنجس يده.

ولو عرق المحدث ووصلت تلك النداوة إلى ثوبه لم ينجس ذلك الثوب، فالقرآن والخبر والإجماع تطابقت على القول بطهارة أعضاء المحدث فكيف يمكن مخالفته، وشبهة المخالف أن الوضوء يسمى طهارة والطهارة لا تكون إلا بعد سبق النجاسة، وهذا ضعيف لأن الطهارة قد تستعمل في إزالة الأوزار والآثام، قال الله تعالى في صفة أهل البيت ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً  ﴾ وليست هذه الطهارة إلا عن الآثام والأوزار.

وقال في صفة مريم: ﴿ إِنَّ الله اصطفاك وَطَهَّرَكِ  ﴾ والمراد تطهيرها عن التهمة الفاسدة.

وإذا ثبت هذا فنقول: جاءت الأخبار الصحيحة في أن الوضوء تطهير الأعضاء عن الآثام والأوزار، فلما فسر الشارع كون الوضوء طهارة بهذا المعنى، فما الذي حملنا على مخالفته، والذهاب إلى شيء يبطل القرآن والأخبار والأحكام الإجماعية.

المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: الكفار يمنعون من المسجد الحرام خاصة، وعند مالك: يمنعون من كل المساجد، وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يمنعون من المسجد الحرام ولا من سائر المساجد، والآية بمنطوقها تبطل قول أبي حنيفة رحمه الله، وبمفهومها تبطل قول مالك، أو نقول الأصل عدم المنع، وخالفناه في المسجد الحرام لهذا النص الصريح القاطع، فوجب أن يبقى في غيره على وفق الأصل.

المسألة السادسة: اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام هل هو نفس المسجد أو المراد منه جميع الحرم؟

والأقرب هو هذا الثاني.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة، وإنما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم، وهذا استدلال حسن من الآية، ويتأكد هذا القول بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى  ﴾ مع أنهم أجمعوا على أنه إنما رفع الرسول عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانئ وأيضاً يتأكد هذا بما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب».

واعلم أن أصحابنا قالوا: الحرم حرام على المشركين ولو كان الإمام بمكة، فجاء رسول المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة، وإن دخل مشرك الحرم متوارياً فمرض فيه أخرجناه مريضاً، وإن مات ودفن ولم يعلم نبشناه وأخرجنا عظامه إذا أمكن.

المسألة السابعة: لا شبهة في أن المراد بقوله: ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ﴾ السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين، وهي السنة التاسعة من الهجرة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ والعيلة الفقر.

يقال: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، والمعنى: إن خفتم فقراً بسبب منع الكفار فسوف يغنيكم الله من فضله وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير هذا الفضل وجوهاً: الأول: قال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وحنين، وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله الحاجة إلى مبايعة الكفار.

والثاني: قال الحسن: جعل الله ما يوجد من الجزية بدلاً من ذلك.

وقيل: أغناهم بالفيء.

الثالث: قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر، وكثر خيرهم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فُسُوف يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة، وقد وقع الأمر مطابقاً لذلك الخبر فكان معجزة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن شَآءَ ﴾ ولسائل أن يسأل فيقول: الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة، وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود، وجوابه من وجوه: الأول: أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب، فيكون الإنسان أبداً متضرعاً إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات.

الثاني: أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب، كما في قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ  ﴾ الثالث: أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور، لأن إبراهيم عليه السلام قال في دعائه: ﴿ وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات  ﴾ وكلمة من تفيد التبعيض فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ إِن شَآءَ ﴾ المراد منه ذلك التبعيض.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي عليم بأحوالكم، وحكيم لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

النجس: مصدر، يقال: نجس نجساً، قذر قذراً.

ومعناه ذوو نجس؛ لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنّهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم.

أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في وصفهم بها.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.

وعن الحسن: من صافح مشركاً توضأ.

وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين.

وقرئ: ﴿ نجس ﴾ ، بكسر النون وسكون الجيم على تقدير حذف الموصوف، كأنه قيل: إنما المشركون جنس نجس، أو ضرب نجس، وأكثر ما جاء تابعاً لرجس وهو تخفيف نجس، نحو: كبد، في كبد ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام ﴾ فلا يحجوا ولا يعتمروا، كما كانوا يفعلون في الجاهلية ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ﴾ بعد حجّ عامهم هذا وهو عام تسع من الهجرة حين أمّر أبو بكر على الموسم، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ويدلّ عليه قول عليّ كرمّ الله وجهه حين نادى ببراءة: ألا لا يحجّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندهم.

وعند الشافعي: يمنعون من المسجد الحرام خاصة.

وعند مالك: يمنعون منه ومن غيره من المساجد.

وعن عطاء رضي الله عنه أن المراد بالمسجد الحرام: الحرم، وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه، وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحة ويعزلوا عن ذلك ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين من الحجّ وما كان لكم في قدومهم عليكم من الأرفاق والمكاسب ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ من عطائه أو من تفضله بوجه آخر، فأرسل السماء عليهم مدراراً، فأغزر بها خيرهم وأكثر ميرهم وأسلم أهل تبالة وجرش فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به، فكان ذلك أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال: من أين تأكلون؟

فأمرهم الله بقتال أهل الكتاب وأغناهم بالجزية.

وقيل: بفتح البلاد والغنائم.

وقرئ: ﴿ عائلة ﴾ ، بمعنى المصدر كالعافية، أو حالاً عائلة.

ومعنى قوله: ﴿ إِن شَاء ﴾ الله.

إن أوجبت الحكمة إغناءكم وكان مصلحة لكم في دينكم ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ ﴾ بأحوالكم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلاّ عن حكمة وصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ لِخُبْثِ باطِنِهِمْ أوْ لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يُجْتَنَبَ عَنْهم كَما يُجْتَنَبُ عَنِ الأنْجاسِ، أوْ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَتَجَنَّبُونَ عَنِ النَّجاساتِ فَهم مُلابِسُونَ لَها غالِبًا.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما الغالِبُ نَجاسَتُهُ نَجِسٌ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ.

وقُرِئَ « نِجْسٌ» بِالسُّكُونِ وكَسْرِ النُّونِ وهو كَكِبْدٍ في كَبِدٍ وأكْثَرُ ما جاءَ تابِعًا لِرِجْسٍ.

﴿ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ لِنَجاسَتِهِمْ، وإنَّما نَهى عَنِ الِاقْتِرابِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِلْمَنعِ عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ.

وقِيلَ المُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ لا عَنِ الدُّخُولِ مُطْلَقًا وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقاسَ مالِكٌ سائِرَ المَساجِدِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ في المَنعِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ.

﴿ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا ﴾ يَعْنِي سَنَةَ بَراءَةٍ وهي التّاسِعَةُ.

وَقِيلَ سَنَةَ حِجَّةِ الوَداعِ.

﴿ وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ مِنَ الحَرَمِ وانْقِطاعِ ما كانَ لَكم مِن قُدُومِهِمْ مِنَ المَكاسِبِ والأرْفاقِ.

﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِن عَطائِهِ أوْ تَفَضُّلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِأنْ أرْسَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا ووَفَّقَ أهْلَ تَبالَةَ وجَرْشٍ فَأسْلَمُوا وامْتارُوا لَهم، ثُمَّ فَتَحَ عَلَيْهِمُ البِلادَ والغَنائِمَ وتَوَجَّهَ إلَيْهِمُ النّاسُ مِن أقْطارِ الأرْضِ.

وقُرِئَ « عائِلَةٌ» عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ أوْ حالٌ.

﴿ إنْ شاءَ ﴾ قَيَّدَهُ بِالمَشِيئَةِ لِتَنْقَطِعَ الآمالُ إلى اللَّهِ تَعالى ولِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ في ذَلِكَ وأنَّ الغِنى المَوْعُودَ يَكُونُ لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ وفي عامٍ دُونَ عامٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بِأحْوالِكم.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما يُعْطِي ويَمْنَعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ} أي ذوو نجس وهو مصدر يقال نجس نجسا وقذر وقذرا لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها {فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام} فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية {بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} وهو عام تسع من الهجرة

التوبة (٢٨ _ ٣٠)

حين أمر أبو بكر رضى الله عنه على الموسم ويكون المراد من نهي القربان النهى عن الحج والعمرة وهو من مذهبنا ولا يمنعون دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندنا وعند الشافعى رحمه الله يمنعون عن المسجد الحرام خاصة وعند مالك يمنعون منه ومن غيره وقيل نهى المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} أي فقراً بسبب منع المشركين عن الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الإرفاق والمكاسب {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ} من الغنائم أو المطر والنبات أو من متاجر حجيج

الإسلام {إِن شَاءَ} هو تعليم لتعليق الأمور بمشيئة الله تعالى لتنقطع الآمال إليه {إِنَّ الله عَلِيمٌ} بأحوالكم {حَكِيمٌ} في تحقيق آمالكم أو عليم بمصالح العباد حكيم فيما تحكم وأراد ونزل في أهل الكتاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ أخْبَرَ عَنْهم بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالِغَةِ كَأنَّهم عَيْنُ النَّجاسَةِ، أوِ المُرادُ ذَوُو نَجَسٍ لِخُبْثِ بَواطِنِهِمْ وفَسادِ عَقائِدِهِمْ أوْ لِأنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَّجَسِ أوْ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ فَهي مُلابَسَةٌ لَهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( ﴿ نَجَسٌ ﴾ ) صِفَةً مُشَبَّهَةً وإلَيْهِ ذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ، ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ مُفْرِدٍ لَفْظًا مَجْمُوعٍ مَعْنًى لِيَصِحَّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ الجَمْعِ أيْ جِنْسُ نَجَسٍ ونَحْوُهُ، وتَخْرِيجُ الآيَةِ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ لِلذُّكُورَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلى أنَّ أعْيانَ المُشْرِكِينَ طاهِرَةٌ ولا فَرْقَ بَيْنَ عَبَدَةِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ مِن أصْنافِ الكُفّارِ في ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ والخَنازِيرِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ أوْ لِيَغْسِلْ كَفَّيْهِ» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَأبى أنْ يَتَناوَلَها فَقالَ: يا جِبْرِيلُ ما مَنَعَكَ أنْ تَأْخُذَ بِيَدِي؟

فَقالَ: إنَّكَ أخَذْتَ بِيَدِ يَهُودِيٍّ فَكَرِهْتُ أنْ تَمَسَّ يَدِي يَدًا قَدْ مَسَّتْها يَدُ كافِرٍ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِماءٍ فَتَوَضَّأ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَتَناوَلَها» وإلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مالَ الإمامُ الرّازِيُّ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، قِيلَ: وعَلى ذَلِكَ فَلا يَحِلُّ الشُّرْبُ مِن أوانِيهِمْ ولا مُؤاكَلَتُهم ولا لُبْسُ ثِيابِهِمْ لَكِنْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والسَّلَفِ خِلافُهُ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَهو مَنسُوخٌ بَعِيدٌ، والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، والِاسْتِدْلالُ عَلى طَهارَتِهِمْ بِأنَّ أعْيانَهم لَوْ كانَتْ نَجِسَةً ما أمْكَنَ بِالإيمانِ طَهارَتُها إذْ لا يُعْقَلُ كَوْنُ الإيمانِ مُطَهِّرًا، ألا تَرى أنَّ الخِنْزِيرَ لَوْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لا يُطَهَّرُ، وإنَّما يُطَهَّرُ نَجَسُ العَيْنِ بِالِاسْتِحالَةِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى ذَلِكَ، وعَيْنُ الكافِرِ لَمْ تَسْتَحِلَّ بِالإيمانِ عَيْنًا أُخْرى لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ ظَنَّهُ مَن تَهُولُهُ القَعْقَعَةُ شَيْئًا، لِأنَّ الطَّهارَةَ والنَّجاسَةَ أمْرانِ تابِعانِ لِما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَتا مَرْبُوطَتَيْنِ بِالِاسْتِحالَةِ وعَدَمِها، فَإذا فُهِمَ مِنهُ نَجاسَةُ شَيْءٍ في وقْتٍ وطَهارَتُهُ في وقْتٍ آخَرَ أوْ ما بِالعَكْسِ كَما في الخَمْرِ اتُّبِعَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ اسْتِحالَةٌ وذَلِكَ ظاهِرٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ ( أنْجاسٌ ) عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( نِجْسٌ ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو تَخْفِيفُ نَجَسٍ كَكِبْدٍ في كَبَدٍ، ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مَوْصُوفٌ كَما قَرَّرْناهُ آنِفًا فِيما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وأكْثَرُ ما جاءَ هَذا اللَّفْظُ تابِعًا لِرِجْسٍ، وقَوْلُ الفَرّاءِ وتَبِعَهُ الحَرِيرِيُّ في دُرَّتِهِ إنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ بِغَيْرِ اتِّباعٍ تَرُدُّهُ هَذِهِ القِراءَةُ إذْ لا اتِّباعَ فِيها ﴿ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى نَجاسَتِهِمْ والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ إلّا أنَّهُ نُهِيَ عَنِ القُرْبِ لِلْمُبالَغَةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والنَّحّاسُ عَنْ عَطاءٍ أنَّهم نُهُوا عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ كُلِّهِ فَيَكُونُ المَنعُ مِن قُرْبِ نَفْسِ المَسْجِدِ عَلى ظاهِرِهِ، وبِالظّاهِرِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذْ صَرَفَ المَنعُ عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ إلى المَنعِ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا ﴾ فَإنَّ تَقْيِيدَ النَّهْيِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِوَقْتٍ مِن أوْقاتِ العامِ أيْ: لا يَحُجُّوا ولا يَعْتَمِرُوا بَعْدَ حَجِّ عامِهِمْ هَذا وهو عامُ تِسْعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ حِينَ أُمِّرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى المَوْسِمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ نِداءُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَوْمَ نادى بِبَراءَةَ ألا لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ أيْ فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ لَمّا أنَّهم كانُوا يَأْتُونَ في المَوْسِمِ بِالمَتاجِرِ فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ إذا مُنِعُوا مِن دُخُولِ الحَرَمِ كَما لا يَخْفى.

والحاصِلُ أنَّ الإمامَ الأعْظَمَ يَقُولُ بِالمَنعِ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ ويَحْمِلُ النَّهْيَ عَلَيْهِ ولا يَمْنَعُونَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَهُ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، ومالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما قالَ الخازِنُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْكافِرِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْتَأْمَنًا أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَلَوْ جاءَ رَسُولٌ مِن دارِ الكُفْرِ والإمامُ فِيهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ في دُخُولِهِ بَلْ يَخْرُجُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أوْ يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يَسْمَعُ رِسالَتَهُ خارِجَهُ، ويَجُوزُ دُخُولُهُ سائِرَ المَساجِدِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وعَنْ مالِكٍ: كُلُّ المَساجِدِ سَواءٌ في مَنعِ الكافِرِ عَنْ دُخُولِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في الآيَةِ إنَّما هو عَنْ تَوَلِّي المَسْجِدَ الحَرامَ والقِيامَ بِمَصالِحِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والظّاهِرُ النَّهْيُ عَلى ما عَلِمْتَ، وكَوْنُ العِلَّةِ فِيهِ نَجاسَتَهم إنْ لَمْ نَقُلْ بِأنَّها ذاتِيَّةٌ لا يَقْتَضِي جَوازَ الفِعْلِ مِمَّنِ اغْتَسَلَ ولَبِسَ ثِيابًا طاهِرَةً لِأنَّ خُصُوصَ العِلَّةِ لا يُخَصِّصُ الحُكْمَ كَما في الِاسْتِبْراءِ، والكَلامُ عَلى حَدٍّ- لا أُرِينَكَ هُنا - فَهو كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِمّا ذُكِرَ بِدَلِيلِ أنَّ ما قَبْلُ وما بَعْدُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ حَيْثُ إنَّهم نُهُوا فِيهِ والنَّهْيُ مِنَ الأحْكامِ، وكَوْنُهم لا يَنْزَجِرُونَ بِهِ لا يَضُرُّ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَعْنى مُخاطَبَتِهِمْ بِها.

يُرْوى أنَّهُ لَمّا جاءَ النَّهْيُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا وبِالمَتاعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ: عَطائِهِ أوْ تَفْضِيلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ ( فَمَن ) عَلى الأوَّلِ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ وعَلى الثّانِي سَبَبِيَّةٌ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ بِأنْ أرْسَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا ووَفَّقَ أهْلَ نَجْدٍ وتُبالَةَ وجُرَشَ فَأسْلَمُوا وحَمَلُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ، ثُمَّ فَتَحَ عَلَيْهِمُ البِلادَ والغَنائِمَ وتَوَجَّهَ إلَيْهِمُ النّاسُ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ الفَضْلَ بِالجِزْيَةِ، ويُؤَيَّدُ بِأنَّ الأمْرَ الآتِيَ شاهِدٌ لَهُ وما ذَكَرْناهُ أوْلى وأمْرُ الشَّهادَةِ هَيِّنٌ وقُرِئَ ( عائِلَةً ) عَلى أنَّهُ إمّا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ أوِ اسْمُ فاعِلٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ مُقَدَّرٍ أيْ حالًا عائِلَةً أيْ مُفْتَقِرَةً، وتَقْيِيدُ الإغْناءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ شاءَ ﴾ لَيْسَ لِلتَّرَدُّدِ لِيُشْكِلَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ وسَبَبَ النُّزُولِ، بَلْ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ لا سَبَبَ لَهُ غَيْرُها حَتّى يَنْقَطِعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ويَقْطَعُوا النَّظَرَ عَنْ غَيْرِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَفَضِّلٌ بِذَلِكَ الإغْناءِ لا واجِبَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِالإيجابِ لَمْ يُوكَلْ إلى المَشِيئَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ لَأنَّ الإغْناءَ لَيْسَ مُطَّرِدًا بِحَسَبِ الأفْرادِ والأحْوالِ والأوْقاتِ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بِأحْوالِكم ومَصالِحِكم ( ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ) فِيما يُعْطِي ويَمْنَعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، يعني: قذر ورجس، ولم يقل أنجاس، لأن النَّجَس مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا فهذه الآية من الآيات التي قرأها عليهم علي بن أبي طالب بمكة، يعني: لا يدخلوا أرض مكة، وقال مقاتل: يعني: الحرم كله، وقال مالك بن أنس: لا يجوز للكفار أن يدخلوا المساجد، لأن الله تعالى قال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ كما أن الجنب لا يجوز له أن يدخل المسجد.

وقال الزهري: له أن يدخل جميع المساجد إلا المسجد الحرام، وهو قول الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة  وأصحابه: يجوز للذمي أن يدخل جميع المساجد، لأن الكفار كانوا يدخلون مسجد المدينة إذا قدموا وافدين من قومهم.

وهذه الآية نزلت في شأن أهل الحرب: إنهم لا يدخلون المسجد الحرام بغير أمان، ولا يكون لهم ولاية البيت.

وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «لا يدخلون المسجد الحرام إلا بإذن أو عهد» .

ثم قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، يعني: حاجة وفقراً.

وقال الزجاج: العيلة الفقر، كما قال الشاعر: وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاه ...

وَلاَ يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ ثم قال: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي من رزقه وذلك أنه لما منع المشركون من مكة، قال أناس من التجار لأهل مكة: من أين تأكلون؟

فنزل وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، يعني: من رزقه، ففرحوا بذلك، فأسلم أهل جدة وصنف من أهل اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة من البر والبحر، وأغناهم الله بذلك، يعني: أغناهم عن تجار الكفار بالمؤمنين.

ثم قال: إِنْ شاءَ، يعني: يدوم لكم بمشيئة الله.

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ في أمره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وهزم اللَّهُ المشركين، وأَعْلَى كلمةَ الإِسلام إِلى يَوْمِ الدينِ، قال يَعْلَى بن عطاءٍ: فحدَّثني أبناءُ المنهزمين عَنْ آبائهم، قالوا: لم يَبْقَ منَّا أحَدٌ إِلا دخَلَ عينيه مِنْ ذلك التُّرَابِ واستيعابُ هذه القصة في كتب «السِّيَر» .

ومُدْبِرِينَ: نصب على الحال المؤكِّدة كقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [البقرة:

٩١] ، والمؤكِّدة هي التي يدلُّ ما قبلها عليها كدلالة التولِّي على الإِدبار.

وقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ...

الآية: السكينةُ: النَّصْر الذي سَكَنَتْ إِليه ومعه النفُوسُ، والجنودُ: الملائكةُ، والرُّعْبُ قال أبو حاجز يزيدُ بنُ عامرٍ: كان في أجوافنا مثلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ من الرُّعْبِ، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: بالقتل والأسْرِ، وروَى أبو داود، عن سهل بن الحَنْظَلِيَّة «١» أنهم سَارُوا مَعَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ حُنَيْنٍ، فأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عشِيَّةً، فحضرت الصّلاة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي انطلقت بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حتى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِم بظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ، وشِيَاهِهِمْ، اجتمعوا إِلَى حُنَيْنٍ، فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «تلك غنيمة المسلين غَداً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ...

» الحديثَ.

انتهى «٢» ، فكانوا كذلك غنيمة بحمد الله، كما أخبر صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، قال ابن عباس وغيره:

معنى الشِّرْكَ هو الذي نَجَّسهم كنجاسة الخَمْر «١» ، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على المُشْرِكِينَ، وعلى المَسْجِد الحرام، فقاسَ مالكٌ رحمه اللَّه وغيره جَميعَ الكُفَّار من أهْلِ الكتاب وغيرهم على المشركين، وقَاسَ سائرَ المساجِدِ على المَسْجِدِ الحرامِ، وَمَنَعَ مِنْ دخولِ الجميعِ في جميعِ المساجدِ، وقوَّةُ قوله سبحانه: فَلا يَقْرَبُوا يقتضي أمْرَ المسلمين بمَنْعهم.

وقوله: بَعْدَ عامِهِمْ هذا، يريد: بعد عامِ تِسْعٍ من الهجرة، وهو عَامُ حَجَّ أبو بَكْرٍ بالنَّاس.

وقوله سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، أي: فقْراً، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وكان المسلمون، لَمَّا مُنِعَ المشركون من المَوْسِم، وهم كانوا يجلبون الأطعمةَ والتجاراتِ، قَذَفَ الشيطان في نفوسهم الخَوْفَ من الفَقْر، وقالوا: مِنْ أيْنَ نعيش؟

فوعَدَهم اللَّه سبحانه بأنْ يغنيهم مِنْ فَضْله، فكان الأمر كما وعد اللَّه سبحانه، فأسلَمَتِ العربُ، فتمادَى حجُّهم وتَجْرُهم، وأغنى اللَّه من فضله بالجهادِ والظهورِ على الأُمَمِ.

وقوله سبحانه: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ/ ...

الآية: هذه الآيةُ تضمَّنت قتالَ أهْلَ الكتاب، قال مجاهد: وعند نزول هذه الآية أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غَزْوَ الرُّومِ، ومشَى نحو تَبُوكَ، ونفَى سبحانه عن أَهل الكتاب الإِيمان باللَّه واليوم الآخر حيث تركوا شَرْعَ الإِسلام وأَيضاً فكانَتِ اعتقاداتهم غيْرَ مستقيمةٍ، لأنهم تشعّبوا، وقالوا عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، واللَّهُ ثالِثُ ثلاثةٍ، وغَيْرَ ذلك ولهم أيضاً في البعث آراءٌ فاسدةٌ كشراءِ منازِلِ الجنَّة من الرُّهْبَانِ إِلى غير ذلك من الهَذَيان، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، أي: لا يطيعون، ولا يمتثلون ومنْه قولُ عائشة: «مَا عَقَلْتُ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ» ، والدِّينُ هنا: الشريعةُ، قال ابن القاسِمِ وأشْهَبُ وسَحْنُون: وتؤخذ الجزيةُ منْ مجوس العربِ والأمم كلِّها، وأما عَبَدة الأَوثان والنِّيران وغيرِ ذلك، فجمهور العلماء على قبولِ الجزيةِ منهم، وهو قولُ مالكٍ في «المدوَّنة» .

وقال الشافعيُّ وأبو ثور: لا تؤخذ الجزيةُ إِلا مِنَ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ فقطْ، وأما قَدْرها في مذْهَب مالك وغيره، فأربعةُ دنَانِير عَلَى أهْلِ الذَّهَبِ، وأربعون درْهماً عَلَى أَهْل الفضَّة، وهذا في العَنْوة، وأما الصُّلْح، فهو ما صالحوا عَلَيْه، قليلٌ أو كثيرٌ.

وقوله: عَنْ يَدٍ يحتمل وجوها:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: قَذَرٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لَكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَقْذَرٍ: نَجِسٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: لا تَكادُ العَرَبُ تَقُولُ: نَجَسٌ، إلّا وقَبْلَها رِجْسٌ، فَإذا أفْرَدُوها قالُوا: نَجَسٌ.

وَفِي المُرادِ بِكَوْنِهِمْ نَجِسًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أنْجاسُ الأبْدانِ، كالكَلْبِ والخِنْزِيرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مَن صافَحَهم فَلْيَتَوَضَّأْ.

والثّانِي: أنَّهم كالأنْجاسِ لَتَرْكِهِمْ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن غُسْلِ الجَنابَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ أبْدانُهم أنْجاسًا، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ عَلَيْنا اجْتِنابُهم، كَما تُجْتَنَبُ الأنْجاسُ، صارُوا بِحُكْمِ الِاجْتِنابِ كالأنْجاسِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّحِيحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: يُرِيدُ جَمِيعَ الحَرَمِ.

(بَعْدَ عامِهِمْ هَذا) وهو سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وهي السَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيها أبُو بَكْرٍ وقُرِئَتْ (بَراءَةٌ) .

وقَدْ أخَذَ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِظاهِرِ الآَيَةِ، وأنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ دُخُولُ الحَرَمِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيُّ.

واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ في دُخُولِهِمْ غَيْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ المَساجِدِ، فَرُوِيَ عَنْهُ المَنعُ أيْضًا إلّا لَحاجَةٍ، كالحَرَمِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.

ورُوِيَ عَنْهُ جَوازُ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لَهم دُخُولُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وسائِرِ المَساجِدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "عايِلَةً" .

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا ﴾ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا؟

وكانُوا يَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالتِّجارَةِ فَنَزَلَتْ ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً.

.

﴾ الآَيَةُ.

قالَ الأخْفَشُ: العَيْلَةُ الفَقْرُ.

يُقالُ: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً: إذا افْتَقَرَ.

وأعالَ إعالَةً فَهو يُعِيلُ: إذا صارَ صاحِبَ عِيالٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَيْلَةُ هاهُنا مَصْدَرُ عالَ فَلانٌ: إذا افْتَقَرَ وأنْشَدَ: وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: "وَإنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لَلشَّرْطِ، وهو الأظْهَرُ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى "وَإذْ"، قالَهُ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ.

قالُوا: وإنَّما خافَ المُسْلِمُونَ الفَقْرَ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْمِلُونَ التِّجاراتِ إلَيْهِمْ، ويَجِيئُونَ بِالطَّعامِ وغَيْرِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ عِنْدَ انْقِطاعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم، فَكَثُرَ خَيْرُهم، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ أغْناهم بِالجِزْيَةِ المَأْخُوذَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ نَجْدٍ، وجَرْشٍ، وأهْلَ صَنْعاءَ أسْلَمُوا، فَحَمَلُوا الطَّعامَ إلى مَكَّةَ عَلى الظَّهْرِ، فَأغْناهُمُ اللهُ بِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُكم، (حَكِيمٌ) فِيما حَكَمَ في المُشْرِكِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنْ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ، وغَيْرُهُما: صِفَةُ المُشْرِكِ بِالنَجَسِ إنَّما كانَتْ لِأنَّهُ جُنُبٌ، إذْ غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ لَيْسَ بِغُسْلٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: بَلْ مَعْنى الشِرْكِ هو الَّذِي نَجَّسَهُ كَنَجاسَةِ الخَمْرِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَن قالَ: "بِسَبَبِ الجَنابَةِ" أوجَبَ الغُسْلَ عَلى مَن يُسَلِّمُ مِنَ المُشْرِكِينَ، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ لَمْ يُوجِبِ الغُسْلَ، والمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلى القَوْلِ بِإيجابِ الغُسْلِ إلّا ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ فَإنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِواجِبٍ.

وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ: "نِجْسٌ" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ الجِيمِ.

وَنَصَّ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقاسَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ جَمِيعَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، وقاسَ سائِرَ المَساجِدِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَنَعَ مِن دُخُولِ الجَمِيعِ في جَمِيعِ المَساجِدِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى عُمّالِهِ، ونَزَعَ في كِتابِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ  ﴾ ، وقالَ الشافِعِيُّ: هي عامَّةٌ في الكُفّارِ خاصَّةً في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَصارى والوَثَنِيِّينَ في سائِرِ المَساجِدِ، ومِن حُجَّتِهِ حَدِيثُ رَبْطِ ثُمامَةَ بْنِ أثالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ " هي خاصَّةٌ في عَبَدَةِ الأوثانِ وفي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَصارى في المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ، ودُخُولَ عَبَدَةِ الأوثانِ في سائِرِ المَساجِدِ، وقالَ عَطاءٌ: وصْفُ المَسْجِدِ بِالحَرامِ ومَنعُ القُرْبِ يَقْتَضِي مَنعَهم مِن جَمِيعِ الحَرَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقُوَّةُ قَوْلِهِ: ﴿ فَلا يَقْرَبُوا ﴾ تَقْتَضِي أمْرَ المُسْلِمِينَ بِمَنعِهِمْ، «وَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وقَتادَةُ: لا يَقْرَبُ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ إلّا أنْ يَكُونَ صاحِبَ جِزْيَةٍ أو عَبْدًا لِمُسْلِمٍ،» وعَبَدَةُ الأوثانِ مُشْرِكُونَ بِإجْماعٍ.

واخْتُلِفَ في أهْلِ الكِتابِ فَمَذْهَبُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ أنَّهم مُشْرِكُونَ، وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، وفائِدَةُ هَذا الخِلافِ تَتَبَيَّنُ في فِقْهِ مَناكِحِهِمْ وذَبائِحِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا ﴾ يُرِيدُ: بَعْدَ عامِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو عامَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ بِالناسِ وأذَّنَ عَلِيٌّ بِسُورَةِ بَراءَةٍ.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ قالَ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: المَعْنى: وإذْ خِفْتُمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ، والمَعْنى بارِعٌ بِـ "وَإنْ"، وكانَ المُسْلِمُونَ لَمّا -مُنِعَ المُشْرِكُونَ مِنَ المَوْسِمِ وهم كانُوا يَجْلِبُونَ الأطْعِمَةَ والتِجاراتِ- قَذَفَ الشَيْطانُ في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ، وقالُوا: مِن أيْنَ نَعِيشُ؟

فَوَعَدَهُمُ اللهُ بِأنْ يُغْنِيَهم مِن فَضْلِهِ، قالَ الضَحّاكُ: فَفَتَحَ عَلَيْهِمْ بابَ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الذِمَّةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم صاغِرُونَ  ﴾ ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أغْناهم بِإدْرارِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأسْلَمَتِ العَرَبُ فَتَمادى حَجُّهم وتَجْرُهم وأغْنى اللهُ مِن فَضْلِهِ بِالجِهادِ والظُهُورِ عَلى الأُمَمِ.

والعَيْلَةُ: الفَقْرُ، يُقالُ: عالَ الرَجُلُ يَعِيلُ عَيْلَةً إذا افْتَقَرَ، قالَ الشاعِرُ: وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ وقَرَأ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، "عائِلَةً" وهو مَصْدَرٌ كالقائِلَةِ مِن قالَ يَقِيلُ، وكالعاقِبَةِ والعافِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نَعْتًا لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "حالًا عائِلَةً"، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يُقالُ: "عالَ يَعُولُ" إذا افْتَقَرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الذين ءامنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ﴾ .

استئناف ابتدائي للرجوع إلى غرض إقصاء المشركين عن المسجد الحرام المفاد بقوله: ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ [التوبة: 17] الآية، جيء به لتأكيد الأمر بإبعادهم عن المسجد الحرام مع تعليله بعلّة أخرى تقتضي إبعادهم عنه: وهي أنّهم نجس، فقد علّل فيما مضى بأنّهم شاهدون على أنفسهم بالكُفر، فليسوا أهلاً لتعمير المسجد المبني للتوحيد، وعلّل هنا بأنّهم نجس فلا يعمروا المسجد لطهارته.

و ﴿ نجس ﴾ صفة مشبهة، اسم للشيء الذي النجاسة صفة ملازمة له، وقد أنيط وصف النجاسة بهم بصفة الإشراك، فعلمنا أنّها نجاسة معنوية نفسانية وليست نجاسة ذاتية.

والنجاسة المعنوية: هي اعتبار صاحب وصف من الأوصاف محقّراً متجنَّباً من الناس فلا يكون أهلاً لفضل ما دام متلبّساً بالصفة التي جعلته كذلك، فالمشرك نجَس لأجل عقيدة إشراكه، وقد يكون جسده نظيفاً مطيّباً لا يستقذر، وقد يكون مع ذلك مستقذرَ الجسد ملطخاً بالنجاسات لأنّ دينه لا يطلب منه التطهّر، ولكن تنظّفهم يختلف باختلاف عوائدهم وبيئتهم.

والمقصود من هذا الوصف لهم في الإسلام تحقيرهم وتبعيدهم عن مجامع الخير، ولا شكّ أنّ خباثة الاعتقاد أدنى بصاحبها إلى التحقير من قذارة الذات، ولذلك أوجب الغسل على المشرك إذا أسلم انخلاعاً عن تلك القذارة المعنوية بالطهارة الحسّيّة لإزالة خباثة نفسه، وإنّ طهارة الحدث لقريب من هذا.

وقد فرّع على نجاستهم بالشرك المنع من أن يقربوا المسجد الحرام، أي المنع من حضور موسم الحجّ بعد عامهم هذا.

والإشارة إلى العام الذي نزلت فيه الآية وهو عام تسعة من الهجرة، فقد حضر المشركون موسم الحجّ فيه وأعلن لهم فيه أنّهم لا يعودون إلى الحجّ بعد ذلك العام، وإنّما أمهلوا إلى بقية العام لأنّهم قد حصَلوا في الموسم، والرجوع إلى آفاقهم متفاوت «فأريد من العام موسم الحجّ، وإلاّ فإنّ نهاية العام بانسلاخ ذي الحجّة وهم قد أمهلوا إلى نهاية المحرم بقوله تعالى: ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ [التوبة: 2].

وإضافة (العام) إلى ضمير (هم) لمزيد اختصاصهم بحكم هائل في ذلك العام كقول أبي الطيب: فإن كان أعجبكم عامكم *** فعودوا إلى مصر في القابل وصيغة الحصر في قوله: ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ لإفادة نفي التردّد في اعتبارهم نجساً، فهو للمبالغة في اتّصافهم بالنجاسة حتّى كأنّهم لا وصف لهم إلاّ النجسية.

ووصف (العام) باسم الإشارة لزيادة تمييزه وبيانه.

وقوله: ﴿ فلا يقربوا المسجد ﴾ ظاهره نهي للمشركين عن القرب من المسجد الحرام.

ومواجهةُ المؤمنين بذلك تقتضي نهي المسلمين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام.

جعل النهي عن صورة نهي المشركين عن ذلك مبالغة في نهي المؤمنين حين جُعلوا مكلّفين بانكفاف المشركين عن الاقتراب من المسجد الحرام من باب قول العرب: «لا أرينّك ههنا» فليس النهي للمشركين على ظاهره.

والمقصود من النهي عن اقترابهم من المسجد الحرام النهي عن حضورهم الحج لأنّ مناسك الحجّ كلّها تتقدّمها زيارة المسجد الحرام وتعقبها كذلك، ولذلك لمّا نزلت «براءة» أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينادَى في الموسم أن لا يحجّ بعد العام مشرك وقرينة ذلك توقيت ابتداء النهي بما بعد عامهم الحاضر.

فدلّ على أنّ النهي منظور فيه إلى عمل يكمل مع اقتراب اكتمال العام وذلك هو الحجّ.

ولولا إرادة ذلك لما كان في توقيت النهي عن اقتراب المسجد بانتهاء العام حكمة ولكان النهي على الفور.

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

عطف على جملة النهي.

والمقصود من هذه الجملة: وعد المؤمنين بأن يغنيهم الله عن المنافع التي تأتيهم من المشركين حين كانوا يفدون إلى الحجّ فينفقون ويهدُون الهدايا فتعود منهم منافع على أهل مكة وما حولها، وقد أصبح أهلها مسلمين فلا جرم أن ما يرد إليها من رزق يعود على المؤمنين.

والعَيْلة: الاحتياج والفقر أي إنْ خطر في نفوسكم خوف الفقر من انقطاع الإمداد عنكم بمنع قبائِل كثيرة من الحجّ فإنّ الله سيغنيكم عن ذلك.

وقد أغناهم الله بأن هَدى للإسلام أهل تَبَالَة وجُرَش من بلاد اليمن، فأسلموا عقب ذلك، وكانت بلادهم بلاد خصب وزرع فحملوا إلى مكّة الطعام والمِيرة، وأسلم أيضاً أهل جُدَّة وبلدهم مرفأ ترد إليه الأقوات من مصر وغيرها، فحملوا الطعام إلى مكة، وأسلم أهل صنعاء من اليمن، وبلدهم تأتيه السفن من أقاليم كثيرة من الهند وغيرها.

وقوله: ﴿ إن شاء ﴾ يفتح لهم باب الرجاء مع التضرّع إلى الله في تحقيق وعده لأنّه يفعل ما يشاء.

وقوله: ﴿ إن الله عليم حكيم ﴾ تعليل لقوله: ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي أنّ الله يغنيكم لأنّه يعلم ما لكم من المنافع من وفادة القبائِل، فلمّا منعكم من تمكينهم من الحجّ لم يكن تاركاً منفعتكم فقَدر غناكم عنهم بوسائل أخرى عَلِمَها وأحكم تدبيرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَأهْلُ الكِتابِ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَكَيْفَ قالَ ذَلِكَ فِيهِمْ ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ إقْرارَهم بِاليَوْمِ الآخِرِ يُوجِبُ الإقْرارَ بِجَمِيعِ حُقُوقِهِ، فَكانُوا بِتَرْكِ الإقْرارِ بِحُقُوقِهِ كَمَن لا يُقِرُّ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ذَمَّهم ذَمَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ لِلْكُفْرِ بِنِعْمَتِهِ، وهم في الذَّمِّ بِالكُفْرِ كَغَيْرِهِمْ.

﴿ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَسْخِهِ مِن شَرائِعِهِمْ.

والثّانِي: ما أحَلَّهُ لَهم وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ ﴾ والحَقُّ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، وفي المُرادِ بِدِينِهِ في هَذا المَوْضِعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَمَلُ بِما في التَّوْراةِ مِنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: الدُّخُولُ في دِينِ الإسْلامِ لِأنَّهُ ناسِخٌ لِما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن آباءِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ.

الثّانِي: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ لِأنَّهُ في اتِّباعِهِ كَآبائِهِمْ.

﴿ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: حَتّى يَضْمَنُوا الجِزْيَةَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ لِأنَّهُ يَرى أنَّ الجِزْيَةَ تَجِبُ بِالقَضاءِ الحَوْلِ وتُؤْخَذُ مَعَهُ.

والثّانِي: حَتّى يَدْفَعُوا الجِزْيَةَ.

وَفي الجِزْيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الأسْماءِ المُجْمَلَةِ لا يُوَفَّقُ عَلى عِلْمِها إلّا بِالبَيانِ.

والثّانِي: أنَّها مِنَ الأسْماءِ العامَّةِ الَّتِي يَجِبُ إجْراؤُها عَلى عُمُومِها إلّا ما خُصَّ بِالدَّلِيلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَنْ غِنًى وقُدْرَةٍ.

والثّانِي: أنَّها مِن عَطاءٍ لا يُقابِلُهُ جَزاءٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنْ يَرَوْا أنَّ لَنا في أخْذِها مِنهم يَدًا عَلَيْهِمْ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ بِها.

والرّابِعُ: يُؤَدُّونَها بِأيْدِيهِمْ ولا يُنَفِّذُونَها مَعَ رُسُلِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ.

﴿ وَهم صاغِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يَكُونُوا قِيامًا والآخِذُ لَها جالِسًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنْ يَمْشُوا بِها وهم كارِهُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونُوا أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ دَفْعَها هو الصَّغارُ بِعَيْنِهِ.

والخامِسُ: أنَّ الصَّغارَ أنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أحْكامُ الإسْلامِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد عامي هذا أبداً إلا أهل العهد وخدمكم» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ أي أخباث ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه.

نادى علي رضي الله عنه بالأذان، وذلك لتسع سنين من الهجرة، وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع لم يحج قبلها ولا بعدها منذ هاجر، فلما نفى الله تعالى المشركين عن المسجد الحرام شق ذلك على المسلمين، فأنزل الله: ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ فأغناهم الله تعالى بهذا الخراج: الجزية الجارية عليهم يأخذونها شهراً شهراً وعاماً عاماً، فليس لأحد من المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم ذلك إلا صاحب الجزية أو عبد رجل من المسلمين.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يَتَّجِرون فيه، فلما نهوا عن أن يأتوا البيت قال المسلمون: فمن أين لنا الطعام؟

فأنزل الله: ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ﴾ قال: فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: من يأتينا بطعامنا وبالمتاع؟

فنزلت ﴿ وإن خفتم عيلة...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نفى الله تعالى إلى المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين فقال: من أين تأكلون وقد نفى المشركون وانقطعت عنكم العير؟

قال الله تعالى ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ﴾ فأمرهم بقتال أهل الكفر وأغناهم من فضله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: قال المؤمنون: قد كنا نصيب من متاجر المشركين.

فوعدهم الله تعالى أن يغنيهم من فضله عوضاً لهم بأن لا يقربوا المسجد الحرام، فهذه الآية من أول براءة في القراءة وفي آخرها التأويل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: لا يدخل الحرم كله مشرك، وتلا هذه الآية.

وأخرج عبد الرزاق والنحاس في ناسخه عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام ﴾ قال: يريد الحرم كله.

وفي لفظ: لا يدخل الحرم كله مشرك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ قال: الفاقة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ قال: أغناهم الله تعالى بالجزية الجارية.

وأخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي رضي الله عنه قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن يمنع أن يدخل اليهود والنصارى المساجد، وأتبع نهيه ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ فمن صافحهم فليتوضأ.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صافح مشركاً فليتوضأ، أو ليغسل كفيه» .

وأخرج ابن مردويه عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده قال: «استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، فناوله يده فأبى أن يتناولها فقال: يا جبريل ما منعك أن تأخذ بيدي؟!

فقال: إنك أخذت بيد يهودي فكرهت أن تمس يدي يداً قد مستها يد كافر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ، فناوله يده فتناولها» .

وأخرج ابن مردويه وسمويه في فوائده عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول صلى الله عليه وسلم أجل فأجله مدته» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: لا يدخل المسجد الحرام مشرك، ولا يؤدي مسلم جزية» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمر بن العزيز قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقى بأرض العرب دينان» .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج رضي الله عنه قال: «بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بأن لا يترك يهودي ولا نصراني بأرض الحجاز، وأن يمضي جيش أسامة إلى الشام، وأوصى بالقبط خيراً فإن لهم قرابة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه قال: اخرجوا المشركين من جزيرة العرب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: إن آخر كلام تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: «اخرجوا اليهود من أرض الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت لأخرجن المشركين من جزيرة العرب، فلما ولي عمر رضي الله عنه أخرجهم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ الآية، قال الفراء: "لا تكاد العرب تقول: نجس إلا وقبلها رجس، فإذا أفردوا قالوا: نجس لا غير، ولا يجمع ولا يؤنث، وهو مثل دنف (١) (٢) وقال الليث: "النجس: الشيء القذر من الناس ومن كل شيء (٣) (٤) (٥) ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ أي أخباث أنجاس.

قال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد لا يغتسلون من الجنابة، ولا يتوضؤون لله، ولا يصلون له" (٦) (٧) قال أهل العلم وأصحاب (٨) (٩) ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ أي: ليسوا من أهل الطهارة وإن لم تكن عليه (١٠) (١١) ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ  ﴾ (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴾ [قال المفسرون: "أراد منعهم من دخول الحرم وذلك أنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام" (١٣) (١٤) وقال بعضهم: "المراد بالمسجد الحرام: الحرم" (١٥) ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ وإنما رفع من بيت أم هانئ (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ ، قال قتادة: "يعني عام حج بالناس أبو بكر، وتلا علي سورة براءة" (١٩) (٢٠) (٢١) فأما الكلام في حكم هذه الآية: فروى جابر عن النبي -  - قال (٢٢) (٢٣) قال أصحابنا (٢٤)  ساعة من نهار، فإن بدؤنا فيها بالقتال حلت المدافعة، فأما من وجب عليه القصاص أو الحد فلاذ بالحرم (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨)  - "لئن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٢٩)  - بوصية رسول الله -  -، ويجوز لهم الاجتياز بشرط ألا يقيم المجتاز [في موضع] (٣٠) (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ العيلة: الفقر، يقال (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: يتفضل عليكم بما هو أوسع وأكثر" (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) ﴿ إِنْ شَاءَ ﴾ قال أهل المعاني: "شرط المشيئة في الغنى (٤٤) (٤٥) ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: "عليم بما يصلحكم، حكيم فيما حكم في المشركين" (٤٦) (١) الدنَف (بفتح النون): (المرض الملازم، وبكسرها: المريض الذي براه المرض حتى أضفى على الموت.

"لسان العرب" (دنف) 3/ 1432.

(٢) "معاني القرآن" 1/ 430.

(٣) في "تهذيب اللغة": ومن كل شيء قذرته، وفي كتاب "العين": وكل شيء قذرته فهو نجس.

(٤) يعني في الكملة أخرى باعتباره مصدرًا فلا يثنى ولا يؤنث ولا يجمع.

(٥) "تهذيب اللغة" (نجس) 4/ 3519 - 3520، ونحوه مختصرًا في كتاب "العين" (نجس) 6/ 55.

(٦) ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 488، والرازي في "تفسيره" 16/ 25.

(٧) رواه البغوي 4/ 31، ورواه مختصرًا عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/271، وابن جرير 10/ 105، وابن أبي حاتم 6/ 1775.

(٨) في (ح): (إلى أصحاب)، وهو خطأ بين.

(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 92 أ، والبغوي 4/ 31، وابن الجوزي 3/ 417، وأحكام القرآن للهراسي 4/ 36، و"أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 913، و"تفسير ابن كثير" 2/ 382.

(١٠) أي على أحدهم.

(١١) ساقط من (ح).

(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 307.

(١٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 105، والثعلبي 6/ 92 أ.

(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٥) هذا قول ابن عباس وسعيد بن جير ومجاهد وعطاء وابن شهاب كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1776، ورواه ابن جرير 10/ 105، والثعلبي 6/ 92 أعن عطاء.

(١٦) هي: أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب، بنت عم النبي -  - وأخت علي أمير المؤمنين -  -، اسمها فاختة، وقيل: فاطمة، وقيل: هند، لها أحاديث في الكتب الستة، وتوفيت بعد سنة 50 هـ.

انظر: "الكاشف" 2/ 528، و"الإصابة" 4/ 503.

(١٧) رفع النبي -  - من بيت أم هانئ رواه الطبراني في الكبير 24/ 432، 434، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 246: "فيه عبد الأعلي بن أبي المشاور، متروك كذاب" اهـ.

ورواه أيضاً ابن جرير 15/ 2 (طبعة الحلبي) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن السائب الكلبي، والكلبي متهم بالكذب.

(١٨) رواه ابن جرير 10/ 105، والثعلبي 6/ 92 أ.

(١٩) رواه ابن جرير 10/ 106، وابن أبي حاتم 6/ 1776، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 408.

(٢٠) "الوجيز" 6/ 453 وفيه نظر إذ أن الثابت أن المشركين لم ينهوا عن الحج إلا في السنة التاسعة، كما في "صحيح البخاري" (4655)، كتاب: التفسير، سورة براءة، باب: قوله "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر".

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 441.

(٢٢) (قال) ساقط من (ى).

(٢٣) ذكره الثعلبي 6/ 92 أبدون سند، ورواه بمعناه أحمد في "المسند" 3/ 392، وابن أبي حاتم 6/ 1776 ولفظهما: "لا يدخل المسجد الحرام" وفي سنده ثلاث علل: أ- أشعث بن سوار الكندي، قال في "تقريب التهذيب" ص 113 (524): (ضعيف).

ب- شريك بن عبد الله، قال في التقريب ص 266 (2787): (صدوق يخطئ).

ج- عنعنة الحسن البصري، وهو مدلس كما في إتحاف ذوي الرسوخ (ص 22).

(٢٤) يعني الشافعية: انظر "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 258، وبعض القول في "الأم" (4/ 252، 253، 413).

(٢٥) ساقط من (ح).

(٢٦) في (م): (لا يصير)، وهو خطأ.

(٢٧) ذهب المحققون من العلماء إلى التفريق بين الجاني في الحرم وبين الجاني في الحل ثم لاذ بالحرم فالأول يقام عليه الحد والثاني لا يقام عليه الحد؛ بل الحرم يعيذه ويحميه، قال الإمام ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 444: "وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث، وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم"، ثم ساق ابن القيم أدلة الفريقين، وفند أدلة القول المرجوح، وبين الفرق بين الجاني في الحرم واللاجيء إليه، فانظره هناك فإنه بحث قيم.

(٢٨) يعني الشافعية، انظر: "الأم" (4/ 413، 414).

(٢٩) رواه بنحوه مسلم في (1767)، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأبو داود (3039)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب، والترمذي (1606)، كتاب السير، باب في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأحمد في "المسند" 1/ 32.

(٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣١) رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب أهل الكتاب، باب لا يدخل مشرك المدينة رقم (9977) 6/ 51، وانظر "المغني" 13/ 244.

(٣٢) انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 257، والشافعي -رحمه الله- إنما فسر بذلك الحجاز، ونص عبارته: "وإن سأل من تؤخذ منه الجزية أن يعطيها == ويجري عليه الحكم على أن يسكن الحجاز لم يكن ذلك له، والحجاز: مكة والمدينة واليمامة مخاليف كلها" كتاب "الأم" 4/ 251، ثم قال في الصفحة التالية بعد أن بين أن اليمن ليست بحجاز: فأما سائر البلدان -ما خلا الحجاز- فلا بأس أن يصالحوا على المقام بها".

وفي"تهذيب اللغة" (جزر) 1/ 596: "جزيرة العرب: محالها، سميت جزبرة لأن البحرين بحر فارس، وبحر السودان أحاطا بجانبيها، وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات، وهي أرض العرب ومعدنها".

(٣٣) (يقال) ساقط من (ح).

(٣٤) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 191.

(٣٥) رواه بمعناه ابن جرير 10/ 108، وابن أبي حاتم 6/ 1777، وهو في "تفسير مجاهد" ص 367.

(٣٦) "تفسير مقاتل" ص 128 أبمعناه.

(٣٧) رواه بمعناه ابن جرير 10/ 108، وابن أبي حاتم 6/ 1777، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 408.

(٣٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 105 - 109، وابن أبي حاتم 6/ 1777، و"الدر المنثور" 3/ 408 - 410.

(٣٩) المير: جمع ميرة، وهي جلب الطعام.

انظر: "لسان العرب" (مير) 7/ 4306.

(٤٠) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 488.

(٤١) جرش: مدينة في اليمن وفي الأردن، انظر: "معجم البلدان" 2/ 127، والمراد بها هنا التي باليمن؛ لأن أهلها أسلموا في عهد رسول الله -  - أما بلاد الأردن والشام فلم تفتح إلا في عهد أبي بكر وعمر.

(٤٢) ذكره عنه الثعلبي 6/ 92 ب، وهو في "تفسير مقاتل" 128 أبلفظ: "فكفاهم الله ما كانوا يتخوفون فأسلم أهل نجد وجرش وأهل صنعاء فحملوا الطعام".

(٤٣) رواه عنهما ابن جرير 10/ 107 - 108، وابن أبي حاتم 6/ 1777.

(٤٤) في (ى): (المعنى).

(٤٥) في (ج): (المعنى).

(٤٦) ذكره ابن الجوزي في"زاد المسير" 3/ 418، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 488.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ قيل: إن نجاستهم بكفرهم وقيل: بالجنابة ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام ﴾ نص على منع المشركين، وهم عبدة الأوثان من المسجد الحرام، فأجمع العلماء على ذلك، وقاس مالك على المشركين جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وقاس على المسجد الحرام سائر المساجد، فمنع جميع الكفار من جميع المساجد، وجعلها الشافعي عامة في الكفار خاصة بالمسجد الحرام، فمنع جميع الكفار دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح لهم دخول غيره.

وقصرها أبو حنيفة على موضع النص؛ فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح لهم دخول سائر المساجد وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ﴾ يريد عام تسعة من الهجرة حين حج أبو بكر بالناس، وقرأ عليهم عليّ سورة براءة ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ أي فقراً، كان المشركون يجلبون الأطعمة إلى مكة، فخاف الناس قلة القوت بها إذ منع المشركون منها، فوعده الله بأن يغنيهم من فضله، فأسلمت العرب كلها وتمادى جلب الأطعمة إلى مكة ثم فتح الله سائر الأمصار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسجد الله ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: على الجمع ﴿ يبشرهم ﴾ خفيفاً: حمزة ﴿ وعشيراتكم ﴾ على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة ﴿ وضاقت ﴾ ونحو ممالة: حمزة ﴿ رحبت ثم ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ بالكفر ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه لئلا يشتبه بالوصف ﴿ وأنفسهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "الذين" ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الإيمان ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ لا لعطف الظرف على الظرف ﴿ حنين ﴾ لا لأن "إذ" ظرف ﴿ نصركم ﴾ .

﴿ مدبرين ﴾ ه ج للآية والعطف.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج ﴿ إن شاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها.

قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي  له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال علي  ألكم محاسن؟

فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم ﴿ ما كان للمشركين ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿ أن يعمروا مسٰجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام.

ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد.

قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً.

وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات.

وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه  كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد.

وقوله ﴿ شاهدين على أنفسهم ﴾ حال من الواو في ﴿ يعمروا ﴾ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به.

وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟

قال: نصراني.

واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن.

وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".

وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر.

وإنما جاز هذا التفسير لقوله  ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ ثم بيّن  ما هو الحق في هذا الباب فقال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة.

ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه.

وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث: "المصلي يناجي ربه" .

وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره  .

وقيل: دل عليه بقوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ لأنهما معلومتان من أفعاله  ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة.

ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد.

ثم قال ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له.

فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة.

فقد روي عن النبي  أنه قال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وعنه  : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" وقال صلى الله عليه وآله: قال الله  : "إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره" ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح.

فعن أنس عن النبي  : "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه" .

وفي قوله ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟

وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ.

هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب.

وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد.

ثم إنه قال ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر.

قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله ﴿ كمن آمن ﴾ وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج.

وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل.

وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله ﴿ أولئك أعظم درجة ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة.

وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله  فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج.

وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام.

وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله  وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله  فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية.

ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه.

وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها.

وقال عليّ  : ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت.

وعن ابن سيرين: قال عليّ  للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي  ؟

فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية.

فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا.

فقال النبي  : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً" .

والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟

ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ ثم صرح بالمفضول فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله  .

وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري.

وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم.

ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: ﴿ أعظم درجة ﴾ وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة.

وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ .

أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر.

أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة.

ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر.

وفي قوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف عظيم لقوله ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ﴾ وكذا في قوله ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم.

ثم فسر الفوز بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة.

وقوله ﴿ لهم فيها نعيم ﴾ إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات.

ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها ﴿ مقيم ﴾ وثانيها ﴿ خالدين ﴾ وثالثها ﴿ أبداً ﴾ وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به.

وقوله ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية.

وقوله ﴿ جنات ﴾ إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها.

ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ثم أكد المعاني المذكورة بقوله ﴿ الله عنده أجر عظيم ﴾ وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى.

قال الكلبي: لما أمر رسول الله  الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ الآيتين.

وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟

فذكر الله  أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر.

ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة.

ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك.

وعن النبي  : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس" .

وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم..

فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ الآية.

فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك.

وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم.

قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه.

ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع.

ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.

قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه.

والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه.

والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن  أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿ فتربصوا ﴾ انتظروا بما تحبون ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة.

وقيل: يعني القتال.

وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد.

ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله  يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر.

ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها.

وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد.

والمواطن الكثيرة غزوات الرسول  وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي يوم حنين.

واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين  قال علي: أن الواجب أن يكون يوم ﴿ حنين ﴾ منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ بدل من ﴿ يوم حنين ﴾ فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر".

قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً.

وحنين وداً بين مكة والطائف.

قال المفسرون: لما فتح رسول الله  مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.

واختلفوا في عدد عسكر رسول الله  حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً.

وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله  .

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.

وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة.

فهذه الكلمة ساءت رسول الله  وهي المراد من قوله ﴿ إذ أعجبتكم ﴾ وقيل: قالها أبو بكر.

وقيل: رسول الله  وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.

ثم قال ﴿ فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي انهزمتم انهزاماً.

قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله  ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله  دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب *** وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله  بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله  ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله  حين وقع الهرب.

﴿ وأنزل الله جنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات.

وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا.

واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا.

وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري.

واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله ﴿ وعذب ﴾ على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله  ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا  ﴾ قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه.

وأجابت الشافعية بأنه قال  في هذه الآية ﴿ ذلك ﴾ أي الأخذ والأسر ﴿ جزاء الكافرين ﴾ سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ.

أما قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك ﴾ أي يسلم ناس منهم.

"روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.

قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم.

قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً.

فقام رسول الله  فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً.

فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.

قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا.

فرفعت إليه  العرفاء أن قد رضوا" .

ثم إنه  أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً  حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس.

وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس.

قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف.

واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.

وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية.

وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه  شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي  في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.

وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص.

وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه.

وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك.

وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوهراجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله.

ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم.

وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك.

وقيل:أغناهم من الفيء.

وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم.

واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً.

ومعنى ﴿ إن شاء ﴾ تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عليم ﴾ أي بأحوالكم ﴿ حكيم ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.

التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة ﴿ أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى.

﴿ حبط أعمالهم ﴾ التي صدرت عنهم رياء وسمعة ﴿ إنما يعمر ﴾ القلوب ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية.

﴿ سقاية الحاج ﴾ خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة ﴿ وعمارة المسجد الحرام ﴾ الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ الطالبون والبطالون ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي القلوب المؤمنة ﴿ وهاجروا ﴾ أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب ﴿ وجاهدوا في سبيل الله ﴾ الجهاد الأكبر ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ ببذل الموجود والوجود جميعاً ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره ﴿ لا تتخذوا آباءكم ﴾ الآيتان.

فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة ﴿ وأنزل جنوداً ﴾ من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ﴿ ذلك جزاء الكافرين ﴾ أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلكالعلاج بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ، ﴿ إنما المشركون ﴾ النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى ﴿ فلا يقربوا ﴾ القلب ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس ﴿ فسوف يغنيكم الله ﴾ بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية ﴿ إن الله عليم ﴾ بمستحقي فضله ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من قتال النفوس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: النهي عن دخول المسجد الحرام نفسه.

وعندنا أن النهي عن دخول المسجد الحرام نهي عن دخول مكة نفسها للحج وإقامة العبادات؛ دليله وجوه: أحدها: قوله: ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ولو كان لدخول المسجد، لكان ذلك العام أحق عن المنع في دخوله من غيره.

والثاني: [قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

والثالث: قوله: "ألا لا يحجن بعد العام مشرك" .

وفي آخر الآية دلالة ذلك؛ لأنه قال:] ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وخوف العيلة إنما يكون عن دخول مكة؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه، لكان لا خوف عليهم في ذلك؛ لأنهم يحضرون ويدخلون مكة للتجارة، فلا خوف عليهم في ذلك.

أو أن يقال: إنه ذكر المسجد الحرام؛ لما أنهم كانوا يقصدون البيت والحج به، فيكون النهي عن دخول المسجد نهياً عن الحج نفسه، وهو ما روي في الخبر أنه بعث عليّاً في الموسم بأربع، وأمره أن ينادي في الناس ألا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدته، فإذا مضت مدته [فإن الله] برئ من المشركين ورسوله، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك.

فالنهي الذي ورد عن دخول المسجد إنما هو نهي عن الحج نفسه، لأن البيت هو الذي يقصد إليه فيه.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ...

﴾ الآية [آل عمران: 97]، وقال: ﴿ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ...

﴾ الآية [البقرة: 158]، وقال: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، [الحج: 29] ذكر البيت، وهو المقصود بالحج في الإسلام والكفر جميعاً؛ فعلى ذلك خرج النهي، لكنه ذكر المسجد؛ لما أن البيت فيه.

فإذا كان ما ذكرنا: فإن شئت فاجعل آخر الآية تفسير أولها، وهو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وهو ما ذكرنا أن النهي لو كان لدخول المسجد نفسه دون غيره من البقعة، لكان ليس [عليهم] خوف العيلة؛ لأنهم يدخلون مكة، ويتجرون فيها، ولا يدخلون المسجد.

وإن شئت فاجعل أول الآية تفسير آخرها، وهو قوله: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ وهو ما ذكرنا.

فإذا كان ما ذكرنا، دل أن المشرك لا يدخل المسجد الحرام، وخبر علي بن أبي طالب -  - [أيضاً] يدل على ذلك، فأما من كان من أهل الذمة والعبيد منهم: فليسوا - والله أعلم - بداخلين في الآية إذا كانوا ممن لا يحج.

فإن قيل: فقد روي عن علي بن أبي طالب -  - أنه نادى: ألا لا يدخل الحرم مشرك، ولم يذكر الحج.

قيل: له روي عنه أنه قال: ناديت ألا يحج بعد العام مشرك؛ فيكون قوله: لا يدخل الحرم مشرك؛ على الحج؛ على ما ذكرنا.

وقد روي عن رسول الله  [أنه رخص في دخول المسجد للعبيد والإماء، وروي عن جابر بن عبد الله عن النبي  ] قال: "لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا، إلا أن يكون عبداً أو أمة" .

يحتمل استثناء العبد والأمة؛ لأن العبد لا يدخل للحج ولإقامة العبادة، إنما يدخل لخدمة المولى إذا كان مسلماً.

وفي بعض الأخبار: "أو أحداً من أهل الذمة" وعن جابر بن عبد الله موقوفاً كذلك: "أو أحداً من أهل الذمة" وفيه دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: "أن لا بأس للكافر أن يدخل المسجد"، وقال: أرأيت لو أراد أن يسمع كلام الله ليؤمن فيمنع عن ذلك، ويؤمر المُستمعُ إتيان ذلك المشرك فيسمع كلامه، فيكون الآمر إبلاغ المأمن لذلك المشرك الإمام دل أنه لا بأس لذلك.

وقد ذكرنا أن ليس في ظاهر الآية دلالة النهي عن دخول المسجد؛ بل المراد من ذكر المسجد ما ذكرنا من الحج وإقامة العبادة لغير الله.

ألا ترى إلى قول الله: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ  ﴾ وأن سبيل مكة كلها هذا السبيل، وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ  ﴾ والحرم كله منحر؛ إلا أن المعنى في ذلك - والله أعلم - ما ذكرنا ألا يدخل المشركون حجاجاً؛ ألا ترى أنا نعلم أن المشركين لم يزالوا مقيمين في الحرم بعد النداء، ولم يخلو عنه.

ومما يدل على ذلك - أيضاً - قول الله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ  ﴾ فإن كان يعني به موضع العهد، فإن ذلك العهد يوم الحديبية عند الشجرة، فقد صار ذلك الموضع من المسجد الحرام، وهو في المسافة بعيد منه، [وإن كان يعني به] الذين عوهدوا، فإنهم كانوا يوم نادى علي -  - فذلك خارج من مكة؛ لأن أهل مكة قد كانوا [أسلموا] قبل ذلك حين فتحها النبي، فحاضري المسجد الحرام [هم من كان نازلاً] خارج مكة في الحرم وما حوله.

وقوله: "ولا يقرب المسجد الحرام مشرك".

يخرج على وجوه: [أحدها]: لا تدعوهم يقربوا المسجد الحرام.

والثاني: قولوا لهم: لا تقربوا المسجد الحرام.

والثالث: على البشارة؛ أي: إذا قلتم لهم ذلك فلا يقربوا بعد ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ أي: أفعال المشركين نجس، والعبادات التي يأتون فيها نجس، وهو ما ذكر حيث قال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ ، صير عمل الشيطان رجساً؛ فعلى ذلك العبادات التي يقيمونها نجسة، فالنهي عن الحج نهي عن إقامة العبادات لغير الله؛ لأن تلك البقعة نزهت عن إقامة العبادة لغير الله.

ثم اختلف في قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ قال بعضهم: هو نجس الأفعال.

وقال بعضهم: هو نجس الأحوال.

والأشبه أن يكون نجس الأفعال؛ لأن قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ يخرج مخرج الذم، ولا يحتمل أن يذموا ويشتموا بنجاسة الأحوال؛ دل أنه إنما لحقهم ذلك الذم بما اكتسبوا من الأفعال الذميمة، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ رجس نجس؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ ، أي: نجسة الأفعال؛ لأن ذلك من كسبهم، فاستوجبوا المذمة لكسبهم، وأما الأحوال فلا صنع لهم فيها.

وقوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

قيل: خافوا من العيلة لما نُفي المشركون من مكة؛ لأن معايش أهل مكة إنما كانت من الآفاق، وبأهل الآفاق كانت سعتهم وتجارتهم، لكن الله وعدهم السعة والغنى بقوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ ﴾ ، قال بعضهم: دل قوله: ﴿ إِن شَآءَ ﴾ على أنه إنما وعدهم الإغناء في بعض الأوقات.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِن شَآءَ ﴾ كان من رسول الله؛ لأنه أمر رسوله أن يعدهم الإغناء، وهو مأمور أن يستثني في جميع ما يعده؛ بقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ ﴾ : بهؤلاء الذين نفوا عنه؛ لأنه حبب إليهم التجارة والمكاسب وما ينالون الأرباح بها يحملهم ذلك على الإسلام فيسلمون، فيدخلون فيها يحملهم حب التجارة على الإسلام، فيكون لهم بهم غنى، كما كان يحملهم حب التجارة والربح على الهجرة، وقوله: ﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا  ﴾ فعلى ذلك الأول.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : الجزية التي ذكرها في الآية التي تتلو هذه.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ .

بما أضمروا من خوف العيلة أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما لهم وعليهم، وممن يكون لهم الغنى.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ في أمره وحكمه.

وفي قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه معلوم أنهم أضمروا ذلك في أنفسهم، ثم أخبرهم رسول الله بذلك؛ دل أنهم علموا أنه إنما عرف ذلك بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ الآية.

ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، أخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؛ [و] هم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر فما المعنى منه؟!

قيل: هم وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله له ولد كما ذكره على أثره، وهو قوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ فالإيمان بإله له ولد ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين، وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة، فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به.

أو أن يقال: إنهم وإن أقروا بما ذكرنا وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء أحلها الله لهم، ومن آمن بالكتب كلها والرسل ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم، فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له.

وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ \[إلى آخر\] الآية.

فإن قال لنا ملحد: إنكم تقاتلون الكفرة للكفر، ثم إذا أعطوكم شيئاً من المال تركتم مقاتلتهم، فلو كان قتالكم إياهم لذلك لا لطمع في الدنيا، لكنتم لا تتركون مقاتلتهم لشيء يبذلونكم، وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه، لكان النساء في ذلك والرجال سواء؛ إذ هم في الكفر شرعاً سواء.

وقالوا: لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا، وهو حكمة، والآمر بذلك حكيم لكان الناس جميعاً في ذلك سواء، ولا تتركون أحداً لشيء من ذلك؛ بل يقاتلون أبداً ولا ترضون منهم غيره.

فيقال لهم: إنا لن نقاتل الكفرة للكفر، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا إلى ذلك [وإلا قتلناهم] ليضطرهم القتل إلى الإسلام [لهذا ما نقاتلهم لشيء سواه فإذا كان في آخذ الجزية] معنى ما [ندعوهم إلى الإسلام]، فإذا قبلوا ذلك تركناهم على ذلك؛ لعلهم يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا؛ لا أنا تركناهم رغبة فيما نأخذ منهم أو طمعاً في ذلك.

وأصله المحنة؛ إذ الدار دار المحنة، ليست بدار الجزاء، والمحنة تكون بمختلف الأشياء لا يجوز تلفها؛ مرة يمتحنهم بالقتال، ومرة بأخذ الأموال، ومرة بالشدائد؛ كقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ونحو ذلك، فإذا كان ذلك محنة لا جزاءً جاز ذلك، وكان ذلك حكمة.

وأما قولهم بأنا نقاتل الرجال ولا نقاتل النساء ونسترقهن؛ لأنهن أتباع الرجال في جميع الأحوال وخدم لهم، فإذا أسلموا أسلمن؛ هذا معروف فيما بينهم؛ إذ هن في أيدي الرجال يفعلون بهن ما شاءوا، وأصله ما ذكرنا أن القتال محنة، ليس هو جزاء الكفر؛ إذ الدار دار محنة، فله أن يمتحن بعضاً بالقتل، وبعضاً بأخذ المال، وبعضاً لا بذا ولا ذاك، ولو كان جزاء لسوى بينهم، [و] هو التخليد في النار أبداً.

فإن قيل: ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة إذا كانوا أهل الكتاب أو المجوس، وترك الأخذ من مشركي العرب؟.

قيل: لوجوه: أحدها: أن ليس لمشركي العرب دين يدينون به يقاتلون عن ذلك الدين، ولا لهم أصل يعتمدون عليه، أو كتاب يكلون إليه، إنما هم قوم يقاتلون عن قبائلهم، ويتناصرون بهم، ولغيرهم من الكفرة دين يدينون به، وأصل يعتمدون عليه، ويحاجون الناس بالحجاج التي لهم؛ فإذا كان كذلك، أمكن إقامة الحجج على هؤلاء، وإلزام البراهين، ولا كذلك مشركو العرب؛ إذ لا دين لهم ينسبون إليه، ولا مذهب يدعون غيرهم إليه بالحجاج، وأمكن في غيرهم؛ لذلك افترقا، والله أعلم بذلك.

والثاني: أنهم تمنوا أن يكون لهم رسول من جنسهم يتبعونه فيما يدعوهم إليه، ونذير يجيبونه، حتى أقسموا على ذلك، وأكدوا القول في ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ الآية [الأنعام: 109]، ولم يكن من غيرهم من الكفرة ما كان منهم؛ فإذا كان كذلك فهم يقاتلون أبداً حتى يوفوا ما وعدوا؛ كقوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

والثالث: لفضل رسول الله؛ إذ كان منهم ومن جنسهم، فلا يترك أحد في تلك البقعة على غير دينه.

وأمكن أن يكون وجه آخر: وهو أن مشركي العرب في حد القليل أمكن المقاتلة معهم والقيام لهم؛ فلا يرضى منهم إلا الإسلام، وأما غيرهم من الكفرة في بقاع مختلفة: فهم كثير، إذا اجتمعوا لم يكن في وسع أهل الإسلام القيام لهم والقتال معهم، فيلحق المسلمين في ذلك ضرر بين؛ لذلك كان ما ذكر.

وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ...

﴾ الآية.

قد ذكرنا أنهم وإن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند أنفسهم أنهم - في الحقيقة - غير مؤمنين؛ لأن شرط إيمانهم الإيمان بالرسل جميعاً والكتب أجمع، فهم قد تركوا الإيمان ببعض الرسل، وببعض الكتب، ومن كفر برسول من الرسل، أو بكتاب من الكتب، أو بحرف منها - كان كافراً بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .

يحتمل أنهم لا يحرمون تحريف الكتاب وكتمان نعت رسول الله، والله حرم ذلك عليهم.

أو لا يحرمون عبادة الأوثان، والله ورسوله يحرم ذلك.

أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الخمر والخنزير وغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

وهو الإسلام؛ لأنه دين توجبه العقول كلها، وتشهد به خلقة الخلائق كلها.

أو أن يقول: لا يدينون دين الذي له الحق، إنما يدينون بدين الذي لا حق له، وهو دين الشيطان، وهو ما يدعوهم إلى عبادة الأصنام، فيجيبونه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ ﴾ ، أي: يقبلوها، لا على الإعطاء نفسه، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ هو على القبول لها، لا على الفعل نفسه.

ويحتمل: نفس الإعطاء، وهو - والله أعلم - لما جعلت الجزية لحقن الدماء، فتقدم؛ لتحقن بها الدماء.

وقوله: ﴿ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ عَن يَدٍ ﴾ ، أي: لا يؤخر قبضها عن وقت قبولها؛ بل تؤخذ يداً بيد، [وقال بعضهم: عن يد] أي: عن قهر وغلبة.

وقيل: ﴿ عَن يَدٍ ﴾ ، أي: عن طوع وطيب.

وقيل: عن جماعتهم.

لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة.

وقوله: ﴿ صَاغِرُونَ ﴾ قيل: ذليلون، وهو من الذل؛ يقال: صغر الرجل يصغر صغاراً، فهو صاغر، أي: ذل؛ فهو ذليل.

وقيل: ﴿ صَاغِرُونَ ﴾ \[أي\]: مذمومون.

وعن ابن عباس -  -: يمشون بها متبلين.

وأصله: الذلة، وهو الخضوع - والله أعلم - الذلة التي ذكر الله في قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ  ﴾ ، فإذا قبلوا ذلك، فقد أذعنوا بالذل والصغار.

وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية، أما اليهود والنصارى: فلا خلاف بين أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية، أخذت منه وأقر على دينه.

وأمّا المجوس: فإنه تؤخذ منهم الجزية؛ لما روي عن عمر -  - أنه قال: ما أدري ما أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين، ولا من أهل الكتاب قال عبد الرحمن بن عوف: أشهد أني سمعت رسول الله  يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وفي بعض الروايات: "أشهد أن رسول الله  أخذ الجزية من مجوس هجر" .

وعن علي أن أبا بكر وعمر أخذا الجزية من المجوس.

وقال علي ابن أبي طالب: أنا أعلم الناس بهم، كانوا أهل كتاب يقرءونه، وأهل علم يدرسونه، فنزع ذلك من صدورهم.

وعن أبي رزين عن أبي موسى قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها.

وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: كتب النبي  إلى المنذر: "من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا - فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، ومن أحبّ ذلك من المجوس فهو آمن، ومن أبى فعليه الجزية" [وفي بعض الروايات: "استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، له ما لنا، وعليه ما علينا، ومن ترك ذلك فعليه الجزية." وعلى ذلك مضت الأئمة، ولم ينكر أحد من السلف، حتى قال قوم في المجوس: إنما أخذت منهم الجزية؛ لأنهم أهل كتاب، فأحلوا ذبائحهم ونساءهم، وذهبوا إلى ما روي عن علي.

وقال آخرون: ليسوا من أهل كتاب، ولكن الجزية تؤخذ منهم؛ اتباعاً لقول رسول الله  : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم" ، وما روي عن الصحابة وأئمة الهدى.

ثم المسألة في تقدير الجزية: روي في بعض الأخبار عن رسول الله  أنه بعث معاذاً إلى اليمن، فقال له: "خذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافريا" وروي عن عمر -  - أنه بعث عثمان بن حنيف إلى السواد، وأمره أن يضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهماً، وأبعة وعشرين درهماً، واثني عشر درهماً.

وفي بعض الروايات أنه ضرب على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً [وجعل] مع ذلك إرزافاً للمسلمين، وضيافة ثلاثة أيام.

وأصحابنا يجعلونهم ثلاث طبقات: أغنياء، وأوساطاً، وفقراء، فيأخذون من الغني الموسر ثمانية وأربعين درهماً، ومن الوسط أربعة وعشرين درهماً، و من الفقير المحترف اثني عشر درهماً.

وفي بعض الأخبار: أربعين درهماً وأربعة دنانير، وضيافة ثلاثة أيام وعشرين درهماً وديناراً، وهو ما ذكرنا ثمانية وأربعين بغير الضيافة وغير المؤنة.

وما روي من أربعين درهماً أو أربعة دنانير مع الضيافة والرزق الذي ذكر في الخبر، وهذا من عمر بحضرة المهاجرين والأنصار، فلم يأت عن أحد منهم النكير عليه ولا الردّ، فهو كالاتفاق منهم على ذلك.

ثم لا يحتمل أن يكون عمر قدر ذلك التقدير رأياً منه؛ لأن المقدرات والمحدودات سبيل معرفتها التوقيف والسمع، لا العقل؛ فهو كالمسموع عن رسول الله  .

وما روي من حديث معاذ حين أمره النبي -  - أن يأخذ من أهل اليمن من كل حالم ديناراً، فذلك يحتمل أن يكون أمر بذلك؛ لما كانوا أهل ضعف وفقر، على ما روي عن عمر في الضعفاء من أهل مصر والشام، وليس هو الحدّ الذي لا يلزم أكثر من ذلك؛ لما ذكرنا أن عمر ألزم المياسير أكثر من دينار، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة؛ فدل فعلهم على ما وصفناه.

ثم المسألة في تمييز أصحاب الطبقات بين الموسر الغني، وبين الوسط والفقير.

قال بعضهم: الفقير: من يحترف وليس له مال تجب في مثله الزكاة على المسلمين، وهم الفقراء المحترفون، فمن كانت له أقل من مائتي درهم فهو من أهل هذه الطبقة، والطبقة [الثانية]: أن يبلغ مال الرجل مائتي درهم.

فقال بعضهم: إذا بلغ ماله أربعة آلاف درهم وزاد عليها، صار من أهل الطبقة الثالثة، واحتجوا بقول علي بن أبي طالب -  - وابن عمر؛ حيث قالا: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما فوق ذلك كنز.

وقد يجوز أن يجعل الطبقة الثانية من ملك مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم، وما زاد على ذلك يجعل من الطبقة الثالثة؛ لحديث روي عن رسول الله  برواية أبي هريرة قال: "من ترك عشرة آلاف درهم، جعلت صفائح يعذب بها يوم القيامة" ثم في قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ دلالة على أن الجزية إنما تؤخذ ممن يجب أن يقاتل إن لم يبذلها، والنساء والصبيان [لا يقاتلون] ولا يقتلن إن ظهر بهم، فلا يجب أن توضع عليهم الجزية بدليل الكتاب؛ إذ كان الله إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن يقاتل، وكذلك فعل عمر والأئمة بعده.

روي أن عمر -  - كتب إلى أمراء الجيوش: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، ولا تقتلوا الصبيان والنساء، ولا تقتلوا إلا من جرت عليه المواسي.

وكتب إلى عماله: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان.

وفي بعض الروايات أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألا تأخذوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، قال: والجزية أربعون درهماً أو أربعة دنانير.

[و] في خبر معاذ دلالة لذلك؛ حيث قال: بعثني رسول الله  إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافريّاً.

بين معاذ أن رسول الله  أمره أن يأخذ ذلك من الرجال دون النساء والصبيان.

فإن قيل: روي عن معاذ: قال: أمرني رسول الله  أن آخذ من كل حالم وحالمة ديناراً.

وفي بعض الروايات عنه أنه قال: أن آخذ من كل حالم ذكراً أو أنثى ديناراً؛ فإن كان هذا مثبتاً محفوظاً، فهو دليل لما يؤخذ من نصارى بني تغلب، ويكون حكم نساء العرب من أهل الكتاب فيما يؤخذ منهم خلاف نساء العجم منهم.

أو أن يقال: إنه غير محفوظ؛ لما عمل الأمة بخلافه؛ لأن الوفاق قد جرى على أن لا جزية على النساء، ولو كان محفوظاً لظهر العمل به.

أو أن يكون قوله: "خذ من كل حالم [وحالمة] ديناراً"، أي: خذ منهما ديناراً ولا تأخذ من كل واحد ديناراً؛ كقوله: "لكل سهو سجدتان لا يلزمه أكثر من ذلك" ثم نذكر مسألة ليس في الآية ذكرها، وهي أن الجزية إذا ضربت، فدخلت سنة أخرى قبل أن يؤديها - أخذت منه للسنة الثانية، ولم تؤخذ للسنة الأولى الماضية، ليس كسائر الديون؛ [لأن مجوسيّاً لو أسلم بعد مضي السنة لم يطالب بجزية العام الماضي، فلو كانت كسائر الديون لطولب بها المسلم كما يطالب بمال يكون عليه إذا أسلم أو بقي على مجوسيته، فلما لم يطالب، دل أنه ليست كسائر الديون].

فإن قيل: أليس الخراج يطالب به من أخره من سنة إلى سنة؟!

قيل: ليست الجزية مثل الخراج؛ [لأن الخراج] يجب على المسلم في أرضه، فهو كسائر الديون.

فإن قيل: إن المجوسي إذا أسلم بعد مضي السنة، طولب بالجزية للسنة الماضية.

قيل: روي عن عمر أنه رفع الجزية بالإسلام، فقال: والله، إن في الإسلام لمعاذاً إن فعل ترفع عنه الجزية.

وروي في بعض الأخبار عن نبي الله  أنه قال: "ليس على مسلم جزية" ، فمن طالبه بالجزية بعد الإسلام، فقد خالف الخبر.

فإن قيل: إنما يزول عن المسلم ما كان عليه من الجزية في حال كفره؛ لأنه صار إلى حال لا يجوز أن توضع عليه ابتداء.

قيل: إن الذمي إذا اجتمع عليه الجزية سنتين، فصار إلى حال لا يجوز أن يلزم في الابتداء في مثلها أكثر من اثني عشر درهماً لفقره - لم يجز أن يلزم أكثر منها؛ لأنه جعل حكم مستدبر الجزية التي وجبت، فأسلم صاحبها حكم الابتداء في توظيف الجزية عليه، فوجب أن يجعل حكم مستدبر من أتت عليه سنتان حكم ابتدائه، وأصله أن الجزية إنما جعلت لحقن الدم، فإذا مضت سنة، صار دمه محقوناً في السنة الماضية؛ لذلك لم تؤخذ.

وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ إلى آخره.

تضمنت هذه الآية أحكاماً: منها الأمر بقتال من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، وهم يقرون بالأمرين، لكنه يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم مشبهة من تشبيههم الله بخلقه احتمل قولهم القول له بالولد؛ إذ الذين شهدوا من الخلائق على ذلك وجدوا بولد بعض من بعض، وإذا كان كذلك فهو غير مؤمن - في الحقيقة - بالله الذي هو الحق حتى يؤمنوا به، وأنه به تكون الآخرة دون الذي ادعوه.

والثاني: أن الذي جبل عليه الخلق هو تعظيم رسل الملوك وأجلتهم حتى يوجد من بر الرسل بين ملوك قد ظهرت بينهم العداوة، فلما كذبوا رسول الله  مع البراهين التي قد أعجزت الخلائق، وشهادة كتبهم به، وتظاهر من عرفوا أنهم يكذبون بكتبهم وبرسلهم على من صدق بذلك - ثبت أنهم في الحقيقة مكذبون جميع الرسل والكتب وإن أظهروا الوفاق، وأن ذلك لا يكون إلا لتكذيب منهم بالله؛ فعلى ذلك إيمانهم بالله يكون بإيمانهم بالرسل، وعلى ذلك روي عن رسول الله  في وفد عبد قيس أنه قال: "آمر بأربع: آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: أتدرون ما الإيمان بالله؟

أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ؛ فلذلك لم يكن إيمانهم بالله إيماناً حتى يؤمنوا برسول الله، وعلى هذا يحاربون.

والثالث: أن يكون نفى عنهم الإيمان بنفي منفعة الإيمان عنهم؛ إذ أقل المنفعة به الإيمان برسله، والقبول عنهم بالتعظيم، فإذا ظهرت منهم هذه المنفعة تركوا القتال.

ثم الترك على قبول الجزية جائز، وإن كان الأمر قد تقدم بالقتل من غير أن يكون دليل، إما لأجل ذلك المال نقاتل، كما كتب على كل نفس الموت.

ثم قد يتركون على ما هم عليه من اختلاف الأديان وتفرق الأهواء، وإن كان لا يدل ذلك على الإقرار بما هم عليه، والرضا بما اختاروا، فمثله في الأول لا يدل على الرضا بكفرهم، ولا على القتال لأخذ تلك الأموال منهم.

ثم الأصل أن القتال لم يجعل ليكون [القتل] عقوبة للكفر؛ إذ نوع القتل ومعناه قد يوجد في الأخيار والأشرار جميعاً، وهو الموت ثبت أنه لم يجعل لذلك، ولكن لوجهين: أن يضطرهم إلى الإجابة على ما فيه نجاتهم وبه نيل كرامة الأبد، وكان ذلك بعد أن ألزمناهم كل أنواع الحجج، فلم يقنعهم، قاتلناهم بما كان الذي يمنعهم عن النظر في الحجج حب اللذات وألذها الحياة، قاتلنا حتى ييأسوا عن تلك اللذة المانعة عن النظر في الحجج، والصادة عن الإجابة فتزول عنهم.

وفي قبول الجزية - قيل - بعض الذل والصغار الذي تنفر عنه الطباع، ويدعو إلى ما فيه الزوال، فينظرون في الحجج، ويقبلون ما دعوا إليه؛ فتكون به نجاتهم، وزيادة لنا في الكرامة.

والثاني: [أن] المحن كلها منقسمة على الحسنات والسيئات، والخيرات والشرور؛ ولذلك جعل الموت والحياة، وعلى ذلك جميع أمور الدنيا هو التقلب على مختلف الأحوال، فمثله الدعاء إلى الإسلام يكون مرة بمحاجة إليه، ومرة باللسان، ومرة بالترك، لا أن جعل شيء من ذلك لشيء، ولكن بما عليه أمر المحن؛ ليتذكر به وجود [الموعود بالآثار له في أحوال المحن، فعلى هذا أمر القتال في قوم، والعفو عن قوم، والدعاء إلى الإسلام في قوم، وإلى قبول] الذل في قوم على ما في علم الله من المصلحة، وعلى ما عليه حق الحكمة.

ثم الفرق بين مشركي العرب وغيرهم يخرج على وجوه: أحدها: أنهم قد كانوا أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الإمم، فجاءهم، فكذبوه، ثم أقسموا لئن جاءهم نذير ليؤمنن به، فجاءتهم آيات فلم يؤمنوا، فاستوجبوا القتال إلى أن يفوا بالعهد الذي سبق، والقسم الذي جهدوا به، وليس غيرهم هكذا.

أو على قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 110]، فبين الإياس عن إيمانهم إلا أن يشاء الله، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: الإياس عن إيمانهم.

وقبول الجزية ليخالطوا أهل شريعة الله، فيسمعوا منهم الحجج، ويعاينوا الأفعال المحمودة في العقول، والأخلاق الكريمة التي جاء بها الرسول فيؤمنوا، وهؤلاء قد أيأس الله من إيمانهم، وأخبرهم أنهم ييأسون أبداً؛ فلذلك لم يعط لهم عهد، وعلى ذلك ظهر نقضهم العقود مرة بعد مرة، والله أعلم.

والثاني: أنه استثنى فيهم ألا يؤمنوا بالآيات إلا أن يشاء الله، فلعل الله شاء أن يكون إيمانهم بالقتال خاصة، ففرض فيهم ذلك إلى أن يؤمنوا.

ووجه آخر: أن رسول الله  هو بعث فيهم ومنهم؛ فأوجبت لهم الفضيلة به ألا يقبل منهم غير الإيمان، كما فضلت البقعة التي فيها بعث رسول الله  .

ومنها ألا يترك فيها غير المؤمن تفضيلا.

ووجه آخر: أنهم قوم ليس لهم أسٌّ، ولا أئمة في الدين إليهم يرجعون في التأسيس، ومعلوم أن لا قوام في العقول لأمر الدين إلا بالأئمة؛ كالسياسات كلها والأمور فيها القوام من الملك وغيره؛ بل إنما كانوا جروا على عادتهم، وقاتلوا عن القبائل فلا يرجعون - في الحقيقة - إلا إلى عادة خارجة عن التدبير، وغيرهم يرجعون إلى مذاهب أسست مما أسس أمر الديانات، فقد تعلقوا بضرب من ذلك، فتركوا إذا خضعوا وأذعنوا لهم بحق التبع، فيتركون [رجاء] أن يتأملوا؛ إذ لكل مذهب نظر، وليس لأولئك سوى العادة وتقليد الآباء، ومن ذلك وصفه لا ينظر فيمهل للنظر، والله أعلم.

وأيضاً: إن لسائر المذاهب أصول يكثر أهلها، وفي الإقامة على القتال إلى الفناء ينضم بعض إلى بعض فيتناصرون، فيخاف على المسلمين بما به رجاء التكثر الفناء، والعرب يقل عددهم حتى لم يكونوا يقدرون على المناوأة إلا بمعونة أهل الكتاب وغيرهم، فأمكن أن يضطروا به إلى القتل مع ما ليست لهم مذاهب معلومة؛ إذ لا يذكر في شيء من الكتب لهم مذاهب، وقد ذكر لجميع الفرق، فإنما أمرهم على العادة، وقد تترك العادات بما يعترض فيها ما يمنع الاستمرار عليها من القتال والحرب فيتركونها، وأهل المذهب عندهم أنهم لزموا بالحجج، ومثل ذلك لا يترك إلا بالحجج، وذلك يكون بقبول الذمة والعهد.

وأيضاً: إنه يمكن إلزام كل ذي مذهب بما يوجد في مذهبه ما يثبت القول بالإسلام وبالعهد رجاء الوصول إليه، وليس لمشركي العرب ذلك؛ لما لم يُبْنَ مذهبهم على الحجج أو الشبه، إنما هو تقليد وعادة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله واتبعوا ما شرعه لهم، إنما المشركون نجس؛ لما فيهم من الكفر والظلم والأخلاق الذميمة والعادات السيئة؛ فلا يدخلوا الحرم المكي -ومن ضمنه المسجد الحرام- ولو كانوا حُجاجًا أو معتمرين بعد عامهم هذا الذي هو سنة تسع للهجرة، وإن خفتم -أيها المؤمنون- فقرًا بسبب انقطاع ما كانوا يجلبون إليكم من الأطعمة والتجارات المختلفة فإن الله سيكفيكم من فضله إن شاء، إن الله عليم بحالكم التي أنتم عليها، حكيم فيما يدبره لكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.28oN9"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله