الآية ٣٠ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣٠ من سورة التوبة

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 170 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال المشركين الكفار من اليهود والنصارى ؛ لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة ، والفرية على الله تعالى ، فأما اليهود فقالوا في العزير : " إنه ابن الله " ، تعالى [ الله ] عن ذلك علوا كبيرا .

وذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك ، أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل ، فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم ، بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم ، حتى سقطت جفون عينيه ، فبينا هو ذات يوم إذ مر على جبانة ، وإذ امرأة تبكي عند قبر وهي تقول : وامطعماه !

واكاسياه !

[ فقال لها ويحك ] من كان يطعمك قبل هذا ؟

قالت : الله .

قال : فإن الله حي لا يموت !

قالت : يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل ؟

قال : الله .

قالت : فلم تبكي عليهم ؟

فعرف أنه شيء قد وعظ به .

ثم قيل له : اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه ، وصل هناك ركعتين ، فإنك ستلقى هناك شيخا ، فما أطعمك فكله .

فذهب ففعل ما أمر به ، فإذا شيخ فقال له : افتح فمك .

ففتح فمه .

فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة ، ثلاث مرات ، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة ، فقال : يا بني إسرائيل ، قد جئتكم بالتوراة .

فقالوا : يا عزير ، ما كنت كذابا .

فعمد فربط على إصبع من أصابعه قلما ، وكتب التوراة بإصبعه كلها ، فلما تراجع الناس من عدوهم ورجع العلماء ، وأخبروا بشأن عزير ، فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال ، وقابلوها بها ، فوجدوا ما جاء به صحيحا ، فقال بعض جهلتهم : إنما صنع هذا لأنه ابن الله .

وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر ؛ ولهذا كذب الله سبحانه الطائفتين فقال : ( ذلك قولهم بأفواههم ) أي : لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلاقهم ، ( يضاهئون ) أي : يشابهون ( قول الذين كفروا من قبل ) أي : من قبلهم من الأمم ، ضلوا كما ضل هؤلاء ، ( قاتلهم الله ) وقال ابن عباس : لعنهم الله ، ( أنى يؤفكون ) ؟

أي : كيف يضلون عن الحق ، وهو ظاهر ، ويعدلون إلى الباطل ؟

.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في القائل: (عزير ابن الله).

فقال بعضهم: كان ذلك رجلا واحدًا, هو فِنْحاص.

* ذكر من قال ذلك: 16619- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير قوله: (وقالت اليهود عزير ابن الله)، قال: قالها رجل واحد, قالوا: إن اسمه فنحاص.

وقالوا: هو الذي قال: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، [سورة آل عمران: 181].

وقال آخرون: بل كان ذلك قول جماعة منهم.

* ذكر من قال ذلك: 16620- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سَلامُ بن مشكم, ونعمانُ بن أوفى, (20) وشأسُ بن قيس, ومالك بن الصِّيف, فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قِبْلتنا, وأنت لا تزعم أنّ عزيرًا ابن الله؟

فأنـزل في ذلك من قولهم: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)، إلى: (أنى يؤفكون).

(21) 16621- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وقالت اليهود عزير ابن الله)، وإنما قالوا: هو ابن الله من أجل أن عُزَيرًا كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم، فعملوا بها ما شاء الله أن يعملوا, (22) ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التّابوت فيهم.

فلما رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء, رفع الله عنهم التابوت, وأنساهُم التوراة، ونسخها من صدورهم, وأرسل الله عليهم مرضًا, فاستطلقت بطونهم حتى جعل الرجل يمشي كبدُه, حتى نسوا التوراة, ونسخت من صدورهم, وفيهم عزير.

فمكثوا ما شاء الله أن يمكثُوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم, وكان عزير قبلُ من علمائهم, فدعا عزيرٌ الله، وابتهل إليه أن يردّ إليه الذي نسخَ من صدره من التوراة.

فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله, نـزل نور من الله فدخل جَوْفه, فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة, فأذّن في قومه فقال: يا قوم، قد آتاني الله التوراةَ وردَّها إليَّ !

فعلقَ بهم يعلمهم, (23) فمكثوا ما شاء الله وهو يعلمهم.

ثم إنَّ التابوت نـزل بعد ذلك وبعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت عرَضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلِّمهم, فوجدوه مثله, فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله.

16622- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وقالت اليهود عزير ابن الله)، إنما قالت ذلك, لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم, وأخذوا التوراة, وذهب علماؤهم الذين بقُوا، وقد دفنوا كتب التوراة في الجبال.

(24) وكان عزير غلامًا يتعبَّد في رءوس الجبال، لا ينـزل إلا يوم عيد.

فجعل الغلام يبكي ويقول: " ربِّ تركتَ بني إسرائيل بغير عالم " !

فلم يزل يبكي حتى سقطت أشفارُ عينيه، فنـزل مرة إلى العيد، فلما رجع إذا هو بامرأة قد مثلتْ له عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول: يا مطعماه, ويا كاسِياه !

فقال لها: ويحك, من كان يطعمك أو يكسوك أو يسقيك أو ينفعك قبل هذا الرجل؟

(25) قالت: الله!

قال: فإن الله حي لم يمت!

قالت: يا عزير, فمن كان يعلِّم العلماء قبلَ بني إسرائيل؟

قال: الله!

قالت: فلم تبكي عليهم؟

فلما عرف أنه قد خُصِم، (26) ولَّى مدبرًا, فدعته فقالت: يا عزير، إذا أصبحت غدًا فأت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه, ثم اخرج فصلِّ ركعتين, فإنه يأتيك شيخٌ، فما أعطاك فخُذْه.

فلما أصبح انطلق عزير إلى ذلك النهر, فاغتسل فيه, ثم خرج فصلى ركعتين.

فجاءه الشيخُ فقال: افتح فمك!

ففتح فمه, فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة، مجتمع كهيئة القوارير، ثلاث مرار.

(27) فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة, فقال: يا بني إسرائيل, إني قد جئتكم بالتوراة!

فقالوا: يا عزير، ما كنت كذَّابًا!

فعمد فربط على كل إصبع له قلمًا, وكتب بأصابعه كلها, فكتب التوراة كلّها.

فلما رجعَ العلماء، أخبروا بشأن عزير, فاستخرج أولئك العلماء كُتبهم التي كانوا دفنوها من التوراة في الجبال, وكانت في خوابٍ مدفونة, (28) فعارضوها بتوراة عزير، فوجدوها مثلها, فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنه!

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ "، لا ينونون " عزيرًا ".

* * * وقرأه بعض المكيين والكوفيين: ( عُزَيْرٌ ابْنُ الله )، بتنوين " عُزَيْرٌ" قال: هو اسم مجْرًى وإن كان أعجميًّا، لخفته.

وهو مع ذلك غير منسوب إلى الله, فيكون بمنـزلة قول القائل: " زيدٌ بن عبد الله ", وأوقع " الابن " موقع الخبر.

ولو كان منسوبًا إلى الله لكان الوجه فيه، إذا كان الابن خبرًا، الإجراء، والتنوين, فكيف وهو منسوب إلى غير أبيه.

وأما من ترك تنوين " عزير ", فإنه لما كانت الباء من " ابن " ساكنة مع التنوين الساكن، والتقى ساكنان، فحذف الأول منهما استثقالا لتحريكه, قال الراجز: (29) لَتَجــــدَنِّي بِـــالأمِيرِ بَـــرًّا وَبِالقَنَــــاةِ مِدْعَسًـــا مِكَـــرَّا إذَا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا (30) فحذف النون للساكن الذي استقبلها.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: ( عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ )، بتنوين " عزير "، لأن العرب لا تنون الأسماء إذا كان " الابن " نعتًا للاسم, [وتنونه إذا كان خبرًا]، كقولهم: " هذا زيدٌ بن عبد الله ", فأرادوا الخبر عن " زيد " بأنه " ابن الله ", (31) ولم يريدوا أن يجعلوا " الابن " له نعتًا و " الابن " في هذا الموضع خبر لـ " عزير ", لأن الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا ذلك, إنما أخبروا عن " عزير "، أنه كذلك, وإن كانوا بقيلهم ذلك كانوا كاذبين على الله مفترين.

* * * =(وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، يعني قول اليهود: (عزير ابن الله).

يقول: يُشْبه قول هؤلاء في الكذب على الله والفرية عليه ونسبتهم المسيح إلى أنه لله ابنٌ، كذِبَ اليهود وفريتهم على الله في نسبتهم عزيرًا إلى أنه لله ابن, (32) ولا ينبغي أن يكون لله ولدٌ سبحانه, بل له ما في السماوات والأرض, كل له قانتون.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16623- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، يقول: يُشبِّهون.

16624- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم.

16625- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدّي: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، النصارى يضاهئون قول اليهود في " عزيز ".

16626- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، يقول: النصارى، يضاهئون قول اليهود.

16627- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، يقول: قالوا مثل ما قال أهل الأوثان.

* * * وقد قيل: إن معنى ذلك: يحكون بقولهم قولَ أهل الأوثان، (33) الذين قالوا: اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى .

(34) * * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: (يُضَاهُونَ)، بغير همز.

* * * وقرأه عاصم: (يُضَاهِئُونَ)، بالهمز, وهي لغة لثقيف.

* * * وهما لغتان, يقال: " ضاهيته على كذا أضَاهيه مضاهاة " و " ضاهأته عليه مُضَأهاة ", إذا مالأته عليه وأعنته.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءَة في ذلك ترك الهمز, لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار، واللغة الفصحى.

* * * وأما قوله: (قاتلهم الله)، فإن معناه، فيما ذكر عن ابن عباس, ما:- 16628- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (قاتلهم الله)، يقول: لعنهم الله.

وكل شيء في القرآن " قتل "، فهو لعن.

* * * وقال ابن جريج في ذلك ما:- 16629- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (قاتلهم الله)، يعني النصارى, كلمةٌ من كلام العرب.

(35) * * * فأما أهل المعرفة بكلام العرب فإنهم يقولون: معناه: قتلهم الله.

والعرب تقول: " قاتعك الله ", و " قاتعها الله "، بمعنى: قاتلك الله.

قالوا: و " قاتعك الله " أهون من " قاتله الله ".

وقد ذكروا أنهم يقولون: " شاقاه الله ما تاقاه ", يريدون: أشقاه الله ما أبقاه.

قالوا: ومعنى قوله: (قاتلهم الله)، كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ، [سورة الذاريات: 10]، و قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ، [سورة البروج: 4]، واحدٌ هو بمعنى التعجب.

* * * فإن كان الذي قالوا كما قالوا, فهو من نادر الكلام الذي جاء على غير القياس, لأنّ " فاعلت " لا تكاد أن تجيء فعلا إلا من اثنين, كقولهم: " خاصمت فلانًا "، و " قاتلته ", وما أشبه ذلك.

وقد زعموا أن قولهم: " عافاك الله " منه, وأن معناه: أعفاك الله, بمعنى الدعاء لمن دعا له بأن يُعْفيه من السوء.

* * * وقوله: (أنى يؤفكون)، يقول: أيَّ وجه يُذْهبُ بهم، ويحيدون؟

وكيف يصدُّون عن الحق؟

وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل.

(36) -------------------------- الهوامش : (20) في سيرة ابن هشام : " ونعمان بن أوفى أبو أنس ، ومحمود بن دحية، وشاس .

.

.

" .

(21) الأثر : 16620 - سيرة ابن هشام 2 : 219 .

(22) في المطبوعة : " يعملون بها ما شاء الله " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(23) في المطبوعة : " فعلق يعلمهم " ، وفي المخطوطة "فعلق به يعلمهم ، ورجحت صواب ما أثبت .

يقال : " علقت أفعل كذا " بمعنى : طفقت .

من قولهم : " علق بالشيء " ، إذا لزمه ، قال يزيد بن الطثرية : عَلِقْـنَ حَـوْلِي يَسْـأَلْنَ القِـرَى أُصُلا وليسَ يَــرْضَيْنَ مِنِّــي بالمعَـاذِيرِ بمعنى : طفقن ( انظر طبقات فحول الشعراء : 587 ، تعليق : 4 ) .

(24) في المطبوعة : " فدفنوا " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(25) في المطبوعة ، جعلها جميعًا بالواو على العطف ، وأثبت ما في المخطوطة .

(26) " خصم " ، أي : غلب في الخصام والحجاج .

(27) في المطبوعة : " مجتمعا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، والدر المنثور .

وهذا الموضع من الخبر ، يحتاج إلى نظر في صحته ومعناه .

(28) " خوابي " جمع " خابية " ، وهي الجرة الكبيرة .

(29) لم أعرف قائله .

(30) نوادر أبي زيد : 91 ، معاني القرآن للفراء 1 : 431 .

اللسان ( صهب ) ، ( دعس ) ، ( دعص ) ، وغيرها ، وقبله في النوادر : جــاءُوا يجــرُّون الحــدِيدَ جَـرًّا صُهْــبَ السِّــبالِ يَبتغـونَ الشـرَّا في النوادر : " يجرون السود " ، وهذه رواية غيره .

(31) هذه الجملة كانت في المخطوطة هكذا : " لأن النون العرب من الأسماء إذا كان الابن نعتا للاسم ، كقولهم : هذا زيد بن عبد الله ، فأرادوا الخبر عن زيد بأنه ابن الله " .

وهو كلام مضطرب غاية الاضطراب .

وصححها في المطبوعة هكذا : " لأن العرب لا تنون الأسماء ، إذا كان الابن نعتا للاسم ، كقولهم : هذا زيد بن عبد الله ، فأرادوا الخبر عن عزير بأنه ابن الله " ، وهو أيضا مضطرب .

فأبقيت تصحيح الناشر الأول في صدر الجملة ، ثم صححت سائر الكلام بما يوافق المخطوطة ، ثم زدت فيه ما بين القوسين ، حتى يستقيم الكلام على وجه مرضي بعض الرضى .

ولا أشك أن الناسخ قد أسقط قدرا من كلام أبي جعفر .

(32) في المطبوعة : " نسبة قول هؤلاء .

.

.

ككذب اليهود وفريتهم " ، أخطأ في قراءة " يشبه " ، فجعلها " نسبة " ، ثم زاد في " كذب " كافًا أخرى في أولها ، ليستقيم الكلام ، فلم يستقم .

وقوله : " كذب " مفعول قوله : " يشبه " .

وذلك معنى " المضاهأة " كما سيأتي .

(33) في المطبوعة : " أهل الأديان " ، والصواب ما أثبت من المخطوطة .

(34) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 433 .

(35) يعني أنها كلمة تقولها العرب ، لا تريد بها معنى " القتل " ، كقولهم : " تربت يداك " ، لا يراد بها وقوع الأمر .

(36) انظر تفسير " الإفك " فيما سلف 10 : 486 / 11 : 554 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكونفيه سبع مسائل :قرأ عاصم والكسائي عزير ابن الله بتنوين عزير .

والمعنى أن " ابنا " على هذا خبر ابتداء عن ( عزير ) ، و " عزير " ينصرف عجميا كان أو عربيا .

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو [ ص: 51 ] عمرو وابن عامر ( عزير ابن ) بترك التنوين لاجتماع الساكنين ، ومنه قراءة من قرأ " قل هو الله أحد الله الصمد " .

قال أبو علي : وهو كثير في الشعر .

وأنشد الطبري في ذلك :لتجدني بالأمير برا وبالقناة مدعسا مكراإذا غطيف السلمي فراالثانية : قوله تعالى وقالت اليهود هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص ؛ لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك .

وهذا مثل قوله تعالى : الذين قال لهم الناس ولم يقل ذلك كل الناس .

وقيل : إن قائل ما حكي عن اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف ، قالوه للنبي صلى الله عليه وسلم .

قال النقاش : لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا فإذا قالها واحد فيتوجه أن تلزم الجماعة شنعة المقالة ، لأجل نباهة القائل فيهم .

وأقوال النبهاء أبدا مشهورة في الناس يحتج بها .

فمن هاهنا صح أن تقول الجماعة قول نبيهها .

والله أعلم .وقد روي أن سبب ذلك القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام فرفع الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم ، فخرج عزير يسيح في الأرض ، فأتاه جبريل فقال : أين تذهب ؟

قال : أطلب العلم ، فعلمه التوراة كلها فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلمهم .

وقيل : بل حفظها الله عزيرا كرامة منه له ، فقال لبني إسرائيل : إن الله قد حفظني التوراة ، فجعلوا يدرسونها من عنده .

وكانت التوراة مدفونة ، كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن والجلاء والمرض ما أصاب وقتل بختنصر إياهم .

ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي متساوية لما كان عزير يدرس فضلوا عند ذلك وقالوا : إن هذا لم يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله حكاه الطبري .

وظاهر قول النصارى أن المسيح ابن الله ، إنما أرادوا بنوة النسل كما قالت العرب في الملائكة .

وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغيرهما .

وهذا أشنع الكفر .

قال أبو المعالي : أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن إله .

قال ابن عطية : ويقال إن بعضهم يعتقدها بنوة حنو ورحمة .

وهذا المعنى أيضا لا يحل أن تطلق البنوة عليه وهو كفر .الثالثة : قال ابن العربي : في هذا دليل من قول ربنا تبارك وتعالى على أن من أخبر عن كفر غيره الذي لا يجوز لأحد أن يبتدئ به لا حرج عليه ؛ لأنه إنما ينطق به على معنى الاستعظام له والرد عليه ولو شاء ربنا ما تكلم به أحد ، فإذا مكن من إطلاق الألسن به فقد أذن بالإخبار عنه على معنى إنكاره بالقلب واللسان والرد عليه بالحجة والبرهان .[ ص: 52 ] الرابعة : قوله تعالى ذلك قولهم بأفواههم قيل : معناه التأكيد ، كما قال تعالى : يكتبون الكتاب بأيديهم وقوله : ولا طائر يطير بجناحيه وقوله : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ومثله كثير .

وقيل : المعنى أنه لما كان قول ساذج ليس فيه بيان ولا برهان ، وإنما هو قول بالفم مجرد نفس دعوى لا معنى تحته صحيح لأنهم معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدا ، فهو كذب وقول لساني فقط ، بخلاف الأقوال الصحيحة التي تعضدها الأدلة ويقوم عليها البرهان .

قال أهل المعاني : إن الله سبحانه لم يذكر قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولا زورا ، كقوله : يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم و كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا و يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم .الخامسة : قوله تعالى يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ( يضاهئون ) يشابهون ، ومنه قول العرب : امرأة ضهيأ للتي لا تحيض أو التي لا ثدي لها ، كأنها أشبهت الرجال .

وللعلماء في ( قول الذين كفروا ) ثلاثة أقوال : الأول : قول عبدة الأوثان : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى .

الثاني : قول الكفرة : الملائكة بنات الله .

الثالث : قول أسلافهم ، فقلدوهم في الباطل واتبعوهم على الكفر ، كما أخبر عنهم بقوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة .السادسة : اختلف العلماء في " ضهيأ " هل يمد أو لا ، فقال ابن ولاد : امرأة ضهيأ ، وهي التي لا تحيض ، مهموز غير ممدود .

ومنهم من يمد وهو سيبويه فيجعلها على فعلاء بالمد ، والهمزة فيها زائدة لأنهم يقولون نساء ضهي فيحذفون الهمزة .

قال أبو الحسن قال لي النجيرمي : ضهيأة بالمد والهاء .

جمع بين علامتي تأنيث ، حكاه عن أبي عمرو الشيباني في النوادر .

وأنشد :ضهيأة أو عاقر جمادابن عطية : من قال يضاهئون مأخوذ من قولهم : امرأة ضهياء ، فقوله خطأ ، قاله أبو علي ؛ لأن الهمزة في " ضاهأ " أصلية ، وفي " ضهياء " زائدة كحمراء .[ ص: 53 ] السابعة : قوله تعالى قاتلهم الله أنى يؤفكون أي لعنهم الله ، يعني اليهود والنصارى ؛ لأن الملعون كالمقتول .

قال ابن جريج : قاتلهم الله هو بمعنى التعجب .

وقال ابن عباس : كل شيء في القرآن قتل فهو لعن ، ومنه قول أبان بن تغلب :قاتلها الله تلحاني وقد علمت أني لنفسي إفسادي وإصلاحيوحكى النقاش أن أصل " قاتل الله " الدعاء ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر ، وهم لا يريدون الدعاء .

وأنشد الأصمعي :يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني وأخبر الناس أني لا أباليها

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب، ذكر من أقوالهم الخبيثة، ما يهيج المؤمنين الذين يغارون لربهم ولدينه على قتالهم، والاجتهاد وبذل الوسع فيه فقال‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ‏}‏ وهذه المقالة وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم، فيدل ذلك على أن في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرأوا فيها على اللّه، وتنقصوا عظمته وجلاله‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن سبب ادعائهم في ‏{‏عزير‏}‏ أنه ابن اللّه، أنه لما سلط الله الملوك على بني إسرائيل، ومزقوهم كل ممزق، وقتلوا حَمَلَةَ التوراة، وجدوا عزيرا بعد ذلك حافظا لها أو لأكثرها، فأملاها عليهم من حفظه، واستنسخوها، فادعوا فيه هذه الدعوى الشنيعة‏.‏ ‏{‏وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ‏}‏ عيسى ابن مريم ‏{‏ابْنُ اللَّهِ‏}‏ قال اللّه تعالى ‏{‏ذَلِكَ‏}‏ القول الذي قالوه ‏{‏قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ‏}‏ لم يقيموا عليه حجة ولا برهانا‏.‏ ومن كان لا يبالي بما يقول، لا يستغرب عليه أي قول يقوله، فإنه لا دين ولا عقل، يحجزه، عما يريد من الكلام‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يُضَاهِئُونَ‏}‏ أي‏:‏ يشابهون في قولهم هذا ‏{‏قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ قول المشركين الذين يقولون‏:‏ ‏{‏الملائكة بنات اللّه‏}‏ تشابهت قلوبهم، فتشابهت أقوالهم في البطلان‏.‏ ‏{‏قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏}‏ أي‏:‏ كيف يصرفون على الحق، الصرف الواضح المبين، إلى القول الباطل المبين‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود : سلام بن مشكم ، والنعمان بن أوفى ، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف ، فقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله؟

فأنزل الله عز وجل : ( وقالت اليهود عزير ابن الله ) .

قرأ عاصم والكسائي ويعقوب " عزير " بالتنوين والآخرون بغير تنوين ؛ لأنه اسم أعجمي ويشبه اسما مصغرا ، ومن نون قال : لأنه اسم خفيف ، فوجهه أن يصرف ، وإن كان أعجميا مثل نوح وهود ولوط .

واختار أبو عبيدة التنوين وقال : لأن هذا ليس بمنسوب إلى أبيه ، إنما هو كقولك زيد ابن الأمير وزيد ابن أختنا ، فعزير مبتدأ وما بعده خبر له .

وقال عبيد بن عمير : إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء .

وهو الذي قال : " إن الله فقير ونحن أغنياء " " آل عمران - 181 " .

وروى عطية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إنما قالت اليهود عزير ابن الله من أجل أن عزيرا كان فيهم وكانت التوراة عندهم والتابوت فيهم ، فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق ، فرفع الله عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم ، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم ، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذن في قومه ، وقال : يا قوم قد آتاني الله التوراة ردها إلي!

فعلق به الناس يعلمهم ، فمكثوا ما شاء الله تعالى ، ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم ، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله ، فقالوا : ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله .

وقال الكلبي : إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل منهم من قرأ التوراة ، وكان عزير إذ ذاك صغيرا فاستصغره فلم يقتله ، فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله عزيرا ليجدد لهم التوراة وتكون لهم آية بعد مائة سنة ، يقال : أتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت التوراة في صدره ، فلما أتاهم قال أنا عزير فكذبوه وقالوا : إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة ، فكتبها لهم ، ثم إن رجلا قال : إن أبي حدثني عن جدي أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم ، فانطلقوا معه حتى أخرجوها ، فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منها حرفا ، فقالوا : إن الله لم يقذف التوراة في قلب رجل إلا لأنه ابنه ، فعند ذلك قالت اليهود : عزير ابن الله .

وأما النصارى فقالوا : المسيح ابن الله ، وكان السبب فيه أنهم كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى عليه السلام يصلون إلى القبلة ، ويصومون رمضان ، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له " بولص " قتل جملة من أصحاب عيسى عليه السلام ، ثم قال لليهود : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا به والنار مصيرنا ، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ، فإني أحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار ، وكان له فرس يقال له العقاب يقاتل عليه فعرقب فرسه وأظهر الندامة ، ووضع على رأسه التراب ، فقال له النصارى : من أنت؟

قال : بولص عدوكم ، فنوديت من السماء : ليست لك توبة إلا أن تتنصر ، وقد تبت .

فأدخلوه الكنيسة ، ودخل بيتا سنة لا يخرج منه ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل ، ثم خرج وقال : نوديت أن الله قبل توبتك ، فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس ، واستخلف عليهم نسطورا وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة ، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت ، وقال : لم يكن عيسى بإنس ولا بجسم ، ولكنه ابن الله ، وعلم ذلك رجلا يقال له " يعقوب " ثم دعا رجلا يقال له ملكا ، فقال : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا ، وقال لكل واحد منهم : أنت خالصتي ، وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني .

وقال لكل واحد منهم : إني غدا أذبح نفسي ، فادع الناس إلى نحلتك .

ثم دخل المذبح فذبح نفسه وقال : إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى ، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد طائفة من الناس ، فاختلفوا واقتتلوا فقال الله عز وجل : ( وقالت النصارى المسيح ابن الله ) ، ( ذلك قولهم بأفواههم ) يقولون بألسنتهم من غير علم .

قال أهل المعاني : لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا .

( يضاهئون ) قرأ عاصم بكسر الهاء مهموزا ، والآخرون بضم الهاء غير مهموز ، وهما لغتان يقال : ضاهيته وضاهأته ، ومعناهما واحد .

قال ابن عباس رضي الله عنه : يشابهون .

والمضاهاة المشابهة .

وقال مجاهد : يواطئون وقال الحسن : يوافقون ، ( قول الذين كفروا من قبل ) قال قتادة والسدي : ضاهت النصارى قول اليهود من قبل ، فقالوا : المسيح ابن الله ، كما قالت اليهود : عزير ابن الله .

وقال مجاهد : يضاهئون قول المشركين من قبل الذين كانوا يقولون اللات والعزى ومناة بنات الله .

وقال الحسن : شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة كما قال في مشركي العرب : " كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم " ( البقرة - 188 ) .

وقال القتيبي : يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أولهم ، ( قاتلهم الله ) قال ابن عباس : لعنهم الله .

وقال ابن جريج : أي : قتلهم الله .

وقيل : ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب ، ( أنى يؤفكون ) أي : يصرفون عن الحق بعد قيام الأدلة عليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالت اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيح» عيسى «ابن الله ذلك قولهم بأفواههم» لا مستند لهم عليه بل «يضاهئون» يشابهون به «قول الذين كفروا من قبل» من آبائهم تقليدا لهم «قاتلهم» لعنهم «الله أنَّى» كيف «يُؤفكون» يُصرفون عن الحق مع قيام الدليل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد أشرك اليهود بالله عندما زعموا أن عزيرًا ابن الله.

وأشرك النصارى بالله عندما ادَّعوا أن المسيح ابن الله.

وهذا القول اختلقوه من عند أنفسهم، وهم بذلك لا يشابهون قول المشركين من قبلهم.

قَاتَلَ الله المشركين جميعًا كيف يعدلون عن الحق إلى الباطل؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - بعض رذائل أهل الكتاب على سبيل الإِجمال ، اتبع ذلك بتفصيل هذه الرذائل ، فحكى أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم الذميمة ، ونواياهم السئة فقال - تعالى - : ( وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ .

.

.

.

وَلَوْ كَرِهَ المشركون ) .أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلام بن مشكم ، ونعمان بن أوفى .

وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف فقالوا : كيف نتبعك - يا محمد - وقد تركت قبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله ، فأنزل الله فى ذلك : ( وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ) الآية .و " عزير " كاهن يهودى سكن بابل سنة 457 ق .

م تقريباً ، ومن أعامله أنه جمع أسفار التوراة؛ وأدخل الأحرف الكلدانية عوضاً عن العبرانية القديمة ، وألف أسفار : الأيام ، وعزرا ، ونحميا .وقد قدسه اليهود من أجل نشره لكثير من علوم الشريعة ، وأطلقوا عليه لقب " ابن الله " .قال البيضاوى : وإنما قالوا ذلك - أى : عزير ابن الله - لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة " بختصر " - سنة 586 ق .

م .

ه من يحفظ التوارة .

وهو لما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوارة حفظاً فتعجبوا من ذلك وقالوا : ما هذا إلا لأنه ابن الله .وقال صاحب المنار ما ملخصه : جاء فى دائرة المعارف اليهودية الانكليزية - طبعة 1903 - أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملى لليهودية الذى تفتحت فيه أزهاره ، وعبق شذا ورده .

وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة .

.وقد ذكر المفسرون هنا أقوالاً متعددة فى الأسباب التى حملت اليهود على أن يقولوا " عزير ابن الله " وأغلب هذه الأقوال لا يؤيدها عقل أو نقل ، ولذا فقد ضربنا عنها صفحا .وقد نسب - سبحانه - القول إلى جميع اليهود مع أن القائل بعضهم ، لأن الذين لم يقولوا ذلك لم ينكروا على غيرهم قولهم ، فكانوا مشاركين لهم فى الإِثم والضلال ، وفيما يترتب على ذلك من عقاب .وأما قول النصارى " المسيح ابن الله " فهو شائع مشهور ، ومن أسبابه أن الله - تعالى - قد خلق عيسى بدون أبى على خلاف ما جرت به سنته فى التوالد والتناسل ، فقالوا عنه " ابن الله " .وقد حاجهم - سبحانه - فى سورة آل عمران بأن آدم قد خلقه الله من غير أب أو أم ، فكان أولى بنسبة البنوة إليه ، لكنهم لم ينسبوا إليه ذلك ، فينبغى أن يكون عيسى كآدم .قال - تعالى - ( إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين ) وقوله : ( ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ) ذم لهم على ما نطقوا به يمجه العقل السليم ، والفكر القويم .أى : ذلك الذى قالوه فى شأن " عزير والمسيح " قول تلوكه ألسنتهم فى أفواههم بدون تعقل ، ولا مستند لهم فيما زعموه سوى افترائهم واختلاقهم ، فهو من الألفاظ الساقطة الى لا وزن لها ولا قيمة ، فقد قامت الأدلة السمعية والعقلية على استحالة أن يكون لله ولد أو والد أو صاحبه أو شريك .قال - تعالى - ( وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً ) ولقد أنذر ، سبحانه ، الذين نسبوا إليه الولد بالعقاب الشديد فقال : ( وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ) وأسند ، سبحانه ، القول إلى الأفواه مع أنه لا يكون إلا بها ، لاستحضار الصورة الحسية الواقعية ، حتى لكأنها مسموعة مرئية ولبيان أن هذا القول لا وجود له فى عالم الحقيقة والواقع ، وإنما هو لغو ساقط وليد الخيالات والأوهام ، ولزيادة التأكيد فى نسبة هذا القول إليهم ، أى : أنه قول صادر منهم وليس محكيا عنهم .قال صاحب الكشاف ، فإن قلت : كل القول يقال بالفم فما معنى قوله ( ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ) ؟

.قلت : فيه وجهان : أحدهما - أن يراد أنه قول لا يعضده برهان ، فما هو إلا لفظ يفوهون به ، فارغ من أى معنى تحته ، كالألفاظ المهملة التى هى أجراس ونغم ، لا تدل على معان .

وذلك أن القول الدال على معنى ، لفظه مقول بالفم ، ومعناه مؤثر فى القلبن وما لا معنى له مقول بالفم لا غير .والثانى - أن يراد بالقول : المذاهب ، كقولهم " قول أبى حنيفة " يريدون مذهبه ما يقول به ، كأنه قيل : ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم ، لأنه لا حجة معه ولا شبهة ، حتى يؤثر فى القلوب ، وذلك أنهم اعترفوا أنه لا صاحبة له لم تبق شبهة فى انتفاء الولد .وقوله : ( يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ) ذم آخر لهم على تقليدهم لمن سبقوهم بدون تعقل أو تدبر .قال الجمل ما ملخصه : قرأ العامة ( يضاهون ) بضم الهاء بعدها واو - وقرأ عاصم " يضاهئون " بهاء مكسورة بعدها همزة مضمومة - فقيل هما بمعنى واحد وهو المشابهة ، وفيه لغتان : ضاهات وضاهيت .

.

.والمراد بالذين كفروا من قبل : قيل ، أهل مكة وأمثالهم من المشركين السابقين الذين قالوا ، الملائكة بنات الله وقيل ، المراد بهم قدماء أهل الكتاب ، أى ، أن اليهود والنصارى المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - يشابه قولهم فى الغرير وعيسى قول آبائهم الأقدمين ، - أى المعاصرين للعهد النبوى - قد ورثوا الكفر كابرا عن كابر .والأولى من هذين الوجهين أن يكون المراد بالذين كفروا من قبل .

جميع الأمم التى ضلت وانحرفت عن الحق ، وأشركت مع الله فى العبادة آلهة أخرى .قال صاحب المنار ، وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين فى الشرق والغرب أن عقيدة الابن لله والحلول والتثليث ، كانت معروفة عند البراهمة فى الهند وفى الصين واليابان وقدماء المصرين وقدماء الفرس .وهذه الحقيقة التاريخية - والتى بينها القرآن فى هذه الآية - من معجزاته لأنه لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا ممن حولهم ، بل لم تظهر إلا فى هذا الزمان .والمعنى .

أن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم ( عُزَيْرٌ ابن الله ) وقال البعض الآخر ( المسيح ابن الله ) ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان ، ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم ( فَهُمْ على آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ) وقوله : ( قَاتَلَهُمُ الله ) تعجيب من شناعة قولهم ، ودعاء عليهم بالهلاك فإن من قاتله الله لا بد أن يقتل ، ومن غالبه لا بد أن يغلب .وعن ابن عباس ، أن معنى ( قَاتَلَهُمُ الله ) لعنهم الله وكل شئ فى القرآن قتل فهو لعن .وقوله : ( أنى يُؤْفَكُونَ ) تعجيب آخر من انصرافهم الشديد عن الحق الواضح إلى الباطل المظلم المعقد .و ( أنى ) بمعنى كيف .

و ( يُؤْفَكُونَ ) من الإِفك بمعنى الانصراف عن الشئ والابتعاد عنه ، يقال ، أفكه عن الشئ يأفكه أفكا ، أى ، صرفه عنه وقلبه .

ويقال ، أفكت الأرض أفكا ، أى : صرف ، عنها المطر .والمعنى : قاتل الله هؤلاء الذين قالوا ( عُزَيْرٌ ابن الله ) والذين قالوا ( المسيح ابن الله ) لأنهم بقوله هذا محل مقت العقلاء وعجبهم ، إذ كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل ، بعد وضوح الدليل على استحالة أن يكون له - تعالى - ولد أو والد أو صاحبة أو شريك .

.

؟!إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم وغضبهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكم في الآية المتقدمة على اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون بالله، شرح ذلك في هذه الآية وذلك بأن نقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، ومن جوز ذلك في حق الإله فهو في الحقيقة قد أنكر الإله، وأيضاً بين تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك، وإن كانت طرق القول بالشرك مختلفة، إذ لا فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح وغيره لأنه لا معنى للشرك إلا أن يتخذ الإنسان مع الله معبوداً، فإذا حصل هذا المعنى فقد حصل الشرك، بل إنا لو تأملنا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخف من كفر النصارى، لأن عابد الوثن لا يقول إن هذا الوثن خالق العالم وإله العالم، بل يجريه مجرى الشيء الذي يتوسل به إلى طاعة الله.

أما النصارى فإنهم يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح جداً، فثبت أنه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين، وأنهم إنما خصهم بقبول الجزية منهم، لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى، وادعى أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين وتعظيم كتابيهما وتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى بسبب أنهم كانوا على الدين الحق، حكم الله تعالى بقبول الجزية منهم، وإلا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ وَقَالَتِ اليهود عَزِيزٌ ابن الله ﴾ أقوال: الأول: قال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.

الثاني: قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة: أتى جماعة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: سلام بن مشكم، والنعمان بن أوفى، ومالك بن الصيف، وقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، ولا تزعم أن عزيراً ابن الله، فنزلت هذه الآية.

وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود إلا أن الله نسب ذلك القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، يقال فلان يركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحداً منها، وفلان يجالس السلاطين ولعله لا يجالس إلا واحداً.

والقول الثالث: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، فحكى الله ذلك عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق.

والسبب الذي لأجله قالوا هذا القول ما رواه ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه، فأنذر قومه به، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه، فقالوا ما تيسر هذا لعزير إلا أنه ابن الله، وقال الكلبي: قتل بختنصر علماءهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة.

وقال السدي: العمالقة قتلوهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة، فهذا ما قيل في هذا الباب.

وأما حكاية الله عن النصارى أنهم يقولون: المسيح ابن الله، فهي ظاهرة لكن فيها إشكال قوي، وهي أنا نقطع أن المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلا الأبوة والبنوة، فإن هذا أفحش أنواع الكفر، فكيف يليق بأكابر الأنبياء عليهم السلام؟

وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام؟

فقال المفسرون في الجواب عن هذا السؤال: أن أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام كانوا على الحق بعد رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعاً من أصحاب عيسى، ثم قال لليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأضلهم، فعوقب فرسه وأظهر الندامة مما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله، وعلم رجلاً آخر يقال له يعقوب ذلك، ثم دعا رجلاً يقال له ملكاً فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم أنت خليفتي فادع الناس إلى إنجيلك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني، وإني غداً أذبح نفس لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى قوله ومذهبه، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى، هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى، والأقرب عندي أن يقال لعله ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف، كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف، ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية والجهال، قبلوا ذلك، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام، والله أعلم بحقيقة الحال.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم والكسائي وعبد الوارث عن أبي عمرو ﴿ عُزَيْرٌ ﴾ بالتنوين والباقون بغير التنوين.

قال الزجاج: الوجه إثبات التنوين.

فقوله: ﴿ عُزَيْرٌ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ ابن الله ﴾ خبره، وإذا كان كذلك فلابد من التنوين في حال السعة لأن عزيراً ينصرف سواء كان أعجمياً أو عربياً، وسبب كونه منصرفاً أمران: أحدهما: أنه اسم خفيف فينصرف، وإن كان أعجمياً كهود ولوط والثاني: أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر، وأما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنه أعجمي ومعرفة، فوجب أن لا ينصرف.

الوجه الثاني: أن قوله: ﴿ ابن ﴾ صفة والخبر محذوف والتقدير: عزير ابن الله معبودنا، وطعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب دلائل الإعجاز، وقال الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر، وصار ذلك الوصف مسلماً فلما كان المقصود بالإنكار هو قولهم عزير ابن الله معبودنا، لتوجه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم، وحصل كونه ابناً لله، ومعلوم أن ذلك كفر، وهذا الطعن عندي ضعيف.

أما قوله إن من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر، توجه الإنكار إلى الخبر فهذا مسلم.

وأما قوله: ويكون ذلك تسليماً لذلك الوصف فهذا ممنوع، لأنه لا يلزم من كونه مكذباً لذلك الخبر بالتكذيب أن يدل على أن ما سواه لا يكذبه بل يصدقه، وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف لا سيما في مثل هذا المقام.

الوجه الثالث: قال الفراء: نون التنوين ساكنة من عزير، والباء في قوله: ﴿ ابن الله ﴾ ساكنة فحصل هاهنا التقاء الساكنين، فحذف نون التنوين للتخفيف، وأنشد الفراء: فألفيته غير مستعتب *** ولا ذاكر الله إلا قليلاً واعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال: ﴿ ذلك قَوْلُهُم بأفواههم ﴾ .

ولقائل أن يقول: إن كل قول إنما يقال بالفم فما معنى تخصيصهم لهذا القول بهذه الصفة.

والجواب من وجوه: الأول: أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه، والحاصل أنهم قالوا باللسان قولاً، ولكن لم يحصل عند العقل من ذلك القول أثر، لأن إثبات الولد للإله مع أنه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل، ليس عند العقل منه أثر ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ والثاني: أن الإنسان قد يختار مذهباً إما على سبيل الكناية وإما على سبيل الرمز والتعريض، فإذا صرح به وذكره بلسانه، فذلك هو الغاية في اختياره لذلك المذهب، والنهاية في كونه ذاهباً إليه قائلاً به.

والمراد هاهنا أنهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه ألبتة.

والثالث: أن المراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواة والألسنة، والمراد منه مبالغتهم في دعوة الخلق إلى المذهب.

ثم قال تعالى: ﴿ يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه الآية وجوه: الأول: أن المراد أن هذا القول من اليهود والنصارى يضاهي قول المشركين الملائكة بنات الله.

الثاني: أن الضمير للنصارى أي قولهم المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله لأنهم أقدم منهم.

الثالث: أن هذا القول من النصارى يضاهي قول قدمائهم، يعني أنه كفر قديم، فهو غير مستحدث.

المسألة الثانية: المضاهاة: المشابهة.

قال الفراء يقال ضاهيته ضهياً ومضاهاة، هذا قول أكثر أهل اللغة في المضاهاة.

وقال شمر: المضاهاة: المتابعة، يقال: فلان يضاهي فلاناً أي يتابعه.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم ﴿ يضاهؤن ﴾ بالهمزة وبكسر الهاء، والباقون بغير همزة وضم الهاء، يقال ضاهيته وضاهأته لغتان مثل أرجيت وأرجأت.

وقال أحمد بن يحيى لم يتابع عاصماً أحد على الهمزة.

ثم قال تعالى: ﴿ قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا القول تعجباً من بشاعة قولهم كما يقال القوم ركبوا سبعاً، قاتلهم الله ما أعجب فعلهم!

﴿ أنى يؤفكون ﴾ الإفك الصرف يقال أفك الرجل عن الخير، أي قلب وصرف، ورجل مأفوك أي مصروف عن الخير.

فقوله تعالى: ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ معناه كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل، حتى يجعلوا لله ولداً!

وهذا التعجب إنما هو راجع إلى الخلق، والله تعالى لا يتعجب من شيء، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم، والله تعالى عجب نبيه من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ مبتدأ وخبر، كقوله: المسيح ابن الله، وعزير: اسم أعجمي كعازر وعيزار وعزرائيل، ولعجمته وتعريفه: امتنع صرفه.

ومن نوّن فقد جعله عربياً.

وأمّا قول من قال: سقوط التنوين للالتقاء الساكنين كقراءة من قرأ: ﴿ أحد الله ﴾ أو لأنّ الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا، فتمحل عنه مندوحة، وهو قول ناس من اليهود ممن كان بالمدينة، وما هو بقول كلهم عن ابن عباس رضي الله عنه: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامُ بنِ مشْكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، فقالوا ذلك.

وقيل: قاله فنحاص.

وسبب هذا القول أنّ اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام، فرفع الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض، فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: إلى أين تذهب؟

قال: أطلب العلم فحفظه التوراة.

فأملاها عليهم عن ظهر لسانه لا يخرم حرفاً، فقالوا ما جمع الله التوراة في صدره وهو غلام إلاّ لأنه ابنه.

والدليل على أنّ هذا القول كان فيهم: أنّ الآية تليت عليهم، فما أنكروا ولا كذبوا؛ مع تهالكهم على التكذيب.

فإن قلت: كل قول يقال بالفم فما معنى قوله: ﴿ ذلك قَوْلُهُم بأفواههم ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد أنه قول لا يعضده برهان، فما هو إلاّ لفظ يفوهون به، فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تدلّ على معان.

وذلك أن القول الدال على معنى لفظه مقول بالفم ومعناه مؤثر في القلب.

وما لا معنى له مقول بالفم لا غير.

والثاني: أن يراد بالقول المذهب، كقولهم: قول أبي حنيفة، يريدون مذهبه وما يقول به، كأنه قيل: ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم، لأنه لا حجة معه ولا شبهة حتى يؤثر في القلوب، وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له لم تبق شبهة في انتفاء الولد ﴿ يضاهون ﴾ لابد فيه من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قولهم، ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه؛ فانقلب مرفوعاً.

والمعنى: أن الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، يعني أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث.

أو يضاهي قول المشركين: الملائكة بنات الله تعالى الله عنه.

وقيل: الضمير للنصارى، أي يضاهي قولهم: المسيح ابن الله، قول اليهود: عزير ابن الله، لأنهم أقدم منهم.

وقرئ: ﴿ يضاهؤن ﴾ بالهمز من قولهم: امرأة ضهيأ على فعيل: وهي التي ضاهأت الرجال في أنها لا تحيض وهمزتها مزيدة كما في عرقىء ﴿ قاتلهم الله ﴾ أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا، تعجباً من شناعة قولهم، كما يقال لقوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ كيف يصرفون عن الحق؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ إنَّما قالَهُ بَعْضُهم مِن مُتَقَدِّمِيهِمْ أوْ مِمَّنْ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ بَعْدَ وقْعَةِ بَخْتُنَصَّرَ مَن يَحْفَظُ التَّوْراةَ، وهو لَمّا أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ أمْلى عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ حِفْظًا فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وقالُوا: ما هَذا إلّا أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ فِيهِمْ أنَّ الآيَةَ قُرِئَتْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُكَذِّبُوا مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ.

وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿ عُزَيْرٌ ﴾ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِابْنٍ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهِ وحَذْفُهُ في القِراءَةِ الأُخْرى إمّا لِمَنعِ صَرْفِهِ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ، أوْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ تَشْبِيهًا لِلنُّونِ بِحُرُوفِ اللِّينِ أوْ لِأنَّ الِابْنَ وصْفٌ والخَبَرَ مَحْذُوفٌ مِثْلَ مَعْبُودِنا أوْ صاحِبِنا وهو مُزَيَّفٌ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَسْلِيمِ النَّسَبِ وإنْكارِ الخَبَرِ المُقَدَّرِ.

﴿ وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ هو أيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِحالَةً لِأنْ يَكُونَ ولَدٌ بِلا أبٍ أوْ لِأنْ يَفْعَلَ ما فَعَلَهُ مِن إبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى مَن لَمْ يَكُنْ إلَهًا.

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ إمّا تَأْكِيدٌ لِنِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلَيْهِمْ ونَفْيٌ لِلتَّجَوُّزِ عَنْها، أوْ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَوْلٌ مُجَرَّدٌ عَنْ بُرْهانٍ وتَحْقِيقٍ مُماثِلٍ لِلْمُهْمَلِ الَّذِي يُوجَدُ في الأفْواهِ ولا يُوجَدُ مَفْهُومُهُ في الأعْيانِ.

﴿ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ يُضاهِي قَوْلُهم قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِهِمْ والمُرادُ قُدَماؤُهم عَلى مَعْنى أنَّ الكُفْرَ قَدِيمٌ فِيهِمْ، أوِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوِ اليَهُودُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّصارى، والمُضاهاةُ المُشابِهَةُ والهَمْزُ لُغَةٌ فِيهِ.

وقَرَأ بِهِ عاصِمٌ ومِنهُ قَوْلُهُمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ عَلى فَعِيلٍ لِلَّتِي شابَهَتِ الرِّجالَ في أنَّها لا تَحِيضُ.

﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ فَإنَّ مَن قاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ.

﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالَتِ اليهود} كلهم أو بعضهم {عُزَيْرٌ ابن الله} مبتدأ وخبر كقوله {المسيح ابن الله} وعزير اسم أعجمي ولعجمته وتعريفه امتنع صرفه ومن نون وهم عاصم وعلي فقد جعله عربياً {وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم}

التوبة (٣٠ _ ٣٤)

أي قول لا يعضده برهان ولا يستند إلى بيان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ عن معنى تحته كالألفاظ المهملة {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} لابد فيه من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً يعني أن الذين كانوا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم يعني أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث أو الضمير للنصارى أي يضاهي قولهم المسيح ابن الله قول اليهود عُزَيْرٌ ابن الله لأنهم أقدم منهم يضاهئون عاصم وأصل المضاهاة المشابهة والأكثر ترك الهمز واشتقاقه من قولهم امرأة ضهياء وهي التي أشبهت الرجال بأنها لا تحيض كذا قاله الزجاج {قاتلهم الله} أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا {أنى يُؤْفَكُونَ} كيف يصرفون عن الحق بعد قيام البرهان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَتِ اليَهُودُ ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَقْرِيرِ ما مَرَّ مِن عَدَمِ إيمانِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وانْتِظامِهِمْ بِذَلِكَ في المُشْرِكِينَ، والقائِلُ ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ مُتَقَدِّمُو اليَهُودِ، ونِسْبَةُ الشَّيْءِ القَبِيحِ إذا صَدَرَ مِن بَعْضِ القَوْمِ إلى الكُلِّ مِمّا شاعَ، وسَبَبُ ذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ عُزَيْرًا كانَ في أهْلِ الكِتابِ، وكانَتِ التَّوْراةُ عِنْدَهم يَعْمَلُونَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَعْمَلُوا، ثُمَّ أضاعُوها، وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، وكانَ التّابُوتُ عِنْدَهم، فَلَمّا رَأى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم قَدْ أضاعُوا التَّوْراةَ وعَمِلُوا بِالأهْواءِ رَفَعَ عَنْهُمُ التّابُوتُ وأنْساهُمُ التَّوْراةَ ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، فَدَعا عُزَيْرٌ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وابْتَهَلَ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، فَبَيْنَما هو يُصَلِّي مُبْتَهِلًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ نَزَلَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَدَخَلَ جَوْفَهُ فَعادَ الَّذِي كانَ ذَهَبَ مِن جَوْفِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَأذَّنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: يا قَوْمِ قَدْ آتانِي اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ ورَدَّها إلَيَّ فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ، فَمَكَثُوا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَمْكُثُوا وهو يُعَلِّمُهم، ثُمَّ إنَّ التّابُوتَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَهابِهِ مِنهُمْ، فَعَرَضُوا ما كانَ فِيهِ عَلى الَّذِي كانَ عُزَيْرٌ يُعَلِّمُهم فَوَجَدُوهُ مِثْلَهُ فَقالُوا: واللَّهِ ما أُوتِيَ عُزَيْرٌ هَذا إلّا لِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ في سَبَبِ ذَلِكَ: إنَّ بُخْتُنَصَّرَ غَزا بَيْتَ المَقْدِسِ وظَهَرَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ مَن قَرَأ التَّوْراةَ، وكانَ عُزَيْرٌ إذْ ذاكَ صَغِيرًا فَلَمْ يَقْتُلْهُ لِصِغَرِهِ، فَلَمّا رَجَعَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يَقْرَأُ التَّوْراةَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عُزَيْرًا لِيُجَدِّدَ لَهُمُ التَّوْراةَ ولِيَكُونَ آيَةً لَهم بَعْدَ ما أماتَهُ اللَّهُ تَعالى مِائَةَ سَنَةٍ، فَأتاهُ مَلَكٌ بِإناءٍ فِيهِ ماءٌ فَشَرِبَ مِنهُ فَمَثُلَتْ لَهُ التَّوْراةُ في صَدْرِهِ، فَلَمّا أتاهم قالَ: أنا عُزَيْرٌ فَكَذَّبُوهُ وقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فَأمْلِ عَلَيْنا التَّوْراةَ فَكَتَبَها لَهم مِن صَدْرِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: إنَّ أبِي حَدَّثَنِي عَنْ جَدِّي أنَّهُ وُضِعَتِ التَّوْراةُ في خابِيَةٍ ودُفِنَتْ في كَرْمٍ فانْطَلَقُوا مَعَهُ حَتّى أخْرَجُوها فَعارَضُوها بِما كَتَبَ لَهم عُزَيْرٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ غادَرَ حَرْفًا، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْذِفِ التَّوْراةَ في قَلْبِ عُزَيْرٍ إلّا لِأنَّهُ ابْنُهُ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَرْجِعُ الرِّواياتِ إلى أنَّ السَّبَبَ حِفْظُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوْراةِ، وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ مِنهم سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: كَيْفَ نَتْبَعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قُبْلَتَنا وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ؟

.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وهو عَلى ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ القائِلُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ .

وبِالجُمْلَةِ إنَّ هَذا القَوْلَ كانَ شائِعًا فِيهِمْ ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِهِمْ لَهُ أصْلًا ولا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الواقِعَ قَوْلُنا عُزَيْرُ أبانَ اللَّهُ أيْ أوْضَحَ أحْكامَهَ وبَيَّنَ دِينَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما أخْبَرَ، وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ ( عُزَيْرٌ ) بِالتَّنْوِينِ والباقُونَ بِتَرْكِهِ، أمّا التَّنْوِينُ فَعَلى أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِابْنٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ أعْجَمِيٌّ لَكِنَّهُ صُرِفَ لِخِفَّتِهِ بِالتَّصْغِيرِ كَنُوحٍ ولُوطٍ وإلى هَذا ذَهَبَ الصَّغانِيُّ.

وهُوَ مُصَغَّرُ عَزارَ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، والقَوْلُ بِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ جاءَ عَلى هَيْئَةِ المُصَغَّرِ ولَيْسَ بِهِ، فِيهِ نَظَرٌ، وأمّا حَذْفُ التَّنْوِينِ فَقِيلَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَإنَّ نُونَ التَّنْوِينِ ساكِنَةٌ والباءُ في ابْنِ ساكِنَةٌ أيْضًا فالتَقى السّاكِنانِ فَحُذِفَتِ النُّونُ لَهُ كَما يُحْذَفُ حُرُوفُ العِلَّةِ لِذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ النُّونِ بِحَرْفِ اللِّينِ وإلّا فَكانَ القِياسُ تَحْرِيكُها، وهو مُبْتَدَأٌ وابْنٌ خَبَرُهُ أيْضًا ولِذا رُسِمَ في جَمِيعِ المَصاحِفِ بِالألِفِ؛ وقِيلَ: لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ الِابْنَ وصْفٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ مِثْلَ مَعْبُودِنا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَمَحَّلَ عَنْهُ مَندُوحَةٌ ورَدَّهُ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ بِأنَّ الِاسْمَ إذا وُصِفَ بِصِفَةٍ ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْهُ فَمَن كَذَّبَهُ انْصَرَفَ تَكْذِيبُهُ إلى الخَبَرِ وصارَ ذَلِكَ الوَصْفُ مُسَلَّمًا، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ قَوْلَهم عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مَعْبُودِنا لَتَوَجَّهَ الإنْكارُ إلى كَوْنِهِ مَعْبُودًا لَهم وحَصَلَ تَسْلِيمُ كَوْنِهِ ابْنًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وذَلِكَ كُفْرٌ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ الإمامُ قائِلًا: إنَّ قَوْلَهُ يَتَوَجَّهُ الإنْكارُ إلى الخَبَرِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ: يَكُونُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لِلْوَصْفِ مَمْنُوعٌ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِذَلِكَ الخَبَرِ كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الوَصْفِ إلّا أنْ يُقالَ: ذَلِكَ بِالخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما سِواهُ لا يُكَذِّبُهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى دَلِيلِ الخِطابِ وهو ضَعِيفٌ، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ الوَصْفَ لِلْعِلِّيَّةِ، فَإنْكارُ الحُكْمِ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ عِلَّتِهِ، وفِيهِ أنَّ إنْكارَ الحُكْمِ قَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةِ عَدَمِ الإفْضاءِ لا لِأنَّ الوَصْفَ كالأبْنِيَةِ مَثَلًا مُنْتَفٍ.

وفِي الإيضاحِ أنَّ القَوْلَ بِمَعْنى الوَصْفِ وأرادَ أنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الخَبَرِ كَما أنَّ أحَدًا إذا قالَ مُقالَةً يُنْكِرُ مِنها البَعْضَ فَحَكَيْتَ مِنها المُنْكَرَ فَقَطْ، وهو كَما في ”الكَشْفِ“ وجْهٌ حَسَنٌ في رَفْعِ التَّمَحُّلِ لَكِنَّهُ خِلافَ الظّاهِرِ كَما يَشْهَدُ لَهُ آخِرُ الآيَةِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ صاحِبُنا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مَثَلًا، والخَبَرُ إذا وُصِفَ تَوَجَّهَ الإنْكارُ إلى وصْفِهِ نَحْوَ هَذا الرَّجُلِ العاقِلِ وهَذا مُوافِقٌ لِلْبَلاغَةِ وجارٍ عَلى وفْقِ العَرَبِيَّةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا غُبارٍ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُ تَرْكِهِ مَعَ ظُهُورِهِ، والظّاهِرُ أنَّ التَّرْكِيبَ خَبَرٌ ولا حَذْفَ هُناكَ، واخْتُلِفَ في عُزَيْرٍ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا؟

والأكْثَرُونَ عَلى الثّانِي ﴿ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ هو أيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، ولَعَلَّهم إنَّما قالُوهُ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ ولَدٌ مِن غَيْرِ أبٍ أوْ لِأنَّهم رَأوْا مِن أفْعالِهِ ما رَأوْا.

ويُحْتَمَلُ وهو الظّاهِرُ عِنْدِي أنَّهم وجَدُوا إطْلاقَ الِابْنِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا إطْلاقُ الأبِ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما عِنْدَهم مِنَ الإنْجِيلِ فَقالُوا ما قالُوا وأخْطَأُوا في فَهْمِ المُرادِ مِن ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ ما فِيهِ كِفايَةٌ في هَذا المَقامِ.

ومِنَ الغَرِيبِ ولا يَكادُ يَصِحُّ ما قِيلَ: إنَّ السَّبَبَ في قَوْلِهِمْ هَذا أنَّهم كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقِّ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إحْدى وثَمانِينَ سَنَةً يَصِلُونَ ويَصُومُونَ ويُوَحِّدُونَ حَتّى وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ حَرْبٌ وكانَ في اليَهُودِ رَجُلٌ شُجاعٌ يُقالُ لَهُ بُولَصَ قَتَلَ جَماعَةً مِنهم ثُمَّ قالَ لِلْيَهُودِ: إنْ كانَ الحَقُّ مَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ كَفَرْنا والنّارُ مَصِيرُنا ونَحْنُ مَغْبُونُونَ أنْ دَخْلَنا النّارَ ودَخَلُوا الجَنَّةَ وإنِّي سَأحْتالُ عَلَيْهِمْ وأُضِلُّهم حَتّى يَدْخُلُوا النّارَ مَعَنا، ثُمَّ إنَّهُ عَمَدَ إلى فَرَسٍ يُقاتِلُ عَلَيْهِ فَعَقَرَهُ وأظْهَرَ النَّدامَةَ والتَّوْبَةَ ووَضَعَ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ وأتى النَّصارى فَقالُوا لَهُ مَن أنْتَ؟

فَقالَ عَدُوُّكم بُولَصُ قَدْ نُودِيَتْ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ حَتّى تَتَنَصَّرَ وقَدْ تُبْتُ وأتَيْتُكم فَأدْخَلُوهُ الكَنِيسَةَ ونَصَرُوهُ ودَخَلَ بَيْتًا فِيها فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ سَنَةً حَتّى تَعَلَّمَ الإنْجِيلَ ثُمَّ خَرَجَ وقالَ: قَدْ نُودِيَتْ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبِلَ تَوْبَتَكَ فَصَدَقُوهُ وأحَبُّوهُ وعَلا شَأْنُهُ فِيهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَمَدَ إلى ثَلاثَةِ رِجالٍ مِنهم نُسْطُورٌ، ويَعْقُوبُ، ومَلْكا فَعَلِمَ نُسْطُورٌ أنَّ الإلَهَ ثَلاثَةٌ، اللَّهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وعَلِمَ يَعْقُوبُ أنَّ عِيسى لَيْسَ بِإنْسانٍ ولَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَلِمَ مَلْكا أنَّ عِيسى هو اللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ فَلَمّا اسْتَمْكَنَ ذَلِكَ مِنهم دَعا كُلَّ واحِدٍ مِنهم في الخَلْوَةِ وقالَ لَهُ: أنْتَ خالِصَتِي فادْعُ النّاسَ إلى ما عَلَّمْتُكَ، وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلى ناحِيَةٍ مِنَ البِلادِ، ثُمَّ قالَ لَهم: إنِّي رَأيْتُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَنامِ، وقَدْ رَضِيَ عَنِّي وأنا ذابِحٌ نَفْسِي تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى المَذْبَحِ فَذَبَحَ نَفْسَهُ، وتَفَرَّقَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ فَذَهَبَ واحِدٌ مِنهم إلى الرُّومِ، وواحِدٌ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، والآخَرُ إلى ناحِيَةٍ أُخْرى، وأظْهَرَ كُلَّ مَقالَتِهِ ودَعا النّاسَ إلَيْها فَتَبِعَهُ مَن تَبِعَهُ وكانَ ما كانَ مِنَ الِاخْتِلالِ والضَّلالِ ( ذَلِكَ ) أيْ: ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ العَظِيمَتَيْنِ ﴿ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ أيْ أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ مُماثِلٌ لِلْألْفاظِ المُهْمَلَةِ الَّتِي لا وُجُودَ لَها إلّا في الأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ في الخارِجِ، وقِيلَ: هو تَأْكِيدٌ لِنِسْبَةِ القَوْلِ المَذْكُورِ إلَيْهِمْ ونَفْيِ التَّجَوُّزِ عَنْها وهو الشّائِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقَوْلِ الرَّأْيُ والمَذْهَبُ، وذَكَرَ الأفْواهَ إمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ في قُلُوبِهِمْ وإنَّما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ جَهْلًا وعِنادًا وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مُخْتارٌ لَهم غَيْرُ مُتَحاشِينَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما يُنَبِّهُ عَلى مَذْهَبِهِ بِالكِتابَةِ أوْ بِالكِنايَةِ مَثَلًا، فَإذا صَرَّحَ بِهِ وذَكَرَهُ بِلِسانِهِ كانَ ذَلِكَ الغايَةَ في اخْتِيارِهِ، وادَّعى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَعْلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُهُ بِأُذُنِي مَثَلًا مِمّا يَأْباهُ المَقامُ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّأْكِيدَ مَعَ التَّعْجِيبِ مِن تَصْرِيحِهِمْ بِتِلْكَ المَقالَةِ الفاسِدَةِ لا يُنافِيهِ المَقامُ ولا تَزاحُمَ في النِّكاتِ ( ﴿ يُضاهِئُونَ ﴾ ) أيْ يُضاهِي قَوْلَهم في الكُفْرِ والشَّناعَةِ ﴿ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وصُيِّرَ مَرْفُوعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّجَوُّزِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ، فالمُرادُ يُضاهِئُونَ في قَوْلِهِمْ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ( مِن قَبْلُ ) أيْ: مِن قَبْلِهِمْ وهم كَما رُوِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ واخْتارَهُ الفَرّاءُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ قُدَماؤُهُمْ، فالمُضاهى مَن كانَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم لِقُدَمائِهِمْ وأسْلافِهِمْ، والمُرادُ الإخْبارُ بِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَعَدُّدَ في القَوْلِ حَتّى يَتَأتّى التَّشْبِيهُ، وجَعَلَهُ بَيْنَ قَوْلَيِ الفَرِيقَيْنِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّصارى، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ مَعَ أنَّ مُضاهاتَهم قَدْ عُلِمَتْ مِن صَدْرِ الآيَةِ، ويَسْتَدْعِي أيْضًا اخْتِصاصَ الرَّدِّ والإبْطالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ بِقَوْلِ النَّصارى، وقَرَأ الأكْثَرُ ( يُضاهُونَ ) بِهاءٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ، وقَدْ جاءَ ضاهَيْتُ وضاهَأْتُ بِمَعْنى مِنَ المُضاهاةِ وهي المُشابَهَةُ وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُها بِالمُوافَقَةِ وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الياءُ فَرْعٌ عَنِ الهَمْزَةِ كَما قالُوا فَرَيْتٌ وتَوَضَّيْتُ، وقِيلَ: الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ لِضَمِّها، ورُدَّ بِأنَّ الياءَ لا تَثْبُتُ في مِثْلِهِ حَتّى تُقْلَبَ بَلْ تُحْذَفُ كَرامُونَ مِنَ الرَّمْيِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: امْرَأةٌ ضَهْيا بِالقَصْرِ وهي الَّتِي لا ثَدْيَ لَها أوْ لا تَحِيضُ أوْ لا تَحْمِلُ لِمُشابَهَتِها الرِّجالَ، ويُقالُ: ضَهْياءُ بِالمَدِّ كَحَمْراءَ وضَهْياءَةُ بِالمَدِّ وتاءِ التَّأْنِيثِ، وشَذَّ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خَطَأٌ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ فَإنَّ الهَمْزَةَ في ضَهْياءَ عَلى لُغَتِها الثَّلاثِ زائِدَةٌ وفي المُضاهاةِ أصْلِيَّةٌ ولَمْ يَقُولُوا: إنَّ هَمْزَةَ ضَهْياءَ أصْلِيَّةٌ وياءَها زائِدَةٌ لِأنَّ فَعْيَلاءَ لَمْ يَثْبُتْ في أبْنِيَتِهِمْ، ولَمْ يَقُولُوا وزْنُها فَعْلَلَ كَجَعْفَرٍ لِأنَّهُ ثَبَتَ زِيادَةُ الهَمْزَةِ في ضَهْياءَ بِالمَدِّ فَتَتَعَيَّنُ في اللُّغَةِ الأُخْرى، وفي هَذا المَقامِ كَلامٌ مُفَصَّلٌ في مَحَلِّهِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى ( ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ ) وجَعَلَ ( ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ ) مُتَعَلِّقًا بِيُضاهِئُونَ ولا تُوقَفُ في أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي الجُمْلَةِ ذَمٌّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وإنْ لَمْ تُسَقْ لِذَمِّهِمْ ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ فَإنَّ مَن قاتَلَ اللَّهَ تَعالى فَمَقْتُولٌ ومَن غالَبَهُ فَمَغْلُوبٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى لَعَنَهُمُ اللَّهُ وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ لِقاتَلَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّعَجُّبَ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ فَقَدْ شاعَتْ في ذَلِكَ حَتّى صارَتْ تُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ فَيُقالُ: قاتَلَهُ اللَّهُ تَعالى ما أفْصَحَهُ.

وقِيلَ: هي لِلدُّعاءِ والتَّعَجُّبِ يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ لِأنَّها كَلِمَةٌ لا تُقالُ إلّا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ مِن شَناعَةِ فِعْلِ قَوْمٍ أوْ قَوْلِهِمْ ولا يَخْفى ما فِيهِ مَعَ أنَّ تَخْصِيصَها بِالشَّناعَةِ شَناعَةٌ أيْضًا ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ وسُطُوعِ البُرْهانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.

قرأ عاصم والكسائي عُزَيْرٌ بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين فمن قرأ بالتنوين، فلأنّ الابن خبر، وليس بنسبة، ومن قرأ بغير تنوين فلالتقاء الساكنين، كما قرأ بعضهم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: 1] بغير تنوين.

فلا اختلاف بين النحويين: أن إثبات التنوين أجود من طريق أهل اللغة.

وإنما قالت اليهود ذلك، لأنه لما خرّب بخت نصّر بيت المقدس وأحرق التوراة، حزنوا على ذهاب التوراة، فأملاها عليهم عزير صلوات الله عليه عن ظهر قلبه، فتعلموها وفي أنفسهم منها شيء مخافة أن يكون قد زاد فيها أو نقص منها شيئاً.

فبينما هم كذلك، إذ وقعوا على خوابي مدفونة في قرية فيها التوراة، فعارضوا بها ما كتبوا من عزير، فلم يزد شيئاً ولم ينقص حرفاً، فقالوا عند ذلك: ما علم عزير هذا، إلا وهو ابن الله.

وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وإنما قالوا ذلك، لأن المسيح كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله تعالى، فقالوا: لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله.

ويقال: إنّ الإفراط في كل شيء مذموم، لأن النصارى أفرطوا في حب عيسى  وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا بسبب ذلك.

واليهود أفرطوا بحب عزير، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا، كما أفرطت الروافض في حب عليّ حتى أبغضوا غيره.

وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قال: «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوما» .

ثم قال تعالى: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: ذلِكَ كذبهم بألسنتهم، ويقال: معناه يقولون بأفواههم قولاً بلا فائدة، ولا برهان، ولا معنى صحيح تحته.

ثم قال: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يوافقون قول الذين كَفَرُواْ مِنْ قَبْلُ، حين قالوا: الملائكة بنات الله.

وقال قتادة: يشبهون قول الذين كفروا، يعني: قول اليهود موافق قول النصارى، وقول النصارى يوافق قول اليهود.

ويقال: يتشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم، يعني: إنما قالوا اتباعاً لهم، بدليل قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ.

قرأ عاصم يضاهئون بكسر الهاء مع الهمزة، وهي لغة لبعض العرب وقرأ الباقون بالسكون بغير همزة، وهي اللغة المعروفة.

وقال القتبي: يُضاهِؤُنَ يعني: يشبهون، قول من كان في عصر النبيّ  من اليهود والنصارى، قول أوليهم الذين كانوا قبلهم.

ثم قال تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، يعني: لعنهم الله.

أَنَّى يُؤْفَكُونَ، يعني: من أين يكذبون بتوحيد الله تعالى.

ثم قال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ، يعني: أهل الصوامع والمتعبدين منهم.

أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: اتخذوهم كالأرباب يطيعونهم في معاصي الله.

قال الفقيه الزاهد: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدّثنا الحسن بن يزيد الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعيد، عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله  يقرأ من سورة براءة اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ولكن كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلُّوا، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئَاً حرّموا» (١) ثم قال: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، يعني: اتخذوا المسيح رباً من دون الله.

وَما أُمِرُوا، يقول وما أمرهم عيسى  إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، يعني: إلا قوله: الله ربي وربكم ويقال: وَما أُمِرُوا في جميع الكتب إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها يعني: ليوحدوا الله تعالى إلها واحداً.

ثم نزه نفسه فقال تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يعني: يعبدون من دونه.

(١) عزاه السيوطي 4/ 174 إلى ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في سننه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

منها: أنْ يريد عن قُوَّة منكم عليهم، وقَهْرٍ، واليدُ في كلام العرب: القُوَّة.

ومنها: أَنْ يريد سَوْقَ الذِّميِّ لها بِيَدِهِ، لا أنْ يبعثها معَ رَسُولٍ ليكون في ذلك إِذلالٌ لهم.

ومنها: أنْ يريد نَقْدَهَا ناجزاً، تقول: بِعْتُهُ يَداً بِيَدٍ، أي: لا يؤخِّروا بها.

ومنها: أنْ يريد عن استسلام، يقال: ألقى فلان بيده، إذا عجز واستسلم.

وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)

وقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ: الذي كثر في كُتُب أهْل العلم أنَّ فرقةً من اليهود قالَتْ هذه المقالة وروي أنه قالها نَفَرٌ يسير منهم فِنحْاص وغيره، قال النَّقَّاش: ولم يبق الآن يهودي يقولها، بل انقرضوا.

قال ع «١» : فإِذا قالها ولو واحدٌ من رُؤسَائهم، توجَّهت شنعة المقالة علَى جماعتهم، وحكَى الطبريُّ وغيره أن بني إِسرائيل أصابتهم فتن وجلاء، وقيل: مَرَض، وأذهب اللَّه عنهم التَّوْراة في ذلك، ونَسُوها، وكان علماؤهم قد دَفَنُوها أول ما أحسُّوا بذلك البلاء، فلما طالَتْ المدة، فُقِدَت التوراة جملةً، فحفَّظها اللَّهُ عُزَيْراً كرامةً منه له، فقال لبني إِسرائيل: إِن اللَّهَ قد حفَّظني التوراةَ، فجعلوا يَدْرُسُونها من عنْده، ثم إِن التوراة المدْفُونَة وجدت، فإذا هي مساوية لما كان عزيز يدرِّس، فضَلُّوا عند ذلك، وقالوا: إِن هذا لم يتهيّأ لعزيز إِلاَ وهو ابن اللَّه، نعوذُ باللَّه من الضَّلال.

وقوله: بِأَفْواهِهِمْ، أي: بمجرَّد الدعوَى من غير حجّة ولا برهان، ويُضاهِؤُنَ، قراءةُ الجماعة «٢» ، ومعناه: يحاكُون ويماثلون، والإشارة بقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ:

إِما لمشركي العرب إِذ قالوا: الملائكة بناتُ اللَّهِ قاله الضَّحَّاك، وإِما لأممٍ سالفةٍ قبلها، وإِما للصَّدْر الأول من كَفَرة اليهودِ والنَصَارَى، ويكون يُضاهِؤُنَ لمعاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإن كان الضمير في يُضاهِؤُنَ للنصارَى فقطْ، كانت الإِشارة ب الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ إلى اليهود وعلى هذا فسَّر الطبريُّ، وحكاه غيره عن قتادة «١» .

وقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ: دعاءٌ عليهم عامٌّ لأنواع الشَّر، وعن ابن عباس أن المعنَى:

لعنهم اللَّه «٢» .

قال الداوديّ: وعن ابن عباس قاتلهم اللَّه: لعنهم اللَّه، وكلُّ شيء في القُرآن: قَتَلَ، فهو لَعْن.

انتهى.

وأَنَّى يُؤْفَكُونَ، أَي: يُصْرَفُون عن الخَيْر.

وقوله سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ ...

الآية: هذه الآية يفسِّرها ما حكاه الطَّبريُّ «٣» أن عدي بن حاتم قال: «جئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي عُنُقي صَلِيبُ ذَهَب، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ/ اطرح هَذَا الصَّلِيبَ مِنْ عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ لَمْ نَعْبُدْهُمْ؟

فَقَالَ: أَلَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ مَا أَحَلُّوا وَتُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمُوا؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَذَلِكَ «٤» » .

ومعنى: سُبْحانَهُ تنزيها له، ونُورَ اللَّهِ في هذه الآية: هُدَاه الصادرُ عن القرآن والشَّرْع.

وقوله: بِأَفْواهِهِمْ عبارةٌ عن قلَّةِ حيلتهم وضَعْفها.

وقوله: بِالْهُدى: يعم القرآن وجميعَ الشَّرْع.

وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وقد فعل ذلك سبحانه، فالضمير في لِيُظْهِرَهُ:

عائدٌ على الدِّين، وقيل: على الرسول، وهذا وإِنْ كان صحيحاً، فالتأويل الأول أبْرَعُ منه، وأَلْيَقُ بنظام الآية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

٤٢٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مُنَوَّنًا.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مِن نَوَّنَ عُزَيْرًا رَفَعَهُ عَلى الِابْتِداءِ، "وابْنُ" خَبَرُهُ.

ولا يَحْسُنُ حَذْفُ التَّنْوِينِ عَلى هَذا مِن "عُزَيْرٍ" لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

ولا تُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، ويُكْسَرُ التَّنْوِينُ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

ومَن لَمْ يُنَوِّنْ "عُزَيْرًا" جَعَلَهُ أيْضًا مُبْتَدَأ، و"ابْنُ" صِفَةٌ لَهُ؛ فَيُحْذَفُ التَّنْوِينُ عَلى هَذا اسْتِخْفافًا لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولِأنَّ الصِّفَةَ مَعَ المَوْصُوفِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وتُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ نَبِيُّنا وصاحِبُنا.

وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ سَلامَ بْنَ مُشْكِمٍ، ونُعْمانَ بْنَ أوْفى، وشاسَ بْنَ قَيْسٍ، ومالِكَ بْنَ الصَّيْفِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَ القائِلَ لِذَلِكَ فِنْحاصُ.

فَأمّا العُزَيْرُ، فَقالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وإنْ وافَقَ لَفْظَ العَرَبِيَّةِ، فَهو عِبْرانِيٌّ؛ كَذا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ.

وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العُزَيْرُ عِنْدَ كُلِّ النَّحْوِيِّينَ: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِ: يُعَزِّرُوهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، أنْساهُمُ اللهُ التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، فَدَعا عُزَيْرٌ اللَّهَ تَعالى؛ فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي نُسِخَ مِن صُدُورِهِمْ، ونَزَلَ نُورٌ مِنَ السَّماءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَأذِنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: قَدْ آَتانِيَ اللَّهُ التَّوْراةَ؛ فَقالُوا: ما أُوتِيَها إلّا لِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بُخْتِنْصَّرَ لَمّا ظَهَرَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقَتَلَ مَن قَرَأ التَّوْراةَ، كانَ عُزَيْرٌ غُلامًا، فَتَرَكَهُ.

فَلَمّا تُوُفِّيَ عُزَيْرٌ بِبابِلَ، ومَكَثَ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ: أنا عُزَيْرٌ؛ فَكَذَّبُوهُ وقالُوا: قَدْ حَدَّثَنا آَباؤُنا أنَّ عُزَيْرًا ماتَ بِبابِلَ، فَإنْ كُنْتَ عُزَيْرًا فَأمْلِلْ عَلَيْنا التَّوْراةَ؛ فَكَتَبَها لَهُمْ؛ فَقالُوا: هَذا ابْنُ اللَّهِ.

وَفِي الَّذِينَ قالُوا هَذا عَنْ عُزَيْرٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: طائِفَةٌ مِن سَلَفِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّالِثُ: جَماعَةٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فِنْحاصُ وحْدَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: الَّذِينَ ذَكَرْناهم في أوَّلِ الآَيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ، فَلِمَ أُضِيفَ إلى جَمِيعِهِمْ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ إيقاعَ اسْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُ مِنَ البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنْ كانَ لَمْ يَرْكَبْ إلّا بَغْلًا واحِدًا.

والثّانِي: أنَّ مَن لَمْ يَقُلْهُ، لَمْ يُنْكِرْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ هَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ.

والثّانِي: لِأنَّهُ أحْيى المَوْتى، وأبْرَأ الكُمْهَ والبُرْصَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (المائِدَةِ:١١٠) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ إنَّ قالَ قائِلٌ: هَذا مَعْلُومٌ، فَما فائِدَتُهُ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: أنَّهُ قَوْلٌ بِالفَمِ، لا بَيانَ فِيهِ، ولا بُرْهانَ، ولا تَحْتَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: " يُضاهُونَ " قَرَأ الجُمْهُورُ: مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ: "يُضاهِئُونَ" .

قالَ ثَعْلَبٌ: لَمْ يُتابِعْ عاصِمًا أحَدٌ عَلى الهَمْزِ.

قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: "يُضاهُونَ" يُشابِهُونَ قَوْلَ مَن تَقَدَّمَهم مِن كَفَرَتِهِمْ، فَإنَّما قالُوهُ اتِّباعًا لِمُتَقَدِّمِيهِمْ.

وأصْلُ المُضاهاةِ في اللُّغَةِ: المُشابِهَةُ؛ والأكْثَرُ تَرْكُ الهَمْزِ؛ واشْتِقاقُهُ مِن قَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ ضَهْياءُ، وهي الَّتِي لا يَنْبُتُ لَها ثَدْيٌ.

وقِيلَ: هي الَّتِي لا تَحِيضُ، والمَعْنى: أنَّها قَدْ أشْبَهَتِ الرِّجالَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: ضاهَيْتُ، وضاهَأْتُ: إذا شَبَّهْتَ.

وفي ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فالمَعْنى أنَّ النَّصارى في قَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، شابَهُوا اليَهُودَ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم أسْلافُهم، تابَعُوهم في أقْوالِهِمْ تَقْلِيدًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لَعَنَهُمُ اللهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَتَلَهُمُ اللهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: عاداهُمُ اللهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ: مِن أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ﴾ قَدْ سَبَقَ في (المائِدَةِ:٤٤) مَعْنى الأحْبارِ والرُّهْبانِ.

وقَدْ «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ "أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" .» فَعَلى هَذا المَعْنى: أنَّهم جَعَلُوهم كالأرْبابِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهم أرْبابٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اتَّخَذُوهُ رَبًّا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وقالَتِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهِ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ الَّذِي كَثُرَ في كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ فِرْقَةً مِنَ اليَهُودِ تَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْها إلّا فِنْحاصُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَها أرْبَعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ، سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَيْفِ، وقالَ النَقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها بَلِ انْقَرَضُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإذا قالَها واحِدٌ فَيَتَوَجَّهُ أنْ يَلْزَمَ الجَماعَةَ شُنْعَةُ المَقالَةِ لِأجْلِ نَباهَةِ القائِلِ فِيهِمْ، وأقْوالُ النُبَهاءِ أبَدًا مَشْهُورَةٌ في الناسِ يُحْتَجُّ بِها، فَمِن هُنا صَحَّ أنْ تَقُولَ الجَماعَةُ قَوْلَ نَبِيِّها.

وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ" بِتَنْوِينِ "عُزَيْرٍ"، والمَعْنى أنَّ "ابْنًا" -عَلى هَذا- خَبَرُ ابْتِداءٍ عن "عُزَيْرٌ"، وهَذا هو أصَحُّ المَذاهِبِ لِأنَّهُ المَعْنى المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ.

و"عُزَيْرٌ" ونَحْوُهُ- يَنْصَرِفُ عَجَمِيًّا كانَ أو عَرَبِيًّا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ" دُونَ تَنْوِينِ "عُزَيْرٌ"، فَقالَ بَعْضُهُمُ: "ابْنُ" خَبَرٌ عن "عُزَيْرٌ"، وإنَّما حُذِفَ التَنْوِينُ مِن "عُزَيْرٌ" لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، ونَحْوُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أحَدُ اللهُ الصَمَدُ".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو كَثِيرٌ في الشِعْرِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ: لِتَجِدَنِّي بِالأمِيرِ بَرّا وبِالقَناةِ مِدْعَسًا مِكَرّا إذا عُطَيْفُ السُلَمِيُّ فَرّا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالألِفُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ والتَأْوِيلِ- ثابِتَةٌ في "ابْنِ"، وقالَ بَعْضُهُمُ: "ابْنُ" صِفَةٌ لِـ "عُزَيْرٌ"، كَما تَقُولُ: "زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو "، وجُعِلَتِ الصِفَةُ والمَوْصُوفُ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وحُذِفَ التَنْوِينُ إذا جاءَ الساكِنانِ كَأنَّهُما التَقَيا مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، والمَعْنى: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ مَعْبُودُنا وإلَهُنا، أوِ المَعْنى: مَعْبُودُنا أو إلَهُنا عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ والتَأْوِيلِ أنْ يُحْذَفَ الألِفُ مِنِ "ابْنُ" لَكِنَّها تَثْبُتُ في خَطِّ المُصْحَفِ، فَيَتَدَرَّجُ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ قِراءَةَ التَنْوِينِ في "عُزَيْرٌ" أقْواها.

وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أصابَتْهم فِتَنٌ وبَلاءٌ -وَقِيلَ مَرَضٌ- وأذْهَبَ اللهُ عنهُمُ التَوْراةَ في ذَلِكَ ونَسُوها، وكانَ عُلَماؤُهم قَدْ دَفَنُوها أوَّلَ ما أحَسُّوا بِذَلِكَ البَلاءِ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ فُقِدَتِ التَوْراةُ جُمْلَةً فَحَفَّظَها اللهُ عُزَيْرًا كَرامَةً مِنهُ لَهُ، فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ اللهَ قَدْ حَفَّظَنِي التَوْراةَ فَجَعَلُوا يَدْرُسُونَها مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ إنَّ التَوْراةَ المَدْفُونَةَ وُجِدَتْ فَإذا هي مُساوِيَةٌ لِما كانَ عُزَيْرٌ يَدْرُسُ، فَضَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ وقالُوا: إنَّ هَذا لَنْ يَتَهَيَّأ إلّا وهو ابْنُ اللهِ، وظاهِرُ قَوْلِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ أنَّها بُنُوَّةُ النَسْلِ كَما قالَتِ العَرَبُ في المَلائِكَةِ، وكَذَلِكَ يَقْتَضِي قَوْلُ الضَحّاكِ والطَبَرِيِّ وغَيْرِهِما، وهَذا أشْنَعُ في الكُفْرِ، قالَ أبُو المَعالِي: أطْبَقَتِ النَصارى عَلى أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ وأنَّهُ ابْنُ الإلَهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ: إنَّ بَعْضَهم يَعْتَقِدُها بُنُوَّةَ حُنُوٍّ ورَحْمَةٍ، وهَذا المَعْنى أيْضًا لا يُحِلُّ أنْ تُطْلَقَ البُنُوَّةُ عَلَيْهِ، وهو كُفْرٌ لِمَكانِ الإشْكالِ الَّذِي يَدْخُلُ مِن جِهَةِ التَناسُلِ، وكَذَلِكَ كَفَرَتِ اليَهُودُ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ، وإنَّما تُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ اسْتِعارَةُ البُنُوَّةِ عِبارَةً عن نَسَبٍ ومُلازِماتٍ تَكُونُ بَيْنَ الأشْياءِ إذا لَمْ يُشْكِلِ الأمْرُ وكانَ أمْرُ النَسْلِ مِنَ الِاسْتِحالَةِ، زَمَنَ ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: وقَدْ زَبَنَتْنا الحَرْبُ وزَبَنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا.

يُرِيدُ المُلازَمَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حُرَيْثِ بْنِ مِحْصَنٍ: بَنُو المَجْدِ لَمْ تَقْعُدْ بِهِمْ أُمَّهاتُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وآباؤُهم أبْناءُ صِدْقٍ فَأنْجَبُوا وَمِن ذَلِكَ: ابْنُ نَعْشٍ، وابْنُ ماءٍ، وابْنُ السَبِيلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: والأرْضُ تَحْمِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ومِنهُ أحَدُ التَأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ  : « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنى"» أيْ مُلازِمُهُ، والتَأْوِيلُ الآخَرُ: أنْ لا يَدْخُلَها مُشْكَلُ الأمْرِ، والتَأْوِيلانِ في قَوْلِ النَصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ كَما تَقَدَّمَ مِنَ الصِفَةِ والخَبَرِ إلّا أنَّ شَغَبَ التَنْوِينِ ارْتَفَعَ هاهُنا، وعُزَيْرٌ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: إلْزامُهُمُ المَقالَةَ والتَأْكِيدُ في ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ  ﴾ ، والمَعْنى الثانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ أيْ هو ساذَجٌ لا حُجَّةَ عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، غايَةُ بَيانِهِ أنْ يُقالَ بِالأفْواهِ قَوْلًا مُجَرَّدًا نَفْسَ دَعْوى.

و"يُضاهُونَ" قِراءَةُ الجَماعَةِ، ومَعْناهُ: يُحاكُونَ ويُبارُونَ ويُماثِلُونَ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "يُضاهِئُونَ" بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مِن "ضاهَأ" وهي لُغَةُ ثَقِيفٍ بِمَعْنى "ضاهى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ إنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ: "امْرَأةٌ ضَهْياءُ" وهي الَّتِي لا تَحِيضُ، وقِيلَ: الَّتِي لا ثَدْيَ لَها، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشَبَهِها بِالرِجالِ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، لِأنَّ الهَمْزَةَ في "ضاهَأ" أصْلِيَّةٌ، وفي "ضَهْياءَ" زائِدَةٌ كَحَمْراءَ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ في "يُضاهِئُونَ" لِلْيَهُودِ والنَصارى جَمِيعًا فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ﴾ هي إمّا لِمُشْرِكِي العَرَبِ إذْ قالُوا: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، وهم أوَّلُ كافِرٍ، وهو قَوْلُ الضَحّاكِ، وإمّا لِأُمَمٍ سالِفَةٍ قَبْلَهُما، وإمّا لِلصَّدْرِ الأوَّلِ مِن كَفَرَةِ اليَهُودِ والنَصارى، ويَكُونُ "يُضاهِؤُونَ" لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ في "يُضاهِئُونَ" لِلنَّصارى فَقَطْ كانَتِ الإشارَةُ بِـ "الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ" إلى اليَهُودِ، وعَلى هَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتَلَهُمُ اللهُ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ عامٌّ لِأنْواعِ الشَرِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن قاتَلَهُ اللهُ فَهو المَغْلُوبُ المَقْتُولُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ المَعْنى: لَعَنَهُمُ اللهُ.

و ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ مَقْصِدُهُ: أنّى تَوَجَّهُوا وأنّى ذَهَبُوا، وبُدِّلَ مَكانَ هَذا الفِعْلِ المَقْصُودِ فِعْلُ سُوءٍ يَحِلُّ بِهِمْ، وذَلِكَ فَصِيحٌ في الكَلامِ كَما تَقُولُ: "لَعَنَ اللهُ الكافِرَ أنّى هَلَكَ" كَأنَّكَ تُحَتِّمُ عَلَيْهِ بِهَلاكٍ، وكَأنَّهُ حَتْمٌ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم يُؤْفَكُونَ، ومَعْناهُ: يُحْرَمُونَ ويُصْرَفُونَ عَنِ الخَيْرِ، والأرْضُ المَأْفُوكَةُ الَّتِي لَمْ يُصِبْها مَطَرٌ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( يُؤْفَكُونَ ) مَعْناهُ: يَحُدُّونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ: مِن قَوْلِكَ: "رَجُلٌ مَحْدُودٌ" أيْ: مَحْرُومٌ لا يُصِيبُ خَيْرًا، وكَأنَّهُ مِنَ الإفْكِ الَّذِي هو الكَذِبُ، فَكَأنَّ المَأْفُوكَ هو الَّذِي تُكَذِّبُهُ أراجِيهِ فَلا يَلْقى خَيْرًا.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ابْتِداءُ تَقْرِيرٍ، أيْ: بِأيِّ سَبَبٍ ومِن أيِّ جِهَةٍ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُمْ؟

و"قاتَلَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "قَتَلَ"، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ، وهَذا كُلُّهُ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ [التوبة: 29] والتقدير: ويقول اليهود منهم عزيز ابن الله، ويقول النصارى منهم: المسيح ابن الله، تشنيعاً على قائِليهما من أهل الكتاب بأنّهم بلغوا في الكفر غايته حتّى ساووا المشركين.

وعزيز: اسم حَبر كبير من أحبار اليهود الذين كانوا في الأسر البابلي، واسمه في العبرانية (عِزْرا) بكسر العين المهملة بن (سرايا) من سبط اللاويين، كان حافظاً للتوراة.

وقد تفضّل عليه (كورش) ملك فارس فأطلقه من الأسر، وأطلق معه بني إسرائيل من الأسر الذي كان عليهم في بابل، وأذنهم بالرجوع إلى أورشليم وبناء هيكلهم فيه، وذلك في سنة 451 قبل المسيح، فكان عزرا زعيم أحبار اليهود الذين رجعوا بقومهم إلى أورشليم وجدّدوا الهيكل وأعاد شريعة التوراة من حِفْظه، فكان اليهود يعظّمون عِزرا إلى حدّ أن ادّعى عامّتهم أنّ عزرا ابن الله، غُلوا منهم في تقديسه، والذين وصفوه بذلك جماعة من أحبار اليهود في المدينة، وتبعهم كثير من عامّتهم.

وأحسب أنّ الداعي لهم إلى هذا القول أن لا يكونوا أخلياء من نسبة أحد عظمائهم إلى بنوة الله تعالى مثل قول النصارى في المسيح كما قال متقدموهم ﴿ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ﴾ [الأعراف: 138].

قال بهذا القول فرقة من اليهود فألصق القول بهم جميعاً لأنّ سكوت الباقين عليه وعدم تغييره يلزمهم الموافقة عليه والرضا به، وقد ذكر اسم عِزرا في الآية بصيغة التصغير، فيحتمل أنّه لمّا عرّب عُرب بصيغة تشبه صيغة التصغير، فيكون كذلك اسمه عند يهود المدينة ويحتمل أنّ تصغيره جرى على لسان يهود المدينة تحبيباً فيه.

قرأ الجمهور ﴿ عزيرُ ﴾ ممنوعاً من التنوين للعجمة وهو ما جزم به الزمخشري وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب: بالتنوين على اعتباره عربياً بسبب التصغير الذي أدخل عليه لأنّ التصغير لا يدخل في الأعلام العجمية، وهو ما جزم به عبد القاهر في فصل النظم من «دلائل الإعجاز»، وتأوّل قراءة ترك التنوين بوجهين لم يرتضهما الزمخشري.

وأمّا قول النصارس ببنوة المسيح فهو معلوم مشهور.

وقد مضى الكلام على المسيح عند قوله تعالى: ﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البينات ﴾ في سورة البقرة (87).

وعند قوله تعالى: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ في سورة آل عمران (45).

والإشارة بذلك } إلى القول المستفاد من ﴿ قالت اليهود وقالت النصارى ﴾ .

والمقصود من الإشارة تشهير القول وتمييزه، زيادة في تشنيعه عند المسلمين.

و ﴿ بأفواههم ﴾ حال من القول، والمراد أنّه قول لا يعدو الوجودَ في اللسان وليس له ما يحقّقه في الواقع، وهذا كناية عن كونه كاذباً كقوله تعالى: ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً ﴾ [الكهف: 5].

وفي هذا أيضاً إلزام لهم بهذا القول، وسدّ باب تنصّلهم منه إذ هو إقرارهم بأفواههم وصريح كلامهم.

والمضاهاة: المشابهة، وإسنادها إلى القائلين: على تقدير مضاف ظاهرٍ من الكلام، أي يضاهي قولُهم.

و ﴿ الذين كفروا من قبل ﴾ هم المشركون: من العرب، ومن اليونان، وغيرهم، وكونُهم من قَبل النصارى ظاهر، وأمّا كونهم من قبللِ اليهود: فلأنّ اعتقاد بنوة عُزير طارئ في اليهود وليس من عقيدة قُدمائهم.

وجملة ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء مستعمل في التعجيب، وهو مركّب يستعمل في التعجّب من عمل شنيع، والمفاعلة فيه للمبالغة في الدعاء: أي قتلهم الله قتلاً شديداً.

وجملة التعجيب مستأنفة كشأن التعجب.

وجملة ﴿ أنى يؤفكون ﴾ مستأنفة.

والاستفهام فيها مستعمل في التعجيب من حالهم في الاتّباع الباطل، حتّى شبه المكان الذي يُصرفون إليه باعتقادهم بمكان مجهول من شأنه أن يُسأل عنه باسم الاستفهام عن المكان، ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يُصرفون.

يقال: أفَكَه يأفِكه إذا صرفه، قال تعالى: ﴿ يؤفك عنه من أفك ﴾ [الذاريات: 9] والإفك بمعنى الكذب قد جاء من هذه المادّة لأنّ الكاذب يصرف السامع عن الصدق، وقد تقدّم ذلك غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.

أمّا قَوْلُ اليَهُودِ ذَلِكَ فَسَبَبُهُ أنَّ بِخْتَنْصَرَ لَمّا أخْرَبَ بَيْتَ المَقْدِسِ أحْرَقَ التَّوْراةَ حَتّى لَمْ يَبْقَ بِأيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنها، ولَمْ يَكُونُوا يَحْفَظُونَها بِقُلُوبِهِمْ، فَحَزِنُوا لِفَقْدِها وسَألُوا اللَّهَ تَعالى رَدَّها عَلَيْهِمْ، فَقَذَفَها اللَّهُ في قَلْبِ عُزَيْرٍ، فَحَفِظَها وقَرَأها عَلَيْهِمْ فَعَرَفُوها فَلِأجْلِ ذَلِكَ قالُوا إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

واخْتُلِفَ فِيمَن قالَ ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ كانَ قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ طائِفَةٍ مِن سَلَفِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِمَّنْ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  .

واخْتُلِفَ فِيهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِنْحاصُ وحْدَهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهم جَماعَةٌ وهم سَلامُ بْنُ مُشْكِمٍ ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى وشاسُ بْنُ قَيْسٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فَلِمَ أُضِيفَ إلى جَمِيعِهِمْ؟

قِيلَ: لِأنَّ مَن لَمْ يَقُلْهُ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُنْكِرْهُ، فَلِذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ إضافَةَ جَمْعٍ وإنْ تَلَفَّظَ بِهِ بَعْضُهم.

﴿ وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ وهَذا قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ لِذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خُلِقَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ مِنَ البَشَرِ قالُوا: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأجْلِ مَن أحْياهُ مِنَ المَوْتى وأبْرَأهُ مِنَ المَرْضى.

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ مَعْنى ذَلِكَ: وإنْ كانَتِ الأقْوالُ كُلُّها مِنَ الأفْواهِ: أنَّهُ لا يَقْتَرِنُ بِهِ دَلِيلٌ ولا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ، فَصارَ قَوْلًا لا يَتَجاوَزُ الفَمَ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِهِ.

﴿ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ يُشابِهُونَ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ إذا لَمْ تَحِضْ تَشْبِيهًا بِالرِّجالِ ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: « (أجْرَأُ النّاسِ عَلى اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ يُضاهِئُونَ خَلْقَهُ)» أيْ يُشَبَّهُونَ بِهِ.

وَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يُضاهِي قَوْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ في اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ وأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ يُضاهِي قَوْلَ اليَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم في تَقْلِيدِ أسْلافِهِمْ يُضاهُونَ قَوْلَ مَن تَقَدَّمَهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: قاتَلَها اللَّهُ تَلُحّانِي وقَدْ عَلِمَتْ أنِّي لِنَفْسِي إفْسادِي وإصْلاحِي والثّانِي: مَعْناهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى فِيما أعَدَّهُ لِعَذابِهِمْ وبَيَّنَهُ مِن عَداوَتِهِمُ الَّتِي هي في مُقابَلَةِ عِصْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ كَأنَّهُ مُقاتِلٌ لَهم.

﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ مَعْناهُ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الإفْكِ وهو الكَذِبُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أمّا الأحْبارُ مِنهُمُ العُلَماءُ، واحِدُهم حَبْرٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُحَبِّرُ المَعانِي أيْ يُحَسِّنُها بِالبَيانِ عَنْها.

وَأمّا الرُّهْبانُ فَجَمْعُ راهِبٍ، مَأْخُوذٌ مِن رَهْبَةِ اللَّهِ تَعالى وخَشْيَتِهِ، غَيْرَ أنَّهُ صارَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ يَتَناوَلُ نُسّاكَ النَّصارى.

وَقَوْلُهُ: ﴿ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً لِقَبُولِهِمْ مِنهم تَحْرِيمَ ما يُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ وتَحْلِيلَ ما يُحِلُّونَهُ لَهم، فَلِذَلِكَ صارُوا لَهم كالأرْبابِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا إنَّهم أرْبابٌ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ  .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وأبو أنس، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله؟

وإنما قالوا: هو ابن الله من أجل أن عزيراً كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم يعلمون بها ما شاء الله تعالى أن يعلموا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التابوت فيهم فلما رأى الله تعالى أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة، ونسخها من صدورهم، وأرسل عليهم مرضاً فاستطلقت بطونهم منهم حتى جعل الرجل يمشي كبده حتى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم، وفيهم عزير كان من علمائهم فدعا عزير الله عز وجل وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدره، فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله تعالى نزل نور من الله فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة ردها إليّ، فعلق يعلمهم فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا وهو يعلمهم، ثم إن التابوت نزل عليهم بعد ذلك وبعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كانوا فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ قال: قالها رجل واحد اسمه فنحاص.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كن نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله تعالى به على بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم سلط عليهم شر خلقه بختنصر فحرق التوراة وخرب بيت المقدس، وعزير يومئذ غلام فقال عزير: أو كان هذا؟!

فلحق الجبال والوحش فجعل يتعبد فيها، وجعل لا يخالط الناس، فإذا هو ذات يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال: يا أمة الله اتقي الله واحتسبي واصبري، أما تعلمين أن سبيل الناس إلى الموت؟!

فقالت: يا عزير اتنهاني أن أبكي وأنت خلفت بني إسرائيل ولحقت بالجبال والوحش؟

قالت: إني لست بامرأة ولكني الدنيا، وأنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة، فاشرب من العين وكل من ثمرة الشجرة، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما أرادا.

فلما كان من الغد نبعت العين ونبتت الشجرة فشرب من ماء العين وأكل من ثمرة الشجرة، وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها، فألهمه الله التوراة فجاء فأملاه على الناس، فقالوا عند ذلك: عزير بن الله، تعإلى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وأخرج أبو الشيخ عن كعب رضي الله عنه قال: دعا عزير ربه عز وجل أن يلقي التوراة كما أنزل على موسى عليه السلام في قلبه، فأنزلها الله تعالى عليه، فبعد ذلك قالوا: عزير ابن الله.

وأخرج أبو الشيخ عن حميد الخراط رضي الله عنه.

أن عزيراً كان يكتبها بعشرة أقلام في كل أصبع قلم.

وأخرج أبو الشيخ عن الزهري رضي الله عنه قال: كان عزير يقرأ التوراة ظاهراً، وكان قد أعطي من القوة ما ان كان ينظر في شرف السحاب، فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: إنما قالت اليهود عزير ابن الله لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم وأخذوا التوراة، وهرب علماؤهم الذين بقوا فدفنوا كتب التوراة في الجبال، وكان عزير يتعبد في رؤوس الجبال لا ينزل إلا في يوم عيد، فجعل الغلام يبكي يقول: رب تركت بني إسرائيل بغير عالم؟

فلم يزل يبكيهم حتى سقط أشفار عينيه، فنزل مرة إلى العيد فلما رجع إذا هو بامرأة قد مثلت له عند قبر من تلك القبور تبكي، تقول: يا مطعماه يا كاسياه...

!

فقال لها: ويحك من كان يطعمك أو يكسوك أو يسقيك قبل هذا الرجل؟!

قالت: الله.

قال: فإن الله حي لم يمت.

قالت: يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟

قال: الله.

قالت: فلم تبكي عليهم؟

فلما عرف أنه قد خصم ولى مدبراً.

فدعته فقالت: يا عزير إذا أصبحت غداً فائت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه، ثم أخرج فصل ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذه.

فلما أصبح انطلق عزير إلى ذلك النهر فاغتسل فيه ثم خرج فصلى ركعتين، فأتاه شيخ فقال: افتح فمك.

ففتح فمه فألقمه فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمع كهيئة القوارير ثلاث مرات، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال: يا بني إسرائيل إني قد جئتكم بالتوراة.

فقالوا له: ما كنت كذاباً؟؟

فعمد فربط على كل أصبع له قلماً، ثم كتب بأصابعه كلها فكتب التوراة، فلما رجع العلماء أخبروا بشأن عزير، واستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا رفعوها من التوراة في الجبال، وكانت في خواب مدفونة فعرضوها بتوراة عزيز، فوجدوها مثلها فقالوا: ما أعطاك الله إلا وأنت ابنه.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث أشك فيهن.

فلا أدري أعزير كان نبياً أم لا، ولا أدري أَلعن تبعاً أم لا، قال: ونسيت الثالثة» .

وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد شجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ رافعاً يديه يقول: «إن الله عز وجل اشتد غضبه على اليهود أن قالوا عزير ابن الله، واشتد غضبه على النصارى إن قالوا المسيح ابن الله، وإن الله اشتد غضبه على من أراق دمي وآذاني في عترتي» .

وأخرج ابن النجار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عزير: يا رب ما علامة من صافيته من خلقك؟

فأوحى الله إليه: أن أقنعه باليسير وأدَّخر له في الآخرة الكثير.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ قال: قالوا مثل ما قال أهل الأديان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ يقول: ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم فقالت النصارى: المسيح ابن الله.

كما قالت اليهود: عزير ابن الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قاتلهم الله ﴾ قال: لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ قاتلهم الله ﴾ قال: كلمة من كلام العرب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة (١)  - جماعة من اليهود: سلام بن مشكم (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقال عبيد (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وأما السبب الذي لأجله قالوا هذه المقالة فقال ابن عباس في رواية عطية: "إن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فرفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة، ونسخها من صدورهم، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم، فنزل نور من السماء فدخل جوفه فعاد إليه الذي كان ذهب (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) واختلف القراء في"عزير" فقرؤوه بالتنوين وبغيره (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ  ﴾ فحذف (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقد شرح أبو علي وأبو الفتح (٣١) (٣٢) (٣٣) فإن قلت (٣٤) (٣٥) والجواب عن ذلك: أنك إذا قلت: زيد ظريف فجعلت ظريفًا خبرًا عن زيد، فقد استأنفت الآن تعريف هذه الحال وإفادتها للسامع، وإذا قلت: هو زيد الظريف، فإنما أخبرت عن ذلك المضمر بأنه زيد، وأفدت هذا من حاله ثم حليته بالظريف، أي هو زيد المعروف قديمًا بالظرف، وليس غرضك أن تفيد الآن أنه حينئذٍ (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) الوجه الآخر: أن لا تجعلهما اسما واحداً ولكن تجعل الأول المبتدأ والآخر الخبر، فيكون المعنى فيه على هذا كالمعنى في إثبات التنوين، وتكون القراءتان (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) ﴿ لَنَسْفَعًا  ﴾ فإذا اجتمعت النون مع حروف اللين في هذه المواضع وشابهتها جاز أن تتفق معها في الحذف لالتقاء الساكنين، وعلى هذا ما يروى من قراءة بعضهم: "أحدُ الله" (٤٤) (٤٥) حميدُ الذي أمج داره ...

أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع وقال ابن الرقيات (٤٦) تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ...

عن خدام العقيلةُ العذراءُ (٤٧) وأنشد أبو زيد (٤٨) وأنشد أبو العباس (٤٩) عمرو (٥٠) وقال آخر (٥١) وحاتم الطائي وهاب المئي وأنشدوا أيضًا (٥٢) والله لو كنت لهذا خالصًا ...

لكنت عبدًا آكل الأبارصا أي آكلاً" (٥٣) قال أبو علي: "الوجه في هذه القراءة: الحمل على الوجه الأول؛ لأنه لم يستمر (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقال أبو الفتح: الاختيار: الوجه الثاني، وإن كان فيه ضرورة؛ لأنه أشبه، لموافقته معنى (٥٨) (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ ، قال المفسرون في سبب شرك النصارى بهذه الكلمة: "إنهم كانوا على الحق بعدما رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: بولس (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: كذبا منهم وافتراءً"، وقال أهل المعاني: "أي يقولونه بألسنتهم من غير علم وليس يرجع قولهم إلى معنى صحيح (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) أما الرحيل فدون بعد غد ...

فمتى تقول الدار تجمعنا؟

ولو لم يقل: ﴿ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ لجاز أن يذهب الوهم إلى قول القلب وقد بين الله -عز وجل- هذا في قوله: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ  ﴾ الآية، فلم كذب الله قول ألسنتهم بل كذب قول قلوبهم.

وقوله تعالى: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ﴾ المضاهاة: المشابهة، قال الفراء: " [يقال ضاهيته] (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) وقال أبو علي: "يشبه أن يكون "الذين (٨٩) ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ  ﴾ وقال: ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21)  ﴾ وقال: ﴿ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ (٩٠) وقال ابن الأنباري: "يشابهون في قولهم قول (٩١) (٩٢) ﴿ يُضَاهِئُونَ ﴾ يرجع إلى النصارى دون اليهود، وهو قول قتادة والسدي إلا أنهما جعلا المشابهة من وجه آخر وهو أنهما قالا: "ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالت النصارى: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله" (٩٣) (٩٤) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ﴾ اليهود، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي قال: "ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم (٩٥) (٩٦) وقال الزجاج: "معناه (٩٧) ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ أي قبلوا فهم أن (٩٨) (٩٩)  - من اليهود والنصارى يقولون ما قاله أولوهم" (١٠٠) ﴿ يُضَاهِئُونَ ﴾ فقد ذكرنا قول ابن عباس، وقال مجاهد: "يواطئون" (١٠١) (١٠٢) وقرأ عاصم ﴿ يُضَاهِئُونَ ﴾ مهموزًا (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) (١١١) (١١٢) وقوله تعالى: ﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: "لعنهم" (١١٣) قال الأزهري: "وليس هذا من القتال الذي هو بمعنى المحاربة بين اثنين؛ لأن قولهم: قاتله بمعنى لعنه، من واحد" (١١٤) ﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ أي قتلهم الله، وهو بمعنى التعجب" (١١٥) وقال أهل المعاني: "عاداهم الله" (١١٦) (١١٧) (١١٨) ﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ ، والمقاتلة أصلها من المقتول أُخبر عن الله بها كانت بمعنى اللعنة؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك.

وقوله تعالى: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ الإفك: الصرف، يقال: أُفك الرجل عن الخير أي قلب وصرف، ورجل مأفوك: أي مصروف عن الخير، يقول: كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله الولد (١١٩) (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) (١) هكذا قال الواحدي تبعًا للثعلبي في "تفسيره" 6/ 94/ ب، والصواب: أو عكرمة كما في "تفسير ابن جرير" و"تفسير ابن أبي حاتم".

(٢) هو أحد بني النضير وزعيم من زعمائها، وصاحب كنزهم الذي يعدونه لنوائبهم، وقد شمر عن ساعد الجد في العداوة لرسول الله، والسعي لإطفاء نور الله، وزوجه زينب بنت الحارث التي وضعت السم لرسول الله  .

انظر: "السيرة النبوية" 2/ 136، 173، 197، 422، 423.

(٣) أبو أنس، من أحبار يهود بني قينقاع، كما في "السيرة النبوية" 2/ 137، 200.

(٤) في (ى): (شماس، وفي (ح): (شاتين، والصواب ما أثبته من (م) وهو موافق لمصادر تخريج الأثر.

وهو شاس بن قيس من أحبار يهود بني قينقاع الذين ناصبوا رسول الله -  - العداء، وكان شيخًا قد عمي، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، وهو الذي سعى لتذكير الأوس والخزرج بما كان بينهما من حروب في الجاهلية حتى كاد الحيان أن يقتتلا.

انظر: "السيرة النبوية" 2/ 137، 196.

(٥) من أحبار يهود بني قينقاع، وكان ممن يتعنت في سؤال رسول الله -  - للبس الحق بالباطل.

انظر: "السيرة النبوية" (2/ 137، 174، 197) (٦) ساقط من (ح).

(٧) رواه ابن جرير 10/ 110 - 111، وابن أبي حاتم 6/ 1781، وابن إسحاق في "السيرة" 2/ 202، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 413.

(٨) في (م): (عبيدة)، وهو خطأ.

(٩) من أحبار يهود بني قينقاع الذين نصبوا لرسول الله  العداوة، وهو القائل: إن الله فقير ونحن أغنياء، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

انظر: "السيرة النبوية" (2/ 137، 187، 201).

(١٠) ذكره الثعلبي 6/ 95 أ، والبغوي 4/ 36، ورواه ابن جرير 10/ 110 عن عبد الله ابن عبيد بن عمير.

(١١) في (م): (عليهم).

(١٢) ساقط من (ى).

(١٣) لم أقف عليه.

(١٤) انظر: "المحرر الوجير" 6/ 461، و"تفسير الطبري" 10/ 110.

(١٥) ساقط من (ى).

(١٦) ما بين المعقوفين من (ح).

(١٧) في (ى): (أنه).

(١٨) رواه ابن جرير 10/ 111، وابن أبي حاتم 6/ 1781، والثعلبي 6/ 95 أ، والبغوي 4/ 37، وسنده ضعيف جدًّا، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.

(١٩) أحد ملوك بابل الجبابرة قبل ميلاد عيسى-  - وهو الذي هدم بيت المقدس، وفي القاموس (نصر): (بُختُنصَّر: معروف وهو الذي كان خرب بيت المقدس -عمره الله تعالى- قال الأصمعي: "إنما هو (بُوخَتْنَصَّر) فأعرب، وبوخت: ابن، ونصَّر: صنم، وكان وجد عند الصنم، ولم يعرف له أب، فقيل هو ابن الصنم" اهـ.

وانظر شيئًا من أخباره في "تاريخ الطبري" 1/ 538 - 560، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 147 - 154، و"البداية والنهاية" 2/ 34 - 39.

(٢٠) رواه مطولًا الثعبي 6/ 96 أ، والبغوي 4/ 37، وهو من الإسرائيليات التي لا يعرف صدقها من كذبها، والأولى تنزيه كتب التفسير منها.

(٢١) رواه مطولًا ابن جرير 10/ 111، وابن أبي حاتم 6/ 1781، وهو من الإسرائيليات التي تسللت إلى كتب التفسير، وفي بقية الخبر مبالغات تبدو عليها سيما الكذب.

(٢٢) قرأ عاصم والكسائي ويعقوب بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين.

انظر: "الغاية" ص 164، و"التبصرة" ص214، و"تقريب النشر" ص 120.

(٢٣) في "معاني القرآن وإعرابه".

ابنًا.

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٥) في "معاني القرآن وإعرابه": بحذف.

(٢٦) يعني تنوين "أحد" وقد رواها هارون عن أبي عمرو، وقرأ بها أيضًا أبان بن عثمان وزيد بن علي ونصر بن عاصم وابن سيرين والحسن وابن أبي إسحاق وأبو السمال وآخرون، وحكم عليها ابن خالويه بالشذوذ.

انظر: كتاب "السبعة في القراءات" (ص700)، و"مختصر في شواذ القرآن" ص 183، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 852، و"البحر المحيط" 10/ 571.

(٢٧) يعني اللام في لفظ الجلالة المذكور في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ وفي "معاني القرآن وإعرابه": وسكون الباء في قوله: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ اهـ.

(٢٨) في (ى): (معبودًا)، وهو خطأ من الناحية الإعرابية.

(٢٩) وهذا الوجه ضعيف؛ لأنه لا دليل على الخبر المحذوف.

(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 442 بنحوه.

(٣١) (وأبو الفتح) ساقط من (ى) وهو ابن جني.

(٣٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣٣) في (م): (آخر).

(٣٤) الإشكال والجواب عليه لابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 533، وما قبله لأبي علي في "الحجة" 4/ 181 - 183.

(٣٥) في (ى): (الحالتين).

(٣٦) في (ى) زيادة (أنه) بعد كلمة (حينئذٍ).

(٣٧) في (ح): (عند).

(٣٨) في (ح): (كثيراً).

(٣٩) اهـ.

كلام أبي الفتح ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 533 بتصرف.

وما بعده من كلام أبي علي وأبي الفتح.

(٤٠) في (ى): (القراءتين).

وهو خطأ.

(٤١) في (ح): (لذلك).

(٤٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٤٣) اختصر الواحدي عبارة أبي علي اختصارًا مخلاً ونصها: "في نحو: لم يك زيد منطلقًا، وفي نحو: صنعاني، وبهراني، وقد أدغم ..

"إلخ، فقول أبي علي.

وقد أدغم ..

إلخ إنما هو في كلمتي صنعاني وبهراني.

(٤٤) يعني بحذف التنوين من (أحد) وقد سبق تخريج القراءة والآية قبل عدة أسطر.

(٤٥) البيت لحميد الأمجي نسبة إلى (أمَج) وهي بلدة قرب المدينة، وكان معاصرًا لعمر ابن عبد العزيز.

والشاهد في البيت حذف التنوين من (حميد).

انظر: "الكامل" 1/ 252، و"المقتضب" 2/ 313، و"المسائل العسكريات" (ص 177)، و"معجم البلدان" (أمج) 1/ 250.

(٤٦) هو: عبيد الله أو عبد الله بن قيس بن شريح العامري القرشي، شاعر قريش في العصر الأموي، ويعرف بابن قيس الرقيات لأنه كان يتغزل بثلاث نسوة، يقال لهن جميعًا: رقية، وكان أكثر شعره الغزل، توفي سنة 85 هـ تقريبًا.

انظر: "الأغاني" 4/ 154، و"سمط اللآلي" (ص 294)، و"الشعر والشعراء" (ص 359).

(٤٧) البيت في ديوانه (ص 95) وقبله: كيف نومي على الفراش ولما ...

تشمل الشام غارةٌ شعواء والخدام: جمع الخدمة، وهي الخلخال، والعقيلة: المرأة الكريمة.

والشاهد: عدم تنوين "خدام".

انظر: أمالي ابن الشجري 2/ 163.

(٤٨) "نوادر أبي زيد" ص 321 وقبله: == لتجدني بالأمير برًّا ...

وبالقناة مدعسًا مكرًا إذا غطيف ..

الخ.

وانظر: الأبيات في "معاني القرآن" للفراء 1/ 431، و"الأمالي الشجرية" 3/ 53، و"ضرائر الشعر" ص 106، واللسان (دعس) 3/ 1380.

(٤٩) يعني المبرد، وقد تقدمت ترجمته، وانظر البيت في كتابيه: "الكامل" 1/ 252، و"المقتضب" 2/ 312، وقد اعترض علي بن حمزة في كتابه "التنبيهات على أغاليط الرواة" على المبرد في رواية هذا البيت، وقال: الرواية: عمرو العلا.

قلت: قد ذكر المبرد البيت بهذه الرواية في "المقتضب" 2/ 316، ولا شاهد في هذه الرواية لأنه مضاف.

(٥٠) في (ح): (وعمرو)، وهو هاشم بن عبد مناف جد الرسول  ، قال السهيلي في "الروض الأنف" 1/ 94: "ذكر أصحاب الأخبار أن هاشمًا كان يستعين على إطعام الحاج بقريش فيرفدونه بأموالهم ويعينونه، ثم جاءت أزمة شديدة فكره أن يكلف قريشًا أمر الرفادة، فاحتمل إلى الشام بجميع ماله، واشترى به أجمع كعكًا ودقيقًا، ثم أتى الموسم فهشم ذلك الكعك هشيمًا، ودقه دقًا، وصنع للحاج طعامًا مثل الثريد، وبذلك سمي هاشمًا، ودقه دقًا؛ لأن الكعك اليابس لا يثرد وإنما يهشم هشمًا، فبذلك مُدح حتى قال شاعرهم فيه: وهو عبد الله بن الزبعرى ..

"، وذكر البيت ضمن أبيات، وذُكر البيت أيضًا في اللسان (سنت، مح) منسوبًا لابن الزبعرى، وفي "هشم" لابنة هاشم، وفي "الاشتقاف" لابن دريد ص13 لمطرود الخزاعي، وفي "نوادر أبي زيد" ص 167 بلا نسبة.

(٥١) تقدم تخريج البيت.

(٥٢) البيت غير منسوب في كتاب "الحيوان" 4/ 300، و"أدب الكاتب" ص 166.

قال البطليوسي في "الاقتضاب" ص 355: ("هذا البيت لا أعلم قائله، ولا ما يتصل به، والظاهر من معناه أن قائله سليم خطة ولم يرضها ورأى قدره يجل عنها، فقال: لو كنت ممن يرضى بما سمتموني إياه، وأهّلتموني له لكنت كالعبد الذي يأكل الوزغ" اهـ، وانظر البيت أيضًا في "المنصف" 2/ 332، و"الصحاح" (برص) 3/ 1530، و"اللسان" (برص) 1/ 258.

(٥٣) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 181 - 186، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 532 - 536.

(٥٤) في "الحجة": يستقر.

(٥٥) في (ى): (حرف).

(٥٦) ساقط من (ح).

(٥٧) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 186.

(٥٨) في (ى): (مع).

(٥٩) "سر صناعة الإعراب" 2/ 532 بمعناه.

(٦٠) هو: شاول اليهودي ولد في طرسوس ونشأ في مدينة القدس، وكان من أشد أعداء النصارى، ثم انتقل فجأة إلى النصرانية، وتسمى باسم بولس، وكان قوي الشخصية دائب الحركة، مؤثرًا ذكيا، وقد استطاع بمكره وكيده أن يحرف كثيراً من تعاليم المسيح وأن يطمس معالمها الصحيحة، يقال: إنه قتل في اضطهادات نيرون للنصارى سنة 66 م.

انظر: "الديانات والعقائد في مختلف العصور" 3/ 254، و"محاضرات في النصرانية" لأبي زهرة ص 82.

(٦١) جاء في أول الإصحاح التاسع من سفر أعمال الرسل: "أما شاول (اسم بولس قبل تنصره) فكان لم يزل ينفث تهددًا وقتلًا على تلاميذ الرب".

انظر: "محاضرات في النصرانية" ص 87.

(٦٢) عرقب الدابة: قطع عرقوبها، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، وعرقوبا الفرس: ما ضم ملتقى الوظيفين (ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق) والساقين من مآخرهما من العصب.

انظر: "القاموس المحيط"، فصل: العين، باب الباء 1/ 103، و"لسان العرب" (عرقب) 5/ 2909، انظر: معنى (الوظيفين) في كتاب "العين" (وظف) 8/ 169، و"تهذيب اللغة" (وظف) 4/ 3913.

(٦٣) في (ى): (فوضع التراب على رأسه).

(٦٤) لم أقف له على ترجمة.

(٦٥) يعني آلهة.

(٦٦) قال أبو البقاء الكفوي في "الكليات" ص 798: ("اللاهوت: الخالق، والناسوت: المخلوق، وربما يطلق الأول على الروح والثاني على البدن وربما يطلق أيضاً على العالم العلوي، والثاني على العالم السفلي ..

" الخ.

والمراد به هنا اجتماع العنصر الإلهي والعنصر الإنساني في المسيح كما يزعم النصارى.

انظر: "محاضرات في النصرانية" ص 168.

(٦٧) لم أقف له على ترجمة.

(٦٨) لم أقف له على ترجمة.

(٦٩) ذكر بعض المؤرخين أن بولس قتل في اضطهادات الإمبراطور نيرون للنصارى.

انظر: "محاضرات في النصرانية" ص89.

(٧٠) ذكره الثعلبي 6/ 96 ب، والبغوي 4/ 37، والرازي 16/ 34، والخازن 2/ 215 وهذا من الإسرائيليات التي ينبغي تنزيه كتب التفسير منها، وليس لدى المؤرخين مستند يثبت صحة هذا، والمعروف أن تأليه عيسى -  - حدث بسبب المجامع الكنسية بعد اعتناق الرومان الديانة النصرانية بعد الميلاد بثلاثمائة سنة.

انظر: "البداية والنهاية" 2/ 96.

(٧١) في (ح): (معنى علم صحيح).

(٧٢) في (ح): (الاضطرار).

(٧٣) في (ى): (وبرهان).

(٧٤) انظر: "مفاتيح الغيب" 16/ 37، و"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 118 ولم أقف عليه عند أهل المعاني.

(٧٥) لفظ: (نهم) ساقط من (ى).

(٧٦) في"معاني القرآن وإعربه": تكذب، وهو أولى، قال ابن منظور: "تكذّب فلان: إذا تكلف الكذب".

"لسان العرب" (كذب) 7/ 3841.

(٧٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 443.

(٧٨) في (ح): (وقالوا).

(٧٩) البيت لعمر بن أبي ربيعة وهو في "ديوانه" ص 394.

وانظر: "خزانة الأدب" 2/ 439، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 179، و"كتاب سيبويه" 1/ 124.

(٨٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٨١) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 36، وفي"تهذيب اللغة" (ضهي) 3/ 2141: قال الفراء: "يضاهون: يضارعون قول الذين كفروا" وسقط لفظ "يضارعون" من كتابه "معانى القرآن" 1/ 433.

(٨٢) انظر: "الصحاح" (ضهى) 6/ 2410، و"القاموس"، فصل الضاد، باب الواو والياء 1306.

(٨٣) لم أجد ترجمته فيما بين يدي من المصادر.

(٨٤) "تهذيب اللغة" (ضهى) 3/ 2142.

(٨٥) ساقط من (ح).

(٨٦) رواه مختصرًا بمعناه ابن جرير 10/ 112، وابن أبي حاتم 6/ 1783، والثعلبي 6/ 97 أ، والبغوي 4/ 38.

وذكره البخاري في "صحيحه" معلقًا 8/ 316، كتاب التفسير، باب: ﴿ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

(٨٧) رواه الثعلبى 6/ 97 ب، والبغوي 4/ 38 (٨٨) المصدرين السابقين، نفس الموضع.

(٨٩) ساقط من (ح).

(٩٠) اهـ كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 186.

(٩١) ساقط من (ى).

(٩٢) ذكره مختصرًا دون تعيين القائل القرطبي في "تفسيره" 8/ 118.

(٩٣) رواه عنهما الثعلبي 6/ 97 ب، والبغوي 4/ 38، ورواه الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 271 عن قتادة، ورواه ابن جرير 10/ 112، وابن أبي حاتم 6/ 1783 مختصراً عن قتادة بلفظه، وعن السدي بمعناه.

(٩٤) في (ح) و (م): (فجعل)، وهو خطأ.

(٩٥) في (ى): (قولهم)، وهو خطأ.

(٩٦) لم أجد من ذكره عن ابن عباس بهذا اللفظ، وقد أخرج رواية الوالبي ابن جرير 10/ 112، وابن أبي حاتم 6/ 1783، والثعلبي 6/ 97 أ، والبخاري تعليقًا في "صحيحه" 8/ 316 كتاب التفسير باب: ﴿ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ جميعهم بلفظ == "يشبهون".

أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فقد أخرجه ابن جرير 10/ 112، وابن أبي حاتم 6/ 1783، عن قتاد فلعل المؤلف -رحمه الله- وهم فنسبه لابن عباس.

(٩٧) ساقط من (ى).

(٩٨) ساقط من (ح).

(٩٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 443.

(١٠٠) "تفسير غريب القرآن" (ص 184).

(١٠١) رواه الثعلبي 6/ 97 ب، والبغوي 4/ 38.

(١٠٢) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع.

(١٠٣) انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، وكتاب "إرشاد المبتدي" ص 352، و "تقريب النشر"، باب الهمز المفرد ص 34.

(١٠٤) أبو العباس ثعلب.

(١٠٥) في (م): (أحد عاصمًا).

(١٠٦) يعني من أصحاب القراءات المتواترة، وقد قرأ بها من غيرهم طلحة بن مصرف.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 210، و"المحرر الوجيز" 6/ 465، و"البحر المحيط" 5/ 403.

(١٠٧) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 186، و"زاد المسير" 3/ 425.

(١٠٨) "تهذيب اللغة" (ضهي) 3/ 2141، والنص في كتاب "العين" (ضهي) 4/ 70.

(١٠٩) "زاد المسير" 3/ 425.

(١١٠) في (ى): (أبو عبيد)، والصواب ما أثبته إذ النص في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 187 من قول أبي علي الفارسي.

(١١١) هذا من عجيب القول إذ كيف لا يجزم بثبوت اللغة بقراءة متواترة، وأمثاله من اللغويين يثبتونها ببيت شعري، أو جملة منقولة عن أعرابي، وقد أثبت الفراء أن الهمز لغة أهل الطائف، وذكر ابن جرير 10/ 113 أنها لغة ثقيف، كما أثبت الخليل بن أحمد اللغتين في الكلمة.

انظر: كتاب "العين" (ضهي) 4/ 70، و"تفسير ابن جرير" 10/ 213، و"الحجة" 4/ 187، و"لسان العرب" (ضهي) 5/ 2617.

(١١٢) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 187.

(١١٣) رواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير 10/ 113، وابن أبي حاتم 6/ 1783، والثعلبي 6/ 97، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 415، وقد نسب هذا القول إلى المفسرين أبو منصور الأزهري في "تهذيب اللغة" (قتل) 2/ 2884.

(١١٤) "تهذيب اللغة" 2/ 2884.

(١١٥) رواه الثعلبي 6/ 97 ب، ورواه البغوي 4/ 38 بلفظ: قتلهم الله، وذكره القرطبي 8/ 119: بلفظ: هو بمعنى التعجب.

(١١٦) هذا قول ابن الأنباري كما في "تهذيب اللغة" (قتل) 2/ 2884، و"زاد المسير" 3/ 425.

(١١٧) كذا في جميع النسخ، وهو يريد المتقاتلين.

(١١٨) لم أقف على مصدره.

(١١٩) في (ى): (ولدًا).

(١٢٠) في (ى): (التعجيب)، وأثبت ما في النسخ الأخرى لأنه أسد في المعنى ولموافقته لما في "تفسير الرازي" 16/ 36 الذي نقل تفسير الجملة عن الواحدي بلفظه دون أن يشير لذلك.

(١٢١) مذهب السلف إثبات العجب لله كغيره من الصفات الثابتة في الكتاب أو السنة، وإن لم تعرف كيفيتها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- يؤمنون بذلك -يعني أحاديث الصفات- كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل".

وقال: وأما قوله -يعني النافي صفة التعجب-: "التعجب استعظام للمتعجب منه"!!.

فيقال: نعم.

وقد يكون بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، == والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه، بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيمًا له، والله تعالى يعظم ما هو عظيم، إما لعظمة سببه، أو لعظمته، فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه عظيم".

"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 3/ 141، 6/ 123.

وقد دل على صفة العجب قوله تعالى: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ  ﴾ بضم التاء على قراءة الكوفيين غير عاصم كما في "الغاية" ص 249، وقول النبي  "عجيب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل".

رواه البخاري (3010)، كتاب الجهاد، باب الأسارى في السلاسل 4/ 145، انظر: "تفسير ابن جرير" 23/ 43 (ط الحلبي)، و"قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر" ص 69.

(١٢٢) في (ج): (بالباطل).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ قال ابن عباس: إن هذه المقالة قالها أربعة من اليهود، وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، وقيل: لم يقلها إلا فنحاص، ونسب ذلك إلى جميعهم لأنهم متبعون لمن قالها، والظاهر أن جماعتهم قالوها إذ لم ينكروها حين نسبت إليهم، وكان سبب قولهم ذلك أنهم فقدوا التوراة، فحفظها عزير وحده، فعلّمها لهم فقالوا: ما علم الله عزير التوراة إلا أنه ابنه، وعزير مبتدأ، وابن الله خبره، ومنع عزير التنوين لأنه أعجمي لا ينصرف وقيل: بل هو منصرف وحذف التنوين لالتقاء الساكنين وهذا ضعيف، وأما من نونه فجعله عربياً ﴿ وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ﴾ .

قال ابن المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وابن إله وذلك كفر شنيع ﴿ بأفواههم ﴾ يتضمن معنيين أحدهما: إلزامهم هذه المقالة والتأكيد في ذلك، والثاني: أنهم لا حجة لهم في ذلك، وإنما هو مجرد دعوى كقولك لمن تكذبه: هذا قول بلسانك ﴿ يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ معنى يضاهئون يشابهون، فإن كان الضمير لليهود والنصارى، فالإشارة بقوله الذين كفروا من قبل للمشركين من العرب إذ قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر.

أو للصابئين أو لأمم متقدمة وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء عليهم، وقيل: معناه لعنهم الله ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ تعجب كيف يصرفون عن الحق والصواب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عزير ابن ﴾ بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب.

الباقون: بغير تنوين ﴿ يضاهئون ﴾ بالهمز.

عاصم.

الآخرون ﴿ يضاهون ﴾ بحذف الهمزة.

﴿ أن يطفوا ﴾ و ﴿ ليواطوا ﴾ بحذف الهمزة فيهما.

يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ اثنا عشر ﴾ بسكون العين: يزيد والخزاز ﴿ إنما النسي ﴾ بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف.

الباقون: بباء بعدها همزة.

﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه.

﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس.

الباقون ﴿ يضل ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد.

الوقوف: ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ المسيح ابن الله ﴾ ط ﴿ بأفواههم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ج ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً.

﴿ واحداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ لا لتعلق "لو" بما قبله ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ أليم ﴾ ه لا أي في يوم.

﴿ وظهورهم ﴾ ط ﴿ تكنزون ﴾ ه ﴿ حرم ﴾ ط ﴿ يقاتلونكم كافة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية.

واعلم أنه  ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم ﴿ لا يؤمنون بالله ﴾ فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأنإيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية.

واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء.

والمشهور أن كلام الله واحد.

واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟.

وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا.

وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني.

وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق.

نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله  حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى.

الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني.

والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها.

الصفة الثالثة: ﴿ ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما.

وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم.

الصفة الرابعة: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق.

يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده.

وقيل: الحق هو الله.

ثم ذكر غاية القتال فقال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه.

قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده.

وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل.

ومعنى ﴿ عن يد ﴾ إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون السمن بسببهما.

أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم.

قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟

والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم.

أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله  على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.

فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي.

وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر.

والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله  : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ويروى أنه  أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب.

ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم  قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها.

وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه.

وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.

وأما قوله ﴿ وهم صاغرون ﴾ فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم.

والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.

وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه.

وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة.

وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية.

والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي.

وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها.

ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم.

قال الشافعي في أحد قوليه.

العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول.

ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية.

وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام.

ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه  قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز" قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما.

وما روي أنه  أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين.

وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله ﴿ قاتلوا ﴾ مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟.

ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ الآية.

العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر.

وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم.

أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا.

وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف.

وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر.

وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة.

وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد.

يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك.

ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً.

عن ابن عباس: جاء رسول الله  سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.

وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله  وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله.

وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.

وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق.

وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب.

وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس.

قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة.

ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله.

وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.

ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه.

هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى.

الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم  .

وقال المسيح  للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة.

ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله  أعلم بحقيقة الحال.

ثم قال  ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم  ﴾ أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير.

فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب.

ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ﴿ يضاهنون ﴾ من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده.

ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار.

والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله.

وقيل: الضمير في ﴿ يضاهئون ﴾ للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم.

ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟.

ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون.

والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع.

واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.

نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي  وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟

فقلت: بلى.

فقال: فتلك عبادتهم.

قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟

فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله.

قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله  : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا.

وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين.

وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف.

وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله.

وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟!

وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين.

فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً ﴿ وما أمروا ﴾ الضمير للمتخذين.

والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة  ﴾ ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين.

ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال {  عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما.

وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه.

ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: وإن أرادوا ظلمنا أبينا *** امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف.

وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة.

ثم أكد ذلك المعنى بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ أي بكثرة الدلائل والمعجزات ﴿ ودين الحق ﴾ لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة.

ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين.

عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان.

وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي  لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج.

قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام.

وقد جاء في الحديث: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب.

وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن.

وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام.

وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة.

ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ فيه مدح منه  لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام.

وقوله ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ ولو كره المشركون ﴾ إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ﴾ الآية.

وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله .

ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله.

وفي قوله ﴿ كثيراً ﴾ دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم.

وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسمما هو أعظم مقاصده.

وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها.

وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته.

ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله  إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلكالأكاذيب.

ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا.

أما قوله ﴿ ويصدّون عن سبيل الله ﴾ فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه.

ثم قال  ﴿ والذين يكنزون ﴾ الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه.

والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع.

قيل: المراد بقوله ﴿ والذين يكنزون ﴾ الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم.

وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين.

ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟!

عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟

قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.

وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة.

فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً.

قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول.

وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.

فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.

فقال: ما عسى يصنع بي قريش.

واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته.

عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز.

وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.

وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.

وعن ابن عباس: قوله ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.

قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات.

وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد.

وحجة الأولين قوله  ﴿ لها ما كسبت  ﴾ ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ {محمد: 36] وقوله  : "كل امرىء أحق بكسبه" "نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" وقد كان رسول الله  جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته.

حجة الأقلين عموم الآية "وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلتقال رسول الله  : تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً فقالوا له  : أي مال نتخذ؟

قال: لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه" .

وقوله: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله  : كية.

وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان.

وعن عليّ  : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد.

ومن المعقول أن الله  خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده.

وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه.

وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله  ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى  ﴾ ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده.

وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه.

هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه.

وقد ورد أيضاً في الحديث: "ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم" وهو مشهور.

ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما.

ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه  قال: "لا زكاة في الحلي المباح" ولم يصححه أبو عيسى الترمذي.

وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله  ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه  ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال ﴿ ولا ينفقونها ﴾ فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة.

وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها  ﴾ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب *** وقيار كذلك.

ثم قال ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.

ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله ﴿ نار حامية  ﴾ ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.

فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير.

﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها.

إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود.

ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة.

ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين.

ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان.

ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما.

ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره.

وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق.

ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال ﴿ هذا ما كنزتم ﴾ والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال ﴿ إن عدّة الشهور ﴾ الآيتان وذلك أنه  لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم.

واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله  ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج  ﴾ والسنة القمرية.

عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله  ﴿ إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ﴿ في كتاب الله ﴾ بقوله ﴿ عدّة الشهور ﴾ للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر.

فقوله ﴿ في كتاب الله ﴾ و ﴿ يوم خلق ﴾ الثاني بدل من الأول وهو من عند.

والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.

وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم.

ويجوز أن يكون ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان.

لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا.

إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق.

قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.

وقيل: القرآن.

﴿ منها أربعة حرم ﴾ ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه ﴿ فلا تظلموا فيهن ﴾ أي في الأشهر الأربعة ﴿ أنفسكم ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً.

عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت.

وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول.

وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق  ﴾ والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة.

وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك.

ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي.

ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة.

وقيل: الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾ عائد إلى ﴿ اثنا عشر ﴾ والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء.

قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمعالكثرة تختار ضمير الوحدة.

قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت.

ثم قال عز من قائل ﴿ وقاتلوا المشركين ﴾ وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً.

ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية.

وقال الزجاج: نصبه على الحال.

ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً.

وفي وجه التشبيه في قوله ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم.

وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم.

فعلى الأول يكون ﴿ كافة ﴾ حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة.

ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ﴿ إنما النسيء ﴾ وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير.

وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها.

وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها.

وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول.

واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح.

ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر.

احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان.

وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار.

وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس.

وفي قوله ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله  بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً.

قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ الضمير فيه عائد إلى النسيء.

قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام.

ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه.

قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.

قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر.

ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه.

ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه.

والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله ﴿ ليواطئوا عدّة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي من القتال وترك الاختصاص.

قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه.

والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد.

قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله  فهذا هو المراد بالمواطأة.

وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه  خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية.

وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة.

وإنمالزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ على هذا التفسير.

ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع.

ومعنى قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس.

ومعنى قوله ﴿ ليواطؤا عدّة ما حرم الله ﴾ ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً.

ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله  أعلم.

التأويل: ﴿ قاتلوا ﴾ النفوس ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ﴾ بتعبده ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ أي لا يعملون للآخرة ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ﴾ من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ﴿ وحرم ﴾ ﴿ رسوله ﴾ على نفسه ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يطلبون الحق ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ من النفوس الملهمة بالواردات الربانية ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ وهي معاملتها على خلاف طبعها ﴿ عن يد ﴾ عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب ﴿ ابن الله ﴾ وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وهم النفوس الكافرة الذين ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ أي قلوبهم ﴿ ورهبانهم ﴾ أي أرواحهم ﴿ أرباباً ﴾ والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب.

فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ ﴿ يريدون ﴾ أي النفوس ﴿ أن يطفئوا نور الله ﴾ الذي رش على الأرواح في بدء الخلق ﴿ بأفواههم ﴾ أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ﴿ ليظهره ﴾ في طلب الحق على طلب غيره ﴿ إن كثيراً ﴾ من أحبار القلوب ورهبان الأرواح ﴿ ليأكلون ﴾ أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى ﴿ يحمى عليها في نار جهنم ﴾ الحرص ﴿ فتكوى بها ﴾ جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق ﴿ وجنوبهم ﴾ حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات ﴿ وظهورهم ﴾ حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم ﴿ هذا ﴾ الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ﴿ ما كنزتم ﴾ ﴿ فذوقوا ﴾ الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى.

ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج.

ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ ، أخبر أن السماوات تكاد تتفطر، وتنشق الأرض وتخر الجبال؛ لعظيم ما قالوا في الله -  - من البهتان والفرية عليه أن له ولداً، ثم بين الذي ذكر ذلك فقال: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ : فذكر الآية، وأخبر - والله أعلم - أنهم قالوا في الله ما قالوا لوجوه: أحدها: دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، لكن كتموا ذلك، فأخبر رسول الله  أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله  ذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.

والثاني: يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء؛ ليصبر على سفههم وأذاهم.

والثالث: يخبر أنهم مشبهة؛ لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا: إن فلاناً ابنه؛ لما رأوا منه أشياء، فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

أى: ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان كان لهم في ذلك.

أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه اعترضت لهم تحملهم على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .

يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء [ ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ من الشرك أو الكفر أو غير ذلك من الكذب والافتراء على الله، كقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ بالكفر وكقوله]: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ  ﴾ ، ليس أن يحيي الموتى كلهم إحياء كما أحيا ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن يحييهم إحياء، [فعلى] ذلك قوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ] في الكفر نفسه.

ويحتمل: ضاهى قول النصارى قول اليهود، والمضاهاة: المشابهة والإشباه.

وقوله [أيضاً]: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: يشبه النصارى بقولهم لعيسى إنه ابن الله قول اليهود من قبل: عزير ابن الله؛ فضاهى النصارى في عيسى اليهود قبلهم في عزير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ .

هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول المنفعة.

وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يحتمل: من أين يؤفكون ويفترون على الله على غير شبهة اعترضت لهم.

ويحتمل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ ، أي: كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً  ﴾ .

قيل: الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد.

وقيل: الأحبار هم أصحاب الصوامع مع اليهود، والرهبان: من النصارى.

وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ يحتمل أن يكون هذا في السفهاء والأتباع، وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ : في العلماء منهم والرؤساء، فاتخذ الأتباع أولئك أرباباً يتبعونهم في جميع ما يدعونهم إليه، يأتمرون بهم في جميع أوامرهم ونواهيهم؛ لا أنهم عبدوهم، ولكن ذكر أرباباً لما ذكرنا من اتباعهم وانتظارهم إياهم فيما يدعونهم إليه ويأمرونهم؛ كقوله: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ ، وقول إبراهيم لأبيه: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان وطاعته، ولكن نسب العبادة إليه؛ لما يجيبونه في كل ما يدعوهم إليه ويأمرهم به؛ فعلى ذلك هذا.

ويحتمل ما روي في الخبر - إن ثبت - أنهم لم يعبدوهم، ولكن هم أحلوا لهم أشياء حرمها [الله] عليهم فاستحلوها، أو حرموا عليهم أشياء أحل الله ذلك لهم، فحرموا ذلك فقيل: اتخذوهم أرباباً - والله أعلم - يخرج هذا في الأحبار والرهبان على التمثيل، أي: اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم؛ كأنهم اتخذوهم أرباباً، لا على التحقيق، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان، لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه.

وأما في المسيح فهو على التحقيق؛ لأنهم قالوا: ابن إله، وقالوا: ابن [الإله] إله؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق، وفي الأحبار والرهبان على التمثيل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .

يحتمل: إلا ليوحدوا إلهاً واحداً الذي لا إله إلا هو.

ويحتمل: أي: ما أمروا أن يعبدوا آلهة [على ما] يعبدون من الأصنام والأوثان، ولكن أمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .

قيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : ذكر الله وتوحيده.

وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.

وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : هو الإسلام.

فإذا كان النور هو الذكر والتوحيد فهو - والله أعلم - أنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله، ولا يذكرونه، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام، وإياها يذكرون، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم، فلما أن بعث الله رسوله محمداً بذكر الله وتوحيده، وأمر بالتناصر بحق الدين، أرادوا أن يطفئوا ذلك النور.

ومن قال: أراد بنور الله القرآن، أرادوا إطفاءه؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، و ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ و ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ونحوه، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ...

﴾ الآية [النحل: 103].

ومن قال: نور الله هو الدين؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ...

﴾ النور: 35] في حرف أبي: (مثل نور المؤمن)، ومثله - أرادوا إطفاء هذا النور؛ لتسلم لهم المنافع التي كانت [لهم].

وقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ ﴾ يحتمل وجهين: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يجتهدون أن يطفئوه، فما يقدرون على إطفائه.

ويحتمل: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يحتالون أن يطفئوه بأسباب يتكلفونها ويحتالونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .

بالحجج والبراهين، أو بالنشر والإظهار، وقد أتمه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .

وقد كره الكافرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : هدى يهديهم إلى ما به تكون جميع المحاسن والخيرات محاسن وخيرات؛ لأن المحاسن والخيرات إنما تقوم بالإيمان، وبه ينتفع بها، بعثه لذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : وهو القرآن، يهديهم، ويبين لهم المحاسن من المساوئ، والحسنات من السيئات، وهو هدى يهديهم إلى ذلك.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ \[وهو دين الحق\].

أي: الإيمان الذي به تصير المحاسن محاسن، والخيرات خيرات - هو دين الحق.

ويحتمل قوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ [أي: أرسله بالهدى وبدين الحق.

ويحتمل قوله: ودين الحق] أي: دين الله؛ كقوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: [يحتمل]: ليظهر رسوله على أهل الدين كله بالحجج والآيات، فقد أظهره بحمد الله على الأديان كلها بالحجج والبراهين، حتى لم يتعرض أحد في شبه ذلك فضلاً أن يتعرض في إبطاله.

ويحتمل: ليظهره على أهل الدين كله بالقهر والغلبة والإذلال، فقد كان، حق خضعوا له كلهم وذلوا، حتى لم يبق في جزيرة العرب مشرك ولا كافر إلا خضع له، وصار أهل الكتاب ذليلين صاغرين في أيدي المسلمين.

فإن كان المراد من قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، فهو بالحجج والبراهين كلها.

وإن كان أراد به الدين أن يظهره على الأديان كلها فبعد لم يكن، ويكون - إن شاء الله  - هو الظاهر على الأديان كلها يوم القيامة.

وقوله - عز جل -: ﴿ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

ولم يقل: على الأديان كلها؛ فالدين يتناول الأديان كلها؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ  ﴾ يدخل فيه كل إنسان.

وجائز أن تكون أدياناً مختلفة فهو واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وهو دين الشيطان، فسماه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ ﴾ .

أما الأحبار والرهبان فقد ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ .

لأنهم كانوا يأكلون أموالهم بما يحرفون كتاب الله ويبدلونه؛ كقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الآية [آل عمران: 78]، فهم إنما حرفوا ذلك وبدلوه؛ لتسلم لهم تلك الأموال، فذلك أكل بباطل؛ لأنهم خافوا ذهاب تلك المنافع والأموال إذا أسلموا، فيجوز أن يكون إنما سماهم أرباباً في الآية الأولى؛ لما أنهم جعلوا أموالهم أموالاً لأنفسهم، وأنفسهم عبيداً لهم، فهم كالأرباب لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله، وكنزوها، ولم ينفقوها في سبيل الله، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله.

ومن الناس من حمل الآية في منع الزكاة.

روي في الأخبار عن رسول الله  وعن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أن كل مال أديت الزكاة عنه فهو ليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ الزكاة [عنه] فهو كنز، وإن كان على وجه الأرض.

ومن أصحابنا من استدل بلزوم ضمّ الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة بهذه الآية؛ لأنه ذكر الذهب والفضة جميعاً، وألحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة بقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، فلولا أن الضم واجب ويكون المؤدى عن أحدهما مؤدى عن الآخر، وإلا لم يكن لذلك معنى.

ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب؛ لأن الذهب أعز عندهم، والفضة دونه.

ثم إن كانت الآية في الكفرة فهي في القبول؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ وذلك على القبول، لا في الأداء نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ...

﴾ الآية.

جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم عن طاعة الله، ودعتهم إلى مخالفة أمره، ويجمع بينهما في النار؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك ما كنزوا يحمى عليها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، يعذبهم بها؛ لما منعتهم تلك الأموال من طاعته، ودعتهم إلى صدّ الناس عن سبيل الله؛ يجعل عذابهم في الآخرة بها.

ويحتمل قوله: ﴿ جِبَاهُهُمْ ﴾ : كناية عن التقديم إلى الآخرة، أي: لم يقدموها ولم ينفقوها في سبيل الله.

وقوله: ﴿ وَجُنوبُهُمْ ﴾ : لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة.

وقوله: ﴿ وَظُهُورُهُمْ ﴾ : لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله.

ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، أي: يحيط العذاب بهم؛ فعلى ذلك هذا - والله أعلم - كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، أي: يحيط بهم حتى لا يقدروا على دفعه عن وجوههم.

وقوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية.

روي عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، يكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها" ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول، قالوا: "يا رسول الله، فصاحب الخيل؟

قال: هي لثلاث: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر؛ فأما من ربطها عدة في سبيل الله، فإنه لو أنه طول لها في مرج خصب أو في روضة، كتب الله له عدد ما أكلت حسنات، وعدد أرواثها حسنات، ولو انقطع طولها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين، وكتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر عجاج لا يريد السقي به فشربت، كتب الله له عدد ما شربت حسنات.

ومن ارتبطها فخراً وعزّاً على المسلمين، كان له وزر إلى يوم القيامة؛ ومن ارتبطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها وظهورها، كانت له ستراً من النار يوم القيامة" فإن ثبت هذا الخبر عن رسول الله  ففيه دلالة وجوب الزكاة في الخيل، وهو حجة لأبي حنيفة؛ لأنه قال: "ثم لم ينس حق الله في رقابها"، والحق الذي في رقابها هو الزكاة، والذي في ظهورها هو الجهاد عليها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن كلًّا من اليهود والنصارى مشركون، فاليهود أشركوا بالله لما ادعوا أن عُزيرًا ابنُ الله، والنصارى أشركوا به لما ادعوا أن المسيح عيسى ابنُ الله، ذلك القول الذي افتروه قالوه بأفواههم دون إقامة برهان عليه، وهم يشابهون في هذا القول قول المشركين من قبلهم الذين قالوا: إن الملائكة بناتُ الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، أهلكهم الله، كيف يُصْرَفون عن الحق البيِّن إلى الباطل؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.1MeAJ"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله