الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣٧ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 161 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة ، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة ، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله ، فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم ، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر ، فيحلون الشهر الحرام ، ويحرمون الشهر الحلال ، ليواطئوا عدة الأشهر الأربعة كما قال شاعرهم - وهو عمير بن قيس المعروف - بجذل الطعان : لقد علمت معد أن قومي كرام الناس أن لهم كراما ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما فأي الناس لم ندرك بوتر وأي الناس لم نعلك لجاما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) قال : النسيء أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام ، وكان يكنى " أبا ثمامة " ، فينادي : ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب ، ألا وإن صفر العام الأول حلال .
فيحله للناس ، فيحرم صفرا عاما ، ويحرم المحرم عاما ، فذلك قول الله : ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) [ إلى قوله : ( الكافرين ) وقوله ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) ] يقول : يتركون المحرم عاما ، وعاما يحرمونه .
وروى العوفي عن ابن عباس نحوه .
وقال ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له ، فيقول : يا أيها الناس ، إني لا أعاب ولا أحاب ، ولا مرد لما أقول ، إنا قد حرمنا المحرم ، وأخرنا صفرا .
ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته ، ويقول : إنا قد حرمنا صفرا ، وأخرنا المحرم .
فهو قوله : ( ليواطئوا عدة ما حرم الله ) قال : يعني الأربعة ( فيحلوا ما حرم الله ) لتأخير هذا الشهر الحرام .
وروي عن أبي وائل ، والضحاك ، وقتادة نحو هذا .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) الآية ، قال : هذا رجل من بني كنانة يقال له : " القلمس " ، وكان في الجاهلية ، وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام ، يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده ، فلما كان هو قال : اخرجوا بنا ، قالوا له : هذا المحرم !
قال : ننسئه العام ، هما العام صفران ، فإذا كان العام القابل قضينا جعلناهما محرمين .
قال : ففعل ذلك ، فلما كان عام قابل قال : لا تغزوا في صفر ، حرموه مع المحرم ، هما محرمان .
فهذه صفة غريبة في النسيء ، وفيها نظر ؛ لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط ، وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر ، فأين هذا من قوله تعالى : ( يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ) .
وقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضا ، فقال عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) الآية ، قال : فرض الله - عز وجل - الحج في ذي الحجة .
قال : وكان المشركون يسمون الأشهر ذا الحجة ، والمحرم ، وصفرا ، وربيع ، وربيع ، وجمادى ، وجمادى ، ورجبا ، وشعبان ، ورمضان ، وشوالا وذا القعدة .
وذا الحجة يحجون فيه مرة أخرى ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه ، ثم يعودون فيسمون صفرا صفرا ، ثم يسمون رجبا جمادى الآخرة ، ثم يسمون شعبان رمضان ، ثم يسمون شوالا رمضان ، ثم يسمون ذا القعدة شوالا ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة ، ثم يسمون المحرم ذا الحجة ، فيحجون فيه ، واسمه عندهم ذو الحجة ، ثم عادوا بمثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عامين ، حتى وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في القعدة ثم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجته التي حج ، فوافق ذا الحجة ، فذلك حين يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض .
وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضا ، وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة ، وأنى هذا ؟
وقد قال الله تعالى : ( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ) الآية [ التوبة : 3 ] ، وإنما نودي بذلك في حجة أبي بكر ، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى : ( يوم الحج الأكبر ) ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره - من دوران السنة عليهم وحجهم في كل شهر عامين - فإن النسيء حاصل بدون هذا ، فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عاما يحرمون عوضه صفر ، وبعده ربيع وربيع إلى آخر [ السنة والسنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها ثم في العام القابل يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه ، وبعده صفر ، وربيع وربيع إلى آخرها ] فيحلونه عاما ويحرمونه عاما ؛ ليواطئوا عدة ما حرم الله ، فيحلوا ما حرم الله ، أي : في تحريم أربعة أشهر من السنة ، إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم ، وتارة ينسئونه إلى صفر ، أي : يؤخرونه .
وقد قدمنا الكلام على قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ، ثلاثة متوالية : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر ، أي أن الأمر في عدة الشهور وتحريم ما هو محرم منها ، على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي ، لا كما يعتمده جهلة العرب ، من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض ، والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني ، حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أنه قال : وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة ، فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال : " وإنما النسيء من الشيطان ، زيادة في الكفر ، يضل به الذين كفروا ، يحلونه عاما ويحرمونه عاما " .
فكانوا يحرمون المحرم عاما ، ويستحلون صفرا ويستحلون المحرم ، وهو النسيء .
وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب " السيرة " كلاما جيدا ومفيدا حسنا ، فقال : كان أول من نسأ الشهور على العرب ، فأحل منها ما حرم الله ، وحرم منها ما أحل الله - عز وجل - " القلمس " ، وهو : حذيفة بن عبد مدركة فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد ، ثم ابنه أمية بن قلع ، ثم ابنه عوف بن أمية ، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف ، وكان آخرهم ، وعليه قام الإسلام .
فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه ، فقام فيهم خطيبا ، فحرم رجبا ، وذا القعدة ، وذا الحجة ، ويحل المحرم عاما ، ويجعل مكانه صفرا ، ويحرمه عاما ليواطئ عدة ما حرم الله ، فيحل ما حرم الله ، يعني : ويحرم ما أحل الله .
القول في تأويل قوله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما النّسيء إلا زيادة في الكفر.
* * * و " النسيء " مصدر من قول القائل: " نسأت في أيامك، ونسأ الله في أجلك "، أي: زاد الله في أيام عمرك ومدة حياتك، حتى تبقى فيها حيًّا.
وكل زيادة حدثت في شيء, فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه: " نسيء ".
ولذلك قيل للبن إذا كُثِّر بالماء: " نسيء ", وقيل للمرأة الحبلى: " نَسُوء ", و " نُسِئت المرأة ", لزيادة الولد فيها، وقيل: " نسأتُ الناقة وأنسأتها "، إذا زجرتها ليزداد سيرها.
وقد يحتمل أن: " النسيء "، " فعيل " صرف إليه من " مفعول ", كما قيل: " لعينٌ" و " قتيل ", بمعنى: ملعون ومقتول.
ويكون معناه: إنما الشهر المؤخَّر زيادة في الكفر.
وكأنّ القول الأوّل أشبه بمعنى الكلام, وهو أن يكون معناه: إنما التأخير الذي يؤخِّره أهل الشرك بالله من شهور الحرم الأربعة، وتصييرهم الحرام منهن حلالا والحلال منهن حرامًا, زيادة في كفرهم وجحودهم أحكامَ الله وآياته.
* * * وقد كان بعض القرأة يقرأ ذلك: (إِنَّمَا النَّسْيُ) بترك الهمز، وترك مدِّه: (يضل به الذين كفروا)،.
* * * واختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة الكوفيين: (يَضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بمعنى: يضل الله بالنسيء الذي ابتدعوه وأحدثوه، الذين كفروا.
* * * وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ( يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفُرُوا)، بمعنى: يزول عن محجة الله التي جعلها لعباده طريقًا يسلكونه إلى مرضاته، الذين كفروا.
* * * وقد حكي عن الحسن البصري: (يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفُرُوا)، بمعنى: يضل بالنسيء الذي سنه الذين كفروا, الناسَ.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هما قراءتان مشهورتان, قد قرأت بكل واحدةٍ القرأة أهل العلم بالقرآن والمعرفة به, وهما متقاربتا المعنى.
لأن من أضله الله فهو " ضال "، ومن ضل فبإضلال الله إياه وخذلانه له ضلّ.
فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مصيبٌ.
* * * وأما الصواب من القراءة في " النسيء ", فالهمزة, وقراءته على تقدير " فعيل " لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا يجوز خلافها فيما أجمعت عليه.
* * * وأما قوله: (يحلونه عامًا)، فإن معناه: يُحلُّ الذين كفروا النسيء = و " الهاء " في قوله: (يحلونه)، عائدة عليه.
ومعنى الكلام: يحلُّون الذي أخَّروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم، عامًا =(ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله)، يقول: ليوافقوا بتحليلهم ما حلَّلوا من الشهور، وتحريمهم ما حرموا منها, عدّة ما حرّم الله (1) =(فيحلوا ما حرّم الله زُيِّن لهم سوء أعمالهم)، يقول: حُسِّن لهم وحُبِّب إليهم سيئ أعمالهم وقبيحها، وما خولف به أمرُ الله وطاعته (2) =(والله لا يهدي القوم الكافرين)، يقول: والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وجميلها، (3) وما لله فيه رضًى, القومَ الجاحدين توحيدَه، والمنكرين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, ولكنه يخذّلهم عن الهُدى، كما خذَّل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم.
(4) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16706- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: " النسيء "، هو أن " جُنَادة بن عوف بن أمية الكناني"، كان يوافي الموسم كلَّ عام, وكان يُكنى " أبا ثُمَامة ", (5) فينادي: " ألا إنّ أبا ثمامة لا يُحَابُ ولا يُعَابُ, (6) ألا وإن صَفَر العامِ الأوَّلِ العامَ حلالٌ"، (7) فيحله الناس, فيحرم صَفَر عامًا, ويحرِّم المحرم عامًا, فذلك قوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، إلى قوله: (الكافرين).
وقوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، يقول: يتركون المحرم عامًا, وعامًا يحرِّمونه.
* * * قال أبو جعفر: وهذا التأويلُ من تأويل ابن عباس، يدل على صحة قراءة من قرأ (النَّسْيُ)، بترك الهمزة وترك المدّ, وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه " فَعْلٌ"، من قول القائل: " نسيت الشيء أنساه ", ومن قول الله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ، [سورة التوبة: 67]، بمعنى: تركوا الله فتركهم.
16707- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: فهو المحرَّم، كان يحرَّم عامًا، وصفرُ عامًا, وزيد صفرٌ آخر في الأشهر الحُرُم, وكانوا يحرمون صفرًا مرة، ويحلُّونه مرة, فعاب الله ذلك.
وكانت هوازن وغطفان وبنو سُلَيْم تفعله.
16708- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي وائل: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: كان " النسيء " رجلا من بني كنانة, (8) وكان ذا رأي فيهم, وكان يجعل سنةً المحرمَ صفرًا, فيغزون فيه، فيغنمون فيه، ويصيبون, ويحرِّمه سنة.
16709-......
قال حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن أبي وائل: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، الآية, وكان رجل من بني كنانة يُسَمَّى " النسيء ", فكان يجعل المحرَّم صفرًا، ويستحل فيه الغنائم, فنـزلت هذه الآية.
16710- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إدريس قال، سمعت ليثًا, عن مجاهد قال، كان رجل من بني كنانة يأتي كلَّ عام في الموسم على حمار له, فيقول: " أيها الناس، إني لا أعاب ولا أحَابُ, (9) ولا مَرَدَّ لما أقول، إنَّا قد حرمنا المحرَّم, وأخَّرنا صفر ".
ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته, ويقول: " إنا قد حرَّمنا صفر وأخَّرنا المحرَّم "، فهو قوله: (ليواطئوا عدة ما حرم الله)، قال: يعني الأربعة =(فيحلوا ما حرم الله)، لتأخير هذا الشهر الحرام.
16711- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، " النسيء "، المحرّم, وكان يحرم المحرَّم عامًا ويحرِّم صفر عامًا, فالزيادة " صفر ", وكانوا يؤخرون الشهور حتى يجعلون صفر المحرم, فيحلوا ما حرم الله.
وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يعظمونه, هم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية.
16712- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، إلى قوله: (الكافرين)، عمد أناسٌ من أهل الضلالة فزادوا صفرًا في الأشهر الحرم, فكان يقوم قائمهم في الموسم فيقول: " ألا إن آلهتكم قد حرمت العام المحرَّم "، فيحرمونه ذلك العام.
ثم يقول في العام المقبل فيقول: " ألا إن آلهتكم قد حرمت صفر "، فيحرمونه ذلك العام.
وكان يقال لهما " الصفران ".
قال: فكان أول من نَسَأ النسيء: بنو مالك بن كنانة, وكانوا ثلاثة: أبو ثمامة صفوان بني أمية أحد بني فقيم بن الحارث, ثم أحد بني كنانة.
(10) 16713- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: فرض الله الحج في ذي الحجة.
قال: وكان المشركون يسمون الأشهر: ذو الحجة, والمحرم, وصفر, وربيع, وربيع, وجمادى, وجمادى, ورجب, وشعبان, ورمضان, وشوال, وذو القعدة, وذو الحجة, يحجون فيه مرة، ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه, ثم يعودون فيسمُّون صفر صفر.
ثم يسمون رجب جمادى الآخرة, ثم يسمون شعبان ورمضان, ثم يسمون رمضانَ شوالا ثم يسمُّون ذا القعدة شوالا ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة, ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه, واسمه عندهم ذو الحجة.
ثم عادوا بمثل هذه القصة, فكانوا يحجون في كل شهر عامين, حتى وافق حجةُ أبي بكر رضي الله عنه الآخرَ من العامين في ذي القعدة.
ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجَّته التي حجَّ, فوافق ذا الحجة, فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ".
16714- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: حجوا في ذي الحجة عامين, ثم حجوا في المحرم عامين, ثم حجُّوا في صفر عامين, فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين, حتى وافقت حجة أبي بكر الآخرَ من العامين في ذي القعدة، قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة.
ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابلٍ في ذي الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ".
16715- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن حصين, عن أبي مالك: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثةَ عشر شهرًا, فيجعلون المحرَّم صفرًا, فيستحلُّون فيه الحرمات.
فأنـزل الله: (إنما النسيء زيادة في الكفر).
16716- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا)، الآية.
قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له: " القَلَمَّس ", كان في الجاهلية.
وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام, يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمُدّ إليه يده.
فلما كان هو, قال: " اخرجوا بنا " اخرجوا له: " هذا المحرَّم "!
فقال: " ننسئه العام, هما العام صفران, فإذا كان عام قابلٍ قضينا، فجعلناهما محرَّمَين ".
قال: ففعل ذلك.
فلما كان عام قابل قال: " لا تغزوا في صفر، حرِّموه مع المحرم, هما محرَّمان، المحرَّم أنسأناه عامًا أوَّلُ ونقضيه ".
ذلك " الإنساء "، وقال منافرهم: (11) وَمِنَّا مُنْسِي الشُّهُورِ القَلَمَّسُ (12) وأنـزل الله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، إلى آخر الآية.
* * * وأما قوله: (زيادة في الكفر)، فإن معناه زيادة كُفْر بالنسيء، إلى كفرهم بالله قبلَ ابتداعهم النسيء، (13) كما:- 16717- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، يقول: ازدادوا به كفرًا إلى كفرهم.
* * * وأما قوله: (ليواطئوا)، فإنه من قول القائل: " واطأت فلانا على كذا أواطئه مُواطأة "، إذا وافقته عليه, معينًا له, غير مخالف عليه.
* * * وروي عن ابن عباس في ذلك ما:- 16718- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ليواطئوا عدة ما حرم الله)، يقول: يشبهون.
* * * قال أبو جعفر: وذلك قريب المعنى مما بَيَّنَّا, وذلك أن ما شابه الشيء، فقد وافقه من الوجه الذي شابهه.
وإنما معنى الكلام: أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرِّمونها، عدة الأشهر الأربعة التي حرَّمها الله, لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها, وإن قدَّموا وأخَّروا.
فذلك مواطأة عِدتهم عدَّةَ ما حرّم الله.
------------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " عدة " فيما سلف 3 : 459 14 : 234 .
(2) انظر تفسير " زين " فيما سلف ص : 7 : تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : " لمحاسن الأفعال وحلها " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وصوابه ما أثبت.
(4) انظر تفسير " هدى " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
(5) انظر أخبار " النسأة " ، وخبر " جنادة بن عوف بن أمية " في سيرة ابن هشام 1 : 44 - 47 ، والمحبر : 156 ، 157 ، وغيرهما .
و " جنادة بن عوف " ، هو الذي قام عليه الإسلام من النسأة.
(6) كان في المطبوعة : " لا يجاب " بالجيم ، ووردت بالجيم في كثير من الكتب ، منها لسان العرب ( نسأ ) ، ولكنه ورد في المحبر : 157 ، بالحاء المهملة ، وهو من " الحوب " ، أي : الإثم ، أي : لا ينسب إلى الإثم .
وانظر الخبر التالي رقم : 16710 .
(7) في المطبوعة : " صفر العام الأول حلال"، حذف " العام " الثانية ، وهي ثابتة في المخطوطة .
(8) قوله : " كان النسيء رجلا "، دال على صواب قوله هناك ص : 237 ، تعليق 1 : ، على أن " النسيء " في ذلك الموضع صواب أيضًا ، وانظر الأثر التالي ، قوله: "وكان رجل من بني كنانة يسمى النسيء" ، وهذا كله لم تذكره كتب اللغة التي بين يدي .
(9) " أحاب " مضى تفسيرها ص : 243 ، تعليق : 2 ، وكانت هنا في المطبوعة أيضًا "أجاب" بالجيم .
(10) هكذا جاء في المخطوطة : " وكانوا ثلاثة "، ثم لم يذكر غير واحد .
وقوله : " أبو ثمامة ، صفوان بن أمية "، مضى قبل في الأثر رقم: 16706 أن "أبا ثمامة" هو "جنادة بن عوف بن أمية"، أما صفوان هذا فقد ذكره أبو عبيد البكري في شرح الأمالي: 10، وقال: قال الليثي : كان الذي انبرى للنسئ ، القلمس ، وهو : صفوان بن محرث ، أحد بني مالك بن كنانة ، وكان له بذلك ملكة وأكل ، وتوارثه بنوه إلى الإسلام ".
ولكن الذي ذكره ابن حبيب في المحبر ، وابن هشام في سيرته 1 : 44 .
قال ابن إسحاق : " وكان أول من نسأ الشهور على العرب ، فأحلت ما أحل ، وحرمت منها ما حرم : القلمس ، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم ابن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة .
ثم قام بعده على ذلك ، ابنه : عباد بن حذيفة .
ثم قام بعد عباد : قلع بن عباد .
ثم قام بعد قلع : أمية بن قلع .
ثم قلم بعد أمية : عوف بن أمية .
ثم قام بعد عوف : أبو ثمامة جنادة بن عوف ، وكان آخرهم ، وعليه قام الإسلام " .
وذلك ما قاله ابن حبيب ، وما قاله ابن حزم في الجمهرة : 178 ، والمصعب الزبيري في نسب قريش : 12 .
ولم أجد هذا الخبر في مكان آخر ، فأعرف مقالة قتادة في أمر النسئ والنسأة .
و " صفوان بن محرث " الذي ذكره البكري ، هو " صفوان بن أمية " المذكور في هذا الخبر ، وهو : " صفوان بن أمية بن محرث بن بن خمل بن شق بن رقبة بن مخدج بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة " ، وكان أحد حكام العرب في الجاهلية ، وأحد من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية ( انظر المحبر : 133 ، 237 أمالي القالي 1 : 240 وذكر شعره في تحريم الخمر ) .
وبين من هذا كله أن " صفوان بن أمية " ، ليس من " بني فقيم بن الحارث بن مالك " .
بل من بني " مخدج بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك " .
ثم انظر ص : 250 ، تعليق : 1 ، وذكر " القلمس " للناسئ في شعر عبد الرحمن بن الحكم ، وأمه هي : " آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث " .
(11) في المطبوعة : " وقال شاعرهم " ، وأثبت ما في المخطوطة .
و " المنافر " ، هو المفاخر في المنافرة .
قال ابن سيده : " وكأنما جاءت المنافرة ، في أول ما استعملت ، أنهم كانوا يسألون الحاكم : أينا أعز نفرا ؟
" .
و " المنافرة " : هي أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ، ثم يحكما بينهما رجلا .
(12) هكذا جاء في المخطوطة مضطرب الميزان، وذكره القرطبي في تفسيره 8 : 138 .
ومنـــا ناســئ الشــهر القلمس وهو أيضًا غير مستقيم ، والذي وجدته ، هو ما قاله عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ، قال : نمَـانِي أبُـو العَـاصِي الأمِينُ وَهَاشِمٌ وعُثْمـانُ , والنَّاسِـي الشُّـهُورَ القَلَمَّسُ وأم عبد الرحمن بن الحكم، ومروان بن الحكم، هي : " آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث بن خمل بن شق" ، و "صفوان" هذا هو الذي جاء ذكره في الخبر رقم : 16712 ، وأنه كان من " النسأة " ، وكل ناسئ كان يقال له : "القلمس" ، فهذا البيت يؤيد ما قاله قتادة بعض التأييد.
وانظر البيت الذي ذكرته في نسب قريش للمصعب الزبيري ص : 98 .
(13) في المطبوعة : " وقيل : ابتداعهم النسئ " ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد الكلام كله .
قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرينقوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر هكذا يقرأ أكثر الأئمة .
قال النحاس : ولم يرو أحد عن نافع فيما علمناه " إنما النسي " بلا همز إلا ورش وحده .
وهو مشتق من نسأه وأنسأه إذا أخره ، حكى اللغتين الكسائي .
الجوهري : " النسيء " : فعيل بمعنى مفعول ، من قولك : نسأت الشيء فهو منسوء إذا أخرته .
ثم يحول منسوء إلى نسيء كما يحول مقتول إلى قتيل .
ورجل ناسئ وقوم نسأة ، مثل فاسق وفسقة .
قال الطبري : النسيء بالهمزة معناه الزيادة نسأ ينسأ إذا زاد .
قال : ولا يكون بترك الهمز إلا من النسيان ، كما قال تعالى : نسوا الله فنسيهم ، ورد على نافع قراءته ، واحتج بأن قال : إنه يتعدى بحرف الجر يقال : نسأ الله في أجلك كما تقول زاد الله في أجلك ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : من سره أن يبسط له [ ص: 69 ] في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه .
قال الأزهري : أنسأت الشيء إنساء ، ونسيئا اسم وضع موضع المصدر الحقيقي .
وكانوا يحرمون القتال في المحرم فإذا احتاجوا إلى ذلك حرموا صفرا بدله وقاتلوا في المحرم .
وسبب ذلك أن العرب كانت أصحاب حروب وغارات فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها ، وقالوا : لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن .
فكانوا إذا صدروا عن منى يقوم من بني كنانة ، ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له القلمس ، فيقول أنا الذي لا يرد لي قضاء .
فيقولون : أنسئنا شهرا ، أي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر ، فيحل لهم المحرم .
فكانوا كذلك شهرا فشهرا حتى استدار التحريم على السنة كلها .
فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله فيه .
وهذا معنى قوله عليه السلام : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض .
وقال مجاهد : كان المشركون يحجون في كل شهر عامين ، فحجوا في ذي الحجة عامين ، ثم حجوا في المحرم عامين ، ثم حجوا في صفر عامين ، وكذلك في الشهور كلها حتى وافقت حجة أبي بكر التي حجها قبل حجة الوداع ذا القعدة من السنة التاسعة .
ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة ، فذلك قوله في خطبته : إن الزمان قد استدار .
.
.
الحديث .
أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها ، وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء .
وقول ثالث .
قال إياس بن معاوية : كان المشركون يحسبون السنة اثني عشر شهرا وخمسة عشر يوما ، فكان الحج يكون في رمضان وفي ذي القعدة ، وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يوما فحج أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة بحكم الاستدارة ، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة في العشر ، ووافق ذلك الأهلة .
وهذا القول أشبه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الزمان قد استدار .
.
.
أي زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه الله يوم خلق السماوات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه ، ونفذ بها حكمه .
ثم قال : السنة اثنا عشر شهرا .
ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنة - وهي الخمسة عشر يوما - بتحكمهم ، فتعين الوقت الأصلي وبطل التحكم [ ص: 70 ] الجهلي .
وحكى الإمام المازري عن الخوارزمي أنه قال : أول ما خلق الله الشمس أجراها في برج الحمل ، وكان الزمان الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم صادف حلول الشمس برج الحمل .
وهذا يحتاج إلى توقيف ، فإنه لا يتوصل إليه إلا بالنقل عن الأنبياء ، ولا نقل صحيحا عنهم بذلك ، ومن ادعاه فليسنده .
ثم إن العقل يجوز خلاف ما قال ، وهو أن يخلق الله الشمس قبل البروج ، ويجوز أن يخلق ذلك كله دفعة واحدة .
ثم إن علماء التعديل قد اختبروا ذلك فوجدوا الشمس في برج الحوت وقت قوله عليه السلام : إن الزمان قد استدار .
.
.
بينها وبين الحمل عشرون درجة .
ومنهم من قال عشر درجات .
والله أعلم .
واختلف أهل التأويل في أول من نسأ ، فقال ابن عباس وقتادة والضحاك : بنو مالك بن كنانة ، وكانوا ثلاثة .
وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أول من فعل ذلك عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف .
وقال الكلبي : أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة ، ثم كان بعده رجل يقال له : جنادة بن عوف ، وهو الذي أدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال الزهري : حي من بني كنانة ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له القلمس واسمه حذيفة بن عبيد .
وفي رواية : مالك بن كنانة .
وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه .
وفي ذلك يقول شاعرهم :ومنا ناسئ الشهر القلمسوقال الكميت :ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراماقوله تعالى زيادة في الكفر بيان لما فعلته العرب من جمعها من أنواع الكفر فإنها أنكرت وجود البارئ تعالى فقالت : وما الرحمن في أصح الوجوه .
وأنكرت البعث فقالت : من يحيي العظام وهي رميم .
وأنكرت بعثة الرسل فقالوا : أبشرا منا واحدا نتبعه .
وزعمت أن التحليل والتحريم إليها ، فابتدعته من ذاتها مقتفية لشهواتها فأحلت ما حرم الله .
ولا مبدل لكلماته ولو كره المشركون .[ ص: 71 ] قوله تعالى يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين فيه ثلاث قراءات .
قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو " يضل " وقرأ الكوفيون " يضل " على الفعل المجهول .
وقرأ الحسن وأبو رجاء " يضل " والقراءات الثلاث كل واحدة منها تؤدي عن معنى ، إلا أن القراءة الثالثة حذف منها المفعول .
والتقدير : ويضل به الذين كفروا من يقبل منهم .و ( الذين ) في محل رفع .
ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى الله عز وجل .
التقدير : يضل الله به الذين كفروا ، كقوله تعالى : يضل من يشاء ، وكقوله في آخر الآية : والله لا يهدي القوم الكافرين .
والقراءة الثانية : ( يضل به الذين كفروا ) يعني المحسوب لهم ، واختار هذه القراءة أبو عبيد ، لقوله تعالى : زين لهم سوء أعمالهم والقراءة الأولى اختارها أبو حاتم ; لأنهم كانوا ضالين به أي بالنسيء لأنهم كانوا يحسبونه فيضلون به .
والهاء في " يحلونه " ترجع إلى النسيء .
وروي عن أبي رجاء " يضل " بفتح الياء والضاد .
وهي لغة ، يقال : ضللت أضل ، وضللت أضل .( ليواطئوا ) نصب بلام كي أي ليوافقوا .
تواطأ القوم على كذا : أي اجتمعوا عليه ، أي لم يحلوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى الأشهر الحرم أربعة .
وهذا هو الصحيح ، لا ما يذكر أنهم جعلوا الأشهر خمسة .
قال قتادة : إنهم عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم ، وقرنوه بالمحرم في التحريم ، وقاله عنه قطرب والطبري .
وعليه يكون النسيء بمعنى الزيادة .
والله أعلم .
النسيء: هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة، أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال، في بعض أوقات الأشهر الحرم، رأوا ـ بآرائهم الفاسدة ـ أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم، التي حرم اللّه القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم، أو يقدموه، ويجعلوا مكانه من أشهر الحل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حرامًا، فهذا ـ كما أخبر اللّه عنهم ـ أنه زيادة في كفرهم وضلالهم، لما فيه من المحاذير. منها: أنهم ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، وجعلوه بمنزلة شرع اللّه ودينه، واللّه ورسوله بريئان منه. ومنها: أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حراما، والحرام حلالا. ومنها: أنهم مَوَّهوا على اللّه بزعمهم وعلى عباده، ولبسوا عليهم دينهم، واستعملوا الخداع والحيلة في دين اللّه. ومنها: أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها، يزول قبحها عن النفوس، وربما ظن أنها عوائد حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل، ولهذا قال: {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} أي: ليوافقوها في العدد، فيحلوا ما حرم اللّه. {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} أي: زينت لهم الشياطين الأعمال السيئة، فرأوها حسنة، بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم. {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أي: الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، فلو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا.
قوله تعالى : ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) قيل : هو مصدر كالسعير والحريق .
وقيل : هو مفعول كالجريح والقتيل ، وهو من التأخير .
ومنه النسيئة في البيع ، يقال : أنسأ الله في أجله أي أخر ، وهو ممدود مهموز عند أكثر القراء ، وقرأ ورش عن نافع من طريق البخاري : بتشديد الياء من غير همز ، وقد قيل : أصله الهمزة فخفف .
وقيل : هو من النسيان على معنى المنسي أي : المتروك .
ومعنى النسيء : هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر ، وذلك أن العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر الحرم ، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام ، وكانت عامة معايشهم من الصيد والغارة ، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي ، وربما وقعت لهم حرب في بعض الأشهر الحرم فيكرهون تأخير حربهم ، فنسئوا أي : أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر ، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر ، فيحرمون صفر ويستحلون المحرم ، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع ، هكذا شهرا بعد شهر ، حتى استدار التحريم على السنة كلها .
فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله عز وجل فيه ، وذلك بعد دهر طويل ، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته .
كما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف الفربري ، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، حدثنا محمد بن سلام ، حدثنا عبد الواحد حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين ، عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " .
وقال : " أي شهر هذا؟
قلنا الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، فقال : أليس ذو الحجة؟
قلنا : بلى ، قال : أي بلد هذا؟
قلنا الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، فقال : أليس البلد الحرام؟
قلنا : بلى ، قال : فأي يوم هذا؟
قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس يوم النحر؟
قلنا : بلى ، قال : فإن دماءكم وأموالكم ، قال محمد : أحسبه قال : وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا ، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ، ألا هل بلغت ألا هل بلغت " ؟
قالوا : وكان قد استمر النسيء بهم ، فكانوا ربما يحجون في بعض السنين في شهر ويحجون من قابل في شهر آخر .
قال مجاهد : كانوا يحجون في كل شهر عامين ، فحجوا في شهر ذي الحجة عامين ، ثم حجوا في المحرم عامين ، ثم حجوا في صفر عامين ، وكذلك في الشهور ، فوافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة ، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل حجة الوداع ، فوافق حجه شهر الحج المشروع وهو ذو الحجة ، فوقف بعرفة يوم التاسع ، وخطب اليوم العاشر بمنى ، وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان ، وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق الله السموات والأرض ، وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا يتبدل في مستأنف الأيام .
واختلفوا في أول من نسأ النسيء : فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد : أول من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة ، وكانوا ثلاثة .
أبو ثمامة جناد بن عوف بن أمية الكناني .
وقال الكلبي : أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال : له نعيم بن ثعلبة ، وكان يكون أميرا على الناس بالموسم ، فإذا هم الناس بالصدر ، قام فخطب الناس فقال : لا مرد لما قضيت ، أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ، فيقول له المشركون : لبيك ، ثم يسألونه أن ينسأهم شهرا يغيرون فيه ، فيقول : فإن صفر العام حرام ، فإذا قال ذلك حلوا الأوتار ، ونزعوا الأسنة والأزجة ، وإن قال حلال عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة ، وأغاروا .
وكان من بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له : جنادة بن عوف ، وهو الذي أدركه النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو رجل من بني كنانة يقال له : القلمس ، قال شاعرهم : وفينا ناسئ الشهر القلمس وكانوا لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم .
وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن أول من سن النسيء عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير بن حرب ، حدثنا جرير ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب ، وهو يجر قصبه في النار " .
فهذا الذي ذكرنا هو النسيء الذي ذكره الله تعالى فقال : ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) يريد زيادة كفر على كفرهم ، ( يضل به الذين كفروا ) قرأ حمزة والكسائي وحفص : ( يضل ) بضم الياء وفتح الضاد ، كقوله تعالى : " زين لهم سوء أعمالهم " ، وقرأ يعقوب بضم الياء وكسر الضاد ، وهي قراءة الحسن ومجاهد على معنى " يضل " به الذين كفروا الناس ، وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الضاد ، لأنهم هم الضالون لقوله : ( يحلونه ) يعني النسيء ( عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا ) أي : ليوافقوا ، والمواطأة : الموافقة ، ( عدة ما حرم الله ) يريد أنهم لم يحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال ، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام ، لئلا يكون الحرام أكثر من أربعة أشهر ، كما حرم الله فيكون موافقة العدد ، ( فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم ) قال ابن عباس : زين لهم الشيطان ، ( والله لا يهدي القوم الكافرين )
«إنما النسيء» أي التأخير لحرمة شهر إلى آخر كما كانت الجاهلية تفعله من تأخير حرمة المحرم إذا هلَّ وهم في القتال إلى صفر «زيادة في الكفر» لكفرهم بحكم الله فيه «يُضَلٌ» بضم الياء وفتحها «به الذين كفروا يحلونه» أي النسيء «عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا» يوافقوا بتحليل شهر وتحريم آخر بدله «عدة» عدد «ما حرم الله» من الأشهر فلا يزيدوا على تحريم أربعة ولا ينقصوا ولا ينظروا إلى أعيانها «فيحلوا ما حرم الله زُيِّن لهم سوء أعمالهم» فظنوه حسنا «والله لا يهدي القوم الكافرين».
إن الذي كانت تفعله العرب في الجاهلية من تحريم أربعة أشهر من السنة عددًا لا تحديدًا بأسماء الأشهر التي حرَّمها الله، فيؤخرون بعضها أو يقدِّمونه ويجعلون مكانه من أشهر الحل ما أرادوا حسب حاجتهم للقتال، إن ذلك زيادة في الكفر، يضل الشيطان به الذين كفروا، يحلون الذي أخروا تحريمه من الأشهر الأربعة عامًا، ويحرمونه عاما؛ ليوافقوا عدد الشهور الأربعة، فيحلوا ما حرَّم الله منها.
زَيَّن لهم الشيطان الأعمال السيئة.
والله لا يوفق القوم الكافرين إلى الحق والصواب.
ثم نعى - سبحانه - على ما كانوا يفعلون من تحليل وتحريم للشهور على حسب أهوائهم .
.
فقال تعالى : ( إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر .
.
.
) والنسئ : مصدر بزنة فعيل مأخوذ من نسأ الشئ إذا أخره .ومنه نسأت الإِبل عن الحوض إذا أخرتها عنه .
ومنه أنسأ الله فى أجل فلان ، أى : أخره والمراد به : تأخبر حرمة شهر إلى شهر آخر .وقد أشار صاحب الكشاف إلى الأسباب التى جعلت المشركين يحلون الأشهر الحرم فقال : " كانوا أصحاب حروب وغارات ، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة ، فيحلونه ويحرمونه مكانه شهر آخر - وكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها - حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم؛ فكانوا يرحمون من شتى شهور العام أربعة أشهر ، وذلك قوله ( لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ) أى ليوافقو العدة التى هى الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا التخصيص الذى هو أحد الواجبين " .والمعنى : إنما النسئ الذى يفعله المشركون ، من تأخيرهم حرمة شهر إلى آخر ، ( زِيَادَةٌ فِي الكفر ) أى : زيادة فى كفرهم؛ لأنهم قد ضموا إلى كفرهم آخر ، هو تحليلهم لما حرمه الله وتحريمهم لما أحله وبذلك يكونون قد جمعوا بين الكفر فى العقيدة والكفر فى التشريع .قال القرطبى : وقوله : ( زِيَادَةٌ فِي الكفر ) بيان لما فعلته العرب من جمعها أنواعا من الكفر ، فإنها أنكرت وجد البارى - تعالى - فقالت : ( وَمَا الرحمن ) فى أصح الوجوه .
وأنكرت البعث فقالت ( مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ ) وأنكرت بعثة الرسل فقالوا : ( أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ ) وزعمت أن التحليل والتحريم إليها ، فابتدعته من ذاتها مقتفية لشهواتها فأحلت ما حرمه الله : ولا مبدل لكلماته ولو كره المشركون .وقوله ( يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ ) قرأه الكوفيون بضم الياء وفتح الضاد بالبناء للمفعول .أى : يوقع الذين كفروا بسبب ارتكابهم للنسئ فى الضلال والموقع لهم فى هذا الضلال كبراؤهم وشياطينهم .وقرأه أهل الحرمين وأبو عمرو ( يُضَلُّ ) بفتح الياء وكسر الضاد بالبناء للفاعل .أى : يضل الله الذين كفروا ، بأن يخلق فيهم الضلال بسبب مباشرتهم لما أدى إليه وهو ارتكابهم للنسئ .ويصح أن يكون الفاعل هو الذين كفروا أى يضل الذين كفروا عن الحق بسبب استعمالهم للنسئ الذى هو لون من ألوان استحلال محارم الله .وقوله : ( يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً ) بيان وتفسير ليكفية ضلالهم .والضمير المنصوب فى ( يُحِلُّونَهُ .
.
وَيُحَرِّمُونَهُ ) يعود إلى النسئ ، أى الشهر المؤخر عن موعده .والمعنى أن هؤلاء الكافرين من مظاهر ضلالهم ، أنهم يحلون الشهر المؤخر عن وقته عاما من الأعوام ، ويحرمون مكانه شهرا آخر ليس من الأشهر الحرم ، وأنهم يحرمونه أى : يحافظون على حرمة الشهر الحرام عاما آخر ، إذا كانت مصحلتهم فى ذلك .والمواطأة : الموافقة .
يقال : واطأت فلاناً على كذا إذا وافقته عليه بدون مخالفته .والمعنى : فعل المشركون ما فعلوه من التحليل والتحريم للأشهر على حسب أهوائهم ، ليوافقوا بما فعلوا عدة الأشهر الحرم ، بحيث تكون أربعة فى العدد وإن لم تكن عين الأشهر المحرمة فى شريعة الله .قال ابن عباس : ما أحل المشركون شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً من الأشهر الحلال .
وما حرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الأشهر الحرام ، لكى يكون عدد الأشهر الحرم أربعة .وقوله : ( فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله ) تفريع على ما تقدم .أى : فيحلوا بتغييرهم الشهور المحرمة ، ما حرمه الله فى شره ، فهم وإن كانوا وافقوا شريعة الله فى عدد الشهور المحرمة ، إلا أنهم خالفوه فى تخصيصها فقد كانوا - مثلا - يستحلون شهر المحرم بدله شهر صفر .وقوله : ( زُيِّنَ لَهُمْ سواء أَعْمَالِهِمْ ) ذم لهم على انتكاس بصائرهم ، وسوء تفكيرهم .أى : زين لهم الشيطان سوء أعمالهم ، فجعلهم يرون العمل القبيح عملا حسنا .
وقوله : ( والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ) تذييل قصد به التنفير والتوبيخ للكافرين .أى : والله تعالى .
اقتضت حكمته أن لا يهدى القوم الكافرين إلى طريقه القويم ، لأنهم بسبب سوء اختيارهم استحبوا العمى على الهدى ، وأثروا طريق الغى على طريق الرشاد .
.
فكان أمرهم فرطا .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى .1- أن السنة اثنا عشر شهراً ، وأن شهور السنة القمرية هى المعول عليها فى الأحكام لا شهور السنة الشمسية .قال الفخر الرازى ، اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثنى عشر شهراً من الشهور القمرية ، والدليل عليه هذه الآية - ( إِنَّ عِدَّةَ الشهور ) الآية ، وقوله .
تعالى : ( هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب .
.
.
) فجعل تقديره القمر بالمنازل علة للسنين والحساب وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر .وأيضاً قوله .
تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ) ثم قال : واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية ، وهذا الحكم توارثوه عن إبراهيم وإسماعيل .
عليها السلام .
فأما عند اليهود والنصارى ، فليس الأمر كذلك .
.وقال الجمل : قوله ( اثنا عَشَرَ شَهْراً ) هذه شهور السنة القمرية التى هى مبنية على سير القمر فى المنازل ، وهى شهور العرب التى يعتد بها المسلمون فى صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم .
وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون يوماً .
والسنة الشمسية عبارة عن دوران الشمس فى الفلك دورة تامة ، وهى ثلثمائة وهمسة وستون يوماً .
وربع يوم .
فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام ، فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الصوم والحج تارة فى الشتاء وتارة فى الصيف .هذا ، وقد تكلم بعض المفسرين عن الشهور القمرية ، وعن سبسب تسميتها بما سميت به فارجع إليه إن شئت .2- وجوب التقييد بما شعره الله من أحكام بدون زيادة أو نقصان عليها .قال القرطبى ما ملخصه : وضع - هذه الشهور وسماها بأسمائها على مارتبها عليه يوم خلق السماوات والأرض ، وأنزل ذلك على أنبيائه فى كتبه المنزلة ، وهى معنى قوله : ( إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً ) .وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها ، وتقديم المقدم فى الاسم منها .والمقصود من ذلك اتباع أمر الله فيها ، ورفض ما كان عليه أهل الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها .ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - فى خطبته فى حدة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " .ثم قال القرطبى؛ كانوا يحرمون شهراً فشهراً حتى استدار التحريم على السنة كلها .
فقام الإِسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذى وضعه الله فيه .
فهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض " .3- أخذ بعضهم من قوله تعالى - ( فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) أن تحريم القتال فى الأشهر الحرم ثابت لم ينسخ ، وأنه لا يصح القتال فيها إلا أن يكون دفاعاً .قال ابن جريج : حلف بالله عطاء بن أبى رباح أنه ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم ولا فى الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها .وذهب جمهور العلماء إلى أن تحريم القتال فى الأشهر الحرم قد نسخ ، بدليل أن الله - تعالى - بعد أن نهى المؤمين عن أن يظلموا أنفسهم بالقتال فيها أمرهم بقتال المشركين من غير تقيد يزمن فقال ( وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ) فدل ذلك على أن القتال فى الأشهر الحرم مباح .وبدليل أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حاصر أهل الطائف فى شهر حرام وهو شهر ذى القعدة .قال ابن كثير : ثبت فى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى هوزان فى شوال ، فلما كسرهم .
.
لجأوا إلى الطائف ، فعمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوماً ، وانصرف ولم يفتحها فثبت أنه حاصر فى الشهر الحرام - أى .
فى شهر ذى القعدة .ثم قال ما ملخصه : وأما قوله - تعالى ( وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ) فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف .
ويكون من باب التهييج للمؤمنين على قتال أعدائهم .
.
ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال أعدائهم فى الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم - أى من الأعداء : كما قال : - تعالى - ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ ) وكما قال - تعالى - ( وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم ) وهكذا الجواب عن حصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام ، فإنه من تتمة قتال هوزان وأحلاقها ، فإنهم الذين بدأوا القتال للمسلمين ..
فعند ذلك قصدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم فنالوا من المسلمين ، وقتلوا جماعة منهم .
.
واستمر حصار المسلمين لهم أربعين يوماً ، وكان ابتداؤه فى شهر حلال ، ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أياما ثم قفل عنهم ، لأنه يغتفر فى الدوام مالا يغتفر فى الابتداء ، وهذا أم مقرر .ومن كلام ابن كثير .
رحمه الله - نستنتج أنه يميل إلى القول بأن المنهى عنه هو ابتداء القتال فى الأشهر الحرم ، لا إتام القتال فيها متى بدأ الاعداء ذلك وهو قريب من قول القائل : لا يحل القتال فيها ولا فى الحرم إلا إن يكون دفاعاً .وهذا القول هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه لم يثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدأ أعداءه القتال فى الأشهر الحرم ، وإنما الثابت أن الأعداء هم الذين ابتدأوا قتال المسلمين فيها ، فكان موقف المسلمين هو الدفاع عن أنفسهم :4- ذكر المفسرون روايات فى أول من أخر حرمة شهر إلى آخر ، فعن مجاهد قال : كان رجل من بنى كنانة يأتى كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول : أيها الناس .
إنى لا أعاب ولا أخاب ولا مرد لما أقول .
إن قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر .
ثم يجئ العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته ويقول : إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم .وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذا رجل من بنى كنانة يقال له " القلمس " وكان فى الجاهلية .
وكانوا فى الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض فى الشهر الحرام .
يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمد إليه يده .
فلما كان هو قال لقومه : أخرجوا بنا - أى للقتال - فقالوا له : هذا المحرم .
قال : ننسئه العام ، هى العام صفران .
فإذا كان العام القابل قضينا .
.
جعلنا هما محرمين .قال : ففقعل ذلك .
فلما كان عام قابل قال : لا تغزوا فى صفر .
حرموه مع المحرم .
هما محرمان .وقد كان بعض أهل الجاهلية يتفاخر بهذا النسئ ، ومن ذلك قول شاعرهم :ومنا ناسئ الشهر القلمس ...
قال آخر :ألسنا الناسئين على معد ...
شهور الحل نجعلها حراماوقد أبطل الإِسلام كل ذلك ، وأمر بترتيب الشهور على ما رتبها - سبحانه - عليه يوم خلق السماوات والأرض .وبعد : فهذه سبع وثلاثون آية من أول السورة إلى هنا ، نراها - فى مجموعها كما سبق أن بينا - قد حددت العلاقات النهائية بين المسلمين وبين أعدائهم من المشكرين وأهلا لكتاب ، كما نراها قد أبرزت الأسباب التى دعت إلى هذا التحديث بأسلوب حكيم مؤثر ، يقنع العقول ، ويشبع العواطف .ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن غزوة تبوك وما جرى فيها من أحداث متنوعة .
.
وقد استغرق هذا الحديث معظم آيات السورة ، لا سيما فيما يتعلق بهتك أستار المنافقين ، والتحذير منهم .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ النسئ ﴾ قولان: القول الأول: أنه التأخير.
قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نسأ إذا أخرتها وأنسأته إنساء إذا أخرته عنه، والاسم النسيئة والنسء، ومنه: أنسأ الله فلاناً أجله، ونسأ في أجله قال أبو علي الفارسي: النسئ مصدر كالنذير والنكير، ويحتمل أيضاً أن يكون نسئ بمعنى منسوء كقتيل: بمعنى مقتول، إلا أنه لا يمكن أن يكون المراد منه هاهنا المفعول، لأنه إن حمل على ذلك كان معناه: إنما المؤخر زيادة في الكفر، والمؤخر الشهر، فيلزم كون الشهر كفراً، وذلك باطل، بل المراد من النسيء هاهنا المصدر بمعنى الإنساء، وهو التأخير.
وكان النسئ في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، ليست له تلك الحرمة.
وروي عن ابن كثير من طريق شبل: النسء بوزن النفع وهو المصدر الحقيقي، كقولهم: نسأت، أي أخرت وروي عنه أيضاً: النسئ مخففة الياء، ولعله لغة في النسء بالهمزة مثل: أرجيت وأرجأت.
وروي عنه: النسي مشدد الياء بغير همزة وهذا على التخفيف القياسي.
والقول الثاني: قال قطرب: النسئ أصله من الزيادة يقال: نسأل في الأجل وأنسأ إذا زاد فيه، وكذلك قيل للبن النسء لزيادة الماء فيه، ونسأت المرأة حبلت، جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء في اللبن، وقيل للناقة: نسأتها، أي زجرتها ليزداد سيرها وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسئ قال الواحدي: الصحيح القول الأول، وهو أن أصل النسئ التأخير، ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها، ونسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها، لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعاً من حسن المسير، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه.
إذا عرفت هذين القولين فنقول: إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء، وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران: أحدهما: أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهراً بسبب اجتماع تلك الزيادات.
والثاني: أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران: أحدهما: الزيادة في عدة الشهور.
والثاني: تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ النسئ يفيد التأخير عند الأكثرين، ويفيد الزيادة عند الباقين، وعلى التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين.
والحاصل من هذا الكلام: أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح الدنيا، وبناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية، واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سبباً لزيادة كفرهم، وإنما كان ذلك سبباً لزيادة الكفر، لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر، وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب، وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب، فكان هذا إنكاراً منهم لحكم الله مع العلم به وتمرداً عن طاعته، وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين فثبت أن عملهم في ذلك النسئ يوجب زيادة في الكفر، وأما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات، وأما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجهاً آخر فقالوا: إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها وقالوا: إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئاً لنهلكن، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم.
قال الواحدي: وأكثر العلماء على أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد، بل كان ذلك حاصلاً في كل الشهور، وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه.
واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر، فقال عليه السلام: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً» وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ زِيَادَةٌ فِي الكفر ﴾ معناه: أنه تعالى حكى عنهم أنواعاً كثيرة من الكفر، فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفاً من الكفر زيادة في الكفر.
احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول: الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار، قال: لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماماً، فكان ترك هذا التأخير إيماناً، وظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا بإقرار.
فثبت أن غير المعرفة والإقرار قد يكون إيماناً قال المصنف رضي الله عنه: هذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلاً من الأشهر القمرية، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية، فربما وقع الحج في المحرم مرة وفي صفر أخرى.
فقولهم: بأن هذا الحج صحيح يجزى، وأنه لا يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه من دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فكان هذا كفراً بسبب عدم العلم وبسبب عدم الإقرار.
أما قوله تعالى: ﴿ يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ ﴾ فهذا قراءة العامة وهي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال إليهم، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضاً، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لامحال.
وقراءة أهل الكوفة ﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد، ومعناه: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية: ﴿ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعمالهم ﴾ أي زين لهم ذلك حاملوهم عليه.
وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم ﴿ يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ ﴾ بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه: أحدها: يضل الله به الذين كفروا.
والثاني: يضل الشيطان به الذين كفروا.
والثالث: وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان.
واعلم أن الكناية في قوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ ﴾ يعود إلى النسئ وقوله: ﴿ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا ﴾ فالضمير عائد إلى النسئ.
والمعنى: يحلون ذلك الإنساء عاماً ويحرمونه عاماً.
قال الواحدي: يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم، ويحرمون التأخير عاماً آخر وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه.
قال رضي الله عنه هذا التأويل إنما يصح إذا فسرنا النسئ بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين، وذلك يوجب أن ينقلب الشهر المحرم إلى الحل وبالعكس، إلا أن هذا إنما يصلح لو حملنا النسئ على المفعول وهو المنسوء المؤخر، وقد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفراً وأنه غير جائز إلا إذا قلنا إن المراد من النسئ المنسوء وهو المفعول، وحملنا قوله: ﴿ إِنَّمَا النسئ ﴾ زيادة في الكفر على أن المراد العمل الذي به يصير النسئ سبباً في زيادة الكفر، وبسبب هذا الإضمار يقوى هذا التأويل.
أما قوله: ﴿ لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ﴾ قال أهل اللغة يقال: واطأت فلاناً على كذا إذا وافقته عليه.
قال المبرد: يقال: تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه، كان كل واحد يطأ حيث يطأ صاحبه والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد، ومعنى واحد.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم ما أحلوا شهراً من الحرام إلا حرموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً من الحرام، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة، مطابقة لما ذكره الله تعالى، هذا هو المراد من المواطأة.
ولما بين تعالى كون هذا العمل كفراً ومنكراً قال: ﴿ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعمالهم والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ﴾ قال ابن عباس والحسن: يريد زين لهم الشيطان هذا العمل والله لا يرشد كل كفار أثيم.
<div class="verse-tafsir"
والنسيء: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شقّ عليهم ترك المحاربة، فيحلّونه ويحرّمون مكانه شهر آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرّمون من شقّ شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله تعالى: ﴿ لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ﴾ أي ليوافقوا العدّة التي هي الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين.
وربما زادوا في عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت.
ولذلك قال عزّ وعلا ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْرا ﴾ [التوبة: 36] يعني من غير زيادة زادوها.
والضمير في: يحلونه، ويحرّمونه للنسيء.
أي إذا أحلّوا شهراً من الأشهر الحرم عاماً، رجعوا فحرّموه في العام القابل، وروي: أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في الجاهلية، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إنّ آلهتكم قد أحلّت لكم المحرم فأحلوه، ثم يقوم في القابل فيقول: إنّ آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه.
جعل النسيء زيادة في الكفر، لأن الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفراً، ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] ، كما أن المؤمن إذا أحدث الطاعة ازداد إيماناً ﴿ فَزَادَتْهُمْ إيمانا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [التوبة: 124] .
وقرئ: ﴿ يُضِل ﴾ على البناء للمفعول، و ﴿ يَضَل ﴾ بفتح الياء والضاد، و ﴿ يُضَلُّ ﴾ على أن الفعل لله عزّ وجلّ.
وقرأ الزهري: ﴿ ليوطئوا ﴾ بالتشديد.
والنسيء مصدر نسأه إذا أخره.
يقال نسأه ونسأ ونساء ونسيئاً، كقولك: مسه مساً ومساساً ومسيساً.
وقرئ بهنّ جميعاً.
وقرئ: ﴿ النَسَى ﴾ بوزن الندى.
و ﴿ النِسي ﴾ بوزن النهي، وهما تخفيف النسيء والنسء.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله ﴾ ؟
قلت: معناه فيحلوا بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص ما حرّم الله من القتال، أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها ﴿ زُيّنَ لَهُمْ سُوء أعمالهم ﴾ خذلهم الله فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة ﴿ والله لاَ يَهْدِى ﴾ أي لا يلطف بهم بل يخذلهم.
وقرئ: ﴿ زين لهم سوء أعمالهم ﴾ على البناء للفاعل، وهو الله عزّ وجلّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما النَّسِيءُ ﴾ أيْ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ إلى شَهْرٍ آخَرَ، كانُوا إذا جاءَ شَهْرٌ حَرامٌ وهم مُحارِبُونَ أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ حَتّى رَفَضُوا خُصُوصَ الأشْهُرِ واعْتَبَرُوا مُجَرَّدَ العَدَدِ، وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ ورْشٍ (إنَّما النَّسِيُّ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِ الياءِ فِيها.
وقُرِئَ « النَّسِي» بِحَذْفِها و « النَّسْءُ» و « النَّساءُ» وثَلاثَتُها مَصادِرُ نَسَأهُ إذا أخَّرَهُ.
﴿ زِيادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ لِأنَّهُ تَحْرِيمُ ما أحَلَّهُ اللَّهُ وتَحْلِيلُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ فَهو كَفْرٌ آخَرُ ضَمُّوهُ إلى كَفْرِهِمْ.
﴿ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ضَلالًا زائِدًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ يُضَلُّ ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ يَعْقُوبَ (يُضِلُّ) عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى.
﴿ يُحِلُّونَهُ عامًا ﴾ يُحِلُّونَ المَنسِيَّ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ سَنَةً ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ.
﴿ وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا ﴾ فَيَتْرُكُونَهُ عَلى حُرْمَتِهِ.
قِيلَ: أوَّلُ مَن أحْدَثَ ذَلِكَ جَنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ كانَ يَقُومُ عَلى جَمَلٍ في المَوْسِمِ فَيُنادِي: إنَّ آلِهَتَكم قَدْ أحَلَّتْ لَكُمُ المُحَرَّمَ فَأحِلُّوهُ ثُمَّ يُنادِي في القَبائِلِ إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحَرَّمَ فَحَرِّمُوهُ.
والجُمْلَتانِ تَفْسِيرٌ لِلضَّلالِ أوْ حالٌ.
﴿ لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ أيْ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأرْبَعَةِ المُحَرَّمَةِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحَرِّمُونَهُ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الفِعْلَيْنِ ﴿ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ بِمُواطَأةِ العِدَّةِ وحْدَها مِن غَيْرِ مُراعاةِ الوَقْتِ.
﴿ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ ﴾ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى خَذَلَهم وأضَلَّهم حَتّى حَسِبُوا قَبِيحَ أعْمالِهِمْ حَسَنًا.
﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى الِاهْتِداءِ.
<div class="verse-tafsir"
{إنما النسيء} بالهمزة مصدر نساءه إذا أخره وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون
مكانه شهراً آخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم فكانوا يحرمون من بين شهور العام أربعة أشهر {زِيَادَةٌ فِي الكفر} أي هذا الفعل منهم زيادة في كفرهم {يُضَلُّ} كوفي غير أبي بكر {بِهِ الذين كَفَرُواْ} بالنسيء والضمير في {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} للنسيء أى إذا احلوا شهرا من الأشهرعاما رجعوا فحرموه في العام القابل {لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله} ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين واللام تتعلق بيحلونه ويحرمونه او بيحرمونه فحسب وهو الظاهر {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله} أي فيحلوا بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص ما حرم الله من القتال أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها {زُيِّنَ لَهُمْ سوء أعمالهم} زين لهم الشيطان ذلك فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة {والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} حال اختيارهم الثبات على الباطل
﴿ إنَّما النَّسِيءُ ﴾ هو مَصْدَرُ نَسَأهُ إذا أخَّرَهُ وجاءَ النَّسْيُ كالنَّهْيِ والنَّسْءُ كالبَدْءِ والنِّساءُ كالنِّداءِ وثَلاثَتُها مَصادِرُ نَسَأهُ كالنَّسِيءِ، وقِيلَ: هو وصْفٌ كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرٍ بِخِلافِ ما إذا كانَ صِفَةً فَإنَّهُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ بِزِيادَةٍ إلّا بِتَأْوِيلِ ”ذُو زِيادَةٍ“ أوْ ”إنْساءُ النَّسِيءِ زِيادَةٌ“، وقَدْ قُرِئَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ ( النَّسِيُّ ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ، والمُرادُ بِهِ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ شَهْرٍ إلى آخَرَ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا جاءَ شَهْرٌ حَرامٌ وهم مُحارِبُونَ أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ فَيَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ ويُحَرِّمُونَ صَفَرًا فَإنِ احْتاجُوا أيْضًا أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ حَتّى اسْتَدارَ التَّحْرِيمُ عَلى شُهُورِ السَّنَةِ كُلِّها، وكانُوا يَعْتَبِرُونَ في التَّحْرِيمِ مُجَرَّدَ العَدَدِ لا خُصُوصِيَّةَ الأشْهُرِ المَعْلُومَةِ، ورُبَّما زادُوا في عَدَدِ الشُّهُورِ بِأنْ يَجْعَلُوها ثَلاثَةَ عَشَرَ أوْ أرْبَعَةَ عَشَرَ لِيَتَّسِعَ لَهُمُ الوَقْتُ ويَجْعَلُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ حَرامًا أيْضًا، ولِذَلِكَ نُصَّ عَلى العَدَدِ المُعَيَّنِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وكانَ يَخْتَلِفُ وقْتُ حَجِّهِمْ لِذَلِكَ، وكانَ في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ الَّتِي حَجَّ بِها أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالنّاسِ في ذِي القِعْدَةِ وفي حِجَّةِ الوَداعِ في ذِي الحِجَّةِ وهو الَّذِي كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ» الحَدِيثَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ شَهْرٍ عامَيْنِ فَحَجُّوا في ذِي الحِجَّةِ عامَيْنِ وفي المُحَرَّمِ عامَيْنِ وهَكَذا، ووافَقَتْ حَجَّةُ الصِّدِّيقِ في ذِي القِعْدَةِ مِن سَنَتِهِمُ الثّانِيَةِ، وكانَتْ حَجَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الوَقْتِ الَّذِي كانَ مِن قَبْلُ ولِذا قالَ ما قالَ، أيْ إنَّما ذَلِكَ التَّأْخِيرُ ( ﴿ زِيادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ ) الَّذِي هم عَلَيْهِ لِأنَّهُ تَحْرِيمُ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى وقَدِ اسْتَحَلُّوهُ واتَّخَذُوهُ شَرِيعَةً وذَلِكَ كُفْرٌ ضَمُّوهُ إلى كَفْرِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَعْصِيَةٌ ضُمَّتْ إلى الكُفْرِ وكَما يَزْدادُ الإيمانُ بِالطّاعَةِ يَزْدادُ الكُفْرُ بِالمَعْصِيَةِ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ المَعْصِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الكُفْرِ بِخِلافِ الطّاعَةِ فَإنَّها مِنَ الإيمانِ عَلى رَأْيٍ، وأُجِيبُ عَنْهُ بِما لا يَصْفُو عَنِ الكَدَرِ ( ﴿ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ) إضْلالًا عَلى إضْلالِهِمُ القَدِيمِ، وقُرِئَ ( يُضِلُّ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِنَ الأفْعالِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى، أيْ يَخْلُقُ فِيهِمُ الضَّلالَ عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِمَبادِيهِ وأسْبابِهِ وهو المَعْنى عَلى قِراءَةِ الأُولى أيْضًا، وقِيلَ الفاعِلُ في القِراءَتَيْنِ الشَّيْطانُ، وجُوِّزَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ فاعِلًا والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أتْباعُهم، وقِيلَ: الفاعِلُ الرُّؤَساءُ والمَفْعُولُ المَوْصُولُ، وقُرِئَ ( يَضِلُّ ) بِفَتْحِ الياءِ والضّادِ مِن ضَلَلَ يَضْلِلُ، و( نَضِلُّ ) بِنُونِ العَظَمَةِ ( ﴿ يُحِلُّونَهُ ﴾ ) أيِ: الشَّهْرَ المُؤَخَّرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنَّسِيءِ عَلى أنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ( ﴿ عامًا ﴾ ) مِنَ الأعْوامِ ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ مِمّا لَيْسَ بِحَرامٍ ( ﴿ ويُحَرِّمُونَهُ ﴾ ) أيْ يُحافِظُونَ عَلى حُرْمَتِهِ كَما كانَتْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ بِاعْتِبارِ إحْلالِهِمْ في العامِ الماضِي أوْ لِإسْنادِهِمْ لَهُ إلى آلِهَتِهِمْ كَما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ( ﴿ عامًا ﴾ ) آخَرَ إذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَغْيِيرِهِ غَرَضٌ مِن أغْراضِهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ يُقالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وكانَ إذا هَمَّ النّاسُ بِالصُّدُورِ مِنَ المَوْسِمِ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ويَقُولُ لا مَرَدَّ لِما قَضَيْتُ أنا الَّذِي لا أُعابَ ولا أُخابُ فَيَقُولُ لَهُ المُشْرِكُونَ: لَبَّيْكَ، ثُمَّ يَسْألُونَهُ أنْ يُنْسِئَهم شَهْرًا يَغْزُونَ فِيهِ فَيَقُولُ: إنَّ صَفَرَ العامِ حَرامٌ، فَإذا قالَ ذَلِكَ حَلُّوا الأوْتارَ ونَزَعُوا الأسِنَّةَ والأزِجَّةَ وإنْ قالَ: حَلالٌ عَقَدُوا الأوْتارَ ورَكِبُوا الأزِجَّةَ وأغارُوا.
وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ وكانَ مُطاعًا في الجاهِلِيَّةِ وكانَ يَقُومُ عَلى جَمَلٍ في المَوْسِمِ فَيُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ إنَّ آلِهَتَكم قَدْ أحَلَّتْ لَكُمُ المُحَرَّمَ فَأحَلُّوهُ، ثُمَّ يَقُومُ في العامِ القابِلِ فَيَقُولُ: إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحَرَّمَ فَحَرِّمُوهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَتِ النَّسّاءَةُ حَيًّا مِن بَنِي مالِكِ بْنِ كِنانَةَ وكانَ آخِرُهم رَجُلًا يُقالُ لَهُ القَلَمَّسُ وهو الَّذِي أنْسَأ المُحَرَّمَ وكانَ مَلِكًا في قَوْمِهِ وأنْشَدَ شاعِرُهم: ومِنّا ناسِئُ الشَّهْرِ القَلَمَّسُ وقالَ الكُمَيْتُ: ونَحْنُ النّاسِئُونَ عَلى مَعَدٍّ ∗∗∗ شُهُورُ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أوَّلَ مَن سَنَّ النَّسِيءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، والجُمْلَتانِ تَفْسِيرٌ لِلضَّلالِ فَلا مَحَلَّ لَهُما مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُما حالٌ مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ عامِلُهُ ( ﴿ لِيُواطِئُوا ﴾ ) أيْ لِيُوافِقُوا، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( لِيُوَطِّئُوا ) بِالتَّشْدِيدِ ( ﴿ عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ مِنَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يُحَرِّمُونَهُ“ أيْ يُحَرِّمُونَهُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ ذَلِكَ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الفِعْلَيْنِ أيْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا لِأجْلِ المُوافَقَةِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِنَ التَّنازُعِ ( ﴿ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ ) بِخُصُوصِهِ مِنَ الأشْهُرِ المُعَيَّنَةِ، والحاصِلُ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمُ العِدَّةُ والتَّخْصِيصُ فَحَيْثُ تَرَكُوا التَّخْصِيصَ فَقَدِ اسْتَحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ ﴾ ) وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى أيْ جَعَلَ أعْمالَهم مُشْتَهاةً لِلطَّبْعِ مَحْبُوبَةً لِلنَّفْسِ، وقِيلَ: خَذَلَهم حَتّى رَأوْا حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ، وقِيلَ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ وذَلِكَ بِالوَسْوَسَةِ والإغْواءِ بِالمُقَدِّماتِ الشِّعْرِيَّةِ ( ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ) هِدايَةً مُوَصِّلَةً لِلْمَطْلُوبِ البَتَّةَ وإنَّما يَهْدِيهِمْ إلى ما يُوصَلُ إلَيْهِ عِنْدَ سُلُوكِهِ وهم قَدْ صَدُّوا عَنْهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ فَتاهُوا في تِيهِ الضَّلالِ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ إمّا المُتَقَدِّمُونَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ أوِ الأعَمِّ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يعني: تأخير المحرم إلى صفر زيادة الإثم في كفرهم.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: «كانوا يحجون في ذي الحجة عامين، ثم يحجون في المحرم عامين، ثم يحجون في صفر عامين، وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبيّ ، ثم حج النبيّ من قابل في ذي الحجة وقال في خطبته: «ألا إن الزمان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات والأَرْضِ» (١) وروى أسباط، عن السدي أنه قال: «كان رجل من بني مالك بن كنانة، يقال له: جنادة بن عوف، يكنى أبا أمامة، ينسئ عدد الشهور.
وقال في رواية الكلبي: كان اسمه نعيم بن ثعلبة من بني كنانة.
وقال في رواية مقاتل: كان اسمه ثمامة الكناني، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض، فإذا أرادوا أن يغيروا، قام الكناني يوم منى وخطب الناس وقال: إني قد أحللت لكم المحرم، وحرمت صفر لكم مكانه، فقاتل الناس في المحرم.
فإذا كان صفر، غمدوا السيوف ووضعوا الأسنة، ثم يقوم من قابل ويقول: إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم (٢) (٣) (١) عزاه السيوطي: 4/ 189 إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد.
(٢) عزاه السيوطي 4/ 189 إلى ابن أبي حاتم.
(٣) وفي النسخة «ب» قرأ ورش عن نافع.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : والأصوب عندي أنْ يكون الدِّينُ هاهنا عَلَى أشهر وجوهه، أي:
ذلك الشَّرْعُ والطَّاعة.
وقوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ، أي: في الاثني عَشَرَ شَهْراً، أي: لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمان كلِّه، وقال قتادة: المرادُ الأربعةُ الأشْهُرِ، وخُصِّصتْ تشريفاً لها.
قال سعيدُ بن المسيّب: كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحرِّم القتَالَ في الأشْهُرِ الحُرُم بما أنزل اللَّه في ذلك حتَّى نزلَتْ «براءة» .
وقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ، معناه: فيهنَّ فأحْرَى في غيرهن، وقوله:
كَافَّةً، معناه: جميعا.
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
وقوله سبحانه: إِنَّمَا النَّسِيءُ، يعني: فِعْلُ العرب في تأخيرهم الحُرْمَةَ، زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، أي: جارٍ مع كفرهم باللَّهِ، وخلافِهِمْ للحقِّ، فالكفر متكثِّر بهذا الفِعْلِ الذي هو باطلٌ في نفْسهِ وممَّا وُجِدَ في أشعارهم قَوْلُ جِذْلٍ الطَّعَانِ: [الوافر]
وَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي ...
كِرَامُ النَّاسِ إِنَّ لَهُمْ كِرَامَا
أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ ...
شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا «٢»
وقوله سبحانه: يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، معناه: عاماً من الأعوام، وليس يريد أنَّ تلك كانَتْ مداولة.
وقوله سبحانه: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، معناه: ليوافقُوا، والمواطَأَةُ: الموافقة.
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى هَمْزِ النَّسِيءِ ومَدِّهِ وكَسْرِ سِينِهِ.
وَرَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "النَّسْءُ" عَلى وزْنِ النَّسْعِ.
وُفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ شِبْلٍ: "النَّسْيُ" مُشَدَّدَةَ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ؛ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ التَّأْخِيرُ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: النَّسِيءُ: تَأْخِيرُ الشَّيْءِ.
وكانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُ الأشْهُرَ الأرْبَعَةَ، وكانَ هَذا مِمّا تَمَسَّكَتْ بِهِ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ فَرُبَّما احْتاجُوا إلى تَحْلِيلِ المُحَرَّمِ لَلْحَرْبِ تَكُونُ بَيْنَهم، فَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ المُحَرَّمِ إلى صَفَرٍ، ثُمَّ يَحْتاجُونَ إلى تَأْخِيرِ صَفَرٍ أيْضًا إلى الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ ثُمَّ تَتَدافَعُ الشُّهُورُ شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ حَتّى يَسْتَدِيرَ التَّحْرِيمُ عَلى السَّنَةِ كُلِّها، فَكَأنَّهم يَسْتَنْسِؤُونَ الشَّهْرَ الحَرامَ ويَسْتَقْرِضُونَهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في كُفْرِهِمْ، لِأنَّهم أحَلُّوا الحَرامَ، وحَرَّمُوا الحَلالَ (لِيُواطِؤُوا) أيْ: لِيُوافِقُوا (عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) فَلا يَخْرُجُونَ مِن تَحْرِيمِ أرْبَعَةٍ، ويَقُولُونَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، ولا يُبالُونَ بِتَحْلِيلِ الحَرامِ، وتَحْرِيمِ الحَلالِ.
وكانَ القَوْمُ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلّا في ذِي الحِجَّةِ إذا اجْتَمَعَتِ العَرَبُ لَلْمَوْسِمِ، قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ إذا أرادُوا الصَّدْرَ عَنْ مِنى، قامَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: نَعِيمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وكانَ رَئِيسُ المَوْسِمِ، فَيَقُولُ: أنا الَّذِي لا أُعابُ ولا أُجابُ ولا يُرَدُّ لِي قَضاءٌ؛ فَيَقُولُونَ: أنْسِئْنا شَهْرًا؛ يُرِيدُونَ: أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ، واجْعَلْها في صَفَرٍ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ.
وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ تَوالِي ثَلاثَةِ أشْهُرٍ حُرُمٍ لا يُغَيِّرُونَ فِيها، وإنَّما كانَ مَعاشُهم مِنَ الإغارَةِ، فَتَسْتَدِيرُ الشُّهُورُ كَما بَيَّنّا.
وقِيلَ: إنَّما كانُوا يَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ عامًا، فَإذا كانَ مِن قابِلٍ رَدُّوهُ إلى تَحْرِيمِهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أحَبُّ إلَيَّ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِدارَةٌ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ أوَّلُ مَن أظْهَرَ النَّسِيءَ جَنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ، فَوافَقَتْ حُجَّةٌ أبِي بَكْرٍ ذا القِعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ في العامِ القابِلِ في ذِي الحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ قالَ: « "ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضِ" .» وقالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ، والمَعْنى: أنَّهم يَكْتَسِبُونَ الضَّلالَ بِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ويَعْقُوبُ إلّا الوَلِيدُ: "يَضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ.
والثّانِي: يُضِلُّ الشَّيْطانُ بِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ القاسِمِ.
والثّالِثُ: يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا النّاسَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَنُّوهُ لَهم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ: يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا تابِعِيهِمْ.
وقالَ ابْنُ القاسِمِ: الهاءُ في "بِهِ" راجِعَةٌ إلى النَّسِيءِ، وأصْلُ النَّسِيءِ: المَنسُوءُ، أيِ: المُؤَخَّرُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ "مَفْعُولٍ" إلى "فَعِيلٍ" كَما قِيلَ: مَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، ومَقْدُورٌ وقَدِيرٌ، قالَ: وقِيلَ: الهاءُ راجِعَةٌ إلى الظُّلْمِ، لِأنَّ النَّسِيءَ كَشَفَ تَأْوِيلَ الظُّلْمِ، فَجَرى مَجْرى المُظْهَرِ؛ والأوَّلُ اخْتِيارُنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما النَسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ "النَسِيءُ" عَلى وزْنِ فَعِيلٍ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: أنْسَأ اللهُ في أجْلِكَ ونَسَأ في أجْلِكَ.
ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "مَن سَرَّهُ النَسْأ في الأجَلِ والسَعَةَ في الرِزْقِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"».
وهَذِهِ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ والسَبْعَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ وقَوْمٌ مَعَهُ في الشاذِّ: "النَسِيَّ" مُشَدَّدَةَ الياءِ، وقَرَأ فِيما رَوى عنهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والزُهْرِيُّ: "النَسِيءُ"، وقَرَأ أيْضًا فِيما رُوِيَ عنهُ: "النَسْءُ" عَلى وزْنِ "النَسْعِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "النَسْيُ".
فَأمّا "النَسِيءُ" بِالمَدِّ والهَمْزِ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مَصْدَرٌ مِثْلُ النَكِيرِ والنَذِيرِ وعَذِيرِ الحَيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّما المُؤَخَّرُ زِيادَةٌ، والمُؤَخَّرُ الشَهْرُ، ولا يَكُونُ الشَهْرُ زِيادَةً في الكُفْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ويَنْفَصِلُ عن إلْزامِ أبِي عَلِيٍّ بِأنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ، كَأنَّ المَعْنى: إنَّما إنْساءُ النَسِيءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مِن مَعْنى الزِيادَةِ، أيْ زِيادَتُهم في الأشْهُرِ، وقالَ أبُو وائِلٍ: كانَ "النَسِيءُ" رَجُلًا مِن بَنِي كِنانَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وأمّا "النَسْيُّ" فَهو الأوَّلُ بِعَيْنِهِ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، وقِيلَ: قُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، وأمّا "النَسْءُ" فَهو مَصْدَرٌ مَن نَسَأ إذا أخَّرَ، وأمّا "النَسْيُ" فَقِيلَ: تَخْفِيفُ هَمْزَةِ "النَسْءِ" وذَلِكَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرٌ مِن نَسِيَ يَنْسى إذا تَرَكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنَسِيءُ هو فِعْلُ العَرَبِ في تَأْخِيرِهِمُ الحُرْمَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ زِيادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ أيْ: جارٍ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللهِ، وخِلافٌ مِنهم لِلْحَقِّ، فالكُفْرُ مُتَكَثِّرٌ بِهَذا الفِعْلِ الَّذِي هو باطِلٌ في نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِمّا وُجِدَ في أشْعارِها مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ومِنّا مُنْسِئُ الشَهْرِ القَلَمَّسْ وقالَ الآخَرُ: نَسَؤُوا الشُهُورَ بِها وكانُوا أهْلَها ∗∗∗ مِن قَبْلِكم والعِزُّ لَمْ يَتَحَوَّلِ ومِنهُ قَوْلُ جِذْلِ الطِعانِ: وقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أنَّ قَوْمِي ∗∗∗ ∗∗∗ كِرامُ الناسِ إنَّ لَهم كِراما فَأيُّ الناسِ فاتُونا بِوِتْرٍ؟
∗∗∗ ∗∗∗ وأيُّ الناسِ لَمْ تَعُلْكَ لِجاما؟
ألَسْنا الناسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ ∗∗∗ ∗∗∗ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراما؟
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: "يُضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، فَإمّا عَلى مَعْنى: يُضِلُّ اللهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أتْباعَهُمْ، فَـ "الَّذِينَ" في التَأْوِيلِ الأوَّلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الثانِي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "يُضَلُّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضادِ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويُؤَيَّدْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ( زُيِّنَ ) لِلتَّناسُبِ في اللَفْظِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَضَلُّ" مِن ضَلَّ يَضَلُّ، عَلى وزْنِ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِفَتْحِها، وهي لُغَتانِ، يُقالُ: ضَلَّ يَضِلُّ وضَلَّ يَضَلُّ والوَزْنُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ يُرْوى قَوْلُ النَبِيِّ : "حَتّى يَضِلَّ الرَجُلُ أنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلّى" بِفَتْحِ الضادِ وكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا ﴾ مَعْناهُ: عامًا مِنَ الأعْوامِ، ولَيْسَ يُرِيدُ أنَّ تِلْكَ كانَتْ مُداوَلَةً في الشَهْرِ بِعَيْنِهِ، عامٌ حَلالٌ وعامٌ حَرامٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ القِصَّةَ أنَّهم كانُوا إذا شَقَّ عَلَيْهِمْ تَوالِي الأشْهُرِ الحُرُمِ أحَلَّ لَهُمُ المُحَرَّمَ وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَفَرَ بَدَلًا مِنهُ، ثُمَّ مَشَتِ الشُهُورُ مُسْتَقِيمَةً عَلى أسْمائِها المَعْهُودَةِ، فَإذا كانَ مِن قابِلٍ حَرَّمَ المُحَرَّمَ عَلى حَقِّهِ، وأحَلَّ صَفَرَ، ومَشَتِ الشُهُورُ مُسْتَقِيمَةً، ورَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ أنَّ هَذِهِ كانَتْ حالَةَ القَوْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي قَدَّمْناهُ قَبْلُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآياتِ، وقَدْ بَيَّنَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ النَبِيِّ : « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ"» مَعَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ قَدْ تَقَضّى، واللهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِيُواطِئُوا ﴾ مَعْناهُ: لِيُوافِقُوا، والمُواطَأةُ: المُوافَقَةُ، تَواطَأ الرَجُلانِ عَلى كَذا إذا اتَّفَقا عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿ لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ ﴾ : لِيَحْفَظُوا في كُلِّ عامٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ في العَدَدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأزالُوا الفَضِيلَةَ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِها الأشْهُرَ الحُرُمَ وحْدَها، بِمَثابَةِ أنْ يُفْطِرَ أحَدٌ رَمَضانَ ويَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَنَةِ بِغَيْرٍ مَرَضٍ أو سَفَرٍ، وقَوْلُهُ: زُيِّنَ يَحْتَمِلُ هَذا التَزْيِينُ أنْ يُضافَ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ والمُرادُ بِهِ خَلْقُهُ لِكُفْرِهِمْ وإقْرارُهم عَلَيْهِ وتَحْبِيبُهُ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ إلى مُغْوِيهِمْ ومُضِلِّهِمْ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ ولا يُرْشِدُهُمْ، وهو عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في المُوافِينَ أو عُمُومٌ مُطْلَقٌ لَكِنْ لا هِدايَةَ مِن حَيْثُ هم كُفّارٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ البَغْدادِيُّ في أمْرِ النَسِيءِ أنَّهُ كانَ إذا صَدَرَ الناسُ مِن "مِنًى" قامَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ نَعِيمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَيَقُولُ: أنا الَّذِي لا أُعابُ ولا يُرَدُّ لِي قَضاءٌ، فَيَقُولُونَ: أنْسِئْنا شَهْرًا، أيْ أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْمُ نَعِيمٍ لَمْ يُعْرَفْ في هَذا، وما أرى ذَلِكَ إلّا كَما حَكى النَقّاشُ مِن بَنِي فُقَيْمٍ، كانُوا يُسَمَّوْنَ القُلامِسَ وأحَدَهم قَلَمَّسَ، وكانُوا يُفْتُونَ العَرَبَ في المَوْسِمِ، يَقُومُ كَبِيرُهم في الحِجْرِ، ويَقُومُ آخَرُ عِنْدَ البابِ، ويَقُومُ آخَرُ عِنْدَ الرُكْنِ فَيُفْتُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهم -عَلى هَذا- عِدَّةٌ، مِنهم نَعِيمٌ وصَفْوانُ ومِنهم ذُرِّيَّةُ القَلَمَّسِ حُذَيْفَةَ وغَيْرِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "لا عَدْوى ولا هامَةَ ولا صَفَرَ"،» فَقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: "لا صَفَرَ" هَذا النَسِيءَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني ناشئ عن قوله تعالى: ﴿ إن عدة الشهور عند الله ﴾ [التوبة: 36] الآية لأنّ ذلك كالمقدّمة إلى المقصود وهو إبطال النسيء وتشنيعه.
والنسيء يطلق على الشهر الحرام الذي أرجئت حرمتُه وجعلت لشهر آخر فالنسيء فَعِيل بمعنى مفعول من نَسَأ المهموز اللام، ويطلق مصدراً بوزن فعيل مثل نَذير من قوله: ﴿ كيف نذير ﴾ [الملك: 17]، ومثل النكير والعذر وفعله نسأ المهموز، أي أخّر، فالنسيء بهمزة بعد الياء في المشهور.
وبذلك قرأه جمهور العشرة.
وقرأه ورش عن نافع بياء مشدّدة في آخره على تخفيف الهمزة ياء وإدغامِها في أختها، والإخبارُ عن النسيء بأنّه زيادة إخبار بالمصدر كما أخبر عن هاروت وماروت بالفتنة في قوله: ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ [البقرة: 102].
والنسيءُ عند العرب تأخير يجعلونه لشهرٍ حرام فيصيرونه حلالاً ويحرّمون شهراً آخر من الأشهر الحلال عوضاً عنه في عامه.
والداعي الذي دعا العرب إلى وضع النسيء أنّ العرب سَنَتهم قمرية تبعاً للأشهر، فكانت سنتهم اثني عشر شهراً قمرية تامة، وداموا على ذلك قروناً طويلة ثم بدا لهم فجعلوا النسيء.
وأحسن ما روي في صفة ذلك قول أبي وائل أنّ العرب كانوا أصحاب حروب وغارات فكان يشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها فقالوا لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نُصيب فيها شيئاً لنهلِكَنّ.
وسكت المفسّرون عمّا نشأ بعد قول العرب هذا، ووقع في بعض ما رواه الطبري والقرطبي ما يوهم أنّ أوّل من نسأ لهم النسيء هو جنادة بن عوف وليس الأمر ذلك لأنّ جنادة بن عوف أدرك الإسلام وأمر النسيء متوغّل في القدم والذي يجب اعتماده أنّ أول من نسأ النسيء هو حذيفة بن عبد نعيم أو فقيم (ولعل نعيم تحريف فقيم لقول ابن عطية اسم نعيم لم يعرف في هذا).
وهو الملقب بالقَلَمَّس ولا يوجد ذكر بني فقيم في «جمهرة ابن حزم» وقد ذكره صاحب «القاموس» وابن عطية.
قال ابن حزم أول من نسأ الشهور سرير (كذا ولعلّه سري) بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة ثم ابن أخيه عدي بن عامر بن ثعلبة.
وفي ابن عطية خلاف ذلك قال: انتدب القلمس وهو حذيفة بن عبدِ فقيم فنسأ لهم الشهور.
ثم خلفه ابنه عبّاد.
ثم ابنه قُلَع، ثم ابنه أمية، ثم ابنه عوف، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة وعليه قام الإسلامُ قال ابن عطية كان بنو فقيم أهل دين في العرب وتمسُّككِ بشرع إبراهيم فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ الشهور للعرب.
وفي «تفسير القرطبي» عن الضحّاك عن ابن عباس أول من نسأ عَمْرو بن لُحَي (أي الذي أدخل عبادة الأصنام في العرب وبحر البحيرة وسيّب السائبة).
وقال الكلبي أول من نسأ رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة.
قال ابن حزم: كلّ من صارت إليه هذه المرتبة (أي مرتبة النسيء) كان يسمّى القلمس.
وقال القرطبي: كان الذي يلي النسيء يظفر بالرئاسة لترييس العرب إيّاه.
وكان القلمس يقف عند جمرة العقبة ويقول: اللهم إنّي ناسئ الشهور وواضعُها مواضعها ولا أعاب ولا أجاب.
اللهم أنّي قد أحللت أحد الصفرين وحرمت صفر المؤخّر انفروا على اسم الله تعالى.
وكان آخر النسأة جنادة بن عوف ويكنى أبا ثمامة وكان ذا رأي فيهم وكان يحضر الموسم على حمار له فينادي أيها الناس ألا إنّ أبا ثمامة لا يُعاب ولا يجاب.
ولا مرد لما يقول فيقولون أنْسئنا شهراً، أي أخِّرْ عنّا حرمة المحرّم واجعلها في صفر فيُحل لهم المحرّم وينادي: ألا إنّ آلهتكم قد حرمت العام صفر فيحرّمونه ذلك العام فإذا حجّوا في ذي الحجّة تركوا المحرّم وسَمّوه صفراً فإذا انسلخ ذو الحجّة خرجوا في محرّم وغزوا فيه وأغاروا وغنموا لأنّه صار صفراً فيكون لهم في عامهم ذلك صفران وفي العام القابل يصير ذو الحجة بالنسبة إليهم ذا القعدة ويصير محرّم ذا الحجة فيحجون في محرم يفعلون ذلك عامين متتابعين ثم يبدلون فيحجّون في شهر صفر عامين ولاءً ثم كذلك.
وقال السهيلي في «الروض الأنف» إنّ تأخير بعض الشهور بعد مدة لقصد تأخير الحج عن وقته القمري، تحرياً منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخّرونه في كلّ عام أحد عشر يوماً أو أكثر قليلاً، حتى يعود الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته ونسَب إلى شيخه أبي بكر بن العربي أنّ ذلك اعتبار منهم بالشهور العجمية ولعلّه تبع في هذا قول إياس بن معاوية الذي ذكره القرطبي، وأحسب أنّه اشتباه.
وكان النسيء بأيدي بني فقيم من كنانة وأول من نسأ الشهور هو حذيفة بن عبد بن فقيم.
وتقريب زمن ابتداء العمل بالنسيء أنّه في أواخر القرن الثالث قبل الهجرة، أي في حدود سنة عشرين ومائتين قبل الهجرة.
وصيغة القصر في قوله: ﴿ إنما النسئ زيادة في الكفر ﴾ تقتضي أنّه لا يعدو كونه من أثر الكفر لمحبّة الاعتداءِ والغارات فهو قصر حقيقي، ويلزم من كونه زيادة في الكفر أنّ الذين وضعوه ليسوا إلاّ كافرين وما هم بمصلحين، وما الذين تابعوهم إلاّ كافرون كذلك وما هم بمتّقين.
ووجه كونه كفراً أنّهم يعلمون أنّ الله شرع لهم الحجّ ووقتَّه بشهر من الشهور القمرية المعدودة المسمّاة بأسماء تميّزها عن الاختلاط، فلمّا وضعوا النسيء قد علموا أنّهم يجعلون بعض الشهور في غير موقعه، ويسمّونه بغير اسمه، ويصادفون إيقاع الحج في غير الشهر المعيّن له، أعني شهر ذي الحجّة ولذلك سمّوه النسيء اسماً مشتقّاً من مادة النَّسَاء وهو التأخير، فهم قد اعترفوا بأنّه تأخير شيء عن وقته، وهم في ذلك مستخفّون بشرع الله تعالى، ومخالفون لما وقّت لهم عن تعمّد مثبتين الحلَّ لشهر حرام والحرمةَ لشهر غير حرام، وذلك جرأة على دين الله واستخفاف به، فلذلك يشبه جعلَهم لله شركاء، فكما جعلوا لله شركاء في الإلهية جعلوا من أنفسهم شركاء لله في التشريع يخالفونه فيما شرعه فهو بهذا الاعتبار كالكفر، فلا دلالة في الآية على أنّ الأعمال السيّئة توجب كفر فاعلها ولكن كفر هؤلاء أوجب عملهم الباطل.
وحرف ﴿ في ﴾ المفيد الظرفية متعلّق «بزيادة» لأنّ الزيادة تتعدّى بفي ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ [فاطر: 1] فالزيادة في الأجسام تقتضي حلول تلك الزيادة في الجسم المشابهِ للظرف ويجوز أن يكون تأويله أنّه لمّا كان إحداثه من أعمال المشركين في شؤون ديانتهم وكان فيه إبطال لمواقيت الحجّ ولحرمة الشهر الحرام اعتبر زيادة في الكفر بمعنى في أعمال الكفر وإن لم يكن في ذاته كفراً وهذا كما يقول السلف: إنّ الإيمان يزيد وينقص يريدون به يزيد بزيادة الأعمال الصالحة وينقص بنقصها مع الجزم بأنّ ماهية الإيمان لا تزيد ولا تنقص وهذا كقوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143]، أي صلاتكم.
على أنّ إطلاق اسم الإيمان على أعمال دين الإسلام وإطلاق اسم الكفر على أعمال الجاهلية ممّا طفحت به أقوال الكتاب والسنّة مع اتّفاق جمهور علماء الأمّة على أنّ الأعمال غيرَ الاعتقاد لا تقتضي إيماناً ولا كفراً.
وعلى الاحتمال الثاني فتأويله بتقدير مضاف، أي زيادة في أحوال أهل الكفر، أي أمر من الضلال زيد على ما هم فيه من الكفر بضدّ قوله تعالى: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ [مريم: 76].
وهذان التأويلان متقاربان لا خلاف بينهما إلا بالاعتبار، فالتأويل الأول يقتضي أنّ إطلاق الكفر فيه مجاز مرسل والتأويل الثاني يقتضي أنّ إطلاق الكفر فيه إيجازُ حذف بتقدير مضاف.
وجملة ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ خبر ثان عن النسيء أي هو ضلال مستمرّ، لما اقتضاه الفعل المضارع من التجدّد.
وجملة ﴿ يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ﴾ بيان لسبب كونه ضلالاً.
وقد اختير المضارع لهذه الأفعال لدلالته على التجدّد والاستمرار، أي هم في ضلال متجدّد مستمرّ بتجدّد سببه، وهو تحليله تارة وتحريمه أخرى، ومواطأة عدّة ما حرم الله.
وإسناد الضلال إلى الذين كفروا يقتضي أنّ النسيء كان عمله مطّرداً بين جميع المشركين من العرب فما وقع في «تفسير الطبري» عن ابن عباس والضحّاك من قولهما وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يفعلونه ويعظمونه ليس معناه اختصاصهم بالنسيء ولكنّهم ابتدأوا بمتابعته.
وقرأ الجمهور ﴿ يضل ﴾ بفتح التحتية وقرأه حفص عن عاصم، وحمزةُ، والكسائي وخلَف، ويعقوب بضمّ التحتية على أنّهم يضلّون غيرهم.
والتنكير والوحدة في قوله: ﴿ عاماً ﴾ في الموضعين للنوعية، أي يحلّونه في بعض الأعوام ويحرّمونه في بعض الأعوام، فهو كالوحدة في قول الشاعر: يوماً بحزوى ويوماً بالعقيق *** وليس المراد أنّ ذلك يوماً غبّ يوم، فكذلك في الآية ليس المراد أنّ النسيء يقع عاماً غبّ عام كما ظنّه بعض المفسّرين.
ونظيرُه قول أبي الطيّب: فيوماً بخيل تطْرُد الرومَ عنهم *** ويوماً بجُود تَطرد الفقرَ والجَدْبا (يريد تارة تدفع عنهم العدوّ وتارة تدفع عنهم الفقر والجدب) وإنّما يكون ذلك حين حلول العدوّ بهم وإصابةِ الفقر والجدب بلادَهم، ولذلك فسّره المعري في كتاب «مُعْجِز أحمد» بأنْ قال: «فإنّ قَصَدَهم الرومُ طَرَدْتَهم بخيلك وإن نازَلَهم فقر وجدب كشفتَه عنهم بجُودك وإفضالك».
وقد أبقي الكلام مجملاً لعدم تعلّق الغرض في هذا المقام ببيان كيفية عمل النسيء، ولعلّ لهم فيه كيفيات مختلفة هي معروفة عند السامعين.
ومحلّ الذمّ هو ما يحصل في عمل النسيء من تغيير أوقات الحجّ المعيّنة من الله في غير أيامها في سنين كثيرة، ومن تغيير حرمة بعض الأشهر الحرم في سنين كثيرة ويتعلّق قوله: ﴿ ليواطئوا عدة ما حرم الله ﴾ بقوله: ﴿ يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ﴾ أي يفعلون ذلك ليوافقوا عدد الأشهر الحرم فتبقى أربعة.
والموطأة الموافقة، وهي مفاعلة عن الوَطئ شبه التماثل في المقدار وفي الفعل بالتوافق (في) وطيء الأرجل ومن هذا قولهم (وقوع الحافر على الحافر).
و ﴿ عِدّة ما حرم الله ﴾ هي عدّة الأشهر الحرم الأربعة.
وظاهر هذا أنّه تأويل عنهم وضربٌ من المعذرة، فلا يناسب عده في سياق التشنيع بعملهم والتوبيخ لهم، ولكن ذِكْره ليُرتَّب عليه قولُه: ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ فإنّه يتفرّع على محاولتهم موافقة عدّة ما حرم الله أن يحلّوا ما حرّم الله، وهذا نداء على فساد دينهم واضطرابه فإنّهم يحتفظون بعدد الأشهر الحرم الذي ليس له مزيد أثر في الدين، وإنّما هو عدد تابع لتعيين الأشهر الحرم، ويفرّطون في نفس الحُرمة فيحلون الشهر الحرام، ثم يزيدون باطلاً آخر فيحرّمون الشهر الحلال.
فقد احتفظوا بالعدد وأفسدوا المعدود.
وتوجيه عطف ﴿ فيحلوا ﴾ على مجرور لام التعليل في قوله: ﴿ ليواطئوا عدة ما حرم الله ﴾ هو تنزيل الأمر المترتّب على العلّة منزلة المقصود من التعليل وإن لم يكن قصد صاحبه به التعليل، على طريقة التهكّم والتخطئة مثل قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8].
والإتيان بالموصول في قوله: ﴿ عدة ما حرم الله ﴾ دون أن يعبّر بنحو عدة الأشهر الحرم، للإشارة إلى تعليل عملهم في اعتقادهم بأنّهم حافظوا على عدة الأشهر التي حرّمها الله تعظيماً.
ففيه تعريض بالتهكّم بهم.
والإظهار في قوله: ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ دون أن يقال فيُحلوه، لزيادة التصريح بتسجيل شناعة عملهم، وهو مخالفتهم أمر الله تعالى وإبطالُهم حرمة بعض الأشهر الحرم، تلك الحرمة التي لأجلها زعموا أنّهم يحرّمون بعض الأشهر الحلال حفاظاً على عدّة الأشهر التي حرّمها الله تعالى.
وجملة ﴿ زين لهم سوء أعمالهم ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً: لأنّ ما حكي من اضطراب حالهم يثير سؤال السائلين عن سبب هذا الضغث من الضلال الذي تمَّلأُوه فقيل: لأنّهم زيّن لهم سوء أعمالهم، أي لأنّ الشيطان زيّن لهم سوء أعمالهم فحسّن لهم القبيح.
والتزيين التحسين، أي جعلُ شيء زيْناً، وهو إذا يسند إلى مَا لا تتغيّر حقيقته فلا يصير حسناً، يؤذن بأنّ التحسين تلبيس.
وتقدّم التزيينُ في قوله تعالى: ﴿ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ﴾ في سورة البقرة (212).
وقوله: ﴿ كذلك زينا لكل أمة عملهم ﴾ في سورة الأنعام (108).
وفي هذا الاستئناف معنى التعليل لحالهم العجيبة حتّى يزول تعجّب السامع منها.
وجملة والله لا يهدي القوم الكافرين } عطف على جملة ﴿ زين لهم سوء أعمالهم ﴾ فهي مشمولة لمعنى الاستئناف البياني المراد منه التعليل لتلك الحالة الغريبة، لأنّ التعجيب من تلك الحالة يستلزم التعجيب من دوامهم على ضلالهم وعدم اهتدائهم إلى ما في صنيعهم من الاضطراب، حتّى يقلعوا عن ضلالهم، فبعد أن أفيد السائل بأنّ سبب ذلك الاضطراب هو تزيين الشيطان لهم سوءَ أعمالهم، أفيد بأنّ دوامهم عليه لأنّ الله أمسك عنهم اللطف والتوفيق، الذيْن بهما يتفطّن الضالّ لضلاله فيقلع عنه، جزاءاً لهم على ما أسلفوه من الكفر، فلم يزالوا في دركات الضلال إلى أقصى غاية.
والإظهار في مقام الإضمار بقوله: ﴿ القوم الكافرين ﴾ لقصد إفادة التعميم الذي يشملهم وغيرهم، أي: هذا شأن الله مع جميع الكافرين.
واعلم أنّ حرمة الأزمان والبقاع إنّما تُتلقَّى عن الوحي الإلهي لأنّ الله الذي خلق هذا العالم هو الذي يسُنّ له نظامَه فبذلك تستقرّ حرمة كلّ ذي حرمة في نفوس جميع الناس إذ ليس في ذلك عمل لبعضهم دون بعض، فإذا أدخل على ما جعله الله من ذلك تغييرٌ تقشّعت الحرمة من النفوس فلا يرضى فريق بما وضعه غيره من الفرق، فلذلك كان النسيء زيادة في الكفر لأنّه من الأوضاع التي اصطلح عليها الناس، كما اصطلحوا على عبادة الأصنام بتلقين عمرو ابن لحَيّ.
وقد أوْحَى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنّ العامَ الذي يَحُجّ فيه يصادف يومُ الحجّ منه يومَ تسعة من ذي الحجة، على الحساب الذي يتسلسل من يوم خلق الله السماوات والأرض، وأنّ فيه يندحض أثر النسيء ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع «إنّ الزمان قد استدار كهيئتِه يومَ خلق اللَّهُ السماوات والأرض»، قالوا فصادفت حجّة أبي بكر سنة تسع أنّها وقعت في شهر ذي القعدة بحساب النسيء، فجاءت حجّةُ النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجّة في الحساب الذي جعله الله يومَ خلق السماوات والأرض.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ أمّا النَّسِيءُ في الأشْهُرِ فَهو تَأْخِيرُها، مَأْخُوذٌ مِن بَيْعِ النَّسِيئَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها ﴾ أيْ نُؤَخِّرُها.
وَفي نَسْءِ الأشْهُرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ السَّنَةَ أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى يَجْعَلُوا المُحَرَّمَ صَفَرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ الحَجَّ في كُلِّ سَنَتَيْنِ شَهْرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: فَحَجَّ المُسْلِمُونَ في ذِي الحِجَّةِ عامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا في المُحَرَّمِ عامَيْنِ: ثُمَّ حَجُّوا في صَفَرٍ عامَيْنِ، ثُمَّ في ذِي القِعْدَةِ عامَيْنِ الثّانِي مِنهُما حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ قَبْلَ حِجَّةِ النَّبِيِّ مِن قابِلٍ في ذِي الحِجَّةِ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» وكانَ المُنادِي بِالنَّسِيءِ في المَوْسِمِ: مِن بَنِي كِنانَةَ عَلى ما حَكاهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ شاعِرُهم عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ: ألَسْنا النّاسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا واخْتُلِفَ في أوَّلِ مَن نَسَأ الشُّهُورَ مِنهم، فَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ: أوَّلُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ.
وَقالَ أيُّوبُ بْنُ عُمَرَ الغِفارِيُّ: أوَّلُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ القَلَمَّسُ الأكْبَرُ وهو عَدِيُّ بْنُ عامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وآخِرُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ أبُو ثُمامَةَ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ إلى أنْ نَزَلَ هَذا التَّحْرِيمُ سَنَةَ عَشْرٍ وكانَ يُنادِي إنِّي أنْسَأُ الشُّهُورَ في كُلِّ عامٍ، ألّا أنَّ أبا ثُمامَةَ لا يُجابُ ولا يُعابُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَّسِيءَ وجَعَلَهُ زِيادَةً في الكُفْرِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ أيْ لِيُوافِقُوا فَحَرَّمُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ كَما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةَ أشْهُرٍ.
﴿ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَها بِالشُّهْرَةِ لَها والعَلامَةِ المُمَيَّزَةِ بِها لِتُجْتَنَبُ.
الثّانِي: أنَّ أنْفُسَهم والشَّيْطانَ زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ بِالتَّحْسِينِ والتَّرْغِيبِ لِيُواقِعُوها، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
وَفِي: ﴿ سُوءُ أعْمالِهِمْ ﴾ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما قَدَّمَهُ مِن إحْلالِهِمْ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وتَحْرِيمِهِمْ ما أحَلَّهُ اللَّهُ.
الثّانِي: أنَّهُ الرِّياءُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت العرب يحلون عاماً شهراً وعاماً شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة، وهو النسيء الذي ذكر الله تعالى في كتابه، فلما كان عام الحج الأكبر ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال: «وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة فقال: إن النسيء من الشيطان ﴿ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ﴾ فكانوا يحرمون المحرم عاماً ويحرمون صفراً عاماً، ويستحلون المحرم وهو النسيء» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان جنادة بن عوف الكناني يوفي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمادة فينادي: ألا أن أبا ثمادة لا يخاف ولا يعاب، ألا إن صفر الأول حلال، وكان طوائف من العرب إذا أرادوا أن يغيروا على بعض عدوهم أتوه فقالوا: أحل لنا هذا الشهر- يعنون صفر- وكانت العرب لا تقاتل في الأشهر الحرم فيحله لهم عاماً ويحرمه عليهم في العام الآخر، ويحرم المحرم في قابل ﴿ ليواطئوا عدة ما حرم الله ﴾ يقول: ليجعلوا الحرم أربعة غير أنهم جعلوا صفراً عاماً حلالاً وعاماً حراماً.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت النساة حياً من بني مالك من كنانة من بني تميم، فكان أخراهم رجلاً يقال له القلمس وهو الذي أنسأ المحرم، وكان ملكاً، كان يحل عاماً ويحرمه عاماً، فإذا حرمه كانت ثلاثة أشهر متوالية، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وهي العدة التي حرم الله في عهد إبراهيم عليه السلام، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم ليواطئ العدة يقول: قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهراً إلا وقد حرمت مكانه شهراً، فكانت على ذلك العرب من يدين للقلمس بملكه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فأكمل الحرم ثلاثة أشهر متوالية ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي وائل رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ قال: نزلت في رجل من بني كنانة يقال له نسيّ، كان يجعل المحرم صفراً ليستحل فيه المغانم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي وائل رضي الله عنه قال: كان الناسي رجلاً من كنانة ذا رأي يأخذون من رأيه رأساً فيهم، فكان عاماً يجعل المحرم صفراً فيغيرون فيه ويستحلونه فيصيبون فيغنمون، وكان عاماً يحرمه.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ الآية.
قال: عمد أناس من أهل الضلالة فزادوا صفر في أشهر الحرم، وكان يقوم قائلهم في الموسم فيقول: إن آلهتكم قد حرمت صفر فيحرمونه ذلك العام، وكان يقال لهما الصفران، وكان أول من نسأ النسيء بنو مالك من كنانة، وكانوا ثلاثة، أبو ثمامة صفوان بن أمية، أحد بني تميم بن الحرث، ثم أحد بني كنانة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمون الأشهر ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة ثم يحجون فيه ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر، صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخر، ثم يسمون شعبان رمضان، ورمضان شوال، ويسمون ذا القعدة شوال، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، ثم يحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا مثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عاماً حتى وافق حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخرة من العام في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج فيها فوافق ذو الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: كان رجل من بني كنانة يقال له جنادة بن عوف يكنى أبا أمامة ينسئ الشهور، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض، فإذا أراد أن يغير على أحد قام يوماً بمنى فخطب فقال: إني قد أحللت المحرم وحرمت صفر مكانه فيقاتل الناس في المحرم، فإذا كان صفر عمدوا ووضعوا الأسنَّة ثم يقوم في قابل فيقول: إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم فيواطئوا أربعة أشهر فيحلوا المحرم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ﴾ قال: هو صفر، كانت هوازن وغطفان يحلونه سنة ويحرمونه سنة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ﴾ الآية، قال أبو زيد: "نسأت الإبل عن الحوض فأنا أنسأها نسأ: إذا أخرتها عنه (١) (٢) قال (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وكان النسيء في الشهور: تأخير حرمةٍ لشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، قال الفراء: "النسيء: المصدر، ويكون المنسوء، مثل قتيل ومقتول" (١٠) وقال الأزهري: "النسيء في هذه الآية بمعنى الإنساء، اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من أنسأت، قال: وقد قال بعضهم: نسأت في هذا الموضع بمعنى أنسأت، ومنه قول عمير بن قيس بن جذل الطعان (١١) ألسنا الناسئين على معد ...
شهور الحل نجعلها حراما (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وهذا قراءة العامة (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) فأما معنى "النسيء" في هذه الآية، قال العلماء وأهل التفسير: "إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، وكان ذلك ما تمسكت به من ملة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- وكانت العرب أصحاب حروب وغارات، فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يُغيْرون فيها، وقالوا: لئن (٢٧) (٢٨) (٢٩) ولقد تأول بعض الناس قوله : "لا صفر" (٣٠) (٣١) قال أبو عبيدة: "كانوا يؤخرون المحرم وذلك نسء الشهور، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة، إذا اجتمعت العرب للموسم فينادي مناد: أن افعلوا ذلك، لحرب أو لحاجة وليس كل سنة يفعلون ذلك، فإذا أرادوا أن يحلوا المحرم نادوا: هذا صفر وإن المحرم الأكبر صفر (٣٢) (٣٣) قال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: "أول من نسأ النسيء: بنو مالك بن كنانة (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) -" (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) قال الشاعر (٤٦) وكان الناسئين على معد ...
شهور الحل نجعلها حرامًا وقال آخر (٤٧) نسؤا المشهور بها وكانوا أهلها ...
من قبلكم والعز لم يتحول وأكثر العلماء على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر على ما ذكرنا (٤٨) (٤٩) (٥٠) - في خطبته في حجة (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) وقال قطرب: "معنى النسيء وأصله: من الزيادة يقال: نسأ في الأجل وأنسأ: إذا زاد فيه (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) ﴿ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ فبين أنهم لم يزيدوا في العدد وإنما نقلوا التحريم من موضعه.
وقوله تعالى: ﴿ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد زيادة في كفرهم حيث أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله (٦٠) (٦١) وقوله تعالى: ﴿ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهذه قراءة العامة (٦٢) وقرأ أهل الكوفة ﴿ يُضَلُّ ﴾ بضم الياء وفتح (٦٣) (٦٤) ﴿ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ أي: زين لهم ذلك حاملوهم وداعوهم (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) وقوله تعالى: ﴿ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: إذا قاتلوا فيه أحلوه وحرموا مكانه صفرًا، وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه (٧٠) ﴿ يُحِلُّونَهُ ﴾ و ﴿ وَيُحَرِّمُونَهُ ﴾ تعود إلى النسيء (٧١) (٧٢) وقوله تعالى: ﴿ لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ ، قال أهل اللغة: ليوافقوا.
يقال: واطأت فلانًا على كذا: إذا وافقته عليه (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) قال ابن عباس: ليواطؤا أربعة أشهر؛ لأن الله حرم منها أربعة (٧٩) قال المؤرج: هو أنهم لم يحلوا شهرًا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرًا من الحلال (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) وقوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس والحسن: يريد، زين لهم الشيطان هذا (٨٨) وقوله (٨٩) ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ ، قال: يريد: لا يرشد كل كفار أثيم.
(١) ساقط من (ح).
(٢) "تهذيب اللغة" (نسأ) 4/ 3566 بلفظ مقارب، وبعضه في "الحجة" 4/ 193.
(٣) من (ى).
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٥) "تهذيب اللغة" (نسأ) 4/ 3566، وهو في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 23 من غير نسبة.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (م) و (ى)، وهو كذلك غير موجود في المصدرين التاليين.
(٧) اهـ.
كلام الزجاج، انظر: كتاب "فعلت وأفعلت" ص 40، و"معاني القرآن وإعرابه" 1/ 190 ولعل الزجاج ذكره في كتاب آخر فيه باب الوفاق، ولم أعثر عليه.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٩) انظر أيضًا: "الصحاح" (نسأ) 1/ 76، و"مجمل اللغة" (نسى) 3/ 766.
(١٠) "معاني القرآن" 1/ 437.
(١١) هو: عمير بن قيس أحد بني علقمة بن فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة، وجذل الطعان: لقب لجده علقمة، وقيل: بل لقب له، والأول هو الظاهر من مصادر تخريج البيت، وسمي بذلك لثباته في الحرب كأنه جذل شجرة واقف، وقيل: لأنه كان يستشفى برأيه ويستراح إليه كما تستريح البهيمة الجرياء إلى الجذل تحتك به.
انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 45، و"الروض الأنف" 1/ 251.
(١٢) انظر البيت منسوبًا لعمير بن قيس في "سيرة ابن هشام" 1/ 46، و"تهذيب اللغة" (نسأ) 4/ 3556، و"لسان العرب" (نسأ) 7/ 4403.
(١٣) اهـ.
كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (نسأ) 4/ 3556.
(١٤) ساقط من: (ى).
(١٥) في (ى): (المعنى).
(١٦) في (ح): (بالكفر).
(١٧) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 193.
(١٨) ساقط من (ى).
(١٩) "كتاب السبعة" (ص 314)، و"التبصرة في القراءات" ص 215، و"تقريب النشر" ص 34، وقد أفاد المصدران الأخيران أن ورشًا وافق الجمهور في إحدى الروايتين عنه، وله رواية أخرى لفظها: (إنما النسىُّ) بغير همز ولا مد، والياء مشددة.
(٢٠) هو: عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله الداري أبو معبد المكي، إمام المكيين في القراءة، واحد القراء السبعة، كان فصيحًا بليغًا مفوهًا، عليه سكينة ووقار، توفي سنة 120هـ.
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 86، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 318، و"تقريب التهذيب" ص318 (3550)، و"غاية النهاية" 1/ 443.
(٢١) في (ى): (ابن شبل)، والصواب ما في (ح) و (م) كما في كتاب "السبعة في القراءات" ص 314، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 193، وهو شبل بن عباد المكي، صاحب ابن كثير، ومقرئ مكة، وأحد شيوخ حمزة الزيات، كان ثقة من رجال البخاري، توفي بعد سنة 150 هـ.
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 129، و"الكاشف" 1/ 478، و"تقريب التهذيب" ص 263 (2737).
(٢٢) كتاب "السبعة" ص 314، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 191، و"إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 1/ 247.
(٢٣) انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع، لكن ابن خالويه جعلها بالألف المقصورة على وزن: الدُّمى.
(٢٤) كررت الكلمة في (ى).
(٢٥) انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.
(٢٦) انظر: "الحجة" 4/ 194، و"لسان العرب" (قرأ) 6/ 3618.
(٢٧) في (ح): (التي).
(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٩) انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 48، والثعلبي 6/ 106 ب، والبغوي 4/ 45، وابن الجوزي 3/ 435، والرازي 16/ 57، وقد رواه ابن حاتم في "تفسيره" 6/ 1794 بمعناه عن السدي.
(٣٠) رواه البخاري (5717) في "صحيحه"، كتاب الطب، باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن، ومسلم (2220) في "صحيحه"، كتاب السلام، باب لا عدوى ..
، وتفسير البخاري للحديث هو المشهور عند العلماء، انظر: "فتح الباري" 10/ 171.
(٣١) هذا تأويل الإمام مالك -رحمه الله- انظر: "فتح الباري" 10/ 171، وقد ذكر التأويل من غير نسبة أبو عبيد في غريب الحديث 1/ 26، والثعلبي في "تفسيره" 6/ 106 ب.
(٣٢) نص عبارة أبي عبيدة: (نادى مناد: إن المحرم في صفر، وكانوا يسمون المحرم وصفر: الصفرين، والمحرم صفر الأكبر، وصفر المحرم الأصغر).
(٣٣) "مجاز القرآن" 1/ 258 بمعناه مع الزيادة وتقديم بعض الجمل.
(٣٤) هم بنو مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 10، و"نسب قريش" ص 11.
(٣٥) لم يذكر من الثلاثة في هذه الرواية سوى واحد، وكذلك ابن جرير 10/ 130 - 131، والثعلبي 6/ 107 أ، والبغوي 4/ 46، وقد ذكر المفسرون والعلماء أكثر من ثلاثة منهم: 1 - عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، رواه الثعلبي 6/ 107 ب، والبغوي 4/ 47 عن بن عباس بسند واه.
== 2 - أبو ثمامة صفوان بن أمية أحد بني الحارث بن مالك الكناني، رواه ابن جرير 10/ 131 عن قتادة، وانظر: "المحبر" (ص 133)، و"أمالي القالي" 1/ 240.
3 - الحارث بن ثعلبة، ذكره عن مجاهد الحافظ ابن حجر في "الإصابة" 1/ 275.
4 - نعيم بن ثعلبة، رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" (ص 193) من رواية الكلبي عن ابن عباس، ورواه الثعلبي 6/ 107 أ.
5 - 9 - القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم الكناني، ثم ابنه عباد بن حذيفة، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ذكرهم ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 1/ 45.
10 - أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية الكناني، وكان آخرهم وفي زمنه أبطل الله النسيء، انظر: "تفسير ابن جرير" 7/ 130، و"السيرة النبوية" 1/ 45، و"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 246.
(٣٦) هو: جنادة بن عوف بن أمية بن قلع من بني فقيم ثم من بني مالك بن كنانة، أبو ثمامة الكناني، نسأ الشهور أربعين سنة، وكان أبعد النسأة ذكرًا، وأطولهم أمدًا، وقد أسلم، وأدرك زمن عمر- ما-.
انظر: "السيرة النبوية" 1/ 45، و"الإصابة" 1/ 246.
(٣٧) أحاب: بالحاء المهملة في (ح) و (م)، وكذلك في "المحبر" ص 157، وهو من الحوب، أي الإثم، انظر: "لسان العرب" (حوب)، والمعنى: لا أنسب إلى الإثم، وفي النسخة (ى) و"معاني القرآن" للفراء 1/ 436: أجاب، وفي "تفسير الثعلبي": أخاب من الخيبة، أي: لا يُخيّب لي قول ولا يرد، أما معنى أجاب، فأقرب ما وجدت من معانيه أنه من المجاوبة: أي التحاور، والمعنى: لا أحاور ولا أجادل فيما أقول، وقد ذكر ابن منظور في "لسان العرب" (جوب): (أن المجاوبة والتجاوب: التحاور.
(٣٨) ساقط من: (ى).
(٣٩) ذكر الأثر عنهم جميعًا الثعلبي 6/ 107 أوهو لفّقه من رواياتهم جميعًا، وذكر الإمام ابن جرير تلك الروايات مفصلة، انظر "تفسيره" 10/ 129 - 132.
(٤٠) لم أقف له على ترجمة، ولم يذكره سوى الكلبي وحاله لا تخفى.
(٤١) ذكره الثعلبي 6/ 106 أ، والبغوي 4/ 46.
(٤٢) انظر: "معاني القرآن" 1/ 436.
(٤٣) جد جاهلي قديم، وزعيم من طواغيت العرب، وقد صح في شأنه أمور منها: أ- أن اسمه عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، رواه البخاري في (3520)، كتاب المناقب، باب قصة خزاعة ب- أنه جد خزاعة القبيلة العربية المعروفة، رواه البخاري في الموضع السابق، لكن بعض العلماء يرى أن الحديث تصحف على بعض الرواة فقال: أبو خزاعة، والصواب: أخو خزاعة وهذا هو المشهور، انظر: "البداية والنهاية" 2/ 189.
ج- أنه أول من غير دين إبراهيم فقد روى مسلم في "صحيحه" أن رسول الله - - قال: "رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب، وبحر البحيرة، وغير دين إسماعيل".
(٤٤) رواه الثعلبي 6/ 107 ب، والبغوي 4/ 47.
(٤٥) في (م): (وتزيين)، ولا معنى له.
(٤٦) سبق تخريج هذا البيت عند تفسير أول الآية.
(٤٧) لم أهتد إليه، والبيت بلا نسبة في كتاب "الأمالي" للقالي 1/ 4، و"تفسير ابن عطية" 6/ 489، و"البحر المحيط" 5/ 40، و"الدر المصون" 6/ 47.
(٤٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 130 - 132، وابن أبي حاتم 6/ 1794، والثعلبي 6/ 106، والبغوي 4/ 45، وابن الجوزي 3/ 435، و"السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 44 - 45.
(٤٩) في (ح): (دهور طويلة).
والمثبت موافق لما في "تفسير الثعلبي".
(٥٠) هذا معنى قول عبد الله بن عمرو كما في "الدر المنثور" 3/ 426، وقول مجاهد كما في "تفسير ابن جرير" 10/ 131، وقول ابن أبي نجيح كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1794، والعبارة للثعلبي في "تفسيره" 6/ 106 ب، واعتبره الرازي 16/ 57 هو الصحيح في تفسير الآية، وأقول: إن المتأمل في مجموع الروايات الواردة في هذه القضية يتبين له أن النسيء عند العرب على ضربين: الأول: تأخير تحريم شهر محرم إلى صفر؛ لحاجتهم إلى الغزو والنهب، وهذا هو المذكور في هذه الآية بدلالة قوله تعالى: ﴿ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ﴾ .
الثاني: تأخيرهم الحج عن وقته، ليكون ثابتًا في فصل من فصول السنة، كالأشهر في السنة الشمسية، فقد روى الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 425 عن عبد الله بن عمرو "أن العرب كانوا لا يصيبون الحج -يعني == في شهر ذي الحجة- إلا في كل ست وعشرين سنة مرة".
وروى عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 275، وابن جرير 10/ 131 عن مجاهد قال: " ..
فكانوا يحجون في كل شهر عامين" ومما يدل على هذا النوع من النسيء ما روي أن حجة أبي بكر - - سنة تسع كانت في ذي القعدة، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 82: ذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في "الإكليل" ا.
هـ وأنكر الإمام ابن كثير في "تفسيره" 2/ 393 ذلك بشدة.
هذا وقد بين الرازي في "تفسيره" 16/ 56 - 57 أن غرضهم من ذلك هو المواءمة بين موسم الحج ومواسم التجارة في سائر البلدان.
واختار الإمام أبو عبيد القول الثاني؛ لقول النبي - - "إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض" وليس في التفسير الآخر استدارة.
انظر: "غريب الحديث"، له 1/ 291، 293.
(٥١) في (ى): (خطبة حجة الوداع).
(٥٢) هكذا في النسخ، وهو موافق لرواية البخاري (7447) كتاب التفسير، سورة براءة، ورواية أبي داود وأحمد، قال الحافظ ابن حجر: (قال ابن التين: الصواب: ثلاثة متوالية؛ يعني لأن المميز الشهر، قال: ولعله أعاده على المعنى، أي ثلاث مدد متواليات.
انتهى، أو باعتبار العدة، مع أن الذي لا يذكر التمييز معه يجوز فيه التذكير والتأنيث).
"فتح الباري" 8/ 325، والجدير بالتنبيه أن البخاري روى الحديث في موضع آخر بلفظ: ثلاثة.
(٥٣) رواه البخاري في "صحيحه" في عدة مواضع منها كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين (4662)، وكتاب التفسير، سورة براءة (7447)، وكتاب التوحيد، باب قوله الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ورواه أيضًا مسلم (1679)، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء، وأبو داود (1947)، كتاب المناسك، باب الأشهر الحرم، وأحمد في "المسند" 5/ 37.
(٥٤) هكذا في جميع النسخ.
(٥٥) ساقط من (ى).
(٥٦) ذكر قول قطرب الرازي 16/ 55 - 56، وبنحوه الثعلبي 6/ 106 أ.
(٥٧) رواه بمعناه مختصرًا ابن جرير 10/ 131، والثعلبي 6/ 106 أ، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 16/ 426.
(٥٨) من عادة اللبن أن الماء يطفو فوقه إذا ترك فترة.
(٥٩) في (ي): (ولا يزيدونه).
(٦٠) ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 495، ورواه بمعناه مطولاً ابن جرير 10/ 130 من رواية علي بن أبي طلحة.
(٦١) انظر: "تفسير الأصفهاني" 4/ 35 ب بمعناه ولم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي، وقد زاد القرطبي هذا المعنى إيضاحًا فقال: قوله تعالى: ﴿ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ﴾ بيان لما فعلته العرب من جمعها أنواعًا من الكفر، فإنها أنكرت وجود الباري -تعالى- فقالت: (وما الرحمن) في أصح الوجوه، وأنكرت البعث فقالت: (من يحيى العظام وهي رميم) وأنكرت بعثه الرسل فقالوا: (أبشرًا واحدًا نتبعه) ..
إلخ.
"تفسير القرطبي" 8/ 139.
(٦٢) يعني بفتح الياء وكسر الضاد، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، انظر: "كتاب السبعة" ص 314، و"الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"تقريب النشر" ص120.
(٦٣) في (ي): (وضم)، وهو خطأ.
(٦٤) هذه قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص.
انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.
(٦٥) في (ح): (ودعواهم)، وهو خطأ.
(٦٦) هو: عامر بن عمر بن صالح أبو الفتح الموصلي، المعروف بأوقية، مقرئ حاذق، وتولى قضاء الموصل، توفي سنة 250 هـ.
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 220، و"غاية النهاية" 1/ 350.
(٦٧) هو: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن البغدادي، أبو بكر ابن مقسم العطار، كان إمامًا مقرئًا نحويًا، ثقة، ومن أحفظ الناس لنحو الكوفيين، وأعرفهم بالقراءات، وصنف في التفسير والمعاني، توفي سنة 354 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 206، و"إنباه الرواة" 3/ 100، و"غاية النهاية" 2/ 123.
(٦٨) انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"البحر المحيط" 5/ 40.
(٦٩) في (م): (الشياطين).
(٧٠) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 495، و"الوجيز" 6/ 491.
(٧١) وإلى هذا ذهب أيضًا ابن جرير 10/ 130، والثعلبي 6/ 108 أ، والبغوي 4/ 47.
(٧٢) في (ي): (الذي يريدون أن يدعوا ..
إلخ).
ولم أثبت هذه الزيادة لثلاثة أسباب: أ- عدم وجودها في (ح) و (م).
ب- أن الرازي نقل الجملة منسوبة للواحدي وليس فيها هذه الزيادة، انظر: "مفاتيح الغيب" 16/ 59.
جـ- كثرة الأخطاء والسقط في النسخة (ي).
(٧٣) انظر: "تهذيب اللغة" (وطئ) 4/ 3912، و"الصحاح" (وطأ) 1/ 81.
(٧٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447 ولفظه: المواطأة: المماثلة والاتفاق على الشيء.
(٧٥) في (ي): (وواطؤهم).
(٧٦) في (ح): (أحد).
(٧٧) في (ح): (ولا يطأ)، وهو خطأ.
(٧٨) انظر معنى الإيطاء في "تهذيب اللغة" (وطئ) 4/ 3912، و"طبقات فحول الشعراء" 1/ 72، ولم أقف على مصدر قول المبرد.
(٧٩) رواه بمعناه مطولاً ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 426.
(٨٠) في (ح): (الحرم)، والصواب ما في (م) و (ي)، وهو موافق لما في "تفسير الثعلبي".
(٨١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٨٢) انظر: قول مؤرج في "تفسير الثعلبي" 6/ 108 أ.
(٨٣) في (ي): (الأربعة)، وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه".
(٨٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447.
(٨٥) في (ي): (يقولون)، وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن".
(٨٦) ساقط من (م).
(٨٧) "معاني القرآن" 1/ 437.
(٨٨) انظر: "تفسير البغوي" 4/ 47، والرازي 16/ 58، و"الوسيط" 2/ 495.
(٨٩) من (م).
<div class="verse-tafsir"
﴿ اثنا عَشَرَ شَهْراً ﴾ هي الأشهر المعروفة أولها المحرم وآخرها ذو الحجة، وكان الذي جعل المحرم أول شهر من العام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ فِي كتاب الله ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: في القرآن والأوّل أرجح لقوله: ﴿ يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض ﴾ ﴿ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به حتى غيَّره بعضهم ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ الضمير في قوله: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ للأشهر الحرم، تعظيماً لأمرها وتغليظ للذنوب فيها، وإن كان الظلم ممنوعاً في غيرها، وقيل: الضمير للاثني عشر شهراً، أو الزمان كله، والأوّل أظهر ﴿ وقاتلوا المشركين كَآفَّةً ﴾ أي قاتلوهم في الأشهر الحرم، فهذا نسخ لتحريم القتال فيها، وكافة حال من الفاعل أو المفعول ﴿ إِنَّمَا النسياء ﴾ وهو تأخير حرمة الشهر إلى الشهر الآخر، وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات، وكانت محرّمة عليهم في الأشهر الحرم، فيشق عليهم تركها فيجعلونها في شهر حرام ويحرمون شهراً آخر بدلاً منه، وربما أحلوا المحرم وحرموا صفر حتى تكمل في العام أربعة أشهر محرمة ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً ﴾ أي تارة يحلون وتارة يحرمون، ولم يرد العام حقيقة ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ﴾ يعني: إحلالهم القتال في الأشهر الحرم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عزير ابن ﴾ بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب.
الباقون: بغير تنوين ﴿ يضاهئون ﴾ بالهمز.
عاصم.
الآخرون ﴿ يضاهون ﴾ بحذف الهمزة.
﴿ أن يطفوا ﴾ و ﴿ ليواطوا ﴾ بحذف الهمزة فيهما.
يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ اثنا عشر ﴾ بسكون العين: يزيد والخزاز ﴿ إنما النسي ﴾ بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف.
الباقون: بباء بعدها همزة.
﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه.
﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس.
الباقون ﴿ يضل ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد.
الوقوف: ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ المسيح ابن الله ﴾ ط ﴿ بأفواههم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ج ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً.
﴿ واحداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ لا لتعلق "لو" بما قبله ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ أليم ﴾ ه لا أي في يوم.
﴿ وظهورهم ﴾ ط ﴿ تكنزون ﴾ ه ﴿ حرم ﴾ ط ﴿ يقاتلونكم كافة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية.
واعلم أنه ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم ﴿ لا يؤمنون بالله ﴾ فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأنإيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية.
واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء.
والمشهور أن كلام الله واحد.
واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟.
وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا.
وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني.
وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق.
نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى.
الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني.
والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها.
الصفة الثالثة: ﴿ ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما.
وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم.
الصفة الرابعة: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق.
يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده.
وقيل: الحق هو الله.
ثم ذكر غاية القتال فقال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه.
قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده.
وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل.
ومعنى ﴿ عن يد ﴾ إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون السمن بسببهما.
أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم.
قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟
والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم.
أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.
فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي.
وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر.
والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ويروى أنه أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب.
ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها.
وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه.
وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.
وأما قوله ﴿ وهم صاغرون ﴾ فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم.
والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.
وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه.
وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة.
وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية.
والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي.
وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها.
ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم.
قال الشافعي في أحد قوليه.
العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول.
ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية.
وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام.
ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز" قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما.
وما روي أنه أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين.
وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله ﴿ قاتلوا ﴾ مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان.
ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟.
ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ الآية.
العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر.
وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم.
أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا.
وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف.
وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر.
وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة.
وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد.
يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك.
ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً.
عن ابن عباس: جاء رسول الله سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.
وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله.
وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.
وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق.
وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب.
وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس.
قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة.
ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله.
وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.
ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه.
هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى.
الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم .
وقال المسيح للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة.
ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم قال ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ﴾ أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير.
فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب.
ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ﴿ يضاهنون ﴾ من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده.
ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار.
والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله.
وقيل: الضمير في ﴿ يضاهئون ﴾ للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم.
ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟.
ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون.
والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع.
واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.
نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟
فقلت: بلى.
فقال: فتلك عبادتهم.
قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟
فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله.
قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا.
وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين.
وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف.
وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله.
وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟!
وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين.
فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً ﴿ وما أمروا ﴾ الضمير للمتخذين.
والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين.
ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال { عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما.
وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه.
ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: وإن أرادوا ظلمنا أبينا *** امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف.
وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة.
ثم أكد ذلك المعنى بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ أي بكثرة الدلائل والمعجزات ﴿ ودين الحق ﴾ لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة.
ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين.
عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان.
وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج.
قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام.
وقد جاء في الحديث: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب.
وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن.
وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام.
وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة.
ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ فيه مدح منه لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام.
وقوله ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ ولو كره المشركون ﴾ إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ﴾ الآية.
وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله .
ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله.
وفي قوله ﴿ كثيراً ﴾ دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم.
وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسمما هو أعظم مقاصده.
وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها.
وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته.
ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلكالأكاذيب.
ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا.
أما قوله ﴿ ويصدّون عن سبيل الله ﴾ فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه.
ثم قال ﴿ والذين يكنزون ﴾ الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه.
والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع.
قيل: المراد بقوله ﴿ والذين يكنزون ﴾ الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم.
وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين.
ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟!
عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟
قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.
وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة.
فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً.
قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول.
وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.
فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.
فقال: ما عسى يصنع بي قريش.
واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته.
عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز.
وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.
وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.
وعن ابن عباس: قوله ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.
قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات.
وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد.
وحجة الأولين قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ {محمد: 36] وقوله : "كل امرىء أحق بكسبه" "نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" وقد كان رسول الله جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته.
حجة الأقلين عموم الآية "وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلتقال رسول الله : تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً فقالوا له : أي مال نتخذ؟
قال: لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه" .
وقوله: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله : كية.
وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان.
وعن عليّ : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد.
ومن المعقول أن الله خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده.
وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه.
وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده.
وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه.
هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه.
وقد ورد أيضاً في الحديث: "ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم" وهو مشهور.
ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما.
ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه قال: "لا زكاة في الحلي المباح" ولم يصححه أبو عيسى الترمذي.
وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال ﴿ ولا ينفقونها ﴾ فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة.
وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ﴾ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ﴾ وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب *** وقيار كذلك.
ثم قال ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.
ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله ﴿ نار حامية ﴾ ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.
فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير.
﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها.
إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود.
ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة.
ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين.
ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان.
ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما.
ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره.
وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق.
ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال ﴿ هذا ما كنزتم ﴾ والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال ﴿ إن عدّة الشهور ﴾ الآيتان وذلك أنه لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم.
واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ والسنة القمرية.
عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله ﴿ إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ﴿ في كتاب الله ﴾ بقوله ﴿ عدّة الشهور ﴾ للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر.
فقوله ﴿ في كتاب الله ﴾ و ﴿ يوم خلق ﴾ الثاني بدل من الأول وهو من عند.
والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.
وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم.
ويجوز أن يكون ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان.
لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا.
إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق.
قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.
وقيل: القرآن.
﴿ منها أربعة حرم ﴾ ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه ﴿ فلا تظلموا فيهن ﴾ أي في الأشهر الأربعة ﴿ أنفسكم ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً.
عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت.
وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول.
وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ﴾ والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة.
وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك.
ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي.
ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾ عائد إلى ﴿ اثنا عشر ﴾ والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء.
قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمعالكثرة تختار ضمير الوحدة.
قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت.
ثم قال عز من قائل ﴿ وقاتلوا المشركين ﴾ وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة.
ومعنى ﴿ كافة ﴾ جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً.
ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية.
وقال الزجاج: نصبه على الحال.
ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً.
وفي وجه التشبيه في قوله ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم.
وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم.
فعلى الأول يكون ﴿ كافة ﴾ حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة.
ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ﴿ إنما النسيء ﴾ وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير.
وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها.
وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها.
وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول.
واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح.
ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر.
احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان.
وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار.
وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس.
وفي قوله ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً.
قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ الضمير فيه عائد إلى النسيء.
قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام.
ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه.
قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.
قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر.
ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه.
ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه.
والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله ﴿ ليواطئوا عدّة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي من القتال وترك الاختصاص.
قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه.
والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد.
قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله فهذا هو المراد بالمواطأة.
وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية.
وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة.
وإنمالزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ على هذا التفسير.
ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع.
ومعنى قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس.
ومعنى قوله ﴿ ليواطؤا عدّة ما حرم الله ﴾ ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً.
ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله أعلم.
التأويل: ﴿ قاتلوا ﴾ النفوس ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ﴾ بتعبده ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ أي لا يعملون للآخرة ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ﴾ من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ﴿ وحرم ﴾ ﴿ رسوله ﴾ على نفسه ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يطلبون الحق ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ من النفوس الملهمة بالواردات الربانية ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ وهي معاملتها على خلاف طبعها ﴿ عن يد ﴾ عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب ﴿ ابن الله ﴾ وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وهم النفوس الكافرة الذين ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ أي قلوبهم ﴿ ورهبانهم ﴾ أي أرواحهم ﴿ أرباباً ﴾ والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب.
فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ﴿ يريدون ﴾ أي النفوس ﴿ أن يطفئوا نور الله ﴾ الذي رش على الأرواح في بدء الخلق ﴿ بأفواههم ﴾ أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ﴿ ليظهره ﴾ في طلب الحق على طلب غيره ﴿ إن كثيراً ﴾ من أحبار القلوب ورهبان الأرواح ﴿ ليأكلون ﴾ أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى ﴿ يحمى عليها في نار جهنم ﴾ الحرص ﴿ فتكوى بها ﴾ جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق ﴿ وجنوبهم ﴾ حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات ﴿ وظهورهم ﴾ حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم ﴿ هذا ﴾ الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ﴿ ما كنزتم ﴾ ﴿ فذوقوا ﴾ الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى.
ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج.
ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
من الناس من يقول: إن الشهور كانت التبست عليهم واختلطت؛ لكثرة ما كانوا يؤخرونها ويقدمونها، حتى لم يكونوا يعرفون الشهور بعينها كل شهر على حدة، فخطب رسول الله بمكة بالموسم، فقال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي [هو] بين جمادى وشعبان.
ثم قال لهم: أي بلد هذا؟
وأي شهر هذا؟
وأي يوم هذا؟، قالوا: بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، فقال: ألا هل بلغت، قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد" وفي بعض الأخبار زيادة: فقال: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية، وقالوا: وذلك أنهم كانوا يجعلون صفراً عاماً حراماً وعاماً حلالاً، ويجعلون المحرم عاماً حراماً وعاماً حلالاً، فكان النسيء من الشيطان.
وصف رسول الله في هذه الأحاديث الأشهر الحرم وبينها؛ فدل ذلك على أن النسيء كان يحرم القتال فيها؛ على ما كان أهل الجاهلية يحرمونه، وزاد ذلك بياناً يصيب أصحاب النسيء؛ إذ كانوا يستحلون القتال في المحرم، ويؤخرونه إلى صفر، فيحرمون صفراً مكان المحرم، فعاب الله عليهم تحليل ما حرم من الشهر، وجعله زيادة في الكفر، وقال: ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ أي: عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله، وقال: ﴿ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ .
ومنهم من قال: إن الله جعل عدة الشهور اثني عشر شهراً بالأهلة على ما عرفته العرب لما وفقوا إلى معرفة ذلك، ولم يوفق غيرهم، وإنما يعدون السنة بالأيام، والعرب تعرفها بالأهلة على ما خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض ﴿ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: في الأشهر كلها لما جعل هذه الأشهر شهوداً عليهم، يشهدون بما يعملون فيها من المعاصي والخيرات، وبها تنقضي آجالهم؛ يخبر ألا تظلموا في هذه الأشهر التي تأتي لكم بكل خير، وبكل نعمة، فإنها تنصرف بما تعملون فيها من الخير والشر.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
أي: في الأربعة الحرم، خص الأربعة وإن كان الظلم في الأشهر كلها لا يحل على ما خص مكة بترك الظلم، وإن كان الظلم حراماً في الأماكن كلها؛ كقوله: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ...
﴾ الآية [الحج: 25]، أي: لا تقاتلوا فيها؛ إذ كل ظلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .
قيل: ذلك الحساب حساب الأشهر قيم، أي: صحيح مستقيم على ما خلقه الله.
وقيل: ذلك الحساب هو القضاء العدل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: ﴿ كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : اللوح المحفوظ؛ على ما قيل.
ويحتمل: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ أي: في حكم الله ذلك.
وقوله: ﴿ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل ما ذكرنا من اللوح المحفوظ أن ذلك عند الله، لم يطلع عليه غيره.
ويحتمل: ﴿ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، [أي]: في علمه؛ على ما عرفته العرب، والله أعلم,.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ كَآفَّةً ﴾ أي: مجتمعون، أي: قاتلوهم مجتمعين على ما يقاتلونكم هم مجتمعين.
ويحتمل: ﴿ كَآفَّةً ﴾ ، أي: جماعة.
ويحتمل: ﴿ كَآفَّةً ﴾ : إلى الأبد، إلى يوم القيامة، أي: قاتلوهم إلى الوقت الذي يقاتلونكم كما يقاتلونكم.
﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
في النصر والمعونة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [التوبة: 37].
كأن هذه الآية والتي قبلها قوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً ﴾ في مشركي العرب، وسائر الآيات التي قبلها وهو قوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ في أهل الكتاب.
يخبر أن ملوك العرب اتخذوا أنفسهم أرباباً والأتباع عبيداً من دون الله حتى يتبعوهم في جميع ما يحلونه ويحرمونه، كما أن اليهود والنصارى اتخذوا أنفس أولئك عبيداً؛ فكأنه قال للمؤمنين: إن ملوك العرب وأحبار اليهود ورهبان النصارى اتخذوا أنفسهم أرباباً، والأتباع عبيداً، فأنتم يا معشر المؤمنين لا تتخذوا أنفسكم أرباباً، والأتباع عبيداً.
<div class="verse-tafsir"
إن التأخير لحرمة شهر مُحرَّم إلى شهر غير مُحرَّم وجَعْله مكانه -كما كان يفعل العرب في الجاهلية- زيادة في الكفر على كفرهم بالله؛ حيث كفروا بحكمه في الأشهر الحُرُم، يُضِل بها الشيطان الذين كفروا بالله حين سنَّ لهم هذه السُّنَّة السيئة، يحلون الشهر الحرام عامًا بإبداله بشهر من شهور الحل، ويبقونه على تحريمه عامًا ليوافقوا عدد الأشهر التي حرم الله وإن خالفوا أعيانها، فلا يحلون شهرًا إلا حرموا مكانه شهرًا، فيحلون بذلك ما حرمه الله من الأشهر الحرم، ويخالفون حكمه، حسَّن لهم الشيطان الأعمال السيئة فعملوها، ومنها ما ابتدعوه من النسيء، والله لا يوفق الكافرين المُصِرِّين على كفرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.WPjWv"