الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٢٩ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 191 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ، ولا بما جاءوا به ، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه ، لا لأنه شرع الله ودينه ؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ، صلوات الله عليه ، لأن جميع الأنبياء [ الأقدمين ] بشروا به ، وأمروا باتباعه ، فلما جاء وكفروا به - وهو أشرف الرسل - علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله ، بل لحظوظهم وأهوائهم ، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء ، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم ؛ ولهذا قال : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ) وهذه الآية الكريمة [ نزلت ] أول الأمر بقتال أهل الكتاب ، بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا ، فلما استقامت جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى ، وكان ذلك في سنة تسع ؛ ولهذا تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم ، فأوعبوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو [ من ] ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك في عام جدب ، ووقت قيظ وحر ، وخرج - عليه السلام - يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ، فنزل بها وأقام على مائها قريبا من عشرين يوما ، ثم استخار الله في الرجوع ، فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس ، كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله .
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ، أو من أشباههم كالمجوس ، لما صح فيهم الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من مجوس هجر ، وهذا مذهب الشافعي ، وأحمد - في المشهور عنه - وقال أبو حنيفة - رحمه الله - : بل تؤخذ من جميع الأعاجم ، سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ، ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب .
وقال الإمام مالك : بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابي ، ومجوسي ، ووثني ، وغير ذلك ، ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا ، والله أعلم .
وقوله : ( حتى يعطوا الجزية ) أي : إن لم يسلموا ، ( عن يد ) أي : عن قهر لهم وغلبة ، ( وهم صاغرون ) أي : ذليلون حقيرون مهانون .
فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين ، بل هم أذلاء صغرة أشقياء ، كما جاء في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه .
ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم ، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ ، من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال : كتبت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين صالح نصارى من أهل الشام : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا ، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ، ولا قلاية ولا صومعة راهب ، ولا نجدد ما خرب منها ، ولا نحيي منها ما كان خطط المسلمين ، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار ، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل ، وأن ينزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم ، ولا نئوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسا ، ولا نكتم غشا للمسلمين ، ولا نعلم أولادنا القرآن ، ولا نظهر شركا ، ولا ندعو إليه أحدا ؛ ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه ، وأن نوقر المسلمين ، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس ، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم ، في قلنسوة ، ولا عمامة ، ولا نعلين ، ولا فرق شعر ، ولا نتكلم بكلامهم ، ولا نكتني بكناهم ، ولا نركب السروج ، ولا نتقلد السيوف ، ولا نتخذ شيئا من السلاح ، ولا نحمله معنا ، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ، ولا نبيع الخمور ، وأن نجز مقاديم رءوسنا ، وأن نلزم زينا حيثما كنا ، وأن نشد الزنانير على أوساطنا ، وألا نظهر الصليب على كنائسنا ، وألا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا ، وألا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين ، ولا نخرج شعانين ولا باعوثا ، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ، ولا نجاورهم بموتانا ، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين ، وأن نرشد المسلمين ، ولا نطلع عليهم في منازلهم .
قال : فلما أتيت عمر بالكتاب ، زاد فيه : ولا نضرب أحدا من المسلمين ، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا ، وقبلنا عليه الأمان ، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا ، فلا ذمة لنا ، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق .
القول في تأويل قوله : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم: (قاتلوا)، أيها المؤمنون، القومَ =(الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)، يقول: ولا يصدّقون بجنة ولا نار (13) =(ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق)، يقول: ولا يطيعون الله طاعة الحقِّ، يعني: أنهم لا يطيعون طاعةَ أهل الإسلام (14) =(من الذين أوتوا الكتاب)، وهم اليهود والنصارَى.
* * * وكل مطيع ملكًا وذا سلطانٍ, فهو دائنٌ له.
يقال منه: " دان فلان لفلان فهو يدين له، دينًا "، قال زهير: لَئِـنْ حَـلَلْتَ بِجَـوٍّ فِـي بَنِـي أَسَـدٍ فِـي دِيـنِ عَمْـرٍو وَحَـالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ (15) وقوله: (من الذين أوتوا الكتاب)، يعني: الذين أعطوا كتاب الله, (16) وهم أهل التوراة والإنجيل =(حتى يعطوا الجزية).
* * * و " الجزية ": الفِعْلة من: " جزى فلان فلانًا ما عليه "، إذا قضاه, " يجزيه "، و " الجِزْية " مثل " القِعْدة " و " الجِلْسة ".
* * * ومعنى الكلام: حتى يعطوا الخراجَ عن رقابهم، الذي يبذلونه للمسلمين دَفْعًا عنها.
* * * وأما قوله: (عن يد)، فإنه يعني: من يده إلى يد من يدفعه إليه.
* * * وكذلك تقول العرب لكل معطٍ قاهرًا له، شيئًا طائعًا له أو كارهًا: " أعطاه عن يده، وعن يد ".
وذلك نظير قولهم: " كلمته فمًا لفمٍ"، و " لقيته كَفَّةً لكَفَّةٍ", (17) وكذلك: " أعطيته عن يدٍ ليد ".
* * * وأما قوله: (وهم صاغرون)، فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون.
* * * يقال للذليل الحقير: " صاغر ".
(18) * * * وذكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره بحرب الروم, فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نـزولها غزوة تبوك.
* ذكر من قال ذلك: 16616- حدثني محمد بن عروة قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، حين أمر محمدٌ وأصحابه بغزوة تبوك.
16617- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه.
* * * واختلف أهل التأويل في معنى " الصغار "، الذي عناه الله في هذا الموضع.
فقال بعضهم: أن يعطيها وهو قائمٌ، والآخذ جالسٌ.
* ذكر من قال ذلك: 16618- حدثني عبد الرحمن بن بشر النيسابوري قال، حدثنا سفيان, عن أبي سعد, عن عكرمة: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، قال: أي تأخذها وأنت جالس، وهو قائم.
(19) * * * وقال آخرون: معنى قوله: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، عن أنفسهم، بأيديهم يمشون بها، وهم كارهون, وذلك قولٌ رُوي عن ابن عباس، من وجهٍ فيه نظر.
* * * وقال آخرون: إعطاؤهم إياها، هو الصغار.
------------------ الهوامش : (13) انظر تفسير " اليوم الآخر " فيما سلف من فهارس اللغة ( أخر ) .
(14) انظر تفسير " الدين " فيما سلف 1 : 155 /3 : 571 / 9 : 522 .
(15) ديوانه : 183 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 286 ، من قصيدة من جيد الكلام ، أنذر بها الحارث بن ورقاء الصيداوي ، من بني أسد ، وكان أغار على بني عبد الله بن غطفان ، فغنم ، واستاق إبل زهير ، وراعيه يسارا : يـا حَـارِ , لا أُرْمَيَـنْ مِنْكُـمْ بِدَاهِيَـةٍ لَــمْ يَلْقَهَـا سُـوقَةٌ قَبْـلِي ولا مَلِـكُ فَـارْدُدْ يَسَـارًا , وَلا تَعْنُـفْ عَلَـيَّ وَلا تَمْعَـكْ بِعِــرْضِكَ إِن الغَـادِرَ المَعِـكَ وَلا تَكُـــونَنْ كَــأَقْـوَامٍ عَلِمْتَهُــمُ يَلْـوُونَ مَـا عَنْـدَهُمْ حَـتَّى إذَا نَهِكُوا طَـابْتْ نُفُوسُـهُمُ عَـنْ حَـقِّ خَصْمِهِمْ مَخَافَـهُ الشَّـرِّ , فَـارْتَدُّوا لِمَـا تَرَكُوا تَعَلَّمَـنْ : هَـا , لَعَمْـرُ اللهِ ذَا ; قَسَمًا فَـاقْصِدْ بِـذَرْعِكَ , وانْظُرْ أَيْنَ تَنْسَـلِكَ لَئِــنْ حَـلَلْتَ .
.
.
.
.
..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
لَيَــأتِيَنَّكَ مِنِّــي مَنْطِــقٌ قَــذَعٌ بَــاقٍ , كَمَـا دَنَّسَ القُبْطِيَّـةَ الـوَدَكُ و " جو " اسم لمواضع كثيرة في الجزيرة ، وهذا " الجو " هنا في ديار بني أسد .
و " عمرو " ، هو : " عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء " ، و " فدك " قرية مشهورة بالحجاز ، لها ذكر في السير كثير .
(16) انظر تفسير " الإيتاء " فيما سلف من فهارس اللغة ( أتى ) .
(17) يقال : " لقيته كفة كفة " ( بفتح الكاف ، ونصب التاء ) ، إذا استقبلته مواجهته، كأن كل واحد منهما قد كف صاحبه عن مجاوزته إلى غيره ومنعه .
وانظر تفصيل ذلك في مادته في لسان العرب ( كفف ) .
(18) انظر تفسير " الصغار " فيما سلف 13 : 22 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(19) الأثر : 16618 - " عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري " ، شيخ الطبري ، ثقة ، من شيوخ البخاري ، مضى برقم : 13805 .
وفي المطبوعة : " عن ابن سعد " ، وهو خطأ ، خالف ما في المخطوطة وانظر " أبا سعد " في فهرس الرجال .
قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرونفيه خمس عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر لما حرم الله تعالى على الكفار أن يقربوا المسجد الحرام ، وجد المسلمون في أنفسهم بما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها ، قال الله عز وجل : ( وإن خفتم عيلة ) الآية .
على ما تقدم .
ثم أحل في هذه الآية الجزية وكانت لم تؤخذ قبل ذلك ، فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم .
فقال الله عز وجل : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية .
فأمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف ، [ ص: 45 ] وخص أهل الكتاب بالذكر إكراما لكتابهم ، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل ، وخصوصا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وملته وأمته .
فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة ، فنبه على محلهم ثم جعل للقتال غاية وهي إعطاء الجزية بدلا عن القتل .
وهو الصحيح .
قال ابن العربي : سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها .
فقال : قاتلوا وذلك أمر بالعقوبة .
ثم قال : الذين لا يؤمنون وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة .
وقوله : ولا باليوم الآخر تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد .
ثم قال : ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله زيادة للذنب في مخالفة الأعمال .
ثم قال : ولا يدينون دين الحق إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام .
ثم قال : من الذين أوتوا الكتاب تأكيد للحجة ؛ لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .
ثم قال : حتى يعطوا الجزية عن يد فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة وعين البدل الذي ترتفع به .الثانية : وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية ، قال الشافعي رحمه الله : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة عربا كانوا أو عجما لهذه الآية ، فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم لقوله عز وجل : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم .
ولم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب .
وقال : وتقبل من المجوس بالسنة ؛ وبه قال أحمد وأبو ثور .
وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه .
وقال الأوزاعي : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .
وكذلك مذهب مالك ، فإنه رأى الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجميا ، تغلبيا أو قرشيا ، كائنا من كان ، إلا المرتد .
وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون : تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم كلها .
وأما عبدة الأوثان من العرب فلم يستن الله فيهم جزية ، ولا يبقى على الأرض منهم أحد ، وإنما لهم القتال أو الإسلام .
ويوجد لابن القاسم : أن الجزية تؤخذ منهم ، كما يقول مالك .
وذلك في التفريع لابن الجلاب وهو احتمال لا نص .
وقال ابن وهب : لا تقبل الجزية من مجوس العرب وتقبل من غيرهم .
قال : لأنه ليس في العرب مجوسي إلا وجميعهم أسلم ، فمن وجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد يقتل بكل حال إن لم يسلم ولا تقبل منهم جزية .
وقال ابن الجهم : تقبل الجزية من كل من دان بغير الإسلام إلا ما أجمع [ ص: 46 ] عليه من كفار قريش .
وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار ، لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال غيره : إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة .
والله أعلم .الثالثة : وأما المجوس فقال ابن المنذر : لا أعلم خلافا أن الجزية تؤخذ منهم .
وفي الموطإ : مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال : ما أدري كيف أصنع في أمرهم .
فقال عبد الرحمن بن عوف : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سنوا بهم سنة أهل الكتاب .
قال أبو عمر : يعني في الجزية خاصة .
وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنوا بهم سنة أهل الكتاب دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب .
وعلى هذا جمهور الفقهاء .
وقد روي عن الشافعي أنهم كانوا أهل كتاب فبدلوا .
وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجه فيه ضعف ، يدور على أبي سعيد البقال ، ذكره عبد الرزاق وغيره .
قال ابن عطية : وروي أنه قد كان بعث في المجوس نبي اسمه زرادشت .
والله أعلم .الرابعة : لم يذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه مقدارا للجزية المأخوذة منهم .
وقد اختلف العلماء في مقدار الجزية المأخوذة منهم ، فقال عطاء بن أبي رباح : لا توقيت فيها ، وإنما هو على ما صولحوا عليه .
وكذلك قال يحيى بن آدم وأبو عبيد والطبري ، إلا أن الطبري قال : أقله دينار وأكثره لا حد له .
واحتجوا بما رواه أهل الصحيح عن عمرو بن عوف : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل البحرين على الجزية .
وقال الشافعي : دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء واحتج بما رواه أبو داود وغيره عن معاذ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا في الجزية .
قال الشافعي : وهو المبين عن الله تعالى مراده .
وهو قول أبي ثور .
قال الشافعي : وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز ، وإن زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم .
وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيام جاز ، إذا كانت الضيافة معلومة في الخبز والشعير والتبن والإدام ، وذكر ما على الوسط من ذلك وما على الموسر وذكر موضع النزول والكن من البرد والحر .
وقال مالك فيما رواه عنه ابن القاسم وأشهب ومحمد بن الحارث بن زنجويه : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما [ ص: 47 ] على أهل الورق ، الغني والفقير سواء ولو كان مجوسيا .
لا يزاد ولا ينقص على ما فرض عمر لا يؤخذ منهم غيره .
وقد قيل : إن الضعيف يخفف عنه بقدر ما يراه الإمام .
وقال ابن القاسم : لا ينقص من فرض عمر لعسر ولا يزاد عليه لغنى .
قال أبو عمر : ويؤخذ من فقرائهم بقدر ما يحتملون ولو درهما .
وإلى هذا رجع مالك .
وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل : اثنا عشر ، وأربعة وعشرون ، وأربعون .
قال الثوري : جاء عن عمر بن الخطاب في ذلك ضرائب مختلفة ، فللوالي أن يأخذ بأيها شاء ، إذا كانوا أهل ذمة .
وأما أهل الصلح فما صولحوا عليه لا غير .الخامسة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : والذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين ؛ لأنه تعالى قال : قاتلوا الذين إلى قوله : حتى يعطوا الجزية فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل .
ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلا ؛ لأنه لا مال له ، ولأنه تعالى قال : حتى يعطوا .
ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي .
وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين ، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني .
واختلف في الرهبان ، فروى ابن وهب عن مالك أنها لا تؤخذ منهم .
قال مطرف وابن الماجشون : هذا إذا لم يترهب بعد فرضها فإن فرضت ثم ترهب لم يسقطها ترهبه .السادسة : إذا أعطى أهل الجزية الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم ولا تجارتهم ولا زروعهم إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقروا فيها وصولحوا عليها .
فإن خرجوا تجارا عن بلادهم التي أقروا فيها إلى غيرها أخذ منهم العشر إذا باعوا ونض ثمن ذلك بأيديهم ولو كان ذلك في السنة مرارا إلا في حملهم الطعام : الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة خاصة ، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر على ما فعل عمر .
ومن أهل المدينة من لا يرى أن يؤخذ من أهل الذمة العشر في تجارتهم إلا مرة في الحول ، مثل ما يؤخذ من المسلمين .
وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وجماعة من أئمة الفقهاء .
والأول قول مالك وأصحابه .السابعة : إذا أدى أهل الجزية جزيتهم التي ضربت عليهم أو صولحوا عليها خلي بينهم وبين أموالهم كلها ، وبين كرومهم وعصرها ما ستروا خمورهم ولم يعلنوا بيعها من مسلم ، ومنعوا من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين ، فإن أظهروا شيئا من ذلك أريقت الخمر عليهم ، وأدب من أظهر الخنزير .
وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدى ، ويجب [ ص: 48 ] عليه الضمان .
وقيل : لا يجب ولو غصبها وجب عليه ردها .
ولا يعترض لهم في أحكامهم ولا متاجرتهم فيما بينهم بالربا .
فإن تحاكموا إلينا فالحاكم مخير ، إن شاء حكم بينهم بما أنزل الله وإن شاء أعرض .
وقيل : يحكم بينهم في المظالم على كل حال ، ويؤخذ من قويهم لضعيفهم ؛ لأنه من باب الدفع عنهم .
وعلى الإمام أن يقاتل عنهم عدوهم ويستعين بهم في قتالهم .
ولا حظ لهم في الفيء ، وما صولحوا عليه من الكنائس لم يزيدوا عليها ، ولم يمنعوا من إصلاح ما وهى منها ، ولا سبيل لهم إلى إحداث غيرها .
ويأخذون من اللباس والهيئة بما يبينون به من المسلمين ، ويمنعون من التشبه بأهل الإسلام .
ولا بأس باشتراء أولاد العدو منهم إذا لم تكن لهم ذمة .
ومن لد في أداء جزيته أدب على لدده وأخذت منه صاغرا .الثامنة : اختلف العلماء فيما وجبت الجزية عنه ، فقال علماء المالكية : وجبت بدلا عن القتل بسبب الكفر .
وقال الشافعي : وجبت بدلا عن الدم وسكنى الدار .
وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا وجبت بدلا عن القتل فأسلم سقطت عنه الجزية لما مضى ، ولو أسلم قبل تمام الحول بيوم أو بعده عند مالك .
وعند الشافعي أنها دين مستقر في الذمة فلا يسقطه الإسلام كأجرة الدار .
وقال بعض الحنفية بقولنا .
وقال بعضهم : إنما وجبت بدلا عن النصر والجهاد .
واختاره القاضي أبو زيد وزعم أنه سر الله في المسألة .
وقول مالك أصح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ليس على مسلم جزية .
قال سفيان : معناه إذا أسلم الذمي بعد ما وجبت الجزية عليه بطلت عنه .
أخرجه الترمذي وأبو داود .
قال علماؤنا : وعليه يدل قوله تعالى : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون لأن بالإسلام يزول هذا المعنى .
ولا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون .
والشافعي لا يأخذ بعد الإسلام على الوجه الذي قاله الله تعالى .
وإنما يقول : إن الجزية دين ، وجبت عليه بسبب سابق وهو السكنى أو توقي شر القتل ، فصارت كالديون كلها .التاسعة : لو عاهد الإمام أهل بلد أو حصن ثم نقضوا عهدهم وامتنعوا من أداء ما يلزمهم من الجزية وغيرها وامتنعوا من حكم الإسلام من غير أن يظلموا وكان الإمام غير جائر عليهم ؛ وجب على المسلمين غزوهم وقتالهم مع إمامهم .
فإن قاتلوا وغلبوا حكم فيهم بالحكم في دار الحرب سواء .
وقد قيل : هم ونساؤهم فيء ولا خمس فيهم ، وهو مذهب .[ ص: 49 ] العاشرة : فإن خرجوا متلصصين قاطعين الطريق فهم بمنزلة المحاربين المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية .
ولو خرجوا متظلمين نظر في أمرهم وردوا إلى الذمة وأنصفوا من ظالمهم ولا يسترق منهم أحد وهم أحرار .
فإن نقض بعضهم دون بعض فمن لم ينقض على عهده ، ولا يؤخذ بنقض غيره وتعرف إقامتهم على العهد بإنكارهم على الناقضين .الحادية عشرة : الجزية وزنها فعلة ، من جزى يجزي إذا كافأ عما أسدي إليه ، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن ، وهي كالقعدة والجلسة .
ومن هذا المعنى قول الشاعر :يجزيك أو يثني عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت كمن جزىالثانية عشرة : روى مسلم عن هشام بن حكيم بن حزام ومر على ناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس - في رواية : وصب على رءوسهم الزيت - فقال : ما شأنهم ؟
فقال يحبسون في الجزية .
فقال هشام : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا .
في رواية : وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين ، فدخل عليه فحدثه فأمر بهم فخلوا .
قال علماؤنا : أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكين فجائز ، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم ؛ لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه .
ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء .
وروى أبو داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة .الثالثة عشرة : قوله تعالى : عن يد قال ابن عباس : يدفعها بنفسه غير مستنيب فيها أحدا روى أبو البختري عن سلمان قال : مذمومين .
وروى معمر عن قتادة قال : عن قهر .
وقيل : عن يد عن إنعام منكم عليهم ؛ لأنهم إذا أخذت منهم الجزية فقد أنعم عليهم بذلك .
عكرمة : يدفعها وهو قائم والآخذ جالس وقاله سعيد بن جبير .
ابن العربي : وهذا ليس من قوله : عن يد وإنما هو من قوله : وهم صاغرون .[ ص: 50 ] الرابعة عشرة : روى الأئمة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا : المنفقة ، والسفلى : السائلة .
وروي : " واليد العليا هي المعطية " .
فجعل يد المعطي في الصدقة عليا ، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى .
ويد الآخذ عليا ; ذلك بأنه الرافع الخافض ، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء ، لا إله غيره .الخامسة عشرة : عن حبيب بن أبي ثابت قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إن أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمرها وأزرعها وأؤدي خراجها ؟
فقال : لا .
وجاءه آخر فقال له ذلك فقال : لا وتلا قوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله : وهم صاغرون أيعمد أحدكم إلى الصغار في عنق أحدهم فينتزعه فيجعله في عنقه وقال كليب بن وائل : قلت لابن عمر اشتريت أرضا قال الشراء حسن .
قلت : فإني أعطي عن كل جريب أرض درهما وقفيز طعام .
قال : لا تجعل في عنقك صغارا .
وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ما يسرني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم أقر فيها بالصغار على نفسي .
هذه الآية أمر بقتال الكفار من اليهود والنصارى من {الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إيمانا صحيحا يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم. ولا يحرمون ما حرم الله، فلا يتبعون شرعه في تحريم المحرمات، {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} أي: لا يدينون بالدين الصحيح، وإن زعموا أنهم على دين، فإنه دين غير الحق، لأنه إما بين دين مبدل، وهو الذي لم يشرعه اللّه أصلا، وإما دين منسوخ قد شرعه اللّه، ثم غيره بشريعة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيبقى التمسك به بعد النسخ غير جائز. فأمره بقتال هؤلاء وحث على ذلك، لأنهم يدعون إلى ما هم عليه، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس، بسبب أنهم أهل كتاب. وغيَّى ذلك القتال {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} أي: المال الذي يكون جزاء لترك المسلمين قتالهم، وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم، بين أظهر المسلمين، يؤخذ منهم كل عام، كلٌّ على حسب حاله، من غني وفقير ومتوسط، كما فعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره، من أمراء المؤمنين. وقوله: {عَنْ يَدٍ} أي: حتى يبذلوها في حال ذلهم، وعدم اقتدارهم، ويعطونها بأيديهم، فلا يرسلون بها خادما ولا غيره، بل لا تقبل إلا من أيديهم، {وَهُمْ صَاغِرُونَ} فإذا كانوا بهذه الحال، وسألوا المسلمين أن يقروهم بالجزية، وهم تحت أحكام المسلمين وقهرهم، وحال الأمن من شرهم وفتنتهم، واستسلموا للشروط التي أجراها عليهم المسلمون مما ينفي عزهم وتكبرهم، ويوجب ذلهم وصغارهم، وجب على الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم. وإلا بأن لم يفوا، ولم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لم يجز إقرارهم بالجزية، بل يقاتلون حتى يسلموا. واستدل بهذه الآية الجمهور الذين يقولون: لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، لأن اللّه لم يذكر أخذ الجزية إلا منهم. وأما غيرهم فلم يذكر إلا قتالهم حتى يسلموا، وألحق بأهل الكتاب في أخد الجزية وإقرارهم في ديار المسلمين، المجوس، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ الجزية من مجوس هجر، ثم أخذها أمير المؤمنين عمر من الفرس المجوس. وقيل: إن الجزية تؤخذ من سائر الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، لأن هذه الآية نزلت بعد الفراغ من قتال العرب المشركين، والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم، فيكون هذا القيد إخبارا بالواقع، لا مفهوما له. ويدل على هذا أن المجوس أخذت منهم الجزية وليسوا أهل كتاب، ولأنه قد تواتر عن المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أنهم يدعون من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام، أو أداء الجزية، أو السيف، من غير فرق بين كِتَابِيٍّ وغيره.
وذلك : قوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) قال مجاهد : نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الروم ، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك .
وقال الكلبي : نزلت في قريظة والنضير من اليهود ، فصالحهم وكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام ، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين .
قال الله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) فإن قيل : أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر؟
قيل : لا يؤمنون كإيمان المؤمنين ، فإنهم إذا قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله ، لا يكون ذلك إيمانا بالله .
( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ) أي : لا يدينون الدين الحق ، أضاف الاسم إلى الصفة .
وقال قتادة : الحق هو الله ، أي : لا يدينون دين الله ، ودينه الإسلام .
وقال أبو عبيدة : معناه ولا يطيعون الله تعالى طاعة أهل الحق .
( من الذين أوتوا الكتاب ) يعني : اليهود والنصارى .
( حتى يعطوا الجزية ) وهي الخراج المضروب على رقابهم ، ( عن يد ) عن قهر وذل .
قال أبو عبيدة : يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس : أعطاه عن يد .
وقال ابن عباس : يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم .
وقيل : عن يد أي : عن نقد لا نسيئة .
وقيل : عن إقرار بإنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية منهم ، ( وهم صاغرون ) أذلاء مقهورون .
قال عكرمة : يعطون الجزية عن قيام ، والقابض جالس .
وعن ابن عباس قال : تؤخذ منه ويوطأ عنقه .
وقال الكلبي : إذا أعطى صفع في قفاه .
وقيل : يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه .
وقيل : يلبب ويجر إلى موضع الإعطاء بعنف .
وقيل : إعطاؤه إياها هو الصغار .
وقال الشافعي رحمه الله : الصغار هو جريان أحكام الإسلام عليهم .
واتفقت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل الكتابين ، وهم اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عربا .
واختلفوا في الكتابي العربي وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم ، فذهب الشافعي : إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب ، فتؤخذ من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ، ولا تؤخذ من أهل الأوثان بحال ، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من أكيدر دومة ، وهو رجل من العرب يقال : إنه من غسان ، وأخذ من أهل ذمة اليمن ، وعامتهم عرب .
وذهب مالك والأوزاعي : إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد .
وقال أبو حنيفة : تؤخذ من أهل الكتاب على العموم ، وتؤخذ من مشركي العجم ، ولا تؤخذ من مشركي العرب .
وقال أبو يوسف : لا تؤخذ من العربي ، كتابيا كان أو مشركا ، وتؤخذ من العجمي كتابيا كان أو مشركا .
وأما المجوس : فاتفقت الصحابة رضي الله عنهم على أخذ الجزية منهم .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع بجالة يقول : لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال : ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟
فقال عبد الرحمن بن عوف : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " .
وفي امتناع عمر رضي الله عنه عن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ، دليل على أن رأي الصحابة كان على أنها لا تؤخذ من كل مشرك ، وإنما تؤخذ من أهل الكتاب .
واختلفوا في أن المجوس : هل هم من أهل الكتاب أم لا؟
فروي عن علي رضي الله عنه قال : كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا ، وقد أسري على كتابهم ، فرفع من بين أظهرهم .
واتفقوا على تحريم ذبائح المجوس ومناكحتهم بخلاف أهل الكتابين .
أما من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين نظر : إن دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل يقرون بالجزية ، وتحل مناكحتهم وذبائحهم ، وإن دخلوا في دينهم بعد النسخ بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم لا يقرون بالجزية ، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم ، ومن شككنا في أمرهم أنهم دخلوا فيه بعد النسخ أو قبله : يقرون بالجزية تغليبا لحقن الدم ، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم تغليبا للتحريم ، فمنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب ، أقرهم عمر رضي الله عنه على الجزية ، وقال : لا تحل لنا ذبائحهم .
وأما قدر الجزية : فأقله دينار ، لا يجوز أن ينقص منه ، ويقبل الدينار من الفقير والغني والوسط لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر .
فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل حالم ، أي بالغ ، دينارا ولم يفصل بين الغني والفقير والوسط ، وفيه دليل على أنها لا تجب على الصبيان وكذلك لا تجب على النسوان ، إنما تؤخذ من الأحرار العاقلين البالغين من الرجال .
وذهب قوم إلى أنه على كل موسر أربعة دنانير ، وعلى كل متوسط ديناران ، وعلى كل فقير دينار ، وهو قول أصحاب الرأي .
«قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر» وإلا لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم «ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله» كالخمر «ولا يدينون دين الحق» الثابت الناسخ لغيره من الأديان وهو دين الإسلام
أيها المسلمون قاتلوا الكفار الذين لا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يجتنبون ما نهى الله عنه ورسوله، ولا يلتزمون أحكام شريعة الإسلام من اليهود والنصارى، حتى يدفعوا الجزية التي تفرضونها عليهم بأيديهم خاضعين أذلاء.
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك سبع آيات بينت فيها ما يجب أن يكون عليه موقف المسلمين من المنحرفين من أهل الكتاب ، كما حكت بعض أقوالهم الذميمة ، وأفعالهم القبيحة ، التى تدعو المسلمين إلى قتالهم حتى يخضعوا لسلطان الإِسلام ، وقد بدئت هذه الآيات بقوله - تعالى - ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ .
.
.
.
) .قال الإِمام الرازى : اعلم أنه لما ذكر - سبحانه - حكم المشركين فى إظهار البراءة من عهدهم ، وفى إظهار البراءة عنهم فى أنفسهم ، وفى وجوب مقاتلتهم ، وفى تبعيدهم عن المسجد الحرام .
.
ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد .وقال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب - اليهود والنصارى .
وكان ذلك فى سنة تسع ، ولهذا " تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة ، فندبهم فأوعبوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة .
ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك فى عام جدب ، ووقت قيظ حر .
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ، ونزل بها ، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً ، ثم استخار الله فى الرجوع ، فرجع عامه ذلك لضيق الحال ، وضعف الناس .
.
.
" .وقوله : ( قَاتِلُواْ الذين ) أمر منه - سبحانه - للمؤمنين بقتال أهل الكتاب ، وبيان للأسباب التى اقتضت هذا الأمر ، وهى أنهم :أولاً : ( لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ) لأنهم لو كانوا مؤمنين به إيماناً صحيحاً ، لاتبعوا رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ، ولأن منهم من قال : ( عُزَيْرٌ ابن الله ) ومنهم من قال : ( المسيح ابن الله ) وقولهم هذا كفر صريح ، لأنه - سبحانه - منزله عما يقولون .قال - تعالى - ( قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) وثانياً : أنهم " لا يؤمنون باليوم الآخر " على الوجه الذى أمر الله - تعالى - به ، ومن كان كذلك كان إيمانه .
على فرض وجوده .
كلا إيمان .قال الجمل ما ملخصه : فإن قلت : اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف نفى الله عنهم ذلك؟قلت : إن إيمانهم بهما باطل لا يفيد ، بدليل أنهم لم يؤمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فلما لم يؤمنوا به كان إيمانهم بالله واليوم الآخر كالعدم فصح نفيه فى الآية ولأن إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه ، والنصارى يعتقدون الحلول ، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله بل هو مشرك .وأيضاً فإن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك لأنهم يعقتدون بعث الأرواح دون الأجساد ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون - أى أنهم يرون نعيم الجنة وعذاب النار يتعلقان بالروح فقط ولا شأن للجسد بذلك .ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن .وثالثاً : أنهم ( وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ ) أى : لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - فى القرآن والسنة ، وفضلاً عن ذلك فهم لا يلتزمون ما حرمته شريعتهم على ألسنة رسلهم ، وإنما غيروا وبدلوا فيها على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم .
أى أنهم لا يحرمون ما حرمه الله لا فى شريعتنا ولا فى شريعتهم .فاليهود - بجانب كفرهم بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم ، بدليل أنهم استحلوا أكل أموال الناس بالباطل مع أنها .
أى شريعتهم .
نهتهم عن ذلك .قال - تعالى - ( وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل .
.
.
) والنصارى - بجانب كفرهم - أيضاً - بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم بدليل أنهم ابتدعوا الرهبانية مع أن شريعتهم لم تشرع لهم ذلك .قال - تعالى - ( ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) ورابعاً : ( وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق ) وقوله : ( يَدِينُونَ ) بمعنى يعتقدون ويطيعون .
يقال : فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده وأطاع أوامره ونواهيه .والمراد بدين الحق : دين الإِسلام الناسخ لغيره من الأديان .أى : أنهم لا يتخذون دين الإِسلام ديناً لهم ، مع أنه الدين الذى ارتضاه الله لعباده ، والذى لا يقبل - سبحانه - ديناً سواه .
قال - تعالى - : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً .
.
.
) وقال - تعالى - : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين ) ويصح أن يكون المراد بدين الحق .
ما يشمل دين الإِسلام وغيره من الأديان السماوية التى جاء بها الأنبياء السابقون .أى : ولا يدينون بدين من الأديان التى أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم .وعبر عنهم فى قوله : ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ .
.
) بالاسم الموصول للإِيذان بعلية ما فى حيز الصلة للأمر بالقتال .أى أن العلة فى الأمر بقتالهم ، كونهم لا يؤمنون باللهو لا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق .وقوله : ( مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ) بيان للمتصفين بهذه الصفات الأربعة وهم اليهود والنصارى؛ لأن الحديث عنهم ، وعن الأسباب التى توجب قتالهم .والمراد بالكتاب : جنسه الشامل للتوراة والإِنجيل .أى : قاتلوا من هذه صفاتهم ، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل - عن طريق موسى وعيسى - عليهما السلام - ولكنهم لم يعملوا بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم .والمقصود بقوله : ( مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ) تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان فى الحكم ، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا ، أما حكم أهل الكتاب فهو القتال ، أو الإِسلام ، أو الجزية :وقوله : ( حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) غاية لإِنهاء القتال .أى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يعطو الجزية عن طوع وانقياد ، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم .والجزية : ضرب من الخراج يدفعه أهل الكتاب للمسلمين وهى - كما يقول القرطبى : - من جزى يجزى - مجازاة - إذا كافأ من اسدى إليه .
فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ما منحوا من الأمن ، وهى كالقعدة والجلسة ، ومن هذا المعنى قول الشاعر :يجزيك أو يثنى عليك وإن من ...
أثنى عليك بما فعلت فقد جزىوالمراد بإعطائها فى قوله : ( حتى يُعْطُواْ الجزية ) ، التزام دفعها وإن لم يذكر الوقت المحدد لذلك .واليد هنا : يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد .
أى : حتى يعطوا الجزية عن خضوع وإنقياد .ويحتمل أن تكون كناية و " عن " الدفع نقداً بدون تأجيل .
أى : حتى يعطوها نقداً بدون تسويف أو تأخير .ويحتمل أن تكون على معناها الحقيقى ، و " عن " بمعنى الباء أى : حتى يعطوها بيدهم إلى المسلمين لا أن يبعثوا بها بيد أحد سواهم .وهذه المعانى لليد إنما تتأتى إذا أريد بها يد المعطى .
أى : يد الكتابى .أما إذا أردنا بها اليد الآخذة - وهى يد الحاكم المسلم - ففى هذه الحالة يكون معناها القوة والقهر والغلبة .أى : حتى يعطوها عن يد غالبة قوية لا قبل لهم بالوقوف أمامها .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : قوله : " عن يد " إما أن يراد يد المعطى أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطى حتى يعطوها عن يده ، أى عن يد مؤاتيه غير ممتنعة ، إذ أن من أبى وامتنع لم يعط يده ، بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك قالوا : أعطى بيده ، إذا انقاد وأصحب - أى : سهل بعد صعوبة - ألا ترى إلى قولهم : نزع يده عن الطاعة ، كما يقال : خلع ربقة الطاعة عن عنقه .أو المعنى : حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة ، لا مبعوثاً بها على يد أحد ، ولكن يد المعطى إلى يد الآخذ .ومعناه على إرادة يد الآخذ : حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية - وهى يد المسلمين - أو حتى يعطوها عن إنعام عليهم ، لأن قبول الجزية منهم ، وترك أرواحهم لهم ، نعمة عظيمة عليهم .وقوله : ( وَهُمْ صَاغِرُونَ ) من الصغار بمعنى الذل والهوان .
يقال : صغر فلان يصغر صغراً وصغاراً إذا ذل وهان وخضع لغيره .والمعنى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يدفعوا لكم الجزية عن طواعية وانقياد .
وهم أذلاء خاضعون لولايتكم عليهم .
.
فإن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله .ولا يتخذون الدين الحق ديناً لهم .
يستحقون هذا الهوان فى الدنيا ، أما فى الآخرة فعذابهم أشد وأبقى .هذا .
ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- إن هذه الآية أصل فى مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء - لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإِسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشركى العرب فلا يخيرون إلا بين الإِسلام أو القتال .قال القرطبى ما ملخصه : وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية فقال الشافعى : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجماً لهذه الآية : فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ، لقوله - تعالى - فى شأن المشركين : ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) ولم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال فى أهل الكتاب .وقال الشافعى : وتقبل من المجوس لحديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أى : فى أخذ الجزية منهم .وبه قال وأبو ثور .
وهو مذهب الثورى وأبى حنيفة وأصحابه وقال الأوزاعى : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .وكلذلك مذهب مالك : فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجمياً تغليبا أو قرشياً؛ كئنا من كان إلا المرتد .
.2- أن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم ، وكفنا عن قتالهم ، ومساهمة منهم فى رفع شأن الدولة الإِسلامية التى أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم .
ومقدساتهم .
.
وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة .
.وفى تاريخ الإِسلام كثير من الأمثلة التى تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك ، ما جاء فى كتاب الخراج لأبى يوسف أنه قال فى خطابه لهارون الرشيد " وينبغى يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم فى الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد - صلى الله عليه وسلم - والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ، ولا يؤخذ شئ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم؛ فقد روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من ظلم من أمتى معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه " .وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدى بذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم .وجاء فى كتاب " أشهر مشاهير الإِسلام " أن جيوش التتار ، لما اكتسحت بلاد الإِسلام من حدود الصين إلى الشام ، ووقع فى أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار ، ودان ملوكهم بالإِسلام ، خاطب شيخ الإِسلام ابن تيمية ، أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأُبى أن يسمح بأهل الذمة ، فقال له شيخ الإِسلام : لا بد من إطلاق وجميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فأطلقهم له .وجاء فى كتاب " الإِسلام والنصرانية " للأستاذ الإِمام محمد عبده ما ملخصه :" .
.
.
الإِسلام كان يكتفى من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين .
ثم يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عوناً على صيانتهم والمحافظة على أمنهم فى ديارهم ، وهم عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار ، لا يضايقون فى عمل ، ولا يضامون فى معاملة " .خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين انقطعوا عن العامة فى الصوامع والأديرة للعبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال .جاءت السنة بالنهى عن إيذاء أهل الذمة ، وبتقرير ما لهم من الحقوق على المسلمين ، " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " و " من آذى ذميا فليس منا " .واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإِسلام .
ولست أبلى إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف فى أبناء الإِسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف .ثم قال : أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله ، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم ، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم - بعد العجز عن إخراجهم من دينهم - طردتهم عن ديارهم ، وغسلت الديار عن آثارهم ، كما حصل ويحصل فى كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقاً .ولا يمنع غير المسيحى من تعدى المسيحى إلا كثرة العدد أو شدة العضد ، كما شهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه .ثم قال : فأنت ترى الإِسلام يكتفى من الأمم والطوائف التى يغلب على أرضها ، بشئ من المال ، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن يعيشوا فى هدوء ، لا يعكرون معه صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة العامة ، ثم يرخى لهم بعد ذلك عنان الاختيار فى شئونهم الخاصة بهم ، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم .وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : قال السيوطى : استدل بقوله - تعالى - ( وَهُمْ صَاغِرُونَ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) من قال إنها تؤخذ بإهانة ، بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمى ويطأطئ رأسه ، ويجنى ظهره ، ويقبض الآخذ لحيته .
.
.
إلخ .وقد رد الإِمام ابن القيم على هذا القائل بقوله : هذا كله مما لا دليل عليه ، ولا هو من مقتضى الآية ، ولا نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه .والصواب فى الآية ، أن الصغار : هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم ، وإعطاء الجزية ، فإن ذلك هو الصغار ، وبه قال الشافعى .والذى ناره أن ما قاله الإِمام ابن القيم فى رده هو عين الصواب ، وأن ما نقله السيوطى عن بعضهم .
.
.
يتنافى مع سماحة الإِسلام وعدله ورحمته بالناس .هذا ، وهناك أحكام أخرى تتعلق بالجزية لا محال لذكرها هنا ، فليرجع إليها من شاء فى بعض كتب الفقه والتفسير .
اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المشركين في إظهار البراءة عن عهدهم، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام، وأورد الإشكالات التي ذكروها، وأجاب عنها بالجوابات الصحيحة ذكر بعده حكم أهل الكتاب، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية، فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أن أهل الكتاب إذا كانوا موصوفين بصفات أربعة، وجبت مقاتلتهم إلى أن يسلموا، أو إلى أن يعطوا الجزية.
فالصفة الأولى: أنهم لا يؤمنون بالله.
واعلم أن القوم يقولون: نحن نؤمن بالله، إلا أن التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة، والمشبه يزعم أن لا موجود إلا الجسم وما يحل فيه فأما الموجود الذي لا يكون جسماً ولا حالاً فيه فهو منكر له، وما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم ولا حالاً في جسم، فحينئذ يكون المشبه منكراً لوجود الإله فثبت أن اليهود منكرون لوجود الإله.
فإن قيل: فاليهود قسمان: منهم مشبهة، ومنهم موحدة، كما أن المسلمين كذلك فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله، فما قولكم في موحدة اليهود؟
قلنا: أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية، ولكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال: لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
وأما النصارى: فهم يقولون: بالأب والابن وروح القدس؛ والحلول والاتحاد، وكل ذلك ينافي الإلهية.
فإن قيل: حاصل الكلام: أن كل من نازع في صفة من صفات الله، كان منكراً لوجود الله تعالى، وحينئذ يلزم أن تقولوا: إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود الله تعالى، لأن أكثرهم مختلفون في صفات الله تعالى ألا ترى أن أهل السنة اختلفوا اختلافاً شديداً في هذا الباب، فالأشعري أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت إدراك الطعوم، وإدراك الروائح، وإدراك الحرارة والبرودة، وهي التي تسمى في حق البشر بإدراك الشم والذوق واللمس، والأستاذ أبو إسحاق أنكره، وأثبت القاضي للصفات السبع أحوالاً سبعة معللة بتلك الصفات، ونفاة الأحوال أنكروه، وعبد الله بن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً، ثم صار ذلك في الإنزال، والباقون أنكروه، وقوم من قدماء الأصحاب أثبتوا لله خمس كلمات، في الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، والنداء، والمشهور أن كلام الله تعالى واحد، واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور أم لا؟
فثبت بهذا حصول الاختلاف بين أصحابنا في صفات الله تعالى من هذه الوجوه الكثيرة، وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق في صفات الله تعالى، فأكثر من أن يمكن ذكره في موضع واحد.
إذا ثبت هذا فنقول: إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجباً إنكار الذات أو لا يوجب ذلك؟
فإن أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال: إنهم أنكروا الإله، وإن لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود وذهاب النصارى إلى الحلول والاتحاد كونهم منكرين للإيمان بالله، وأيضاً فمذهب النصارى أن أقنوم الكلمة حل في عيسى، وحشوية المسلمين يقولون: إن من قرأ كلام الله فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى، وكلام الله تعالى مع أنه صفة الله يدخل في لسان هذا القارئ وفي لسان جميع القراء، وإذا كتب كلام الله في جسم فقد حل كلام الله تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول والاتحاد في حق عيسى.
وأما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة الله في كل إنسان قرأ القرآن، وفي كل جسم كتب فيه القرآن، فإن صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون بالله بهذا السبب، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية والحلولية أنهم لا يؤمنون بالله، فهذا تقرير هذا السؤال.
والجواب: أن الدليل دل على أن من قال إن الإله جسم فهو منكر للإله تعالى، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة، بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة، فظهر الفرق.
وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية، فنحن نكفرهم قطعاً، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة ﴿ الله ﴾ في عيسى وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة ﴿ الله ﴾ في ألسنة جميع من قرأ القرآن، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجباً للقول بالتكفير كان أولى.
والصفة الثانية: من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر.
واعلم أن المنقول عن اليهود والنصارى: إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يميلون إلى البعث الروحاني.
واعلم أنا بينا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية، ودللنا على صحة القول بها وبينا دلالة الآيات الكثيرة عليها، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة، بحيث يأكلون ويشربون، وبالجواري يتمتعون، ولا شك أن من أنكر الحشر والبعث الجسماني، فقد أنكر صريح القرآن، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر.
الصفة الثالثة: من صفاتهم قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أنهم لا يحرمون ما حرم في القرآن وسنة الرسول.
والثاني: قال أبو روق: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، بل حرفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم.
الصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ يقال: فلان يدين بكذا، إذا اتخذه ديناً فهو معتقده، فقوله: ﴿ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق ﴾ أي لا يعتقدون في صحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الأربعة قال: ﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ فبين بهذا أن المراد من الموصوفين بهذه الصفات الأربعة من كان من أهل الكتاب، والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم، لأن الواجب في المشركين القتال أو الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية.
ثم قال تعالى: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: الجزية هي ما يعطي المعاهد على عهده، وهي فعلة من جزى يجزى إذا قضى ما عليه، واختلفوا في قوله: ﴿ عَن يَدٍ ﴾ قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ عَن يَدٍ ﴾ إما أن يراد به يد المعطي أو يد الآخذ، فإن كان المراد به المعطي، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد ﴿ عَن يَدٍ ﴾ مؤاتية غير ممتنعة، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك يقال: أعطى يده إذا انقاد وأطاع، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطاعة من عنقه.
وثانيهما: أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، بل على يد المعطي إلى يد الآخذ.
وأما إذا كان المراد يد الآخذ ففيه أيضاً وجهان: الأول: أن يكون المراد حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين عليهم كما تقول: اليد في هذا لفلان.
وثانيهما: أن يكون المراد عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم عليهم نعمة عظيمة.
وأما قوله: ﴿ وَهُمْ صاغرون ﴾ فالمعنى أن الجزية تؤخذ منهم على الصغار والذل والهوان بأن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس.
ويؤخذ بلحيته، فيقال له: أد الجزية وإن كان يؤديها ويزج في قفاه، فهذا معنى الصغار.
وقيل: معنى الصغار هاهنا هو نفس إعطاء الجزية، وللفقهاء أحكام كثيرة من توابع الذل والصغار مذكورة في كتب الفقه.
المسألة الثانية: في شيء من أحكام هذه الآية.
الحكم الأول: استدللت بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي والوجه في تقريره أن قوله: ﴿ قاتلوهم ﴾ يقتضي إيجاب مقاتلتهم، وذلك مشتمل على إباحة قتلهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم، فلما قال: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون ﴾ علمنا أن مجموع هذه الأحكام قد انتهت عند إعطاء الجزية، ويكفي في انتهاء المجموع ارتفاع أحد أجزائه، فإذا ارتفع وجوب قتله وإباحة دمه، فقد ارتفع ذلك المجموع، ولا حاجة في ارتفاع المجموع إلى ارتفاع جميع أجزاء المجموع.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ قاتلوا الموصوفين من أهل الكتاب ﴾ يدل على عدم وجوب القصاص بقتلهم وقوله: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية ﴾ لا يوجب ارتفاع ذلك الحكم، لأنه كفى في انتهاء ذلك المجموع انتهاء أحد أجزائه وهو وجوب قتلهم، فوجب أن يبقى بعد أداء الجزية عدم وجوب القصاص كما كان.
الحكم الثاني: الكفار فريقان، فريق عبدة الأوثان وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية، ويجب قتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى والسامرة والصابئون، وهذان الصنفان سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، والمجوس أيضاً سبيلهم سبيل أهل الكتاب، لقوله عليه السلام: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية، وإنما قلنا إنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، لأنه تعالى لما ذكر الصفات الأربعة، وهي قوله تعالى: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ قيدهم بكونهم من أهل الكتاب وهو قوله: ﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ وإثبات ذلك الحكم في غيرهم يقتضي إلغاء هذا القيد المنصوص عليه وأنه لا يجوز.
الحكم الثالث: في قدر الجزية.
قال أنس: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على الفقراء من أهل الذمة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.
قال أصحابنا: وأقل الجزية دينار، ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي، فإذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين، وعلى الغني أربعة دنانير، والدليل على ما ذكرنا: أن الأصل تحريم أخذ مال المكلف إلا أن قوله: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية ﴾ يدل على أخذ شيء، فهذا الذي قلناه هو القدر الأقل، فيجوز أخذه والزائد عليه لم يدل عليه لفظ الجزية والأصل فيه الحرمة، فوجب أن يبقى عليها.
الحكم الرابع: تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى في أول السنة، وعند الشافعي رحمه الله تعالى في آخرها.
الحكم الخامس: تسقط الجزية بالإسلام والموت عند أبي حنيفة رحمه الله، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس على المسلم جزية».
وعند الشافعي رحمه الله لا تسقط.
الحكم السادس: قال أصحابنا: هؤلاء إنما أقروا على دينهم الباطل بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل وأيضاً مكناهم من أيديهم، فربما يتفكرون فيعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى، والله أعلم.
وبقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: كان ابن الراوندي يطعن في القرآن ويقول: إنه ذكر في تعظيم كفر النصارى.
قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحد، ثم إنه لما أخذ منهم ديناراً واحداً قررهم عليه وما منعهم منه.
والجواب: ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر، بل المقصود منها حقن دمه وإمهاله مدة، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن الإسلام وقوة دلائله، فينتقل من الكفر إلى الإيمان.
السؤال الثاني: هل يكفي في حقن الدم دفع الجزية أم لا؟
والجواب: أنه لابد معه من إلحاق الذل والصغار للكفر والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل والصغار، فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الإسلام ويسمع دلائل صحته، ويشاهد الذل والصغار في الكفر، فالظاهر أنه يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام، فهذا هو المقصود من شرع الجزية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ بيان للذين مع ما في حيزه.
نفى عنهم الإيمان بالله لأنّ اليهود مثنية والنصارى مثلثة.
وإيمانهم باليوم الآخر لأنهم فيه على خلاف ما يجب وتحريم ما حرّم الله ورسوله؛ لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة.
وعن أبي روق: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، وأن يدينوا دين الحق، وأن يعتقدوا دين الإسلام الذي هو الحق وما سواه الباطل.
وقيل: دين الله، يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده.
سميت جزية؛ لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنّهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل ﴿ عَن يَدٍ ﴾ إما أن يراد يد المعطي أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطي حتى يعطوها عن يد: أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة لأنّ من أبى وامتنع لم يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك قالوا: أعطى بيده.
إذا انقاد وأصحب.
ألا ترى إلى قولهم: نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطاعة عن عنقه، أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة، لا مبعوثاً على يد أحد.
ولكن عن يد المعطي إلى يد الأخذ، وأما على إرادة يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو عن إنعام عليهم.
لأنّ قبول الجزية منهم وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم ﴿ وَهُمْ صاغرون ﴾ أي تؤخذ منهم على الصغار والذل.
وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم- والمتسلم جالس، وأن يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلبيبه، ويقال له: أدّ الجزية، وإن كان يؤدّيها ويزخ في قفاه، وتسقط بالإسلام عند أبي حنيفة ولا يسقط به خراج الأرض.
واختلف فيمن تضرب عليه، فعند أبي حنيفة: تضرب على كل كافر من ذمي ومجوسي وصابئ وحربي، إلاّ على مشركي العرب وحدهم.
روى الزهري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان على الجزية، إلاّ من كان من العرب وقال لأهل مكّة: «هل لكم في كلمة إذا قلتموها دانت لكم بها العرب وأدّت إليكم العجم الجزية» ، وعند الشافعي لا تؤخذ من مشركي العجم.
والمأخوذ عند أبي حنيفة في أوّل سنة من الفقير الذي له كسب: اثنا عشر درهماً.
ومن المتوسط في الغني: ضعفها، ومن المكثر: ضعف الضعف ثمانية وأربعون، ولا تؤخذ من فقير لا كسب له.
وعند الشافعي: يؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينار، فقيراً كان أو غنياً، كان له كسب أو لم يكن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِهِما عَلى ما يَنْبَغِي كَما بَيَّناهُ في أوَّلِ « البَقَرَةِ» فَإنَّ إيمانَهم كَلا إيمانَ.
﴿ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وقِيلَ رَسُولُهُ هو الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ والمَعْنى أنَّهم يُخالِفُونَ أصْلَ دِينِهِمُ المَنسُوخِ اعْتِقادًا وعَمَلًا.
﴿ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ ﴾ الثّابِتِ الَّذِي هو ناسِخٌ سائِرَ الأدْيانِ ومُبْطِلُها.
﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ.
﴿ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ ﴾ ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعْطُوهُ مُشْتَقٌّ مِن جَزى دِينَهُ إذا قَضاهُ.
﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ عَنْ يَدٍ مُؤاتِيَةٍ بِمَعْنى مُنْقادِينَ، أوْ عَنْ يَدِهِمْ بِمَعْنى مُسْلِمِينَ بِأيْدِيهِمْ غَيْرِ باعِثِينَ بِأيْدِي غَيْرِهِمْ ولِذَلِكَ مَنَعَ مِنَ التَّوْكِيلِ فِيهِ، أوْ عَنْ غِنًى ولِذَلِكَ قِيلَ: لا تُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ، أوْ عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى عاجِزِينَ أذِلّاءَ أوْ مِنَ الجِزْيَةِ بِمَعْنى نَقْدًا مُسَلَّمَةً عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ أوْ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ فَإنَّ إبْقاءَهم بِالجِزْيَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ.
﴿ وَهم صاغِرُونَ ﴾ أذِلّاءُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنَ الذِّمِّيِّ وتُوجَأُ عُنُقُهُ.
ومَفْهُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الجِزْيَةِ بِأهْلِ الكِتابِ ويُؤَيِّدُهُ أنْ عَمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ حَتّى شَهِدَ عِنْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ.
وأنَّهُ قالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهِلِ الكِتابِ» وذَلِكَ لِأنَّهم لَهم شُبْهَةُ كِتابٍ فَأُلْحِقُوا بِالكِتابِيِّينَ، وأمّا سائِرُ الكَفَرَةِ فَلا تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ عِنْدَنا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى تُؤْخَذُ مِنهم إلّا مُشْرِكِي العَرَبِ لِما رَوى الزُّهْرِيُّ أنَّهُ صالَحَ عَبَدَةَ الأوْثانِ إلّا مَن كانَ مِنَ العَرَبِ، وعِنْدَ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى تُؤْخَذُ مِن كُلِّ كافِرٍ إلّا المُرْتَدَّ، وأقَلُّها في كُلِّ سَنَةٍ دِينارٌ سَواءً فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الغَنِيِّ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا وعَلى المُتَوَسِّطِ نِصْفُها وعَلى الفَقِيرِ الكَسُوبِ رُبُعُها ولا شَيْءَ عَلى الفَقِيرِ غَيْرِ الكَسُوبِ.
<div class="verse-tafsir"
{قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله} لأن اليهود مثنيّة والنصارى مثلثة {وَلاَ باليوم الأخر} لأنهم فيه على خلاف ما يجب حيث يزعمون أن لا أكل في الجنة ولا شرب {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ} لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة أو لا يعملون بما في التوراة والإنجيل {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق} ولا يعتقدون دين الإسلام الذي هو الحق يقال فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} بيان للذين قبله وأما المجوس فملقحون بأهل الكتاب في قبول الجزية وكذا الترك والهنود وغيرهما بخلاف مشركي العرب لما رُوي الزهري أن النبي عليه السلام صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب {حتى يُعْطُواْ الجزية} إلى أن يقبلوها وسميت جزية لأنه يجب على أهلها أن يجزوه أي يقضوه أو هي جزاء على الكفر على التحميل في تذليل {عَن يَدٍ} أي عن يدٍ موانية غير ممتنعة ولذا قالوا أعطى بيده إذا انقاد وقالوا انزع يده عن الطاعة أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة لا مبعوثاً على يدٍ أحد ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ {وَهُمْ صاغرون} أي تؤخذ منهم على الصغار والذل وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس وأن يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلبيه ويقال له أدِّ الجزية يا ذمي وإن
كان يؤديها ويزخ في قفاه وتسقط بالإسلام
﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أمْرٌ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ ومَنعِهِمْ مِن أنْ يَحُومُوا حَوْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وفي تَضاعِيفِهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى بَعْضِ طُرُقِ الإغْناءِ المَوْعُودِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصَّلاةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ وبِانْتِظامِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سَلَكِ المُشْرِكِينَ وإيمانِهِمُ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ، لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي فَهو كَلا إيمانٍ ﴿ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ أيْ: ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالوَحْيِ مَتْلُوًّا وغَيْرَ مَتْلُوٍّ، فالمُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ رَسُولُهُمُ الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ فَإنَّهم بَدَّلُوا شَرِيعَتَهُ وأحَلُّوا وحَرَّمُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمُ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ لا يَتَّبِعُونَ شَرِيعَتَنا ولا شَرِيعَتَهم، ومَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ سَبَبٌ لِقِتالِهِمْ وإنْ كانَ التَّحْرِيفُ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً ﴿ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ ﴾ أيِ: الدَّيْنَ الثّابِتَ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والمُرادُ بِهِ دِينُ الإسْلامِ الَّذِي لا يُنْسَخُ بِدِينٍ كَما نُسِخَ كُلُّ دِينٍ بِهِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى وبِدِينِهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ أيْ لا يَدِينُونَ بِدِينٍ مِنَ الأدْيانِ الَّتِي أنْزَلَها سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ وشَرْعِها لِعِبادِهِ والإضافَةُ عَلى هَذا عَلى ظاهِرِها ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ: جِنْسَهُ الشّامِلَ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ و( مِن ) بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم عَلى خِلافِ ما نَعَتَ ﴿ حَتّى يُعْطُوا ﴾ أيْ يَقْبَلُوا أنْ يُعْطُوا ( ﴿ الجِزْيَةَ ﴾ ) أيْ: ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعْطُوهُ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِن جَزى دَيْنَهُ أيْ قَضاهُ أوْ مِن جَزَيْتُهُ بِما فَعَلَ أيْ جازَيْتُهُ لِأنَّهم يُجْزُونَ بِها مَن مُنَّ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ عَنِ القَتْلِ، وفي ”الهِدايَةِ“ أنَّها جَزاءُ الكُفْرِ فَهي مِنَ المُجازاةِ، وقِيلَ: أصْلُها الهَمْزُ مِنَ الجَزْءِ والتَّجْزِئَةِ لِأنَّها طائِفَةٌ مِنَ المالِ يُعْطى، وقالَ الخُوارِزْمِيُّ: إنَّها مُعَرَّبٌ- كَزَيْتٍ، وهو الخَراجُ بِالفارِسِيَّةِ وجَمْعُها جِزًى كَلِحْيَةٍ ولِحًى ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُعْطُوا ) وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الجِزْيَةِ؛ واليَدُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اليَدَ المُعْطِيَةَ وأنْ تَكُونَ اليَدَ الآخِذَةَ و( عَنْ ) تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ وغَيْرَها أيْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مُؤاتِيَةٍ أيْ مُنْقادِينَ أوْ مَقْرُونَةٍ بِالِانْقِيادِ أوْ عَنْ يَدِهِمْ أيْ مُسَلِّمِينَ أوْ مُسَلِّمَةً بِأيْدِيهِمْ لا بِأيْدِي غَيْرِهِمْ مِن وكِيلٍ أوْ رَسُولٍ لِأنَّ القَصْدَ فِيها التَّحْقِيرُ وهَذا يُنافِيهِ ولِذا مُنِعَ مِنَ التَّوْكِيلِ شَرْعًا أوْ عَنْ غِنًى أيْ أغْنِياءَ أوْ صادِرَةٍ عَنْهُ ولِذَلِكَ لا تُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ العاجِزِ أوْ عَنْ قَهْرٍ وقُوَّةٍ أيْ أذِلّاءَ عاجِزِينَ، أوْ مَقْرُونَةً بِالذُّلِّ أوْ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ فَإنَّ إبْقاءَ مُهَجِهِمْ بِما بَذَلُوا مِنَ الجِزْيَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ أيْ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ أوْ كائِنَةً عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ أوْ نَقْدًا أيْ مُسَلَّمَةً عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ أوْ مُسَلِّمِينَ نَقْدًا، واسْتِعْمالُ اليَدِ بِمَعْنى الِانْقِيادِ إمّا حَقِيقَةً أوْ كِنايَةً، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هَذِي يَدِي لِعَمّارٍ أيْ أنا مُنْقادٌ مُطِيعٌ لَهُ، واسْتِعْمالُها بِمَعْنى الغِنى لِأنَّها تَكُونُ مَجازًا عَنِ القُدْرَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لَهُ، واسْتِعْمالُها بِمَعْنى الإنْعامِ وكَذا النِّعْمَةُ شائِعٌ ذائِعٌ، وأمّا مَعْنى النَّقْدِيَّةِ فَلِشُهْرَةِ يَدًا بِيَدٍ في ذَلِكَ، ومِنهُ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في الرِّبا، وما في الآيَةِ يُؤَوَّلُ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ اليَدُ الطُّولى في المَعانِي والبَيانِ.
وتَفْسِيرُ اليَدِ هُنا بِالقَهْرِ والقُوَّةِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَمَلَها عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها طَرْزُ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الثّانِي، وسائِرُ الأوْجَهِ ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وغايَةُ القِتالِ لَيْسَ نَفْسَ هَذا الإعْطاءِ بَلْ قَبُولَهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الفُقَهاءِ حَيْثُ قالُوا: إنَّهم يُقاتِلُونَ إلى أنْ يَقْبَلُوا الجِزْيَةَ، وإنَّما عَبَّرُوا بِالإعْطاءِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ القَبُولِ ﴿ وهم صاغِرُونَ ﴾ أيْ: أذِلّاءُ وذَلِكَ بِأنْ يُعْطُوها قائِمِينَ والقابِضُ مِنهم قاعِدٌ قالَهُ عِكْرِمَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنَ الذِّمِّيِّ ويُوجَأُ عُنُقُهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ يُؤْخَذُ بِتَلْبِيبِهِ ويُهَزُّ هَزًّا ويُقالُ: أعْطِ الجِزْيَةَ يا ذِمِّيُّ، وقِيلَ: هو أنْ يُؤْخَذَ بِلِحْيَتِهِ وتُضْرَبَ لَهْزَمَتُهُ، ويُقالَ: أدِّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى يا عَدُوَّ اللَّهِ، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الصَّغارَ هو جَرَيانُ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وكُلُّ الأقْوالِ لَمْ نَرَ اليَوْمَ لَها أثَرًا لِأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ فِيهِ قَدِ امْتازُوا عَلى المُسْلِمِينَ والأمْرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَثِيرٍ حَتّى أنَّهُ قُبِلَ مِنهم إرْسالُ الجِزْيَةِ عَلى يَدِ نائِبٍ مِنهم، وأصَحُّ الرِّواياتِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم بَلْ يُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِها بِأنْفُسِهِمْ مُشاةً غَيْرَ راكِبِينَ وكُلُّ ذَلِكَ مِن ضَعْفِ الإسْلامِ عامَلَ اللَّهُ تَعالى مَن كانَ سَبَبًا لَهُ بِعَدْلِهِ، وهي تُؤْخَذُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا ومِن مُشْرِكِي العَجَمِ والمَجُوسِ لا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ؛ لِأنَّ كُفْرَهم قَدْ تَغَلَّظَ لِما أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وأُرْسِلَ إلَيْهِمْ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنْفُسِهِمْ ونَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، وذَلِكَ مِن أقْوى البَواعِثِ عَلى إيمانِهِمْ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلّا السَّيْفُ أوِ الإسْلامُ زِيادَةً في العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ اتِّباعِ الوارِدِ في ذَلِكَ، فَلا يُرَدُّ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ تَغَلَّظَ كُفْرُهم أيْضًا لِأنَّهم عَرَفُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعْرِفَةً تامَّةً ومَعَ ذَلِكَ أنْكَرُوهُ وغَيَّرُوا اسْمَهُ ونَعْتَهُ مِنَ الكِتابِ، وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ لا تُؤْخَذُ مِنَ العَرَبِيِّ كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا وتُؤْخَذُ مِنَ العَجَمِيِّ كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا، وأخْذُها مِنَ المَجُوسِ إنَّما ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ صَحَّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْها مِنهم حَتّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ»، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّها تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ عَرَبِيًّا كانَ أوْ عَجَمِيًّا ولا تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الأوْثانِ مُطْلَقًا لِثُبُوتِها في أهْلِ الكِتابِ بِالكِتابِ وفي المَجُوسِ بِالخَبَرِ، فَبَقِيَ مَن وراءَهم عَلى الأصْلِ.
ولَنا أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم وكُلُّ مَن يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهُ يَجُوزُ ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِ إذا كانَ مِن أهْلِ النُّصْرَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَشْتَمِلُ عَلى سَلْبِ النَّفْسِ، أمّا الِاسْتِرْقاقُ فَظاهِرٌ لِأنَّ نَفْعَ الرَّقِيقِ يَعُودُ إلَيْنا جُمْلَةً، وأمّا الجِزْيَةُ فَلِأنَّ الكافِرَ يُؤَدِّيها مِن كَسْبِهِ، والحالُ أنَّ نَفَقَتَهُ في كَسْبِهِ فَكانَ أداءُ كَسْبِهِ الَّذِي هو سَبَبُ حَياتِهِ إلى المُسْلِمِينَ راتِبَةً في مَعْنى أخْذِ النَّفْسِ مِنهُ حُكْمًا، وذَهَبَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ إلى أنَّها تُؤْخَذُ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ ولا تُؤْخَذُ عِنْدَنا مِنِ امْرَأةٍ ولا صَبِيٍّ ولا زَمِنٍ ولا أعْمى، وكَذَلِكَ المَفْلُوجُ والشَّيْخُ، وعَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّها تُؤْخَذُ مِنهُ إذا كانَ لَهُ مالٌ ولا مِن فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ، ولا مِن مَمْلُوكٍ ومَكاتَبٍ ومُدَبَّرٍ، ولا تُؤْخَذُ مِنَ الرّاهِبِينَ الَّذِينَ لا يُخالِطُونَ النّاسَ كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ أصْحابِنا، وذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّها تُؤْخَذُ مِنهم إذا كانُوا يَقْدِرُونَ عَلى العَمَلِ وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ.
ثُمَّ إنَّها عَلى ضَرْبَيْنِ؛ جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّراضِي والصُّلْحِ فَتُقَدَّرُ بِحَسَبِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ كَما صالَحَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنِي نَجْرانَ عَلى ألْفٍ ومِائَتَيْ حُلَّةٍ ولِأنَّ المُوجِبَ التَّراضِي فَلا يَجُوزُ التَّعَدِّي إلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ.
وجِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الإمامُ بِوَضْعِها إذا غَلَبَ عَلى الكُفّارِ وأقَرَّهم عَلى أمْلاكِهِمْ فَيَضَعُ عَلى الغِنِيِّ الظّاهِرِ الغِنى في كُلِّ سَنَةٍ ثَمانِيَةً وأرْبَعِينَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ في كُلِّ شَهْرٍ مِنهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، وعَلى الوَسَطِ الحالِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ في كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ وعَلى الفَقِيرِ المُعْتَمِلِ وهو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى العَمَلِ وإنْ لَمْ يُحْسِنْ حِرْفَةً اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا في كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمًا، والظّاهِرُ أنَّ مَرْجِعَ الغِنى وغَيْرِهِ إلى عُرْفِ البَلَدِ.
وبِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الفَقِيهُ أبُو جَعْفَرٍ، وإلى ما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِنِ اخْتِلافِها غِنًى وفَقْرًا وتَوَسُّطًا ذَهَبَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الإمامَ يَضَعُ عَلى كُلِّ حالِمٍ دِينارًا أوْ ما يَعْدِلُهُ والغَنِيُّ والفَقِيرُ في ذَلِكَ سَواءٌ، لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا بَعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ قالَ لَهُ: خُذْ مِن كُلِّ حالِمٍ دِينارًا أوْ عِدْلَهُ مَعافِرَ ولَمْ يُفَصِّلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ صُلْحًا، ويُؤَيِّدُهُ ما في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن كُلِّ حالِمٍ وحالِمَةٍ لِأنَّ الجِزْيَةَ لا تَجِبْ عَلى النِّساءِ، والأصَحُّ عِنْدَنا أنَّ الوُجُوبَ أوَّلَ الحَوْلِ لِأنَّ ما وجَبَ بَدَلًا عَنْهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في المُسْتَقْبَلِ فَتَعَذَّرَ إيجابُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الحَوْلِ فَأوْجَبْناها في أوَّلِهِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّها تَجِبُ في آخِرِهِ اعْتِبارًا بِالزَّكاةِ.
وتَعَقَّبَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُنا الزَّكاةُ لِأنَّها وجَبَتْ في آخِرِ الحَوْلِ لِيَتَحَقَّقَ النَّماءُ فَهي لا تَجِبُ إلّا في المالِ النّامِي ولا كَذَلِكَ الجِزْيَةُ فالقِياسُ غَيْرُ صَحِيحٍ، واقْتَضى كَما قالَ الجَصّاصُ في أحْكامِ القُرْآنِ وُجُوبَ قَتْلِ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ إلى أنْ تُؤْخَذَ مِنهُمُ الجِزْيَةُ عَلى وجْهِ الصَّغارِ والذِّلَّةِ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم ذِمَّةٌ إذا تَسَلَّطُوا عَلى المُسْلِمِينَ بِالوِلايَةِ ونَفاذِ الأمْرِ والنَّهْيِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما جَعَلَ لَهُمُ الذِّمَّةَ بِإعْطاءِ الجِزْيَةِ وكَوْنِهِمْ صاغِرِينَ فَواجِبُ عَلى هَذا قَتْلُ مَن تَسَلَّطَ عَلى المُسْلِمِينَ بِالغَضَبِ وأخْذِ الضَّرائِبِ بِالظُّلْمِ وإنْ كانَ السُّلْطانُ ولّاهُ ذَلِكَ، وإنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وأمْرِهِ فَهو أوْلى وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ والنَّصارى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أعْمالَ السُّلْطانِ وأُمَرائِهِ ويَظْهَرُ مِنهُمُ الظُّلْمُ والِاسْتِعْلاءُ وأخْذُ الضَّرائِبِ لا ذِمَّةَ لَهم وأنَّ دِماءَهم مُباحَةٌ، ولَوْ قَصَدَ المُسْلِمُ مُسْلِمًا لِأخْذِ مالِهِ أُبِيحَ قَتْلُهُ في بَعْضِ الوُجُوهِ فَما بالُكَ بِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أعْداءِ الدِّينِ.
وقَدْ أفْتى فُقَهاؤُنا بِحُرْمَةِ تَوَلَّيْتِهِمُ الأعْمالَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِالنَّصِّ، وقَدِ ابْتُلِيَ الحُكّامُ بِذَلِكَ حَتّى احْتاجَ النّاسُ إلى مُراجَعَتِهِمْ بَلْ تَقْبِيلِ أيْدِيهِمْ كَما شاهَدْناهُ مِرارًا، وما كَلُّ ما يُعْلَمُ يُقالُ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، هَذا وقَدِ اسْتَشْكَلَ أخْذُ الجِزْيَةِ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِأنَّ كُفْرَهم مِن أعْظَمِ الكُفْرِ، فَكَيْفَ يُقِرُّونَ عَلَيْهِ بِأخْذِ دَراهِمَ مَعْدُوداتٍ.
وأجابَ القُطْبُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ لَيْسَ تَقْرِيرَهم عَلى الكُفْرِ بَلْ إمْهالَ الكافِرِ مُدَّةً رُبَّما يَقِفُ فِيها عَلى مَحاسِنِ الإسْلامِ وقُوَّةِ دَلائِلِهِ فَيُسْلِمُ، وقالَ الأتْقانِيُّ: إنَّ الجِزْيَةَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ تَقْرِيرِ الكُفْرِ وإنَّما هي عِوَضٌ عَنِ القَتْلِ والِاسْتِرْقاقِ الواجِبَيْنِ فَجازَتْ كَإسْقاطِ القِصاصِ بِعِوَضٍ، أوْ هي عُقُوبَةٌ عَلى الكُفْرِ كالِاسْتِرْقاقِ، والشِّقُّ الأوَّلِ أظْهَرُ حَيْثُ يُوهِمُ الثّانِي جَوازَ وضْعِ الجِزْيَةِ عَلى النِّساءِ ونَحْوِهِنَّ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّها بَدَلٌ عَنِ النُّصْرَةِ لِلْمُقاتِلَةِ مِنّا، ولِهَذا تَفاوَتَتْ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ يَجِبُ عَلَيْهِ النُّصْرَةُ لِلدّارِ بِالنَّفْسِ والمالِ، وحَيْثُ إنَّ الكافِرَ لا يَصْلُحُ لَها لِمَيْلِهِ إلى دارِ الحَرْبِ اعْتِقادًا أُقِيمَتِ الجِزْيَةُ المَأْخُوذَةُ المَصْرُوفَةُ إلى الغُزاةِ مَقامَها، ولا يَرِدُ أنَّ النُّصْرَةَ طاعَةٌ وهَذِهِ عُقُوبَةٌ فَكَيْفَ تَكُونُ العُقُوبَةُ خَلَفًا عَنِ الطّاعَةِ لِما في النِّهايَةِ مِن أنَّ الخَلِيفَةَ عَنِ النُّصْرَةِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ لِما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ القُوَّةِ لَهُمْ، وهم يُثابُونَ عَلى تِلْكَ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ أمْوالِهِمْ، وهَذا بِمَنزِلَةِ ما لَوْ أعارُوا دَوابَّهم لِلْغُزاةِ، ومِن هُنا تَعْلَمُ أنَّ مَن قالَ: إنَّها بَدَلٌ عَنِ الإقْرارِ عَلى الكُفْرِ فَقَدْ تَوَهَّمَ وهْمًا عَظِيمًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، يعني: لا يصدقون بتوحيد الله، وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ بالبعث بعد الموت، وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، في التوراة والإنجيل والقرآن، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، يقول: لا يخضعون لدين الحق، ولا يقرون بشهادة لا إله إلا الله.
ومعناه: لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، لأن أهل الكتاب كانوا يقرون بالله، ولكنهم قالوا: لله ولد، وأقروا بالبعث، ولكنهم لا يقرون لأهل الجنة بالنعمة، ولأنهم لا يقرون بالأكل والشرب والجماع ولا يقرّون كما أعلم الله تعالى فليسوا يدينون بدين الحق، يعني: دين الإسلام ويقال: دين الله تعالى، لأن الله تعالى هو الحق، فأمر الله تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية.
وهو قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ قال بعضهم: عن قهر وذلّ، كما تقول: اليد في هذا لفلان، يعني: الأمر النافذ لفلان.
ويقال: عَنْ يَدٍ، يعني: عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية وترك أنفسهم يد ونعمة عليهم.
ويقال: عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم.
ويقال: عَنْ يَدٍ يعني: عن قيام، يمشون بها صاغرين، تؤخذ من أيديهم.
وقال الأخفش: يعني: كرهاً.
وَهُمْ صاغِرُونَ، يعني: ذليلين.
قال الفقيه: قتال الكفار على ثلاثة أنواع: في وجه: يقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم مشركو العرب والمرتدون من الأعراب أو من غيرهم.
وفي وجه: يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وهم اليهود والنصارى والمجوس.
فأما اليهود والنصارى فبهذه الآية، وأما المجوس فبالخبر، وهو قوله : «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ» (١) (١) عزاه السيوطي: 4/ 169 إلى مالك والشافعي وأبي عبيد في الأموال وابن أبي شيبة عن عمر، عن عبد الرحمن بن عوف.
<div class="verse-tafsir"
وهزم اللَّهُ المشركين، وأَعْلَى كلمةَ الإِسلام إِلى يَوْمِ الدينِ، قال يَعْلَى بن عطاءٍ: فحدَّثني أبناءُ المنهزمين عَنْ آبائهم، قالوا: لم يَبْقَ منَّا أحَدٌ إِلا دخَلَ عينيه مِنْ ذلك التُّرَابِ واستيعابُ هذه القصة في كتب «السِّيَر» .
ومُدْبِرِينَ: نصب على الحال المؤكِّدة كقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [البقرة:
٩١] ، والمؤكِّدة هي التي يدلُّ ما قبلها عليها كدلالة التولِّي على الإِدبار.
وقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ...
الآية: السكينةُ: النَّصْر الذي سَكَنَتْ إِليه ومعه النفُوسُ، والجنودُ: الملائكةُ، والرُّعْبُ قال أبو حاجز يزيدُ بنُ عامرٍ: كان في أجوافنا مثلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ من الرُّعْبِ، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: بالقتل والأسْرِ، وروَى أبو داود، عن سهل بن الحَنْظَلِيَّة «١» أنهم سَارُوا مَعَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ حُنَيْنٍ، فأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عشِيَّةً، فحضرت الصّلاة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي انطلقت بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حتى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِم بظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ، وشِيَاهِهِمْ، اجتمعوا إِلَى حُنَيْنٍ، فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «تلك غنيمة المسلين غَداً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ...
» الحديثَ.
انتهى «٢» ، فكانوا كذلك غنيمة بحمد الله، كما أخبر صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، قال ابن عباس وغيره:
معنى الشِّرْكَ هو الذي نَجَّسهم كنجاسة الخَمْر «١» ، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على المُشْرِكِينَ، وعلى المَسْجِد الحرام، فقاسَ مالكٌ رحمه اللَّه وغيره جَميعَ الكُفَّار من أهْلِ الكتاب وغيرهم على المشركين، وقَاسَ سائرَ المساجِدِ على المَسْجِدِ الحرامِ، وَمَنَعَ مِنْ دخولِ الجميعِ في جميعِ المساجدِ، وقوَّةُ قوله سبحانه: فَلا يَقْرَبُوا يقتضي أمْرَ المسلمين بمَنْعهم.
وقوله: بَعْدَ عامِهِمْ هذا، يريد: بعد عامِ تِسْعٍ من الهجرة، وهو عَامُ حَجَّ أبو بَكْرٍ بالنَّاس.
وقوله سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، أي: فقْراً، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وكان المسلمون، لَمَّا مُنِعَ المشركون من المَوْسِم، وهم كانوا يجلبون الأطعمةَ والتجاراتِ، قَذَفَ الشيطان في نفوسهم الخَوْفَ من الفَقْر، وقالوا: مِنْ أيْنَ نعيش؟
فوعَدَهم اللَّه سبحانه بأنْ يغنيهم مِنْ فَضْله، فكان الأمر كما وعد اللَّه سبحانه، فأسلَمَتِ العربُ، فتمادَى حجُّهم وتَجْرُهم، وأغنى اللَّه من فضله بالجهادِ والظهورِ على الأُمَمِ.
وقوله سبحانه: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ/ ...
الآية: هذه الآيةُ تضمَّنت قتالَ أهْلَ الكتاب، قال مجاهد: وعند نزول هذه الآية أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غَزْوَ الرُّومِ، ومشَى نحو تَبُوكَ، ونفَى سبحانه عن أَهل الكتاب الإِيمان باللَّه واليوم الآخر حيث تركوا شَرْعَ الإِسلام وأَيضاً فكانَتِ اعتقاداتهم غيْرَ مستقيمةٍ، لأنهم تشعّبوا، وقالوا عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، واللَّهُ ثالِثُ ثلاثةٍ، وغَيْرَ ذلك ولهم أيضاً في البعث آراءٌ فاسدةٌ كشراءِ منازِلِ الجنَّة من الرُّهْبَانِ إِلى غير ذلك من الهَذَيان، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، أي: لا يطيعون، ولا يمتثلون ومنْه قولُ عائشة: «مَا عَقَلْتُ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ» ، والدِّينُ هنا: الشريعةُ، قال ابن القاسِمِ وأشْهَبُ وسَحْنُون: وتؤخذ الجزيةُ منْ مجوس العربِ والأمم كلِّها، وأما عَبَدة الأَوثان والنِّيران وغيرِ ذلك، فجمهور العلماء على قبولِ الجزيةِ منهم، وهو قولُ مالكٍ في «المدوَّنة» .
وقال الشافعيُّ وأبو ثور: لا تؤخذ الجزيةُ إِلا مِنَ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ فقطْ، وأما قَدْرها في مذْهَب مالك وغيره، فأربعةُ دنَانِير عَلَى أهْلِ الذَّهَبِ، وأربعون درْهماً عَلَى أَهْل الفضَّة، وهذا في العَنْوة، وأما الصُّلْح، فهو ما صالحوا عَلَيْه، قليلٌ أو كثيرٌ.
وقوله: عَنْ يَدٍ يحتمل وجوها:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانَ المُوَحِّدِينَ، لِأنَّهم أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُهم وأنَّهُ لَهُ ولَدٌ، وكَذَلِكَ إيمانُهم بِالبَعْثِ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: إقْرارُهم بِاليَوْمِ الآَخِرِ يُوجِبُ الإقْرارَ بِحُقُوقِهِ، وهم لا يُقِرُّونَ بِها، فَكانُوا كَمَن لا يُقِرُّ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي الخَمْرَ والخِنْزِيرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ ﴾ في الحَقِّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ، فالمَعْنى: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ صِفَةٌ لَلدِّينِ: والمَعْنى ولا يَدِينُونَ الدِّينَ الحَقَّ؛ فَأضافَ الِاسْمَ إلى الصِّفَةِ.
وفي مَعْنى "يَدِينُونَ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الطّاعَةِ، والمَعْنى: لا يُطِيعُونَ اللَّهَ طاعَةَ حَقٍّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن دانَ: الرَّجُلُ يَدِينُ كَذا: إذا التَزَمَهُ.
ثُمَّ في جُمْلَةِ الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يَدْخُلُونَ في دِينِ مُحَمَّدٍ ، لِأنَّهُ ناسِخٌ لِما قَبْلَهُ.
والثّانِي: لا يَعْمَلُونَ بِما في التَّوْراةِ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجِزْيَةُ الخَراجُ المَجْعُولُ عَلَيْهِمْ؛ سُمِّيَتْ جِزْيَةً، لِأنَّها قَضاءٌ لِما عَلَيْهِمْ: أُخِذَ مِن قَوْلِهِمْ: جَزى يَجْزِي: إذا قَضى؛ ومِنهُ؛ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ ، وقَوْلُهُ "وَلا تَجْزِي عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ" .
وفي قَوْلِهِ: (عَنْ يَدٍ) سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَنْ قَهْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَنْ قَهْرٍ وذُلٍّ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّقْدُ العاجِلُ، قالَهُ شَرِيكٌ، وعُثْمانُ بْنُ مُقْسِمٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إعْطاءُ المُبْتَدِئِ بِالعَطاءِ، لا إعْطاءُ المُكافِئِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: عَنِ اعْتِرافٍ لَلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ أيْدِيَهم فَوْقَ أيْدِيهِمْ.
والخامِسُ: عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهم إنْعامٌ عَلَيْهِمْ، حَكاهُما الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: يُؤَدُّونَها بِأيْدِيهِمْ، ولا يُنَفِّذُونَها مَعَ رُسُلِهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم صاغِرُونَ ﴾ الصّاغِرُ: الذَّلِيلُ الحَقِيرُ.
وَفِي ما يُكَلَّفُونَهُ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يُوجِبُ صِغارَهم خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَمْشُوا بِها مُلَبِّبِينَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنْ لا يُحْمَدُوا عَلى إعْطائِهِمْ، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونُوا قِيامًا والآَخِذُ جالِسًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ دَفْعَ الجِزْيَةِ هو الصَّغارُ.
والخامِسُ: أنَّ إجْراءَ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ هو الصَّغارُ.
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ في الَّذِينَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ مِنَ الكُفّارِ، فالمَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ: أنَّها لا تُقْبَلُ إلّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.
ونَقَلَ الحَسَنُ بْنُ ثَوابٍ عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ مِن سُبِيَ مِن أهْلِ الأدْيانِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، فالعَرَبُ إنْ أسْلَمُوا، وإلّا السَّيْفُ، وأُولَئِكَ إنْ أسْلَمُوا، وإلّا الجِزْيَةُ؛ فَظاهِرُ هَذا أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الكُلِّ، إلّا مِن عابِدِي الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ فَقَطْ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.
* فَصْلٌ فَأمّا صِفَةُ الَّذِينَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، فَهم أهْلُ القِتالِ.
فَأمّا الزَّمِنُ، والأعْمى، والمَفْلُوجُ، والشَّيْخُ الفانِي، والنِّساءُ، والصِّبْيانُ، والرّاهِبُ الَّذِي لا يُخالِطُ، النّاسَ فَلا تُؤْخَذُ مِنهم.
* فَصْلٌ فَأمّا مِقْدارُها، فَقالَ أصْحابُنا: عَلى المُوسِرِ: ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وعَلى المُتَوَسِّطِ: أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، وعَلى الفَقِيرِ المُعْتَمِلِ: اثْنا عَشَرَ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
وقَوْلُ مالِكٍ: عَلى أهْلِ الذَّهَبِ أرْبَعَةُ دَنانِيرَ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وسَواءٌ في ذَلِكَ الغَنِيُّ والفَقِيرُ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ دِينارٌ.
وهَلْ تَجُوزُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ مِمّا يُؤْخَذُ؟
مِنهم نَقَلَ الأثْرَمُ عَنْ أحْمَدَ: أنَّها تُزادُ وتُنْقَصُ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِمْ، فَظاهِرُ هَذا: أنَّها عَلى اجْتِهادِ الإمامِ ورَأْيِهِ.
ونَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بِخِتانَ: أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإمِامِ أنْ يُنْقِصَ مِن ذَلِكَ، ولَهُ أنْ يَزِيدَ.
* فَصْلٌ وَوَقْتُ وُجُوبِ الجِزْيَةِ: آَخِرُ الحَوْلِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ في أوَّلِ الحَوْلِ.
فَأمّا إذا دَخَلَتْ سَنَةً، في سَنَةٍ فَهَلْ تَسْقُطُ جِزْيَةُ السَّنَةِ الماضِيَةِ؟
عِنْدَنا لا تَسْقُطُ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ.
فَأمّا إذا أسْلَمَ، فَإنَّها تَسْقُطُ بِالإسْلامِ.
فَأمّا إنْ ماتَ؛ فَكانَ ابْنُ حامِدٍ يَقُولُ: لا تَسْقُطُ.
وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: يُحْتَمَلُ أنْ تَسْقُطَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ ﴾ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى حَتّى يَقْتُلُوا أو يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ: وعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ رَسُولُ اللهِ في غَزْوِ الرُومِ، ومَشى نَحْوَ تَبُوكَ، ومَن جَعَلَ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكِينَ فَهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهُ ناسِخَةٌ بِما فِيها مِن أخْذِ الجِزْيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ، ونَفى عنهُمُ الإيمانَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن حَيْثُ تَرَكُوا شَرْعَ الإسْلامِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُخُولُ فِيهِ، فَصارَ جَمِيعُ ما لَهم وفي اللهِ عَزَّ وجَلَّ وفي البَعْثِ مِن تَخَيُّلاتٍ واعْتِقاداتٍ لا مَعْنى لَها، إذْ تَلَقَّوْها مِن غَيْرِ طَرِيقِها، وأيْضًا فَلَمْ تَكُنِ اعْتِقاداتُهم مُسْتَقِيمَةً، لِأنَّهم تَشَعَّبُوا وقالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، واللهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَهم أيْضًا في البَعْثِ آراءٌ كَثِيرَةٌ، كَشِراءِ مَنازِلِ الجَنَّةِ مِنَ الرُهْبانِ، وقَوْلِ اليَهُودِ في النارِ: نَكُونُ فِيها أيّامًا بِعَدَدٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ فَبَيَّنَ ونَصَّ عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَدِينُونَ ﴾ فَمَعْناهُ: ولا يُطِيعُونَ ويَمْتَثِلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ما عَقَلْتُ أبَوَيَّ إلّا وهُما يَدِينانِ الدِينَ، والدِينُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وهي هاهُنا: الشَرِيعَةُ، وهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ ﴾ ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ فَنَصٌّ في بَنِي إسْرائِيلَ وفي الرُومِ، وأجْمَعَ الناسُ في ذَلِكَ، وأمّا المَجُوسُ فَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ"،» فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: مَعْنى ذَلِكَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، ولَيْسُوا أهْلَ الكِتابِ، فَعَلى هَذا لَمْ يَتَعَدَّ التَشْبِيهُ إلى ذَبائِحِهِمْ ومَناكِحِهِمْ، وهَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ في "الواضِحَةِ".
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ إذْ هم أهْلُ كِتابٍ، فَعَلى هَذا يَتَّجِهُ التَشْبِيهُ في ذَبائِحِهِمْ وغَيْرِها، والأوَّلُ هو قَوْلُ مالِكٍ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ قَدْ كانَ بُعِثَ في المَجُوسِ نَبِيٌّ اسْمُهُ زَرادِشْتُ، وأمّا مَجُوسُ العَرَبِ فَقالَ ابْنُ وهْبٍ: لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا بُدَّ مِنَ القِتالِ أوِ الإسْلامِ، وقالَ سِحْنُونُ، وابْنُ القاسِمِ، وأشْهَبُ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن مَجُوسِ العَرَبِ والأُمَمِ كُلِّها، وأمّا عَبَدَةُ الأوثانِ مِنَ العَرَبِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ اللهُ فِيهِمْ جِزْيَةً، ولا بَقِيَ مِنهم عَلى الأرْضِ بَشَرٌ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإنَّما لَهُمُ القِتالُ أوِ الإسْلامُ، وهو قَوْلُ أبُو حَنِيفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُوجَدُ لِابْنِ القاسِمِ أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمْ، وذَلِكَ أيْضًا في "التَفْرِيعِ" لِابْنِ الجَلّابِ، وهو احْتِمالٌ لا نَصٌّ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ مِنَ العَرَبِ فَذَهَبَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمْ، وأشارَ إلى المَنعِ مِن ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ، وأمّا السامِرَةُ والصابِئَةُ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهم مِنَ اليَهُودِ والنَصارى تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ وتُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم وعَلى هَذا لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنهُمْ، ومَنَعَ بَعْضُهُمُ الذَبِيحَةَ مَعَ إباحَةِ أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وأمّا عَبَدَةُ الأوثانِ والنِيرانِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى قَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وهو قَوْلُ مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ"، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: "لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إلّا مِنَ اليَهُودِ والنَصارى والمَجُوسِ فَقَطْ" ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِنَ الرِجالِ البالِغِينَ الأحْرارِ العُقَلاءِ، وهو قَوْلُ الشافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، ولا تُضْرَبُ عَلى الصِبْيانِ والنِساءِ والمَجانِينِ، ولا تُضْرَبُ عَلى رُهْبانِ الدِياراتِ والصَوامِعِ المُنْقَطِعِينَ، قالَ مالِكٌ في "الواضِحَةِ": "وَأمّا إنْ كانَتْ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْقَطَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَلا تَسْقُطُ عنهُمْ"، وأمّا رُهْبانُ الكَنائِسِ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِمْ، واخْتُلِفَ في الشَيْخِ الفانِي، ومَن راعى أنَّ عِلَّتَها الإذْلالُ أمْضاها في الجَمِيعِ، وقالَ النَقّاشُ: "العُقُوبَةُ الشَرْعِيَّةُ تَكُونُ في الأمْوالِ والأبْدانِ، فالجِزْيَةُ مِن عُقُوباتِ الأمْوالِ".
وأمّا قَدْرُها فَذَهَبَ رَحِمَهُ اللهُ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى ما فَرَضَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وذَلِكَ أرْبَعَةُ دَنانِيرَ عَلى أهْلِ الذَهَبِ، وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلى أهْلٍ الفِضَّةِ، وفَرَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ ضِيافَةً وأرْزاقًا وكُسْوَةً، قالَ مالِكٌ في "الواضِحَةِ": ويُحَطُّ ذَلِكَ عنهُمُ اليَوْمَ لِما عَلَيْهِمْ مِنَ اللَوازِمِ" فَهَذا أحَدُ ما ذُكِرَ عن عُمَرَ، وبِهِ أخْذَ مالِكٌ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: "رُوِيَتْ عن عُمَرَ ضَرائِبُ مُخْتَلِفَةٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يُسْرِهِمْ وعُسْرِهِمْ.
وقالَ الشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ: قَدْرُ الجِزْيَةِ دِينارٌ عَلى الرَأْسِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ أمْرُ رَسُولِ اللهِ مُعاذًا بِذَلِكَ، وأخْذُهُ جِزْيَةَ اليَمَنِ كَذَلِكَ أو قِيمَتُهُ مُعافِرَ، وهي ثِيابٌ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ لِذَلِكَ في الشَرْعِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وإنَّما ذَلِكَ إلى اجْتِهادِ الإمامِ في كُلِّ وقْتٍ، وبِحَسَبِ قَوْمٍ قَوْمٍ، وهَذا كُلُّهُ في العنوَةِ، وأمّا الصُلْحُ فَهو ما صُولِحُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ، واخْتُلِفَ في المَذْهَبِ في العَبْدِ الَّذِي يُعْتِقُهُ الذِمِّيُّ أوِ المُسْلِمُ، هَلْ يَلْزَمُهُ جِزْيَةٌ أمْ لا؟
وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا يُنْقَصُ أحَدٌ مِن أرْبَعَةِ دَنانِيرَ كانَ فَقِيرًا أو غَنِيًّا، وقالَ أصْبَغُ: يُحَطُّ الفَقِيرُ بِقَدْرِ ما يُرى مِن حالِهِ، وقالَ ابْنُ الماجِشُونَ: لا يُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ شَيْءٌ.
والجِزْيَةُ وزْنُها فِعْلَةٌ مَن جَزى يَجْزِي إذا كافَأ عَمّا أُسْدِيَ إلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوْها جَزاءَ ما مُنِحُوا مِنَ الأمْنِ، وهي كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: يَجْزِيكَ أو يُثْنِي عَلَيْكَ وإنَّ مَن ∗∗∗ أثْنى عَلَيْكَ بِما فَعَلْتَ كَمَن جَزى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن يَدٍ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ، مِنها أنْ يُرِيدَ سَوْقَ الذِمِّيِّ لَها بِيَدِهِ لا مَعَ رَسُولٍ لِيَكُونَ في ذَلِكَ إذْلالٌ لَهُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عن نِعْمَةٍ مِنكم قِبَلَهم في قَبُولِها مِنهم وتَأْمِينِهِمْ، واليَدُ في اللُغَةِ: النِعْمَةُ والصُنْعُ الجَمِيلُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عن قُوَّةٍ مِنكم عَلَيْهِمْ وقَهْرٍ لا تَبْقى لَهم مَعَهُ رايَةٌ ولا مَعْقِلٌ، واليَدُ في كَلامِ العَرَبِ: القُوَّةُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو يَدٍ، ويُقالُ: لَيْسَ لِي بِكَذا وكَذا يَدٌ، أيْ: قُوَّةٌ.
ومِنها أنْ يُرِيدَ: أنْ يُنْقِدُوها ولا يُؤَخِّرُوها، كَما تَقُولُ: بِعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عَنِ اسْتِسْلامٍ مِنهم وانْقِيادٍ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "ألْقى فُلانٌ بِيَدِهِ" إذا عَجَزَ واسْتَسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم صاغِرُونَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ وُجُوهًا لا تَنْحَصِرُ لِكَثْرَتِها، ذُكِرَ مِنها -عن عِكْرِمَةَ - أنْ يَكُونَ قابِضُها جالِسًا والدافِعُ مِن أهْلِ الذِمَّةِ قائِمٌ، وهَذا ونَحْوُهُ داعٍ إلى صَغارِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
الظاهر أن هذه الآية استيناف ابتدائي لا تتفرّع على التي قبلها، فالكلام انتقال من غرض نبْذِ العهد مع المشركين وأحوال المعاملة بينهم وبين المسلمين إلى غرض المعاملة بين المسلمين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، إذ كان الفريقان مسالمين المسلمين في أول بدء الإسلام، وكانوا يحسبون أنّ في مدافعة المشركين للمسلمين ما يكفيهم أمر التصدّي للطعن في الإسلام وتلاشي أمره فلمّا أخذ الإسلام ينتشر في بلاد العرب يوماً فيوماً، واستقلّ أمره بالمدينة، ابتدأ بعض اليهود يظهر إحَنَه نحو المسلمين، فنشأ النفاق بالمدينة وظاهرت قُريظة والنضير أهل الأحزاب لما غزوا المدينة فأذهبهم الله عنها.
ثم لمّا اكتمل نصر الإسلام بفتح مكّة والطائف وعمومه بلاد العرب بمجيء وفودهم مسلمين، وامتد إلى تخوم البلاد الشامية، أوجست نصارى العرب خيفة من تطرّقه إليهم، ولم تغمض عين دولة الروم حامية نصارى العرب عن تداني بلاد الإسلام من بلادهم، فأخذوا يستعدّون لحرب المسلمين بواسطة ملوك غسّان سادة بلاد الشام في ملك الروم.
ففي «صحيح البخاري» عن عمر بن الخطاب أنّه قال: «كان لي صاحب من الأنصار إذا غبتُ أتاني بالخبر وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر ونحن نتخوّف مَلِكاً من ملوك غسّان ذُكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا وأنّهم يُنْعِلون الخيلَ لغزونا فإذا صاحبي الأنصاري يدُقّ الباب فقال: افتح افتح.
فقلت: أجَاء الغسّاني.
قال: بل أشَدُّ من ذلك اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه إلى آخر الحديث.
فلا جرم لمّا أمِن المسلمون بأس المشركين وأصبحوا في مأمن منهم، أن يأخذوا الأهبة ليأمنوا بأس أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فابتدأ ذلك بغزو خيبر وقريظة والنضير وقد هُزموا وكفَى الله المسلمين بأسَهم وأورثَهم أرضهم فلم يقع قتال معهم بعد ثم ثنّى بغزوة تبوك التي هي من مشارف الشام.
وعن مجاهد: أنّ هذه الآية نزلت في الأمر بغزوة تبوك فالمراد من الذين أوتوا الكتاب خصوص النصارى، وهذا لا يلاقي ما تظافرت عليه الأخبار من أنّ السورة نزلت بعد تبوك.
و ﴿ مِن ﴾ بيانية وهي تُبَيِّن الموصولَ الذي قبلها.
وظاهر الآية أنّ القوم المأمور بقتالهم ثبتت لهم معاني الأفعال الثلاثة المتعاطفة في صلة الموصول، وأنّ البيان الواقع بعد الصلة بقوله: ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ راجع إلى الموصول باعتبار كونه صاحبَ تلك الصلات، فيقتضي أنّ الفريق المأمور بقتاله فريق واحد، انتفى عنهم الإيمانُ بالله واليوم الآخر، وتحريمُ ما حرم الله، والتديُّنُ بدين الحقّ.
ولم يُعرف أهل الكتاب بأنّهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
فاليهود والنصارى مثبتون لوجود الله تعالى ومؤمنون بيوم الجزاء.
وبهذا الاعتبار تحيّر المفسرون في تفسير هذه الآية فلذلك تأوّلوها بأنّ اليهود والنصارى، وإن أثبتوا وجود الله واليوم الآخر، فقد وصفوا الله بصفات تنافي الإلهية فكأنّهم ما آمنوا به، إذْ أثبتَ اليهود الجسمية لله تعالى وقالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ [المائدة: 64].
وقال كثير منهم: ﴿ عزيز ابن الله ﴾ [التوبة: 30].
وأثبت النصارى تعدّد الإله بالتثليث فقاربوا قول المشركين فهم أبعد من اليهود عن الإيمان الحقّ، وأنّ قول الفريقين بإثبات اليوم الآخر قد ألصقوا به تخيّلات وأكذوبات تنافي حقيقة الجزاء: كقولهم: ﴿ لن تمسسّنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ [البقرة: 80] فكأنّهم لم يؤمنوا باليوم الآخر.
وتكلّف المفسّرون لدفع ما يرد على تأويلهم هذا من المنوّع وذلك مَبسوط في تفسير الفخر وكلّه تعسّفات.
والذي أراه في تفسير هذه الآية أنّ المقصود الأهم منها قتال أهل الكتاب من النصارى كما علمتَ ولكنّها أدمجت معهم المشركين لئلا يتوهّم أحد أنّ الأمر بقتال أهل الكتاب يقتضي التفرّغ لقتالهم ومتاركة قتال المشركين.
فالمقصود من الآية هو الصفة الثالثة ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ .
وأمّا قوله: ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ إلى قوله ﴿ ورسوله ﴾ فإدماج.
فليس المقصود اقتصار القتال على من اجتمعت فيهم الصفات الأربع بل كل الصفة المقصودة هي التي أردفت بالتبيين بقوله: ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ وما عداها إدماج وتأكيد لما مضى، فالمشركون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون شيئاً ممّا حرم الله ورسوله لأنّهم لا شريعة لهم فليس عندهم حلال وحرام ولا يدينون دين الحق وهو الإسلام وأما اليهود والنصارى فيؤمنون بالله واليوم الآخر ويحرَمون ما حرّم الله في دينهم ولكنّهم لا يدينون دين الحقّ وهو الإسلام ويلحق بهم المجوس فقد كانت هذه الأديان هي الغالبة على أمممِ المعروففِ من العالم يومئذٍ، فقد كانت الروم نصارى، وكان في العرب النصارى في بلاد الشام وطي وكلب وقضاعة وتغلب وبَكر، وكان المجوس ببلاد الفرس وكان فرق من المجوس في القبائل التي تتبع ملوك الفرس من تميم وبَكر والبحرين، وكانت اليهود في خيبر وقريظة والنضير وأشتات في بلاد اليمن وقد توفّرت في أصحاب هذه الأديان من أسباب الأمر بقتالهم ما أومأ إليه اختيار طريق الموصولية لتعريفهم بتلك الصلات لأنّ الموصولية أمكن طريق في اللغة لحكاية أحوال كفرهم.
ولا تحسبنّ أنّ عطف جمل على جملة الصلة يقتضي لزوم اجتماع تلك الصلات لكلّ ما صدق عليه اسم الموصول، فإن الواو لا تقيد إلاّ مطلق الجمع في الحكم فإنّ اسم الموصول قد يكون مراداً به واحد فيكون كالمعهود باللام، وقد يكون المراد به جنساً أو أجناساً ممّا يثبت له معنى الصلة أو الصلات، عَلى أنّ حرف العطف نائب عن العامل فهو بمنزلة إعادة اسم الموصول سواء وقع الاقتصار على حرف العطف كما في هذه الآية، أم جمع بين حرف العطف وإعادة اسم الموصول بعد حرف العطف كما في قوله تعالى: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً والذين يبيتون لربّهم سجّداً وقياماً، والذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم إنّ عذابها كان غراماً إنّها ساءت مستقراً ومقاماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ﴾ [الفرقان: 63 68] فقد عطفت فيها ثمانية أسماء موصولة على اسم الموصول ولم يقتض ذلك أنّ كلّ موصول مختصّ المَاصْدَق على طائفة خاصّة بل العبرةِ بالاتّصاف بمضمون إحدى تلك الصلات جميعها بالأولى، والتعويل في مثل هذا على القرائن.
وقوله: ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ بيان لأقرب صلة منه وهي صلة ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ والأصل في البيان أن يكون بلصق المبين لأنّ البيان نظير البدل المطابق وليس هذا من فروع مسألة الصفة ونحوها الواردة بعد جمل متعاطفة مفرد وليس بياناً لجملة الصلة على أنّ القرينة تردّه إلى مردّه.
وفائدة ذكره التنديد عليهم بأنّهم أوتوا الكتاب ولم يدينوا دين الحقّ الذي جاء به كتابهم، وإنّما دانوا بما حرفوا منه، ومَا أنكروا منه، وما ألصقوا به، ولو دانوا دين الحق لاتّبعوا الإسلام، لأنّ كتابهم الذي أوتوه أوصاهم باتّباع النبي الآتي من بعد ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله تبغون ﴾ [آل عمران: 81 83].
وقوله: ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ﴾ .
بمعنى لا يجعلون حراماً ما حرّمه الله فإنّ مادة فعَّل تستعمل في جعل المفعول متّصفاً بمصدر الفعل، فيفيد قوله: ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أنّهم يجعلونه غير حرام والمراد أنّهم يجعلونه مباحاً.
والمقصود من هذا تشنيع حالهم وإثارة كراهيتهم لهم بأنّهم يستبيحون ما حرّمه الله على عباده ولمّا كان ما حرمه الله قبيحاً منكراً لقوله تعالى: ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ﴾ [الأعراف: 157] لا جرم أنّ الذين يستبيحونه دلّوا على فساد عقولهم فكانوا أهلاً لردعهم عن باطلهم على أنّ ما حرّم الله ورسوله شامل لكليات الشريعة الضروريات كحفظ النفس والنسب والمال والعرض والمشركون لا يحرّمون ذلك.
والمراد (برسوله) محمد صلى الله عليه وسلم كما هو متعارف القرآن ولو أريد غيره من الرسل لقال ورسله لأنّ الله ما حرّم على لسان رسوله إلاّ ما هو حقيق بالتحريم.
وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية تهيئة للمسلمين لأنّ يغزوا الروم والفرس وما بقي من قبائِل العرب الذين يستظلّون بنصر إحدى هاتين الأمّتين الذينَ تأخر إسلامهم مثل قضاعة وتغلب بتخوم الشَّام حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية.
و ﴿ حتّى ﴾ غاية للقتال، أي يستمرّ قتالكم إيّاهم إلى أن يعطوا الجزية.
وضمير ﴿ يعطوا ﴾ عائِد إلى ﴿ الذين أوتوا الكتاب ﴾ .
والجِزية اسم لمال يعطيه رجال قوم جزاء على الإبقاء بالحياة أو على الإقرار بالأرض، بنيتْ على وزن اسم الهيئة، ولا مناسبة في اعتبار الهيئة هنا، فلذلك كان الظاهر.
هذا الاسم أنّه معرب عن كلمة (كِزْيَت) بالفارسية بمعنى الخراج نقله المفسّرون عن الخوارزمي، ولم أقف على هذه الكلمة في كلام العرب في الجاهلية ولم يعرج عليها الراغب في «مفردات القرآن».
ولم يذكروها في «مُعَرَّب القرآن» لوقوع التردّد في ذلك لأنّهم وجدوا مادّة الاشتقاق العربي صالحة فيها ولا شكّ أنّها كانت معروفة المعنى للذين نزل القرآن بينهم ولذلك عُرّفت في هذه الآية.
وقوله: ﴿ عن يد ﴾ تأكيد لمعنى ﴿ يعطوا ﴾ للتنصيص على الإعطاء و ﴿ عن ﴾ فيه للمجاوزة.
أي يدفعوها بأيديهم ولا يقبل منهم إرسالها ولا الحوالة فيها، ومحلّ المجرور الحال من الجزية.
والمراد يَد المعطي أي يعطوها غير ممتنعين ولا منازعين في إعطائها وهذا كقول العرب «أعطى بيده» إذا انقاد.
وجملة ﴿ وهم صاغرون ﴾ حال من ضمير يعطوا.
والصاغر اسم فاعل من صَغر بكسر الغين صَغَراً بالتحريك وصَغَاراً.
إذا ذلّ، وتقدّم ذكر الصغار في قوله تعالى: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ﴾ في سورة الأنعام (124)، أي وهم أذلاّء وهذه حال لازمة لإعطاء الجزية عن يد: والمقصود منه تعظيم أمر الحكم الإسلامي، وتحقير أهل الكفر ليكون ذلك ترغيباً لهم في الانخلاع عن دينهم الباطل واتّباعهم دين الإسلام.
وقد دلّت هذه الآية على أخذ الجزية من المجوس لأنهم أهل كتاب ونقل عن ابن المنذر: لا أعلم خلافاً في أنّ الجزية تؤخذ منهم، وخالف ابنُ وهب من أصحاب مالك في أخذ الجزية من مجوس العرب.
وقال لا تقبل منهم جزية ولا بدّ من القتل أو الإسلام كما دلت الآية على أخذ الجزية من نصارى العرب، دون مشركي العرب: لأنّ حكم قتالهم مضى في الآيات السالفة ولم يتعرّض فيها إلى الجزية بل كانت نهاية الأمر فيها قوله: ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم ﴾ [التوبة: 5] وقوله ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم ﴾ [التوبة: 11] وقوله ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ [التوبة: 15].
ولأنّهم لو أخذت منهم الجزية لاقتضى ذلك إقرارهم في ديارهم لأنّ الله لم يشرع إجلاءهم عن ديارهم وذلك لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَأهْلُ الكِتابِ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَكَيْفَ قالَ ذَلِكَ فِيهِمْ ؟
فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ إقْرارَهم بِاليَوْمِ الآخِرِ يُوجِبُ الإقْرارَ بِجَمِيعِ حُقُوقِهِ، فَكانُوا بِتَرْكِ الإقْرارِ بِحُقُوقِهِ كَمَن لا يُقِرُّ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ ذَمَّهم ذَمَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ لِلْكُفْرِ بِنِعْمَتِهِ، وهم في الذَّمِّ بِالكُفْرِ كَغَيْرِهِمْ.
﴿ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَسْخِهِ مِن شَرائِعِهِمْ.
والثّانِي: ما أحَلَّهُ لَهم وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ ﴾ والحَقُّ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، وفي المُرادِ بِدِينِهِ في هَذا المَوْضِعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَمَلُ بِما في التَّوْراةِ مِنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: الدُّخُولُ في دِينِ الإسْلامِ لِأنَّهُ ناسِخٌ لِما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن آباءِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ.
الثّانِي: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ لِأنَّهُ في اتِّباعِهِ كَآبائِهِمْ.
﴿ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: حَتّى يَضْمَنُوا الجِزْيَةَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ لِأنَّهُ يَرى أنَّ الجِزْيَةَ تَجِبُ بِالقَضاءِ الحَوْلِ وتُؤْخَذُ مَعَهُ.
والثّانِي: حَتّى يَدْفَعُوا الجِزْيَةَ.
وَفي الجِزْيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الأسْماءِ المُجْمَلَةِ لا يُوَفَّقُ عَلى عِلْمِها إلّا بِالبَيانِ.
والثّانِي: أنَّها مِنَ الأسْماءِ العامَّةِ الَّتِي يَجِبُ إجْراؤُها عَلى عُمُومِها إلّا ما خُصَّ بِالدَّلِيلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَنْ غِنًى وقُدْرَةٍ.
والثّانِي: أنَّها مِن عَطاءٍ لا يُقابِلُهُ جَزاءٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنْ يَرَوْا أنَّ لَنا في أخْذِها مِنهم يَدًا عَلَيْهِمْ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ بِها.
والرّابِعُ: يُؤَدُّونَها بِأيْدِيهِمْ ولا يُنَفِّذُونَها مَعَ رُسُلِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ.
﴿ وَهم صاغِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يَكُونُوا قِيامًا والآخِذُ لَها جالِسًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: أنْ يَمْشُوا بِها وهم كارِهُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونُوا أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ دَفْعَها هو الصَّغارُ بِعَيْنِهِ.
والخامِسُ: أنَّ الصَّغارَ أنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أحْكامُ الإسْلامِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر رضي الله عنه إلى المشركين ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ فكان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع بها المسلمون، فلما حرم الله تعالى على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فأنزل الله تعالى ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ﴾ فأجل في الآية الأخرى التي تتبعها الجزية، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك فجعلها عوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم، فقال: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ إلى قوله: ﴿ صاغرون ﴾ فلما أحق ذلك للمسلمين عرفوا أنه قد عوضهم أفضل ما كانوا وجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة.
وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «القتال قتالان: قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله فإذا فاءت أعطيت العدل» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله...
﴾ الآية.
قال: نزلت هذه حين أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بغزوة تبوك.
وأخرج ابن المنذر عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: أنزلت في كفار قريش والعرب ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ﴾ [ البقرة: 193] وأنزلت في أهل الكتاب ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجزية عن يد قال «جزية الأرض والرقبة، جزية الأرض والرقبة» .
وأخرج النحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ قال: نسخ بهذا العفو عن المشركين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال من يليه من العرب أمره بجهاد أهل الكتاب.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ يعني الذين لا يصدقون بتوحيد الله ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ﴾ يعني الخمر والخنزير ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ يعني دين الإِسلام ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني من اليهود والنصارى أوتوا الكتاب من قبل المسلمين أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ﴾ يعني يذلون.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ عن يد ﴾ قال: عن قهر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه في قوله: ﴿ عن يد ﴾ قال: من يده ولا يبعث بها مع غيره.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سنان رضي الله عنه في قوله: ﴿ عن يد ﴾ قال: عن قدرة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عن يد وهم صاغرون ﴾ قال: ولا يلكزون.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سلمان رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم صاغرون ﴾ قال: غير محمودين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن المغيرة رضي الله عنه.
أنه بعث إلى رستم فقال له رستم: إلام تدعو؟
فقال له: أدعوك إلى الإِسلام، فأن أسلمت فلك ما لنا وعليك ما علينا.
قال: فإن أبيت؟
قال: فتعطي الجزية عن يد وأنت صاغر.
فقال: لترجمانه: قل له ما إعطاء الجزية فقد عرفتها فما قولك وأنت صاغر؟
قال: تعطيها وأنت قائم وأنا جالس والسوط على رأسك.
وأخرج أبو الشيخ عن سلمان رضي الله عنه أنه قال لأهل حصن حاصرهم الإِسلام: أو الجزية وأنتم صاغرون قالوا: وما الجزية؟
قال: نأخذ منكم الدراهم والتراب على رؤوسكم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن سلمان رضي الله عنه.
أنه انتهى إلى حصن فقال: إن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فأنبذناكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: أحب لأهل الذمة أن يتعبوا في أداء الجزية لقول الله تعالى ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مسروق رضي الله عنه قال: «لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس أهل هجر، ومن يهود اليمن ونصاراهم من كل حالم دينار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن بجالة قال: لم يأخذ عمر رضي الله عنه الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن بن محمد بن علي رضي الله عنهم قال: «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإِسلام، فمن أسلم قبل منه ومن أبى ضربت عليهم الجزية، حتى أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا ينكح منهم امرأة» .
وأخرج مالك والشافعي وأبو عبيد في كتاب الأموال وابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه.
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الناس في المجوس في الجزية فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» .
وأخرج ابن المنذر عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا من المجوس ما أخذت منهم، وتلا ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
أنه سئل عن أخذ الجزية من المجوس؟
فقال: والله ما على الأرض أحد أعلم بذلك مني إن المجوس كانوا أهل كتاب يعرفونه وعلم يدرسونه، فشرب أميرهم الخمر فسكر فوقع على أخته، فرآه نفر من المسلمين فلما أصبح قالت أخته: إنك قد صنعت بي كذا وكذا وقد رآك نفر لا يسترون عليك.
فدعا أهل الطمع فأعطاهم ثم قال لهم: قد علمتم أن آدم عليه السلام قد أنكح بنيه بناته، فجاء أولئك الذين رأوه فقالوا: ويل للأبعد إن في ظهرك حد الله فقتلهم أولئك الذين كانوا عنده، ثم جاءت امرأة فقالت له: بلى قد رأيتك لها: ويحاً لبغي بني فلان...
!
قالت: أجل، والله لقد كانت بغية ثم تابت فقتلها، ثم أسرى على ما في قلوبهم وعلى كتبهم فلم يصبح عندهم شيء.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإِسلام لم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعد جهاد آخر على هذه الأمة في شأن أهل الكتاب ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله قال: يقاتل أهل الأوثان على الإِسلام، ويقاتل أهل الكتاب على الجزية.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا ومنهم من لا يحل لنا، وتلا ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه، ولفظ ابن مردويه: لا يحل نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حرباً، ثم تلا هذه الآية.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: آخذ الأرض فأتقبلها أرضا خربة فأعمرها وأؤدي خراجها فنهاه ثم قال: لا تعمدوا إلى ما ولاه الله هذا الكافر فتخلعه من عنقه وتجعله في عنقك، ثم تلا ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون ﴾ إلى ﴿ صاغرون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ الآية، هذه الآية نزلت في أهل الكتاب، قال مجاهد: "نزلت حين أمر رسول الله - - بحرب الروم فغزا (١) (٢) - قتالهم فصالحوه، فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين" (٣) وإذا كانت الآية نازلة فيهم فمعنى قوله: ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ أن إقرارهم عن غير معرفة فليس بإيمان، وهذا معنى قول أبي إسحاق: "إنهم لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، فأعلم الله -عز وجل- أن ذلك غير إيمان، وأن إيمانهم بالبعث ليس على جهة الإيمان لأنهم لا (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد من الميتة والدم ولحم الخنزير" (٨) (٩) ﴿ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ﴾ ، قال الكلبي: "ولا يعبدون عبادة الحق" (١٠) (١١) ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ : (١٢) (١٣) (١٤) لئن حللت (١٥) (١٦) أي في طاعة عمرو، وطى هذا التقدير: لا يدينون دين أهل الحق، أي طاعة أهل الإسلام فحذف المضاف، وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد من اليهود والنصارى والصابئين" (١٧) ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ ﴾ ، قال الحسن: "قاتل رسول الله، أهل هذه (١٨) (١٩) ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ ﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ﴾ (٢٠) والجزية هي (٢١) ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ ، قال ابن عباس: "هو أنهم يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانًا، ولا يرسلون بها" (٢٢) وهو قوله: ﴿ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ أي: ذليلون مقهورون يتلتلون بها تلتلة (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ قال: "نقد (٢٧) (٢٨) وذكر أهل المعاني في قوله: ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ أقوالاً:- روى أبو عبيد عن أبي عبيدة قال: "كل من انطاع (٢٩) (٣٠) ﴿ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ ، قال القتيبي: "يقال أعطاه عن يد، وعن ظهر يد: إذا أعطاه مبتدئًا غير مكافيء" (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) أحدها (٣٥) ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ أي عن ذلٍ واعترافٍ للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم.
والثاني: ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ عن قهر وذلٍ، كما تقول اليد في هذا لفلان أي: الأمر النافذ لفلان (٣٦) والثالث: ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ أي: عن إنعام عليهم بذاك؛ لأن قبول الجزية منهم (٣٧) (٣٨) (٣٩) وحكى غيره: ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ أي: عن جماعة، لا يعفى عن ذي فضل منهم لفضله" واليد: جماعة القوم، يقال: القوم على يد واحدة أي هم مجتمعون (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ : عن ظهور عليهم وغلبة لهم من قولهم: لا يد لي (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ قد ذكرنا قولًا واحداً فيه عن ابن عباس، وهو أنهم يمشون بها من غير ركوب ولا توكيل (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) فأما حكم هذه الآية: فاعلم أن المشركين فريقان: فريق هم عبدة الأوثان، وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية ويجب قتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئون (٥٠) (٥١) (٥٢) -: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٥٣) (٥٤) وأما قدرها فقال أنس: "قسم رسول الله - - على كل محتلم دينارًا" (٥٥) - على الفقراء من أهل الذمة اثنى عشر درهمًا، وعلى الأوساط (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى" (٦٢) ومصرف الجزية مصرف الفيء ولا يجوز صرف شيء منها إلى مصرف الصدقات (٦٣) (١) في (ى): (فغزوا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لأنه أسد في انتظام الكلام، ولموافقته لما في تفسير الثعلبي.
(٢) رواه الثعلبي 6/ 92 ب وهو كذلك في تفسير مجاهد ص 367.
(٣) ذكره الثعلبي 6/ 92 ب.
(٤) (لا) ساقطة من (ح).
(٥) في (ى): (أن)، وما أثبته موافق لـ"معاني القرآن وإعرابه".
(٦) قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" 2/ 382: "لما كفروا بمحمد لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد الرسل، ولا بما جاؤوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ؛لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه"ا.
هـ.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 441، وقد اختصر المؤلف كلام الزجاج.
(٨) لم أقف على مصدره.
(٩) لم أقف على مصدره، وقد رواه ابن أبي حاتم 6/ 1778، عن سعيد بن جبير.
(١٠) في "تنوير المقباس" عنه عن ابن عباس ص 191: ("لا يخضعون لله بالتوحيد").
(١١) هو: شيبان بن عبد الرحمن التيمي مولاهم، أبو معاوية البصري، المؤدب، كان == معلمًا صدوقًا ثقة صاحب كتاب، روى عن قتادة والحسن البصري وغيرهما، وتوفي سنة 641 هـ.
انظر: "الكاشف" 1/ 491، و"تقريب التهذيب" ص 369 (2833)، و"تهذيب التهذيب" 2/ 475.
(١٢) انظر قول قتادة في تفسير الثعلبي 6/ 93 أ، والبغوي 4/ 34.
(١٣) ما بين المعقوفين من (م).
(١٤) البيت في "شرح ديوانه" ص 183، و"تفسير ابن جرير" 10/ 109.
و"جو": موضع في ديار بني أسد، و"عمرو": هو عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء، و"فدك": قرية معروفة شمال الحجاز.
والشاعر يخاطب الحارث بن ورقاء الأسدي، الذي أغار على إبل زهير، وأسر راعيه وكانت بنو أسد تحت نفوذ عمرو بن هند ملك العراق، فهدد زهير الحارث بهجاء لاذع إن لم يرد الإبل والراعي، يقول بعد البيت المذكور: ليأتينك مني منطق قذع ...
باق، كما دنس القبطية الودك انظر: "شرح الديوان" ص 164، 183.
(١٥) (حللت) ساقط من (ى).
(١٦) اهـ.
كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 255.
(١٧) "تنوير المقباس" ص191، دون ذكر الصابئين، وقد اختلف المؤرخون والمفسرون في حقيقة دين الصابئة، والصححيح أن هذا الاسم يطلق على فرقتين: الأولى: الصابئة الحرانية، وهؤلاء هم امتداد قوم إبراهيم - -، ويذكر الدكتور == النشار نقلاً -عن البيروني- أن هؤلاء الوثنيين عباد الكواكب إنما تسموا باسم الصابئة أيام المأمون بفتوى شيخ فقيه من أهل حران حتى ينجوا من القتل أو إلزامهم بالإسلام.
الثانية: الصابئة على وجه الحقيقة، وهؤلاء قوم من اليهود تخلفوا ببابل بعد عودة قومهم إلى فلسطين، ووضعوا مذهبًا ممتزجًا من اليهودية والمجوسية، ويتجهون في صلاتهم نحو القطب الشمالي ولا يزال لهم وجود في العراق.
انظر: "المصنف" للصنعاني 6/ 124، و"الملل والنحل" للشهرستاني (الهامش في) 2/ 95، و"المغني" 13/ 203، و"تفسير الرازي" 16/ 31، و"نشأة الفكر الفلسفي" د.
النشار 1/ 209 - 219.
(١٨) ساقط من (ي).
(١٩) هذا يوحي بأن جهاد أهل الكتاب من أجل الجزية، والواقع أن الهدف من القتال نشر نور الله في الآفاق، والقضاء على الحواجز التي تحول دون إبلاغ الناس كلام الله، والجزية ضريبة على المعاهد الذي رغب البقاء على دينه، وهي في مقابل حمايته والدفاع عنه، وتأمين الأمن له في ظل الدولة الإسلامية.
(٢٠) رواه الثعلبي 6/ 93 ب، لكنه لم يقل: يعني الجزية ورواه أيضًا ابن أبي شيبة وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 412 لكن لفظهما "على هذه الأمة" بدل "على هذه الطعمة" وبه يزول الإشكال.
(٢١) ساقط من (ى).
(٢٢) رواه الثعلبي 6/ 94 ب، ورواه مختصرًا البغوي 4/ 33، وأشار إليه ابن جرير 10/ 110 بقوله: وذلك قول روي عن ابن عباس من وجه فيه نظر.
(٢٣) في (ى): (ثلثله)، والتلتله: الشدة والعنف في السوق، انظر: "لسان العرب" (تلل) 1/ 442.
(٢٤) (فيه) ساقط من (ى).
(٢٥) هو: يحيى بن آدم بن سليمان، أبو زكريا الأموي مولاهم الكوفي، العلامة الحافظ المجود، كان ثقة، كثير الحديث، من كبار أئمة الاجتهاد، توفي سنة 203 هـ.
انظر: "التاريخ الكبير" 8/ 261، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 359، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 522، و"تهذيب التهذيب" 4/ 337.
(٢٦) هو: عثمان بن مقسم البري، أبو سلمة الكندي مولاهم البصري أحد فقهاء البصرة المفتين، على ضعف في حديثه وبدعة فيه، وقد تركه النسائي والقطان وابن معين وغيرهم.
انظر: "التاريخ" 6/ 252، وكتاب "الضعفاء الصغير" ص 164، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 325، و"ميزان الاعتدال" 3/ 453.
ملحوظة: عثمان المذكور روى له الترمذي (1941)، كتاب: البر، باب: ما جاء في الخيانة والغش حديثًا من طريق زيد بن الحباب عن أبي سلمة الكندي عن فرقد.
وقد اعتبر ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص 646 (8146) أبا سلمة مجهولاً، والصحيح أنه هو عثمان البري.
انظر: السير، الموضع السابق.
(٢٧) هكذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة": نقدًا.
ومراد المؤلف: عن نقد، كما في "معالم التنزيل" 4/ 33.
(٢٨) "تهذيب اللغة" (يدى) 4/ 3975، ولفظه: قال: نقدًا عن ظهر يد، ليس بنسيئة.
(٢٩) في (م): (أطاع).
(٣٠) اهـ.
كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 256.
(٣١) اهـ.
كلام القتيبي، انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 184.
(٣٢) في (ح): (ومنكم أتاهم)، وهو خطأ.
(٣٣) ابن قتيبة ينفي مكافأة أهل الذمة للمسلمين، بل يدفعون الجزية بلا مقابل، والمؤلف ينفي مكافأة المسلمين لهم، فهم إذا دفعوا الجزية لا يرد المسلمون مكافأة لها.
(٣٤) في (ي): (وجهًا).
(٣٥) في (ى): (آخر).
(٣٦) ساقط من (ى).
(٣٧) في (ى): (منكم).
(٣٨) ساقط من (ح).
(٣٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 442 بنحوه، والنص منقول من "تهذيب اللغة" (يدي) 14/ 240.
(٤٠) في "لسان العرب" (يدي) 8/ 4954: "يد الرجل: جماعة قومه وأنصاره، عن ابن الأعرابي".
(٤١) من (م) وفي سائر النسخ: .
(٤٢) رواه ابن ماجه (1683)، كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأحمد في "المسند" 2/ 215، وسنده حسن كما في "صحيح الجامع الصغير" رقم (6712) 2/ 1137.
(٤٣) في (ى): (له).
(٤٤) لم أجده فيما بين يدي من كتب أبي علي الفارسي.
(٤٥) تقدم تخريجه.
(٤٦) لم أجد من ذكره.
(٤٧) رواه ابن جرير 10/ 109، والبغوي 4/ 33.
(٤٨) ذكره الثعلبي 6/ 94 أ، والبغوي 4/ 33.
(٤٩) ذكر هذا القول من غير نسبة ابن جرير 10/ 109، والثعلبي 6/ 94 أ، والبغوي 4/ 34، والماوردي 2/ 352، وابن الجوزي 3/ 421.
(٥٠) سبق التعريف بهم.
(٥١) السامرة: فرقة من اليهود لهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود وينكرون نبوة من عدا موسى وهارون ويوشع بن نون عليهم السلام والنبي المنتظر، وقبلتهم جبل بنابلس، ولا يعرفون حرمة لبيت المقدس، وهم فرقتان: الدوستانية الألفانية، والكوسانية، والأولى لا تقر بالبعث في الآخرة.
انظر: "الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 98، و"الملل والنحل" (بهامش الفصل) 2/ 58.
(٥٢) يعني الصابئين والسامرة.
(٥٣) رواه مالك في "الموطأ"، كتاب الزكاة (42) 1/ 233، ومن طريقه رواه الشافعي في "الأم" 4/ 246، والبيهقي في "السنن الصغير"، كتاب الجزية رقم (3703) 4/ 4، و"الكبرى"، كتاب الجزية، باب المجوس 9/ 319، وابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب الجهاد، باب ما قالوا في المجوس رقم (12697) 12/ 243، وهو حديث ضعيف كما في "فتح الباري" 6/ 261، و"إرواء الغليل" رقم (1248) 5/ 88.
(٥٤) رواه البخاري (3157)، كتاب الجزية، باب: الجزية والموادعة (1586)، وأبو داود، (2501) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أخذ الجزية من المجوس والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس، والدارمي، كتاب الجهاد، باب في أخذ الجزية من المجوس، رقم (2501) 2/ 307، وأحمد في "المسند" 1/ 191.
(٥٥) ذكره الثعلبي 6/ 93 ب مع أثر عمر الذي بعده، بغير سند، والحديث مشهور عن معاذ، فقد رواه عنه أبو داود (1576)، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والترمذي (623)، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر، والنسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة البقر 5/ 25، والحاكم 1/ 398 قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٥٦) في (ح): (الأوسط).
(٥٧) رواه أبو عبيد في كتاب "الأموال" (ص 50)، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الجهاد، باب ما قالوا في وضع الجزية رقم (12689) 12/ 241 بنحوه عن محمد ابن عبد الله الثقفي.
(٥٨) هذا مذهب الشافعي -رحمه الله- انظر: "الأم" 4/ 253 - 256، وفي المسألة أقوال للفقهاء انظرها في كتاب "الأموال" لأبي عبيد ص 49 - 52، و"المغني" 13/ 209 - 212.
(٥٩) في (ح): (كلفنا).
(٦٠) في (ى): (ألزمناه).
(٦١) انظر: كتاب "الأم" 4/ 267، وهذا بناء على أن الاختيار في الابتداء إليهم، وناقض العهد يعتبر مبتدئًا.
(٦٢) انظر: "لباب التأويل في معاني التنزيل" 2/ 215، و"تفسير الرازي" 16/ 32.
(٦٣) قال أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 248، 249: "اختلف قول الشافعي - - فيما يحصل من مال الفيء بعد رسول الله - - فقال في أحد القولين: يصرف في المصالح؛ لأنه مال راتب لرسول الله فصرف بعد موته في المصالح كخمس الخمس، فعلى هذا يبدأ بالأهم، وهو سد الثغور، وأرزاق المقاتلة، ثم الأهم فالأهم، وقال في القول الثاني: هو للمقاتلة ...
ولا يعطى من الفيء صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال؛ لأن الفيء للمجاهدين".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اتفق العلماء على أن يصرف منه -يعني الفيء- أرزاق الجند المقاتلين، الذين يقاتلون الكفار، فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ منهم الفيء، وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين، أم تختص به == المقاتلة؟
على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: أنه لا يختص به المقاتلة، بل يصرف في المصالح كلها" ثم قال: " ..
فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة كالمجاهدين، وكولاة أمورهم، من ولاة الحرب، وولاة الديوان، وولاة الحكم ...
ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضاً".
"مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (28/ 565، 566).
<div class="verse-tafsir"
﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر ﴾ أمرَ بقتال أهل الكتاب، ونفي عنهم الإيمان بالله لقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، ونفى عنهم الإيمان بالله باليوم الآخر لأن اعتقادهم فيه فاسد، فإنهم لا يقولون بالمعاد والحساب ﴿ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ ﴾ لأنهم يستحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك ﴿ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق ﴾ أي لا يدخلون في الإسلام ﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ بيان للذين أمر بقتالهم وحين نزلت هذه الآية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك لقتال النصارى ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية ﴾ اتفق العلماء على قبول الجزية من اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس، لقوله صلى الله عليه وسلم: سُنوا بهم سنة أهل الكتاب واختلفوا في قبولها من عبدة الأوثان والصابئين ولا توخذ من النساء والصبيان والمجانين، وقدرها عند مالك أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الورق، ويؤخذ ذلك من كل رأس ﴿ عَن يَدٍ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما دفع الذميّ لها بيده لا يبعثها مع أحد ولا يمطل بها كقولك يداً بيد، الثاني عن استسلام وانقياد كقولك: ألقى فلان بيده ﴿ وَهُمْ صاغرون ﴾ أذلاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عزير ابن ﴾ بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب.
الباقون: بغير تنوين ﴿ يضاهئون ﴾ بالهمز.
عاصم.
الآخرون ﴿ يضاهون ﴾ بحذف الهمزة.
﴿ أن يطفوا ﴾ و ﴿ ليواطوا ﴾ بحذف الهمزة فيهما.
يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ اثنا عشر ﴾ بسكون العين: يزيد والخزاز ﴿ إنما النسي ﴾ بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف.
الباقون: بباء بعدها همزة.
﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه.
﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس.
الباقون ﴿ يضل ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد.
الوقوف: ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ المسيح ابن الله ﴾ ط ﴿ بأفواههم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ج ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً.
﴿ واحداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ لا لتعلق "لو" بما قبله ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ أليم ﴾ ه لا أي في يوم.
﴿ وظهورهم ﴾ ط ﴿ تكنزون ﴾ ه ﴿ حرم ﴾ ط ﴿ يقاتلونكم كافة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية.
واعلم أنه ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم ﴿ لا يؤمنون بالله ﴾ فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأنإيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية.
واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء.
والمشهور أن كلام الله واحد.
واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟.
وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا.
وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني.
وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق.
نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى.
الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني.
والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها.
الصفة الثالثة: ﴿ ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما.
وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم.
الصفة الرابعة: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق.
يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده.
وقيل: الحق هو الله.
ثم ذكر غاية القتال فقال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه.
قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده.
وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل.
ومعنى ﴿ عن يد ﴾ إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون السمن بسببهما.
أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم.
قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟
والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم.
أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.
فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي.
وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر.
والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ويروى أنه أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب.
ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها.
وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه.
وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.
وأما قوله ﴿ وهم صاغرون ﴾ فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم.
والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.
وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه.
وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة.
وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية.
والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي.
وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها.
ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم.
قال الشافعي في أحد قوليه.
العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول.
ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية.
وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام.
ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز" قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما.
وما روي أنه أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين.
وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله ﴿ قاتلوا ﴾ مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان.
ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟.
ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ الآية.
العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر.
وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم.
أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا.
وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف.
وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر.
وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة.
وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد.
يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك.
ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً.
عن ابن عباس: جاء رسول الله سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.
وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله.
وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.
وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق.
وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب.
وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس.
قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة.
ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله.
وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.
ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه.
هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى.
الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم .
وقال المسيح للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة.
ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم قال ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ﴾ أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير.
فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب.
ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ﴿ يضاهنون ﴾ من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده.
ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار.
والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله.
وقيل: الضمير في ﴿ يضاهئون ﴾ للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم.
ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟.
ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون.
والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع.
واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.
نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟
فقلت: بلى.
فقال: فتلك عبادتهم.
قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟
فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله.
قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا.
وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين.
وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف.
وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله.
وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟!
وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين.
فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً ﴿ وما أمروا ﴾ الضمير للمتخذين.
والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين.
ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال { عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما.
وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه.
ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: وإن أرادوا ظلمنا أبينا *** امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف.
وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة.
ثم أكد ذلك المعنى بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ أي بكثرة الدلائل والمعجزات ﴿ ودين الحق ﴾ لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة.
ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين.
عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان.
وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج.
قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام.
وقد جاء في الحديث: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب.
وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن.
وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام.
وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة.
ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ فيه مدح منه لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام.
وقوله ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ ولو كره المشركون ﴾ إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ﴾ الآية.
وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله .
ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله.
وفي قوله ﴿ كثيراً ﴾ دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم.
وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسمما هو أعظم مقاصده.
وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها.
وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته.
ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلكالأكاذيب.
ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا.
أما قوله ﴿ ويصدّون عن سبيل الله ﴾ فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه.
ثم قال ﴿ والذين يكنزون ﴾ الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه.
والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع.
قيل: المراد بقوله ﴿ والذين يكنزون ﴾ الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم.
وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين.
ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟!
عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟
قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.
وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة.
فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً.
قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول.
وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.
فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.
فقال: ما عسى يصنع بي قريش.
واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته.
عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز.
وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.
وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.
وعن ابن عباس: قوله ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.
قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات.
وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد.
وحجة الأولين قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ {محمد: 36] وقوله : "كل امرىء أحق بكسبه" "نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" وقد كان رسول الله جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته.
حجة الأقلين عموم الآية "وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلتقال رسول الله : تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً فقالوا له : أي مال نتخذ؟
قال: لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه" .
وقوله: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله : كية.
وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان.
وعن عليّ : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد.
ومن المعقول أن الله خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده.
وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه.
وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده.
وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه.
هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه.
وقد ورد أيضاً في الحديث: "ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم" وهو مشهور.
ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما.
ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه قال: "لا زكاة في الحلي المباح" ولم يصححه أبو عيسى الترمذي.
وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال ﴿ ولا ينفقونها ﴾ فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة.
وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ﴾ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ﴾ وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب *** وقيار كذلك.
ثم قال ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.
ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله ﴿ نار حامية ﴾ ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.
فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير.
﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها.
إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود.
ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة.
ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين.
ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان.
ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما.
ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره.
وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق.
ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال ﴿ هذا ما كنزتم ﴾ والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال ﴿ إن عدّة الشهور ﴾ الآيتان وذلك أنه لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم.
واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ والسنة القمرية.
عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله ﴿ إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ﴿ في كتاب الله ﴾ بقوله ﴿ عدّة الشهور ﴾ للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر.
فقوله ﴿ في كتاب الله ﴾ و ﴿ يوم خلق ﴾ الثاني بدل من الأول وهو من عند.
والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.
وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم.
ويجوز أن يكون ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان.
لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا.
إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق.
قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.
وقيل: القرآن.
﴿ منها أربعة حرم ﴾ ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه ﴿ فلا تظلموا فيهن ﴾ أي في الأشهر الأربعة ﴿ أنفسكم ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً.
عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت.
وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول.
وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ﴾ والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة.
وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك.
ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي.
ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾ عائد إلى ﴿ اثنا عشر ﴾ والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء.
قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمعالكثرة تختار ضمير الوحدة.
قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت.
ثم قال عز من قائل ﴿ وقاتلوا المشركين ﴾ وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة.
ومعنى ﴿ كافة ﴾ جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً.
ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية.
وقال الزجاج: نصبه على الحال.
ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً.
وفي وجه التشبيه في قوله ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم.
وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم.
فعلى الأول يكون ﴿ كافة ﴾ حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة.
ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ﴿ إنما النسيء ﴾ وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير.
وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها.
وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها.
وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول.
واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح.
ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر.
احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان.
وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار.
وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس.
وفي قوله ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً.
قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ الضمير فيه عائد إلى النسيء.
قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام.
ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه.
قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.
قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر.
ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه.
ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه.
والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله ﴿ ليواطئوا عدّة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي من القتال وترك الاختصاص.
قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه.
والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد.
قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله فهذا هو المراد بالمواطأة.
وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية.
وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة.
وإنمالزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ على هذا التفسير.
ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع.
ومعنى قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس.
ومعنى قوله ﴿ ليواطؤا عدّة ما حرم الله ﴾ ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً.
ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله أعلم.
التأويل: ﴿ قاتلوا ﴾ النفوس ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ﴾ بتعبده ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ أي لا يعملون للآخرة ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ﴾ من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ﴿ وحرم ﴾ ﴿ رسوله ﴾ على نفسه ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يطلبون الحق ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ من النفوس الملهمة بالواردات الربانية ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ وهي معاملتها على خلاف طبعها ﴿ عن يد ﴾ عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب ﴿ ابن الله ﴾ وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وهم النفوس الكافرة الذين ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ أي قلوبهم ﴿ ورهبانهم ﴾ أي أرواحهم ﴿ أرباباً ﴾ والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب.
فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ﴿ يريدون ﴾ أي النفوس ﴿ أن يطفئوا نور الله ﴾ الذي رش على الأرواح في بدء الخلق ﴿ بأفواههم ﴾ أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ﴿ ليظهره ﴾ في طلب الحق على طلب غيره ﴿ إن كثيراً ﴾ من أحبار القلوب ورهبان الأرواح ﴿ ليأكلون ﴾ أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى ﴿ يحمى عليها في نار جهنم ﴾ الحرص ﴿ فتكوى بها ﴾ جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق ﴿ وجنوبهم ﴾ حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات ﴿ وظهورهم ﴾ حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم ﴿ هذا ﴾ الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ﴿ ما كنزتم ﴾ ﴿ فذوقوا ﴾ الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى.
ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج.
ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: النهي عن دخول المسجد الحرام نفسه.
وعندنا أن النهي عن دخول المسجد الحرام نهي عن دخول مكة نفسها للحج وإقامة العبادات؛ دليله وجوه: أحدها: قوله: ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ولو كان لدخول المسجد، لكان ذلك العام أحق عن المنع في دخوله من غيره.
والثاني: [قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
والثالث: قوله: "ألا لا يحجن بعد العام مشرك" .
وفي آخر الآية دلالة ذلك؛ لأنه قال:] ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وخوف العيلة إنما يكون عن دخول مكة؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه، لكان لا خوف عليهم في ذلك؛ لأنهم يحضرون ويدخلون مكة للتجارة، فلا خوف عليهم في ذلك.
أو أن يقال: إنه ذكر المسجد الحرام؛ لما أنهم كانوا يقصدون البيت والحج به، فيكون النهي عن دخول المسجد نهياً عن الحج نفسه، وهو ما روي في الخبر أنه بعث عليّاً في الموسم بأربع، وأمره أن ينادي في الناس ألا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدته، فإذا مضت مدته [فإن الله] برئ من المشركين ورسوله، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك.
فالنهي الذي ورد عن دخول المسجد إنما هو نهي عن الحج نفسه، لأن البيت هو الذي يقصد إليه فيه.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ...
﴾ الآية [آل عمران: 97]، وقال: ﴿ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ...
﴾ الآية [البقرة: 158]، وقال: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، [الحج: 29] ذكر البيت، وهو المقصود بالحج في الإسلام والكفر جميعاً؛ فعلى ذلك خرج النهي، لكنه ذكر المسجد؛ لما أن البيت فيه.
فإذا كان ما ذكرنا: فإن شئت فاجعل آخر الآية تفسير أولها، وهو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وهو ما ذكرنا أن النهي لو كان لدخول المسجد نفسه دون غيره من البقعة، لكان ليس [عليهم] خوف العيلة؛ لأنهم يدخلون مكة، ويتجرون فيها، ولا يدخلون المسجد.
وإن شئت فاجعل أول الآية تفسير آخرها، وهو قوله: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ وهو ما ذكرنا.
فإذا كان ما ذكرنا، دل أن المشرك لا يدخل المسجد الحرام، وخبر علي بن أبي طالب - - [أيضاً] يدل على ذلك، فأما من كان من أهل الذمة والعبيد منهم: فليسوا - والله أعلم - بداخلين في الآية إذا كانوا ممن لا يحج.
فإن قيل: فقد روي عن علي بن أبي طالب - - أنه نادى: ألا لا يدخل الحرم مشرك، ولم يذكر الحج.
قيل: له روي عنه أنه قال: ناديت ألا يحج بعد العام مشرك؛ فيكون قوله: لا يدخل الحرم مشرك؛ على الحج؛ على ما ذكرنا.
وقد روي عن رسول الله [أنه رخص في دخول المسجد للعبيد والإماء، وروي عن جابر بن عبد الله عن النبي ] قال: "لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا، إلا أن يكون عبداً أو أمة" .
يحتمل استثناء العبد والأمة؛ لأن العبد لا يدخل للحج ولإقامة العبادة، إنما يدخل لخدمة المولى إذا كان مسلماً.
وفي بعض الأخبار: "أو أحداً من أهل الذمة" وعن جابر بن عبد الله موقوفاً كذلك: "أو أحداً من أهل الذمة" وفيه دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: "أن لا بأس للكافر أن يدخل المسجد"، وقال: أرأيت لو أراد أن يسمع كلام الله ليؤمن فيمنع عن ذلك، ويؤمر المُستمعُ إتيان ذلك المشرك فيسمع كلامه، فيكون الآمر إبلاغ المأمن لذلك المشرك الإمام دل أنه لا بأس لذلك.
وقد ذكرنا أن ليس في ظاهر الآية دلالة النهي عن دخول المسجد؛ بل المراد من ذكر المسجد ما ذكرنا من الحج وإقامة العبادة لغير الله.
ألا ترى إلى قول الله: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ وأن سبيل مكة كلها هذا السبيل، وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ والحرم كله منحر؛ إلا أن المعنى في ذلك - والله أعلم - ما ذكرنا ألا يدخل المشركون حجاجاً؛ ألا ترى أنا نعلم أن المشركين لم يزالوا مقيمين في الحرم بعد النداء، ولم يخلو عنه.
ومما يدل على ذلك - أيضاً - قول الله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ فإن كان يعني به موضع العهد، فإن ذلك العهد يوم الحديبية عند الشجرة، فقد صار ذلك الموضع من المسجد الحرام، وهو في المسافة بعيد منه، [وإن كان يعني به] الذين عوهدوا، فإنهم كانوا يوم نادى علي - - فذلك خارج من مكة؛ لأن أهل مكة قد كانوا [أسلموا] قبل ذلك حين فتحها النبي، فحاضري المسجد الحرام [هم من كان نازلاً] خارج مكة في الحرم وما حوله.
وقوله: "ولا يقرب المسجد الحرام مشرك".
يخرج على وجوه: [أحدها]: لا تدعوهم يقربوا المسجد الحرام.
والثاني: قولوا لهم: لا تقربوا المسجد الحرام.
والثالث: على البشارة؛ أي: إذا قلتم لهم ذلك فلا يقربوا بعد ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ أي: أفعال المشركين نجس، والعبادات التي يأتون فيها نجس، وهو ما ذكر حيث قال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ، صير عمل الشيطان رجساً؛ فعلى ذلك العبادات التي يقيمونها نجسة، فالنهي عن الحج نهي عن إقامة العبادات لغير الله؛ لأن تلك البقعة نزهت عن إقامة العبادة لغير الله.
ثم اختلف في قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ قال بعضهم: هو نجس الأفعال.
وقال بعضهم: هو نجس الأحوال.
والأشبه أن يكون نجس الأفعال؛ لأن قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ يخرج مخرج الذم، ولا يحتمل أن يذموا ويشتموا بنجاسة الأحوال؛ دل أنه إنما لحقهم ذلك الذم بما اكتسبوا من الأفعال الذميمة، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ رجس نجس؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ ، أي: نجسة الأفعال؛ لأن ذلك من كسبهم، فاستوجبوا المذمة لكسبهم، وأما الأحوال فلا صنع لهم فيها.
وقوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
قيل: خافوا من العيلة لما نُفي المشركون من مكة؛ لأن معايش أهل مكة إنما كانت من الآفاق، وبأهل الآفاق كانت سعتهم وتجارتهم، لكن الله وعدهم السعة والغنى بقوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ ﴾ ، قال بعضهم: دل قوله: ﴿ إِن شَآءَ ﴾ على أنه إنما وعدهم الإغناء في بعض الأوقات.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِن شَآءَ ﴾ كان من رسول الله؛ لأنه أمر رسوله أن يعدهم الإغناء، وهو مأمور أن يستثني في جميع ما يعده؛ بقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ ﴾ : بهؤلاء الذين نفوا عنه؛ لأنه حبب إليهم التجارة والمكاسب وما ينالون الأرباح بها يحملهم ذلك على الإسلام فيسلمون، فيدخلون فيها يحملهم حب التجارة على الإسلام، فيكون لهم بهم غنى، كما كان يحملهم حب التجارة والربح على الهجرة، وقوله: ﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾ فعلى ذلك الأول.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : الجزية التي ذكرها في الآية التي تتلو هذه.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ .
بما أضمروا من خوف العيلة أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما لهم وعليهم، وممن يكون لهم الغنى.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ في أمره وحكمه.
وفي قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه معلوم أنهم أضمروا ذلك في أنفسهم، ثم أخبرهم رسول الله بذلك؛ دل أنهم علموا أنه إنما عرف ذلك بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ الآية.
ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، أخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؛ [و] هم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر فما المعنى منه؟!
قيل: هم وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله له ولد كما ذكره على أثره، وهو قوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ فالإيمان بإله له ولد ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين، وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة، فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به.
أو أن يقال: إنهم وإن أقروا بما ذكرنا وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء أحلها الله لهم، ومن آمن بالكتب كلها والرسل ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم، فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له.
وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...
﴾ \[إلى آخر\] الآية.
فإن قال لنا ملحد: إنكم تقاتلون الكفرة للكفر، ثم إذا أعطوكم شيئاً من المال تركتم مقاتلتهم، فلو كان قتالكم إياهم لذلك لا لطمع في الدنيا، لكنتم لا تتركون مقاتلتهم لشيء يبذلونكم، وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه، لكان النساء في ذلك والرجال سواء؛ إذ هم في الكفر شرعاً سواء.
وقالوا: لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا، وهو حكمة، والآمر بذلك حكيم لكان الناس جميعاً في ذلك سواء، ولا تتركون أحداً لشيء من ذلك؛ بل يقاتلون أبداً ولا ترضون منهم غيره.
فيقال لهم: إنا لن نقاتل الكفرة للكفر، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا إلى ذلك [وإلا قتلناهم] ليضطرهم القتل إلى الإسلام [لهذا ما نقاتلهم لشيء سواه فإذا كان في آخذ الجزية] معنى ما [ندعوهم إلى الإسلام]، فإذا قبلوا ذلك تركناهم على ذلك؛ لعلهم يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا؛ لا أنا تركناهم رغبة فيما نأخذ منهم أو طمعاً في ذلك.
وأصله المحنة؛ إذ الدار دار المحنة، ليست بدار الجزاء، والمحنة تكون بمختلف الأشياء لا يجوز تلفها؛ مرة يمتحنهم بالقتال، ومرة بأخذ الأموال، ومرة بالشدائد؛ كقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...
﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ ﴾ وقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ونحو ذلك، فإذا كان ذلك محنة لا جزاءً جاز ذلك، وكان ذلك حكمة.
وأما قولهم بأنا نقاتل الرجال ولا نقاتل النساء ونسترقهن؛ لأنهن أتباع الرجال في جميع الأحوال وخدم لهم، فإذا أسلموا أسلمن؛ هذا معروف فيما بينهم؛ إذ هن في أيدي الرجال يفعلون بهن ما شاءوا، وأصله ما ذكرنا أن القتال محنة، ليس هو جزاء الكفر؛ إذ الدار دار محنة، فله أن يمتحن بعضاً بالقتل، وبعضاً بأخذ المال، وبعضاً لا بذا ولا ذاك، ولو كان جزاء لسوى بينهم، [و] هو التخليد في النار أبداً.
فإن قيل: ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة إذا كانوا أهل الكتاب أو المجوس، وترك الأخذ من مشركي العرب؟.
قيل: لوجوه: أحدها: أن ليس لمشركي العرب دين يدينون به يقاتلون عن ذلك الدين، ولا لهم أصل يعتمدون عليه، أو كتاب يكلون إليه، إنما هم قوم يقاتلون عن قبائلهم، ويتناصرون بهم، ولغيرهم من الكفرة دين يدينون به، وأصل يعتمدون عليه، ويحاجون الناس بالحجاج التي لهم؛ فإذا كان كذلك، أمكن إقامة الحجج على هؤلاء، وإلزام البراهين، ولا كذلك مشركو العرب؛ إذ لا دين لهم ينسبون إليه، ولا مذهب يدعون غيرهم إليه بالحجاج، وأمكن في غيرهم؛ لذلك افترقا، والله أعلم بذلك.
والثاني: أنهم تمنوا أن يكون لهم رسول من جنسهم يتبعونه فيما يدعوهم إليه، ونذير يجيبونه، حتى أقسموا على ذلك، وأكدوا القول في ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ الآية [الأنعام: 109]، ولم يكن من غيرهم من الكفرة ما كان منهم؛ فإذا كان كذلك فهم يقاتلون أبداً حتى يوفوا ما وعدوا؛ كقوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ .
والثالث: لفضل رسول الله؛ إذ كان منهم ومن جنسهم، فلا يترك أحد في تلك البقعة على غير دينه.
وأمكن أن يكون وجه آخر: وهو أن مشركي العرب في حد القليل أمكن المقاتلة معهم والقيام لهم؛ فلا يرضى منهم إلا الإسلام، وأما غيرهم من الكفرة في بقاع مختلفة: فهم كثير، إذا اجتمعوا لم يكن في وسع أهل الإسلام القيام لهم والقتال معهم، فيلحق المسلمين في ذلك ضرر بين؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ...
﴾ الآية.
قد ذكرنا أنهم وإن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند أنفسهم أنهم - في الحقيقة - غير مؤمنين؛ لأن شرط إيمانهم الإيمان بالرسل جميعاً والكتب أجمع، فهم قد تركوا الإيمان ببعض الرسل، وببعض الكتب، ومن كفر برسول من الرسل، أو بكتاب من الكتب، أو بحرف منها - كان كافراً بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .
يحتمل أنهم لا يحرمون تحريف الكتاب وكتمان نعت رسول الله، والله حرم ذلك عليهم.
أو لا يحرمون عبادة الأوثان، والله ورسوله يحرم ذلك.
أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الخمر والخنزير وغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
وهو الإسلام؛ لأنه دين توجبه العقول كلها، وتشهد به خلقة الخلائق كلها.
أو أن يقول: لا يدينون دين الذي له الحق، إنما يدينون بدين الذي لا حق له، وهو دين الشيطان، وهو ما يدعوهم إلى عبادة الأصنام، فيجيبونه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ ﴾ ، أي: يقبلوها، لا على الإعطاء نفسه، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ هو على القبول لها، لا على الفعل نفسه.
ويحتمل: نفس الإعطاء، وهو - والله أعلم - لما جعلت الجزية لحقن الدماء، فتقدم؛ لتحقن بها الدماء.
وقوله: ﴿ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ عَن يَدٍ ﴾ ، أي: لا يؤخر قبضها عن وقت قبولها؛ بل تؤخذ يداً بيد، [وقال بعضهم: عن يد] أي: عن قهر وغلبة.
وقيل: ﴿ عَن يَدٍ ﴾ ، أي: عن طوع وطيب.
وقيل: عن جماعتهم.
لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة.
وقوله: ﴿ صَاغِرُونَ ﴾ قيل: ذليلون، وهو من الذل؛ يقال: صغر الرجل يصغر صغاراً، فهو صاغر، أي: ذل؛ فهو ذليل.
وقيل: ﴿ صَاغِرُونَ ﴾ \[أي\]: مذمومون.
وعن ابن عباس - -: يمشون بها متبلين.
وأصله: الذلة، وهو الخضوع - والله أعلم - الذلة التي ذكر الله في قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ ، فإذا قبلوا ذلك، فقد أذعنوا بالذل والصغار.
وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، أما اليهود والنصارى: فلا خلاف بين أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية، أخذت منه وأقر على دينه.
وأمّا المجوس: فإنه تؤخذ منهم الجزية؛ لما روي عن عمر - - أنه قال: ما أدري ما أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين، ولا من أهل الكتاب قال عبد الرحمن بن عوف: أشهد أني سمعت رسول الله يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وفي بعض الروايات: "أشهد أن رسول الله أخذ الجزية من مجوس هجر" .
وعن علي أن أبا بكر وعمر أخذا الجزية من المجوس.
وقال علي ابن أبي طالب: أنا أعلم الناس بهم، كانوا أهل كتاب يقرءونه، وأهل علم يدرسونه، فنزع ذلك من صدورهم.
وعن أبي رزين عن أبي موسى قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها.
وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: كتب النبي إلى المنذر: "من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا - فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، ومن أحبّ ذلك من المجوس فهو آمن، ومن أبى فعليه الجزية" [وفي بعض الروايات: "استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، له ما لنا، وعليه ما علينا، ومن ترك ذلك فعليه الجزية." وعلى ذلك مضت الأئمة، ولم ينكر أحد من السلف، حتى قال قوم في المجوس: إنما أخذت منهم الجزية؛ لأنهم أهل كتاب، فأحلوا ذبائحهم ونساءهم، وذهبوا إلى ما روي عن علي.
وقال آخرون: ليسوا من أهل كتاب، ولكن الجزية تؤخذ منهم؛ اتباعاً لقول رسول الله : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم" ، وما روي عن الصحابة وأئمة الهدى.
ثم المسألة في تقدير الجزية: روي في بعض الأخبار عن رسول الله أنه بعث معاذاً إلى اليمن، فقال له: "خذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافريا" وروي عن عمر - - أنه بعث عثمان بن حنيف إلى السواد، وأمره أن يضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهماً، وأبعة وعشرين درهماً، واثني عشر درهماً.
وفي بعض الروايات أنه ضرب على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً [وجعل] مع ذلك إرزافاً للمسلمين، وضيافة ثلاثة أيام.
وأصحابنا يجعلونهم ثلاث طبقات: أغنياء، وأوساطاً، وفقراء، فيأخذون من الغني الموسر ثمانية وأربعين درهماً، ومن الوسط أربعة وعشرين درهماً، و من الفقير المحترف اثني عشر درهماً.
وفي بعض الأخبار: أربعين درهماً وأربعة دنانير، وضيافة ثلاثة أيام وعشرين درهماً وديناراً، وهو ما ذكرنا ثمانية وأربعين بغير الضيافة وغير المؤنة.
وما روي من أربعين درهماً أو أربعة دنانير مع الضيافة والرزق الذي ذكر في الخبر، وهذا من عمر بحضرة المهاجرين والأنصار، فلم يأت عن أحد منهم النكير عليه ولا الردّ، فهو كالاتفاق منهم على ذلك.
ثم لا يحتمل أن يكون عمر قدر ذلك التقدير رأياً منه؛ لأن المقدرات والمحدودات سبيل معرفتها التوقيف والسمع، لا العقل؛ فهو كالمسموع عن رسول الله .
وما روي من حديث معاذ حين أمره النبي - - أن يأخذ من أهل اليمن من كل حالم ديناراً، فذلك يحتمل أن يكون أمر بذلك؛ لما كانوا أهل ضعف وفقر، على ما روي عن عمر في الضعفاء من أهل مصر والشام، وليس هو الحدّ الذي لا يلزم أكثر من ذلك؛ لما ذكرنا أن عمر ألزم المياسير أكثر من دينار، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة؛ فدل فعلهم على ما وصفناه.
ثم المسألة في تمييز أصحاب الطبقات بين الموسر الغني، وبين الوسط والفقير.
قال بعضهم: الفقير: من يحترف وليس له مال تجب في مثله الزكاة على المسلمين، وهم الفقراء المحترفون، فمن كانت له أقل من مائتي درهم فهو من أهل هذه الطبقة، والطبقة [الثانية]: أن يبلغ مال الرجل مائتي درهم.
فقال بعضهم: إذا بلغ ماله أربعة آلاف درهم وزاد عليها، صار من أهل الطبقة الثالثة، واحتجوا بقول علي بن أبي طالب - - وابن عمر؛ حيث قالا: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما فوق ذلك كنز.
وقد يجوز أن يجعل الطبقة الثانية من ملك مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم، وما زاد على ذلك يجعل من الطبقة الثالثة؛ لحديث روي عن رسول الله برواية أبي هريرة قال: "من ترك عشرة آلاف درهم، جعلت صفائح يعذب بها يوم القيامة" ثم في قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ دلالة على أن الجزية إنما تؤخذ ممن يجب أن يقاتل إن لم يبذلها، والنساء والصبيان [لا يقاتلون] ولا يقتلن إن ظهر بهم، فلا يجب أن توضع عليهم الجزية بدليل الكتاب؛ إذ كان الله إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن يقاتل، وكذلك فعل عمر والأئمة بعده.
روي أن عمر - - كتب إلى أمراء الجيوش: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، ولا تقتلوا الصبيان والنساء، ولا تقتلوا إلا من جرت عليه المواسي.
وكتب إلى عماله: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان.
وفي بعض الروايات أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألا تأخذوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، قال: والجزية أربعون درهماً أو أربعة دنانير.
[و] في خبر معاذ دلالة لذلك؛ حيث قال: بعثني رسول الله إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافريّاً.
بين معاذ أن رسول الله أمره أن يأخذ ذلك من الرجال دون النساء والصبيان.
فإن قيل: روي عن معاذ: قال: أمرني رسول الله أن آخذ من كل حالم وحالمة ديناراً.
وفي بعض الروايات عنه أنه قال: أن آخذ من كل حالم ذكراً أو أنثى ديناراً؛ فإن كان هذا مثبتاً محفوظاً، فهو دليل لما يؤخذ من نصارى بني تغلب، ويكون حكم نساء العرب من أهل الكتاب فيما يؤخذ منهم خلاف نساء العجم منهم.
أو أن يقال: إنه غير محفوظ؛ لما عمل الأمة بخلافه؛ لأن الوفاق قد جرى على أن لا جزية على النساء، ولو كان محفوظاً لظهر العمل به.
أو أن يكون قوله: "خذ من كل حالم [وحالمة] ديناراً"، أي: خذ منهما ديناراً ولا تأخذ من كل واحد ديناراً؛ كقوله: "لكل سهو سجدتان لا يلزمه أكثر من ذلك" ثم نذكر مسألة ليس في الآية ذكرها، وهي أن الجزية إذا ضربت، فدخلت سنة أخرى قبل أن يؤديها - أخذت منه للسنة الثانية، ولم تؤخذ للسنة الأولى الماضية، ليس كسائر الديون؛ [لأن مجوسيّاً لو أسلم بعد مضي السنة لم يطالب بجزية العام الماضي، فلو كانت كسائر الديون لطولب بها المسلم كما يطالب بمال يكون عليه إذا أسلم أو بقي على مجوسيته، فلما لم يطالب، دل أنه ليست كسائر الديون].
فإن قيل: أليس الخراج يطالب به من أخره من سنة إلى سنة؟!
قيل: ليست الجزية مثل الخراج؛ [لأن الخراج] يجب على المسلم في أرضه، فهو كسائر الديون.
فإن قيل: إن المجوسي إذا أسلم بعد مضي السنة، طولب بالجزية للسنة الماضية.
قيل: روي عن عمر أنه رفع الجزية بالإسلام، فقال: والله، إن في الإسلام لمعاذاً إن فعل ترفع عنه الجزية.
وروي في بعض الأخبار عن نبي الله أنه قال: "ليس على مسلم جزية" ، فمن طالبه بالجزية بعد الإسلام، فقد خالف الخبر.
فإن قيل: إنما يزول عن المسلم ما كان عليه من الجزية في حال كفره؛ لأنه صار إلى حال لا يجوز أن توضع عليه ابتداء.
قيل: إن الذمي إذا اجتمع عليه الجزية سنتين، فصار إلى حال لا يجوز أن يلزم في الابتداء في مثلها أكثر من اثني عشر درهماً لفقره - لم يجز أن يلزم أكثر منها؛ لأنه جعل حكم مستدبر الجزية التي وجبت، فأسلم صاحبها حكم الابتداء في توظيف الجزية عليه، فوجب أن يجعل حكم مستدبر من أتت عليه سنتان حكم ابتدائه، وأصله أن الجزية إنما جعلت لحقن الدم، فإذا مضت سنة، صار دمه محقوناً في السنة الماضية؛ لذلك لم تؤخذ.
وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ إلى آخره.
تضمنت هذه الآية أحكاماً: منها الأمر بقتال من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، وهم يقرون بالأمرين، لكنه يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم مشبهة من تشبيههم الله بخلقه احتمل قولهم القول له بالولد؛ إذ الذين شهدوا من الخلائق على ذلك وجدوا بولد بعض من بعض، وإذا كان كذلك فهو غير مؤمن - في الحقيقة - بالله الذي هو الحق حتى يؤمنوا به، وأنه به تكون الآخرة دون الذي ادعوه.
والثاني: أن الذي جبل عليه الخلق هو تعظيم رسل الملوك وأجلتهم حتى يوجد من بر الرسل بين ملوك قد ظهرت بينهم العداوة، فلما كذبوا رسول الله مع البراهين التي قد أعجزت الخلائق، وشهادة كتبهم به، وتظاهر من عرفوا أنهم يكذبون بكتبهم وبرسلهم على من صدق بذلك - ثبت أنهم في الحقيقة مكذبون جميع الرسل والكتب وإن أظهروا الوفاق، وأن ذلك لا يكون إلا لتكذيب منهم بالله؛ فعلى ذلك إيمانهم بالله يكون بإيمانهم بالرسل، وعلى ذلك روي عن رسول الله في وفد عبد قيس أنه قال: "آمر بأربع: آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: أتدرون ما الإيمان بالله؟
أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ؛ فلذلك لم يكن إيمانهم بالله إيماناً حتى يؤمنوا برسول الله، وعلى هذا يحاربون.
والثالث: أن يكون نفى عنهم الإيمان بنفي منفعة الإيمان عنهم؛ إذ أقل المنفعة به الإيمان برسله، والقبول عنهم بالتعظيم، فإذا ظهرت منهم هذه المنفعة تركوا القتال.
ثم الترك على قبول الجزية جائز، وإن كان الأمر قد تقدم بالقتل من غير أن يكون دليل، إما لأجل ذلك المال نقاتل، كما كتب على كل نفس الموت.
ثم قد يتركون على ما هم عليه من اختلاف الأديان وتفرق الأهواء، وإن كان لا يدل ذلك على الإقرار بما هم عليه، والرضا بما اختاروا، فمثله في الأول لا يدل على الرضا بكفرهم، ولا على القتال لأخذ تلك الأموال منهم.
ثم الأصل أن القتال لم يجعل ليكون [القتل] عقوبة للكفر؛ إذ نوع القتل ومعناه قد يوجد في الأخيار والأشرار جميعاً، وهو الموت ثبت أنه لم يجعل لذلك، ولكن لوجهين: أن يضطرهم إلى الإجابة على ما فيه نجاتهم وبه نيل كرامة الأبد، وكان ذلك بعد أن ألزمناهم كل أنواع الحجج، فلم يقنعهم، قاتلناهم بما كان الذي يمنعهم عن النظر في الحجج حب اللذات وألذها الحياة، قاتلنا حتى ييأسوا عن تلك اللذة المانعة عن النظر في الحجج، والصادة عن الإجابة فتزول عنهم.
وفي قبول الجزية - قيل - بعض الذل والصغار الذي تنفر عنه الطباع، ويدعو إلى ما فيه الزوال، فينظرون في الحجج، ويقبلون ما دعوا إليه؛ فتكون به نجاتهم، وزيادة لنا في الكرامة.
والثاني: [أن] المحن كلها منقسمة على الحسنات والسيئات، والخيرات والشرور؛ ولذلك جعل الموت والحياة، وعلى ذلك جميع أمور الدنيا هو التقلب على مختلف الأحوال، فمثله الدعاء إلى الإسلام يكون مرة بمحاجة إليه، ومرة باللسان، ومرة بالترك، لا أن جعل شيء من ذلك لشيء، ولكن بما عليه أمر المحن؛ ليتذكر به وجود [الموعود بالآثار له في أحوال المحن، فعلى هذا أمر القتال في قوم، والعفو عن قوم، والدعاء إلى الإسلام في قوم، وإلى قبول] الذل في قوم على ما في علم الله من المصلحة، وعلى ما عليه حق الحكمة.
ثم الفرق بين مشركي العرب وغيرهم يخرج على وجوه: أحدها: أنهم قد كانوا أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الإمم، فجاءهم، فكذبوه، ثم أقسموا لئن جاءهم نذير ليؤمنن به، فجاءتهم آيات فلم يؤمنوا، فاستوجبوا القتال إلى أن يفوا بالعهد الذي سبق، والقسم الذي جهدوا به، وليس غيرهم هكذا.
أو على قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 110]، فبين الإياس عن إيمانهم إلا أن يشاء الله، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: الإياس عن إيمانهم.
وقبول الجزية ليخالطوا أهل شريعة الله، فيسمعوا منهم الحجج، ويعاينوا الأفعال المحمودة في العقول، والأخلاق الكريمة التي جاء بها الرسول فيؤمنوا، وهؤلاء قد أيأس الله من إيمانهم، وأخبرهم أنهم ييأسون أبداً؛ فلذلك لم يعط لهم عهد، وعلى ذلك ظهر نقضهم العقود مرة بعد مرة، والله أعلم.
والثاني: أنه استثنى فيهم ألا يؤمنوا بالآيات إلا أن يشاء الله، فلعل الله شاء أن يكون إيمانهم بالقتال خاصة، ففرض فيهم ذلك إلى أن يؤمنوا.
ووجه آخر: أن رسول الله هو بعث فيهم ومنهم؛ فأوجبت لهم الفضيلة به ألا يقبل منهم غير الإيمان، كما فضلت البقعة التي فيها بعث رسول الله .
ومنها ألا يترك فيها غير المؤمن تفضيلا.
ووجه آخر: أنهم قوم ليس لهم أسٌّ، ولا أئمة في الدين إليهم يرجعون في التأسيس، ومعلوم أن لا قوام في العقول لأمر الدين إلا بالأئمة؛ كالسياسات كلها والأمور فيها القوام من الملك وغيره؛ بل إنما كانوا جروا على عادتهم، وقاتلوا عن القبائل فلا يرجعون - في الحقيقة - إلا إلى عادة خارجة عن التدبير، وغيرهم يرجعون إلى مذاهب أسست مما أسس أمر الديانات، فقد تعلقوا بضرب من ذلك، فتركوا إذا خضعوا وأذعنوا لهم بحق التبع، فيتركون [رجاء] أن يتأملوا؛ إذ لكل مذهب نظر، وليس لأولئك سوى العادة وتقليد الآباء، ومن ذلك وصفه لا ينظر فيمهل للنظر، والله أعلم.
وأيضاً: إن لسائر المذاهب أصول يكثر أهلها، وفي الإقامة على القتال إلى الفناء ينضم بعض إلى بعض فيتناصرون، فيخاف على المسلمين بما به رجاء التكثر الفناء، والعرب يقل عددهم حتى لم يكونوا يقدرون على المناوأة إلا بمعونة أهل الكتاب وغيرهم، فأمكن أن يضطروا به إلى القتل مع ما ليست لهم مذاهب معلومة؛ إذ لا يذكر في شيء من الكتب لهم مذاهب، وقد ذكر لجميع الفرق، فإنما أمرهم على العادة، وقد تترك العادات بما يعترض فيها ما يمنع الاستمرار عليها من القتال والحرب فيتركونها، وأهل المذهب عندهم أنهم لزموا بالحجج، ومثل ذلك لا يترك إلا بالحجج، وذلك يكون بقبول الذمة والعهد.
وأيضاً: إنه يمكن إلزام كل ذي مذهب بما يوجد في مذهبه ما يثبت القول بالإسلام وبالعهد رجاء الوصول إليه، وليس لمشركي العرب ذلك؛ لما لم يُبْنَ مذهبهم على الحجج أو الشبه، إنما هو تقليد وعادة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قاتلوا -أيها المؤمنون- الكافرين الذين لا يؤمنون بالله إلهًا لا شريك له، يؤمنون بيوم القيامة، ولا يجتنبون ما حرمه الله ورسوله عليهم من الميتة ولحم الخنزير والخمر والربا، ولا يخضعون لما شرعه الله، من اليهود والنصارى حتى يعطوا الجزية بأيديهم أذلاء مقهورين.
<div class="verse-tafsir" id="91.lJGom"