الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣٦ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 190 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، أخبرنا أيوب ، أخبرنا محمد بن سيرين ، عن أبي بكرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب في حجته ، فقال : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة [ حرم ، ثلاثة ] متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .
ثم قال : أي يوم هذا ؟
قلنا : الله ورسوله أعلم .
فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس يوم النحر ؟
قلنا : بلى .
ثم قال : أي شهر هذا ؟
قلنا : الله ورسوله أعلم .
فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس ذا الحجة ؟
قلنا : بلى .
ثم قال : أي بلد هذا ؟
.
قلنا : الله ورسوله أعلم .
فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليست البلدة ؟
قلنا : بلى .
قال : فإن دماءكم وأموالكم - قال : وأحسبه قال : وأعراضكم - عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا هل بلغت ؟
ألا ليبلغ الشاهد الغائب منكم ، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمعه .
ورواه البخاري في التفسير وغيره ، ومسلم من حديث أيوب ، عن محمد - وهو ابن سيرين - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، به .
وقد قال ابن جرير : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا روح ، حدثنا أشعث ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ، ورجب مضر بين جمادى وشعبان .
ورواه البزار ، عن محمد بن معمر به ، ثم قال : لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ، وقد رواه ابن عون وقرة ، عن ابن سيرين ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، به .
وقال ابن جرير أيضا : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، حدثنا زيد بن حباب ، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي ، حدثني صدقة بن يسار ، عن ابن عمر قال : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال : أيها الناس ، إن الزمان قد استدار ، فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ، أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم .
وروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، مثله أو نحوه .
وقال حماد بن سلمة : حدثني علي بن زيد ، عن أبي حرة حدثني الرقاشي ، عن عمه - وكانت له صحبة - قال : كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوسط أيام التشريق ؛ أذود الناس عنه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ، منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم .
وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : ( منها أربعة حرم ) قال : محرم ، ورجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض - تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه ، وتثبيت للأمر على ما جعله الله تعالى في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير ، ولا زيادة ولا نقص ، ولا نسيء ولا تبديل ، كما قال في تحريم مكة : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وهكذا قال هاهنا : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض أي : الأمر اليوم شرعا كما ابتدأ الله ذلك في كتابه يوم خلق السماوات والأرض .
وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث : إن المراد بقوله : قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، أنه اتفق أن حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك السنة في ذي الحجة ، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء ، يحجون في كثير من السنين ، بل أكثرها ، في غير ذي الحجة ، وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة ، وفي هذا نظر ، كما سنبينه إذا تكلمنا على النسيء .
وأغرب منه ما رواه الطبراني ، عن بعض السلف ، في جملة حديث : أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد ، وهو يوم النحر ، عام حجة الوداع ، والله أعلم .
[ حاشية فصل ] .
ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه " المشهور في أسماء الأيام والشهور " : أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرا محرما ، وعندي أنه سمي بذلك تأكيدا لتحريمه ؛ لأن العرب كانت تتقلب به ، فتحله عاما وتحرمه عاما ، قال : ويجمع على محرمات ، ومحارم ، ومحاريم .
صفر : سمي بذلك لخلو بيوتهم منه ، حين يخرجون للقتال والأسفار ، يقال : " صفر المكان " : إذا خلا ويجمع على أصفار كجمل وأجمال .
شهر ربيع الأول : سمي بذلك لارتباعهم فيه .
والارتباع الإقامة في عمارة الربع ، ويجمع على أربعاء كنصيب وأنصباء ، وعلى أربعة ، كرغيف وأرغفة .
ربيع الآخر : كالأول .
جمادى : سمي بذلك لجمود الماء فيه .
قال : وكانت الشهور في حسابهم لا تدور .
وفي هذا نظر ؛ إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة ، ولا بد من دورانها ، فلعلهم سموه بذلك ، أول ما سمي عند جمود الماء في البرد ، كما قال الشاعر : وليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر العبد في ظلماتها الطنبا لا ينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على خرطومه الذنبا ويجمع على جماديات ، كحبارى وحباريات ، وقد يذكر ويؤنث ، فيقال : جمادى الأولى والأول ، وجمادى الآخر والآخرة .
رجب : من الترجيب ، وهو التعظيم ، ويجمع على أرجاب ، ورجاب ، ورجبات .
شعبان : من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات .
ورمضان : من شدة الرمضاء ، وهو الحر ، يقال : " رمضت الفصال " : إذا عطشت ، ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة قال : وقول من قال : " إنه اسم من أسماء الله " ، خطأ لا يعرج عليه ، ولا يلتفت إليه .
قلت : قد ورد فيه حديث ؛ ولكنه ضعيف ، وبينته في أول كتاب الصيام .
شوال : من شالت الإبل بأذنابها للطراق ، قال : ويجمع على شواول وشواويل وشوالات .
القعدة : بفتح القاف - قلت : وكسرها - لقعودهم فيه عن القتال والترحال ، ويجمع على ذوات القعدة .
الحجة : بكسر الحاء - قلت : وفتحها - سمي بذلك لإيقاعهم الحج فيه ، ويجمع على ذوات الحجة .
أسماء الأيام : أولها الأحد ، ويجمع على آحاد ، وأحاد ووحود .
ثم يوم الاثنين ، ويجمع على أثانين .
الثلاثاء : يمد ، ويذكر ويؤنث ، ويجمع على ثلاثاوات وأثالث .
ثم الأربعاء بالمد ، ويجمع على أربعاوات وأرابيع .
والخميس : يجمع على أخمسة وأخامس ، ثم الجمعة - بضم الميم ، وإسكانها ، وفتحها أيضا - ويجمع على جمع وجمعات .
السبت : مأخوذ من السبت ، وهو القطع ؛ لانتهاء العدد عنده .
وكانت العرب تسمي الأيام أول ، ثم أهون ، ثم جبار ، ثم دبار ، ثم مؤنس ، ثم العروبة ، ثم شيار ، قال الشاعر - من العرب العرباء العاربة المتقدمين - : أرجي أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار أو التالي دبار فإن أفته فمؤنس أو عروبة أو شيار وقوله تعالى : ( منها أربعة حرم ) فهذا مما كانت العرب أيضا في الجاهلية تحرمه ، وهو الذي كان عليه جمهورهم ، إلا طائفة منهم يقال لهم : " البسل " ، كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر ، تعمقا وتشديدا .
وأما قوله : " ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ، [ فإنما أضافه إلى مضر ، ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان ] لا كما كانت تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال ، وهو رمضان اليوم ، فبين عليه [ الصلاة و ] السلام أنه رجب مضر لا رجب ربيعة .
وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ، ثلاثة سرد وواحد فرد ؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة ، فحرم قبل شهر الحج شهر ، وهو ذو القعدة ؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال ، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك ، وحرم بعده شهر آخر ، وهو المحرم ؛ ليرجعوا فيه إلى نائي أقصى بلادهم آمنين ، وحرم رجب في وسط الحول ، لأجل زيارة البيت والاعتمار به ، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب ، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا .
وقوله تعالى : ( ذلك الدين القيم ) أي : هذا هو الشرع المستقيم ، من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم ، والحذو بها على ما سبق في كتاب الله الأول .
وقال تعالى : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) أي : في هذه الأشهر المحرمة ؛ لأنه آكد وأبلغ في الإثم من غيرها ، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف ، لقوله تعالى : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) [ الحج : 25 ] وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام ؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي ، وطائفة كثيرة من العلماء ، وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم .
وقال حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، في قوله : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) قال : في الشهور كلها .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) الآية ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) في كلهن ، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراما ، وعظم حرماتهن ، وجعل الذنب فيهن أعظم ، والعمل الصالح والأجر أعظم .
وقال قتادة في قوله : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا ، من الظلم فيما سواها ، وإن كان الظلم على كل حال عظيما ، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء .
قال : إن الله اصطفى صفايا من خلقه ، اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكره ، واصطفى من الأرض المساجد ، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم ، واصطفى من الأيام يوم الجمعة ، واصطفى من الليالي ليلة القدر ، فعظموا ما عظم الله ، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل .
وقال الثوري ، عن قيس بن مسلم ، عن الحسن بن محمد بن الحنفية : بألا تحرموهن كحرمتهن .
وقال محمد بن إسحاق : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) أي : لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما ، كما فعل أهل الشرك ، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر ( يضل به الذين كفروا ) الآية [ التوبة : 37 ] .
.
وهذا القول اختيار ابن جرير .
وقوله : ( وقاتلوا المشركين كافة ) أي : جميعكم ( كما يقاتلونكم كافة ) أي : جميعهم ، ( واعلموا أن الله مع المتقين ) وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام : هل هو منسوخ أو محكم ؟
على قولين : أحدهما - وهو الأشهر : أنه منسوخ ؛ لأنه تعالى قال هاهنا : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) وأمر بقتال المشركين ، وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرا عاما ، فلو كان محرما في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها ؛ ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاصر أهل الطائف في شهر حرام - وهو ذو القعدة - كما ثبت في الصحيحين : أنه خرج إلى هوازن في شوال ، فلما كسرهم واستفاء أموالهم ، ورجع فلهم ، فلجئوا إلى الطائف - عمد إلى الطائف فحاصرها أربعين يوما ، وانصرف ولم يفتتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام .
والقول الآخر : أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام ، وأنه لم ينسخ تحريم الحرام ، لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ) [ الآية ] [ المائدة : 2 ] وقال : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) الآية [ البقرة : 194 ] وقال : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) [ الآية ] [ التوبة : 50 ] .
وقد تقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة ، لا أشهر التسيير على أحد القولين .
وأما قوله تعالى : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) فيحتمل أنه منقطع عما قبله ، وأنه حكم مستأنف ، ويكون من باب التهييج والتحضيض ، أي : كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم ، وقاتلوهم بنظير ما يفعلون ، ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم ، كما قال تعالى : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) [ البقرة : 194 ] وقال تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ) الآية [ البقرة : 191 ] ، وهكذا الجواب عن حصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف ، واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام ، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف ، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال ، وجمعوا الرجال ، ودعوا إلى الحرب والنزال ، فعندما قصدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم ، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم ، فنالوا من المسلمين ، وقتلوا جماعة ، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبا من أربعين يوما .
وكان ابتداؤه في شهر حلال ، ودخل الشهر الحرام ، فاستمر فيه أياما ، ثم قفل عنهم لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ، وهذا هو أمر مقرر ، وله نظائر كثيرة ، والله أعلم .
ولنذكر الأحاديث الواردة في ذلك وقد حررنا ذلك في السيرة ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن عدة شهور السنة اثنا عشر شهرًا في كتاب الله، الذي كتبَ فيه كل ما هو كائن في قضائه الذي قضى =(يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم)، يقول: هذه الشهور الاثنا عشر منها أربعة أشهر حرم كانت الجاهلية تعظمهن، وتحرِّمهن، وتحرِّم القتال فيهن, حتى لو لقي الرجل منهم فيهن قاتل أبيه لم يَهِجْهُ، وهن: رجب مُضر وثلاثة متواليات، ذو القعدة, وذو الحجة, والمحرم.
وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
16684- حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي قال: حدثني صدقة بن يسار, عن ابن عمر قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنًى في أوسط أيام التشريق, فقال: " يا أيها الناس, إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض, وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا, منها أربعة حرم, أوّلهن رجبُ مُضَر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ".
(52) 16685- حدثنا محمد بن معمر قال، حدثنا روح قال، حدثنا أشعث عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض, وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم, ثلاثة متواليات، ورجبُ مُضَر بين جمادى وشعبان ".
(53) 16686- حدثنا يعقوب قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال، حدثنا أيوب, عن محمد بن سيرين, عن أبي بكرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع فقال: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض, السنة اثنا عشر شهرًا, منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة, وذو الحجة, والمحرم, ورجبُ مضر الذي بين جمادى وشعبان ".
(54) 16687- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سليمان التيمي قال، حدثني رجل بالبحرين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض, وإن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا, ثلاثة متواليات: ذو القعدة, وذو الحجة, والمحرم, ورجبُ الذي بين جمادى وشعبان ".
16688- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن ابن أبي نجيح قوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم)، أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: " ثلاثة متواليات: ذو القعدة, وذو الحجة, والمحرم, ورجب الذي بين جمادى وشعبان ".
16689- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم منًى: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض, وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا, منها أربعة حرم, ثلاثة متواليات: ذو القعدة, وذو الحجة, والمحرم, ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ".
* * * وهو قول عامة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16690- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم)، أما(أربعة حرم)، فذو القعدة, وذو الحجة, والمحرم, ورجب.
وأما(كتاب الله)، فالذي عنده.
16691- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا)، قال: يعرف بها شأن النسيء ما نقص من السنة.
16692- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد في قول الله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله)، قال: يذكر بها شأن النسيء.
* * * وأما قوله: (ذلك الدين القيم)، فإن معناه: هذا الذي أخبرتكم به, من أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله, وأن منها أربعة حرمًا: هو الدين المستقيم, كما:- 16693- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ذلك الدين القيم)، يقول: المستقيم.
16694- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، ابن زيد في قوله: (ذلك الدين القيم)، قال: الأمر القيم.
يقول: قال تعالى: واعلموا، أيها الناس، أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله الذي كتب فيه كل ما هو كائن, وأن من هذه الاثنى عشر شهرًا أربعةُ أشهرٍ حرمًا، ذلك دين الله المستقيم, لا ما يفعله النسيء من تحليله ما يحلل من شهور السنة، وتحريمه ما يحرِّمه منها.
(55) وأما قوله: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، فإن معناه: فلا تعصوا الله فيها, ولا تحلُّوا فيهن ما حرَّم الله عليكم, فتكسبوا أنفسكم ما لا قِبَل لها به من سخط الله وعقابه.
كما:- 16695- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، قال: الظلم العمل بمعاصي الله، والترك لطاعته.
* * * ثم اختلف أهل التأويل في الذي عادت عليه " الهاء "، و " النون " في قوله: (فيهن).
فقال بعضهم: عاد ذلك على " الاثنى العشر الشهر ", (56) وقال: معناه: فلا تظلموا في الأشهر كلِّها أنفسكم.
* ذكر من قال ذلك: 16696- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، في كلِّهن.
ثم خصَّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حُرُمًا، وعظّم حُرُماتهن، وجعل الذنبَ فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.
16697- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو, عن حماد بن سلمة, عن علي بن زيد, عن يوسف بن مهران, عن ابن عباس: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، قال: في الشهور كلها.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تظلموا في الأربعة الأشهر الحرُم أنفسكم = و " الهاء والنون " عائدة على " الأشهر الأربعة ".
* ذكر من قال ذلك: 16698- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أما قوله: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووِزْرًا، من الظلم فيما سواها, وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظِّم من أمره ما شاء.
وقال: إن الله اصطفى صَفَايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسُلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكرَه, واصطفى من الأرض المساجد, واصطفى من الشهور رمضانَ والأشهر الحرم, واصطفى من الأيام يوم الجمعة, واصطفى من الليالي ليلةَ القدر, فعظِّموا ما عظم الله, فإنما تعظم الأمور بما عظَّمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تظلموا في تصييركم حرامَ الأشهر الأربعة حلالا وحلالها حرامًا = أنفسَكم.
* ذكر من قال ذلك: 16699- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا)، إلى قوله: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، : أي: لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حرامًا, كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء، الذي كانوا يصنعون من ذلك، زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، الآية.
(57) 166700- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن الحسن: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، قال: " ظلم أنفسكم "، أن لا تحرِّموهن كحرمتهن.
16701- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن الحسن بن محمد بن علي: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، قال: " ظلم أنفسكم "، أن لا تحرِّموهن كحرمتهن.
16702- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن الحسن بن محمد, بنحوه.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسَكم، باستحلال حرامها, فإن الله عظمها وعظَّم حرمتها.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في تأويله، لقوله: (فلا تظلموا فيهن)، فأخرج الكناية عنه مُخْرَج الكناية عن جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وذلك أن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة، إذا كَنَتْ عنه: " فعلنا ذلك لثلاث ليال خلون, ولأربعة أيام بقين " وإذا أخبرت عما فوق العشرة إلى العشرين قالت: " فعلنا ذلك لثلاث عشرة خلت, ولأربع عشرة مضت " = فكان في قوله جل ثناؤه: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، وإخراجِه كناية عدد الشهور التي نهى المؤمنين عن ظلم أنفسهم فيهن مخرج عدد الجمع القليل من الثلاثة إلى العشرة، الدليلُ الواضح على أن " الهاء والنون "، من ذكر الأشهر الأربعة، دون الاثنى العشر.
لأن ذلك لو كان كناية عن " الاثنى عشر شهرًا "، لكان: فلا تظلموا فيها أنفُسكم.
(58) * * * فإن قال قائل: فما أنكرت أن يكون ذلك كنايةً عن " الاثنى عشر ", وإن كان الذي ذكرت هو المعروف في كلام العرب؟
فقد علمت أن [من] المعروف من كلامها، (59) إخراجُ كناية ما بين الثلاث إلى العشر، بالهاء دون النون, وقد قال الشاعر: (60) أَصْبَحْـنَ فِـي قُـرْحٍ وَفِـي دَارَاتِهـا سَــبْعَ لَيَــالٍ غَــيْرَ مَعْلُوفَاتِهَــا (61) ولم يقل: " معلوفاتهن ", وذلك كناية عن " السبع "؟
قيل: إن ذلك وإن كان جائزًا، فليس الأفصحَ الأعرفَ في كلامها.
وتوجيهُ كلام الله إلى الأفصح الأعرف، أولى من توجيهه إلى الأنكر.
* * * فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت, فقد يجب أن يكون مباحًا لنا ظُلْم أنفسنا في غيرهن من سائر شهور السنة؟
قيل: ليس ذلك كذلك, بل ذلك حرام علينا في كل وقتٍ وزمانٍ, ولكن الله عظَّم حرمة هؤلاء الأشهر وشرَّفهن على سائر شهور السنة, فخصّ الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصّهن بالتشريف, وذلك نظير قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [سورة البقرة: 238]، ولا شك أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ، ولم يبح ترك المحافظة عليهن، بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى, ولكنه تعالى ذكره زادَها تعظيمًا، وعلى المحافظة عليها توكيدًا وفي تضييعها تشديدًا.
فكذلك ذلك في قوله: (منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)،.
* * * وأما قوله: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)، فإنه يقول جل ثناؤه: وقاتلوا المشركين بالله، أيها المؤمنون، جميعًا غير مختلفين, مؤتلفين غير مفترقين, كما يقاتلكم المشركون جميعًا، مجتمعين غير متفرقين، كما:- 16703- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)، أما " كافة "، فجميع، وأمركم مجتمع.
16704- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (وقاتلوا المشركين كافة)، يقول: جميعًا.
* * * 16705- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وقاتلوا المشركين كافة)، : أي: جميعا.
* * * و " الكافة " في كل حال على صورة واحدة، لا تذكّر ولا تجمع, لأنها وإن كانت بلفظ " فاعلة "، فإنها في معنى المصدر، ك " العافية " و " العاقبة ", ولا تدخل العربُ فيها " الألف واللام "، لكونها آخر الكلام، مع الذي فيها من معنى المصدر, كما لم يدخلوها إذا قاتلوا: " قاموا معًا "، و " قاموا جميعا ".
(62) * * * وأما قوله: (واعلموا أن الله مع المتقين)، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون بالله، أنكم إن قاتلتم المشركين كافة, واتقيتم الله فأطعتموه فيما أمركم ونهاكم، ولم تخالفوا أمره فتعصوه, كان الله معكم على عدوكم وعدوه من المشركين، ومن كان الله معه لم يغلبه شيء, (63) لأن الله مع من اتقاه فخافه وأطاعه فيما كلفه من أمره ونهيه.
------------------------ الهوامش: (52) الأثر : 16684 - " موسى بن عبد الرحمن المسروقي " ، شيخ الطبري ، مضى مرارا ، آخرها رقم 8906 .
و " زيد بن حباب العكلي " ، مضى مرارا ، منها رقم : 11134 .
و " موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، ضعيف جدا ، منكر الحديث مضى مرارا ، منها رقم : 11134 .
و " صدقة بن يسار الجزري " ، مكي ثقة ، روى عن ابن عمر .
مترجم في التهذيب والكبير 2 / 2/ 294 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 428 .
وهذا إسناد ضعيف ، لضعف موسى بن عبيدة الربذي .
(53) الأثر : 16685 - "محمد بن معمر بن ربعي البحراني"، شيخ الطبري، ثقة من شيوخ البخاري ومسلم، مضى برقم: 241 ، 3056 ، 5393 .
و "روح"، هو "روح بن عبادة القيسي"، ثقة، مضى مرارًا كثيرة .
و "أشعث"، هو "أشعث بن عبد الملك الحمراني"، ثقة مأمون، مترجم في التهذيب، والكبير 1 1 431 ، وابن أبي حاتم 1 1 275 .
وهذا الخبر ، نقله ابن كثير في تفسيره 4 : 160، عن هذا الوضع، ثم قال: "رواه البزار، عن محمد بن معمر، به، ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه".
(54) الأثر: 16686 - هذا خبر منقطع الإسناد، لأن محمد بن سيرين لم يسمع من أبي بكرة، ووصله البخاري في مواضع صحيحه، من طريق "أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة" (الفتح 1: 145 ، 177 ، 178 3 : 459 6 : 210 ، 211 8 : 83 ، 244)، مطولا.
ووصله مسلم أيضًا في صحيحه 11 : 167.
ورواه أحمد في مسنده 5 : 37، منقطعا، كما رواه الطبري، وقد استوفى الحافظ ابن حجر، تفصيل القول في ذلك في الفتح، في المواضع التي ذكرتها آنفًا.
والحديث صحيح متفق عليه.
(55) "النسئ"، هكذا جاءت في المخطوطة أيضًا، بمعنى "الناسئ"، وهو الذي كان يحلل لهم الشهر ويحرمه.
وأخشى أن يكون وهمًا من الناسخ، فإن "النسئ" على وزن "فعيل"، وهو بمعنى "مفعول"، أو مصدر "نسأ الشهر" ، ولم أرهم قالوا في الرجل إلا "ناسئ"، وجمعه "نسأة"، مثل "فاسق" و "فسقة".
وانظر ما سيأتي في تفسير "النسئ" ص : 343، والخبر رقم : 16708 ، 16709 ، والتعليق هناك.
(56) في المطبوعة: "على الاثنى عشر شهرًا"، وأثبت ما في المخطوطة.
(57) الأثر: 16699 - سيرة ابن هشام 4 : 193، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16615.
(58) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 435 .
(59) في المطبوعة والمخطوطة: "أن المعروف من كلامها"، والسياق يقتضي إثبات ما أثبت بين القوسين، لأن هذا القائل، أقر أولا بأن ما قاله الطبري هو "المعروف من كلامها"، أي المشهور المتفق عليه.
فالجيد أن يعترض عليه بشيء آخر، هو "الجائز في كلامها" ، فمن أجل هذا المعنى زدت " من " بين القوسين ، ليستقيم منطق الكلام .
(60) هو عمر بن لجأ التيمي.
(61) حماسة أبي تمام 4 : 157 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 435 .
واللسان ( قرح ) ، غير منسوبة ودل على أنها لعمر بن لجأ ، أبيات رواها الأصمعي في الأصمعيات ص : 25 ، 26 و " قرح " ( بضم القاف وسكون الراء ) ، هو سوق وادي القرى ، صلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبنى به مسجدا ، ورواية الحماسة واللسان ، " حبسن في قرح " .
(62) انظر تفسير " كافة " فيما سلف 4 : 257 ، 258 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 436 .
(63) انظر تفسير " مع " فيما سلف 13 : 576 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقينقوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم فيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى إن عدة الشهور جمع شهر .
فإذا قال الرجل لأخيه : لا أكلمك الشهور ، وحلف على ذلك فلا يكلمه حولا ، قاله بعض العلماء .
وقيل : لا يكلمه أبدا .
ابن العربي : وأرى إن لم تكن له نية أن يقتضي ذلك ثلاثة أشهر لأنه أقل الجمع الذي يقتضيه [ ص: 65 ] صيغة فعول في جمع فعل .عند الله أي في حكم الله وفيما كتب في اللوح المحفوظ .اثنا عشر شهرا أعربت اثنا عشر شهرا دون نظائرها ؛ لأن فيها حرف الإعراب ودليله .
وقرأ العامة ( عشر ) بفتح العين والشين .
وقرأ أبو جعفر ( عشر ) بجزم الشين .في كتاب الله يريد اللوح المحفوظ .
وأعاده بعد أن قال عند الله لأن كثيرا من الأشياء يوصف بأنه عند الله ، ولا يقال إنه مكتوب في كتاب الله ، كقوله : إن الله عنده علم الساعة .الثانية : قوله تعالى يوم خلق السماوات والأرض إنما قال يوم خلق السماوات والأرض ليبين أن قضاءه وقدره كان قبل ذلك ، وأنه سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السماوات والأرض ، وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة .
وهو معنى قوله تعالى : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا .
وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها ، وتقديم المقدم في الاسم منها .
والمقصود من ذلك اتباع أمر الله فيها ورفض ما كان عليه أهل الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها ، وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليه ، ولذلك قال عليه السلام في خطبته في حجة الوداع : أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض .
.
.
على ما يأتي بيانه .
وأن الذي فعل أهل الجاهلية من جعل المحرم صفرا وصفر محرما ليس يتغير به ما وصفه الله تعالى .
والعامل في " يوم " المصدر الذي هو في كتاب الله وليس يعني به واحد الكتب ؛ لأن الأعيان لا تعمل في الظروف .
والتقدير : فيما كتب الله يوم خلق السماوات والأرض .
و ( عند ) متعلق بالمصدر الذي هو العدة ، وهو العامل فيه .
و ( في ) من قوله : في كتاب الله متعلقة بمحذوف ، هو صفة لقوله : ( اثنا عشر ) .
والتقدير : اثنا عشر شهرا معدودة أو مكتوبة في كتاب الله .
ولا يجوز أن تتعلق ب " عدة " لما فيه من التفرقة بين الصلة والموصول بخبر ( إن ) .الثالثة : هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب ، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرا ؛ لأنها مختلفة الأعداد ، منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص ، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص ، والذي ينقص ليس يتعين له شهر ، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج .[ ص: 66 ] الرابعة : قوله تعالى منها أربعة حرم الأشهر الحرم المذكورة في هذه الآية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى الآخرة وشعبان ، وهو رجب مضر ، وقيل له رجب مضر لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبا .
وكانت مضر تحرم رجبا نفسه ، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه : الذي بين جمادى وشعبان ورفع ما وقع في اسمه من الاختلال بالبيان .
وكانت العرب أيضا تسميه منصل الأسنة ، روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي - واسمه عمران بن ملحان وقيل عمران بن تيم - قال : كنا نعبد الحجر ، فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر ، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا منصل الأسنة ، فلم ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناها فألقيناه .الخامسة : قوله تعالى ذلك الدين القيم أي الحساب الصحيح والعدد المستوفى .
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : " ذلك الدين " أي ذلك القضاء .
مقاتل : الحق .
ابن عطية : والأصوب عندي أن يكون الدين هاهنا على أشهر وجوهه ، أي ذلك الشرع والطاعة .
" القيم " أي القائم المستقيم ، من قام يقوم .
بمنزلة سيد ، من ساد يسود .
أصله قيوم .السادسة : قوله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم على قول ابن عباس راجع إلى جميع الشهور .
وعلى قول بعضهم إلى الأشهر الحرم خاصة ؛ لأنه إليها أقرب ولها مزية في تعظيم الظلم ، لقوله تعالى : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج لا أن الظلم في غير هذه الأيام جائز على ما نبينه .
ثم قيل : في الظلم قولان : أحدهما لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال ، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور ، قاله قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري .
وقال ابن جريج : حلف بالله عطاء بن أبي رباح أنه ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم [ ص: 67 ] ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها ، وما نسخت .
والصحيح الأول ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف ، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة .
وقد تقدم هذا المعنى في البقرة .
الثاني : لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب ؛ لأن الله سبحانه إذا عظم شيئا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح .
فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام .
ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال .
وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين .السابعة : وقد اختلف العلماء من هذا المعنى فيمن قتل في الشهر الحرام خطأ ، هل تغلظ عليه الدية أم لا ، فقال الأوزاعي : القتل في الشهر الحرام تغلظ فيه الدية فيما بلغنا وفي الحرم فتجعل دية وثلثا .
ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل .
قال الشافعي : تغلظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وذوي الرحم .
وروي عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وابن شهاب وأبان بن عثمان : من قتل في الشهر الحرام أو في الحرم زيد على ديته مثل ثلثها .
وروي ذلك عن عثمان بن عفان أيضا .
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وابن أبي ليلى : القتل في الحل والحرم سواء ، وفي الشهر الحرام وغيره سواء ، وهو قول جماعة من التابعين .
وهو الصحيح ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن الديات ولم يذكر فيها الحرم ولا الشهر الحرام .
وأجمعوا أن الكفارة على من قتل خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء .
فالقياس أن تكون الدية كذلك .
والله أعلم .الثامنة : خص الله تعالى الأربعة الأشهر الحرم بالذكر ، ونهى عن الظلم فيها تشريفا لها وإن كان منهيا عنه في كل الزمان .
كما قال : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج على هذا أكثر أهل التأويل .
أي لا تظلموا في الأربعة الأشهر أنفسكم .
وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : فلا تظلموا فيهن أنفسكم في الاثني عشر .
وروى قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد ابن الحنفية قال : فيهن كلهن .
فإن قيل على القول الأول : لم قال فيهن ولم يقل فيها ؟
وذلك أن العرب يقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة : هن وهؤلاء فإذا جاوزوا العشرة قالوا : هي وهذه ، إرادة أن تعرف تسمية القليل من [ ص: 68 ] الكثير .
وروي عن الكسائي أنه قال : إني لأتعجب من فعل العرب هذا .
وكذلك يقولون فيما دون العشرة من الليالي : خلون .
وفيما فوقها خلت .
لا يقال : كيف جعل بعض الأزمنة أعظم حرمة من بعض ، فإنا نقول : للبارئ تعالى أن يفعل ما يشاء ، ويخص بالفضيلة ما يشاء ، ليس لعمله علة ولا عليه حجر ، بل يفعل ما يريد بحكمته ، وقد تظهر فيه الحكمة وقد تخفى .قوله تعالى وقاتلوا المشركين كافة فيه مسألة واحدة :قوله تعالى قاتلوا أمر بالقتال .
و ( كافة ) معناه جميعا ، وهو مصدر في موضع الحال .
أي محيطين بهم ومجتمعين .
قال الزجاج : مثل هذا من المصادر : عافاه الله عافية ، وعاقبه عاقبة .
ولا يثنى ولا يجمع ، وكذا عامة وخاصة .
قال بعض العلماء : كان الفرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك وجعل فرض كفاية .
قال ابن عطية : وهذا الذي قاله لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألزم الأمة جميعا النفر ، وإنما معنى هذه الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة ثم قيدها بقوله : كما يقاتلونكم كافة فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم .
والله أعلم .
يقول تعالى {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ} أي: في قضائه وقدره. {اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} وهي هذه الشهور المعروفة {فِي كِتَابِ اللَّهِ} أي في حكمه القدري، {يَوْمَ خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ} وأجرى ليلها ونهارها، وقدر أوقاتها فقسمها على هذه الشهور الاثني عشر [شهرًا]. {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} وهي: رجب الفرد، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وسميت حرما لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها. {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} يحتمل أن الضمير يعود إلى الاثنى عشر شهرا، وأن اللّه تعالى بين أنه جعلها مقادير للعباد، وأن تعمر بطاعته، ويشكر اللّه تعالى على مِنَّتِهِ بها، وتقييضها لمصالح العباد، فلتحذروا من ظلم أنفسكم فيها. ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحرم، وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها، خصوصا مع النهي عن الظلم كل وقت، لزيادة تحريمها، وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها. ومن ذلك النهي عن القتال فيها، على قول من قال: إن القتال في الأشهر الحرام لم ينسخ تحريمه عملا بالنصوص العامة في تحريم القتال فيها. ومنهم من قال: إن تحريم القتال فيها منسوخ، أخذا بعموم نحو قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} أي: قاتلوا جميع أنواع المشركين والكافرين برب العالمين. ولا تخصوا أحدًا منهم بالقتال دون أحد، بل اجعلوهم كلهم لكم أعداء كما كانوا هم معكم كذلك، قد اتخذوا أهل الإيمان أعداء لهم، لا يألونهم من الشر شيئًا. ويحتمل أن {كَافَّةً} حال من الواو فيكون معنى هذا: وقاتلوا جميعكم المشركين، فيكون فيها وجوب النفير على جميع المؤمنين. وقد نسخت على هذا الاحتمال بقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} الآية. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} بعونه ونصره وتأييده، فلتحرصوا على استعمال تقوى اللّه في سركم وعلنكم والقيام بطاعته، خصوصا عند قتال الكفار، فإنه في هذه الحال، ربما ترك المؤمن العمل بالتقوى في معاملة الكفار الأعداء المحاربين.
قوله تعالى : ( إن عدة الشهور ) أي : عدد الشهور ، ( عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ) وهي المحرم وصفر وربيع الأول وشهر ربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة .
وقوله : ( في كتاب الله ) أي : في حكم الله .
وقيل : في اللوح المحفوظ .
قرأ أبو جعفر : اثنا عشر ، وتسعة عشر ، وأحد عشر ، بسكون الشين ، وقرأ العامة بفتحها ، ( يوم خلق السماوات والأرض ) والمراد منه : الشهور الهلالية ، وهي الشهور التي يعتد بها المسلمون في صيامهم وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم ، وبالشهور الشمسية تكون السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم ، والهلالية تنقص عن ثلاثمائة وستين يوما بنقصان الأهلة .
والغالب أنها تكون ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما ، ( منها أربعة حرم ) من الشهور أربعة حرم وهي : رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، واحد فرد وثلاثة سرد ، ( ذلك الدين القيم ) أي : الحساب المستقيم .
( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) قيل : قوله " فيهن " ينصرف إلى جميع شهور السنة ، أي : فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل المعاصي وترك الطاعة .
وقيل : " فيهن " أي : في الأشهر الحرم .
قال قتادة : العمل الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم ، والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن ، وإن كان الظلم على كل حال عظيما .
وقال ابن عباس : فلا تظلموا فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن .
قال محمد بن إسحاق بن يسار : لا تجعلوا حلالها حراما ، ولا حرامها حلالا كفعل أهل الشرك وهو النسيء .
( وقاتلوا المشركين كافة ) جميعا عامة ، ( كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ) واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم .
فقال قوم : كان كبيرا ثم نسخ بقوله : ( وقاتلوا المشركين كافة ) كأنه يقول فيهن وفي غيرهن .
وهو قول قتادة ، وعطاء الخراساني ، والزهري ، وسفيان الثوري ، وقالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين ، وثقيفا بالطائف ، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة .
وقال آخرون : إنه غير منسوخ : قال ابن جريج : حلف بالله عطاء بن أبي رباح : ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ، ولا في الأشهر الحرم ، إلا أن يقاتلوا فيها وما نسخت .
«إن عدة الشهور» المعتد بها للسنة «عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله» اللوح المحفوظ «يوم خلق السماوات والأرض منها» أي الشهور «أربعة حرم» محرَّمة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب «ذلك» أي تحريمها «الدين القيم» المستقيم «فلا تظلموا فيهن» أي الأشهر الحرم «أنفسكم» بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزرا وقيل في الأشهر كلها «وقاتلوا المشركين كافة» جميعا في كل الشهور «كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين» بالعون والنصر.
إنّ عدة الشهور في حكم الله وفيما كُتب في اللوح المحفوظ اثنا عشر شهرًا، يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حُرُم؛ حرَّم الله فيهنَّ القتال (هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب) ذلك هو الدين المستقيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم؛ لزيادة تحريمها، وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها، لا أنَّ الظلم في غيرها جائز.
وقاتلوا المشركين جميعًا كما يقاتلونكم جميعًا، واعلموا أن الله مع أهل التقوى بتأييده ونصره.
ثم عادت السورة بعد ذلك إلى تكملة الحديث عن أحوال المشركين السيئة ، وعن وجوب مقاتلتهم ، فقال تعالى .
( إِنَّ عِدَّةَ الشهور .
.
.
.
القوم الكافرين ) .قال صحاب المنار ، هاتان الآيتان عود إلى الكلام فى أحوال المشركين ، وما يشرع من معاملاتهم بعد الفتح ، وسقوط عصبية الشرك ، وكان الكلام قبل هاتين الآيتين - فى قتال أهل الكتاب وما يجب أن ينتهى به من إعطاء الجزية من قبيل الاستطراد ، اقتضاه ما ذكر قبله من أحكام قتال المشركين ومعاملتهم ، وقد ختم الكلام فى أهل الكتاب ببيان حال كثير من رجال الدين الذين أفسدت عليهم دينهم المطامع المالية ، التى هى وسيلة العظمة الدنيوية والشهوات الحيوانية ، وإنذار من كانت هذه حالهم بالعذاب الشديد يوم القيامة وجعل هذا الإِنذار موجهاً إلينا وإليهم جميعاً .
.والعدة - فى قوله .
إن عدة الشهور - : على وزن فعله من العدد وهى بمعنى المعدود .
قال الراغب : العدة : هى الشئ المعدود ، قال - تعالى ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ) أى : وما جعلنا عددهم إلا قتنة للذين كفروا .
.والشهور : جمع شهر .
والمراد بها هنا : الشهور التى تتألف منها السنة القمرية وهى شهور .
المحرم .
وصفر .
وربيع الأول .
.
الخ .وهذه الشهور عليها مدار الأحكام الشرعية ، وبها يعتد المسلمون فى عبادتهم وأعيادهم وسائر أمورهم .والمراد بقوله : ( يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض ) : الوقت الذى خلقهما فيه ، وهو ستة أيام كما جاء فى كثير من الآيات ، ومن ذلك قوله - تعالى - ( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ) والمعنى : إن عدد الشهور ( عِندَ الله ) أى : فى حكمه وقضائه ( اثنا عَشَرَ شَهْراً ) هى الشهور القمرية التى عليها يدور فلك الأحكام الشرعية .وقوله ( فِي كِتَابِ الله ) ، أى : فى اللوح المحفوظ .قال القرطبى : وأعاده بعد أن قال ( عِندَ الله ) لأن كثيراً من الأشياء يوصف بأنه عند الله ، ولا يقال إنه مكتوب فى كتاب الله ، كقوله ( إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ) وقيل معنى ( فِي كِتَابِ الله ) أى فيما كتبه - سبحانه - وأثبته وأوجب على عباده العمل به منذ خلق السماوات والأرض .قال الجمل : وقوله .
( فِي كِتَابِ الله ) صفة لاثنى عشر ، وقوله : ( يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض ) متعلق بما تعلق به الظرف قبله من معنى الثبوت والاستقرار ، أو بالكتاب ، إن جعل مصدرا .والمعنى : أن هذا أمر ثابت فى نفس الأمر منذ خلق الله الأجرام والأزمنة أى : أن المقصود من هذه الآية الكريمة ، بيان أن كون الشهور كذلك حكم أثبته - سبحانه فى اللوح المحفوظ منذ أوجد هذا العالم ، وبينه لأنبيائه على هذا الوضع .
.
فمن الواجب اتباع ترتيب الله لهذه الشهور ، والتزام أحكامها ونبذ ما كان يفعله أهل الجاهلية من تقديم بعض الشهور أو تأخيرها أو الزيادة عليها ، أو انتهاك حرمة المحرم منها .وقوله : ( حُرُمٌ ) جمع حرام - كسحب جمع سحاب - مأخوذ من الحرمة وذلك لأن الله تعالى - أوجب على الناس احترام هذه الشهور ، ونهى عن القتال فيها :وقد أجمع العلماء على أن المراد بها ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ، وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم .فقد أخرج البخارى عن أبى بكر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فى خطبة حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم .
ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان " .وسماه - صلى الله عليه وسلم - رجب مبضر ، لأن بنى ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجباً وكانت قبيلة مضر تحرم رجباً نفسه ، لذا قال - صلى الله عليه وسلم - فيه " ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان " .قال ابن كثير .
وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة : ثلاث سرد .
وواحد فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل الحج شهراً وهو ذو القعدة يقعدون فيه عن القتال وحرم شهر ذى الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ، ويشتغلون بأداء المناسك ، وحرم بعده شهرا آخر هو المحرم ، ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين ، وحرم رجب فى وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب ، فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنا .واسم الإِشارة فى قوله : ( ذلك الدين القيم ) يعود إلى ما شعره الله - تعالى - من أن عدة الشهور أئنا عشر شهراً ، ومن أن منها أربعة حرم .والقيم : القائم الثابت المستقيم الذى لا التواء فيه ولا اعوجاج أى : ذلك الذى شرعناه لكم من كون عدة الشهور كذلك ، ومن كون منها أربعة حرم : هو الدين القويم ، والشرع الثابت الحكيم ، الذى لا يقبل التغيير أو التبديل .
.
لا ما شرعه أهل الجاهلية لأنفسهم من تقديم بعض الشهور وتأخير بعضها استجابة لأهوائهم وشهواتهم ، وإرضاء لزعمائهم وسادتهم .والضمير المؤنث فى قوله ( فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) يرى ابن عباس أنه يعود على جميع الشهور أى : فلا تظلموا فى الشهور الاثنى عشر أنفسهم ، بأن تفعلوا فيها شيئاً مما نهى الله عن فعله ، ويدخل فى هذا النهى هتك حرمة الأشهر الأربعة الحرم دخولا أوليا .ويرى جمهور العلماء أن الضمير يعود إلى الأشهر الأربعة الحرم ، لأنه إليها أقرب؛ لأن الله تعالى قد خص هذه الأربعة بمزيد من الاحترام تشريفا لها .وقد رجح ابن جرير ما ذهب إليه الجمهور فقال ما ملخصه : وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب قول من قال : فلا تظلموا فى الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها ، فإن الله عظمها وعظم حرمتها .وعن قتادة : إن الله اصطفى صفيا من خلقه ، اصطفى من الملائكة رسلا ، ومن الناس رسلا ، واصطفى من الكلام ذكره ، واطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم ، واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالى ليلة القدر ، فعظموا ما عظم الله ، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم .
.
فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت ، فقد يكون مباحا لنا ظلم أنفسنا فى غيرهن من سائر شهور السنة .قيل : ليس ذلك كذلك ، بلذلك حرام علينا فى كل وقت ولكن الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر وشرفهم على سائر شهور لاسنة : فخص الذنب فيهن ، بالتعظيم كما خصهن بالتشريف ، وذلك نظير قوله - تعالى - ( حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى ) ولا شك أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله : ( حَافِظُواْ عَلَى الصلوات ) ولم يبح ترك المحافظة عليهن بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى ، ولكنه تعالى - زادها تعظيما ، وعلى المحافظة عليها توكيداً ، وفى تضييعها تشديداً ، فكذلك فى قوله ( مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيم فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) .وقد كانت الجاهلية تعظم هذه الأشهر الحرم وتحرم القتال فيهن ، حتى لو لقى الرجل منهم فيهن قاتل أبيه لم يهجه .وقال القرطبى : لا يقال كيف جعلت بعض الأزمنة أعظم حرمة من بعض فإنا نقول : للبارى - تعالى - أن يفعل ما شاء ، ويخص بالفضيلة ما يشاء ليس لعمله علة ، ولا عليه حجر ، بل يفعل ما ريد بحكمته ، وقد تظهر فيه الحكمة وقد تخفى .وقوله : ( وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ) تحريض للمؤمنين على قتال المشركين بقلوب مجتمعه ، وعزيمة صادقة .وكلمة ( كَآفَّةً ) مصدر فى موضع الحال من ضمير الفاعل فى ( قَاتِلُواْ ) أو من المفعول وهو لفظ المشركين .
ومعناها : جميعا .وقالوا : وهذه الكلمة من الكلمات التى لا تثنى ولا تجمع ولا تدخلها أل ولا تعرب إلا حالا فهى ملزمة للإفراد والتأنيث مثل : عامة وخاصة .أى : قاتلوا - أيها المؤمنون - المشركين جميعا ، كما يقاتلونكم هم جيمعا ، بأن تكونوا فى قتالكم لهم مجتمعين متعاونين متناصرين .
لا مختلفين ولا متخاذيلن .وقوله : ( واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ) تذييل قصد به إرشادهم إلى ما ينفعهم فى قتالهم لأعدائهم بعد أمرهم به .أى : واعلموا - أيها المؤمنون أن الله تعالى - مع عباده المتقين بالعون ولانصر والتأييد ، ومن كان الله معه فلن يغلبه شئ فكونوا - أيها المؤمنين من عباد الله المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل ما نهى عنه؛ لتنالوا عونه وتأدييده .
اعلم أن هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين، وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله، وذلك لأنه تعالى لما حكم في كل وقت بحكم خاص، فإذا غيروا تلك الأحكام بسبب النسئ فحينئذ كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وحسرتهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثني عشر شهراً من الشهور القمرية، والدليل عليه هذه الآية وأيضاً قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ﴾ فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين والحساب، وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر، وأيضاً قال تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ﴾ وعند سائر الطوائف: عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة، والسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بمقدار معلوم، وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة، وفي الصيف أخرى، وكان يشق الأمر عليهم بهذا السبب، وأيضاً إذا حضروا الحج حضروا للتجارة، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف، وكان يخل أسباب تجاراتهم بهذا السبب، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات، واعتبروا السنة الشمسية، وعند ذلك بقي زمان الحج مختصاً بوقت واحد معين موافق لمصلحتهم وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم، فهذا النسئ وإن كان سبباً لحصول المصالح الدنيوية، إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى، لأنه تعالى لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين، وكان بسبب ذلك النسئ، يقع في سائر الشهور تغير حكم الله وتكليفه.
فالحاصل: أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه، فلهذا المعنى استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية.
واعلم أن السنة الشمسية لما كانت زائدة على السنة القمرية جمعوا تلك الزيادة، فإذا بلغ مقدارها إلى شهر جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهراً، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وقال: إن حكم الله أن تكون السنة اثني عشر شهراً لا أقل ولا أزيد، وتحكمهم على بعض السنين، أنه صار ثلاثة عشر شهراً حكم واقع على خلاف حكم الله تعالى، ويوجب تغيير تكاليف الله تعالى، وكل ذلك على خلاف الدين.
واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية، وهذا حكم تورثوه عن إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام فأما عند اليهود والنصارى، فليس كذلك.
ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود والنصارى، فأظهر ذلك في بلاد العرب.
المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب الله بقوله: ﴿ عِدَّةَ الشُّهُورِ ﴾ لأنه يقتضي الفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو قوله: ﴿ اثنا عَشَرَ شَهْراً ﴾ وأنه لا يجوز.
وأقول في إعراب هذه الآية وجوه: الأول: أن نقول قوله: ﴿ عِدَّةَ الشهور ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ اثنا عَشَرَ شَهْراً ﴾ خبر.
وقوله: ﴿ عَندَ الله ﴾ في كتاب الله ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض ﴾ ظروف أبدل البعض من البعض، والتقدير: إن عدة الشهور اثنا عشر شهراً عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.
والفائدة في ذكر هذه الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم الله، وفي كتاب الله من أول ما خلق الله تعالى العالم.
الثاني: أن يكون قوله تعالى: ﴿ فِى كتاب الله ﴾ متعلقاً بمحذوف يكون صفة للخبر تقديره: اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتاب من الكتب، لأنه متعلق بقوله: ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف، فلا تقول: غلامك يوم الجمعة، بل الكتاب هاهنا مصدر.
والتقدير: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله، أي في حكمه الواقع يوم خلق السموات.
والثالث: أن يكون الكتاب اسماً وقوله: ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السموات ﴾ متعلق بفعل محذوف والتقدير: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله كتبه يوم خلق السموات والأرض.
المسألة الثالثة: في تفسير أحكام الآية: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله ﴾ أي في علمه ﴿ اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله ﴾ وفي تفسير كتاب الله وجوه: الأول: قال ابن عباس: إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل، وهو الأصل للكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء عليهم السلام.
الثاني: قال بعضهم: المراد من الكتاب القرآن، وقد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى الله عليه وسلم هي السنة القمرية وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوباً في القرآن.
الثالث: قال أبو مسلم: ﴿ فِى كتاب الله ﴾ أي فيما أوجبه وحكم به، والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب، كقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ﴾ ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ قال القاضي: هذا الوجه بعيد، لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز، ويمكن أن يجاب عنه: بأنه وإن كان مجازاً، إلا أنه مجاز متعارف يقال: إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه.
وأما قوله: ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض ﴾ فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوهاً فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السموات والأرض، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم، وذلك يدل على المبالغة والتأكيد.
وأما قوله: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد، وهو رجب، ومعنى الحرم: أن المعصية فيها أشد عقاباً، والطاعة فيها أكثر ثواباً، والعرب كانوا يعظمونها جداً حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له.
فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة، فما السبب في هذا التمييز؟.
قلنا: إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع، فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة، وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة، وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر، وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة الرسالة.
وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة، فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة، ثم نقول: لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيراً في طهارة النفس، ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيراً في خبث النفس، وهذا غير مستبعد عند الحكماء، ألا ترى أن فيهم من صنف كتباً في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات، وذكروا أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك.
وسئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الصيام أفضل؟
فقال عليه الصلاة والسلام: «أفضله بعد صيام شهر رمضان صيام شهر الله المحرم».
وقال عليه الصلاة والسلام: «من صام يوماً من أشهر الله الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوماً».
وكثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الاْشهر، وفيه فائدة أخرى: وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم، فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام، وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام، حتى أن الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات، وذلك يوجب أنواعاً من الفضائل والفوائد: أحدها: أن ترك تلك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب، لأنه يقل القبائح.
وثانيها: أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سبباً لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقاً.
وثالثها: أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض عن المعاصي فيها، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها سبباً لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات، والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سبباً لاجتنابه عن المعاصي بالكلية، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات وبعض البقاع بمزيد التعظيم والاحترام.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن قوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً ﴾ لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ وعندي أن الأول أولى، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهراً، وكانوا يغيرون مواقع الشهور، والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء، فوجب حمل اللفظ عليه.
البحث الثاني: في تفسير لفظ الدين وجوه: الأول: أن الدين قد يراد به الحساب.
يقال: الكيس من دان نفسه أي حاسبها، والقيم معناه المستقيم فتفسير الآية على هذا التقدير، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفى.
الثاني: قال الحسن: ذلك الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير، فالقيم هاهنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير، الدائم الذي لا يزول، وهو الدين الذي فطر الناس عليه.
الثالث: قال بعضهم: المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام.
وقال القاضي: حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب، لأنه مجاز فيه، ويمكن أن يقال: الأصل في لفظ الدين الانقياد.
يقال: يا من دانت له الرقاب، أي انقادت، فالحساب يسمى ديناً، لأنه يوجب الانقياد، والعدة تسمى ديناً، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب.
قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: الضمير في قوله: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس: أن المراد: فلا تظلموا في الشهور الإثني عشر أنفسكم، والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقاً في جميع العمر.
والثاني: وهو قول الأكثرين: أن الضمير في قوله: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ عائد إلى الأربعة الحرم قالوا: والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه: الأول: أن الضمير في قوله: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ عائد إلى المذكور السابق فوجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ الثاني: أن الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله: ﴿ الحج أَشْهُرٌ معلومات فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضاً، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيهاً على زيادتها في الشرف.
الثالث: قال الفراء: الأولى رجوعها إلى الأربعة، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة ﴿ فِيهِنَّ ﴾ فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها: والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة، ويكنى عن جمع الكثرة، كما يكنى عن واحدة مؤنثة، كما قال حسان بن ثابت: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما قال: يلمعن ويقطرن، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة، ولو جمع جمع الكثرة لقال: تلمع وتقطر، هذا هو الاختيار، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب فقال بهن والسيوف جمع كثرة.
البحث الثاني: في تفسير هذا الظلم أقوال: الأول: المراد منه النسئ الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهر آخر، ويغيرون تكاليف الله تعالى.
والثاني: أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر.
والثالث: أنه نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب، والأقرب عندي حمله على المنع من النسئ، لأن الله تعالى ذكره عقيب الآية.
ثم قال: ﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قال الفراء: ﴿ كَافَّةً ﴾ أي جميعاً، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال فنقول: كافين، أو كافات للنساء ولكنها (كَافَّةً) بالهاء والتوحيد، لأنها وإن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل الخاصة والعامة، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام، لأنها في مذهب قولك قاموا معاً، وقاموا جميعاً.
وقال الزجاج: كافة منصوب على الحال، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع، كما أنك إذا قلت: قاتلوهم عامة، لم تثن ولم تجمع، وكذلك خاصة.
البحث الثاني: في قوله: ﴿ كَافَّةً ﴾ قولان: الأول: أن يكون المراد قاتلوهم بأجمعهم مجتمعين على قتالهم، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة، يريد تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتخاذلوا ولا تتقاطعوا وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء.
والثاني: قال ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم، والقول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر.
البحث الثالث: ظاهر قوله: ﴿ قَاتَلُواْ المشركين كَافَّةً ﴾ إباحة قتالهم في جميع الأشهر، ومن الناس من يقول: المقاتلة مع الكفار محرمة، بدليل قوله: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيم فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي فلا تظلموا فيهن أنفسكم باستحلال القتال والغارة فيهن، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ ﴾ .
ثم قال: ﴿ واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ﴾ يريد مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات والاجتناب عن المحرمات.
قال الزجاج: تأويله أنه ضامن لهم النصر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِى كتاب الله ﴾ فيما أثبته وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصواباً.
وقيل في اللوح: ﴿ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، وواحد فرد وهو رجب.
ومنه قوله عليه السلام في خطبته في حجة الوداع: «ألا إنَّ الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض» والسنة اثنا عشر شهراً: منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرّم.
ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.
والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجّة، وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية، وقد وافقت حجّة الوداع ذا الحجّة، وكان حجّة أبي بكر رضي الله عنه قبلها في ذي القعدة ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أنّ تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ويحرّمون القتال فيها، حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، وسموا رجباً: الأصم ومنصل الأسنة، حتى أحدثت النسيء فغيروا ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ ﴾ في الحرم ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي لا تجعلوا حرامها حلالاً.
وعن عطاء: تالله ما يحلّ للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلاّ أن يقاتلوا، وما نسخت، وعن عطاء الخراساني رضي الله عنه: أحلّت القتال في الأشهر الحرم براءة من الله ورسوله.
وقيل: معناه لا تأتموا فيهن، بياناً لعظم حرمتهن، كما عظم أشهر الحجّ بقوله تعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ الآية [البقرة: 197] وإن كان ذلك محرّماً في سائر الشهور ﴿ كَآفَّةً ﴾ حال من الفاعل أو المفعول ﴿ مَعَ المتقين ﴾ ناصر لهم، حثّهم على التقوى بضمان النصر لأهلها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ ﴾ أيْ مَبْلَغُ عَدَدِها.
﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مَعْمُولُ عِدَّةَ لِأنَّها مَصْدَرٌ.
﴿ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في حُكْمِهِ وهو صِفَةٌ لِاثْنَيْ عَشَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ أوْ بِالكِتابِ إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا والمَعْنى: أنَّ هَذا أمْرٌ ثابِتٌ في نَفْسِ الأمْرِ مُذْ خَلَقَ اللَّهُ الأجْرامَ والأزْمِنَةَ.
﴿ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ واحِدٌ فَرْدٌ وهو رَجَبٌ وثَلاثَةٌ سَرْدٌ ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ.
﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ أيْ تَحْرِيمُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ هو الدِّينُ القَوِيمُ دِينُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ والعَرَبُ ورِثُوهُ مِنهُما.
﴿ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ ﴾ بِهَتْكِ حُرْمَتِها وارْتِكابِ حَرامِها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ فِيها مَنسُوخَةٌ، وأوَّلُوا الظُّلْمَ بِارْتِكابِ المَعاصِي فِيهِنَّ فَإنَّهُ أعْظَمُ وِزْرًا كارْتِكابِها في الحَرَمِ وحالَ الإحْرامِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ وفي الأشْهُرِ الحُرُمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا ويُؤَيِّدُ الأوَّلُ ما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ الطّائِفَ وغَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ في شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ)» .
﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً ﴾ جَمِيعًا وهو مَصْدَرُ كَفَّ عَنِ الشَّيْءِ فَإنَّ الجَمِيعَ مَكْفُوفٌ عَنِ الزِّيادَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ.
﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ بِشارَةٌ وضَمانٌ لَهم بِالنُّصْرَةِ بِسَبَبِ تَقْواهم.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً} من غير زيادة والمراد بيان أن أحكام الشرع تبتنى على الشهور القمرية المحسوبة بالأهلة دون الشمسية
التوبة (٣٦ _ ٣٨)
{فِي كتاب الله} فيما أثبته وأوجبه من حكمه أو في اللوح {يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ثلاثة سرد ذو القعدة للقعود عن القتال وذو الحجة للحج والمحرم لتحريم القتال فيه وواحد فرد وهو رجب لترجيب العرب إياه أي لتعظيمه {ذلك الدين القيم} أي الدين المستقيم لا ما يفعله أهل الجاهلية يعني أن تحريم الأربعة الأشهر هو الدين المستقيم ودين إبراهيم وإسماعيل وكانت العرب تمسكت به فكانوا يعظمونها ويحرمون القتال فيها حتى أحدثت النسيء فغيروا {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ} في الحرم أو في الاثني عشر {أَنفُسَكُمْ} بارتكاب المعاصي {وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً} حال من الفاعل أو المفعول {كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً} جميعاً {واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} أي ناصر لهم حثهم على التقوى بضمان النصرة لاهلها
﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ ﴾ أيْ: مَبْلَغَ عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا ﴾ وهي الشُّهُورُ القَمَرِيَّةُ المَعْلُومَةُ إذْ عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿ فِي كِتابِ اللَّهِ ﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
وقِيلَ: فِيما أثْبَتَهُ وأوْجَبَ عَلى عِبادِهِ الأخْذَ بِهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ لِأنَّ فِيهِ آياتٌ تَدُلُّ عَلى الحِسابِ ومَنازِلِ القَمَرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أيْ في ابْتِداءِ إيجادِ هَذا العالَمِ، وهَذا الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما في كِتابِ اللَّهِ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ الدّالِّ عَلَيْهِ بِمَنطُوقِهِ أوْ بِمُتَعَلِّقِهِ أوْ بِالكِتابِ إنْ كانَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الكِتابَةِ، والمُرادُ أنَّهُ في ابْتِداءِ ذَلِكَ كانَتْ عِدَّتُها ما ذُكِرَ وهي الآنَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، و ﴿ فِي كِتابِ اللَّهِ ﴾ صِفَةُ ﴿ اثْنا عَشَرَ ﴾ وهي خَبَرُ ( إنَّ ) و( عِنْدَ ) مَعْمُولُ ( عِدَّةَ ) لِأنَّها مَصْدَرٌ كالشَّرِكَةِ و( شَهْرًا ) تَمْيِيزٌ مُؤَكِّدٌ كَما في قَوْلِكَ: عِنْدِي مِنَ الدَّنانِيرِ عِشْرُونَ دِينارًا، وما يُقالُ: إنَّهُ لِرَفْعِ الإبْهامِ إذْ لَوْ قِيلَ: عِدَّةُ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ سَنَةً لَكانَ كَلامًا مُسْتَقِيمًا لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عَلى ما قِيلَ، وانْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الشُّهُورُ في ابْتِداءِ الدُّنْيا كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ ﴾ ونَحْوِهِ ولا مانِعَ مِنهُ فَإنَّهُ أحْسَنُ مِنَ الزِّيادَةِ المَحْضَةِ، ولَمْ يُجَوِّزُوا تَعَلُّقَ ( في كِتابٍ ) بِعِدَّةٍ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا أُخْبِرَ عَنْهُ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ بَدَلًا مِن ( عِنْدَ اللَّهِ ) وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِخَبَرِ العامِلِ في المُبْدَلِ، وجَوَّزَ بَعْضٌ أنْ يَجْعَلَ ﴿ اثْنا عَشَرَ ﴾ مُبْتَدَأً و( عِنْدَ ) خَبَرًا مُقَدَّمًا والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أوْ إنَّ الظَّرْفَ لِاعْتِمادِهِ عَمِلَ الرَّفْعَ في ( اثْنا عَشَرَ )، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لاثْنا عَشَرَ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً وضَمِيرُ ( مِنها ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِاثْنا عَشَرَ، وهَذِهِ الأرْبَعَةُ ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ، واخْتُلِفَ في تَرْتِيبِها فَقِيلَ: أوَّلُها المُحَرَّمُ وآخِرُها ذُو الحِجَّةِ فَهي مِن شُهُورِ عامٍ، وظاهِرُ ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَقْتَضِيهِ.
وقِيلَ: أوَّلُها رَجَبٌ فَهي مِن عامَيْنِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ فَهو اليَوْمُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وإنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ أوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرٍ بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ»“ .
وقِيلَ: أوَّلُها ذُو القِعْدَةِ وصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِتَوالِيها، وأخْرَجَ الشَّيْخانِ «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ ورَجَبُ مُضَرَ» الحَدِيثَ وأُضِيفَ رَجَبٌ إلَيْهِمْ لِأنَّ رَبِيعَةَ كانُوا يُحَرِّمُونَ رَمَضانَ ويُسَمُّونَهُ رَجَبًا ولِهَذا بَيَّنَ في الحَدِيثِ بِما بَيَّنَ.
وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّها عَلى التَّرْتِيبِ الأوَّلِ مِن شُهُورِ عامٍ وعَلى الثّانِي مِن شُهُورِ عامَيْنِ إنَّما يَتَمَشّى عَلى أنَّ أوَّلَ السَّنَةِ المُحَرَّمُ وهو إنَّما حَدَثَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ يُؤَرَّخُ قَبْلَهُ بِعامِ الفِيلِ وكَذا بِمَوْتِ هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ ثُمَّ أُرِّخَ بِصَدْرِ الإسْلامِ بِرَبِيعٍ الأوَّلِ وعَلى هَذا التّارِيخِ يَكُونُ الأمْرُ عَلى عَكْسِ ما ذُكِرَ ولَمْ يُبَيِّنْ هَذا القائِلُ ما أوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ العَرَبِ قَبْلَ الفِيلِ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ أوَّلَ الشُّهُورِ المُحَرَّمُ عِنْدَهُ مِن قَبْلُ أيْضًا إلّا أنَّ عِنْدَهم في اليَمَنِ والحِجازِ تَوارِيخَ كَثِيرَةً يَتَعارَفُونَها خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ولَعَلَّها كانَتْ بِاعْتِبارِ حَوادِثَ وقَعَتْ في الأيّامِ الخالِيَةِ، وأنَّهُ لَمّا هاجَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اتَّخَذَ المُسْلِمُونَ هِجْرَتَهُ مَبْدَأ التّارِيخِ وتَناسَوْا ما قَبْلَهُ وسَمَّوْا كُلَّ سَنَةٍ أتَتْ عَلَيْهِمْ بِاسْمِ حادِثَةٍ وقَعَتْ فِيها كَسَنَةِ الإذْنِ، وسَنَةِ الأمْرِ، وسَنَةِ الِابْتِلاءِ وعَلى هَذا المِنوالِ إلى خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَسَألَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ وقالَ: هَذا يَطُولُ ورُبَّما يَقَعُ في بَعْضِ السِّنِينَ اخْتِلافٌ وغَلَطٌ فاخْتارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عامَ الهِجْرَةِ مَبْدَأً مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ السِّنِينَ بِما وقَعَ فِيها فاسْتَحْسَنَتِ الصَّحابَةُ رَأْيَهُ في ذَلِكَ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ البُخارِيِّ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ كَتَبَ إلَيْهِ: إنَّهُ يَأْتِينا مِن أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كُتُبٌ لا نَدْرِي بِأيِّها نَعْمَلُ، وقَدْ قَرَأْنا صَكًّا مَحَلُّهُ شَعْبانُ فَلَمْ نَدْرِ أيَّ الشَّعْبانَيْنِ الماضِي أمِ الآتِي.
وقِيلَ: إنَّهُ هو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَفَعَ إلَيْهِ صَكَّ مَحِلِّهِ شَعْبانَ فَقالَ: أيُّ شَعْبانَ هُوَ؟
ثُمَّ قالَ: إنَّ الأمْوالَ قَدْ كَثُرَتْ فِينا وما قَسَّمْناهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فَكَيْفَ التَّوَصُّلُ إلى ضَبْطِهِ؟
فَقالَ لَهُ مَلِكُ الأهْوازِ وكانَ قَدْ أُسِرَ وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ: إنَّ لِلْعَجَمِ حِسابًا يُسَمُّونَهُ ماهُرُوزَ يُسْنِدُونَهُ إلى مَن غَلَبَ مِنَ الأكاسِرَةِ ثُمَّ شَرَحَهُ لَهُ وبَيَّنَ كَيْفِيَّتَهُ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ضَعُوا لِلنّاسِ تارِيخًا يَتَعامَلُونَ عَلَيْهِ وتَضْبُطُ أوْقاتَهُمْ، فَذَكَرُوا لَهُ تارِيخَ اليَهُودِ فَما ارْتَضاهُ، والفُرْسِ فَما ارْتَضاهُ، فاسْتَحْسَنُوا الهِجْرَةَ تارِيخًا.
انْتَهى.
وما ذُكِرَ مِن أنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ في صَدْرِ الإسْلامِ بِرَبِيعٍ الأوَّلِ فِيهِ إجْمالٌ، ويَتَّضِحُ المُرادُ مِنهُ بِما في النِّبْراسِ مِن أنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَنَةِ القُدُومِ وبِأوَّلِ شَهْرٍ مِنها، وهو رَبِيعٌ الأوَّلُ عَلى الأصَحِّ فَلْيُفْهَمْ، والشَّهْرُ عِنْدَهم يَنْقَسِمُ إلى شَرْعِيٍّ وحَقِيقِيٍّ، واصْطِلاحِيٍّ؛ فالشَّرْعِيُّ مُعْتَبَرٌ بِرُؤْيَةِ الهِلالِ بِالشَّرْطِ المَعْرُوفِ في الفِقْهِ، وكانَ أوَّلُ هِلالِ المُحَرَّمِ في التّارِيخِ الهِجْرِيِّ لَيْلَةَ الخَمِيسِ، كَما اعْتَمَدَهُ يُونُسُ الحاكِمِيُّ المِصْرِيُّ وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى الحِسابِ، وأمّا بِاعْتِبارِ الرُّؤْيَةِ فَقَدْ حَرَّرَ ابْنُ الشّاطِرِ أنَّ هِلالَهُ رُئِيَ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، والحَقِيقِيُّ مُعْتَبَرٌ مِنِ اجْتِماعِ القَمَرِ مَعَ الشَّمْسِ في نُقْطَةِ وعُودِهِ بَعْدَ المُفارَقَةِ إلى ذَلِكَ ولا دَخْلَ لِلْخُرُوجِ مِن تَحْتِ الشُّعاعِ إلّا في إمْكانِ الرُّؤْيَةِ بِحَسَبِ العادَةِ الشّائِعَةِ، قِيلَ: ومُدَّةُ ما ذُكِرَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا ومِائَةٌ وأحَدٌ وتِسْعُونَ جُزْءًا مِن ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا لِلْيَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، وتَكُونُ السَّنَةُ القَمَرِيَّةُ ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا وخُمُسَ يَوْمٍ وسُدُسَهُ وثانِيَةً وذَلِكَ إحْدى عَشَرَ جُزْءًا مِن ثَلاثِينَ جُزْءًا مِنَ اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، وإذا اجْتَمَعَ مِن هَذِهِ الأجْزاءِ أكْثَرُ مِن نِصْفِ عَدْوِهِ يَوْمًا كامِلًا وزادُوهُ في الأيّامِ، وتَكُونُ تِلْكَ السَّنَةُ حِينَئِذٍ كَبِيسَةً وتَكُونُ أيّامُها ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، ولَمّا كانَتِ الأجْزاءُ السّابِقَةُ أكْثَرَ مِن نِصْفٍ جَبَرُوها بِيَوْمٍ كامِلٍ، واصْطَلَحُوا عَلى جَعْلِ الأشْهُرِ شَهْرًا كامِلًا وشَهْرًا ناقِصًا فَهَذا هو الشَّهْرُ الِاصْطِلاحِيُّ، فالمُحَرَّمُ في اصْطِلاحِهِمْ ثَلاثُونَ يَوْمًا وصَفَرُ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ، وهَكَذا إلى آخِرِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ الأفْرادُ مِنها ثَلاثُونَ وأوَّلُها المُحَرَّمُ والأزْواجُ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ وأوَّلُها صَفَرٌ إلّا ذا الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الكَبِيسَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِاصْطِلاحِهِمْ عَلى جَعْلِ ما زادُوهُ في أيّامِ السَّنَةِ الكَبِيسَةِ في ذِي الحِجَّةِ آخِرَ السَّنَةِ.
وحَيْثُ كانَ مَدارُ الشَّهْرِ الشَّرْعِيِّ عَلى الرُّؤْيَةِ اخْتَلَفَتِ الأشْهُرُ فَكانَ بَعْضُها ثَلاثِينَ وبَعْضُها تِسْعَةً وعِشْرِينَ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ رَمَضانُ وذُو الحِجَّةِ» مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى لا يَنْقُصُ أجْرُهُما والثَّوابُ المُرَتَّبُ عَلَيْهِما، وإنْ نَقَصَ عَدَدُهُما، وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَنْقُصانِ جَمِيعًا في سَنَةٍ واحِدَةٍ غالِبًا، وقِيلَ: لا يَنْقُصُ ثَوابُ ذِي الحِجَّةِ عَنْ ثَوابِ رَمَضانَ حَكاهُ الخَطّابِيُّ وهو ضَعِيفٌ، والأوَّلُ كَما قالَ النَّوَوِيُّ هو الصَّوابُ المُعْتَمَدُ ( ذَلِكَ ) أيْ: تَحْرِيمُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ لِكَوْنِ العِدَّةِ كَذَلِكَ، ورَجَّحَهُ الإمامُ بِأنَّهُ كَوْنُها أرْبَعَةً مُحَرَّمَةً مُسَلَّمٌ عِنْدَ الكُفّارِ وإنَّما القَصْدُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في النَّسِيءِ والزِّيادَةِ عَلى العِدَّةِ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ التَّفْرِيعَ الآتِيَ يَقْتَضِيهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مَجْمُوعِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ والتَّفْرِيعُ لا يَأْبى ذَلِكَ ﴿ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ دِينُ إبْراهِيمَ، وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ تَمَسَّكَتْ بِهِ وِراثَةً مِنهُما، وكانُوا يُعَظِّمُونَ الأشْهُرَ الحُرُمَ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ يَلْقى فِيها قاتِلَ أبِيهِ وأخِيهِ فَلا يَهْجُوهُ ويُسَمُّونَ رَجَبَ الأصَمَّ ومُنْصِلَ الأسِنَّةِ حَتّى أحْدَثُوا النَّسِيءَ فَغَيَّرُوا، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ ( الدِّينُ ) الحُكْمُ والقَضاءُ ومِنَ ( القَيِّمُ ) الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: الدِّينُ هُنا بِمَعْنى الحِسابِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ» أيْ ذَلِكَ الحِسابُ المُسْتَقِيمُ والعَدَدُ الصَّحِيحُ المُسْتَوِي لا ما تَفْعَلُهُ العَرَبُ مِنَ النَّسِيءِ واخْتارَ ذَلِكَ الطَّبَرَسِيُّ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ الإشارَةُ لِما رَجَّحَهُ الإمامُ ﴿ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ ﴾ بِهَتْكِ حُرْمَتِهِنَّ وارْتِكابِ ما حُرِّمَ فِيهِنَّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأشْهُرِ الحُرُمِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ واخْتارَهُ الفَرّاءُ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الشُّهُورِ كُلِّها أيْ فَلا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم في جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ بِفِعْلِ المَعاصِي وتَرْكِ الطّاعاتِ أوْ لا تَجْعَلُوا حَلالَها حَرامًا وحَرامَها حَلالًا كَما فَعَلَ أهْلُ الشِّرْكِ ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والعُدُولُ عَنْ ”فِيها“ الأوْفَقُ بِـ ”مِنها“ إلى ( فِيهِنَّ ) مُؤَيِّدٌ لِما عَلَيْهِ الأكْثَرُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ فِيهِنَّ مَنسُوخَةٌ وأنَّ الظُّلْمَ مُؤَوَّلٌ بِارْتِكابِ المَعاصِي، وتَخْصِيصُها بِالنَّهْيِ عَنِ ارْتِكابِ ذَلِكَ فِيها مَعَ أنَّ الِارْتِكابَ مَنهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا لِتَعْظِيمِها ولِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يُمَيِّزَ بَعْضَ الأوْقاتِ عَلى بَعْضٍ، فارْتِكابُ المَعْصِيَةِ فِيهِنَّ أعْظَمُ وِزْرًا كارْتِكابِها في الحَرَمِ وحالَ الإحْرامِ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ أنَّ يَغْزُوا في الحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا، واسْتَثْنى هَذا لِأنَّهُ لِلدَّفْعِ فَلا يُمْنَعُ مِنهُ بِالِاتِّفاقِ أوْ لِأنَّ هَتْكَ الحُرْمَةِ في ذَلِكَ لَيْسَ مِنهم بَلْ مِنَ البادِي.
ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالنَّسْخِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ الطّائِفَ وغَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ في شَوّالٍ، وذِي القِعْدَةِ سَنَةَ ثَمانٍ ﴿ وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً ﴾ أيْ جَمِيعًا، واشْتُهِرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَنْكِيرِهِ ونَصْبِهِ عَلى الحالِ وكَوْنِ ذِي الحالِ مِنَ العُقَلاءِ، وخَطَّئُوا الزَّمَخْشَرِيَّ في قَوْلِهِ في خُطْبَةِ المُفَصَّلِ: مُحِيطًا بِكافَّةِ الأبْوابِ ومُخَطِّؤُهُ هو المُخْطِئُ لِأنّا إذا عَلِمْنا وضْعَ لَفْظٍ لِمَعْنًى عامٍّ بِنَقْلٍ مِنَ السَّلَفِ وتَتَبُّعٍ لِمَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ في كَلامِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ ورَأيْناهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ عَلى حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الإعْرابِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ جازَ لَنا عَلى ما هو الظّاهِرُ أنْ نُخْرِجَهُ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ لِأنّا لَوِ اقْتَصَرْنا في الألْفاظِ عَلى ما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ العارِبَةُ والمُسْتَعْرِبَةُ نَكُونُ قَدْ حَجَرْنا الواسِعَ وعَسُرَ التَّكَلُّمُ بِالعَرَبِيَّةِ عَلى مَن بَعْدَهُمْ، ولَمّا لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَمّا وُضِعَ لَهُ فَهو حَقِيقَةٌ فَكافَّةٌ، وإنِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ مُنَكَّرًا مَنصُوبًا في النّاسِ خاصَّةً يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا بِوُجُوهِ الإعْرابِ في النّاسِ وغَيْرِهِمْ وهو في كُلِّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْناهُ الَّذِي وضَعُوهُ لَهُ وهو مَعْنى الجَمِيعِ، ومُقْتَضى الوَضْعِ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ ما ذُكِرَ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا جاهِلٌ أوْ مُكابِرٌ، عَلى أنَّهُ ورَدَ في كَلامِ البُلَغاءِ عَلى ما ادَّعَوْهُ، فَفي كِتابِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِآلِ بَنِي كاكِلَةَ: قَدْ جَعَلْتُ لِآلِ بَنِي كاكِلَةَ عَلى كافَّةِ بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ لِكُلِّ عامٍ مِائَتَيْ مِثْقالٍ عَيْنًا ذَهَبًا إبْرِيزًا، وهَذا كَما في ”شَرْحِ المَقاصِدِ“ مِمّا صَحَّ، والخَطُّ كانَ مَوْجُودًا في آلِ بَنِي كاكِلَةَ إلى قَرِيبِ هَذا الزَّمانِ بِدِيارِ العِراقِ، ولَمّا آلَتِ الخِلافَةُ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عُرِضَ عَلَيْهِ فَنَفَّذَ ما فِيهِ لَهم وكَتَبَ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ: ”لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ“ أنا أوَّلُ مَن تَبِعَ أمْرًا مِنَ الإسْلامِ ونَصَرَ الدِّينَ والأحْكامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ورُسِمَتْ بِمِثْلِ ما رُسِمَ لِآلِ بَنِيَ كاكِلَةَ في كُلِّ عامٍ مِائَتَيْ دِينارٍ ذَهَبًا إبْرِيزًا، واتَّبَعْتُ أثَرَهُ وجَعَلْتُ لَهم مِثْلَ ما رَسَمَ عُمَرُ إذْ وجَبَ عَلَيَّ وعَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ اتِّباعُ ذَلِكَ.
كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
فانْظُرْ كَيْفَ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مَعْرِفَةً غَيْرَ مَنصُوبَةٍ لِغَيْرِ العُقَلاءِ وهو مَن هو في الفَصاحَةِ، وقَدْ سَمِعَهُ مِثْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولَمْ يُنْكِرْهُ وهو واحِدُ الأحَدِينَ، فَأيُّ إنْكارٍ واسْتِهْجانٍ يُقْبَلُ بَعْدُ.
فَقَوْلُهُ في ”المُغْنِي“: - كافَّةً - مُخْتَصٌّ بِمَن يَعْقِلُ ووَهِمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ ﴾ إذْ قَدَّرَ كافَّةً نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِسالَةً كافَّةً لِأنَّهُ أضافَ إلى اسْتِعْمالِهِ فِيما لا يَعْقِلُ إخْراجَهُ عَمّا التُزِمَ فِيهِ مِنَ الحالِ كَوَهْمِهِ في خُطْبَةِ المُفَصَّلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وإذا جازَ تَعْرِيفُهُ بِالإضافَةِ جازَ بِالألِفِ واللّامِ أيْضًا ولا عِبْرَةَ بِمَن خَطَّأ فِيهِ كَصاحِبِ القامُوسِ وابْنِ الخَشّابِ، وهو عِنْدَ الأزْهَرِيِّ مَصْدَرٌ عَلى فاعِلَةٍ كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ رِوايَةٍ وعَلامَةٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الرّاغِبُ، ونُقِلَ أنَّ المَعْنى هُنا: قاتِلُوهم كافِّينَ لَهم كَما يُقاتِلُونَكم كافِّينَ لَكم، وقِيلَ: مَعْناهُ جَماعَةً، وقِيلَ لِلْجَماعَةِ الكافَّةِ كَما يُقالُ لَهُمُ الوَزَعَةُ لِقُوَّتِهِمْ بِاجْتِماعِهِمْ، وِتاؤُهُ كَتاءِ جَماعَةٍ، والحاصِلُ أنَّهم رِوايَةً ودِرايَةً لَمْ يُصِيبُوا فِيما التَزَمُوهُ مِن تَنْكِيرِهِ ونَصْبِهِ واخْتِصاصِهِ بِالعُقَلاءِ، وأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أصْلِهِ هَلْ هو مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الكَفِّ وأنَّ تاءَهُ هَلْ هي لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِلتَّأْنِيثِ، ثُمَّ إنَّهم تَصَرَّفُوا فِيهِ واسْتَعْمَلُوهُ لِلتَّعْمِيمِ بِمَعْنى جَمِيعًا وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الأكْثَرُونَ ما في الآيَةِ قالُوا: وهو مَصْدَرُ كَفَّ عَنِ الشَّيْءِ، وإطْلاقُهُ عَلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَكْفُوفٌ عَنِ الزِّيادَةِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَكُفُّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ أوِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ، وهو حالٌ إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ، فَمَعْنى قاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً لا يَتَخَلَّفُ أحَدٌ مِنكم عَنْ قِتالِهِمْ أوْ لا تَتْرُكُوا قِتالَ واحِدٍ مِنهم، وكَذا في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ عَلى أنَّ القِتالَ فَرْضُ عَيْنٍ.
وقِيلَ: وهو كَذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ وأنْكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ( ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ ) بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ فاتَّقُوا لِتَفُوزُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ سُبْحانَهُ فَهو إرْشادٌ لَهم إلى ما يَنْفَعُهم في قِتالِهِمْ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ مَعَكم بِالنَّصْرِ والإمْدادِ فِيما تُباشِرُونَهُ مِنَ القِتالِ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرَ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى وحَثًّا لِلْقاصِرِينَ عَلى ذَلِكَ وإيذانًا بِأنَّهُ المَدارُ في النَّصْرِ، وقِيلَ: هي بِشارَةٌ وضَمانٌ لَهم بِالنُّصْرَةِ بِسَبَبِ تَقْواهم كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّعْلِيقُ بِالمُشْتَقِّ، وما ذَكَرْناهُ نَحْنُ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى فِيهِ أعَمُّ مِنَ الأحْداثِ والدَّوامِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ، فأعلم الله تعالى أن عدة الشهور للمسلمين التي يعدون: اثنا عشر شهرا على منازل القمر، فجعل حجهم وأعيادهم وصيامهم على هذا العدد.
فالحج والصوم يكون مرة في الشتاء، ومرة في الصيف.
وكانت أعياد أهل الكتاب في متعبداتهم، وسنتهم على حساب دوران الشمس على كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، فجعل شهور المسلمين بالأهلة، كما قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: 189] ويقال: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ، يعني: عدد الشهور التي وجبت عليكم الزكاة فيها اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ، يعني: في اللوح المحفوظ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، كتبها عليكم.
مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، يعني: رجب وذا القعدة وذا الحجة والمحرم.
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، يعني: ذلك الحساب المستقيم، لا يزاد ولا ينقص.
وقال مقاتل بن حبان: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني: ذلك القضاء البيِّن، وهكذا قال الضحاك.
ثم قال: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، قال بعضهم: في الأربعة أشهر، وقال قتادة: الظلم في الشهر الحرام أعظم وزراً مما سوى ذلك، وإنْ كان الظلم على كل حال غير جائز، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء.
ويقال: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، يعني: في هذه الاثني عشر شهراً، ويقال: هو على وجه التقديم: إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً، فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ، منها أربعة حرم، يعني: وخاصة في الأربعة أشهر.
ثم قال: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، يعني: جميعاً في الشهر الحرام وغيره.
وكان القتال في الشهر الحرام محرماً، فنسخ بهذه الآية وصار مباحاً في جميع الشهور.
وقال بعضهم: هو غير مباح، ومعنى هذه الآية: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً إن قاتلوكم في الشهر الحرام، وإن لم يقاتلوكم فلا يجوز.
والقول الأول أصح، لأن النبيّ قد حاصر الطائف في الشهر الحرام، ثم فتحها بعد ما مضى الشهر الحرام، فلو كان القتال حراماً لم يحاصرهم في الشهر الحرام.
ثم قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، يعني: معينهم وناصرهم.
<div class="verse-tafsir"
مَنَعُوهُمْ حَتَّى يَجُوعُوا وَيَعْرَوْا وَيَجْهَدُوا، حَاسَبَهُمُ اللَّهُ حِسَاباً شَدِيداً، وعَذَّبَهُمْ عَذَاباً نُكْراً» انتهى «١» .
وقوله سبحانه: فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ ...
الآية: قال ابنُ مَسْعود: واللَّه، لاَ يَمَسُّ دينارٌ ديناراً، بل يُمَدُّ الجلدُ حتى يكوَى بكلِّ دينار، وبكلِّ درهم «٢» قال الفخر «٣» : قال أبو بكر الوَرَّاقُ: وخُصَّتْ هذه المواضعُ بالذكْرِ لأن صاحِب المال، إِذا رأى الفقيرَ، قَبَضَ جبينه، وإِذا جلَس إِلى جَنْبه، تباعد عَنْه، وولاَّه ظَهْره.
انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ، هذه الآيةُ والتي بعدها تتضمَّن ما كانت العربُ عليه في جاهليَّتها من تحريم شُهُورِ الحلِّ، وتحليلِ شهورِ الحُرْمَةَ، وإِذا نصَّ ما كانت العرب تفعله، تبيَّن معنى الآيات، فالذي تظاهرَتْ به الرواياتُ، ويتخلَّص من مجموع ما ذَكَره النَّاسُ: أن العرب كانَتْ لا عَيْشَ لأكْثَرها إِلا من الغارات وإِعمالِ سِلاَحِها، فكانوا إِذا توالَتْ عليهم حُرْمَةُ الأشهر الحُرُمِ، صَعُبَ عليهم، وأَمْلقوا «٤» / وكان بنو فُقَيْمٍ من كِنانة أهْلَ دينٍ في العرب، وتَمَسُّكٍ بشرعِ إبراهيمَ عليه السلام، فانتدب منهم القلمس، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ، فنَسِيَ الشهورَ للعربِ، ثم خَلَفَهُ عَلَى ذلك بنوه، وذكر الطبريُّ وغيره أن الأمر كان في عدوانٍ قبل بني مالكِ بن كنانةً، وكانتْ صورة فعلهم: أن العرب كانَتْ إِذا فرغَتْ من حَجِّها، جاء إِليه مَنْ شاء منهم مجتمعين، فقالوا: أَنْسَانَا شَهْراً، أيْ: أخّرْ عنا حرمةَ المُحَرَّم، فاجعلها في صَفَرٍ، فيحلُّ لهم المُحَرَّمَ، فيغيرون فيه، ثم يلتزمُونَ حُرْمَةَ صَفَرٍ ليوافقوا عدَّة الأشهرِ الحُرُمِ الأربعة قال مجاهد: ويسمُّون ذلك الصَّفَرَ المُحرَّم، ثم يسمعون ربيعاً الأوَّل صفراً وربيعاً الآخِرَ ربيعاً الأَوَّل، وهكذا في سائِرِ الشهورِ، وتجيء السنةُ مِنْ ثلاثة عشر شهرا أولها: المحرّم
المُحَلَّل، ثم المحرَّم الذي هو في الحقيقة صَفَرٌ «١» ، وفي هذا قال اللَّهُ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً، أيْ: ليستْ ثلاثةَ عَشَرَ، ثم كانَتْ حِجَّةُ أبي بَكْرٍ في ذي القَعْدة حقيقةً، وهم يسمُّونه ذَا الحِجَّة، ثم حَجَّ رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم سَنَةَ عَشْرٍ في ذي الحِجَّة حقيقةً، فذلك قوله عليه السلام: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ استدار كَهَيْئتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السموات وَالأَرْضِ السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّة، والمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان» «٢» .
وقوله في كِتابِ اللَّهِ، أَيْ: فيما كتبه، وأثبته في اللَّوْحِ المحفوظ، أو غيرِهِ، فهي صفةُ فِعْلٍ مثل خَلْقِهِ وَرِزْقِهِ، وليستْ بمعنى قضاءه وتقديره لأن تلكَ هي قَبْلَ خلْق السموات والأرض.
وقوله سبحانه: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: نصٌّ على تفضيلِ هذه الأربعة وتشريفها، قال قتادة: «اصطفى اللَّه مِنَ الملائكةِ والبَشَرِ رُسُلاً، ومِنَ الشَهور المُحَرَّمَ ورمَضَانَ، ومِنَ البُقَعِ المساجَدِ، ومِنَ الأيام الجمعةَ، ومِنَ الليالِي ليلةَ القَدْرِ، ومِنَ الكلام ذِكْرُهُ، فينبغي أَنْ يعظَّم ما عَظَّمُ اللَّه» «٣» .
وقوله سبحانه: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، قالتْ فرقة: معناه: الحسابُ المُسْتَقيم، وقال ابن عباس، فيما حكى المَهْدَوِيُّ: معناه: القضاء المستقيم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ مِن أجْلِ النَّسِيءِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، فَرُبَّما وقَعَ حَجَّهم في رَمَضانَ، ورُبَّما وقَعَ في شَوّالَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وكانُوا يَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ عامًا، ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ صَفَرُ، وتارَةً يُحَرِّمُونَ المُحَرَّمَ ويَسْتَحِلُّونَ صَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ عَدَدَ شُهُورِ المُسْلِمِينَ الَّتِي تُعُبِّدُوا بِأنْ يَجْعَلُوهُ لِسَنَتِهِمُ: اثْنا عَشَرَ شَهْرًا عَلى مَنازِلِ القَمَرِ؛ فَجُعِلَ حَجُّهم وأعْيادُهم عَلى هَذا العَدَدِ، فَتارَةً يَكُونُ الحَجُّ والصَّوْمُ في الشِّتاءِ، وتارَةً في الصَّيْفِ، بِخِلافِ ما يَعْتَمِدُهُ أهْلُ الكِتابِ، فَإنَّهم يَعْمَلُونَ عَلى أنَّ السَّنَةَ ثَلاثُمِائَةِ يَوْمٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا وبَعْضُ يَوْمٍ.
وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ "عَيْنِ اثْنا عَشَرَ" .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: اثْنا عَشَرَ، وأحَدَ عَشَرَ، وتِسْعَةَ عَشَرَ، بِسُكُونِ العَيْنِ فِيهِنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كِتابِ اللَّهِ ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الإمامِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ كُتُبُهُ ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: إنَّما سَمّاها حَرَمًا لِمَعْنَيَيْنِ.
أحَدُهُما: تَحْرِيمُ القِتالِ فِيها، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ أيْضًا.
والثّانِي: لَتَعْظِيمُ انْتِهاكِ المَحارِمِ فِيها أشَدُّ مِن تَعْظِيمِهِ في غَيْرِها، وكَذَلِكَ تَعْظِيمُ الطّاعاتِ فِيها.
والثّانِي: أنَّها الأشْهُرُ الَّتِي أُجِّلَ المُشْرِكُونَ فِيها لَلسِّياحَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ذَلِكَ القَضاءُ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ذَلِكَ الحَسابُ الصَّحِيحُ والعَدَدُ المُسْتَوِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في كِنايَةِ "فِيهِنَّ" عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الِاثْنى عَشَرَ، شَهْرًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا حَرامَها حَلالًا، ولا حَلالَها حَرامًا، كَفِعْلِ أهْلِ النَّسِيءِ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والفَرّاءِ؛ واحْتَجَّ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ: لَثَلاثُ لَيالٍ خَلَوْنَ، وأيّامٌ خَلَوْنَ؛ فَإذا جُزْتَ العَشْرَةَ قالُوا: خَلَتْ ومَضَتْ؛ ويَقُولُونَ لِما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ: هُنَّ، وهَؤُلاءِ، فَإذا جُزَّتِ العَشْرَةُ، قالُوا: هي، وهَذِهِ؛ إرادَةَ أنْ تَعْرِفَ سِمَةَ القَلِيلِ مِنَ الكَثِيرِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُعِيدُ الهاءَ والنُّونَ عَلى القَلِيلِ مِنَ العَدَدِ، والهاءَ والألِفَ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ؛ والقِلَّةُ: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، والكَثْرَةُ: ما جاوَزَ العَشْرَةَ.
يَقُولُونَ: وجَّهْتُ إلَيْكَ أكْبُشًا فاذْبَحْهُنَّ، وكِباشًا فاذْبَحْها؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ وقالَ ﴿ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ ﴾ لِأنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ "فِيهِنَّ" الأرْبَعَةَ.
وَمَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: "فِيهِنَّ" الِاثْنَيْ عَشَرَ، فَإنَّهُ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما جَعَلَتْ عَلامَةَ القَلِيلِ لِلْكَثِيرِ، وعَلامَةَ الكَثِيرِ لِلْقَلِيلِ.
وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: تَرْجِعُ "فِيهِنَّ" إلى الأرْبَعَةِ؛ يَخْرُجُ في مَعْنى الظُّلْمِ فِيهِنَّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المَعاصِي؛ فَتَكُونُ فائِدَةَ تَخْصِيصِ النَّهْيِ عَنْهُ بِهَذِهِ الأشْهُرِ، أنَّ شَأْنَ المَعاصِي يُعَظَّمُ فِيها أشَدُّ مِن تَعْظِيمِهِ في غَيْرِها، وذَلِكَ لِفَضْلِها عَلى ما سِواها، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ ﴾ وإنْ كانا قَدْ دَخَلا في جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ وإنْ كانا قَدْ دَخَلا في جُمْلَةِ الفاكِهَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ ﴾ وإنْ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ في غَيْرِ الحَجِّ، وكَما أمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ الوُسْطى وإنْ كانَ مَأْمُورًا بِالمُحافَظَةِ عَلى غَيْرِها، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ فِيهِنَّ فِعْلُ النَّسِيءِ، وهو تَحْلِيلُ شَهْرِ مُحَرَّمٍ وتَحْرِيمُ شَهْرِ حَلالٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ البِدايَةُ بِالقِتالِ فِيهِنَّ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم بِالقِتالِ فِيهِنَّ إلّا أنْ تَبْدَؤُوا بِالقِتالِ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَرْكُ القِتالِ فِيهِنَّ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم بِتَرْكِ المُحارِبَةِ لِعَدُوِّكم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، وهو عَكْسُ قَوْلِ مُقاتِلٍ.
والسِّرُّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى عَظَّمَ بَعْضَ الشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ، لِيَكُونَ الكَفُّ عَنِ الهَوى فِيها ذَرِيعَةً إلى اسْتِدامَةِ الكَفِّ في غَيْرِها تَدْرِيجًا لِلنَّفْسِ إلى فِراقِ مَأْلُوفِها المَكْرُوهِ شَرْعًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللهِ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ -والَّتِي بَعْدَها- تَتَضَمَّنُ ما كانَتِ العَرَبُ شَرَعَتْهُ في جاهِلِيَّتِها مِن تَحْرِيمِ شُهُورِ الحِلِّ، وتَحْلِيلِ شُهُورِ الحُرْمَةِ، وإذا نُصَّ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ تَبَيَّنَ مَعْنى الآياتِ، فالَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ ويَنْفَكُّ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرَ الناسُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا عَيْشَ لِأكْثَرِها إلّا مِنَ الغاراتِ وإعْمالِ سِلاحِها، فَكانُوا إذا تَوالَتْ عَلَيْهِمْ حَرَكَةُ ذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ صَعُبَ عَلَيْهِمْ وأمْلَقُوا، وكانَ بَنُو فُقَيْمٍ مِن كِنانَةَ أهْلَ دِينٍ في العَرَبِ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فانْتُدِبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ الشُهُورَ لِلْعَرَبِ، ثُمَّ خَلَّفَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبّادُ بْنُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَلَّفَ ابْنَهُ قَلْعَ بْنَ عَبّادٍ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ أُمَيَّةُ بْنُ قَلْعٍ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ عَوْفُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ أبُو ثُمامَةَ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ الأمْرَ كانَ في عُدْوانٍ قَبْلَ بَنِي مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وكانَتْ صُورَةُ فِعْلِهِمْ أنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا فَرَغَتْ مَن حَجِّها جاءَ إلَيْهِ مَن شاءَ مِنهم مُجْتَمِعِينَ، فَقالُوا: أنْسِئْنا شَهْرًا، أيْ: أخِّرَ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرَ، فَيُحِلُّ لَهُمُ المُحَرَّمَ فَيُغِيرُونَ فِيهِ ويَعِيشُونَ، ثُمَّ يَلْتَزِمُونَ حُرْمَةَ صَفَرَ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، قالَ مُجاهِدٌ: ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الصَفَرَ المُحَرَّمَ، ثُمَّ يُسَمَّوْنَ رَبِيعًا الأوَّلَ صَفَرًا ورَبِيعًا الآخَرَ رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا في سائِرِ الشُهُورِ يَسْتَقْبِلُونَ سَنَتَهم مِنَ المُحَرَّمِ المَوْضُوعِ لَهم فَيَسْقُطُ عَلى هَذا حُكْمُ المُحَرِّمِ الَّذِي حُلِّلَ لَهُمْ، وتَجِيءُ السَنَةُ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا أوَّلُها المُحَرَّمُ المُحَلَّلُ ثُمَّ المُحَرَّمُ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ صَفَرُ، ثُمَّ اسْتِقْبالُ السَنَةِ كَما ذَكَرْنا، فَفي هَذا قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا ﴾ أيْ: لَيْسَتْ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَ الطَبَرِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ وكِيعٍ عن عِمْرانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عن حُصَيْنٍ عن أبِي مالِكٍ قالَ: كانُوا يَجْعَلُونَ السَنَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَ مُجاهِدٌ: ثُمَّ كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ شَهْرٍ عامَيْنِ ولاءً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُبَدِّلُونَ فَيَحُجُّونَ عامَيْنِ ولاءً، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى جاءَتْ حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في ذِي القِعْدَةِ حَقِيقَةً، وهم يُسَمُّونَهُ ذا الحِجَّةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللهِ سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ حَقِيقَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَمَواتِ والأرْضَ، السَنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ"،» وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ في حَجَّةِ الوَداعِ فَساقَ الحَدِيثَ فَقالَ فِيهِ: "أوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ، وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ في أكْثَرِ الكُتُبِ أنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ حُرْمَةَ المُحَرَّمِ في صَفَرَ ويَسْكُتُ عن تَمامِ القِصَّةِ، والَّذِي ذَكَرْناهُ هو بَيانُها، وأمّا كَوْنُ المُحَرَّمِ أوَّلَ السَنَةِ العَرَبِيَّةِ، وكانَ حَقُّهُ -إذِ التارِيخُ مِنَ الهِجْرَةِ- أنْ يَكُونَ أوَّلَ السَنَةِ في رَبِيعٍ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ فِيما يَرْوى، لِأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ دَ وَّنَ دِيوانَ المُسْلِمِينَ وجَعَلَ تارِيخَهُ المُحَرَّمَ إذْ قَبْلَهُ انْقِضاءُ المَوْسِمِ والحَجِّ، فَكانَ الحَجُّ خاتِمَةً لِلسَّنَةِ، واعْتَدَّ بِعامِ الهِجْرَةِ وإنْ كانَ قَدْ نَقَصَ مِن أوَّلِهِ شَيْءٌ، ولَمّا كانَتْ سَنَةُ العَرَبِ هِلالِيَّةً، بَدَأ العامُ مِن أوَّلِ شَهْرٍ، ولَمْ يَكُنْ في الثانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الَّذِي هو يَوْمُ دُخُولِ النَبِيِّ المَدِينَةَ، ولا كانَ عِنْدَ تَمامِ الحَجِّ؛ لِأنَّهُ في كَسْرِ شَهْرٍ، وأمّا الأرْبَعَةُ الحُرُمُ فَهِيَ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ، ومَعْنى قَوْلِ النَبِيِّ : « "وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ"» قَصَدَ التَفْرِيقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ قَبائِلُ رَبِيعَةَ بِأسْرِها، فَإنَّها كانَتْ تَجْعَلُ رَجَبَها رَمَضانَ وتُحَرِّمُهُ ابْتِداعًا مِنها، وكانَتْ قُرَيْشٌ ومَن تابَعَها في ذَلِكَ مِن قَبائِلِ مُضَرَ عَلى الحَقِّ، فَقَرَّرَ رَسُولُ اللهِ ذَلِكَ ونَسَبَهُ إلى مُضَرَ إذْ كانَ حُكْمُهُ وتَحْرِيمُهُ إنَّما كانَ مِن قِبَلِ قُرَيْشٍ، وفي المُفَضَّلِيّاتِ لِبَعْضِ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ: وشَهَرُ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا ∗∗∗............................
البَيْتُ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُرِيدُ رَجَبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "اثْنا عْشَرَ شَهْرًا" بِسُكُونِ العَيْنِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وكَذَلِكَ قَرَأ: "أحَدَ عْشَرَ" و"تِسْعَةَ عْشَرَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كِتابِ اللهِ ﴾ أيْ فِيما كَتَبَهُ وأثْبَتَهُ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ أو غَيْرِهِ، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ مِثْلُ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ ولَيْسَتْ بِمَعْنى قَضائِهِ، وتَقْدِيرِهِ: لِأنَّ تِلْكَ هي قَبْلَ خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ، والكِتابُ الَّذِي هو المَصْدَرُ هو العامِلُ في "يَوْمَ"، و"فِي" مِن قَوْلِهِ: ﴿ فِي كِتابِ اللهِ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"مُسْتَقِرَّةٌ أو ثابِتَةٌ" ونَحْوُهُ، ويُقْلِقُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ: القُرْآنُ في هَذا المَوْضِعِ، وتَأمَّلْ، ولا يَتَعَلَّقُ "فِي" بِـ"عِدَّةَ" لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِخَبَرِ "إنَّ".
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ نَصٌّ عَلى تَفْضِيلِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ وتَشْرِيفِها، قالَ قَتادَةُ: "اصْطَفى اللهُ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ رُسُلًا، ومِنَ الشُهُورِ المُحَرَّمَ ورَمَضانَ، ومِنَ البُقَعِ المَساجِدَ، ومِنَ الأيّامِ الجُمْعَةَ، ومِنَ اللَيالِي لَيْلَةَ القَدْرِ، ومِنَ الكَلامِ ذِكْرَهُ، فَيَنْبَغِي أنْ يُعَظَّمَ ما عَظَّمَ اللهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: الحِسابُ المُسْتَقِيمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ: مَعْناهُ: القَضاءُ المُسْتَقِيمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "الدِينُ" هاهُنا عَلى أشْهَرِ وُجُوهِهِ، أيْ ذَلِكَ الشَرْعُ والطاعَةُ لِلَّهِ.
"القَيِّمُ" أيِ:القائِمُ المُسْتَقِيمُ، وهو مِن "قامَ يَقُومُ" بِمَنزِلَةِ "سَيِّدٍ" مِن "سادَ يَسُودُ" أصْلُهُ قَيْوِمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الِاثْنا عَشَرَ شَهْرًا" أيْ: لا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم بِالمَعاصِي في الزَمَنِ كُلِّهِ، وقالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ"، ونُهِيَ عَنِ الظُلْمِ فِيها تَشْرِيفًا لَها بِالتَخْصِيصِ والذِكْرِ وإنْ كانَ مَنهِيًّا عنهُ في كُلِّ الزَمَنِ، وزَعَمَ النُحاةُ أنَّ العَرَبَ تُكَنِّي عَمّا دُونَ العَشْرَةِ مِنَ الشُهُورِ: "فِيهِنَّ"، وعَمّا فَوْقَ العَشْرَةِ: "فِيها"، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأتَعَجَّبُ مِن فِعْلِ العَرَبِ هَذا، وكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيما دُونَ العَشْرَةِ مِنَ اللَيالِي: "خَلَوْنَ"، وفِيما فَوْقَها: "خَلَتْ".
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى "فِيهِنَّ" أيْ بِسَبَبِهِنَّ ومِن جَرّاهُنَّ في أنْ تُحِلُّوا حَرامَها وتُبَدِّلُوهُ بِما لا حُرْمَةَ لَهُ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قِيلَ: "لا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم بِالقِتالِ".
ثُمَّ نُسِخَ بِفَرْضِ القِتالِ في كُلِّ زَمَنٍ، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: «كانَ رَسُولُ اللهِ يُحَرِّمُ القِتالَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ بِما أنْزَلَ اللهُ في ذَلِكَ حَتّى نَزَّلَتْ بَراءَةٌ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ مَعْناهُ: فِيهِنَّ فَأحْرى في غَيْرِهِنَّ، وقَوْلُهُ: ﴿ كافَّةً ﴾ مَعْناهُ: جَمِيعًا، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ الطَبَرِيُّ: كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ، فَهو -عَلى هَذا- كَما تَقُولُ: خاصَّةً وعامَّةً، ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّهُ مَن كَفَّ يَكُفُّ، أيْ جَماعَةً تَكُفُّ مَن عارَضَها، وكَذَلِكَ نَقُولُ: الكافَّةُ، أيْ تَكُفُّ مَن خالَفَها، فاللَفْظَةُ -عَلى هَذا- اسْمُ فاعِلٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْناهُ: يَكُفُّ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ التَخَلُّفِ، وما قَدَّمْناهُ أعَمُّ وأحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ الفَرْضُ بِهَذِهِ الآيَةِ قَدْ تُوُجِّهَ عَلى الأعْيانِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ وجُعِلَ فَرْضَ كِفايَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي قالُوهُ لَمْ يُعْلَمْ قَطُّ مِن شَرْعِ النَبِيِّ أنَّهُ ألْزَمَ الأُمَّةَ جَمِيعًا النَفَرَ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ الحَضُّ عَلى قَتْلاهم والتَحَزُّبِ عَلَيْهِمْ وجَمْعِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ قَيَّدَها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَما يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ ، فَبِحَسَبِ قِتالِهِمْ واجْتِماعِهِمْ لَنا يَكُونُ فَرْضُ اجْتِماعِنا لَهُمْ، وأمّا الجِهادُ الَّذِي يُنْدَبُ إلَيْهِ فَإنَّما هو فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ إذا قامَ بِهِ بَعْضُ الأُمَّةِ سَقَطَ عَنِ الغَيْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ أمْرٌ بِالتَقْوى ووَعْدٌ عَلَيْها بِالنَصْرِ والتَأْيِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والارض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ .
استئناف ابتدائي لإقامة نظام التوقيت للأمّة على الوجه الحق الصالح لجميع البشر، والمناسب لما وضع الله عليه نظام العالم الأرضي، وما يتّصل به من نظام العوالم السماوية، بوجه محكم لا مدخل لتحكّمات الناس فيه، وليوضّح تعيين الأشهر الحُرم من قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ [التوبة: 5] بعدما عَقِبَ ذلك من التفاضيل في أحكام الأمن والحرب مع فرق الكفار من المشركين وغيرهم.
والمقصود: ضبط الأشهر الحرم وإبطال مَا أدخله المشركون فيها من النسيء الذي أفسدَ أوقاتها، وأفضى إلى اختلاطها، وأزال حُرمة مالَهُ حرمة منها، وأكسب حرمة لما لا حرمة له منها.
وإن ضبط التوقيت من أصول إقامة نظام الأمة ودفع الفوضى عن أحوالها.
وافتتاح الكلام بحرف التوكيد للاهتمام بمضمونه لتتوجّه أسماع الناس وألبابهم إلى وعْيِهِ.
والمراد بالشهور: الشهور القمرية بقرينة المقام، لأنّها المعروفة عند العرب وعند أغلب الأمم، وهي أقدم أشهر التوقيت في البشر وأضبطها لأنّ اختلاف أحوال القمر مساعد على اتّخاذ تلك الأحوال مواقيت للمواعيد والآجال، وتاريخخِ الحوادث الماضية، بمجرّد المشاهدة، فإنّ القمر كرة تابعة لنظام الأرض.
قال تعالى: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ [يونس: 5] ولأنّ الاستناد إلى الأحوال السماوية أضبط وأبعد عن الخطأ، لأنّها لا تتناولها أيدي الناس بالتغيير والتبديل، وما حدثت الأشهر الشمسية وسَنتها إلاّ بعد ظهور علم الفلك والميقات، فانتفع الناس بنظام سير الشمس في ضبط الفصول الأربعة، وجعلوها حساباً لتوقيت الأعمال التي لا يصلح لها إلاّ بعض الفصول، مثل الحرث والحصاد وأحوال الماشية، وقد كان الحساب الشمسي معروفاً عند القبط والكلدانيين، وجاءت التوراة بتعيين الأوقات القمرية للأشهر، وتعيين الشمسية للأعياد، ومعلوم أنّ الأعياد في الدرجة الثانية من أحوال البشر لأنّها راجعة إلى التحسين، فأمّا ضبط الأشهر فيرجع إلى الحاجي.
فألْهم الله البشر، فيما ألهمهم من تأسيس أصول حضارتهم، أن اتّخذوا نظاماً لتوقيت أعمالهم المحتاجة للتوقيت، وأن جعلوه مستنداً إلى مشاهَدات بيّنة واضحة لسائر الناس، لا تنحجب عنهم إلا قليلاً في قليل، ثمّ لا تلبث أن تلوح لهم واضحة باهرة، وألهمهم أن اهتدوا إلى ظواهر ممّا خلق الله له نظاماً مطرداً.
وذلك كواكب السماء ومنازلها، كما قال في بيان حكمة ذلك ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلاّ بالحق ﴾ [يونس: 5]، وإن جعلوا توقيتهم اليومي مستنداً إلى ظهور نور الشمس ومغيبه عنهم، لأنّهم وجدوه على نظام لا يتغيّر، ولاشتراك الناس في مشاهدة ذلك، وبذلك تنظم اليومُ والليلة، وجعلوا توقيتهم الشهري بابتداء ظهور أول أجزاء القمر وهو المسمّى هلالاً إلى انتهاء محاقه فإذا عاد إلى مثل الظهور الأول فذلك ابتداء شَهْر آخر، وجعلوا مراتب أعداد أجزاء المدّة المسمّاةِ بالشهر مرتّبة بتزايد ضوء النصف المضيء من القمر كلّ ليلة، وبإعانة منازل ظهور القمر كلّ ليلة حذوَ شكل من النجوم سَمَّوه بالمنازل.
وقد وجدوا ذلك على نظام مطّرد، ثم ألهمهم فرقبوا المدّة التي عاد فيها الثمَر أو الكلأ الذي ابتدأوا في مثله العَدّ وهي أوقات الفصول الأربعة، فوجدوها قد احتوت على اثني عشر شهراً فسمّوا تلك المدّة عاماً، فكانت الأشهر لذلك اثني عشر شهراً، لأنّ ما زاد على ذلك يعود إلى مثل الوقت الذي ابتدأوا فيه الحساب أوّل مرّة، ودعوها بأسماء لتمييز بعضها عن بعض دفعاً للغلط، وجعلوا لابتداء السنين بالحوادث على حسب اشتهارها عندهم، إن أرادوا ذلك وذلك واسع عليهم، فلمّا أراد الله أن يجعل للناس عبادات ومواسم وأعياداً دورية تكون مرّة في كلّ سنة، أمرهم أن يجعلوا العبادة في الوقت المماثل لوقت أختها ففرض على إبراهيم وبَنِيه حجّ البيت كلّ سنة في الشهر الثاني عشر، وجعل لهم زمناً محترماً بينهم يأمنون فيه على نفوسهم وأموالهم ويستطيعون فيه السفر البعيد وهي الأشهر الحرم، فلمّا حصل ذلك كله بمجموع تكوين الله تعالى للكواكب، وإيداعه الإلهام بالتفطّن لحكمتها، والتمكّن من ضبط مطرد أحوالها، وتعيينه ما عين من العبادات والأعمال بمواقيتها، كان ذلك كلّه مراداً عنده فلذلك قال: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ﴾ .
فمعنى قوله: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ : أنّها كذلك في النظام الذي وضَع عليه هذه الأرض التي جعلها مقرَّ البشر باعتبار تمايز كلّ واحد فيها عن الآخر، فإذا تجاوزت الاثني عشر صار ما زاد على الاثني عشر مماثلاً لنظير له في وقت حلوله فاعتبر شيئاً مكرّراً.
و ﴿ عند الله ﴾ معناه في حكمه وتقديره، فالعندية مجاز في الاعتبار والاعتداد، وهو ظرف معمول ل ﴿ عدّة ﴾ أو حال من ﴿ عدّة ﴾ و ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة ل ﴿ اثنا عشر شهراً ﴾ .
ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في تقديره، وهو التقدير الذي به وُجدت المقدورات، أعني تعلقّ القدرة بها تعلّقاً تنجيزياً كقوله: ﴿ كتابا مؤجلا ﴾ [آل عمران: 145] أي قدرا محدّداً، فكتاب هنا مصدر.
بيان ذلك أنّه لمّا خلق القمر على ذلك النظام أراد من حكمته أن يكون طريقاً لحساب الزمان كما قال: ﴿ وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ [يونس: 5] ولذلك قال هنا ﴿ يوم خلق السماوات والأرض ﴾ ف ﴿ يومَ ﴾ ظرف ل ﴿ كتاب الله ﴾ بمعنى التقدير الخاصّ، فإنّه لما خلق السماوات والأرض كان ممّا خلَق هذا النظامُ المنتسب بين القمر والأرض.
ولهذا الوجه ذُكرت الأرض مع السماوات دون الاقتصار على السماوات، لأنّ تلك الظواهر التي للقمر، وكان بها القمر مجزَّءاً أجزاء، منذُ كونِه هلالاً، إلى رُبعه الأول، إلى البدر، إلى الربُع الثالث، إلى المحاق، وهي مقادير الأسابيع، إنّما هي مظاهر بحسب سمته من الأرض وانطباع ضوء الشمس على المقدار البادي منه للأرض.
ولأنّ المنازل التي يحلّ فيها بعدد ليالي الشهر هي منازل فرضية بمرأى العين على حسب مسامتته الأرض من ناحية إحدى تلك الكُتل من الكواكب، التي تبدو للعين مجتمعة، وهي في نفس الأمر لها أبعاد متفاوتة لا تآلف بينها ولا اجتماع، ولأنّ طلوع الهلال في مثل الوقت الذي طلع فيه قبلَ أحد عشر طلوعاً من أي وقت ابتُدئ منه العد من أوقات الفصول، إنّما هو باعتبار أحوال أرضية.
فلا جرم كان نظام الأشهر القمرية وسنَتُها حاصلاً من مجموع نظام خلق الأرض وخلق السماوات، أي الأجرام السماوية وأحوالها في أفلاكها، ولذلك ذكرت الأرض والسماوات معاً.
وهذه الأشهر معلومة بأسمائها عند العرب، وقد اصطلحوا على أن جعلوا ابتداء حسابها بعد موسم الحجّ، فمبدأ السنة عندهم هو ظهور الهلال الذي بعد انتهاء الحجّ وذلك هلال المحرّم، فلذلك كان أول السنة العربية شهر المحرم بلا شكّ، ألا ترى قول لبيد: حتى إذا سَلَخَا جمادَى سِتةً *** جَزْءا فطَال صيامُه وصِيامها أراد جمادى الثانية فوصفه بستّة لأنّه الشهر السادس من السنة العربية.
وقرأ الجمهور ﴿ اثنا عشر ﴾ بفتح شين ﴿ عشر ﴾ وقرأه أبو جعفر ﴿ اثنا عْشَرَ ﴾ بسكون عين ﴿ عشر ﴾ مع مدّ ألف اثنا مُشْبَعاً.
والأربعة الحرم هي المعروفة عندهم: ثلاثة منها متوالية لا اختلاف فيها بين العرب وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، والرابع فرد وهو رجب عند جمهور العرب، إلاّ ربيعة فهم يجعلون الرابع رمضان ويسمّونه رَجَباً، وأحسب أنّهم يصفونه بالثاني مثل ربيع وجمادى، ولا اعتداد بهؤلاء لأنّهم شذّوا كما لم يعتدّ بالقبيلة التي كانت تُحلّ أشهر السنة كلَّها، وهي قضاعة.
وقد بيّن إجمال هذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع بقوله: ﴿ منها أربعة حرم ﴾ «ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم ورجب مُضر الذي بين جمادى وشعبان» وتحريم هذه الأشهر الأربعة ممّا شرعه الله لإبراهيم عليه السلام لمصلحة الناس، وإقامة الحجّ، كما قال تعالى: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام ﴾ [المائدة: 97].
واعلم أنّ تفضيل الأوقات والبقاع يشبه تفضيل الناس، فتفضيل الناس بما يصدر عنهم من الأعمال الصالحة، والأخلاق الكريمة، وتفضيل غيرهم ممّا لا إرادة له بما يقارنه من الفضائل، الواقعة فيه، أو المقارِنة له.
فتفضيل الأوقات والبقاع إنّما يكون بجعل الله تعالى بخبر منه، أو بإطْلاع على مراده، لأنّ الله إذا فضلها جعلها مظانّ لتطلّب رضاه، مثل كونها مظانّ إجابة الدعوات، أو مضاعفةِ الحسنات، كما قال تعالى: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ [القدر: 3] أي من عبادة ألف شهر لمَنْ قبلَنا من الأمم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " صَلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجدَ الحَرام " والله العليم بالحكمة التي لأجلها فُضّل زمنٌ على زمَن، وفُضّل مكانٌ على مكان والأمور المجعولة من الله تعالى هي شؤون وأحوال أرادها الله، فقدَّرها، فأشبهت الأمور الكونيه، فلا يُبطلها إلاّ إبطال من الله تعالى، كما أبطل تقديسَ السبت بالجمعة، وليس للناس أن يجعلوا تفضيلاً في أوقات دينية: لأنّ الأمور التي يجعلها الناس تشبه المصنوعات اليدوية، ولا يكون لها اعتبار إلاّ إذا أريدت بها مقاصد صالحة فليس للناس أن يغيّروا ما جعله الله تعالى من الفضل لأزمنةٍ أو أمكنةٍ أو ناس.
﴿ ذلك الدين القيم ﴾ .
الإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى المذكور: من عدّةِ الشهور الاثني عشر، وعدّة الأشهر الحرم.
أي ذلك التقسيم هو الدين الكامل، وما عداه لا يخلو من أن اعتراه التبديل أو التحكّمُ فيه لاختصاص بعض الناس بمعرفته على تفاوتهم في صحّة المعرفة.
والدين: النظام المنسوب إلى الخالق الذي يُدان الناس به، أي يعامَلون بقوانينه.
وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ في سورة آل عمران (19)، كما وصف بذلك في قوله تعالى: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ﴾ [الروم: 30].
فكون عدّة الشهور اثني عشر تحقّق بأصل الخلقة لقوله عقبه ﴿ في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ﴾ .
وكون أربعةٍ من تلك الأشهر أشهراً حُرُما تحقّق بالجعل التشريعي للإشارة عقبه بقوله: ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ ، فحصل من مجموع ذلك أنّ كون الشهور اثني عشر وأنّ منها أربعة حرماً اعتبر من دين الإسلام وبذلك نسخ ما كان في شريعة التوراة من ضبط مواقيت الأعياد الدينية بالتاريخ الشمسي، وأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية.
وجملة: ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ معترضة بين جملة ﴿ إن عدة الشهور ﴾ وجملة ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ .
﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ .
تفريع على ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فإنّها، لما كانت حرمتها ممّا شرعه الله، أوجب الله على الناس تعظيم حرمتها بأن يتجنّبوا الأعمال السيئة فيها.
فالضمير المجرور ب ﴿ في ﴾ عائد إلى الأربعة الحرم: لأنّها أقرب مذكور، ولأنّه أنسب بسياق التحذير من ارتكاب الظلم فيها، وإلاّ لكان مجرّد اقتضاب بلا مناسبة، ولأنّ الكسائي والفرّاء ادّعيا أنّ الاستعمال جرى أن يكون ضمير جمع القلّة من المؤنث مثل هُنّ كما قال هنا ﴿ فيهن ﴾ إن ضمير جمع الكثرة من المؤنث مثل (ها) يعاملان معاملة الواحد كما قال: ﴿ منها أربعة حرم ﴾ ومعلوم أنّ جموع غير العاقل تعامل معاملة التأنيث، وقال الكسائي: إنّه من عجائب الاستعمال العربي ولذلك يقولون فيما دون العشر من الليالي «خلون» وفيما فوقها «خَلَت».
وعن ابن عبّاس أنّه فسرّ ضمير فيهنّ بالأشهر الاثني عشر فالمعنى عنده: فلا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في جميع السنة يعني أنّ حرمة الدين أعظم من حرمة الأشهر الأربعة في الجاهلية، وهذا يقتضي عدم التفرقة في ضمائر التأنيث بين ﴿ فيها ﴾ و ﴿ فيهن ﴾ وأنّ الاختلاف بينهما في الآيةِ تفنُّن وظلم النفس هو فعل ما نهى الله عنه وتوعّد عليه، فإنّ فعله إلقاء بالنفس إلى العذاب، فكان ظلماً للنفس قال تعالى: ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ﴾ [النساء: 64] الآية وقال: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ [النساء: 110].
والأنفس تحتمل أنّها أنفس الظالمين في قوله: ﴿ فلا تظلموا ﴾ أي لا يظلم كلّ واحد نفسه.
ووجه تخصيص المعاصي في هذه الأشهر بالنهي: أنّ الله جعلها مواقيت للعبادة، فإن لم يكن أحد متلبّساً بالعبادة فيها فليكن غير متلبس بالمعاصي، وليس النهي عن المعاصي فيها بمقتض أنّ المعاصي في غير هذه الأشهر ليست منهياً عنها، بل المراد أنّ المعصية فيها أعظم وأنّ العمل الصالح فيها أكثر أجراً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾ [البقرة: 197] فإنّ الفسوق منهي عنه في الحجّ وفي غيره.
ويجوز أن يكون الظلم بمعنى الاعتداء، ويكون المراد بالأنفس أنفس غير الظالمين، وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للتنبيه على أنّ الأمّة كالنفس من الجسد على حدّ قوله تعالى: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61]، أي على الناس الذين فيها على أرجح التأويلين في تلك الآية، وكقوله: ﴿ إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164] والمراد على هذا تأكيد حكم الأمن في هذه الأشهر، أي لا يعتدي أحد على آخر بالقتال كقوله تعالى: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام ﴾ [المائدة: 97] وإنّما يستقيم هذا المعنى بالنسبة لمعاملة المسلمين مع المشركين فيكون هذا تأكيداً لمنطوق قوله: ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ [التوبة: 2] ولمفهوم قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] وهي مقيّدة بقوله: ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ [التوبة: 7] وقوله: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ [البقرة: 194].
ولذلك لا يشكل الأمر بمقاتلة الرسول عليه الصلاة والسلام هوازن أياماً من ذي القعدة لأنهم ابتدأوا بقتال المسلمين قبل دخول الأشهر الحرم، فاستمرّت الحرب إلى أن دخلوا في شهر ذي القعدة، وما كان ليكفّ القتال عند مشارفة هزيمة المشركين وهم بدأوهم أوّلَ مرّة، وعلى هذا المحمل يكون حكم هذه الآية قد انتهى بانقراض المشركين من بلاد العرب بعد سنة الوفود.
والمحمل الأول للآية أخذ به الجمهور، وأخذ بالمحمل الثاني جماعة: فقال ابن المسيّب، وابن شهاب، وقتادة، وعطاء الخراساني حَرَّمت الآية القتالَ في الأشهر الحرم ثم نُسخت بإباحة الجهاد في جميع الأوقات، فتكون هذه الآية مكمّلة لما بقي من مدّة حرمة الأشهر الحرم، حتّى يعُمّ جميع بلاد العرب حكمُ الإسلام بإسلام جمهور القبائل وضَرببِ الجزية على بعض قبائل العرب وهم النصارى واليهود.
وقال عطاء بن أبي رباح: يحرم الغزو في الأشهر الحرم إلاّ أن يبدأ العدوّ فيها بالقتال ولا نسخ في الآية.
﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يقاتلونكم كَآفَّةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ﴾ .
أحسب أنّ موقع هذه الآية موقعُ الاحتراس من ظنّ أنّ النهيِ عن انتهاء الأشهر الحرم يَقتضي النهي عن قتال المشركين فيها إذا بدأوا بقتال المسلمين، وبهذا يؤذن التشبيه التعليلي في قوله: ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ فيكون المعنى فلا تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم بالمعاصي، أو باعتدائكم على أعدائكم، فإن هم بَادَأوكم بالقتال فقاتلوهم على نحو قوله تعالى: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ [البقرة: 194] فمقصود الكلام هو الأمر بقتال المشركين الذين يقاتلون المسلمين في الأشهر الحرم، وتعليله بأنّهم يستحلون تلك الأشهر في قتالهم المسلمين.
و ﴿ كافّة ﴾ كلمة تدلّ على العموم والشمول بمنزلة (كلّ) لا يختلف لفظها باختلاف المؤكَّد من أفراد وتثنية وجمع، ولا من تذكير وتأنيث، وكأنّه مشتق من الكفّ عن استثناء بعض الأفراد، ومحلّها نصب على الحال من المؤكَّد بها، فهي في الأول تأكيد لقوله ﴿ المشركين ﴾ وفي الثاني تأكيد لضمير المخاطبين، والمقصود من تعميم الذوات تعميم الأحوال لأنّه تبع لعموم الذوات، أي كلّ فِرق المشركين، فكلّ فريق وُجد في حالة مَّا، وكان قد بادأ المسلمين بالقتال، فالمسلمون مأمورون بقتاله، فمن ذلك: كلّ فريق يكون كذلك في الأشهر الحُرُم، وكلّ فريق يكون كذلك في الحَرَم.
والكاف في ﴿ كما يقاتلونكم ﴾ أصلها كاف التشبيه استعيرت للتعليل بتشبيه الشيء المعلول بعلّته، لأنه يقع على مثالها ومنه قوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198].
وجملة ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ تأييد وضمان بالنصر عند قتالهم المشركين، لأنّ المعية هنا معية تأييد على العمل، وليست معية عِلم، إذ لا تختصّ معيّة العلم بالمتّقين.
وابتدئت الجملةُ ب ﴿ اعلموا ﴾ للاهتمام بمضمونها كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ واعلموا أن ما غنمتم من شيء ﴾ [الأنفال: 41] الآية، بحيث يجب أن يعلموه ويَعوه.
والجملة بمنزلة التذييل لما قبلها من أجل ما فيها من العموم في المتّقين، دون أن يقال واعلموا أنّ الله معكم ليحصل من ذكر الاسم الظاهر معنى العموم، فيفيد أنّ المتّصفين بالحال المحكية في الكلام السابق معدودون من جملة المتقين، لئلا يكون ذكر جملة ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ غريباً عن السياق، فيحصل من ذلك كلام مستقلّ يجري مجرى المثل وإيجازٌ يفيد أنّهم حينئذٍ من المتّقين، وأنّ الله يؤيّدهم لتقواهم، وأنّ القتال في الأشهر الحرم في تلك الحالة طاعة لله وتقوى، وأنّ المشركين حينئذٍ هم المعتدون على حرمة الأشهر، وهم الحاملون على المقابلة بالمثل للدفاع عن النفس.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا ﴾ يَعْنِي شُهُورَ السَّنَةِ، وإنَّما كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لِمُوافَقَةِ الأهِلَّةِ ولِنُزُولِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في اثْنَيْ عَشَرَ بُرْجًا يَجْرِيانِ فِيها عَلى حِسابٍ مُتَّفَقٍ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ ﴿ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا أرْبَعَةً حُرُمًا، يَعْنِي بِالحُرُمِ تَعْظِيمُ انْتِهاكِ المَحارِمِ فِيها، وهو ما رَواهُ صَدَقَةُ بْنُ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى في وسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ فَقالَ: (أيُّها النّاسُ إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ فَهو اليَوْمَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وإنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، أوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ.
» ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ ذَلِكَ الحِسابُ الصَّحِيحُ والعَدَدُ المُسْتَوْفِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: يَعْنِي القَضاءَ الحَقَّ المُسْتَقِيمَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَلا تَظْلِمُوها بِمَعاصِي اللَّهِ تَعالى في الشُّهُورِ الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلِّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فَلا تَظْلِمُوها بِمَعاصِي اللَّهِ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: فَلا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِإحْلالِها بَعْدَ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى لَها، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ.
والرّابِعُ: فَلا تَظْلِمُوا فِيها أنْفُسَكم أيْ تَتْرُكُوا فِيها قِتالَ عَدُوِّكم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جَعَلَ بَعْضَ الشُّهُورِ أعْظَمَ حُرْمَةً مِن بَعْضٍ؟
قِيلَ: لِيَكُونَ كَفُّهم فِيها عَنِ المَعاصِي ذَرِيعَةً إلى اسْتِدامَةِ الكَفِّ في غَيْرِها تَوْطِئَةً لِلنَّفْسِ عَلى فِراقِها مَصْلَحَةً مِنهُ في عِبادِهِ ولُطْفًا بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بكرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً: منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو العقدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» .
وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ورجب مضر بين جمادى وشعبان» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال: «أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم» .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات رجب مضر حرام، إلا وإن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا» .
وأخرج أحمد والباوردي وابن مردويه عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه- وكانت له صحبة- قال: كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال: «يا أيها الناس، هل تدرون في أي شهر أنتم، وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم؟
قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه، ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تتظالموا ألا لا تتظالموا، إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه، ألا أن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتله هذيل، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، ألا وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، إلا إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه في التحريش بينهم، واتقوا الله في النساء فانهن عوان عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإن لهن عليكم حقاً ولكم عليهن حقاً أن لا يوطئن فرشكم أحداً غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وبسط يديه.
وقال: اللهمَّ قد بلغت ألا هل بلغت، ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رُبَّ مبلغ أسعد من سامع» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ منها أربعة حرم ﴾ قال: المحرَّم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال: إنما سُمِّينَ حُرُماً لئلا يكون فيهن حرب.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ قال: القضاء القيم.
وأخرج أبو داود والبيهقي في شعب الإِيمان «عن محببة الباهلي عن أبيه أو عمه.
أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله وما تعرفني؟!
قال: ومن أنت؟!
قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول.
قال: فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة؟
قال: ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا قليل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما عذبت نفسك؟
ثم قال: صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر.
قال: زدني فإن لي قوة.
قال: صم يومين.
قال: زدني.
قال: صم ثلاثة أيام.
قال: زدني.
قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له عبادة سنتين» .
وأخرج مسلم وأبو داود عن عثمان بن حكيم رضي الله عنه قال: سألت سعيد بن جبير رضي الله عنه عن صيام رجب؟
فقال: اخبرني ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم» .
وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوماً من رجب كان كصيام سنة، ومن صام سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم، ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام عشرة أيام لم يسأل الله عز وجل شيئاً الا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يوماً نادى مناد من السماء قد غفرت لك ما سلف فاستأنف العمل قد بدلت سيئاتكم حسنات، من زاد زاده الله.
وفي رجب حمل نوح عليه السلام في السفينة فصام نوح عليه السلام وأمر من معه أن يصوموا، وجرت بهم السفينة ستة أشهر إلى آخر ذلك لعشر خلون من المحرم» .
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: «في الجنة قصر لصوام رجب» قال البيهقي: موقوف على أبي قلابة وهو من التابعين، فمثله لا يقول ذلك إلا عن بلاغ عمن فوقه ممن يأتيه الوحي.
وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم بعد رمضان إلا رجب وشعبان» .
وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن رجب شهر الله ويدعى الأصم، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها، فكان الناس ينامون ويأمن السبيل ولا يخافون بعضهم بعضاً حتى ينقضي» .
وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه قال: كن نسمي رجب الأصم في الجاهلية من شدة حرمته في أنفسنا.
أوخرج البخاري والبيهقي عن أبي رجاء العطاردي رضي الله عنه قال: كنا في الجاهلية إذا دخل رجب نقول: جاء منصل الأسِنَّة، لا ندع حديدة في سهم ولا حديدة في رمح إلا انتزعناها فألقيناها.
وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه قال: كنا نسمي رجب الأصم في الجاهلية من شدة حرمته.
وأخرج البيهقي وضعفه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في رجب يوم وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمن صام من الدهر مائة سنة وقام مائة سنة، وهو لثلاث بقين من رجب وفيه بعث الله محمداً» .
وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: في رجب ليلة يكتب للعامل فيها حسنة مائة سنة وذلك لثلاث بقين من رجب، فمن صلى فيها اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة من القرآن يتشهد في كل ركعتين ويسلم في آخرهن ثم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة، ويستغفر الله مائة مرة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة، ويدعو لنفسه ما شاء من أمر دنياه وآخرته ويصبح صائماً، فإن الله يستجيب دعاءه كله إلا أن يدعو في المعصية.
قال البيهقي: هذا أضعف من الذي قبله.
وأخرج البيهقي وقال: إنه منكن بمرة عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً حيرة الله من الشهور شهر رجب وهو شهر الله، من عظم شهر رجب فقد عظم أمر الله، ومن عظم أمر الله أدخله جنات النعيم وأوجب له رضوانه الأكبر، وشعبان شهري فمن عظم شهر شعبان فقد عظم أمري، ومن عظم أمري كنت له فرطاً وذخراً يوم القيامة، وشهر رمضان شهر أمتي فمن عظم شهر رمضان وعظم حرمته ولم ينتهكه، وصام نهاره، وقام ليله، وحفظ جوارحه، خرج من رمضان وليس عليه ذنب يطلبه الله به.
وأخرج ابن ماجة والبيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب كله» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله ﴾ قال: يقرب بها شر النسيء ما نقص من السنة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله ﴾ ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرماً وعظم حرماتهم، وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم، ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ قال: في كلهن ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ يقول: جميعاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ قال: إن الظلم في الشهر الحرام أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواه، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً ولكن الله يعظم من أمره ما شاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله فإنما تعظم الأمور لما عظمها الله تعالى به عند أهل الفهم والعقل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ قال: في الشهور كلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ قال: الظلم العمل لمعاصي الله والترك لطاعته.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ قال: نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن كعب قال: اختار الله البلدان، فأحب البلدان إلى الله البلد الحرام، واختار الله الزمان، فاحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، واحب الأشهر إلى الله ذو الحجة، وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول منه، واختار الله الأيام، فأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة، وأحب الليالي إلى الله ليلة القدر، واختار الله ساعات الليل والنهار، فأحب الساعات إلى الله ساعات الصلوات المكتوبات، واختار الله الكلام، فأحب الكلام إلى الله لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ﴾ الآية، قد ذكرنا معنى العدة والشهر في سورة البقرة (١) (٢) قوله تعالى: ﴿ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ ، قال الواقدي: "يعني اللوح المحفوظ" (٣) (٤) ﴿ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ قال: "في الإمام (٥) (٦) قال أبو علي الفارسي: " [لا يجوز تعلق] (٧) (٨) (٩) ويمكن أن يكون الكتاب اسمًا على ما ذكره أهل التفسير (١٠) (١١) ﴿ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ : كتبه يوم خلق السموات والأرض، على ما يحكى عن ابن عباس (١٢) ﴿ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ بعد قوله: ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أن في ﴿ كِتَابِ اللَّهِ ﴾ من الاختصاص ما ليس في قوله: ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ألا ترى أنه قد توصف أشياء بأنها عنده ولا توصف بأنها في كتابه كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ ففي ﴿ كِتَابَ اللَّهِ ﴾ معنى زائد على ما في ﴿ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ فجرى في هذا المعنى مجرى قولك: خرج من الدار من البيت (١٣) ﴿ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ متعلق بالمصدر الذي هو العدة وهو العامل فيه.
وقوله تعالى: ﴿ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ متعلق بمحذوف لأنه صفة لـ (اثني عشر) قال: ويجوز أن يكون متعلقا بـ"حرم" على تقدير: منها أربعة حرم في كتاب الله، أي: فيما كتب الله يوم خلق السموات والأرض، والمعنى: أن الحرم منها في كتاب الله أي فيما فرض كونه (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم (١٨) (١٩) قال أهل المعاني: "وفي جعل بعض المشهور أعظم حرمة من بعض فوائد من المصلحة في الكف عن الظلم فيها لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسًا؛ لانطفاء الثائرة في تلك المدة" (٢٠) وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ (٢١) وقوله: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ الدين له معان كثيرة في اللغة، ومناه ههنا (٢٢) (٢٣) ﴿ دِينًا قِيَمًا ﴾ .
قال المفسرون وأهل المعاني: "ذلك الحساب المستقيم الصحيح، والعدد المستوي" (٢٤) ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ : الذي (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال أهل العلم: "فالواجب على المسلمين بدليل هذه الآية أن يعتبروا به في بيوعهم، ومُدد ديونهم، وأحوال زكاتهم، وسائر أحكامهم، السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم (٢٨) (٢٩) (٣٠) قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: "تحفّظوا من أنفسكم فيها واجتنبوا الخطايا، فإن الحسنات فيها تضعف والسيئات فيها تضعف (٣١) (٣٢) (٣٣) وقال محمد بن إسحاق: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً، وحلالها حرامًا كما فعل أهل الشرك في النسيء" (٣٤) (٣٥) ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ ، وهذه الأشياء لا تجوز في غير الحج، ولكنه -عز وجل- عرّف الأيام التي تكون فيها المعاصي أكثر إثمًا وعقابًا" (٣٩) ﴿ فِيهِنَّ ﴾ ولم يقل (فيها) كما قال: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ لما عادت الكناية إلى كلها، قال: وكذلك كلام العرب لما بين الثلاثة إلى العشرة يقولون: لثلاث خلون، إلى العشرة [(فإذا جُزت العشرة) (٤٠) (٤١) (٤٢) أصبحن في قُرح وفي داراتها ...
سبع ليال غير معلوفاتها (٤٣) (٤٤) ولم يقل: غير معلوفاتهن وهي سبع، وكل صواب؛ إلا أن المؤْثر ما فسرت لك (٤٥) والأصل في هذا أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة، ويكنى عن جمع الكثرة كما يكنى عن واحدة مؤنثة، كما قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى (٤٦) (٤٧) (٤٨) فقال: يلمعن ويقطرن؛ لأن الأسياف والجفنات جمع قلة، ولو جمع جمع (٤٩) ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ...
بهن فلول من قراع الكتائب (٥٠) ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ باستحلال القتل والغارة فيهن" (٥١) (٥٢) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ﴾ ، قال ابن عباس: "كافة: جميعًا" (٥٣) (٥٤) (٥٥) ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ الآية.
قال الفراء: "كافة يقول: جميعًا، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال، فتقول: كافّين أو كافات للنسوة، ولكنها (كافة) بالهاء والتوحيد؛ لأنها وإن كانت على لفظ (فاعلة) فإنها في مذهب مصدر مثل: الخاصة والعاقبة والعافية (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقال الزجاج: ﴿ كَافَّةً ﴾ منصوب على الحال، وهو مصدر على (فاعلة) كما قالوا: العاقبة والعافية، ولا يجوز أن يثنى ويجمع، كما أنك إذا قلت: قاتلوهم عامة لم تثن ولم تجمع، وكذلك (خاصة)، هذا مذهب النحويين" (٦٠) وقد أحكمنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ (٦١) وقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد مع أوليائه الذين يخافونه فيما كلفهم من أمره ونهيه" (٦٢) (٦٣) (١) انظر النسخة الأزهرية: (1/ 112 ب) وقد قال هنا: (والعدة: (فعله) من العد، وهو بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس: عدة، وعدة المرأة من هذا) اهـ.
وقال في نفس النسخة (1/ 113 ب): (الشهر مأخوذ من الشهرة، تقول: شهر الشيء يشهره شهرًا، إذا أظهره، وسمي الشهر شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم ...
إلخ).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 145 باختصار وتصرف.
(٣) لم أجده في كتابه "المغازي".
(٤) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 124 - 129، والثعلبي 6/ 105 أ، وابن الجوزي 3/ 432.
(٥) في (م): (الأيام)، وهو خطأ.
(٦) ذكر، ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 432، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 494.
(٧) في (ح): (يجوز أن لا يعلق)، وما أثبته موافق لما في "الحجة للقراء السبعة".
(٨) في (ف): (فيها)، وما أثبته موافق لما في "الحجة".
(٩) "الحجة للقراء السبعة" 2/ 458 بتصرف، والجملة التي بين القوسين مزيدة في كلام أبي علي.
(١٠) سبق ذكر قول ابن عباس وعامة أهل التأويل.
(١١) في (ح): (وما).
(١٢) سبق تخريجه عند ذكر أول الآية.
(١٣) في (ى): (خرج من البيت)، والصواب ما في (ح) و (م)، وهو موافق لما في المسائل الحلبيات.
(١٤) في (ى): (من كونه)، وما في (ح) و (م) موافق لما في "المسائل الحلبيات".
(١٥) في "الحلبيات": منها.
(١٦) هكذا في جميع النسخ، وفي "الحلبيات": جعلتم، وتصرف الواحدي يغيّر المعنى الذي يريده أبو علي؛ فمعنى عبارة أبي علي: إن الله حرّم أربعة أشهر فقط فإذا نسأتم المشهور كانت الحرم أكثر من أربعة، بينما جملة (فجعلتم أكثر من أربعة أشهر) في عبارة الواحدي تفسير لمعنى النسيء ولا يتم بها المعنى، ولذا اضطر لزيادة جملة (كان ذلك زيادة في الكفر) ليتم المعنى، وهذه الجملة بهذا المعنى مقحمة في كلام أبي علي.
(١٧) "المسائل الحلبيات" ص 307 بتصرف.
(١٨) في (ح) و (ى): (رجب والمحرم ...
إلخ.
(١٩) في (ى): (أشد)، وقد أثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "الوسيط" 2/ 494.
(٢٠) ذكره بنحوه الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 360، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 434 دون نسبة، ولم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي.
(٢١) انظر النسخة (ح) 2/ 74 أحيث قال: (اختلف المفسرون وأصحاب المعاني في هذه الآية، فقال ابن عباس في بعض الروايات: "قوله ﴿ قيامًا للناس ﴾ قيامًا لدينهم ومعالم لحجهم"، وقال سعيد بن جير: " ﴿ قيامًا للناس ﴾ صلاحًا لدينهم" فعلى هذا، القيام مصدر قولك: قام قيامًا والمعنى: إن الله جعل الكعبة سببًا لقيام الناس إليها للحج وقضاء النسك، فيصلح بذلك دينهم، لأنه يحط عنهم الذنوب والأوزار عندها ..
وقال جماعة من المفسرين وأكثر أصحاب المعاني: القيام ههنا يراد به القوام، وهو العماد الذي يقوم به الشيء، والتقدير فيه: جعل الله الحج للكعبة البيت الحرام قيامًا لمعاش الناس ومكاسبهم ..) إلخ.
(٢٢) ساقط من (ى).
(٢٣) هذا بعض حديث رواه الترمذي (2459)، كتاب صفة القيامة، وابن ماجه (2460) في "السنن"، كتاب الزهد، باب ذكر الموت، وأحمد في "المسند" 4/ 124، والحاكم في "المستدرك"، كتاب الإيمان 1/ 57، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الجنائز، باب ما ينبغي لكل مسلم ..
رقم (6514) 3/ 517، والبغوي في "شرح السنة"، كتاب الرقاق، باب الاجتناب عن الشهوات، رقم (4011) 7/ 333.
قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، أبو بكر واه.
قلت: والحديث في جميع المصادر السابقة يدور على هذا الراوي الضعيف وهو أبو بكر ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، قال الحافظ في "تقريب التهذيب" ص 623 (7974): "ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط".
(٢٤) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 194، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 206، و"النكت والعيون" 2/ 360، و"زاد المسير" 3/ 432.
(٢٥) في (ى): (أي).
(٢٦) ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" 16/ 53.
(٢٧) في (ج): (معنى).
(٢٨) ساقط من: (ى).
(٢٩) السنة العجمية هي السنة الفارسية وهي اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا عدا شهر واحد فإنه خمسة وثلاثون يومًا، وأما السنة الرومية فهي أيضًا اثنا عشر شهرًا، لكن الشهور مختلفة فشهر ثمانية وعشرون يومًا، وشهر ثلاثون يومًا وشهر واحد وثلاثون يومًا، وتعرف اليوم بالسنة الميلادية.
انظر تفصيل ما سبق في: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 936.
(٣٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 445، و"أحكام القرآن" لإلكيا الهراسي 4/ 199، و"تفسير الرازي" 16/ 55، و"الجامع الأحكام القرآن" للقرطبي 8/ 133.
(٣١) السيئة لا تضعف بالمعنى المتبادر للتضعيف، وإنما يجزى بمثلها من غير زيادة كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ ، ولكن السيئة تعظم لسبب من الأسباب فيعظم جزاؤها، ومن ذلك: حرمة الزمان كما في هذه الآية وحرمة المكان كالحرم، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ومن ذلك أيضًا مكانة الشخص، قال تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ ، وكون الشخص ممن يقتدى به، قال تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، وغير ذلك من أسباب عظمة السيئة، وعلى هذا يحمل قول ابن عباس المذكور -ولا يصح عنه- وقد جاء ذلك مصرحًا به في رواية الوالبي الصحيحة، ونصها: "ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرمًا، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم".
انظر تخريج الرواية في الهامش التالي.
(٣٢) "الوسيط" 2/ 494، وقد سبق بيان أن رواية عطاء مكذوبة ورواه بمعناه من رواية الوالبي الإمام ابن جرير 10/ 126، وابن أبي حاتم 6/ 1793، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" 3/ 425 وفيه زيادة.
(٣٣) ذكر المؤلف قول قتادة بمعناه، وقد أخرجه ابن جرير 10/ 127، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 425، ورواه مختصرًا ابن أبي حاتم 6/ 1793، والثعلبي 6/ 105 ب.
(٣٤) "سيرة ابن هشام" 2/ 206.
(٣٥) ساقط من (ى).
(٣٦) ساقط من (ح).
(٣٧) رواه ابن جرير 10/ 126، وابن أبي حاتم 6/ 1792، واللفظ له، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" 3/ 425.
(٣٨) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 446 بنحوه.
(٤٠) ما بين القوسين ساقط من (ى).
(٤١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٤٢) من (م).
(٤٣) في (ى): (معروفاتها)، وهو خطأ.
(٤٤) سبق تخريج هذا الرجز عند تفسير الآية 25 من سورة براءة.
وقد بين ابن منظور في "لسان العرب" 6/ 3574 أن (قُرْح) بضم القاف وسكون الراء: اسم وادي القرى أو سوق فيه.
والدارات: جمع دارة وهي كل أرض واسعة بين جبال.
المصدر نفسه (دور) 4/ 296.
(٤٥) "معاني القرآن" 1/ 435 باختصار.
(٤٦) في (ى): (في الضحى)، والمثبت موافق لديوانه.
(٤٧) في (م): (حدة)، والمثبت موافق لديوانه.
(٤٨) انظر: "شرح ديوان حسان" ص 221 وقال الشارح: الجفنات: القصاع، والغر: البيض من كثرة الشحم وبياض اللحم، يصف حسان قومه بالندى والبأس.
(٤٩) ساقط من (ى).
(٥٠) انظر: البيت في "ديوان النابغة" ص 32، ونسب إليه أيضًا في "إصلاح المنطق" ص 24، و"خزانة الأدب" 3/ 327، و"كتاب سيبويه" 2/ 326.
(٥١) رواه الثعلبي 6/ 105 ب، والبغوي 4/ 45.
(٥٢) انظر النسخة الأزهرية: 1/ 132 أحيث قال: (وأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم فالعلماء فيه مختلفون، قال ابن جريج: "حلف لي عطاء بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام، إلا أن يقاتلوا"، وروى أبو الزبير عن جابر قال: "لم يكن رسول الله - - يغزوا في الشهر الحرام إلا أن يغزا، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ"، وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟
قال: نعم، وقال ذلك سليمان بن يسار، وهو مذهب قتادة وغيره من العلماء، يرون القتال في الشهر الحرام، قال أبو عبيدة: والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول).
(٥٣) رواه ابن جرير 10/ 128، وابن أبي حاتم 6/ 1793، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" 3/ 425، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.
(٥٤) في (ى): (تخافوا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لـ"الوسيط" 2/ 494، و"تفسير الرازي" 16/ 54، والمحاباة: قال الخليل في كتاب "العين" (حبو) 3/ 309: "الحباء: عطاء بلا مَنٍّ ولا جزاء، حبوته أحبوه حباء، ومنه أخذت المحاباة".
وفي "لسان العرب" (حبو) 2/ 766: "حابى الرجل حباء: نصره واختصه ومال إليه".
(٥٥) يعني ابن عباس.
(٥٦) من (ى).
(٥٧) في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته و"معاني القرآن" للفراء.
(٥٨) اهـ.
كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 436.
(٥٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٦٠) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 446 باختصار.
انظر نسبة القول للنحويين في: "تهذيب اللغة" (كف) 4/ 3164، و"لسان العرب" (كفف) 7/ 3905، وانظر توضيح المسألة في: "البحر المحيط" 2/ 120، و"الكليات" لأبي البقاء ص 775.
(٦١) انظر: النسخة الأزهرية: 1/ 126 ب حيث قال: ومعنى (الكافة) في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانًا عن السوء فكفّ يكف كفًّا ..
وقيل لطرف اليد كف لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: كف بصره من أن ينظر، فالكافة معناها المانعة، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة؛ لأنها تمنع من الشذوذ والتفرق.
(٦٢) "الوجيز" 6/ 486 مختصرًا.
(٦٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447، والمراد أن هذه معية خاصة لأوليائه، تستلزم النصر والتأييد والحفظ والرعاية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اثنا عَشَرَ شَهْراً ﴾ هي الأشهر المعروفة أولها المحرم وآخرها ذو الحجة، وكان الذي جعل المحرم أول شهر من العام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ فِي كتاب الله ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: في القرآن والأوّل أرجح لقوله: ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض ﴾ ﴿ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به حتى غيَّره بعضهم ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ الضمير في قوله: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ للأشهر الحرم، تعظيماً لأمرها وتغليظ للذنوب فيها، وإن كان الظلم ممنوعاً في غيرها، وقيل: الضمير للاثني عشر شهراً، أو الزمان كله، والأوّل أظهر ﴿ وقاتلوا المشركين كَآفَّةً ﴾ أي قاتلوهم في الأشهر الحرم، فهذا نسخ لتحريم القتال فيها، وكافة حال من الفاعل أو المفعول ﴿ إِنَّمَا النسياء ﴾ وهو تأخير حرمة الشهر إلى الشهر الآخر، وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات، وكانت محرّمة عليهم في الأشهر الحرم، فيشق عليهم تركها فيجعلونها في شهر حرام ويحرمون شهراً آخر بدلاً منه، وربما أحلوا المحرم وحرموا صفر حتى تكمل في العام أربعة أشهر محرمة ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً ﴾ أي تارة يحلون وتارة يحرمون، ولم يرد العام حقيقة ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ﴾ يعني: إحلالهم القتال في الأشهر الحرم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عزير ابن ﴾ بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب.
الباقون: بغير تنوين ﴿ يضاهئون ﴾ بالهمز.
عاصم.
الآخرون ﴿ يضاهون ﴾ بحذف الهمزة.
﴿ أن يطفوا ﴾ و ﴿ ليواطوا ﴾ بحذف الهمزة فيهما.
يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ اثنا عشر ﴾ بسكون العين: يزيد والخزاز ﴿ إنما النسي ﴾ بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف.
الباقون: بباء بعدها همزة.
﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه.
﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس.
الباقون ﴿ يضل ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد.
الوقوف: ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ المسيح ابن الله ﴾ ط ﴿ بأفواههم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ج ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً.
﴿ واحداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ لا لتعلق "لو" بما قبله ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ أليم ﴾ ه لا أي في يوم.
﴿ وظهورهم ﴾ ط ﴿ تكنزون ﴾ ه ﴿ حرم ﴾ ط ﴿ يقاتلونكم كافة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية.
واعلم أنه ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم ﴿ لا يؤمنون بالله ﴾ فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأنإيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية.
واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء.
والمشهور أن كلام الله واحد.
واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟.
وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا.
وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني.
وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق.
نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى.
الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني.
والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها.
الصفة الثالثة: ﴿ ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما.
وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم.
الصفة الرابعة: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق.
يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده.
وقيل: الحق هو الله.
ثم ذكر غاية القتال فقال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه.
قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده.
وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل.
ومعنى ﴿ عن يد ﴾ إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون السمن بسببهما.
أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم.
قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟
والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم.
أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.
فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي.
وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر.
والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ويروى أنه أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب.
ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها.
وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه.
وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.
وأما قوله ﴿ وهم صاغرون ﴾ فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم.
والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.
وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه.
وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة.
وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية.
والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي.
وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها.
ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم.
قال الشافعي في أحد قوليه.
العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول.
ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية.
وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام.
ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز" قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما.
وما روي أنه أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين.
وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله ﴿ قاتلوا ﴾ مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان.
ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟.
ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ الآية.
العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر.
وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم.
أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا.
وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف.
وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر.
وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة.
وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد.
يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك.
ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً.
عن ابن عباس: جاء رسول الله سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.
وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله.
وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.
وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق.
وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب.
وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس.
قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة.
ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله.
وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.
ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه.
هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى.
الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم .
وقال المسيح للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة.
ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم قال ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ﴾ أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير.
فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب.
ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ﴿ يضاهنون ﴾ من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده.
ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار.
والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله.
وقيل: الضمير في ﴿ يضاهئون ﴾ للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم.
ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟.
ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون.
والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع.
واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.
نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟
فقلت: بلى.
فقال: فتلك عبادتهم.
قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟
فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله.
قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا.
وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين.
وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف.
وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله.
وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟!
وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين.
فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً ﴿ وما أمروا ﴾ الضمير للمتخذين.
والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين.
ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال { عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما.
وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه.
ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: وإن أرادوا ظلمنا أبينا *** امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف.
وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة.
ثم أكد ذلك المعنى بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ أي بكثرة الدلائل والمعجزات ﴿ ودين الحق ﴾ لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة.
ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين.
عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان.
وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج.
قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام.
وقد جاء في الحديث: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب.
وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن.
وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام.
وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة.
ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ فيه مدح منه لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام.
وقوله ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ ولو كره المشركون ﴾ إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ﴾ الآية.
وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله .
ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله.
وفي قوله ﴿ كثيراً ﴾ دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم.
وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسمما هو أعظم مقاصده.
وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها.
وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته.
ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلكالأكاذيب.
ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا.
أما قوله ﴿ ويصدّون عن سبيل الله ﴾ فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه.
ثم قال ﴿ والذين يكنزون ﴾ الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه.
والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع.
قيل: المراد بقوله ﴿ والذين يكنزون ﴾ الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم.
وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين.
ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟!
عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟
قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.
وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة.
فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً.
قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول.
وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.
فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.
فقال: ما عسى يصنع بي قريش.
واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته.
عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز.
وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.
وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.
وعن ابن عباس: قوله ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.
قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات.
وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد.
وحجة الأولين قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ {محمد: 36] وقوله : "كل امرىء أحق بكسبه" "نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" وقد كان رسول الله جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته.
حجة الأقلين عموم الآية "وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلتقال رسول الله : تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً فقالوا له : أي مال نتخذ؟
قال: لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه" .
وقوله: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله : كية.
وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان.
وعن عليّ : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد.
ومن المعقول أن الله خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده.
وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه.
وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده.
وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه.
هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه.
وقد ورد أيضاً في الحديث: "ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم" وهو مشهور.
ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما.
ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه قال: "لا زكاة في الحلي المباح" ولم يصححه أبو عيسى الترمذي.
وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال ﴿ ولا ينفقونها ﴾ فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة.
وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ﴾ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ﴾ وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب *** وقيار كذلك.
ثم قال ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.
ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله ﴿ نار حامية ﴾ ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.
فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير.
﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها.
إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود.
ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة.
ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين.
ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان.
ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما.
ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره.
وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق.
ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال ﴿ هذا ما كنزتم ﴾ والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال ﴿ إن عدّة الشهور ﴾ الآيتان وذلك أنه لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم.
واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ والسنة القمرية.
عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله ﴿ إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ﴿ في كتاب الله ﴾ بقوله ﴿ عدّة الشهور ﴾ للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر.
فقوله ﴿ في كتاب الله ﴾ و ﴿ يوم خلق ﴾ الثاني بدل من الأول وهو من عند.
والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.
وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم.
ويجوز أن يكون ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان.
لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا.
إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق.
قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.
وقيل: القرآن.
﴿ منها أربعة حرم ﴾ ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه ﴿ فلا تظلموا فيهن ﴾ أي في الأشهر الأربعة ﴿ أنفسكم ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً.
عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت.
وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول.
وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ﴾ والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة.
وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك.
ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي.
ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾ عائد إلى ﴿ اثنا عشر ﴾ والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء.
قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمعالكثرة تختار ضمير الوحدة.
قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت.
ثم قال عز من قائل ﴿ وقاتلوا المشركين ﴾ وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة.
ومعنى ﴿ كافة ﴾ جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً.
ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية.
وقال الزجاج: نصبه على الحال.
ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً.
وفي وجه التشبيه في قوله ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم.
وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم.
فعلى الأول يكون ﴿ كافة ﴾ حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة.
ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ﴿ إنما النسيء ﴾ وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير.
وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها.
وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها.
وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول.
واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح.
ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر.
احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان.
وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار.
وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس.
وفي قوله ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً.
قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ الضمير فيه عائد إلى النسيء.
قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام.
ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه.
قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.
قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر.
ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه.
ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه.
والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله ﴿ ليواطئوا عدّة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي من القتال وترك الاختصاص.
قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه.
والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد.
قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله فهذا هو المراد بالمواطأة.
وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية.
وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة.
وإنمالزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ على هذا التفسير.
ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع.
ومعنى قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس.
ومعنى قوله ﴿ ليواطؤا عدّة ما حرم الله ﴾ ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً.
ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله أعلم.
التأويل: ﴿ قاتلوا ﴾ النفوس ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ﴾ بتعبده ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ أي لا يعملون للآخرة ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ﴾ من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ﴿ وحرم ﴾ ﴿ رسوله ﴾ على نفسه ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يطلبون الحق ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ من النفوس الملهمة بالواردات الربانية ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ وهي معاملتها على خلاف طبعها ﴿ عن يد ﴾ عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب ﴿ ابن الله ﴾ وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وهم النفوس الكافرة الذين ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ أي قلوبهم ﴿ ورهبانهم ﴾ أي أرواحهم ﴿ أرباباً ﴾ والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب.
فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ﴿ يريدون ﴾ أي النفوس ﴿ أن يطفئوا نور الله ﴾ الذي رش على الأرواح في بدء الخلق ﴿ بأفواههم ﴾ أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ﴿ ليظهره ﴾ في طلب الحق على طلب غيره ﴿ إن كثيراً ﴾ من أحبار القلوب ورهبان الأرواح ﴿ ليأكلون ﴾ أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى ﴿ يحمى عليها في نار جهنم ﴾ الحرص ﴿ فتكوى بها ﴾ جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق ﴿ وجنوبهم ﴾ حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات ﴿ وظهورهم ﴾ حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم ﴿ هذا ﴾ الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ﴿ ما كنزتم ﴾ ﴿ فذوقوا ﴾ الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى.
ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج.
ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
من الناس من يقول: إن الشهور كانت التبست عليهم واختلطت؛ لكثرة ما كانوا يؤخرونها ويقدمونها، حتى لم يكونوا يعرفون الشهور بعينها كل شهر على حدة، فخطب رسول الله بمكة بالموسم، فقال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي [هو] بين جمادى وشعبان.
ثم قال لهم: أي بلد هذا؟
وأي شهر هذا؟
وأي يوم هذا؟، قالوا: بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، فقال: ألا هل بلغت، قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد" وفي بعض الأخبار زيادة: فقال: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية، وقالوا: وذلك أنهم كانوا يجعلون صفراً عاماً حراماً وعاماً حلالاً، ويجعلون المحرم عاماً حراماً وعاماً حلالاً، فكان النسيء من الشيطان.
وصف رسول الله في هذه الأحاديث الأشهر الحرم وبينها؛ فدل ذلك على أن النسيء كان يحرم القتال فيها؛ على ما كان أهل الجاهلية يحرمونه، وزاد ذلك بياناً يصيب أصحاب النسيء؛ إذ كانوا يستحلون القتال في المحرم، ويؤخرونه إلى صفر، فيحرمون صفراً مكان المحرم، فعاب الله عليهم تحليل ما حرم من الشهر، وجعله زيادة في الكفر، وقال: ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ أي: عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله، وقال: ﴿ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ .
ومنهم من قال: إن الله جعل عدة الشهور اثني عشر شهراً بالأهلة على ما عرفته العرب لما وفقوا إلى معرفة ذلك، ولم يوفق غيرهم، وإنما يعدون السنة بالأيام، والعرب تعرفها بالأهلة على ما خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض ﴿ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: في الأشهر كلها لما جعل هذه الأشهر شهوداً عليهم، يشهدون بما يعملون فيها من المعاصي والخيرات، وبها تنقضي آجالهم؛ يخبر ألا تظلموا في هذه الأشهر التي تأتي لكم بكل خير، وبكل نعمة، فإنها تنصرف بما تعملون فيها من الخير والشر.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
أي: في الأربعة الحرم، خص الأربعة وإن كان الظلم في الأشهر كلها لا يحل على ما خص مكة بترك الظلم، وإن كان الظلم حراماً في الأماكن كلها؛ كقوله: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ...
﴾ الآية [الحج: 25]، أي: لا تقاتلوا فيها؛ إذ كل ظلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .
قيل: ذلك الحساب حساب الأشهر قيم، أي: صحيح مستقيم على ما خلقه الله.
وقيل: ذلك الحساب هو القضاء العدل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: ﴿ كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : اللوح المحفوظ؛ على ما قيل.
ويحتمل: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ أي: في حكم الله ذلك.
وقوله: ﴿ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل ما ذكرنا من اللوح المحفوظ أن ذلك عند الله، لم يطلع عليه غيره.
ويحتمل: ﴿ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، [أي]: في علمه؛ على ما عرفته العرب، والله أعلم,.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ كَآفَّةً ﴾ أي: مجتمعون، أي: قاتلوهم مجتمعين على ما يقاتلونكم هم مجتمعين.
ويحتمل: ﴿ كَآفَّةً ﴾ ، أي: جماعة.
ويحتمل: ﴿ كَآفَّةً ﴾ : إلى الأبد، إلى يوم القيامة، أي: قاتلوهم إلى الوقت الذي يقاتلونكم كما يقاتلونكم.
﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
في النصر والمعونة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [التوبة: 37].
كأن هذه الآية والتي قبلها قوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً ﴾ في مشركي العرب، وسائر الآيات التي قبلها وهو قوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ في أهل الكتاب.
يخبر أن ملوك العرب اتخذوا أنفسهم أرباباً والأتباع عبيداً من دون الله حتى يتبعوهم في جميع ما يحلونه ويحرمونه، كما أن اليهود والنصارى اتخذوا أنفس أولئك عبيداً؛ فكأنه قال للمؤمنين: إن ملوك العرب وأحبار اليهود ورهبان النصارى اتخذوا أنفسهم أرباباً، والأتباع عبيداً، فأنتم يا معشر المؤمنين لا تتخذوا أنفسكم أرباباً، والأتباع عبيداً.
<div class="verse-tafsir"
إن عدد شهور السنة في حكم الله وقضائه اثنا عشر شهرًا، فيما أثبته الله في اللوح المحفوظ أول ما خلق السماوات والأرض، من هذه الأشهر الاثني عشر أربعة أشهر حرَّم الله فيهن القتال، وهي ثلاثة سرد: (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم)، وواحد فرد، وهو (رجب).
ذلك المذكور من عدد شهور السنة، ومن تحريم أربعة منها، هو الدين المستقيم، فلا تظلموا في هذه الأشهر الحُرُم أنفسكم بإيقاع القتال فيها، وهتك حرمتها، وقاتلوا المشركين جميعًا كما أنهم يقاتلونكم جميعًا، واعلموا أن الله مع الذين يتقونه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه بالنصر والتثبيت، ومن كان الله معه فلن يغلبه أحد.
من فوائد الآيات دين الله ظاهر ومنصور مهما سعى أعداؤه للنيل منه حسدًا من عند أنفسهم.
تحريم أكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله تعالى.
تحريم اكتناز المال دون إنفاقه في سبيل الله.
الحرص على تقوى الله في السر والعلن، خصوصًا عند قتال الكفار؛ لأن المؤمن يتقي الله في كل أحواله.
<div class="verse-tafsir" id="91.Z6AQr"