الآية ٣١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣١ من سورة التوبة

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

[ وقوله ] ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ) روى الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن جرير من طرق ، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، فأسرت أخته وجماعة من قومه ، ثم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها ، فرجعت إلى أخيها ، ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدم عدي المدينة ، وكان رئيسا في قومه طيئ ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم ، فتحدث الناس بقدومه ، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنق عدي صليب من فضة ، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم .

فقال : بلى ، إنهم حرموا عليهم الحلال ، وأحلوا لهم الحرام ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عدي ، ما تقول ؟

أيفرك أن يقال : الله أكبر ؟

فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؟

ما يفرك ؟

أيفرك أن يقال : لا إله إلا الله ؟

فهل تعلم من إله إلا الله ؟

ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم ، وشهد شهادة الحق ، قال : فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال : إن اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالون .

وهكذا قال حذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن عباس ، وغيرهما في تفسير : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا .

وقال السدي : استنصحوا الرجال ، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم .

ولهذا قال تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ) أي : الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام ، وما حلله حل ، وما شرعه اتبع ، وما حكم به نفذ .

( لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) أي : تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: اتخذ اليهود أحبارهم, وهم العلماء.

* * * وقد بينت تأويل ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا قبل.

واحدهم " حَبْرٌ"، و " حِبْرٌ" بكسر الحاء منه وفتحها.

(37) وكان يونس الجرمي، (38) فيما ذكر عنه، يزعم أنه لم يسمع ذلك إلا " حِبر " بكسر الحاء, ويحتج بقول الناس: " هذا مِدَادُ حِبْرٍ", يراد به: مدادُ عالم.

وذكر الفرَّاء أنه سمعه " حِبْرًا "، و " حَبْرًا " بكسر الحاء وفتحها.

* * * = والنصارى " رهبانهم "، (39) وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم، (40) كما:- 16630- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سلمة, عن الضحاك: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم)، قال: قُرَّاءهم وعلماءهم.

* * * =(أربابا من دون الله)، يعني: سادةً لهم من دون الله، (41) يطيعونهم في معاصي الله, فيحلون ما أحلُّوه لهم مما قد حرَّمه الله عليهم، ويحرِّمون ما يحرِّمونه عليهم مما قد أحلَّه الله لهم، كما:- 16631- حدثني الحسين بن يزيد الطحّان قال، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي, عن غطيف بن أعين, عن مصعب بن سعد, عن عدي بن حاتم قال: انتهيتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في " سورة براءة ": (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)، فقال: " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم, ولكن كانوا يحلّون لهم فيُحلُّون ".

(42) 16632- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا مالك بن إسماعيل = وحدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد = جميعًا، عن عبد السلام بن حرب قال، حدثنا غطيف بن أعين, عن مصعب بن سعد, عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفي عُنُقي صليبٌ من ذهب, فقال: يا عديّ، اطرح هذا الوثنَ من عنقك !

قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في " سورة براءة ", فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورُهبانهم أربابًا من دون الله)، قال قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدُهم!

فقال: أليس يحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه, ويحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه؟

قال: قلت: بلى!

قال: فتلك عبادتهم!

= واللفظ لحديث أبي كريب.

(43) 16633- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال: حدثنا بقية، عن قيس بن الربيع, عن عبد السلام بن حرب النهدي, عن غضيف, عن مصعب بن سعد, عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ " سورة براءة "، فلما قرأ: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، قلت: يا رسول الله, إما إنهم لم يكونوا يصلون لهم!

قال: صدقت, ولكن كانوا يُحلُّون لهم ما حرَّم الله فيستحلُّونه, ويحرّمون ما أحلّ الله لهم فيحرِّمونه.

(44) 16634- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن أبي البختري, عن حذيفة: أنه سئل عن قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، أكانوا يعبدونهم؟

قال: لا كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه, وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه.

16635- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن حبيب, عن أبي البختري قال: قيل لأبي حذيفة، فذكر نحوه = غير أنه قال: ولكن كانوا يحلُّون لهم الحرام فيستحلُّونه, ويحرِّمون عليهم الحلال فيحرِّمونه.

16636- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن العوام بن حوشب, عن حبيب عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة: أرأيت قول الله: (اتخذوا أحبارهم) ؟

قال: أمَا إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم, ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلُّوه, وإذا حرّموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرَّموه, فتلك كانت رُبوبيَّتهم.

16637-......

قال، حدثنا جرير وابن فضيل, عن عطاء, عن أبي البختري: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، قال: انطلقوا إلى حلال الله فجعلوه حرامًا, وانطلقوا إلى حرام الله فجعلوه حلالا فأطاعوهم في ذلك.

فجعل الله طاعتهم عبادتهم.

ولو قالوا لهم: " اعبدونا "، لم يفعلوا.

16638- حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عن أبي البختري قال: سأل رجل حذيفة فقال: يا أبا عبد الله، أرأيت قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، أكانوا يعبدونهم؟

قال: لا كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلُّوه, وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه.

16639- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن أبي عديّ, عن أشعث, عن الحسن: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا)، قال: في الطاعة.

16640- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، يقول: زيَّنُوا لهم طاعتهم.

16641- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، قال عبد الله بن عباس: لم يأمروهم أن يسجُدوا لهم, ولكن أمروهم بمعصية الله, فأطاعوهم, فسمَّاهم الله بذلك أربابًا.

16642- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا)، قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت الرُّبوبية التي كانت في بني إسرائيل؟

قال: [لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى] (45) " ما أمرونا به ائتمرنا, وما نهونا عنه انتهينا لقولهم "، وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه, فاستنصحوا الرجالَ, ونبذُوا كتاب الله وراء ظهورهم.

16643- حدثني بشر بن سويد قال، حدثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن أبي البختري, عن حذيفة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، قال: لم يعبدوهم, ولكنهم أطاعوهم في المعاصي.

(46) * * * وأما قوله: (والمسيح ابن مريم)، فإن معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيحَ ابن مريم أربابًا من دون الله.

* * * وأما قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا)، فإنه يعني به: وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبارَ والرهبان والمسيحَ أربابًا، إلا أن يعبدوا معبودًا واحدًا, وأن يطيعوا إلا ربًّا واحدًا دون أرباب شتَّى، وهو الله الذي له عبادة كل شيء، وطاعةُ كل خلق, المستحقُّ على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية والربوبية = " لا إله إلا هو " ، يقول تعالى ذكره: لا تنبغي الألوهية إلا للواحد الذي أمر الخلقُ بعبادته, ولزمت جميع العباد طاعته =(سبحانه عما يشركون)، يقول: تنـزيهًا وتطهيرًا لله عما يُشرك في طاعته وربوبيته، القائلون: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ , والقائلون: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ , المتخذون أحبارهم أربابًا من دون الله.

(47) ------------------------ الهوامش: (37) انظر تفسير " الحبر " فيما سلف 6 : 543 ، 544 / 10 : 341 ، 448 .

(38) " يونس الجرمي " ، انظر ما سلف 10 : 120 ، تعليق : 1 / 11 : 544 ، تعليق : 3 / 13 : 129 ، تعليق : 3 = 138 ، تعليق : 4 .

(39) قوله : " والنصارى ، ورهبانهم " هذا معطوف على قوله آنفا : " اتخذ اليهود أحبارهم " .

(40) انظر تفسير " الرهبان " فيما سلف 10 : 502 ، 503 .

(41) انظر تفسير " الرب " فيما سلف 1 : 142 / 12 : 286 ، 482 .

(42) الأثر : 16631 - حديث ( عدي بن حاتم الطائي ) ، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق متابعة ، كلها من طريق عبد السلام بن حرب ، عن غطيف بن أعين ، من 16631 - 16633 .

" الحسين بن يزيد السبيعي الطحان " ، شيخ الطبري ، وثقه ابن حبان، ولين حديثه أبو حاتم ، مضى برقم : 2892 ، 7863 ، 9153 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : " الحسن بن يزيد " ، وهو خطأ " و " عبد السلام بن حرب الملائي النهدي " ، الحافظ الثقة ، مضى برقم : 1184 ، 5471 ، 12478 .

و " غطيف بن أعين الشيباني الجزري " أو " غصيف " وثقه ابن حبان ، وقال الترمذي : " ليس بمعروف في الحديث " وضعفه الدارقطني ، مترجم التهذيب، والكبير 4 / 1 / 106 ، ولم يذكر فيه جرحا ، وترجمه ابن أبي حاتم في " غضيف " بالضاد ، 3 / 2 / 55 ، ولم يذكر فيه جرحا .

وسيأتي " غضيف " في رقم : 16633 .

و ( مصعب بن سعد بن أبي وقاص ) ، روى عن أبيه ، وعلي ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعدي بن حاتم ، وابن عمر .

وغيرهم ، وروي عن غطيف بن أعين ، وهو ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 9841 ، 11450 .

وهذا الخبر مختصر الذي يليه ، فراجع التخريج التالي .

ورواه الترمذي من هذه الطريق نفسها عن الحسين بن يزيد الكوفي الطحان في كتاب التفسير ، وقال : " هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب .

وغطيف بن أعين ، ليس بمعروف في الحديث " .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 230 ، وزاد نسبته إلى ابن سعد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه .

ولم أجده في المطبوع من طبقات ابن سعد ، وضل عني مكانه في سنن البيهقي .

(43) الأثر : 16632 - رواه من طريق مالك بن إسماعيل ، عن عبد السلام بن حرب ، بلفظه ، البخاري في الكبير 4 / 1 / 106 .

وانظر التخريج السالف .

(44) الأثر : 16633 - " غضيف " ، هو " غضيف بن أعين " ، و " غطيف " ، كما مر في تخريج الأثر : 16631 .

وكان في المخطوطة : " حصف " وجعلها في المطبوعة : " غطيف " ، والصواب ما أثبت .

كما أشرت إليه في التعليق المذكور .

(45) هذه الجملة التي وضعتها بين قوسين من المخطوطة ، ولا أدري ما هي ، ولكني أثبتها كما جاءت ، فلعل أحدا يجد الخبر في مكان آخر فيصححه .

(46) الأثر : 16643 - " بشر بن سويد " ، لم أجد من يسمى بهذا الاسم ، أخشى أن يكون : " بشر بن معاذ " شيخ الطبري ، عن " سويد بن نصر المروزي " .

(47) انظر تفسير " سبحان " فيما سلف 13 : 102 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركونقوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم الأحبار جمع حبر ، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه .

ومنه ثوب محبر أي : جمع الزينة .

وقد قيل في واحد الأحبار : حبر بكسر الحاء ، والدليل على ذلك أنهم قالوا : مداد حبر يريدون مداد عالم ، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد حبر .

قال الفراء : الكسر والفتح لغتان .

وقال ابن السكيت : الحبر بالكسر المداد ، والحبر بالفتح العالم .

والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة ، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس ، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به .قوله تعالى أربابا من دون الله قال أهل المعاني : جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء ، ومنه قوله تعالى : قال انفخوا حتى إذا جعله نارا أي كالنار .

قال عبد الله بن المبارك :وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها[ ص: 54 ] روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبى البختري قال : سئل حذيفة عن قول الله عز وجل : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله هل عبدوهم ؟

فقال لا ، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه ، وحرموا عليهم الحلال فحرموه .

وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب .

فقال : ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن .

وسمعته يقرأ في سورة ( براءة ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ثم قال : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه .

قال : هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث عبد السلام بن حرب .

وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث .قوله تعالى والمسيح ابن مريم مضى الكلام في اشتقاقه في ( آل عمران ) والمسيح : العرق يسيل من الجبين .

ولقد أحسن بعض المتأخرين فقال :افرح فسوف تألف الأحزانا إذا شهدت الحشر والميزاناوسال من جبينك المسيح كأنه جداول تسيحومضى في ( النساء ) معنى إضافته إلى مريم أمه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا ـ وإن كان يستغرب على أمة كبيرة كثيرة، أن تتفق على قول ـ يدل على بطلانه أدنى تفكر وتسليط للعقل عليه، فإن لذلك سببا وهو أنهم‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ‏}‏ وهم علماؤهم ‏{‏وَرُهْبَانَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ العُبَّاد المتجردين للعبادة‏.‏ ‏{‏أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ‏}‏ يُحِلُّون لهم ما حرم اللّه فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل اللّه فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها‏.‏ وكانوا أيضًا يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانا تعبد من دون اللّه، وتقصد بالذبائح، والدعاء والاستغاثة‏.‏ ‏{‏وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ‏}‏ اتخذوه إلها من دون اللّه، والحال أنهم خالفوا في ذلك أمر اللّه لهم على ألسنة رسله فما ‏{‏أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ‏}‏ فيخلصون له العبادة والطاعة، ويخصونه بالمحبة والدعاء، فنبذوا أمر اللّه وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا‏.‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ‏}‏ وتعالى ‏{‏عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تنزه وتقدس، وتعالت عظمته عن شركهم وافترائهم، فإنهم ينتقصونه في ذلك، ويصفونه بما لا يليق بجلاله، واللّه تعالى العالي في أوصافه وأفعاله عن كل ما نسب إليه، مما ينافي كماله المقدس‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ) أي : علماءهم وقراءهم ، والأحبار : العلماء ، واحدها حبر ، وحبر بكسر الحاء وفتحها ، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع فإن قيل : إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان؟

قلنا : معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا ، فاتخذوهم كالأرباب .

روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي : " يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك " ، فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) حتى فرغ منها ، قلت له : إنا لسنا نعبدهم ، فقال : " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه " ؟

قال قلت : بلى ، قال : " فتلك عبادتهم " .

قال عبد الله بن المبارك : وهل بدل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها ( والمسيح ابن مريم ) أي : اتخذوه إلها ، ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«اتَّخذوا أحبارهم» علماء اليهود «ورهبانهم» عبَّاد النصارى «أربابا من دون الله» حيث اتبعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل «والمسيح بن مريم وما أمروا» في التوراة والإنجيل «إلا ليعبدوا» أي بأن يعبدوا «إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه» تنزيها له «عما يشركون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اتخذ اليهودُ والنصارى العلماءَ والعُبَّادَ أربابًا يُشَرِّعون لهم الأحكام، فيلتزمون بها ويتركون شرائع الله، واتخذوا المسيح عيسى ابن مريم إلهًا فعبدوه، وقد أمرهم الله بعبادته وحده دون غيره، فهو الإله الحق لا إله إلا هو.

تنزَّه وتقدَّس عما يفتريه أهل الشرك والضلال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه ( اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ ) بيان للون آخر من ألوان انحراف اليهود والنصارى عن الحق إلى الباطل ، وتقرير لما سبقت حكايته عنهم من أقوال فاسدة ، وأفعال ذميمة .والضمير فى قوله ( اتخذوا ) يعود إلى الفريقين اللذين حكت الآية السابقة ما قالوه من باطل وبهتان .والأحبار : علماء اليهود جمع حبر ، بكسر الحاء وفتحها - وهو الذى يحسن القول ويتقنه ، مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين والتزيين ، ومنه ثوب محبر أى جمع الزينة والحسن ، والرهبان : علماء النصارى جمع راهب وهو الزاهد فى متع الدنيا ، المنعزل عن الناس مأخوذ من الرهبة بمعنى الخشية والخوف من الله - تعالى .والمراد باتخاذهم لأحبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله ، أنهم أطاعوهم فيها أحلوه لهم ، وفيما حرموه عليهم ، ولو كان هذا التحليل والتحريم مخالفاً لشرع الله .وهذا التفسير مأثور " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد روى الإِمام أحمد والترمذى وابن جرير من طرق عن عدى بن حاتم أنه لما بلغته دعوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فر إلى الشام : وكان قد تنصر فى الجاهلية ، فاسرت أخته وجماعة من قومها ، ثم مَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها .

فرجعت إلى أخيها ، فرغبته فى الإِسلام وفى القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدم عدى المدينة ، وكان رئيسا فى قومه طيئ وأبوه حاتم الطائى المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه ، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفى عنق عدى صليب من فضة ، وكان الرسول يقرأ هذه الآية ( اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله .

.

.

) " .قال عدى : فقت ، إنهم لم يعبدوهم ، فقال ، بلى ، إنهم حرموا عليهم الحلال ، وأحلوا لهم الحرام ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم .قال ابن كثير : وهكذا قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما فى تفسير الآية : أنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا .وقال السدى : استنصحوا الرجال ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم .وقال الآلوسى : وقيل اتخاذهم أرباباً بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا لله ، تعالى ، وحينئذ فلا مجاز ، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله وسنة رسوله ، لكلام علمائهم ورؤسائهم ، والحق أحق بالاتباع ، فمتى ظهر الحق فعلى المسلم اتابعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده .وقوله : ( والمسيح ابن مَرْيَمَ ) معطوف على قوله ( أَحْبَارَهُمْ ) والمفعول الثانى بالنسبة إليه محذوف أى : اتخذوه رباً وإلهاً .قال صاحب المنار ما ملخصه : جمع - سبحانه .

بين اليهود والنصارى فى اتخاذ رجال دينهم أربابا بأن أعطوهم حتى التشريع فيهم : وذكر بعد ذلك ما انفرد به النصارى دون اليهود من اتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه واليهود لم يعبدوا عزيرا ، ولم يؤثر عمن قال منهم إنه ابن الله ، أنهم عنوا ما يعنيه النصارى من قولهم فى المسيح : إنه هو الله الخالق المدبر لأمور العباد .وقوله : ( وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ) جملة حالية أى : اتخذ هؤلاء المفترون على الله الكذب من اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، بأن أطاعوهم فيما يحلونه لهم وفيا يحرمونه عليهم ولو كان مخالفاً لشرع الله؛ وكذلك اتخذ النصارى المسيح ابن مريم رباً وإلهاً .والحال أنهم جميعاً ما أمروا على ألسنة رسلهم إلا بعبادة الله وحده ، فهو المعبود الذى لا تعنو الوجوه إلا له ، ولا يكون الاعتماد إلا عليه ، وكل ما سواه فهو مخلوق له .وقوله : ( لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ) صفة ثانية لقوله ( إلها ) .

أو هو استئناف بيانى لتعليل الأمر بعبادة الله وحده ، وأنه - سبحانه - هو المستحق لذلك شرعا وعقلا .وقوله : ( سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تنزيه له عن الشرك والشركاء إثر الأمر بإخلاص العبادة له .أى : تنزه الله - عز وجل - وتقدس عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد ، فهو رب العالمين ، وخالق الخلائق أجمعين .

.قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : ومن النص القرآنى الواضح الدلالة ، ومن تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للآية وهو فصل الخطاب ، ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين ، تخلص لنا حقائق فى العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار وهى : أن العبادة هى الاتباع فى الشرائع بنص القرآن وتفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابا بمعنى الاعقاد فى ألوهيتهم ، أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم .

.

ومع هذا فقد حكم الله ، سبحانه ، عليهم بالشرك فى هذه الآية ، وبالكفر فى آية تالية فى السياق لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها - فهذا وحده دون الاعتقاد والشعائر يكفى لاعتبار من يفعله مشركا بالله ، الشرك الى يخرجه من عداد المؤمنين ، ويدخله فى عداد الكافرين .إن النص القرآنى يسوى فى الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله ، بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه ، وبيان النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقاد وقدموا إليه الشعائر فى العبادة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى وصف اليهود والنصارى بضرب آخر من الشرك بقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَابًا مّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ وَمَا أمِروا إلا لِيَعْبُدوا إلها وَاحِداً ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عبيدة: الأحبار: الفقهاء، واختلفوا في واحده، فبعضهم يقول حبر وبعضهم يقول حبر.

وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر؟

وكان أبو الهيثم يقول واحد الأحبار حبر بالفتح لا غير، وينكر الكسر، وكان الليث وابن السكيت يقولان حبر وحبر للعالم ذمياً كان أو مسلماً، بعد أن يكون من أهل الكتاب.

وقال أهل المعاني الحبر العالم الذي بصناعته يحبر المعاني، ويحسن البيان عنها.

والراهب الذي تمكنت الرهبة والخشية في قلبه وظهرت آثار الرهبة على وجهه ولباسه.

وفي عرف الاستعمال، صار الأحبار مختصاً بعلماء اليهود من ولد هرون، والرهبان بعلماء النصارى أصحاب الصوامع.

المسألة الثانية: الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ سورة براءة، فوصل إلى هذه الآية، قال: فقلت: لسنا نعبدهم فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه فقلت: بلى قال: فتلك عبادتهم وقال الربيع: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟

فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله تعالى.

قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضي الله عنه: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهل الدنيا.

فإن قيل: إنه تعالى لما كفرهم بسبب أنهم أطاعوا الأحبار والرهبان فالفاسق يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره، كما هو قول الخوارج.

والجواب: أن الفاسق، وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه لا يعظمه لكن يلعنه، ويستخف به أما أولئك الأتباع كانوا يقبلون قول الأحبار والرهبان ويعظمونهم، فظهر الفرق.

والقول الثاني: في تفسير هذه الربوبية أن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم، فقد يميل طبعهم إلى القول بالحلول والاتحاد، وذلك الشيخ إذا كان طالباً للدنيا بعيداً عن الدين، فقد يلقى إليهم أن الأمر كما يقولون ويعتقدون، وشاهدت بعض المزورين ممن كان بعيداً عن الدين كان يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له، وكان يقول لهم أنتم عبيدي، فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء، ولو خلا ببعض الحمقى من أتباعه، فربما ادعى الإلهية، فإذا كان مشاهداً في هذه الأمة، فكيف يبعد ثبوته في الأمم السالفة؟

وحاصل الكلام أن تلك الربوبية يحتمل أن يكون المراد منها أنهم أطاعوهم فيما كانوا مخالفين فيه لحكم الله، وأن يكون المراد منها أنهم قبلوا أنواع الكفر، فكفروا بالله، فصار ذلك جارياً مجرى أنهم اتخذوهم أرباباً من دون الله، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد.

وكل هذه الوجوه الأربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا ﴾ ومعناه ظاهر، وهو أن التوراة والإنجيل والكتب الإلهية ناطقة بذلك.

ثم قال: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي سبحانه من أن يكون له شريك في الأمر والتكليف، وأن يكون له شريك في كونه مسجوداً ومعبوداً، وأن يكون له شريك في وجوب نهاية التعظيم والإجلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

اتخاذهم أرباباً: أنهم أطاعوهم في الأمر بالمعاصي وتحليل ما حرَّم الله وتحريم ما حلّله، كما تطاع الأرباب في أوامرهم.

ونحوه تسميه أتباع الشيطان فيما يوسوس به: عباده، بل كانوا يعبدون الجنّ ﴿ ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان ﴾ [مريم: 44] وعن عديّ بن حاتم رضي الله عنه: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «أليسوا يحرّمون ما أحلّ الله فتحرمونه، ويحلّون ما حرّمه الله فتحلونه» ؟

قلت: بلى.

قال: «فتلك عبادتهم» .

وعن فضيل رضي الله عنه.

ما أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة.

وأمّا المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ [الزخرف: 81] .

﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا ﴾ أمرتهم بذلك أدلّة العقل والنصوص في الإنجيل والمسيح عليه السلام: أنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ﴿ سبحانه ﴾ تنزيه له عن الإشراك به، واستبعاد له.

ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ وَمَا أُمِرُواْ ﴾ للمتخذين أرباباً، أي: وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلاّ ليعبدوا الله ويوحدوه، فكيف يصحّ أن يكونوا أرباباً وهم مأمورون مستعبدون مثلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ أوْ بِالسُّجُودِ لَهم.

﴿ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ بِأنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ.

﴿ وَما أُمِرُوا ﴾ أيْ وما أُمِرَ المُتَّخِذُونَ أوِ المُتَّخَذُونَ أرْبابًا فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ الِاتِّخاذِ.

﴿ إلا لِيَعْبُدُوا ﴾ لِيُطِيعُوا.

﴿ إلَهًا واحِدًا ﴾ وهو اللَّهُ تَعالى وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ طاعَةُ اللَّهِ.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ.

﴿ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ.

﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا ﴾ يُخْمِدُوا.

﴿ نُورَ اللَّهِ ﴾ حُجَّتَهُ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيِّتِهِ وتَقَدُّسِهِ عَنِ الوَلَدِ، أوِ القُرْآنَ أوْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  .

﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ بِشِرْكِهِمْ أوْ بِتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ وَيَأْبى اللَّهُ ﴾ أيْ لا يَرْضى.

﴿ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ بِإعْلاءِ التَّوْحِيدِ وإعْزازِ الإسْلامِ.

وقِيلَ إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في طَلَبِهِمْ إبْطالَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يَطْلُبُ إطْفاءَ نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهُ بِنَفْخِهِ، وإنَّما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ والفِعْلُ مُوجَبٌ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ.

﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{اتخذوا} أي أهل الكتاب {أحبارهم} علماءهم {ورهبانهم} نساكهم {أَرْبَابًا} آلهة {مِّن دُونِ الله} حيث أطاعوهم في

تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كما يطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم {والمسيح ابن مَرْيَمَ} عطف على أحبارهم أي اتخذوه رباً حيث جعلوه ابن الله {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا} يجوز الوقف عليه لأن ما بعده يصلح ابتداء ويصلح وصفا لواحد {لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيه له عن الإشراك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ﴾ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى، والأحْبارُ عُلَماءُ اليَهُودِ، واخْتُلِفَ في واحِدِهِ فَقالَ الأصْمَعِيُّ: لا أدْرِي أهْوَ حِبْرٌ أوْ حَبْرٌ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: هو بِالفَتْحِ لا غَيْرَ، وذَكَرَ ابْنُ الأثِيرِ أنَّهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ، والصَّحِيحُ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْلِمًا فَقَدْ كانَ يُقالُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: الحَبْرُ ويَجْمَعُ كَما في ”القامُوسِ“ عَلى حُبُورٍ أيْضًا وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن تَحْبِيرِ المَعانِي بِحُسْنِ البَيانِ عَنْها ( ﴿ ورُهْبانَهُمْ ﴾ ) وهم عُلَماءُ النَّصارى مِن أصْحابِ الصَّوامِعِ، وهو جَمْعُ راهِبٍ وقَدْ يَقَعُ عَلى الواحِدِ ويُجْمَعُ عَلى رَهابِينَ ورَهابِنَةٍ وفي ”مَجْمَعِ البَيانِ“ أنَّ الرّاهِبَ هو الخاشِي الَّذِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ الخَشْيَةُ وكَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى مُتَنَسِّكِي النَّصارى وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّهْبَةِ أيِ الخَوْفِ، وكانُوا لِذَلِكَ يَتَخَلَّوْنَ مِن أشْغالِ الدُّنْيا وتَرْكِ مَلاذِّها والزُّهْدِ فِيها والعُزْلَةِ عَنْ أهْلِها وتَعَمُّدِ مَشاقِّها حَتّى أنَّ مِنهم مَن كانَ يَخْصِي نَفْسَهُ ويَضَعُ السِّلْسِلَةَ في عُنُقِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ، ومِن هُنا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا رَهْبانِيَّةَ في الإسْلامِ» والمُرادُ في الآيَةِ اتَّخَذَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عُلَماءَهم لا الكُلَّ الكُلَّ ﴿ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَهُ سُبْحانَهُ وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ رَوى الثَّعْلَبِيُّ، وغَيْرُهُ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذا الوَثَنَ وسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةَ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ!

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى فَيُحَرِّمُونَهُ ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيَسْتَحِلُّونَ؟

فَقُلْتُ: بَلى، قالَ: ذَلِكَ عِبادَتُهم»، وسُئِلَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الآيَةِ، فَأجابَ بِمِثْلِ ما ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهم: فُلانٌ يَعْبُدُ فُلانًا إذا أفْرَطَ في طاعَتِهِ فَهو اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الإطاعَةِ بِالعِبادَةِ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِإطْلاقِ العِبادَةِ وهي طاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ عَلى مُطْلَقِها، والأوَّلُ أبْلَغُ، وقِيلَ: اتِّخاذُهم أرْبابًا بِالسُّجُودِ لَهم ونَحْوِهِ مِمّا لا يَصْلُحُ إلّا لِلرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ وحِينَئِذٍ فَلا مَجازَ إلّا أنَّهُ لا مَقالَ لِأحَدٍ بَعْدَ صِحَّةِ الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والآيَةُ ناعِيَةٌ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الفِرَقِ الضّالَّةِ الَّذِينَ تَرَكُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَلامِ عُلَمائِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ فَمَتى ظَهَرَ وجَبَ عَلى المُسْلِمِ اتِّباعُهُ وإنْ أخْطَأهُ اجْتِهادُ مُقَلِّدِهِ ﴿ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( رُهْبانَهم ) بِأنِ اتَّخَذُوهُ رَبًّا مَعْبُودًا أوْ بِأنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ كَما يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ عَلى ما قِيلَ وفِيهِ نَظَرٌ.

وتَخْصِيصُ الِاتِّخاذِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يُشِيرُ إلى أنَّ اليَهُودَ ما فَعَلُوا ذَلِكَ بِعُزَيْرٍ، وتَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ اتِّخاذَهم لَهُ كَذَلِكَ أقْوى مِن مُجَرَّدِ الإطاعَةِ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنَّصارى، ونِسْبَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُمِّهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَكاكَةِ رَأْيِهِمْ والقَضاءِ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ الجَهْلِ والحَماقَةِ.

﴿ وما أُمِرُوا ﴾ أيْ والحالُ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ ما أُمِرُوا في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وعَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا ﴾ جَلِيلَ الشَّأْنِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ ويُطِيعُوا أمْرَهُ ولا يُطِيعُوا أمْرَ غَيْرِهِ بِخِلافِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مُنافٍ لِعِبادَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وأمّا إطاعَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ فَهي في الحَقِيقَةِ إطاعَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ وما أُمِرَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ الكَفَرَةُ أرْبابًا مِنَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ والأحْبارِ والرُّهْبانِ إلّا لِيُطِيعُوا أوْ لِيُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعالى فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا أرْبابًا وهم مَأْمُورُونَ مُسْتَعْبَدُونَ مِثْلُهم، ولا يَخْفى أنَّ تَخْصِيصَ العِبادَةِ بِهِ تَعالى لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَخْصِيصِ الطّاعَةِ أيْضًا بِهِ تَعالى ومَتى لَمْ يُخَصَّ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ تُخَصَّ العِبادَةُ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِإلَهًا أوِ اسْتِئْنافٌ، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهو أنَّ ما سَبَقَ يَحْتَمِلُ غَيْرَ التَّوْحِيدِ بِأنْ يُؤْمَرُوا بِعِبادَةِ إلَهٍ واحِدٍ مِن بَيْنِ الآلِهَةِ، فَإذا وُصِفَ المَأْمُورُ بِعِبادَتِهِ بِأنَّهُ هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ تَعَيَّنَ المُرادُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً مُفَسِّرَةً لِواحِدًا ﴿ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ أيْ تَنْزِيهٌ عَنِ الإشْراكِ بِهِ في العِبادَةِ والطّاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.

قرأ عاصم والكسائي عُزَيْرٌ بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين فمن قرأ بالتنوين، فلأنّ الابن خبر، وليس بنسبة، ومن قرأ بغير تنوين فلالتقاء الساكنين، كما قرأ بعضهم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: 1] بغير تنوين.

فلا اختلاف بين النحويين: أن إثبات التنوين أجود من طريق أهل اللغة.

وإنما قالت اليهود ذلك، لأنه لما خرّب بخت نصّر بيت المقدس وأحرق التوراة، حزنوا على ذهاب التوراة، فأملاها عليهم عزير صلوات الله عليه عن ظهر قلبه، فتعلموها وفي أنفسهم منها شيء مخافة أن يكون قد زاد فيها أو نقص منها شيئاً.

فبينما هم كذلك، إذ وقعوا على خوابي مدفونة في قرية فيها التوراة، فعارضوا بها ما كتبوا من عزير، فلم يزد شيئاً ولم ينقص حرفاً، فقالوا عند ذلك: ما علم عزير هذا، إلا وهو ابن الله.

وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وإنما قالوا ذلك، لأن المسيح كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله تعالى، فقالوا: لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله.

ويقال: إنّ الإفراط في كل شيء مذموم، لأن النصارى أفرطوا في حب عيسى  وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا بسبب ذلك.

واليهود أفرطوا بحب عزير، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا، كما أفرطت الروافض في حب عليّ حتى أبغضوا غيره.

وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قال: «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوما» .

ثم قال تعالى: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: ذلِكَ كذبهم بألسنتهم، ويقال: معناه يقولون بأفواههم قولاً بلا فائدة، ولا برهان، ولا معنى صحيح تحته.

ثم قال: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يوافقون قول الذين كَفَرُواْ مِنْ قَبْلُ، حين قالوا: الملائكة بنات الله.

وقال قتادة: يشبهون قول الذين كفروا، يعني: قول اليهود موافق قول النصارى، وقول النصارى يوافق قول اليهود.

ويقال: يتشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم، يعني: إنما قالوا اتباعاً لهم، بدليل قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ.

قرأ عاصم يضاهئون بكسر الهاء مع الهمزة، وهي لغة لبعض العرب وقرأ الباقون بالسكون بغير همزة، وهي اللغة المعروفة.

وقال القتبي: يُضاهِؤُنَ يعني: يشبهون، قول من كان في عصر النبيّ  من اليهود والنصارى، قول أوليهم الذين كانوا قبلهم.

ثم قال تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، يعني: لعنهم الله.

أَنَّى يُؤْفَكُونَ، يعني: من أين يكذبون بتوحيد الله تعالى.

ثم قال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ، يعني: أهل الصوامع والمتعبدين منهم.

أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: اتخذوهم كالأرباب يطيعونهم في معاصي الله.

قال الفقيه الزاهد: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدّثنا الحسن بن يزيد الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعيد، عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله  يقرأ من سورة براءة اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ولكن كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلُّوا، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئَاً حرّموا» (١) ثم قال: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، يعني: اتخذوا المسيح رباً من دون الله.

وَما أُمِرُوا، يقول وما أمرهم عيسى  إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، يعني: إلا قوله: الله ربي وربكم ويقال: وَما أُمِرُوا في جميع الكتب إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها يعني: ليوحدوا الله تعالى إلها واحداً.

ثم نزه نفسه فقال تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يعني: يعبدون من دونه.

(١) عزاه السيوطي 4/ 174 إلى ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في سننه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

منها: أنْ يريد عن قُوَّة منكم عليهم، وقَهْرٍ، واليدُ في كلام العرب: القُوَّة.

ومنها: أَنْ يريد سَوْقَ الذِّميِّ لها بِيَدِهِ، لا أنْ يبعثها معَ رَسُولٍ ليكون في ذلك إِذلالٌ لهم.

ومنها: أنْ يريد نَقْدَهَا ناجزاً، تقول: بِعْتُهُ يَداً بِيَدٍ، أي: لا يؤخِّروا بها.

ومنها: أنْ يريد عن استسلام، يقال: ألقى فلان بيده، إذا عجز واستسلم.

وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)

وقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ: الذي كثر في كُتُب أهْل العلم أنَّ فرقةً من اليهود قالَتْ هذه المقالة وروي أنه قالها نَفَرٌ يسير منهم فِنحْاص وغيره، قال النَّقَّاش: ولم يبق الآن يهودي يقولها، بل انقرضوا.

قال ع «١» : فإِذا قالها ولو واحدٌ من رُؤسَائهم، توجَّهت شنعة المقالة علَى جماعتهم، وحكَى الطبريُّ وغيره أن بني إِسرائيل أصابتهم فتن وجلاء، وقيل: مَرَض، وأذهب اللَّه عنهم التَّوْراة في ذلك، ونَسُوها، وكان علماؤهم قد دَفَنُوها أول ما أحسُّوا بذلك البلاء، فلما طالَتْ المدة، فُقِدَت التوراة جملةً، فحفَّظها اللَّهُ عُزَيْراً كرامةً منه له، فقال لبني إِسرائيل: إِن اللَّهَ قد حفَّظني التوراةَ، فجعلوا يَدْرُسُونها من عنْده، ثم إِن التوراة المدْفُونَة وجدت، فإذا هي مساوية لما كان عزيز يدرِّس، فضَلُّوا عند ذلك، وقالوا: إِن هذا لم يتهيّأ لعزيز إِلاَ وهو ابن اللَّه، نعوذُ باللَّه من الضَّلال.

وقوله: بِأَفْواهِهِمْ، أي: بمجرَّد الدعوَى من غير حجّة ولا برهان، ويُضاهِؤُنَ، قراءةُ الجماعة «٢» ، ومعناه: يحاكُون ويماثلون، والإشارة بقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ:

إِما لمشركي العرب إِذ قالوا: الملائكة بناتُ اللَّهِ قاله الضَّحَّاك، وإِما لأممٍ سالفةٍ قبلها، وإِما للصَّدْر الأول من كَفَرة اليهودِ والنَصَارَى، ويكون يُضاهِؤُنَ لمعاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإن كان الضمير في يُضاهِؤُنَ للنصارَى فقطْ، كانت الإِشارة ب الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ إلى اليهود وعلى هذا فسَّر الطبريُّ، وحكاه غيره عن قتادة «١» .

وقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ: دعاءٌ عليهم عامٌّ لأنواع الشَّر، وعن ابن عباس أن المعنَى:

لعنهم اللَّه «٢» .

قال الداوديّ: وعن ابن عباس قاتلهم اللَّه: لعنهم اللَّه، وكلُّ شيء في القُرآن: قَتَلَ، فهو لَعْن.

انتهى.

وأَنَّى يُؤْفَكُونَ، أَي: يُصْرَفُون عن الخَيْر.

وقوله سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ ...

الآية: هذه الآية يفسِّرها ما حكاه الطَّبريُّ «٣» أن عدي بن حاتم قال: «جئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي عُنُقي صَلِيبُ ذَهَب، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ/ اطرح هَذَا الصَّلِيبَ مِنْ عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ لَمْ نَعْبُدْهُمْ؟

فَقَالَ: أَلَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ مَا أَحَلُّوا وَتُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمُوا؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَذَلِكَ «٤» » .

ومعنى: سُبْحانَهُ تنزيها له، ونُورَ اللَّهِ في هذه الآية: هُدَاه الصادرُ عن القرآن والشَّرْع.

وقوله: بِأَفْواهِهِمْ عبارةٌ عن قلَّةِ حيلتهم وضَعْفها.

وقوله: بِالْهُدى: يعم القرآن وجميعَ الشَّرْع.

وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وقد فعل ذلك سبحانه، فالضمير في لِيُظْهِرَهُ:

عائدٌ على الدِّين، وقيل: على الرسول، وهذا وإِنْ كان صحيحاً، فالتأويل الأول أبْرَعُ منه، وأَلْيَقُ بنظام الآية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

٤٢٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مُنَوَّنًا.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مِن نَوَّنَ عُزَيْرًا رَفَعَهُ عَلى الِابْتِداءِ، "وابْنُ" خَبَرُهُ.

ولا يَحْسُنُ حَذْفُ التَّنْوِينِ عَلى هَذا مِن "عُزَيْرٍ" لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

ولا تُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، ويُكْسَرُ التَّنْوِينُ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

ومَن لَمْ يُنَوِّنْ "عُزَيْرًا" جَعَلَهُ أيْضًا مُبْتَدَأ، و"ابْنُ" صِفَةٌ لَهُ؛ فَيُحْذَفُ التَّنْوِينُ عَلى هَذا اسْتِخْفافًا لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولِأنَّ الصِّفَةَ مَعَ المَوْصُوفِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وتُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ نَبِيُّنا وصاحِبُنا.

وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ سَلامَ بْنَ مُشْكِمٍ، ونُعْمانَ بْنَ أوْفى، وشاسَ بْنَ قَيْسٍ، ومالِكَ بْنَ الصَّيْفِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَ القائِلَ لِذَلِكَ فِنْحاصُ.

فَأمّا العُزَيْرُ، فَقالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وإنْ وافَقَ لَفْظَ العَرَبِيَّةِ، فَهو عِبْرانِيٌّ؛ كَذا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ.

وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العُزَيْرُ عِنْدَ كُلِّ النَّحْوِيِّينَ: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِ: يُعَزِّرُوهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، أنْساهُمُ اللهُ التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، فَدَعا عُزَيْرٌ اللَّهَ تَعالى؛ فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي نُسِخَ مِن صُدُورِهِمْ، ونَزَلَ نُورٌ مِنَ السَّماءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَأذِنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: قَدْ آَتانِيَ اللَّهُ التَّوْراةَ؛ فَقالُوا: ما أُوتِيَها إلّا لِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بُخْتِنْصَّرَ لَمّا ظَهَرَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقَتَلَ مَن قَرَأ التَّوْراةَ، كانَ عُزَيْرٌ غُلامًا، فَتَرَكَهُ.

فَلَمّا تُوُفِّيَ عُزَيْرٌ بِبابِلَ، ومَكَثَ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ: أنا عُزَيْرٌ؛ فَكَذَّبُوهُ وقالُوا: قَدْ حَدَّثَنا آَباؤُنا أنَّ عُزَيْرًا ماتَ بِبابِلَ، فَإنْ كُنْتَ عُزَيْرًا فَأمْلِلْ عَلَيْنا التَّوْراةَ؛ فَكَتَبَها لَهُمْ؛ فَقالُوا: هَذا ابْنُ اللَّهِ.

وَفِي الَّذِينَ قالُوا هَذا عَنْ عُزَيْرٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: طائِفَةٌ مِن سَلَفِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّالِثُ: جَماعَةٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فِنْحاصُ وحْدَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: الَّذِينَ ذَكَرْناهم في أوَّلِ الآَيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ، فَلِمَ أُضِيفَ إلى جَمِيعِهِمْ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ إيقاعَ اسْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُ مِنَ البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنْ كانَ لَمْ يَرْكَبْ إلّا بَغْلًا واحِدًا.

والثّانِي: أنَّ مَن لَمْ يَقُلْهُ، لَمْ يُنْكِرْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ هَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ.

والثّانِي: لِأنَّهُ أحْيى المَوْتى، وأبْرَأ الكُمْهَ والبُرْصَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (المائِدَةِ:١١٠) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ إنَّ قالَ قائِلٌ: هَذا مَعْلُومٌ، فَما فائِدَتُهُ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: أنَّهُ قَوْلٌ بِالفَمِ، لا بَيانَ فِيهِ، ولا بُرْهانَ، ولا تَحْتَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: " يُضاهُونَ " قَرَأ الجُمْهُورُ: مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ: "يُضاهِئُونَ" .

قالَ ثَعْلَبٌ: لَمْ يُتابِعْ عاصِمًا أحَدٌ عَلى الهَمْزِ.

قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: "يُضاهُونَ" يُشابِهُونَ قَوْلَ مَن تَقَدَّمَهم مِن كَفَرَتِهِمْ، فَإنَّما قالُوهُ اتِّباعًا لِمُتَقَدِّمِيهِمْ.

وأصْلُ المُضاهاةِ في اللُّغَةِ: المُشابِهَةُ؛ والأكْثَرُ تَرْكُ الهَمْزِ؛ واشْتِقاقُهُ مِن قَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ ضَهْياءُ، وهي الَّتِي لا يَنْبُتُ لَها ثَدْيٌ.

وقِيلَ: هي الَّتِي لا تَحِيضُ، والمَعْنى: أنَّها قَدْ أشْبَهَتِ الرِّجالَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: ضاهَيْتُ، وضاهَأْتُ: إذا شَبَّهْتَ.

وفي ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فالمَعْنى أنَّ النَّصارى في قَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، شابَهُوا اليَهُودَ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم أسْلافُهم، تابَعُوهم في أقْوالِهِمْ تَقْلِيدًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لَعَنَهُمُ اللهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَتَلَهُمُ اللهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: عاداهُمُ اللهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ: مِن أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ﴾ قَدْ سَبَقَ في (المائِدَةِ:٤٤) مَعْنى الأحْبارِ والرُّهْبانِ.

وقَدْ «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ "أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" .» فَعَلى هَذا المَعْنى: أنَّهم جَعَلُوهم كالأرْبابِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهم أرْبابٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اتَّخَذُوهُ رَبًّا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللهِ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ واحِدُ "الأحْبارِ" حِبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ، ويُقالُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والأوَّلُ أفْصَحُ ومِنهُ مِدادُ الحِبْرِ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ فَتْحَ الحاءِ وكَسْرَها في العالِمِ، وقالَ ابْنُ السِكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ: المِدادُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، والرُهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ وهو الخائِفُ، مِنَ الرَهْبَةِ، وسَمّاهم أرْبابًا وهم لا يَعْبُدُوهم ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَلَقَّوُا الحَلالَ والحَرامَ مِن جِهَتِهِمْ، وهو أمْرٌ لا يُتَلَقّى إلّا مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَحْوُ هَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو العالِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ  وفي عُنُقِي صَلِيبُ ذَهَبٍ، فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذا الصَلِيبَ مِن عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ ﴾ ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ولَمْ نَعْبُدْهُمْ؟

فَقالَ: ألَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ ما أحَلُّوا وتُحَرِّمُونَ ما حَرَّمُوا؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قالَ: فَذاكَ،» و"المَسِيحَ" عَطْفٌ عَلى الأحْبارِ والرُهْبانِ، وَ"سُبْحانَهُ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَفْظِ "سُبْحانَ" فِعْلٌ، والتَقْدِيرُ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا، فَمَعْنى: "سُبْحانَهُ": تَنْزِيهًا لَهُ، واحْتَجَّ مَن يَقُولُ إنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، والغَيْرُ يَقُولُ: إنَّ اتِّخاذَ هَؤُلاءِ الأرْبابِ ضَرْبٌ ما مِنَ الإشْراكِ، وقَدْ يُقالُ في المُرائِي: إنَّهُ أشْرَكَ، وفي ذَلِكَ آثارٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يُطْفئوُا نُورَ اللهِ ) الآيَةُ، نُورُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هُداهُ الصادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَرْعُ المُثْبَتُ في قُلُوبِ الناسِ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ والصَدَّ في وجْهِهِ إطْفاءً.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُورُ: القُرْآنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ المَقْصُودِ بِالنُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضَعْفِها، أخْبَرَ عنهم أنَّهم يُحاوِلُونَ مُقاوَمَةَ أمْرٍ جَسِيمٍ بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءَ بِنَفْخِ الأفْواهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تُجاوِزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وقَوْلُهُ: "وَيَأْبى" إيجابٌ يَقَعُ بَعْدَهُ أحْيانًا "إلّا" وذَلِكَ لِوُقُوعِهِ هو مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا يُرِيدُ اللهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: "هُوَ إيجابٌ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ النَفْيِ"، ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ وبَيانُهُ ما قُلْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ ﴾ الآيَةُ، "رَسُولَهُ" يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، وقَوْلُهُ: "بِالهُدى" يَعُمُّ القُرْآنَ وجَمِيعَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "وَدِينِ الحَقِّ" إشارَةٌ إلى الإسْلامِ والمِلَّةِ بِجَمْعِها وهي الحَنِيفِيَّةُ، وقَوْلُهُ: "لِيُظْهِرَهُ" قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الدِينِ، وإظْهارُهُ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وكَوْنُ الأدْيانِ كُلِّها راجِعَةً إلى دِينِ الإسْلامِ، فَذَلِكَ إظْهارُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ رَأتِ الإظْهارَ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، أيْ: حَتّى لا يَبْقى مَعَهُ دِينٌ آخَرُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ ﴾ أيْ لِيَجْعَلَهُ أعْلاها وأظْهَرَها، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ كانَ دُونَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا لا يَحْتاجُ إلى نُزُولِ عِيسى، بَلْ كانَ هَذا في صَدْرِ الأُمَّةِ وهو حَتّى الآنَ إنْ شاءَ اللهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَسُولِ، ومَعْنى "لِيُظْهِرَهُ" لِيُطْلِعَهُ ويُعْلِّمَهُ الشَرائِعَ كُلَّها والحَلالَ والحَرامَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ وإنْ كانَ صَحِيحًا جائِزًا فالآخَرُ أبْرَعُ مِنهُ وألْيَقُ بِنِظامِ الآيَةِ وأجْرى مَعَ كَراهِيَةِ المُشْرِكِينَ، وخَصَّ المُشْرِكُونَ هُنا بِالذِكْرِ لَمّا كانَتْ كَراهِيَةً مُخْتَصَّةً بِظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ  ، فَذُكِرَ العُظْمُ والأُوَّلُ مِمَّنْ كَرِهَ وصَدَّ فِيهِ، وذُكِرَ الكافِرُونَ في الآيَةِ قَبْلُ لِأنَّها كَراهِيَةُ إتْمامِ نُورِ اللهِ في قَدِيمِ الدَهْرِ وفي باقِيهِ فَعَمَّ الكُفْرُ مِن لَدُنْ خَلْقِ الدُنْيا إلى انْقِراضِها إذْ قَدْ وقَعَتِ الكَراهِيَةُ والإتْمامُ مِرارًا كَثِيرَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة تقرير لمضمون جملة ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ﴾ [التوبة: 30] ليُبنى على التقرير زيادة التشنيع بقوله: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً ﴾ إلخ، فوزان هذه الجملة وزان جملة ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ [الأعراف: 148] بعد جملة ﴿ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ [الأعراف: 148].

والضمير لليهود والنصارى.

والأحبار جمع حَبَر بفتح الحاء وهو العالِم من علماء اليهود.

الرهبان اسم جمع لراهب وهو التقي المنقطع لعبادة الله من أهل دين النصرانية، وإنّما خص الحَبر بعالمِ اليهود لأنّ عظماء دين اليهودية يشتغلون بتحرير علوم شريعة التوراة فهم علماء في الدين وخصّ الراهب بعظيم دين النصرانية لأنّ دين النصارى قائم على أصل الزهد في الدنيا والانقطاع للعبادة.

ومعنى اتّخاذهم هؤلاء أرباباً أنّ اليهود ادّعوا لبعضهم بنوةَ الله تعالى وذلك تأليه، وأنّ النصارى أشدّ منهم في ذلك إذ كانوا يسجدون لصور عظماء ملّتهم مثل صورة مريم، وصور الحواريين، وصورة يحيى بن زكرياء، والسجود من شعار الربوبية، وكانوا يستنصرون بهم في حروبهم ولا يستنصرون بالله.

وهذا حال كثير من طوائفهم وفرقهم، ولأنّهم كانوا يأخذون بأقْوال أحبارهم ورهبانهم المخالفة لما هو معلوم بالضرورة أنّه من الدين، فكانوا يعتقدون أنّ أحبارهم ورهبانهم يحلّلون ما حرم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، وهذا مطرد في جميع أهل الدينين، ولذلك أفحم به النبي صلى الله عليه وسلم عدياً بنَ حاتم لمّا وفد عليه قُبيل إسلامه لما سمع قوله تعالى: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ وقال عدي: لسنا نعبدهم فقال: «أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه فقلت: بلى قال: فتلك عبادتهم» فحصل من مجموع أقوال اليهود والنصارى أنّهم جعلوا لبعض أحبارهم ورهبانهم مرتبة الربوبية في اعتقادهم فكانت الشناعة لازمة للأمتين ولو كان من بينهم من لم يقل بمقالهم كما زعم عدي بن حاتم فإنّ الأمّة تؤاخذ بما يصدر من أفرادها إذا أقرته ولم تنكره، ومعنى اتّخاذهم أرباباً من دون الله أنّهم اتّخذوهم أرباباً دون أن يفردوا الله بالوحدانية، وتخصيص المسيح بالذكر لأنّ تأليه النصارى إياه أشنع وأشهر.

وجملة ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ ، وهي محطّ زيادة التشنيع عليهم وإنكار صنيعهم بأنّهم لا عذر لهم فيما زعموا، لأنّ وصايا كتب الملّتين طافحة بالتحذير من عبادة المخلوقات ومن إشراكها في خصائص الإلهية.

وجملة ﴿ لا إله إلّا هو ﴾ صفة ثانية ل ﴿ إلهاً واحداً ﴾ .

وجملة ﴿ سبحانه عما يشركون ﴾ مستأنفة لقصد التنزيه والتبرّئ ممّا افتروا على الله تعالى، ولذلك سمي ذلك إشراكاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.

أمّا قَوْلُ اليَهُودِ ذَلِكَ فَسَبَبُهُ أنَّ بِخْتَنْصَرَ لَمّا أخْرَبَ بَيْتَ المَقْدِسِ أحْرَقَ التَّوْراةَ حَتّى لَمْ يَبْقَ بِأيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنها، ولَمْ يَكُونُوا يَحْفَظُونَها بِقُلُوبِهِمْ، فَحَزِنُوا لِفَقْدِها وسَألُوا اللَّهَ تَعالى رَدَّها عَلَيْهِمْ، فَقَذَفَها اللَّهُ في قَلْبِ عُزَيْرٍ، فَحَفِظَها وقَرَأها عَلَيْهِمْ فَعَرَفُوها فَلِأجْلِ ذَلِكَ قالُوا إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

واخْتُلِفَ فِيمَن قالَ ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ كانَ قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ طائِفَةٍ مِن سَلَفِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِمَّنْ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  .

واخْتُلِفَ فِيهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِنْحاصُ وحْدَهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهم جَماعَةٌ وهم سَلامُ بْنُ مُشْكِمٍ ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى وشاسُ بْنُ قَيْسٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فَلِمَ أُضِيفَ إلى جَمِيعِهِمْ؟

قِيلَ: لِأنَّ مَن لَمْ يَقُلْهُ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُنْكِرْهُ، فَلِذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ إضافَةَ جَمْعٍ وإنْ تَلَفَّظَ بِهِ بَعْضُهم.

﴿ وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ وهَذا قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ لِذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خُلِقَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ مِنَ البَشَرِ قالُوا: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأجْلِ مَن أحْياهُ مِنَ المَوْتى وأبْرَأهُ مِنَ المَرْضى.

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ مَعْنى ذَلِكَ: وإنْ كانَتِ الأقْوالُ كُلُّها مِنَ الأفْواهِ: أنَّهُ لا يَقْتَرِنُ بِهِ دَلِيلٌ ولا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ، فَصارَ قَوْلًا لا يَتَجاوَزُ الفَمَ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِهِ.

﴿ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ يُشابِهُونَ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ إذا لَمْ تَحِضْ تَشْبِيهًا بِالرِّجالِ ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: « (أجْرَأُ النّاسِ عَلى اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ يُضاهِئُونَ خَلْقَهُ)» أيْ يُشَبَّهُونَ بِهِ.

وَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يُضاهِي قَوْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ في اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ وأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ يُضاهِي قَوْلَ اليَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم في تَقْلِيدِ أسْلافِهِمْ يُضاهُونَ قَوْلَ مَن تَقَدَّمَهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: قاتَلَها اللَّهُ تَلُحّانِي وقَدْ عَلِمَتْ أنِّي لِنَفْسِي إفْسادِي وإصْلاحِي والثّانِي: مَعْناهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى فِيما أعَدَّهُ لِعَذابِهِمْ وبَيَّنَهُ مِن عَداوَتِهِمُ الَّتِي هي في مُقابَلَةِ عِصْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ كَأنَّهُ مُقاتِلٌ لَهم.

﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ مَعْناهُ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الإفْكِ وهو الكَذِبُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أمّا الأحْبارُ مِنهُمُ العُلَماءُ، واحِدُهم حَبْرٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُحَبِّرُ المَعانِي أيْ يُحَسِّنُها بِالبَيانِ عَنْها.

وَأمّا الرُّهْبانُ فَجَمْعُ راهِبٍ، مَأْخُوذٌ مِن رَهْبَةِ اللَّهِ تَعالى وخَشْيَتِهِ، غَيْرَ أنَّهُ صارَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ يَتَناوَلُ نُسّاكَ النَّصارى.

وَقَوْلُهُ: ﴿ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً لِقَبُولِهِمْ مِنهم تَحْرِيمَ ما يُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ وتَحْلِيلَ ما يُحِلُّونَهُ لَهم، فَلِذَلِكَ صارُوا لَهم كالأرْبابِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا إنَّهم أرْبابٌ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ  .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ فقال: «أما أنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أبي البختري رضي الله عنه قال: سأل رجل حذيفة رضي الله عنه فقال: أرأيت قوله تعالى ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ أكانوا يعبدونهم؟

قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن حذيفة رضي الله عنه ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم أطاعوهم في معصية الله.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ اليهود ﴿ ورهبانهم ﴾ النصارى ﴿ وما أمروا ﴾ في الكتاب الذي أتاهم وعهد إليهم ﴿ إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ﴾ سبح نفسه أن يقال عليه البهتان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: ﴿ أحبارهم ﴾ قراؤهم ﴿ ورهبانهم ﴾ علماؤهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال: الأحبار العلماء، والرهبان العباد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ﴾ ، قال أبو عبيد: الأحبار: "الفقهاء" (١) وقال الأصمعي: "لا أدري أهو الحَبر أو الحِبر للرجل العالم" (٢) وكان أبو الهيثم يقول: واحد الأحبار حَبر بالفتح لا غير، وينكر الكسر (٣) (٤) ابن السكيت عن ابن الأعرابي: حِبْر وحَبْر للعالم (٥) [وقال الليث: "هو حِبْر وحَبْر للعالم] (٦) (٧) (٨) والكلام في الرهبان قد مضى عند قوله: ﴿ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا  ﴾ (٩) وقال أهل المعاني: "الحبر: العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها، والراهب: الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية، وكثير استعماله في متنسكي النصارى" (١٠) قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ ﴾ : فقهاؤهم وعبادهم" (١١) (١٢) وقال عدي بن حاتم: "انتهيت إلى رسول الله -  - وهو يقرأ من سورة براءة فقرأ هذه الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم!

وكان عدي نصرانيا، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه (١٣) (١٤) وقال أبو البختري (١٥) (١٦) وقال الربيع: "قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قال أهل المعاني: "معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث (٢٢) ﴿ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا  ﴾ أي كنار" (٢٣) وهذا بيان أن مخالف أمر الله في التحريم والتحليل كالمشرك في عبادة الله، لأن استحلال ما حرم الله كفر بالإجماع، وكل كافر مشرك، ومن اعتقد طاعة أحد لعينه أو لصفة فيه فأطاعه في خلاف ما أمر الله فهو من الذين ذكروا في هذه الآية أنهم كانوا يعتقدون وجوب طاعة أحبارهم، فأخبر الله تعالى أنهم اتخذوهم أربابًا.

وقوله تعالى: ﴿ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: اتخذوه ربًا" (٢٤) [وقوله -عز وجل-] (٢٥) ﴿ وَمَا أُمِرُوا ﴾ ، قال: يريد في التوراة والإنجيل" (٢٦) ﴿ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ وهو الذي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (٢٧) (٢٨) (١) لم أجده إلا في "تفسير الرازي" 16/ 37، وهو كثير النقل من "البسيط" للواحدي، ويغلب على الظن أنه وهم من المؤلف فإن عبارة أبي عبيد في "غريب الحديث" 1/ 60 نصها: وأما الحبر من قول الله تعالى: ﴿ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾ فإن الفقهاء يختلفون فيه فبعضهم يقول: حَبْرٌ، وبعضهم يقول: حِبْرٌ، وقال الفراء: "إنما هو حِبْرٌ يقال للعالم ذلك".

فلعل المؤلف نظر نظرة عجلى إلى هذا النص وحسب أن كلمة (الفقهاء) فيه تفسير للأحبار، لا سيما أنه موطن اشباه، والله أعلم.

(٢) ا.

هـ.

كلام أبي عبيد، و"غريب الحديث" 1/ 61، وانظر: قول الفراء أيضًا في "تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721، و"تفسير ابن جرير" 10/ 113 - 114 ولم أجده في "معاني القرآن".

(٣) ساقط من (ح).

(٤) "تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721.

(٥) "إصلاح المنطق" ص 32، والمصدر السابق، نفس الموضع.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٧) في عبارة النسخة (ى) اضطراب، ونصها: ذميًّا كان أو مسلمًا بعد حبر وحبر أن يكون ...

إلخ.

(٨) "تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721، والنص في كتاب "العين" (حبر) 3/ 218، وانظر إطلاق الحبر على العالم المسلم ولو لم يكن من أهل الكتاب في "صحيح البخاري" (6736)، كتاب الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابن.

(٩) انظر: النسخة (ح) 2/ 67 أحيث قال: (وأما الرهبان فهو جمع راهب، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان، قال الليث: الرهبانية مصدر الراهب، والترهب: التعبد في صومعة ..

وأصل الرهبانية من الرهبة بمعنى المخافة).

(١٠) انظر: "تفسير الرازي" 16/ 37.

(١١) ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1784 بلفظ: الأحبار: القراء، وفي "تنوير المقباس" ص191: "اتخذوا أحبارهم": علماءهم.

(١٢) رواه ابن جرير 10/ 114، وابن أبي حاتم 6/ 1784.

(١٣) في (م): (فتستحلونه).

(١٤) رواه الترمذي (3095)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب آداب القاضي، رقم (20350) 10/ 198، وابن جرير 10/ 114، وابن أبي حاتم 6/ 1784، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 415، وزاد نسبته إلى ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، وفي سند الترمذي والبيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم غطيف بن أعين، وهو ضعيف كما في "تقريب التهذيب" ص 443 (5364)، وكتاب "الضعفاء والمتروكين" ص324، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.

لكن للحديث طرق انظرها في: "كتاب تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 66.

(١٥) هو: سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، أبو البختري الكوفي، تابعي فقيه ثقة، وكان مقدم الصالحين القراء الذين ثاروا على الحجاج في فتنة ابن الأشعث، وقتل في وقعة الجماجم سنة 83 هـ.

انظر: "سيرأعلام النبلاء" 4/ 279، و"تهذيب التهذيب" 2/ 38، و"شذرات الذهب" 1/ 92.

(١٦) رواه الثعلبي 6/ 98 أ، ورواه بمعناه ابن جرير 10/ 115.

(١٧) من (م).

(١٨) في (ى): (فقال).

(١٩) ما بين القوسين تحرف في تفسير ابن جرير (تحقيق: شاكر) هكذا: "قال: لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى" وأشار المحقق إلى أنه لم يهتد للصواب، وحذفت الجملة برمتها في طبعة الحلبي، فليصحح.

(٢٠) هكذا في جميع النسخ، والأولى: نهونا، كما في تفسير ابن جرير والثعلبي.

(٢١) رواه الثعلبي 6/ 98ب، وبنحوه ابن جرير 10/ 115، وأشار إليه ابن أبي حاتم 6/ 1784.

(٢٢) ساقط من (ح).

(٢٣) ذكره الثعلبي 6/ 98 ب، والقرطبي 8/ 120 منسوبا إلى أهل المعاني دون تعيين.

(٢٤) ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 191 بلفظ: اتخذوا المسيح ابن مريم إلهًا.

(٢٥) من (م).

(٢٦) ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه الفيروزأبادي ص 191 بلفظ: في جملة الكتب.

(٢٧) في (م): (وهو الذي لا إله غيره).

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 444.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ (*) اتخذوا أَحْبَارَهُمْ ورهبانهم أَرْبَاباً ﴾ أي أطاعوهم كما يطاع الرب وإن كانوا لم يعبدوهم ﴿ والمسيح ﴾ معطوف على الأحبار والرهبان ﴿ وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها واحدا ﴾ أي أمرهم بذلك عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عزير ابن ﴾ بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب.

الباقون: بغير تنوين ﴿ يضاهئون ﴾ بالهمز.

عاصم.

الآخرون ﴿ يضاهون ﴾ بحذف الهمزة.

﴿ أن يطفوا ﴾ و ﴿ ليواطوا ﴾ بحذف الهمزة فيهما.

يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ اثنا عشر ﴾ بسكون العين: يزيد والخزاز ﴿ إنما النسي ﴾ بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف.

الباقون: بباء بعدها همزة.

﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه.

﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس.

الباقون ﴿ يضل ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد.

الوقوف: ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ المسيح ابن الله ﴾ ط ﴿ بأفواههم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ج ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً.

﴿ واحداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ لا لتعلق "لو" بما قبله ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ أليم ﴾ ه لا أي في يوم.

﴿ وظهورهم ﴾ ط ﴿ تكنزون ﴾ ه ﴿ حرم ﴾ ط ﴿ يقاتلونكم كافة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية.

واعلم أنه  ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم ﴿ لا يؤمنون بالله ﴾ فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأنإيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية.

واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء.

والمشهور أن كلام الله واحد.

واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟.

وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا.

وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني.

وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق.

نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله  حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى.

الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني.

والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها.

الصفة الثالثة: ﴿ ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما.

وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم.

الصفة الرابعة: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق.

يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده.

وقيل: الحق هو الله.

ثم ذكر غاية القتال فقال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه.

قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده.

وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل.

ومعنى ﴿ عن يد ﴾ إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون السمن بسببهما.

أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم.

قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟

والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم.

أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله  على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.

فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي.

وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر.

والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله  : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ويروى أنه  أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب.

ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم  قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها.

وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه.

وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.

وأما قوله ﴿ وهم صاغرون ﴾ فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم.

والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.

وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه.

وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة.

وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية.

والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي.

وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها.

ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم.

قال الشافعي في أحد قوليه.

العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول.

ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية.

وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام.

ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه  قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز" قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما.

وما روي أنه  أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين.

وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله ﴿ قاتلوا ﴾ مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟.

ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ الآية.

العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر.

وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم.

أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا.

وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف.

وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر.

وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة.

وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد.

يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك.

ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً.

عن ابن عباس: جاء رسول الله  سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.

وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله  وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله.

وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.

وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق.

وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب.

وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس.

قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة.

ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله.

وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.

ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه.

هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى.

الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم  .

وقال المسيح  للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة.

ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله  أعلم بحقيقة الحال.

ثم قال  ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم  ﴾ أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير.

فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب.

ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ﴿ يضاهنون ﴾ من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده.

ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار.

والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله.

وقيل: الضمير في ﴿ يضاهئون ﴾ للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم.

ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟.

ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون.

والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع.

واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.

نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي  وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟

فقلت: بلى.

فقال: فتلك عبادتهم.

قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟

فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله.

قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله  : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا.

وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين.

وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف.

وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله.

وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟!

وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين.

فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً ﴿ وما أمروا ﴾ الضمير للمتخذين.

والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة  ﴾ ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين.

ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال {  عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما.

وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه.

ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: وإن أرادوا ظلمنا أبينا *** امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف.

وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة.

ثم أكد ذلك المعنى بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ أي بكثرة الدلائل والمعجزات ﴿ ودين الحق ﴾ لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة.

ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين.

عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان.

وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي  لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج.

قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام.

وقد جاء في الحديث: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب.

وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن.

وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام.

وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة.

ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ فيه مدح منه  لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام.

وقوله ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ ولو كره المشركون ﴾ إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ﴾ الآية.

وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله .

ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله.

وفي قوله ﴿ كثيراً ﴾ دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم.

وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسمما هو أعظم مقاصده.

وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها.

وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته.

ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله  إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلكالأكاذيب.

ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا.

أما قوله ﴿ ويصدّون عن سبيل الله ﴾ فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه.

ثم قال  ﴿ والذين يكنزون ﴾ الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه.

والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع.

قيل: المراد بقوله ﴿ والذين يكنزون ﴾ الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم.

وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين.

ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟!

عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟

قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.

وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة.

فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً.

قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول.

وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.

فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.

فقال: ما عسى يصنع بي قريش.

واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته.

عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز.

وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.

وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.

وعن ابن عباس: قوله ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.

قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات.

وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد.

وحجة الأولين قوله  ﴿ لها ما كسبت  ﴾ ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ {محمد: 36] وقوله  : "كل امرىء أحق بكسبه" "نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" وقد كان رسول الله  جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته.

حجة الأقلين عموم الآية "وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلتقال رسول الله  : تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً فقالوا له  : أي مال نتخذ؟

قال: لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه" .

وقوله: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله  : كية.

وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان.

وعن عليّ  : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد.

ومن المعقول أن الله  خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده.

وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه.

وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله  ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى  ﴾ ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده.

وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه.

هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه.

وقد ورد أيضاً في الحديث: "ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم" وهو مشهور.

ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما.

ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه  قال: "لا زكاة في الحلي المباح" ولم يصححه أبو عيسى الترمذي.

وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله  ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه  ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال ﴿ ولا ينفقونها ﴾ فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة.

وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها  ﴾ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب *** وقيار كذلك.

ثم قال ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.

ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله ﴿ نار حامية  ﴾ ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.

فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير.

﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها.

إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود.

ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة.

ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين.

ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان.

ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما.

ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره.

وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق.

ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال ﴿ هذا ما كنزتم ﴾ والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال ﴿ إن عدّة الشهور ﴾ الآيتان وذلك أنه  لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم.

واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله  ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج  ﴾ والسنة القمرية.

عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله  ﴿ إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ﴿ في كتاب الله ﴾ بقوله ﴿ عدّة الشهور ﴾ للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر.

فقوله ﴿ في كتاب الله ﴾ و ﴿ يوم خلق ﴾ الثاني بدل من الأول وهو من عند.

والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.

وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم.

ويجوز أن يكون ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان.

لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا.

إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق.

قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.

وقيل: القرآن.

﴿ منها أربعة حرم ﴾ ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه ﴿ فلا تظلموا فيهن ﴾ أي في الأشهر الأربعة ﴿ أنفسكم ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً.

عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت.

وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول.

وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق  ﴾ والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة.

وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك.

ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي.

ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة.

وقيل: الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾ عائد إلى ﴿ اثنا عشر ﴾ والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء.

قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمعالكثرة تختار ضمير الوحدة.

قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت.

ثم قال عز من قائل ﴿ وقاتلوا المشركين ﴾ وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً.

ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية.

وقال الزجاج: نصبه على الحال.

ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً.

وفي وجه التشبيه في قوله ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم.

وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم.

فعلى الأول يكون ﴿ كافة ﴾ حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة.

ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ﴿ إنما النسيء ﴾ وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير.

وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها.

وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها.

وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول.

واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح.

ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر.

احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان.

وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار.

وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس.

وفي قوله ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله  بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً.

قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ الضمير فيه عائد إلى النسيء.

قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام.

ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه.

قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.

قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر.

ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه.

ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه.

والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله ﴿ ليواطئوا عدّة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي من القتال وترك الاختصاص.

قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه.

والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد.

قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله  فهذا هو المراد بالمواطأة.

وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه  خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية.

وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة.

وإنمالزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ على هذا التفسير.

ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع.

ومعنى قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس.

ومعنى قوله ﴿ ليواطؤا عدّة ما حرم الله ﴾ ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً.

ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله  أعلم.

التأويل: ﴿ قاتلوا ﴾ النفوس ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ﴾ بتعبده ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ أي لا يعملون للآخرة ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ﴾ من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ﴿ وحرم ﴾ ﴿ رسوله ﴾ على نفسه ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يطلبون الحق ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ من النفوس الملهمة بالواردات الربانية ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ وهي معاملتها على خلاف طبعها ﴿ عن يد ﴾ عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب ﴿ ابن الله ﴾ وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وهم النفوس الكافرة الذين ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ أي قلوبهم ﴿ ورهبانهم ﴾ أي أرواحهم ﴿ أرباباً ﴾ والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب.

فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ ﴿ يريدون ﴾ أي النفوس ﴿ أن يطفئوا نور الله ﴾ الذي رش على الأرواح في بدء الخلق ﴿ بأفواههم ﴾ أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ﴿ ليظهره ﴾ في طلب الحق على طلب غيره ﴿ إن كثيراً ﴾ من أحبار القلوب ورهبان الأرواح ﴿ ليأكلون ﴾ أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى ﴿ يحمى عليها في نار جهنم ﴾ الحرص ﴿ فتكوى بها ﴾ جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق ﴿ وجنوبهم ﴾ حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات ﴿ وظهورهم ﴾ حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم ﴿ هذا ﴾ الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ﴿ ما كنزتم ﴾ ﴿ فذوقوا ﴾ الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى.

ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج.

ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ ، أخبر أن السماوات تكاد تتفطر، وتنشق الأرض وتخر الجبال؛ لعظيم ما قالوا في الله -  - من البهتان والفرية عليه أن له ولداً، ثم بين الذي ذكر ذلك فقال: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ : فذكر الآية، وأخبر - والله أعلم - أنهم قالوا في الله ما قالوا لوجوه: أحدها: دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، لكن كتموا ذلك، فأخبر رسول الله  أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله  ذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.

والثاني: يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء؛ ليصبر على سفههم وأذاهم.

والثالث: يخبر أنهم مشبهة؛ لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا: إن فلاناً ابنه؛ لما رأوا منه أشياء، فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

أى: ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان كان لهم في ذلك.

أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه اعترضت لهم تحملهم على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .

يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء [ ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ من الشرك أو الكفر أو غير ذلك من الكذب والافتراء على الله، كقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ بالكفر وكقوله]: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ  ﴾ ، ليس أن يحيي الموتى كلهم إحياء كما أحيا ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن يحييهم إحياء، [فعلى] ذلك قوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ] في الكفر نفسه.

ويحتمل: ضاهى قول النصارى قول اليهود، والمضاهاة: المشابهة والإشباه.

وقوله [أيضاً]: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: يشبه النصارى بقولهم لعيسى إنه ابن الله قول اليهود من قبل: عزير ابن الله؛ فضاهى النصارى في عيسى اليهود قبلهم في عزير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ .

هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول المنفعة.

وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يحتمل: من أين يؤفكون ويفترون على الله على غير شبهة اعترضت لهم.

ويحتمل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ ، أي: كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً  ﴾ .

قيل: الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد.

وقيل: الأحبار هم أصحاب الصوامع مع اليهود، والرهبان: من النصارى.

وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ يحتمل أن يكون هذا في السفهاء والأتباع، وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ : في العلماء منهم والرؤساء، فاتخذ الأتباع أولئك أرباباً يتبعونهم في جميع ما يدعونهم إليه، يأتمرون بهم في جميع أوامرهم ونواهيهم؛ لا أنهم عبدوهم، ولكن ذكر أرباباً لما ذكرنا من اتباعهم وانتظارهم إياهم فيما يدعونهم إليه ويأمرونهم؛ كقوله: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ ، وقول إبراهيم لأبيه: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان وطاعته، ولكن نسب العبادة إليه؛ لما يجيبونه في كل ما يدعوهم إليه ويأمرهم به؛ فعلى ذلك هذا.

ويحتمل ما روي في الخبر - إن ثبت - أنهم لم يعبدوهم، ولكن هم أحلوا لهم أشياء حرمها [الله] عليهم فاستحلوها، أو حرموا عليهم أشياء أحل الله ذلك لهم، فحرموا ذلك فقيل: اتخذوهم أرباباً - والله أعلم - يخرج هذا في الأحبار والرهبان على التمثيل، أي: اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم؛ كأنهم اتخذوهم أرباباً، لا على التحقيق، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان، لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه.

وأما في المسيح فهو على التحقيق؛ لأنهم قالوا: ابن إله، وقالوا: ابن [الإله] إله؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق، وفي الأحبار والرهبان على التمثيل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .

يحتمل: إلا ليوحدوا إلهاً واحداً الذي لا إله إلا هو.

ويحتمل: أي: ما أمروا أن يعبدوا آلهة [على ما] يعبدون من الأصنام والأوثان، ولكن أمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .

قيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : ذكر الله وتوحيده.

وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.

وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : هو الإسلام.

فإذا كان النور هو الذكر والتوحيد فهو - والله أعلم - أنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله، ولا يذكرونه، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام، وإياها يذكرون، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم، فلما أن بعث الله رسوله محمداً بذكر الله وتوحيده، وأمر بالتناصر بحق الدين، أرادوا أن يطفئوا ذلك النور.

ومن قال: أراد بنور الله القرآن، أرادوا إطفاءه؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، و ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ و ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ونحوه، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ...

﴾ الآية [النحل: 103].

ومن قال: نور الله هو الدين؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ...

﴾ النور: 35] في حرف أبي: (مثل نور المؤمن)، ومثله - أرادوا إطفاء هذا النور؛ لتسلم لهم المنافع التي كانت [لهم].

وقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ ﴾ يحتمل وجهين: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يجتهدون أن يطفئوه، فما يقدرون على إطفائه.

ويحتمل: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يحتالون أن يطفئوه بأسباب يتكلفونها ويحتالونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .

بالحجج والبراهين، أو بالنشر والإظهار، وقد أتمه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .

وقد كره الكافرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : هدى يهديهم إلى ما به تكون جميع المحاسن والخيرات محاسن وخيرات؛ لأن المحاسن والخيرات إنما تقوم بالإيمان، وبه ينتفع بها، بعثه لذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : وهو القرآن، يهديهم، ويبين لهم المحاسن من المساوئ، والحسنات من السيئات، وهو هدى يهديهم إلى ذلك.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ \[وهو دين الحق\].

أي: الإيمان الذي به تصير المحاسن محاسن، والخيرات خيرات - هو دين الحق.

ويحتمل قوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ [أي: أرسله بالهدى وبدين الحق.

ويحتمل قوله: ودين الحق] أي: دين الله؛ كقوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: [يحتمل]: ليظهر رسوله على أهل الدين كله بالحجج والآيات، فقد أظهره بحمد الله على الأديان كلها بالحجج والبراهين، حتى لم يتعرض أحد في شبه ذلك فضلاً أن يتعرض في إبطاله.

ويحتمل: ليظهره على أهل الدين كله بالقهر والغلبة والإذلال، فقد كان، حق خضعوا له كلهم وذلوا، حتى لم يبق في جزيرة العرب مشرك ولا كافر إلا خضع له، وصار أهل الكتاب ذليلين صاغرين في أيدي المسلمين.

فإن كان المراد من قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، فهو بالحجج والبراهين كلها.

وإن كان أراد به الدين أن يظهره على الأديان كلها فبعد لم يكن، ويكون - إن شاء الله  - هو الظاهر على الأديان كلها يوم القيامة.

وقوله - عز جل -: ﴿ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

ولم يقل: على الأديان كلها؛ فالدين يتناول الأديان كلها؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ  ﴾ يدخل فيه كل إنسان.

وجائز أن تكون أدياناً مختلفة فهو واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وهو دين الشيطان، فسماه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ ﴾ .

أما الأحبار والرهبان فقد ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ .

لأنهم كانوا يأكلون أموالهم بما يحرفون كتاب الله ويبدلونه؛ كقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الآية [آل عمران: 78]، فهم إنما حرفوا ذلك وبدلوه؛ لتسلم لهم تلك الأموال، فذلك أكل بباطل؛ لأنهم خافوا ذهاب تلك المنافع والأموال إذا أسلموا، فيجوز أن يكون إنما سماهم أرباباً في الآية الأولى؛ لما أنهم جعلوا أموالهم أموالاً لأنفسهم، وأنفسهم عبيداً لهم، فهم كالأرباب لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله، وكنزوها، ولم ينفقوها في سبيل الله، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله.

ومن الناس من حمل الآية في منع الزكاة.

روي في الأخبار عن رسول الله  وعن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أن كل مال أديت الزكاة عنه فهو ليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ الزكاة [عنه] فهو كنز، وإن كان على وجه الأرض.

ومن أصحابنا من استدل بلزوم ضمّ الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة بهذه الآية؛ لأنه ذكر الذهب والفضة جميعاً، وألحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة بقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، فلولا أن الضم واجب ويكون المؤدى عن أحدهما مؤدى عن الآخر، وإلا لم يكن لذلك معنى.

ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب؛ لأن الذهب أعز عندهم، والفضة دونه.

ثم إن كانت الآية في الكفرة فهي في القبول؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ وذلك على القبول، لا في الأداء نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ...

﴾ الآية.

جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم عن طاعة الله، ودعتهم إلى مخالفة أمره، ويجمع بينهما في النار؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك ما كنزوا يحمى عليها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، يعذبهم بها؛ لما منعتهم تلك الأموال من طاعته، ودعتهم إلى صدّ الناس عن سبيل الله؛ يجعل عذابهم في الآخرة بها.

ويحتمل قوله: ﴿ جِبَاهُهُمْ ﴾ : كناية عن التقديم إلى الآخرة، أي: لم يقدموها ولم ينفقوها في سبيل الله.

وقوله: ﴿ وَجُنوبُهُمْ ﴾ : لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة.

وقوله: ﴿ وَظُهُورُهُمْ ﴾ : لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله.

ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، أي: يحيط العذاب بهم؛ فعلى ذلك هذا - والله أعلم - كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، أي: يحيط بهم حتى لا يقدروا على دفعه عن وجوههم.

وقوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية.

روي عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، يكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها" ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول، قالوا: "يا رسول الله، فصاحب الخيل؟

قال: هي لثلاث: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر؛ فأما من ربطها عدة في سبيل الله، فإنه لو أنه طول لها في مرج خصب أو في روضة، كتب الله له عدد ما أكلت حسنات، وعدد أرواثها حسنات، ولو انقطع طولها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين، وكتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر عجاج لا يريد السقي به فشربت، كتب الله له عدد ما شربت حسنات.

ومن ارتبطها فخراً وعزّاً على المسلمين، كان له وزر إلى يوم القيامة؛ ومن ارتبطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها وظهورها، كانت له ستراً من النار يوم القيامة" فإن ثبت هذا الخبر عن رسول الله  ففيه دلالة وجوب الزكاة في الخيل، وهو حجة لأبي حنيفة؛ لأنه قال: "ثم لم ينس حق الله في رقابها"، والحق الذي في رقابها هو الزكاة، والذي في ظهورها هو الجهاد عليها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

جعل اليهود علماءهم، والنصارى عُبَّادهم؛ أربابًا من دون الله، يحلون لهم ما حرمه الله عليهم، ويحرمون عليهم ما أحله الله لهم، وجعل النصارى المسيح عيسى بن مريم إلهًا مع الله، وما أمر الله علماء اليهود وعُبَّاد النصارى وما أمر عزيرًا وعيسى بن مريم إلا أن يعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا، فهو سبحانه إله واحد، لا معبود بحق سواه، تنزه سبحانه، وتقدس أن يكون له شريك كما يقول هؤلاء المشركون وغيرهم.

من فوائد الآيات في الآيات دليل على أن تعلق القلب بأسباب الرزق جائز، ولا ينافي التوكل.

في الآيات دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو فضل من الله تعالى تولى قسمته.

الجزية واحد من خيارات ثلاثة يعرضها الإسلام على الأعداء، يقصد منها أن يكون الأمر كله للمسلمين بنزع شوكة الكافرين.

في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن تجرؤوا على الله، وتنقَّصوا من عظمته سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.a1lVb"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله