الآية ٤٣ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٤٣ من سورة التوبة

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حصين بن [ يحيى بن ] سليمان الرازي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن مسعر عن عون قال : هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟

بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) وكذا قال مورق العجلي وغيره .

وقال قتادة : عاتبه كما تسمعون ، ثم أنزل التي في سورة النور ، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء : ( فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ) [ النور : 62 ] وكذا روي عن عطاء الخراساني .

وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في أناس قالوا : استأذنوا رسول الله ، فإن أذن لكم فاقعدوا ، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا .

ولهذا قال تعالى : ( حتى يتبين لك الذين صدقوا ) أي : في إبداء الأعذار ، ( وتعلم الكاذبين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) قال أبو جعفر: وهذا عتاب من الله تعالى ذكره، عاتبَ به نبيَّه صلى الله عليه وسلم في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، من المنافقين.

يقول جل ثناؤه: (عفا الله عنك)، يا محمد، ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك, وفي التخلف عنك، من قبل أن تعلم صدقه من كذبه (24) =(لم أذنت لهم)، لأي شيء أذنت لهم؟

= (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)، يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك إذ قالوا لك: (لو استطعنا لخرجنا معك), حتى تعرف مَن له العذر منهم في تخلفه، ومن لا عذر له منهم, فيكون إذنك لمن أذنتَ له منهم على علم منك بعذره, وتعلمَ مَنِ الكاذبُ منهم المتخلفُ نفاقًا وشكًّا في دين الله.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16763- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، قال: ناسٌ قالوا: استأذِنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.

16764- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا)، الآية, عاتبه كما تسمعون, ثم أنـزل الله التي في " سورة النور ", فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء, فقال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ، [سورة النور: 62]، فجعله الله رخصةً في ذلك من ذلك.

16765- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عمرو بن ميمون الأودي قال: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين, وأخذه من الأسارى, فأنـزل الله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، الآية.

16766- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، قرأت على سعيد بن أبي عروبة, قال: هكذا سمعته من قتادة, قوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، الآية, ثم أنـزل الله بعد ذلك في " سورة النور ": فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ، الآية.

16767- حدثنا صالح بن مسمار قال، حدثنا النضر بن شميل قال، أخبرنا موسى بن سَرْوان, قال: سألت مورِّقًا عن قوله: (عفا الله عنك)، قال: عاتبه ربه.

(25) ------------------ الهوامش : (24) انظر تفسير " العفو " فيما سلف من فهارس اللغة (عفا).

(25) الأثر : 16767 - "صالح بن مسمار المروزي السلمي"، شيخ الطبري، مضى برقم: 224.

و "النضر بن شميل المازني" الإمام النحوي، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: 11512 .

و " موسى بن سروان العجلي " ، ويقال : " ثروان " و " فروان " مضى برقم : 11411 ، وكان في المطبوعة هنا " موسى بن مروان " ، وهو خطأ ، وأثبت ما في المخطوطة .

و " مورق " ، هو " مورق بن مشمرج العجلي " ، ثقة عابد من العباد الخشن .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 51 ، وابن أبي حاتم 4 1 403 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبينقوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم قيل : هو افتتاح كلام ، كما تقول : أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا .

وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قوله : عفا الله عنك ، حكاه مكي والمهدوي والنحاس .

وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا .

وقيل : المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم ، فلا يحسن الوقف على قوله : عفا الله عنك على هذا التقدير ، حكاه المهدوي واختاره النحاس .

ثم قيل : في الإذن قولان : الأول : لم أذنت لهم في الخروج معك ، وفي خروجهم بلا عدة ونية صادقة فساد .

الثاني : - لم أذنت لهم في القعود لما اعتلوا بأعذار ، ذكرها القشيري قال : وهذا عتاب تلطف إذ قال : عفا الله عنك .

وكان عليه السلام أذن من غير وحي نزل فيه .

قال قتادة وعمرو بن ميمون : ثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما : إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي ، وأخذه من الأسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون .

قال بعض العلماء : إنما بدر منه ترك الأولى فقدم الله العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب .قوله تعالى حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين أي ليتبين لك من صدق ممن نافق .

قال ابن عباس : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ يعرف المنافقين وإنما عرفهم بعد نزول سورة ( التوبة ) .

وقال مجاهد : هؤلاء قوم قالوا : نستأذن في الجلوس فإن أذن لنا جلسنا وإن لم يؤذن لنا جلسنا .

وقال قتادة : نسخ هذه الآية بقوله في سورة " النور " : فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم .

ذكره النحاس في معاني القرآن له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏عَفَا اللَّهُ عَنْكَ‏}‏ أي‏:‏ سامحك وغفر لك ما أجريت‏.‏ ‏{‏لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏}‏ في التخلف ‏{‏حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ بأن تمتحنهم، ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق ذلك‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( عفا الله عنك ) قال عمرو بن ميمون : اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما : إذنه للمنافقين ، وأخذه الفدية من أسارى بدر ، فعاتبه الله كما تسمعون .

قال سفيان بن عيينة : انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب .

وقيل : إن الله عز وجل وقره ورفع محله بافتتاح الكلام بالدعاء له ، كما يقول الرجل لمن يخاطبه إذا كان كريما عنده : عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي؟

ورضي الله عنك ألا زرتني .

وقيل معناه : أدام الله لك العفو .

( لم أذنت لهم ) أي : في التخلف عنك ( حتى يتبين لك الذين صدقوا ) في أعذارهم ، ( وتعلم الكاذبين ) فيها ، أي : تعلم من لا عذر له .

قال ابن عباس رضي الله عنه : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

وكان صلى الله عليه وسلم أذن لجماعة في التخلف باجتهاد منه، فنزل عتابا له وقدم العفو تطمينا لقلبه «عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم» في التخلف وهلا تركتهم «حتى يتبين لك الذين صدقوا» في العذر «وتعلم الكاذبين» فيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

عفا الله عنك -أيها النبي- عمَّا وقع منك مِن تَرْك الأولى والأكمل، وهو إذنك للمنافقين في القعود عن الجهاد، لأي سبب أَذِنْتَ لهؤلاء بالتخلف عن الغزوة، حتى يظهر لك الذين صدقوا في اعتذارهم وتعلم الكاذبين منهم في ذلك؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عاتب الله : تعالى .

نبيه - صلى الله عليه وسلم - عتاباً رقيقاً لأنه اذن للمنافقين بالتخلف عن الجهاد حين طلبوا منه ذلك ، دون أن يتبين أحوالهم فقال .

تعالى .

( عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ) .قال ابن كثير .

قال مجاهد .

نزلت هذه الآية فى أناس قالوا : استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن أذن لكم فاقعدوا .

وإن لم يأذن لكم فاقعدوا .والعفو : يطلق على التجاوز عن الذنب أو التقصير ، كما يطلق على ترك المؤاخذة على عدم فعل الأولى والأفضل ، وهو المراد هنا .والمعنى : عفا الله عنك يا محمد ، وتجاوز عن مؤاخذتك فيما فعلته مع هؤلاء المنافقين من سماحك لهم بالتخلف عن الجهاد معك فى غزوة تبوك ، حين اعتذروا إليك بالأعذار الكاذبة ، وكان الأولى بك أن تتريث وتتأنى فى السماح لهم بالتخلف ، حتى تيبين لك الذين صدقوا فى اعتذارهم من الذين كذبوا فيه ، فقد كانوا - إلا قليلا منهم - كاذبين فى معاذيرهم ، وكانوا مصرين على القعود عن الجهاد حتى ولو لم تأذن لهم به .وقدم سبحانه .

العفو على العتاب .

وهو قوله : ( لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) - للإِشارة إلى المكانة السامية التى له - صلى الله عليه وسلم - عند ربه .قال بعض العلماء : هل سمعتم بعتاب أحسن من هذا؟

لقد خاطبه سبحانه بالعفو قبل أن يذكر المفعو عنه .وقال العلامة أبو السعود ما ملخصه : وعبر - سبحانه - عن الفريق الأول بالموصول الذى صلته فعل دال على الحدوث ، وعن الفريق الثانى باسم الفاعل المفيد للدوام ، للإِيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث فى أمر خاص غير مصحح لنظمهم فى سلك الصادقين ، وبأن ما صدر من الآخرين ، وإن كان كاذباً حادثاً متعلقاً بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة ، ناشئ عن رسوخهم فى الكذب .وعبر عن ظهور الصدق بالتبين ، وعما يتعلق بالكذب بالعلم ، لما هو المشهور من أن مدلول الخبر هو الصدق ، والكذب احتمال عقلى ، فظهور صدق الخبر إنما هو تبين ذلك المدلول ، وانقطاع احتمال نقيضه بعدما كان محتملا له احتمالا عقلياً ، وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة للخبر عليه فى الجملة حتى يكون ظهوره تبيناً له ، بل نقيض لمدلوله .

فما يتعلق به يكون علما مستأنفاً .هذا ، ومن الأمور التى تكلم عنها العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية ما يأتى :1- أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يحكم بمقتضى اجتهاده فى بعض الوقائع .

وقد بسط القول فى هذه المسألة صاحب المنار فقال ما ملخصه :وقد كان الإِذن المعاتب عليه اجتهاداً منه - صلى الله عليه وسلم - فيما لا نص فيه من الوحى ، وهو جائز وواقع من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .

وليسوا بمعصومين من الخطأ فيه ، وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحى ببيانه والعمل به ، فيستحيل على الرسول أن يكذب أو أن يخطئ فيها يبلغه عن ربه أو يخالفه بالعمل .ويؤيده " حديث طلحة فى تأبير النخل إذ رآهم - صلى الله عليه وسلم - يلقحونها فقال : " ما أظن يغنى ذلك شيئاً " فأخذوا بذلك فتركوه ظناً منهم أن قوله هذا من أمر الدين ، فنفضت النخل وسقط ثمرها .

فأخبر بذلك فقال : " إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فانى ظننت ظناً فلا تؤاخذونى بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فانى لن أكذب على الله عز وجل " " .وقد صرح علماء الأصول بجواز الخطأ فى الاجتهاد على الأنبياء .

عليهم الصلاة والسلام : قالوا : ولكن لا يقرهم الله على ذلك ، بل يبين لهم الصواب فيه .

.2- أن من الواجب على المسلم التريث فى الحكم على الأمور .قال الفخر الرازى : دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة ، ووجوب التثبت والتأنى ، وترك الاغترار بظاهر الأمور ، والمبالغة فى التفحص ، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستتحقه من التقريب أو الإِبعاد .3- أن المتببع لآراء العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية يرى لهم ثلاثة أقوال :أما القول الأول فهو لجمهور العلماء : وملخصه : أن المراد بالعفو فى قوله سبحانه : ( عَفَا الله عَنكَ ) عدم مؤاخذته : - صلى الله عليه وسلم - فى تركه الأولى والأفضل ، لأنه كان من الأفضل لهألا يأذن للمنافقين فى التخلف عن الجهاد حتى يتبين أمرهم .وهذا القول هو الذى نختاره ونرجحه ، لأنه هو المناسب لسياق الآية ولما ورد فى سبب نزولها :وأما القول الثانى فهو لصاحب الكشاف : وملخصه : أن العفو هنا كناية عن الجناية ، فقد قال : قوله ( عَفَا الله عَنكَ ) كناية عن الجناية لأن العفو مرادف لها ، ومعناه .

أخطأت وبئس ما فعلت ، وقوله ( لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) بيان لما كنى عنه بالعفو .ولم يرتض كثير من العلماء ما ذهب إليه صاحب الكشاف من أن العفو هنا كناية عن الجناية ، ووصفوا ما ذهب إليه بالخطأ وإساءة الأدب .قال أبو السعود : ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب من زعم أن الكلام كناية عن الجناية ، وأن معناه أخطأت ، وبئس ما فعلت .هب أنه كناية ، أليس إيثارها على التصريح بالجناية للتلطيف فى الخطاب والتخفيف فى العقاب؟وقال الشيخ أحمد بن المنير : ليس له - أى الزمخشرى : - أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير ، وهو بين أحد أمرين : إما أن لا يكون هو المراد وإما أن يكون هو المراد ، ولكن قد أحل الله نبيه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب ، وخصوصاً فى حق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - فالزمخشرى على كلا التقديرين ذهل عما يجب فى حقه - صلى الله عليه وسلم - .ولقد أحسن من قال فى هذه الآية : إن من لطف الله - تعالى - بنبيه ، أن بدأه بالعفو قبل العتب ، ولو قال له ابتداء ( لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) لتفطر قلبه - عليه الصلاة والسلام .فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه فى حق سيد البشر - عليه الصلاة والسلام .وأما القول الثالث فهو للامام الفخرى الرازى ، ولمن حذا حذوه كالقرطبى وغيره ، وملخص هذا القول أنه يجوز أن يكون المراد بالعفو هنا المبالغة فى تعظيم النبى - صلى الله عليه وسلم توقيره ، أو أن قوله - سبحانه : ( عَفَا الله عَنكَ ) افتتاح كلام .قال الفخر الرازى ما ملخصه : لا نسلم أن قوله - تعالى - ( عَفَا الله عَنكَ ) يوجب الذنب ، ولم لا يجوز أن يقال : إن الله يدل على مبالغة الله ، تعالى فى تعظيمه وتوقيره ، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده ، عفا الله عنك ما صنعت فى أمرى .

.

فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد التبجيل والتعظيم .ويؤيد ذلك قول على بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه :عفا الله عنك ألا حرمة ...

تعوذ بعفوك أن أبعدألم ترى عبداً عدا طوره ...

ومولى عقا ورشيداً هدىأقلنى أقالك من لم يزل ...

يقيك ، ويصرف عنك الردىوقال القرطبى : قوله : - تعالى - ( عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) قيل : هو افتتاح كلام؛ كما تقول : أصلحك الله وأعزك وحرمك كان كذا وكذا .

.والذى نراه أن القول الأول هو الراجح لما سبق أن بيناه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين بقوله: ﴿ لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك  ﴾ أنه تخلف قوم من ذلك الغزو، وليس فيه بيان أن ذلك التخلف، كان بإذن الرسول أم لا؟

فلما قال بعده: ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ دل هذا، على أن فيهم من تخلف بإذنه وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ والعفو يستدعي سابقة الذنب.

والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ وهذا استفهام بمعنى الإنكار، فدل هذا على أن ذلك الإذن كان معصية وذنباً.

قال قتادة وعمرو بن ميمون: اثنان فعلهما الرسول، لم يؤمر بشيء فيهما، إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون.

والجواب عن الأول: لا نسلم أن قوله: ﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ يوجب الذنب، ولم لا يجوز أن يقال: إن ذلك يدل على مبالغة الله في تعظيمه وتوقيره، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظماً عنده، عفا الله عنك ما صنعت في أمري ورضي الله عنك، ما جوابك عن كلامي؟

وعافاك الله ما عرفت حقي فلا يكون غرضة من هذا الكلام، إلا مزيد التبجيل والتعظيم.

وقال علي بن الجهم: فيما يخاطب به المتوكل وقد أمر بنفيه: عفا الله عنك ألا حرمة *** تعود بعفوك إن أبعدا ألم تر عبداً عدا طوره *** ومولى عفا ورشيداً هدى أقلني أقالك من لم يزل *** يقيك ويصرف عنك الردى والجواب عن الثاني أن نقول: لا يجوز أن يقال: المراد بقوله: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ الإنكار لأنا نقول: إما أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب، فإن قلنا: إنه ما صدر عنه ذنب، امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ إنكار عليه، وإن قلنا: إنه كان قد صدر عنه ذنب، فقوله: ﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ يدل على حصول العفو عنه، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ يدل على كون الرسول مذنباً، وهذا جواب شاف قاطع.

وعند هذا، يحمل قوله: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ على ترك الأولى والأكمل، لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.

المسألة الثانية: من الناس من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع.

واحتج عليه بأن قوله: ﴿ فاعتبروا ياأولى الأبصار  ﴾ أمر لأولي الأبصار بالاعتبار والاجتهاد، والرسول كان سيداً لهم، فكان داخلاً تحت هذا الأمر، ثم أكدوا ذلك بهذه الآية فقالوا: إما أن يقال إنه تعالى أذن له في ذلك الإذن أو منعه عنه، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه والأول باطل، وإلا امتنع أن يقول له لم أذنت لهم.

والثاني باطل أيضاً، لأن على هذا التقدير يلزم أن يقال إنه حكم بغير ما أنزل الله فيلزم دخوله تحت قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون  ﴾ ﴿ فأولئك هُمُ الظالمون  ﴾ ﴿ فأولئك هُمُ الفاسقون  ﴾ وذلك باطل بصريح القول فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة من تلقاء نفسه، فإما أن يكون ذلك مبنياً على الاجتهاد أو ما كان كذلك، والثاني باطل، لأنه حكم بمجرد التشهي وهو باطل لقوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات  ﴾ فلم يبق إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة، بناء على الاجتهاد، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد.

فإن قيل: فهذا بأن يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى، لأنه تعالى منعه من هذا الحكم بقوله: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ .

قلنا: إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقاً لأنه قال: ﴿ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين ﴾ والحكم الممدود إلى غاية بكلمة حتى يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية، فهذا يدل على صحة قولنا.

فإن قالوا: فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي؟

قلنا: ما ذكرتموه محتمل إلا أن على التقدير الذي ذكرتم، يصير تكليفه، أن لا يحكم ألبتة، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص، فلما ترك ذلك، كان ذلك كبيرة، وعلى التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأ واقعاً في الاجتهاد، فدخل تحت قوله: ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد فكان حمل الكلام عليه أولى.

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني وترك الاغترار بظواهر الأمور والمبالغة في التفحص، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد.

المسألة الرابعة: قال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية، ثم رخص له في سورة النور فقال: ﴿ فَإِذَا استذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ  ﴾ .

المسألة الخامسة: قال أبو مسلم الأصفهاني: قوله: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ليس فيه ما يدل على أن ذلك الإذن فيما ذا؟!

فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود فأذن له، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج فأذن له، مع أنه ما كان خروجهم معه صواباً، لأجل أنهم كانوا عيوناً للمنافقين على المسلمين، فكانوا يثيرون الفتن ويبغون الغوائل فلهذا السبب، ما كان في خروجهم مع الرسول مصلحة.

قال القاضي: هذا بعيد لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه الذم للمتخلفين والمدح للمبادرين، وأيضاً ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان حالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ كناية عن الجناية، لأن العفو رادف لها.

ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت.

و ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ بيان لما كنى عنه بالعفو.

ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم وهلاّ استأنيت بالإذن ﴿ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ ﴾ من صدق في عذره ممن كذب فيه.

وقيل: شيئان فعلهما رسول الله ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى فعاتبه الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا.

﴿ قَرِيبًا ﴾ سَهْلَ المَأْخَذِ.

﴿ وَسَفَرًا قاصِدًا ﴾ مُتَوَسِّطًا.

﴿ لاتَّبَعُوكَ ﴾ لَوافَقُوكَ.

﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ أيِ المَسافَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ.

وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ.

﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ﴾ أيِ المُتَخَلِّفُونَ إذا رَجَعْتَ مِن تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ.

﴿ لَوِ اسْتَطَعْنا ﴾ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ أوِ البَدَنِ.

وقُرِئَ « لَوُ اسْتَطَعْنا» بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ ﴾ .

﴿ لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ﴾ سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ، وهَذا مِنَ المُعْجِزاتِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

﴿ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ بِإيقاعِها في العَذابِ، وهو بَدَلٌ مِن سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إيقاعٌ لِلنَّفْسِ في الهَلاكِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ في ذاكَ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَطِيعِينَ الخُرُوجَ.

﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ كِنايَةٌ لا عَنْ خَطَئِهِ في الإذْنِ فَإنَّ العَفْوَ مِن رَوادِفِهِ.

﴿ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ بَيانٌ لِما كُنِّيَ عَنْهُ بِالعَفُوِّ ومُعاتَبَةٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ حِينَ اسْتَأْذَنُوكَ واعْتَلُّوا بِأكاذِيبَ وهَلّا تَوَقَّفْتَ.

﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ في الِاعْتِذارِ.

﴿ وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ ﴾ فِيهِ.

قِيلَ إنَّما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ  شَيْئَيْنِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِما، أخْذُهُ لِلْفِداءِ وإذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{عفا الله عنك} كناية من الزلة لأن العفو رادف لها

التوبة (٤٣ _ ٤٧)

وهو من لطف العتاب بتصدير العفو في الخطاب وفيه دلالة فضله على سائر الأنبياء عليهم السلام حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء عليهم السلام {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} بيان لما كنى عنه بالعفو ومعناه مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلّوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن {حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين} يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه

وقيل شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما إذنه للمنافقين وأخذه الفدية من الأسارى فعاتبه الله وفيه دليل جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام لأنه عليه السلام إنما فعل ذلك بالاجتهاد وإنما عوتب مع أن له ذلك لتركه الأضفل وهم يعاتبون على ترك الأفضل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ أيْ لِأيِّ سَبَبٍ أذِنْتَ لِهَؤُلاءِ الحالِفِينَ المُتَخَلِّفِينَ في التَّخَلُّفِ حِينَ اسْتَأْذَنُوا فِيهِ مُعْتَذِرِينَ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، وهَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ سُبْحانَهُ لِحَبِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى تَرْكِ الأُولى وهو التَّوَقُّفُ عَنِ الإذْنِ إلى انْجِلاءِ الأمْرِ وانْكِشافِ الحالِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ أيْ: فِيما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ الِاعْتِذارِ مِن عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ ﴿ وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ ﴾ أيْ في ذَلِكَ، فَحَقَّ سَواءٌ كانَتْ بِمَعْنى اللّامِ أوْ إلى مُتَعَلِّقَةٍ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم ولَمْ تَتَوَقَّفْ حَتّى يَنْجَلِيَ الأمْرُ كَما هو قَضِيَّةُ الحَزْمِ اللّائِقِ بِشَأْنِكَ الرَّفِيعِ يا سَيِّدَ أُولِي العَزْمِ.

ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالمَذْكُورِ نَفْسُهُ مُطْلَقًا لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ إذْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم مُعَلَّلًا أوْ مُغَيًّا بِالتَّبَيُّنِ والعِلْمِ ويَكُونُ تَوَجُّهُ الِاسْتِفْهامِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وهو بَيِّنُ الفَسادِ، وكِلْتا اللّامَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإذْنِ وهُما مُخْتَلِفَتانِ مَعْنًى فَإنَّ الأُولى لِلتَّعْلِيلِ والثّانِيَةَ لِلتَّبْلِيغِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِجَمِيعِ مَن أُشِيرَ إلَيْهِ.

وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإذْنِ بِاعْتِبارِ شُمُولِهِ لِلْكُلِّ لا بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ اسْتِطاعَةِ البَعْضِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في حَيِّزِ ( حَتّى ) والتَّعْبِيرُ عَنِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِالمَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الحُدُوثِ وعَنِ الفَرِيقِ الثّانِي باسِمِ الفاعِلِ المُفِيدِ لِلدَّوامِ لِلْيَدانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِنَ الأوَّلِينَ صِدْقٌ حادِثٌ في أمْرٍ خاصٍّ غَيْرِ مُصَحِّحٍ لِنَظْمِهِمْ في سِلْكِ الصّادِقِينَ وأنَّ ما صَدَرَ مِنَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ كَذِبًا حادِثًا مُتَعَلِّقًا بِأمْرٍ خاصٍّ لَكِنَّهُ جارٍ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ ناشِئٌ عَنْ رُسُوخِهِمْ في الكَذِبِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ظُهُورِ الصِّدْقِ بِالتَّبَيُّنِ وعَمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَذِبِ بِالعِلْمِ لِما اشْتُهِرَ مِن أنَّ مَدْلُولَ الخَبَرِ هو الصِّدْقُ والكَذِبُ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ وإسْنادُ العِلْمِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دُونَ المَعْلُومِينَ بِأنْ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ مَعَ إسْنادِ التَّبَيُّنِ لِلْأوَّلِينَ لِما أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا عِلْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ ومُؤاخَذَتُهم بِمُوجِبِهِ بِخِلافِ الأوَّلِينَ حَيْثُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِمْ؛ وإسْنادُ التَّبَيُّنِ إلَيْهِمْ وتَعْلِيقُ العِلْمِ بِالآخَرِينَ مِن أنَّ مَدارَ الإسْنادِ والتَّعَلُّقِ أوَّلًا وبِالذّاتِ هو وصْفُ الصِّدْقِ والكَذِبِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِما أنَّ القَصْدَ هو العِلْمُ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِما بِوَصْفَيْهِما المَذْكُورَيْنِ ومُعامَلَتِهِما بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِما لا العِلْمِ بِالوَصْفَيْنِ بِذاتَيْهِما أوْ بِاعْتِبارِ قِيامِهِما بِمَوْصُوفَيْهِما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ، وفي تَصْدِيرِ الخِطابِ بِما صَدَرَ بِهِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَوْقِيرٌ لَهُ وتَوْفِيرٌ لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَثِيرًا ما يَصْدُرُ الخِطابُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ فَيُقالُ: عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكَ ما صَنَعْتَ في أمْرِي؟

ورَضِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْكَ ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي؟

والغَرَضُ التَّعْظِيمُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الجَهْمِ يُخاطِبُ المُتَوَكِّلَ وقَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ ألا حُرْمَةٌ تَجُودُ بِفَضْلِكَ يا ابْنَ العُلا ألَمْ تَرَ عَبْدًا عَدا طَوْرَهُ ∗∗∗ ومَوْلًى عَفا ورُشْدًا هُدى أقِلْنِي أقالَكَ مَن لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدى ومِمّا يُنْظَمُ في هَذا السَّلَكِ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ، واللَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطَ أنْ يُخْرِجُونِي» .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتَبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: إنَّ فِيهِ تَعْلِيمَ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وسَلامُهُ ولَوْلا تَصْدِيرُ العَفْوِ في العِتابِ لَما قامَ بِصَوْلَةِ الخِطابِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: انْظُرُوا إلى هَذا اللُّطْفِ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْفُوِّ، ولَقَدْ أخْطَأ وأساءَ الأدَبَ وبِئْسَما فَعَلَ فِيما قالَ وكَتَبَ صاحِبُ الكَشّافِ كَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سِتْرَهُ ولا إذْنَ لَهُ لِيَذْكُرَ عُذْرَهُ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنِ الجِنايَةِ وأنَّ مَعْناهُ أخْطَأْتُ وبِئْسَما فَعَلْتَ، وفي الِانْتِصافِ لَيْسَ لَهُ أنَّ يُفَسِّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا التَّفْسِيرِ وهو بَيْنَ أحَدِ الأمْرَيْنِ إمّا أنْ لا يَكُونَ هو المُرادَ أوْ يَكُونَ ولَكِنْ قَدْ أجَلَّ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ الكَرِيمَ عَنْ مُخاطَبَتِهِ بِذَلِكَ ولَطَفَ بِهِ في الكِنايَةِ عَنْهُ أفَلا يَتَأدَّبُ بِآدابِ اللَّهِ خُصُوصًا في حَقِّ المُصْطَفى  ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو ذاهِلٌ عَمّا يَجِبُ مِن حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ويا سُبْحانَ اللَّهِ مِن أيْنَ أخَذَ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ ما عَبَّرَ عَنْهُ بِبِئْسَما، والعَفْوُ لَوْ سَلِمَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْخَطَأِ فَهو غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِكَوْنِهِ مِنَ القُبْحِ واسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ بِحَيْثُ يُصَحِّحُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ المُشافَهَةِ بِالسُّوءِ ويُسَوِّغُ إنْشاءَ الِاسْتِقْباحِ بِكَلِمَةِ بِئْسَما المُنْبِئَةِ عَنْ بُلُوغِ القُبْحِ إلى رُتْبَةٍ يُتَعَجَّبُ مِنها، واعْتَذَرَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشْفِ حَيْثُ قالَ: أرادَ أنَّ الأصْلَ ذَلِكَ وأُبْدِلَ بِالعَفْوِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَنْبِيهًا عَلى لُطْفِ مَكانِهِ ولِذَلِكَ قَدَّمَ العَفْوَ عَلى ذِكْرِ ما يُوجِبُ الجِنايَةَ، ولَيْسَ تَفْسِيرُهُ هَذا بِناءًا عَلى أنَّ العُدُولَ إلى عَفا اللَّهُ لا لِلتَّعْظِيمِ حَتّى يُخَطَّأ.

وأمّا المُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ فَهو إذا كانَ دُعاءً لا خَبَرًا، عَلى أنَّ الدُّعاءَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْرِيضِ بِالِاسْتِقْصاءِ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ حَقارَةٍ بِشَأْنِ المُخاطَبِ أوِ الغائِبِ حَسَبَ اخْتِلافِ الصِّيغَةِ، وأمّا التَّعْظِيمُ أوِ التَّعْرِيضُ فَقَدْ وقَدِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَهو اعْتِذارٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ، وكَمْ لِهَذِهِ السَّقْطَةِ في الكَشّافِ نَظائِرُ، ولِذَلِكَ امْتَنَعَ مِن إقْرائِهِ بَعْضُ الأكابِرِ كالإمامِ السُّبْكِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ولَيْتَ العَلّامَةَ البَيْضاوِيَّ لَمْ يُتابِعْهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، هَذا واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ صُدُورَ الذَّنْبِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ العَفْوَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ.

الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَ أذِنْتَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ كانَ مَعْصِيَةً، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها خارِجَةٌ مَخْرَجَ العِتابِ كَما عَلِمْتَ عَلى تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ قالُوا: لا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَما في خُرُوجِهِمْ مُصْلِحَةً لِلدِّينِ أوْ مَنفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ كانَ فِيهِ فَسادٌ وخَبالٌ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ خَرَجُوا ﴾ إلَخْ، وقَدْ كَرِهَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ ﴾ الآيَةَ، نَعَمْ كانَ الأوْلى تَأْخِيرَ الإذْنِ حَتّى يَظْهَرَ كَذِبُهم ويَفْتَضِحُوا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ولا يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّمَتُّعِ بِالعَيْشِ عَلى الأمْنِ والدَّعَةِ ولا يَتَسَنّى لَهُمُ الِابْتِهاجُ فِيما بَيْنَهم بِأنَّهم غَرُّوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأرْضَوْهُ بِالأكاذِيبِ عَلى أنَّهم لَمْ يَهْنَأْ لَهم عَيْشٌ ولا قَرَّتْ لَهم عَيْنٌ إذْ لَمْ يَكُونُوا عَلى أمْنٍ واطْمِئْنانٍ بَلْ كانُوا عَلى خَوْفٍ مِن ظُهُورِ أمْرِهِمْ، وقَدْ كانَ.

ومِنَ النّاسِ مَن ضَعَّفَ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ بِأنّا لَوْ نُسَلِّمُ أنَّ ﴿ عَفا اللَّهُ ﴾ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ، والسَّنَدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ سَلَّمْنا لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ مَقُولٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَنْبٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ أوْ لَمْ يَصْدُرْ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ إنْكارًا، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ إذا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ فَكَيْفَ يَتَأتّى الإنْكارُ عَلَيْهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ صَدْرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ وبَعْدَ حُصُولِهِ يَسْتَحِيلُ تَوَجُّهُ الإنْكارِ فافْهَمْ.

واسْتَدَلَّ بِها جَمْعٌ عَلى أنَّ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اجْتِهادًا وأنَّهُ قَدْ يَنالُهُ مِنهُ أجْرٌ واحِدٌ والوَجْهُ فِيهِ ظاهِرٌ، وما فَعَلَهُ  في هَذِهِ الواقِعَةِ أحَدُ أمْرَيْنِ فَعَلَهُما ولَمْ يُؤْمَرْ بِفِعْلِهِما كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، ثانِيهِما أخْذُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الفِداءَ مِنَ الأُسارى وقَدْ تَقَدَّمَ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الحَصْرَ في هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإنَّ لَهُما ثالِثًا وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ كالمَذْكُورِ في سُورَةِ عَبَسَ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ تَقْيِيدُ الأمْرَيْنِ بِما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ الجِهادِ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الرَّشادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ وذلك أن بعض المنافقين استأذنوا رسول الله  بالتخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر، وأذن لهم رسول الله  فقال الله تعالى للنبي  عَفَا اللَّهُ عَنْكَ يا محمد لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ وقال عون بن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب.

ويقال: إن النبي  فعل فعلين قبل أن يؤذن له، فعاتبه الله تعالى على ذلك وعفا عنه، أحدهما: في فداء أسارى بدر، والثاني: في إذنه للمنافقين بالتخلف.

فقال له: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ وَلم يعاقبك لم أذنت لهم في التخلف والقعود.

قال الفقيه: سمعت من يذكر، عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال: معناه عَفَا اللَّهُ عَنْكَ يا سليم القلب لم أذنت لهم، فيقال: إن الله تعالى إذا قال لعبده: لم فعلت كذا وكذا؟

يكون ذلك أشد عليه من الموت كذا وكذا مرةً، لهيبة قوله: لم فعلت كذا؟

ولو أنه بدأ للنبي  بقوله: لم أذنت لهم، لكان يخاف على النبي  أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام.

ألا إن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو، حتى سكن قلبه، ثم قال لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بالقعود عن الجهاد.

حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، يعني: معرفة الذين صدقوا بعذرهم وإيمانهم.

وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ في عذرهم وإيمانهم ويقال: معناه، حتى يتبين لك المؤمن المخلص من المنافق.

ثم بيّن له علامة المؤمنين والمنافقين، فقال الله تعالى: لاَ يَسْتَأْذِنُكَ، يعني: بغير عذر الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: صدّقوا بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في السر والعلانية أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، يعني: بالمؤمنين المخلصين.

ثم ذكر علامة المنافقين فقال: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ، يعني: في القعود عن الجهاد.

الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يعني: لا يصدقون في السر، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: شكت قلوبهم ونافقت قلوبهم.

فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، يعني: في شكهم ونفاقهم يتحيرون ولا يتوبون ولا يرجعون عن ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا معنى الخِفَّة والثّقل هاهنا: مستعار لمن يمكنه السفَرُ بسهولة، ومن يمكنه بصُعُوبة، وأما من لا يمكنه، كالعُمْيِ ونحوهم، فخارجٌ عن هذا.

وقال أبو طلحة «١» : ما سمع اللَّه عذر أحد، وخرج إِلى الشامِ، فجاهد حتَّى ماتَ.

وقال أبو أيُّوب: ما أَجدني أبداً إِلا خفيفاً أو ثقيلاً «٢» .

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: تنبيهٌ وهزّ للنفوس.

وقوله سبحانه: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ، هذه الآية في المنافقين المتخلِّفين في غزوة تَبُوكَ، وكَشْفِ ضمائرهم، وأما الآيات التي قبلها، / فعامَّة فيهم وفي غيرهم، والمعنى: لو كان هذا الغزوَ لِعَرَضٍ، أي: لمال وغنيمةٍ تنالُ قريباً بسَفرٍ قاصدٍ يسيرٍ، لبادروا لا لوجه اللَّه، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وهي المسافةُ الطويلة.

وقوله: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ، يريد: المنافقينَ، وهذا إِخبار بغيب.

وقوله عز وجل: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، هذه الآيةُ هي في صِنْفٍ مُبَالِغٍ في النفاق، استأذنوا دون اعتذار، منهم: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التأبوت وَمنِ اتبعهم قال مجاهدٌ: وذلك أَنَّ بعضهم قال: نَسْتَأْذنه، فإِن أَذِنَ في القعودِ قعدنا «٣» ، وَإِلاَّ قعدنا، وقَدَّم له العفو قبل العتاب: إكراما له صلّى الله عليه وسلّم، وقالت فرقة: بل قوله سبحانه عَفَا اللَّهُ عَنْكَ:

استفتاح كلامٍ كما تقولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ، وأَعَزَّكَ اللَّهُ، ولم يكنْ منه عليه السلام ذَنْبٌ يعفَى عنه لأن صورة الاستنفار وقَبُول الأعذار مصروفة إلى اجتهاده.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ كانَ  قَدْ أذِنَ لَقَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ لَمّا خَرَجَ إلى تَبُوكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ يَعْرِفُ المُنافِقِينَ.

قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ  ولَمْ يُؤْمَرْ بِهِما: إذْنُهُ لَلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِداءَ مِنَ الأسارى؛ فَعاتَبَهُ اللَّهُ كَما تَسْمَعُونَ.

قالَ مُورِقٌ: عاتَبَهُ رَبُّهُ بِهَذا.

وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرْ إلى هَذا اللُّطْفِ، بَدَأهُ بِالعَفْوِ قَبْلَ أنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ يُخاطَبْ بِهَذا لَجُرْمٍ أجْرَمَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ وقَّرَهُ ورَفَعَ مِن شَأْنِهِ حِينَ افْتَتَحَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمُخاطِبِهِ إذا كانَ كَرِيمًا عَلَيْهِ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ، ما صَنَعْتَ في حاجَتِي؟

ورِضى اللَّهِ عَنْكَ، هَلّا زُرْتَنِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ.

والثّانِي: لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم، لَقَعَدُوا وبانَ لَكَ كَذِبُهم في اعْتِذارِهِمْ.

قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ هَذِهِ الآَيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَفا اللهُ عنكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِفاقِ واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ، مِنهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهُمُ:ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، وقالَ بَعْضُهُمُ:ائْذَنْ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهم رَسُولُ اللهِ  اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهُمْ: نَسْتَأْذِنُهُ فَإنْ أذِنَ لَنا في القُعُودِ قَعَدْنا، وإلّا قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ  أذِنَ لَهم دُونَ أنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ فَعُفِيَ عنهُ ما يَلْحَقُ مِن هَذا، وقَدَّمَ ذِكْرَ العَفْوِ قَبْلَ العِتابِ إكْرامًا لَهُ  ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأودِيُّ: إنَّ رَسُولَ اللهِ  صَدَعَ بِرَأْيِهِ في قِصَّتَيْنِ دُونَ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِما بِشَيْءٍ، هَذِهِ وأمْرُ أُسارى بَدْرٍ، فَعاتَبَهُ اللهُ فِيهِما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ عَفا اللهُ عنكَ ﴾ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللهُ، وأعَزَّكَ اللهُ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُ  ذَنْبٌ يُعْفى عنهُ، لِأنَّ صُورَةَ الِاسْتِنْفارِ وقَبُولَ الإعْذارِ مَصْرُوفَةٌ إلى اجْتِهادِهِ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَ أذِنْتَ ﴾ فَهي عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ يُرِيدُ: في اسْتِئْذانِكَ وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ ﴾ يُرِيدُ: في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ قَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ أذِنْتَ لَهم أو لَمْ تَأْذَنْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: حَتّى تَعْلَمَ الصادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا والكافِرِينَ في ألّا عُذْرَ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَخْتَلِطُ المُتَعَذِّرُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ كالمُسْتَأْذِنِينَ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، واللهُ أعْلَمُ.

وأدْخَلَ الطَبَرِيُّ أيْضًا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَها الآيَةُ الأُخْرى في سُورَةِ النُورِ ﴿ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ آيَةَ النُورِ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ رَسُولَ اللهِ  في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوقاتِ، فَأباحَ اللهُ لَهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ الآيَةُ، نَفْيٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللهِ  في التَخَلُّفِ دُونَ عُذْرٍ كَما فَعَلَ الصِنْفُ المَذْكُورُ مِنَ المُنافِقِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يُجاهِدُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُونَ في التَخَلُّفِ كَراهِيَةَ أنْ يُجاهِدُوا، قالَ سِيبَوَيْهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى: لا يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَسْتَأْذِنُوا في أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ يُمْضُونَ قُدُمًا، أيْ: فَهم أحْرى ألّا يَسْتَأْذِنُوا في التَخَلُّفِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِعِلْمِهِ تَعالى بِالمُتَّقِينَ، وفي ذَلِكَ تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ وطَعْنٌ عَلَيْهِمْ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استأذن فريق من المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخلّفوا عن الغزوة، منهم عبد الله بنُ أبَيْ ابن سَلُول، والجِدّ بن قَيس، ورفاعة بن التابوت، وكانوا تسعة وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن استأذنه حملا للناس على الصدق، إذ كان ظاهر حالهم الإيمان، وعلماً بأنّ المعتذرين إذا ألجئوا إلى الخروج لا يغنون شيئاً، كما قال تعالى: ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ [التوبة: 47] فعاتب الله نبيئه صلى الله عليه وسلم في أنْ أذن لهم، لأنّه لو لم يأذن لهم لقعدوا، فيكون ذلك دليلاً للنبيء صلى الله عليه وسلم على نفاقهم وكذبهم في دعوى الإيمان، كما قال الله تعالى: ﴿ ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ﴾ [محمد: 30].

والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنّه غرض أنف.

وافتتاح العتاب بالإعلام بالعفو إكرام عظيم، ولطافة شريفة، فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعِتاب.

وفي هذا الافتتاح كناية عن خفّة موجِب العتاب لأنّه بمنزلة أن يقال: ما كان ينبغي، وتسمية الصفح عن ذلك عَفْواً ناظر إلى مغزى قول أهل الحقيقة: حسنات الأبرار سيّئاتُ المقرَّبين.

وألقي إليه العتاب بصيغة الاستفهام عن العلّة إيماء إلى أنّه ما أذن لهم إلاّ لسبب تَأوَّلَه ورجَا منه الصلاح على الجلمة بحيث يُسْأل عن مثله في استعمال السؤال من سائل يطلب العلم وهذا من صيغ التلطّف في الإنكار أو اللوم، بأن يظهر المنكِر نفسه كالسائِل عن العلّة التي خفيت عليه، ثم أعقبه بأنّ ترك الإذن كان أجدر بتبيين حالهم، وهو غرض آخر لم يتعلّق به قصد النبي صلى الله عليه وسلم وحذف متعلِّق ﴿ أذنت ﴾ لظهوره من السياق، أي لم أذنت لهم في القعود والتخلف.

و ﴿ حتَّى ﴾ غاية لفعل ﴿ أذنت ﴾ لأنّه لما وقع في حيز الاستفهام الإنكاري كان في حكم المنفي فالمعنى: لا مقتضيَ للإذن لهم إلى أن يتبيّن الصادق من الكاذب.

وفي زيادة ﴿ لك ﴾ بعد قوله: ﴿ يتبين ﴾ زيادة ملاطفة بأنّ العتاب ما كان إلاّ عن تفريط في شيء يعود نفعه إليه، والمراد بالذين صدقوا: الصادقون في إيمانهم، وبالكافرين الكاذبين فيما أظهروه من الإيمان، وهم المنافقون.

فالمراد بالذين صدقوا المؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صِدْقُ العَزْمِ ونَشاطُ النَّفْسِ.

والثّانِي: الزّادُ والرّاحِلَةُ في السَّفَرِ، ونَفَقَةُ الأهْلِ في الحَضَرِ.

﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ ﴾ وإنَّما كَرِهَ انْبِعاثَهم لِوُقُوعِ الفَشَلِ بِتَخاذُلِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ.

﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ القاعِدِينَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: مَعَ القاعِدِينَ بِعُذْرٍ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، غَضَبًا عَلَيْهِمْ، لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنهم.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ﴾ يَعْنِي اضْطِرابًا حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

والثّانِي: فَسادًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَمْ يَكُونُوا في خَبالٍ فَيَزْدادُوا بِهَؤُلاءِ الخارِجِينَ خَبالًا.

قِيلَ هَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وتَقْدِيرُهُ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ أوْقَعُوا بَيْنَكم خَبالًا.

﴿ وَلأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ أمّا الإيضاعُ فَهو إسْراعُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: يا لَيْتَنِي فِيها جِذْعٌ أخُبُّ فِيها وأضَعْ وَأمّا الخِلالُ فَهو مِن تَخَلَّلَ الصُّفُوفَ وهي الفُرَجُ تَكُونُ فِيها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « (تَراصُّوا في الصُّفُوفِ ولا يَتَخَلَّلَكم، كَأوْلادِ الحَذْفِ» يَعْنِي الشَّياطِينَ والخِلالُ هو الفَسادُ، وفِيهِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأسْرَعُوا في إفْسادِكم.

والثّانِي: لَأوْضَعُوا الخَلَفَ بَيْنَكم.

وَفي الفِتْنَةِ الَّتِي يَبْغُونَها وجْهانِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ.

والثّانِي: اخْتِلافُ الكَلِمَةِ وتَفْرِيقُ الجَماعَةِ.

﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وفِيكم مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويُطِيعُهم، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: وفِيكم عُيُونٌ مِنكم يَنْقُلُونَ إلى المُشْرِكِينَ أخْبارَكم، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى، فأنزل الله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مورق العجلي رضي الله عنه قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا، بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.

وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم...

﴾ الآيات الثلاث.

قال: نسختها ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ﴾ [ سورة: 62].

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم...

﴾ الآية.

قال: ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة النور ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾ ، قال المفسرون: أذن رسول الله -  - لطائفة في التخلف عنه فأنزل الله هذه الآية (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨)  - ولم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون (٩) وقوله تعالى: ﴿ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد في التخلف (١٠) (١١) ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ أي: حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له، فيكون إذنك لمن أذنت له على عذر، وقال ابن عباس: وذلك أن رسول الله -  - لم يكن يعرف يومئذ المنافقين، وما عرفهم إلا بعدما نزلت (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ وجها آخر سوى ما ذكرنا، وهو أنه قال: لم يأت النبي -  - مأثمًا ولم يخاطب بالذي خوطب به لجرم أجرمه، لكن الله تعالى وقره (١٦) (١٧) (١٨) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 142، وابن أبي حاتم 6/ 1805، والسمرقندي 2/ 53، وابن الجوزي 3/ 445.

(٢) ساقط من (ج).

(٣) يعني: من غير أمر الله له بذلك.

(٤) ساقط من (ج).

(٥) في (ج): (لكن).

(٦) في (ج): (ينهي).

(٧) لم أجد من ذكره عنه، وكتاب الحسين بن الفضل في معان القرآن مفقود.

(٨) هو: عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله الكوفي، أسلم في حياة النبي -  - ولم يلقه، كان ثقة عابداً كثير الحج، وتوفي سنة 74 هـ.

انظر: "الكاشف" 2/ 89، و"تهذيب التهذيب" /307 - 308.

(٩) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 142، والثعلبي 6/ 111 ب، والبغوي 4/ 54، وابن الجوزي 3/ 445، والقرطبي 8/ 154.

(١٠) "تنوير المقباس" 194 بنحوه.

(١١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 21.

(١٢) في (ي): (بعد نزول).

(١٣) ساقط من (ي).

(١٤) ذكره بنحوه البغوي 4/ 55، وإبن الجوزي 3/ 445، والقرطبي 8/ 155، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 501.

(١٥) ذكره الرازي بمعناه ولم ينسبه لأحد.

انظر: "تفسيره" 16/ 73.

(١٦) في (ي): (وفقه)، وهو خطأ.

وما أثبته موافق لـ"زاد المسير".

(١٧) ساقط من (ج).

(١٨) ذكر أكثره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 445 عن ابن الأنباري، واعتبره النحاس قولاً مرجوحًا في الآية.

انظر: "إعراب القرآن" له 2/ 217، وحكاه القرطبي في "تفسيره" 8/ 154، عن مكي والمهدوي، وضعفه الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 532، وقبله الكرماني في "غرائب القرآن" 1/ 455.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ الآية: كان بعض المنافقين قد استأذن النبي صلى الله عليه والسلام في التخلف عن غزوة تبوك فأذن لهم، فعاتبه الله تعالى على إذنه لهم، وقدم العفو على العتاب أكراماً له صلى الله عليه وسلم وقيل: إن قوله عفا الله عنك ليس لذنب ولا عتاب، ولكنه استفتاح كلام كما يقول: أصلحك الله ﴿ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين ﴾ كانوا قد قالوا: استأذنوه في القعود، فإن أذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن لنا قعدنا، وإنما كان يظهر الصدق من الكذب لو لم يأذن لهم، فحينئذ كان يقعد العاصي والمنافق ويسافر المطيع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وكلمة الله ﴾ بالنصب: يعقوب.

الباقون: بالرفع.

الوقوف: ﴿ إلى الأرض ﴾ ط ﴿ من الآخرة ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ معنا ﴾ ج لعطف ﴿ أنزل ﴾ على ﴿ نصره ﴾ مع عوارض الظروف.

﴿ السفلى ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ وكلمة ﴾ بالنصب ﴿ العليا ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ الشقة ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ أنفسهم ﴾ ج لواو الابتداء والحال.

﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ عنك ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى.

﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ بالمتقين ﴾ ه ﴿ يتردّدون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ الفتنة ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا تفتني ﴾ ط ﴿ سقطوا ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم.

عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه  لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات.

روي أن رسول الله  ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة.

أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير.

وأصل ﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم كما قلنا في ﴿ فادّارأتم  ﴾ ومعناه تبأطاتم.

وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله ﴿ أخلد إلى الأرض  ﴾ أي مال إلى الدنيا وشهواتها.

وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها.

ومعنى الاستفهام في ﴿ مالكم ﴾ الإنكار.

وقرىء ﴿ أثاقلتم ﴾ على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله.

ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في ﴿ مالكم ﴾ من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل كقوله ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً.

﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ﴾ أي في جنبها وفي مقابلها.

﴿ إلا قليل ﴾ ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي.

والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿ إلا تنفروا ﴾ ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قيل: هو عذاب الدنيا.

عن استنفرهم رسول الله  فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر.

وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.

وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به.

وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين.

الثانية قوله ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع.

قيل: هم أهل اليمن.

عن أبي روق.

وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير.

وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة.

وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق.

الثالثة قوله ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء.

وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة.

وفي قوله ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان.

عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة  ﴾ والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله  فلم ينفروا فلا نسخ.

قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم.

وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله  ﴿ مالكم إذا قيل لكم ﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول.

ومن قال إن الضمير في قوله ﴿ لا يضروه ﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.

ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وهذا كالتفسير لما تقدم.

والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد.

وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك.

وقوله ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و ﴿ ثاني اثنين ﴾ نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما.

وقوله ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من إذ أخرجه و ﴿ إذ يقول ﴾ بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة.

واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله  فنزل ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ فأمره الله  أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار.

فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟

فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول  .

فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله  فقال  : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله  فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال  : ما ظنك باثنين الله ثالثهما!

وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله  : اللهم أعم أبصارهم.

فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه.

استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله  في الغار وفي العلم لقوله "ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر" .

وفي الدعوة إلى الله لأنه  عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول  في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله  ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله  في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر.

وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر.

وقوله ﴿ لا تحزن ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده.

ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله  ﴿ إذ يقول لصاحبه ﴾ أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  ﴾ وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن.

وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله  للكافر ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك  ﴾ وكما احتمل أن يقال إنه  استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه.

ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ.

سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي  على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس.

أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟!

والصحبة في قوله ﴿ قال له صاحبه ﴾ مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله ﴿ أكفرت ﴾ وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل.

واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما.

والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً.

وروي أن جبريل  أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله  وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد.

وكون حزنه معصية معارض بقوله  لموسى ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى  ﴾ وقول الملائكة لإبراهيم ﴿ لا تخف وبشروه  ﴾ ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي  على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً  ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ  ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو.

ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله ﴿ لا تحزن ﴾ ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن.

واعترض بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ عطف على ﴿ فأنزل ﴾ فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود.

وأجيب بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ معطوف على قوله ﴿ فقد نصره ﴾ والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي  أيضاً من حيث البشرية كقوله ﴿ وزلزلوا  ﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ﴿ فأنزل ﴾ معطوفاً على نصره.

والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله  ﴾ وقوله ﴿ وجعل ﴾ يعني يوم بدر وسائر الوقائع ﴿ كلمة الذين كفروا ﴾ وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام ﴿ السفلى وكلمة الله ﴾ وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله ﴿ هي العليا ﴾ وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم.

قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا.

ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟

قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب.

ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها.

قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله  : أعليّ أن أنفر؟

قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله ﴿ ليس على الأعمى حرج  ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك.

فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه.

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر.

فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات.

وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله  وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى  ﴾ الآية.

وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه  خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات.

فمن أمره الرسول  بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى.

ثم قال ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء.

﴿ ذلكم خير لكم ﴾ يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل.

وإنما قال ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق.

ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه.

والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده.

والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة.

وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿ لاتبعوك ﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.

ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً.

و ﴿ بالله ﴾ متعلق بـ ﴿ سيحلفون ﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿ لو استطعنا ﴾ وقوله ﴿ لخرجنا ﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً.

قيل: في الآية دلالة على أن قوله ﴿ انفروا ﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف.

قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله  ، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل.

وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟

قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى.

وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن.

وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه.

فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال.

ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال.

قال في الكشاف ﴿ يهلكون ﴾ بدل من ﴿ سيحلفون ﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿ خرجنا ﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة.

وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم.

حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية.

قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله  أعلم.

ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإن العفو يستدعي سابقة الذنب.

وبقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو.

قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى.

فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون.

والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى.

وقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي.

وبعد حصول العفو من الله  يستحيل أن يكون قوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.

قال كثير من العلماء:في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه  أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله  ﴾ ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله "ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور.

قال قتادة.

عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم  ﴾ .

قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم.

ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ﴾ أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي  في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك.

ألا ترى أن علي بن أبي طالب  لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" .

وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود.

وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم.

ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال ﴿ إنما يستأذنك ﴾ الآية.

وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله  ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين.

ومعنى قوله ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين.

وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد.

وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.

قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً.

ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف.

قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة.

﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي انطلاقهم ﴿ فثبطهم ﴾ والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به.

ومعنى الاستدراك أن قوله ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله  صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ.

ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك.

وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح.

ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟

والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم.

ومما يوهم أنه  أذن لهم في الخروج قوله  في هذه السورة ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿ سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم  ﴾ إلى قوله ﴿ قل لن تتبعونا  ﴾ وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول  إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم.

قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه  موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة.

قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء.

وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل.

ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟

وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً.

أما قوله ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿ اقعدوا مع القاعدين ﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم.

ومعنى قوله ﴿ مع القاعدين ﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت.

﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال المفسرون: لما خرج رسول الله  ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله  تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف.

والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً.

وقال سلمان إلا مكراً.

وقال الضحاك: إلا غدراً.

وقيل: إلا خبثاً.

وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم.

قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر.

وفيه دليل على أنه  لا يريد إلا الخير والصلاح.

ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول.

واعلم أنه  عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ﴿ ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ الثاني: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ﴾ قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أو لأذبحنه  ﴾ في النمل ﴿ لأتوها  ﴾ في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن.

وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو.

وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم.

وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.

ومنه ما روي أن النبي  أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع.

قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد.

وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي.

ومعنى ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم.

والخلل الفرجة فيما بين الشيئين.

و ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم.

قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي.

ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون.

فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض.

وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم.

وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة.

واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟

وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.

ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك.

قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي  .

وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي  مع أصحابه.

ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد.

ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد ﴿ حتى جاء الحق ﴾ الذي هو القرآن ﴿ وظهر أمر الله ﴾ غلب دينه وشرعه ﴿ وهم كارهون ﴾ رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم.

ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره  ﴾ ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود ﴿ ولا تفتني ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.

احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد.

وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.

وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي  وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية.

فقال رسول الله  لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان.

فقال النبي  : وأي داء أدوى من البخل؟

بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار.

التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها.

﴿ إلا تنفروا ﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿ إلا تنصروه ﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول.

﴿ ثاني اثنين ﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿ إذ هما في ﴾ غار العدم.

﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه ﴿ انفروا ﴾ أيها الطلاب ﴿ خفافاً ﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿ وثقالاً ﴾ متلبسين بها، أو ﴿ خفافاً ﴾ مجذوبين بالعناية ﴿ وثقالاً ﴾ سالكين بالهداية ﴿ وجاهدوا ﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس.

وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال.

والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿ لو كان ﴾ مطلوبك يا محمد ﴿ عرضاً قريباً ﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى.

﴿ وسيحلفون ﴾ يعني أرباب النفوس ﴿ لخرجنا معكم ﴾ يا أهل القلوب.

﴿ عفا الله عنك ﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ {الفتح: 2] ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿ لأعدوا له عدة ﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿ فثبطهم ﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿ حتى جاء الحق ﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وهو التكليف ﴿ ومنهم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ من يقول ﴾ وهو الهوى ﴿ ائذن لي ﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ ولا تفتني ﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني.

وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿ وإن جهنم ﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ : أي: غنيمة قريبة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ : في غزاتك: ﴿ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ﴾ يعني: المسير.

وقيل: العرض: الدنيا، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ : ليس فيه مشقة.

وأصل قوله: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ أي: منافع حاضرة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ أي: منافع غائبة، والعرض: هو المنافع؛ يقول: لو كانت لهم منافع حاضرة أو منافع غير حاضرة، لاتبعوك فيما استتبعتهم؛ لأن عادتهم اتباع المنافع، يعني: المنافقين؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ أخبر أنهم يعبدون الله على حرف، وهو ما ذكر: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ  ﴾ فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع، وإليها يميلون، وأما المؤمنون [فإنهم] يعبدون الله في كل حال: في حال السعة، وفي حال الضيق، ويتبعون رسول الله، ولا يفارقونه، كانت لهم منافع أو لم تكن، أصابتهم مشقة أولا، هم لا يفارقون رسول الله  على كل حال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: لو كان لنا ظهر وسلاح لخرجنا معكم، ولو كان [لنا] زاد وما نشتري ما نحارب به لخرجنا معكم.

ثم أخبر أن لهم استطاعة على ذلك، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

وقالت المعتزلة: دل قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أن الاستطاعة تتقدم الفعل؛ لأنه أخبر أنهم كاذبون فيما يقولون: إنه ليس معنا ما ننفق وما نشتري به السلاح.

لكنا نقول: إن الاستطاعة على وجهين: استطاعة الأسباب، والأحوال.

واستطاعة الأفعال، واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم، وهذه الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

ومن قولهم أيضاً: إن استطاعة الأفعال لا تبقي أوقاتاً، ثم إن هذه أخبر أنها كانت باقية أوقاتاً؛ دل أنها هي استطاعة الأسباب والأحوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .

قيل: يهلكون أنفسهم بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون.

وقيل: يهلكون أنفسهم بتركهم الخروج؛ لأنهم يقتلون إذا تركوا الخروج؛ كقوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ...

﴾ الآية [الأحزاب: 61].

ويحتمل: يهلكون أنفسهم في الآخرة بنفاقهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ بالتخلف.

﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ ، أي: يطلعك الله على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلف.

إو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك؛ وإن لم تأذن لهم، والذين صدقوا لا يفارقونك، فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء [المؤمنين].

وفي قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ﴾ دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر.

وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر، لم يكن ليعاتبه على الإذن، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم إنما يستأذنونه بالقعود للعذر.

فإن قيل: كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ  ﴾ .

قيل: يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن؛ إذ به يتبين [له] الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات الرسالة، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ تعليم من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضاً، ليس على العتاب.

ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - بهذه الآية؛ لأنه بدأ بذكر العفو، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب، لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية.

أي: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر، إنما يستأذنونك لعذر ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ بالقعود لغير عذر.

﴿ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

أي: عن شكهم يترددون.

وعن الحسن قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

نسختها الآية التي في سورة النور: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ .

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه ذكر أن سورة التوبة من آخر ما نزل.

أو أنهم إذا كانوا في أمر جامع لم يذهبوا إلا بعد الاستئذان؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين في الأمور الجامعة، وأما في الخلوات فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا في غزوة تبوك؛ على ما قاله أهل التأويل، أمروا بالخروج والتأهب للغزو فعزموا ألا يخرجوا، فعوتبوا على ذلك.

ويحتمل أن يكون في جميع الغزاة عزموا واعتقدوا ألا يخرجوا، ولا يتأهبوا له قط، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، فأكذبهم الله -  - أنهم كذبة، وأنهم أغنياء، لكنهم عزموا ألا يخرجوا، ولا يعدوا له عدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ أي: لم يرض الله بخروجهم وانبعاثهم.

ثم بين الوجه الذي لم يرض ما ذكر في قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فساداً، لم يرد الله خروجهم لما علم منهم [أن خروجهم وانبعاثهم لا يزيد] في الجهاد إلا ما ذكر من الخبال والفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ .

قيل: حبسهم، أي: إذا علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم لم يزدهم إلا فساداً، حبسهم.

ويحتمل: أن خلق منهم الفعل الذي كان منهم من الكسل والتثاقل.

وفيه دلالة خلق الله فعل الشرّ، ويكون في ذلك خير لغيره، وإن كان شرّاً لهم، فعلى ذلك خلق فعل المعصية من المعاصي، وهو شرّ له، ويكون ذلك خيراً لغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ ﴾ : لما استأذنوا رسول الله بالقعود، أذن لهم في ذلك؛ على ما وقع عنده أن لهم عذراً في ذلك.

وإن كان من الله - عز وجل - فهو على التهديد والوعيد.

ويحتمل أن يكون من الشيطان، وسوس إليهم أن اقعدوا؛ ترغيباً منه إياهم بالقعود والتخلف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ .

قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم ﴾ ، أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ ؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا.

والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل.

وقال أبو عوسجة: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر.

وقيل: الغي، وهو واحد.

وقوله: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، يحتمل زيادة الخبال وجوهاً: يحتمل: أن يكونوا عيوناً للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ قيل: هو من إيضاع الإبل ﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ يتخلل فيما بينكم.

وقيل: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ .

أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم [شيء] من البلاء والشدة.

وقال القتبي: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ : من الوضع، وهو سرعة السير.

وقال أبو عوسجة: هو من الإيضاع يكون على الإبل.

وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار.

﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ : بينكم.

وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال والفشل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ .

قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه.

ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين أيضاً: يحتمل: أن هؤلاء المنافقين يكونون سماعاً لهم وخبراً وعيوناً، يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ ﴾ : من المؤمنين.

﴿ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ لشرفهم فيهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ : كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: أبلغكم ما بلغني؟

إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا - أيضاً - ما يكرهونه يقولون: الدبرة على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...

﴾ الآية [إبراهيم: 42].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ ﴾ تحتمل الفتنة الوجهين اللذين ذكرتهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ .

أي: تكلفوا واجتهدوا ليطفئوا هذا النور، ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ قيل: دين الله الإسلام.

ويحتمل: حجج الله وأدلته، وهو ما ذكر: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ : ظهراً لبطن؛ ليمكروا برسول الله، ويقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، [وقوله]: ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ما ذكرنا من دين الله وحججه، ﴿ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ لذلك؛ كقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ ، فظهر دين الإسلام وهم كارهون [له].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي ﴾ .

فيه دلالة أنه لا كل المنافقين قالوا، إنما قال ذلك بعضهم، وبعضهم قالوا غير هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ .

قيل: لا تؤثمني.

وقيل: ولا تخرجني.

وقيل: ولا تكفرني، والكل واحد، يقول: ومنهم من قال: ولا تفتني، أي: لا تكن سبب فتنتي ومعصيتي، أي: لا تأمرني بالخروج، ولكن ائذن لي بالقعود؛ لأنك إن أمرتني بالخروج ولم تأذن بالقعود والتخلف فقعدت وتخلفت، كنت عاصياً، تاركاً لأمرك، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي.

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: لا تأمرني المشقة والشدة، ولكن الدعة والسعة والرخاء حيث كانوا مالوا إليهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11]، يقول: لا تكن سبب إثمي وانقلابي.

ومنهم من قال: إن رجلاً منهم يقال له: الجدّ بن قيس قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمال، ففيه نزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ  ﴾ ، وهو قول ابن عباس؛ يقول: لا تأمرني بالخروج؛ فإني مولع بالنساء، لا أصبر إذا رأيتهن.

ولا ندري كيف كانت القصة، لكن الوجوه فيه ما ذكرنا آنفاً.

وقوله : ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة، فقال: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في [المشقة والفتنة والبلاء والهلاك سقطوا؛ وهذا يدل أن أهل النفاق هم كفرة.

وقوله: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في] الشر والإثم سقطوا؛ على تأويل من تأول قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تؤثمني، ولا تخرجني.

وعلى تأويل من قال: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تشق علي، ولا تأمرني بالمشقة والشدة والضيق، يقول: ألا في الشدة والضيق يسقطون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: تحيط بهم حتى لا يجدوا منقذاً ولا مخلصاً.

أو تحيط بهم من تحت ومن فوق، وأمام وخلف، ويمين وشمال، تحيط بهم حتى تصيب كل جارجة منهم؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أنها تحيط بهم.

وفيه دلالة: أن المنافقين هم كفار؛ لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين، ثم أخبر أن جهنم تحيط بالكافرين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

عفا الله عنك -أيها الرسول- اجتهادك في الإذن لهم في التخلف، فلم سمحت لهم فيه؟

حتَّى يتضح لك الصادقون في أعذارهم التي قدموها، والكاذبون فيها، فتأذن للصادقين منهم دون الكاذبين.

<div class="verse-tafsir" id="91.NJyYn"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده