الآية ٤٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٤٢ من سورة التوبة

لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى موبخا للذين تخلفوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، وقعدوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما استأذنوه في ذلك ، مظهرين أنهم ذوو أعذار ، ولم يكونوا كذلك ، فقال : ( لو كان عرضا قريبا ) قال ابن عباس : غنيمة قريبة ، ( وسفرا قاصدا ) أي : قريبا أيضا ، ( لاتبعوك ) أي : لكانوا جاءوا معك لذلك ، ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) أي : المسافة إلى الشام ، ( وسيحلفون بالله ) أي : لكم إذا رجعتم إليهم ( لو استطعنا لخرجنا معكم ) أي : لو لم تكن لنا أعذار لخرجنا معكم ، قال الله تعالى : ( يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للنبي صلى الله عليه وسلم, وكانت جماعة من أصحابه قد استأذنوه في التخلُّف عنه حين خرج إلى تبوك، فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه =(عرضا قريبا)، يقول: غنيمة حاضرة (21) =(وسفرًا قاصدًا)، يقول: وموضعًا قريبًا سهلا =(لاتبعوك)، ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد, وكلفتهم سفرًا شاقًّا عليهم, لأنك استنهضتهم في وقت الحرّ، وزمان القَيْظ وحين الحاجة إلى الكِنِّ =(وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم)، يقول تعالى ذكره: وسيحلف لك، يا محمد، هؤلاء المستأذنوك في ترك الخروج معك، اعتذارًا منهم إليك بالباطل, لتقبل منهم عذرهم, وتأذن لهم في التخلُّف عنك، بالله كاذبين = " لو استطعنا لخرجنا معكم "، يقول: لو أطقنا الخروجَ معكم بوجود السَّعة والمراكب والظهور وما لا بُدَّ للمسافر والغازي منه, وصحة البدن والقوى, لخرجنا معكم إلى عدوّكم =(يهلكون أنفسهم)، يقول: يوجبون لأنفسهم، بحلفهم بالله كاذبين، الهلاك والعطب, (22) لأنهم يورثونها سَخَط الله، ويكسبونها أليم عقابه =(والله يعلم إنهم لكاذبون)، في حلفهم بالله: (لو استطعنا لخرجنا معكم)، لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجود السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال، مما يحتاج إليه الغازي في غزوه، والمسافر في سفره، وصحة الأبدان وقوَى الأجسام.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16760- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لو كان عرضًا قريبًا)، إلى قوله (لكاذبون)، إنهم يستطيعون الخروج, ولكن كان تَبْطِئَةً من عند أنفسهم والشيطان، وزَهَادة في الخير.

16761- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (لو كان عرضًا قريبًا)، قال: هي غزوة تبوك.

16762- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (والله يعلم إنهم لكاذبون)، أي: إنهم يستطيعون.

(23) ------------------------ الهوامش : (21) انظر تفسير " العرض " فيما سلف ص : 59، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(22) انظر تفسير " الهلاك " فيما سلف 13 : 150.

تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(23) الأثر: 16762 - سيرة ابن هشام 4 : 194، وهو تابع الأثر السالف رقم: 16699.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أظهر الله نفاق قوم .

والعرض : ما يعرض من منافع الدنيا .

والمعنى : غنيمة قريبة .

أخبر عنهم أنهم لو دعوا إلى غنيمة لاتبعوه .

عرضا خبر كان .

قريبا نعته .

وسفرا قاصدا عطف عليه .

وحذف اسم كان لدلالة الكلام عليه .

التقدير : لو كان المدعو إليه عرضا قريبا وسفرا قاصدا - أي سهلا معلوم الطرق - لاتبعوك .

وهذه الكناية للمنافقين كما ذكرنا ؛ لأنهم داخلون في جملة من خوطب بالنفير .

وهذا موجود في كلام العرب يذكرون الجملة ثم يأتون بالإضمار عائدا على بعضها ، كما قيل في قوله تعالى : وإن منكم إلا واردها أنها القيامة .

ثم قال جل وعز : ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا يعني جل وعز جهنم .

ونظير هذه الآية من السنة في المعنى قوله عليه السلام : لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء .

يقول : لو علم أحدهم أنه يجد شيئا حاضرا معجلا يأخذه لأتى المسجد من أجله .ولكن بعدت عليهم الشقة حكى أبو عبيدة وغيره أن الشقة السفر إلى أرض بعيدة .

يقال : منه شقة شاقة .

والمراد بذلك كله غزوة تبوك .

وحكى الكسائي أنه يقال : شقة وشقة .

قال الجوهري : الشقة بالضم من الثياب ، والشقة أيضا السفر البعيد وربما قالوه بالكسر .

والشقة شظية تشظى من لوح أو خشبة .

يقال للغضبان : احتد فطارت منه شقة ، بالكسر .وسيحلفون بالله لو استطعنا أي لو كان لنا سعة في الظهر والمال .

لخرجنا معكم نظيره ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " زاد وراحلة " وقد تقدم .يهلكون أنفسهم أي بالكذب والنفاق .والله يعلم إنهم لكاذبون في الاعتلال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لو كان خروجهم لطلب العرض القريب، أي‏:‏ منفعة دنيوية سهلة التناول ‏{‏و‏}‏ كان السفر ‏{‏سَفَرًا قَاصِدًا‏}‏ أي‏:‏ قريبا سهلا‏.‏ ‏{‏لَاتَّبَعُوكَ‏}‏ لعدم المشقة الكثيرة، ‏{‏وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ‏}‏ أي‏:‏ طالت عليهم المسافة، وصعب عليهم السفر، فلذلك تثاقلوا عنك، وليس هذا من أمارات العبودية، بل العبد حقيقة هو المتعبد لربه في كل حال، القائم بالعبادة السهلة والشاقة، فهذا العبد للّه على كل حال‏.‏ ‏{‏وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ سيحلفون أن تخلفهم عن الخروج أن لهم أعذرا وأنهم لا يستطيعون ذلك‏.‏ ‏{‏يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ‏}‏ بالقعود والكذب والإخبار بغير الواقع، ‏{‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏‏.‏ وهذا العتاب إنما هو للمنافقين، الذين تخلفوا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ‏{‏غزوة تبوك‏}‏ وأبدوا من الأعذار الكاذبة ما أبدوا، فعفا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنهم بمجرد اعتذارهم، من غير أن يمتحنهم، فيتبين له الصادق من الكاذب، ولهذا عاتبه اللّه على هذه المسارعة إلى عذرهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لو كان عرضا قريبا ) واسم كان مضمر ، أي : لو كان ما تدعونهم إليه عرضا قريبا ، أي : غنيمة قريبة المتناول ، ( وسفرا قاصدا ) أي قريبا هينا ، ( لاتبعوك ) لخرجوا معك ، ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) أي : المسافة ، والشقة : السفر البعيد ، لأنه يشق على الإنسان .

وقيل : الشقة الغاية التي يقصدونها ، ( وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم ) يعني باليمين الكاذبة ، ( والله يعلم إنهم لكاذبون ) في أيمانهم وإيمانهم ، لأنهم كانوا مستطيعين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل في المنافقين الذين تخلفوا «لو كان» ما دعوتهم إليه «عرضا» متاعا من الدنيا «قريبا» سهل المأخذ «وسفرا قاصدا» وسطا «لاتَّبعوك» طلبا للغنيمة «ولكن بعدت عليهم الشُّقَّةُ» المسافة فتخلفوا «وسيحلفون بالله» إذا رجعتم إليهم «لو استطعنا» الخروج «لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم» بالحلف الكاذب «والله يعلم إنهم لكاذبون» في قولهم ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وبَّخ الله جلَّ جلاله جماعة من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخلف عن غزوة (تبوك) مبينًا أنه لو كان خروجهم إلى غنيمة قريبة سهلة المنال لاتبعوك، ولكن لما دعوا إلى قتال الروم في أطراف بلاد (الشام) في وقت الحر تخاذلوا، وتخلفوا، وسيعتذرون لتخلفهم عن الخروج حالفين بأنهم لا يستطيعون ذلك، يهلكون أنفسهم بالكذب والنفاق، والله يعلم إنهم لكاذبون فيما يبدون لك من الأعذار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخذت السورة الكريمة فى بيان قبائح المنافقين ، ومعاذيرهم الواهية ، ومساكلهم الخبيثة .

وأيمانهم الفاجرة .

.

فقال - تعالى - : ( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً .

.

.

) .قال الفخر الرازى هذه الآية نزلت فى المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك والعرض .

ما يعرض للانسان من منافع الدنيا وشهواتها .والسفر القاصد : هو السفر القريب السهل الذى لا يصاحبه ما يؤدى إلى التعب الشديد .

من المقصد بمعنى التوسط والاعتدال فى الشئ .والشقة : المسافة التى لا تقطع إلا بعد تكبد المشقة والتعب ، فهى مأخوذة من المشقة وشدة العناء .قال القرطبى : حكى أبوع بيدة وغيره أن الشقة : السفر إلى أرض بعيدة .

يقال : منه شقة شاقة .

والمراد بذلك كله غزوة تبوك .

.والمعنى : لو كان الذى دعوتهم إليه يا محمد ، متاعاً من متع الحياة الدنيا ، وسفراً سهلا قريباً ، لاتبعوك فيما دعوتهم إليه ، لأنه يوافق أهواءهم ، ويشبع رغباتهم ، ولكنهم حين عرفوا أن ما دعوتهم إليه هو الجهاد فى سبيل الله وما يصحبه من أسفار شاقة .

وتضحيات جسمية .

.

تعلَّلوا لك بالمعاير الكاذبة ، وتخلفوا عن الخروج معك ، حبناً منهم ، وحباً للراحة والسلام .وشبيه بهذه الآية من حيث المعنى ، قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى شأن المتخلفين عن صلاة الجماعة " لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً ، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء " .أى : لو يعلم أحد هؤلاء المتخلفين عن صلاة العشاء فى جماعة ، أنه يجد عند حضور صلاتها فى جماعة شيئاً من اللحم لحضرها .ثم حكى - سبحانه - ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد عودة المؤمنين من الجهاد فقال : ( وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ) .أى : وسيحلق هؤلاء المنافقون بالله - كذباً وزوراً - قائلين .

لو استطعنا أيها المؤمنون أن نخرج معكم للجهاد فى تبوك لخرجنا : فاننا لم نتخلف عن الخروج معكم إلا مضطرين ، فقد كانت لنا أعذارنا القاهرة التى حملتنا على التخلف!!وأتى - سبحانه - بالسين فى قوله : ( وَسَيَحْلِفُونَ ) لأنه من قبيل الإِخبار بالغيب .

فقد كان نزول هذه الآية قبل رجوعه - صلى الله عليه وسلم - من تبوك .

وحلفهم هذا كان بعد رجوعه منها .قال الفخر الرازى : قالوا : الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر عنهم أنهم سيحلفون ، وهذا إخبار عن غيب يقع فى المستقبل ، والأمر لما وقع كما أخبر كان هذا إخباراً عن الغيب فكان معجزاً .والمراد بالاستطاعة فى قوله : ( لَوِ استطعنا ) : وجد وسائل للجهاد معهم ، من زاد وعدة وقوة فى البدن وغير ذلك مما يستلزمه الجهاد فى سبيل الله .وقوله : ( لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ) ساد مسد جوابى القسم والشرط .ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بسبب كذبهم ونفاقهم فقال : ( يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) .أى .

أن هؤلاء المتخلفين عن الجهاد يهلكون أنفسهم بسبب حلفهم الكاذب ، وجرأتهم على الله .

تعالى .فى اختلاق المعاذير الباطلة ، مع أنهز سبحانه .

يعلم إنهم لكاذبون فى أيمانهم ، وفيما انتحلوه من أعذار .قال ابن جرير قوله : ( والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) فى قولهم : ( لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ) ، لأنهم كانوا للخروج مطيقين ، بوجود السبيل إلى ذلك بالذى كان عندهم من الأموال ، مما يحتاج إليه الغازى فى غزوه ، وصحة الأبدان ، وقوة الأجسام .هذا ، ومن الإِحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ، أن الأيمان الكاذبة تؤدى إلى الخسران والهلاك : وفى الحديث الشريف : " اليمين الغموس تدع الديار بلاقع " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله، وكان قد ذكر قوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض  ﴾ عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين، وبين أن أقواماً، مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد، تخلفوا في غزوة تبوك، وبين أنه ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: العرض ما عرض لك من منافع الدنيا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر.

قال الزجاج: فيه محذوف والتقدير: لو كان المدعو إليه سفراً قاصداً، فحذف اسم (كَانَ) لدلالة ما تقدم عليه.

وقوله: ﴿ وَسَفَرًا قَاصِدًا ﴾ قال الزجاج: أي سهلاً قريباً.

وإنما قيل لمثل هذا قاصداً، لأن المتوسط، بين الإفراط، والتفريط، يقال له: مقتصد.

قال تعالى: ﴿ فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ  ﴾ وتحقيقه أن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد، فسمي قاصداً، وتفسير القاصد: ذو قصد، كقولهم لابن وتامر ورابح.

قوله: ﴿ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ قال الليث: الشقة بعد مسيره إلى أرض بعيدة يقال: شقة شاقة، والمعنى: بعدت عليهم الشاقة البعيدة، والسبب في هذا الاسم أنه شق على الإنسان سلوكها.

ونقل صاحب الكشاف عن عيسى بن عمر: أنه قرأ ﴿ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ بكسر العين والشين.

المسألة الثانية: هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ومعنى الكلام أنه لو كانت المنافع قريبة والسفر قريباً لاتبعوك طمعاً منهم في الفوز بتلك المنافع، ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم، فلهذا السبب تخلفوا.

ثم أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم يَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ إما عندما يعاتبهم بسبب التخلف، وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق.

وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع».

ثم قال: ﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ في قولهم ما كنا نستطيع الخروج، فإنهم كانوا مستطيعين الخروج.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن قوله: ﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ إنما يتناول من كان قادراً متمكناً، إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف.

المسألة الرابعة: استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على بطلان أن الاستطاعة مع الفعل، فقال: لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً إلى القتال، ولو كان الأمر كذلك لكانوا صادقين في قولهم: ما كنا نستطيع ذلك، ولما كذبهم الله تعالى في هذا القول، علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل.

واستدل الكعبي بهذا الوجه أيضاً له، وسأل نفسه لا يجوز أن يكون المراد به: ما كان لهم زاد ولا راحلة، وما أرادوا به نفس القدرة.

وأجاب: إن كان من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج، فمن لا استطاعة له أولى بالعذر.

وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن دون وجود المال، وإذا أريد به المال، فإنما يراد لأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن، فلا معنى لترك الحقيقة من غير ضرورة.

وأجاب أصحابنا: بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم على الفعل، إلا بوقت واحد، فأما أن تتقدم عليه بأوقات كثيرة فذلك ممتنع، فإن الإنسان الجالس في المكان لا يكون قادراً في هذا الزمان أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه، بل إنما يقدر على أن يفعل فعلاً في المكان الملاصق لمكانه فإذا ثبت أن القدرة عند القوم لا تتقدم الفعل إلا بزمان واحد، فالقوم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا قادرين على أصول المعتزلة، فيلزمهم من هذه الآية ما ألزموه علينا، وعند هذا يجب علينا وعليهم، أن نحمل الاستطاعة على الزاد والراحلة وحينئذ يسقط الاستدلال.

المسألة الخامسة: قالوا الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر عنهم أنهم سيحلفون، وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل، والأمر لما وقع كما أخبر، كان هذا إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

العرض: ما عرض لك من منافع الدنيا.

يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، أي لو كان ما دعوا إليه غنماً قريباً سهل المنال ﴿ وَسَفَرًا قَاصِدًا ﴾ وسطاً مقارباً ﴿ الشقة ﴾ المسافة الشاقّة.

وقرأ عيسى بن عمر: ﴿ بعدت عليهم الشقة ﴾ بكسر العين والشين ومنه قوله: يَقُولُونَ لاَ تَبْعُدْ وَهُمْ يَدْفِنُونَه ** وَلاَ بُعْدَ إلاَّ مَا تُوَارِي الصَّفَائِحُ ﴿ بالله ﴾ متعلق بسيحلفون، أو هو من جملة كلامهم.

والقول مراد في الوجهين، أي سيحلفون بعني المتخلفين عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله ﴿ لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أو سيحلفون بالله ويقولون: لو استطعنا، وقوله: ﴿ لَخَرَجْنَا ﴾ سدّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً، والإخبار بما سوف يكون بعد القفول من حلفهم واعتذارهم.

وقد كان من جملة المعجزات.

ومعنى الاستطاعة: استطاعة العدّة، أو استطاعة الأبدان، كأنهم تمارضوا.

وقرئ: ﴿ لو استطعنا ﴾ ، بضم الواو تشبيهاً لها بواو الجمع في قوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ [البقرة: 94] .

﴿ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ إما أن يكون بدلاً من سيحلفون، أو حالاً بمعنى مهلكين.

والمعنى: أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب وما يحلفون عليه من التخلف.

ويحتمل أن يكون حالاً من قوله: ﴿ لَخَرَجْنَا ﴾ أي لخرجنا معكم، وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها من المسير في تلك الشقة.

وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم.

ألا ترى أنه لو قيل: سيحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديداً، يقال: حلف بالله ليفعلنّ ولأفعلنّ، فالغيبة على حكم الإخبار، والتكلم على الحكاية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا.

﴿ قَرِيبًا ﴾ سَهْلَ المَأْخَذِ.

﴿ وَسَفَرًا قاصِدًا ﴾ مُتَوَسِّطًا.

﴿ لاتَّبَعُوكَ ﴾ لَوافَقُوكَ.

﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ أيِ المَسافَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ.

وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ.

﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ﴾ أيِ المُتَخَلِّفُونَ إذا رَجَعْتَ مِن تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ.

﴿ لَوِ اسْتَطَعْنا ﴾ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ أوِ البَدَنِ.

وقُرِئَ « لَوُ اسْتَطَعْنا» بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ ﴾ .

﴿ لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ﴾ سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ، وهَذا مِنَ المُعْجِزاتِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

﴿ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ بِإيقاعِها في العَذابِ، وهو بَدَلٌ مِن سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إيقاعٌ لِلنَّفْسِ في الهَلاكِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ في ذاكَ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَطِيعِينَ الخُرُوجَ.

﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ كِنايَةٌ لا عَنْ خَطَئِهِ في الإذْنِ فَإنَّ العَفْوَ مِن رَوادِفِهِ.

﴿ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ بَيانٌ لِما كُنِّيَ عَنْهُ بِالعَفُوِّ ومُعاتَبَةٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ حِينَ اسْتَأْذَنُوكَ واعْتَلُّوا بِأكاذِيبَ وهَلّا تَوَقَّفْتَ.

﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ في الِاعْتِذارِ.

﴿ وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ ﴾ فِيهِ.

قِيلَ إنَّما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ  شَيْئَيْنِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِما، أخْذُهُ لِلْفِداءِ وإذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَوْ كَانَ عَرَضًا} هو ما عرض لك من منافع الدنيا يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر أي لو كان مادعوا إليه مغنماً {قَرِيبًا} سهل المأخذ {وَسَفَرًا قَاصِدًا} وسطاً مقارباً والقاصد والقصد المعتدل {لاَّتَّبَعُوكَ} لوافقوك في الخروج {ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة} المسافة الشاطة الشاقة {وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} من دلائل النبوة لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول فقالوا كما اخبر وبالله متعلق بسيحلفون أو هو من جملة كلامهم والقول مراد في الوجهين أي سيحلفون يعني المتخلفين عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم أو سيحلفون بالله يقولون لو استطعنا وقوله لخرجنا سد مسد جوابى القسم ولو جميعاً ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة أو استطاعة الأبدان كأنهم تمارضوا {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} بدل من سَيَحْلِفُونَ أو حال منه أي مهلكين والمعنى أنهم يهلكونها بالحلف الكاذب أو حال من لَخَرَجْنَا أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها على المسير في تلك الشقة {والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون} فيما يقولون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَوْ كانَ ﴾ أيْ: ما دَعَوْا إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ ﴿ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ أيْ غَنَمًا سَهْلَ المَأْخَذِ قَرِيبَ المَنالِ، وأصْلُ العَرَضِ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا ومَتاعِها، وفي الحَدِيثِ «الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنهُ البَرُّ والفاجِرُ» ﴿ وسَفَرًا قاصِدًا ﴾ أيْ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ وهو مِن بابِ تامِرٍ ولِابْنٍ ( ﴿ لاتَّبَعُوكَ ﴾ ) أيْ لَوافَقُوكَ في النَّفِيرِ طَمَعًا في الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، وهَذا شُرُوعٌ في تَعْدِيدِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الهَناتِ قَوْلًا وفِعْلًا وبَيانُ قُصُورِ هَمِّهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ مائِلِينَ إلى الإقامَةِ بِأرْضِهِمْ، وتَعْلِيقُ الِاتِّباعِ بِكِلا الأمْرَيْنِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحَقُّقِهِ عِنْدَ تَوَسُّطِ السَّفَرِ فَقَطْ ﴿ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ أيِ: المَسافَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ( بَعِدَتْ ) بِكَسْرِ العَيْنِ، و( الشِّقَّةُ ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وبَعِدَ يَبْعَدُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ لُغَةٌ واخْتَصَّ بِبُعْدِ المَوْتِ غالِبًا، وجاءَ لا تُبْعِدُ لِلتَّفَجُّعِ والتَّحَسُّرِ في المَصائِبِ كَما قالَ: لا يُبْعِدُ اللَّهُ إخْوانًا لَنا ذَهَبُوا أفْناهم حَدَثانُ الدَّهْرِ والأبَدِ ( ﴿ وسَيَحْلِفُونَ ﴾ ) أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الغَزْوِ ( ﴿ بِاللَّهِ ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ في الوَجْهَيْنِ أيْ سَيَحْلِفُونَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ بِاللَّهِ قائِلِينَ ﴿ لَوِ اسْتَطَعْنا ﴾ أوْ سَيَحْلِفُونَ قائِلِينَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا إلَخْ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ لِأنَّ الحَلِفَ مِن جِنْسِ القَوْلِ وهو أحَدُ المَذْهَبَيْنِ المَشْهُورَيْنِ، والمَعْنى لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةٌ مِن جِهَةِ العُدَّةِ أوْ مِن جِهَةِ الصِّحَّةِ أوْ مِن جِهَتَيْهِما مَعًا حَسْبَما عَنَّ لَهم مِنَ التَّعَلُّلِ والكَذِبِ ﴿ لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ﴾ لِما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ وهَذا جَوابُ القَسَمِ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ وهو اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ، واخْتارَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ جَوابُ ( لَوْ ) ولَوْ وجَوابُها جَوابُ القَسَمِ، وقِيلَ: إنَّهُ سادَ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ جَمِيعًا، والقَسَمُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ ﴿ لَوِ اسْتَطَعْنا ﴾ في قُوَّةٍ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لِأنَّهُ بَيانٌ لِسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ وتَصْدِيقٌ لَهُ كَما قِيلَ.

واعْتُرِضَ القَوْلُ الأخِيرُ بِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ ( لَوْ ) دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سادَ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ ( لَوُ اسْتَطَعْنا ) بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ و ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ ﴾ وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْضًا ﴿ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ بِإيقاعِها في العَذابِ، قِيلَ: وهو بَدَلٌ مِن ( سَيَحْلِفُونَ ) واعْتُرِضَ بِأنَّ الهَلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ ولا هو نَوْعٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إهْلاكٌ لِلنَّفْسِ ولِذَلِكَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اليَمِينُ الفاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ» وحاصِلُهُ أنَّهُما تُرادَفانِ ادِّعاءً فَيَكُونُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ إنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ إذِ الحَلِفُ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ والمُسَبَّبُ يُبْدَلُ مِنَ السَّبَبِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ سَيَحْلِفُونَ مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( ﴿ لَخَرَجْنا ﴾ ) جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنْهم كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا أيْ لَخَرَجْنا مُهْلِكِينَ أنْفُسَنا كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لِيَفْعَلَنَّ مَكانَ لَأفْعَلَنَّ ولَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ الِاسْتِئْنافَ ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ في مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وفِيما ادَّعَوْا ضِمْنًا مِنِ انْتِفاءِ تَحَقُّقِ المُقَدَّمِ حَيْثُ كانُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْخُرُوجِ ولَمْ يَخْرُجُوا.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ القُدْرَةَ قَبْلَ الفِعْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قال الكلبي: خِفافاً يعني: أهل العسرة من المال، وقلة العيال، وثِقالًا يعني: أهل الميسرة في المال والصبية والعيال.

وقال الكلبي: ويقال فيها وجه آخر: انْفِرُوا خِفافاً، يقول: نشاطاً في الجهادِ وَثِقالًا غير نشاط في الجهاد، وكذا قال مقاتل.

ويقال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا يعني: شباناً وشيوخاً.

وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن أبا طلحة الأنصاري قرأ هذه الآية انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، فقال: ما أرى الله تعالى إلا يستنفرنا شبابا وشيوخا، جهزوني فقلنا: قد غزوت مع رسول الله  وأبي بكر وعمر وأنت اليوم شيخ.

قال: جهزوني، فجهزناه، فركب البحر فمات في غزاته.

وروى سفيان، عن منصور، عن الحكم قال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قال: مشاغيل وغير مشاغيل.

وروى مسروق، عن أبي الضحى قال: أول ما نزلت من سورة براءة هذا انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ثم نزل أولها وآخرها.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «نسختها هذه الآية» : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: 122] وقال بعضهم: ليست بمنسوخة، ولكنها في الحالة التي وقع فيها النفير عاما، وجب على جميع الناس الخروج إلى الجهاد، وإذا لم يكن النفير عاماً، لا يكون فرضاً عاماً.

فإذا خرج بعض الناس، سقط عن الباقين، وبه نأخذ.

ثم قال تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، يعني: الجهاد خير لكم من الجلوس، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: تصدقون بثواب الله.

ويقال: معناه إن كنتم تعلمون أن الخروج إلى الجهاد خير لكم من القعود، فَانْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً.

ثم نزل في شأن المنافقين الذين تخلفوا قوله: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً، يعني: غنيمة قريبة، ويقال: سهلاً قريباً.

وَسَفَراً قاصِداً، يعني: هيناً، لَاتَّبَعُوكَ يعني: لو علموا أنهم يصيبون مغنماً، لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ والشقة: السفر، يعني: ثقل عليهم السفر.

وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ الذين تخلفوا.

لَوِ اسْتَطَعْنا، يعني: لو قدرنا، ولو كانت لنا سعة في المال والزاد، لَخَرَجْنا مَعَكُمْ إلى الغزو.

وقال الله تعالى: يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، يعني: بحلفهم كذباً.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ بحلفهم، وأن لهم سعة للخروج، ولكنهم لم يريدوا الخروج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا معنى الخِفَّة والثّقل هاهنا: مستعار لمن يمكنه السفَرُ بسهولة، ومن يمكنه بصُعُوبة، وأما من لا يمكنه، كالعُمْيِ ونحوهم، فخارجٌ عن هذا.

وقال أبو طلحة «١» : ما سمع اللَّه عذر أحد، وخرج إِلى الشامِ، فجاهد حتَّى ماتَ.

وقال أبو أيُّوب: ما أَجدني أبداً إِلا خفيفاً أو ثقيلاً «٢» .

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: تنبيهٌ وهزّ للنفوس.

وقوله سبحانه: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ، هذه الآية في المنافقين المتخلِّفين في غزوة تَبُوكَ، وكَشْفِ ضمائرهم، وأما الآيات التي قبلها، / فعامَّة فيهم وفي غيرهم، والمعنى: لو كان هذا الغزوَ لِعَرَضٍ، أي: لمال وغنيمةٍ تنالُ قريباً بسَفرٍ قاصدٍ يسيرٍ، لبادروا لا لوجه اللَّه، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وهي المسافةُ الطويلة.

وقوله: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ، يريد: المنافقينَ، وهذا إِخبار بغيب.

وقوله عز وجل: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، هذه الآيةُ هي في صِنْفٍ مُبَالِغٍ في النفاق، استأذنوا دون اعتذار، منهم: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التأبوت وَمنِ اتبعهم قال مجاهدٌ: وذلك أَنَّ بعضهم قال: نَسْتَأْذنه، فإِن أَذِنَ في القعودِ قعدنا «٣» ، وَإِلاَّ قعدنا، وقَدَّم له العفو قبل العتاب: إكراما له صلّى الله عليه وسلّم، وقالت فرقة: بل قوله سبحانه عَفَا اللَّهُ عَنْكَ:

استفتاح كلامٍ كما تقولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ، وأَعَزَّكَ اللَّهُ، ولم يكنْ منه عليه السلام ذَنْبٌ يعفَى عنه لأن صورة الاستنفار وقَبُول الأعذار مصروفة إلى اجتهاده.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

ومَعْنى الآَيَةِ: لَوْ كانَ ما دَعَوْا إلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا.

والعَرَضُ: كُلُّ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، فالمَعْنى: لَوْ كانَتْ غَنِيمَةً، قَرِيبَةً، أوْ كانَ سَفَرًا قاصِدًا، أيْ: سَهْلًا قَرِيبًا لاتَّبَعُوكَ طَمَعًا في المالِ ﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الشُّقَّةُ: السَّفَرُ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ؛ وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ: مَصِيرٌ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، تَقُولُ: شُقَّةٌ شاقَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ (لَوِ اسْتَطَعْنا) وقَرَأ زائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ، والأصْمَعِيِّ عَنْ نافِعٍ: "لَوُ اسْتَطَعْنا" بِضَمِّ الواوِ، وكَذا أيْنَ وقَعَ، مِثْلُ ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، كَأنَّهُ لَمّا احْتِيجَ إلى حَرَكَةِ الواوِ، حُرِّكَتْ بِالضَّمِّ لِأنَّها أُخْتُ الواوِ، والمَعْنى: لَوْ قَدَرْنا وكانَ لَنا سِعَةٌ في المالِ.

(يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ) بِالكَذِبِ والنِّفاقِ ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ ولَمْ يَخْرُجُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوْ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  بِالنَفِيرِ إلى الغَزْوِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذا أمْرٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَعَبَّرَ عنهُ بِالفَرْضِ عَلى الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا  ﴾ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ.

وقالَ جُلُّ الناسِ: بَلْ هَذا حَضٌّ، والأمْرُ في نَفْسِهِ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِالآيَةِ فَرْضُهُ عَلى الأعْيانِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ خِفافًا وثِقالا ﴾ فَنَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "انْفِرُوا"، ومَعْنى الخِفَّةِ والثِقَلِ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَفَرُ بِسُهُولَةٍ ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالعُمْيِ ونَحْوِهِمْ فَخارِجٌ عن هَذا، ورُوِيَ «أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى النَبِيِّ  فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ؟

فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ  ﴾ »، وذَكَرَ الناسُ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِقَلِ أشْياءَ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، بَلْ هي وُجُوهٌ مُتَّفِقَةٌ، فَقِيلَ: الخَفِيفُ: الغَنِيُّ، والثَقِيلُ: الفَقِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: الشابُّ والثَقِيلُ: الشَيْخُ، قالَهُ الحَسَنُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: النَشِيطُ والثَقِيلُ: الكاسِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقِيلَ: المَشْغُولُ ومَن لا شُغْلَ لَهُ، قالَهُ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقِيلَ: الَّذِي لَهُ ضَيْعَةٌ هو الثَقِيلُ ومَن لا ضَيْعَةَ لَهُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: وقِيلَ: الشُجاعُ هو الخَفِيفُ والجَبانُ هو الثَقِيلُ، حَكاهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: الرَجُلُ هو الثَقِيلُ والفارِسُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ الأوزاعِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ الوَجْهانِ الآخَرانِ يَنْعَكِسانِ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ بِحَسَبِ وطْأتِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فالشُجاعُ هو الثَقِيلُ، وكَذَلِكَ الفارِسُ، والجَبانُ هو الخَفِيفُ وكَذَلِكَ الراجِلُ، وكَذَلِكَ يَنْعَكِسُ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، فَيَكُونُ الغَنِيُّ هو الثَقِيلَ بِمَعْنى صاحِبِ الشُغْلِ، ومَعْنى هَذا أنَّ الناسَ أُمِرُوا جُمْلَةً، وهَذِهِ الأقْوالُ إنَّما هي عَلى مَعْنى المِثالِ في الثِقَلِ والخِفَّةِ، وقالَ أبُو طَلْحَةَ: ما سَمِعَ اللهُ عُذْرَ أحَدٍ، وخَرَجَ إلى الشامِ فَجاهَدَ حَتّى ماتَ، وقالَ أبُو أيُّوبٍ: ما أجِدُنِي أبَدًا إلّا ثَقِيلًا أو خَفِيفًا، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ رَأى في غَزَواتِ الشامِ رَجُلًا سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ: يا عَمِّ، إنَّ اللهَ قَدْ عَذَرَكَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالنَفْرِ خِفافًا وثِقالًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَمَّنْ رَأى المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ بِحِمْصٍ، وهو عَلى تابُوتٍ صَرّافٍ وقَدْ فَضُلَ عَلى التابُوتِ مِن سِمَنِهِ وهو يَتَجَهَّزُ لِلْغَزْوِ، فَقالَ لَهُ: لَقَدْ عَذَرَكَ اللهُ، فَقالَ: أتَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُعُوثِ ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ ، ورُوِيَ: سُورَةُ البُحُوثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ ﴾ وصْفٌ لِأكْمِلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَسِهِ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَحَضَّ عَلى أكْمَلِ الأوصافِ، وقُدِّمَتِ الأمْوالُ في الذِكْرِ إذْ هي أوَّلُ مَصْرَفٍ وقْتَ التَجْهِيزِ، فَرَتَّبَ الأمْرَ كَما هو في نَفْسِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَهم خَيْرٌ لِلْفَوْزِ بِرِضى اللهِ وغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ وهَزٌّ لِلنُّفُوسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ الآيَةُ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وما يُحْفَظُ مِن قِصَّةِ تَبُوكَ أنَّ اللهَ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِغَزْوِ الرُومِ نَدَبَ الناسَ، وكانَ ذَلِكَ في شِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ وطِيبٍ مِنَ الثِمارِ والظِلالِ، فَنَفَرَ المُؤْمِنُونَ، واعْتَذَرَ مِنهم لا مَحالَةَ فَرِيقٌ لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ  ﴾ ، لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ، واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، وكانُوا بِسَبِيلِ كَسَلٍ مُفْرِطٍ وقَصْدٍ لِلتَّخَلُّفِ، وكانَتْ أعْذارُ المُؤْمِنِينَ حَفِيفَةً ولَكِنَّهم تَرَكُوا الأولى مِنَ التَحامُلِ، فَنَزَلَ ما سَلَفَ مِنَ الآياتِ في عِتابِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ابْتَدَأ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ وكَشْفُ ضَمائِرِهِمْ، فَيَقُولُ: لَوْ كانَ هَذا الغَزْوُ لِعَرَضٍ أيْ: لِمالٍ وغَنِيمَةٍ تُنالُ قَرِيبًا بِسِفْرٍ قاصِدٍ يَسِيرٍ، لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللهِ ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ ﴾ في غَزْوِ الرُومِ، أيِ المَسافَةُ الطَوِيلَةُ.

وذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ أعْرابِيًّا قَدِمَ البَصْرَةَ وكانَ قَدْ حَمَلَ حِمالَةً فَعَجَزَ عنها، وكانَ مَعَهُ ابْنٌ لَهُ يُسَمّى الأحْوَصَ، فَبادَرَ الأحْوَصُ أباهُ بِالقَوْلِ فَقالَ: "إنّا مَن تَعْلَمُونَ، وابْنا سَبِيلٍ، وجِئْنا مِن شُقَّةٍ، ونَطْلُبُ في حَقِّ، وتُنْطُونَنا ويَجْزِيكُمُ اللهُ".

فَتَهَيَّأ أبُوهُ لِيَخْطُبَ فَقالَ لَهُ: "يا، إيّاكَ، إنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "يا": تَنْبِيهٌ، و"إيّاكَ": نَهْيٌ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ: "الشِقَّةُ" بِكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "بَعِدَتْ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَفْظَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ ﴾ يُرِيدُ المُنافِقِينَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ يُرِيدُ عِنْدَ تَخَلُّفِهِمْ مُجاهَرَةً وكُفْرِهِمْ، فَكَأنَّهم يُوجِبُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الحَتْمَ بِعَذابِ اللهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللهَ الَّذِي هو أعْدَلُ الشاهِدِينَ يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ، وأنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنَّهم تَرَكُوهُ كُفْرًا ونِفاقًا، وهَذا كُلُّهُ في الجُمْلَةِ لا بِتَعْيِينِ شَخْصٍ، ولَوْ عُيِّنَ، لَقُتِلَ بِالشَرْعِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِواوِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ: "لَوُ اسْتَطَعْنا" بِضَمِّ الواوِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيِّ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ  ﴾ ، ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ  ﴾ ، و ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ  ﴾ وما أشْبَهَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لابتداء الكلام على حال المنافقين وغزوة تبوك حين تخلّفوا واستأذن كثير منهم في التخلّف واعتلُّوا بعلل كاذبة، وهو ناشئ عن قوله: ﴿ ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38].

وانتُقل من الخطاب إلى الغيبة لأنّ المتحدّث عنهم هنا بعض المتثاقلين لا محالة بدليل قوله بعد هذا ﴿ إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم ﴾ [التوبة: 45].

ومن هذه الآيات ابتدأ إشعار المنافقين بأنّ الله أطْلَع رسوله صلى الله عليه وسلم على دخائلهم.

والعَرَض ما يعرض للناس من متاع الدنيا وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ في سورة الأعراف (169) وقوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ في سورة الأنفال (67) والمراد به الغنيمة.

والقريب: الكائن على مسافة قصيرة، وهو هنا مجاز في السهْل حصولُه.

وقاصدا} أي وَسطاً في المسافة غير بعيد.

واسم كان محذوف دلّ عليه الخبر: أي لو كان العرض عرضاً قريباً، والسفر سفراً متوسّطاً، أو: لو كان ما تدعوهم إليه عَرضاً قريباً وسفراً.

والشُّقة بضمّ الشين المسافة الطويلة.

وتعدية ﴿ بعدت ﴾ بحرف (على) لتضمّنه معنى ثقلت، ولذلك حسن الجمع بين فعل ﴿ بعدت ﴾ وفاعله ﴿ الشقة ﴾ مع تقارب معنييهما، فكأنّه قيل: ولكن بعد منهم المكان لأنّه شُقّة، فثقل عليهم السفر، فجاء الكلام موجزاً.

وقوله: {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يؤذن بأنّ الآية نزلت قبل الرجوع من غزوة تبوك، فإنّ حلفهم إنّما كان بعد الرجوع وذلك حين استشعروا أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام ظانٌ كذبَهم في أعذارهم.

والاستطاعة القدرة: أي لسنا مستطيعين الخروج، وهذا اعتذار منهم وتأكيد لاعتذارهم.

وجملة لخرجنا معكم } جواب ﴿ لو ﴾ .

والخروج الانتقال من المقرّ إلى مكان آخر قريب أو بعيد ويعدّى إلى المكان المقصود ب (إلى)، وإلى المكان المتروك ب (مِن)، وشاع إطلاق الخروج على السفر للغزو.

وتقييده بالمعية إشعار بأنّ أمر الغزو لا يهمّهم ابتداءً، وأنّهم إنّما يخرجون لو خرجوا إجابة لاستنفار النبي صلى الله عليه وسلم خروج الناصر لغيره، تقول العرب: خرج بنو فلان وخرج معهم بنو فلان، إذا كانوا قاصدين نصرهم.

وجملة ﴿ يهلكون أنفسهم ﴾ حال، أي يحلفون مُهلكين أنفسهم، أي موقعينَها في الهُلْك.

والهُلْك: الفناء والموتُ، ويطلق على الأضرار الجسيمة وهو المُناسب هنا، أي يتسبّبون في ضرّ أنفسهم بالأيمان الكاذبة، وهو ضرّ الدنيا وعذاب الآخرة.

وفي هذه الآية دلالة على أنّ تعمد اليمين الفاجرة يفضي إلى الهلاك، ويؤيّده ما رواه البخاري في كتاب الديات من خبر الهذليين الذين حلفوا أيمان القسامة في زمن عُمر، وتعمّدوا الكذب، فأصابهم مطر فدخلوا غاراً في جبل فانهجم عَليهم الغار فماتوا جميعاً.

وجملة ﴿ والله يعلم إنهم لكاذبون ﴾ حال، أي هم يفعلون ذلك في حال عدم جدواه عليهم، لأنّ الله يعلم كذبهم، أي ويُطلِع رسوله على كذبهم، فما جنوا من الحلف إلاّ هلاك أنفسهم.

وجملة ﴿ إنهم لكاذبون ﴾ سدّت مسدّ مفعولي <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ أيْ لَوْ كانَ الَّذِي دُعِيتُمْ إلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالعَرَضِ ما يَعْرِضُ مِنَ الأُمُورِ السَّهْلَةِ.

والثّانِي: يَعْنِي الغَنِيمَةَ.

﴿ وَسَفَرًا قاصِدًا ﴾ أيْ سَهْلًا مُقْتَصِدًا.

﴿ لاتَّبَعُوكَ ﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ مَعَكَ.

﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ والشُّقَّةُ هي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي يَشُقُّ رُكُوبُها عَلى صاحِبِها لِبُعْدِها.

﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَوِ اسْتَطَعْنا فِراقَ أوْطانِنا وتَرْكَ ثِمارِنا.

والثّانِي: لَوِ اسْتَطَعْنا مالًا نَسْتَمِدُّهُ ونَفَقَةً نَخْرُجُ بِها لَخَرَجْنا مَعَكم في السَّفَرِ الَّذِي دَعَوْا إلَيْهِ فَتَأخَّرُوا عَنْهُ وهو غَزْوَةُ تَبُوكَ.

ثُمَّ جاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَحْلِفُونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى وتَصْحِيحًا لِرِسالَةِ نَبِيِّهِ  .

﴿ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِاليَمِينِ الكاذِبَةِ.

والثّانِي: يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِالتَّأخُّرِ عَنِ الإجابَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: الا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم؟

فقال رجلان: قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة فلا تفتنا بهن فأْذَن لنا.

فأذن لهما، فلما انطلقا قال أحدهما: إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه ﴿ لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ﴾ ونزل عليه ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ [ التوبة: 43] ونزل عليه ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ [ التوبة: 43] ونزل عليهم ﴿ إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ [ التوبة: 95] .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال: غنيمة قريبة ﴿ ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ قال: المسير.

وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ يقول: دنيا يطلبونها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ يقول: قريباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والله يعلم إنهم لكاذبون ﴾ قال: لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (١)  - من تبوك أبدى الله نفاقهم، وأنزل هذه الآية (٢) (٣) (٤) ﴿ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ يريد: من عرض الدنيا، قاله ابن عباس (٥) (٦) وقال الكلبي: مالاً قريبًا (٧) ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَسَفَرًا قَاصِدًا ﴾ ، قال الليث: القصد (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ ، قال الليث: الشقة: بعد مسير إلى أرض بعيدة، يقال: شقة شاقة (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ ، قال الكلبي: يعني: لو قدرنا وكان لنا سعة في المال (٢٤)  لأنه أخبر أنهم سيحلفون، ثم جاءوا فحلفوا كما أخبر أنه سيكون منهم (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: بالكذب والنفاق (٢٦) (٢٧) ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، قال قتادة: لأنهم كانوا يستطيعون الخروج ولكن كانت تبطئة من عند أنفسهم زهادة في الخير (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) فإن قيل: أليس عندكم لو استطاعوا لخرجوا وإذ (٣٣) (٣٤) (٣٥) قلنا: الاستطاعة ههنا معناه: الزاد والسلاح والمركوب وكانوا مياسير ذوي عدة فاستطاعتهم كان بالعدة وكُذّبوا في قولهم: لم نستطع (٣٦) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 141، والثعلبي 6/ 111 ب، والبغوي 4/ 54، وابن الجوزي 3/ 444، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 251.

(٢) ذكره بمعناه الهواري في "تفسيره" 2/ 134.

(٣) في (ج): (و).

(٤) انظر: قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449، وانظر أيضًا: "تفسير الطبري" 10/ 141، والثعلبي 6/ 111 ب، والبغوي 4/ 54، وابن الجوزي 3/ 444، وأبي حيان 5/ 45، ولم أجد مصدر قول المبرد، ولعله في كتابه "معاني القرآن" الذي لم أعثر عليه.

(٥) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1804، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 194.

(٦) لم أجد من ذكره عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم في المصدر السابق، نفس الموضع عن الضحاك عن ابن عباس.

(٧) ذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 134 بنحوه.

(٨) ساقط من (ج).

(٩) "تهذيب اللغة" (قصد) 3/ 2971، والنص في كتاب: "العين" (قصد) 5/ 54.

(١٠) "تنوير المقباس" 194 بمعناه.

(١١) ذكره الهواري في "تفسيره" 2/ 134.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449.

(١٣) ذكر نحو هذا القول الرازي في "تفسيره" 16/ 72، ولم أجد من ذكره من أهل المعاني.

(١٤) لابن: أي ذو لبن.

انظر: "لسان العرب" (لبن) 7/ 3989، (رمح) 3/ 1724.

(١٥) رامح: أي ذو رمح.

انظر: المصدر السابق (رمح) 3/ 1724.

(١٦) الكلمة ساقطة من (ي)، ومعناها: ذو تمر.

انظر: الممدر السابق، نفس الموضعين.

(١٧) "تهذيب اللغة" (شق) 2/ 1906، والنص في كتاب: "العين" (شق) 5/ 7 دون قوله: يقال ..

إلخ.

(١٨) لم أعثر على من خرجه، وقد رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1804 عن الضحاك عن ابن عباس بلفظ: المسيرة.

(١٩) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 500.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.

(٢١) انظر قوله في "تفسير الثعلبي" 6/ 111 ب.

(٢٢) انظر قوله في المصدر السابق، نفس الموضع.

(٢٣) هذا قول علي بن عيسى الرماني.

انظر: "البحر المحيط" 5/ 45.

(٢٤) لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكره من غير نسبة المؤلف في "الوسيط" 2/ 500، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 444، والماوردي في "النكت والعيون" 2/ 367.

(٢٥) القول للحوفي في كتابه "البرهان" 11/ 185 أ، وانظر: "الكشاف" 2/ 191، و"مفاتيح الغيب" 16/ 75.

(٢٦) ذكره الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 194 بلفظ: بالحلف الكاذبة.

(٢٧) من (م).

(٢٨) رواه ابن جرير 10/ 141، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 441.

(٢٩) في (ي): (مستطيعين).

(٣٠) ساقط من (ج).

(٣١) لم أقف عليه.

(٣٢) لم أعثر عليه في المصادر التي بين يدي.

(٣٣) في (ج): (فإذا).

(٣٤) في (ج) و (ي): (قوله)، وهو خطأ.

(٣٥) ذكر الرازي أن ممن اعترض هذا الاعتراض أبا على الجبائي والكعبي.

انظر: "تفسير الفخر الرازي" 16/ 72 - 73.

(٣٦) يشير المؤلف -رحمه الله- إلى خلاف محتدم بين المعتزلة والأشاعرة في باب الاستطاعة والقدرة، وفي المسألة عدة أقوال أبرزها: الأول: قول المعتزلة، وهو أن الاستطاعة قبل الفعل، يقول عبد الجبار الهمداني: وجملة ذلك أن من مذهبنا أن القدرة متقدمة لمقدورها، وعند المجبرة أنها مقارنة له.

"شرح الأصول الخمسة" ص 398، وانظر أيضًا: "مقالات الإسلاميين" 1/ 300، و"الفرق بين الفرق" ص 137، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 633.

الثاني: قول الأشاعرة ومن وافقهم، وهو أن الاستطاعة تكون مع الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه البتة، يقول الجويني في "الإرشاد" ص 219.

والدليل على أن الحادث == مقدور، وأن الاستطاعة تقارن الفعل، أن نقول: القدرة من الصفات المتعلقة، ويستحيل تقديرها دون متعلق لها، فإن فرضنا قدرة متقدمة، وفرضنا مقدوراً بعدها في حالتين متعاقبتين فلا يتقرر على أصول المعتزلة تعلق القدرة بالمقدور، فإنا إذا نظرنا إلى الحالة الثانية فلا تعلق للقدرة فيها، فإذا لم يتحقق في الحالة الأولى إمكان، ولم يتقرر في الحالة الثانية اقتدار، فلا يبقى لتعلق القدرة معنى.

أهـ.

وانظر أيضًا: "غاية المرام من علوم الكلام" ص 245، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 633.

الثالث: قول عامة أهل السنة ومحققي المتكلمين، وهو أن الاستطاعة قسمان: أ- استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، وسلامة الآلات والتمكن وانتفاء الموانع، فهذه قد تتقدم الفعل، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ ، وكذا في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا  ﴾ ، فالمراد من الاستطاعة في الآيتين استطاعة الأسباب والآلات وانتفاء المانع.

ب- استطاعة للعبد تكون موجبة للفعل، محققة له، فيها يتحقق وجوده، ويظهر كيانه، وهذه الاستطاعة مقارنة للفعل لا تتقدمه.

انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 8/ 372، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 633.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ أمر بالنفير إلى الغزو، والخفة استعارة لمن يمكنه السفر بسهولة، والثقل من يمكنه بصعوبة، وقال بعض العلماء: الخفيف: الغني، والثقيل: الفقير، وقيل: الخفيف الشاب، والثقيل الشيخ، وقيل: الخفيف النشيط، والثقيل الكسلان، وهذه الأقوال أمثلة في الثقل والخفة، وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ﴾ [التوبة: 91] الآية ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ الآية: نزلت هي وكثير مما بعدها في هذه السورة في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة وكانت في شدّة الحر وطيب الثمار والظلال، فثقلت عليهم فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لعرض من الدنيا، أو إلى مسافة قريبة لفعلوه ﴿ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ أي الطريق والمسافة ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بالله ﴾ إخبار بغيب وهو أنهم يعتذرون بأعذار كاذبة ويحلفون ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذبة، أو تخلفهم عن الغزو.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وكلمة الله ﴾ بالنصب: يعقوب.

الباقون: بالرفع.

الوقوف: ﴿ إلى الأرض ﴾ ط ﴿ من الآخرة ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ معنا ﴾ ج لعطف ﴿ أنزل ﴾ على ﴿ نصره ﴾ مع عوارض الظروف.

﴿ السفلى ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ وكلمة ﴾ بالنصب ﴿ العليا ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ الشقة ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ أنفسهم ﴾ ج لواو الابتداء والحال.

﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ عنك ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى.

﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ بالمتقين ﴾ ه ﴿ يتردّدون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ الفتنة ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا تفتني ﴾ ط ﴿ سقطوا ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم.

عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه  لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات.

روي أن رسول الله  ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة.

أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير.

وأصل ﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم كما قلنا في ﴿ فادّارأتم  ﴾ ومعناه تبأطاتم.

وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله ﴿ أخلد إلى الأرض  ﴾ أي مال إلى الدنيا وشهواتها.

وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها.

ومعنى الاستفهام في ﴿ مالكم ﴾ الإنكار.

وقرىء ﴿ أثاقلتم ﴾ على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله.

ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في ﴿ مالكم ﴾ من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل كقوله ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً.

﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ﴾ أي في جنبها وفي مقابلها.

﴿ إلا قليل ﴾ ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي.

والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿ إلا تنفروا ﴾ ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قيل: هو عذاب الدنيا.

عن استنفرهم رسول الله  فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر.

وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.

وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به.

وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين.

الثانية قوله ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع.

قيل: هم أهل اليمن.

عن أبي روق.

وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير.

وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة.

وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق.

الثالثة قوله ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء.

وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة.

وفي قوله ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان.

عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة  ﴾ والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله  فلم ينفروا فلا نسخ.

قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم.

وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله  ﴿ مالكم إذا قيل لكم ﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول.

ومن قال إن الضمير في قوله ﴿ لا يضروه ﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.

ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وهذا كالتفسير لما تقدم.

والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد.

وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك.

وقوله ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و ﴿ ثاني اثنين ﴾ نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما.

وقوله ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من إذ أخرجه و ﴿ إذ يقول ﴾ بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة.

واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله  فنزل ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ فأمره الله  أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار.

فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟

فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول  .

فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله  فقال  : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله  فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال  : ما ظنك باثنين الله ثالثهما!

وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله  : اللهم أعم أبصارهم.

فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه.

استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله  في الغار وفي العلم لقوله "ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر" .

وفي الدعوة إلى الله لأنه  عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول  في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله  ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله  في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر.

وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر.

وقوله ﴿ لا تحزن ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده.

ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله  ﴿ إذ يقول لصاحبه ﴾ أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  ﴾ وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن.

وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله  للكافر ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك  ﴾ وكما احتمل أن يقال إنه  استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه.

ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ.

سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي  على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس.

أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟!

والصحبة في قوله ﴿ قال له صاحبه ﴾ مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله ﴿ أكفرت ﴾ وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل.

واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما.

والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً.

وروي أن جبريل  أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله  وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد.

وكون حزنه معصية معارض بقوله  لموسى ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى  ﴾ وقول الملائكة لإبراهيم ﴿ لا تخف وبشروه  ﴾ ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي  على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً  ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ  ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو.

ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله ﴿ لا تحزن ﴾ ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن.

واعترض بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ عطف على ﴿ فأنزل ﴾ فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود.

وأجيب بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ معطوف على قوله ﴿ فقد نصره ﴾ والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي  أيضاً من حيث البشرية كقوله ﴿ وزلزلوا  ﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ﴿ فأنزل ﴾ معطوفاً على نصره.

والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله  ﴾ وقوله ﴿ وجعل ﴾ يعني يوم بدر وسائر الوقائع ﴿ كلمة الذين كفروا ﴾ وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام ﴿ السفلى وكلمة الله ﴾ وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله ﴿ هي العليا ﴾ وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم.

قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا.

ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟

قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب.

ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها.

قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله  : أعليّ أن أنفر؟

قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله ﴿ ليس على الأعمى حرج  ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك.

فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه.

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر.

فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات.

وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله  وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى  ﴾ الآية.

وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه  خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات.

فمن أمره الرسول  بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى.

ثم قال ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء.

﴿ ذلكم خير لكم ﴾ يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل.

وإنما قال ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق.

ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه.

والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده.

والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة.

وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿ لاتبعوك ﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.

ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً.

و ﴿ بالله ﴾ متعلق بـ ﴿ سيحلفون ﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿ لو استطعنا ﴾ وقوله ﴿ لخرجنا ﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً.

قيل: في الآية دلالة على أن قوله ﴿ انفروا ﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف.

قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله  ، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل.

وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟

قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى.

وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن.

وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه.

فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال.

ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال.

قال في الكشاف ﴿ يهلكون ﴾ بدل من ﴿ سيحلفون ﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿ خرجنا ﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة.

وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم.

حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية.

قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله  أعلم.

ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإن العفو يستدعي سابقة الذنب.

وبقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو.

قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى.

فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون.

والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى.

وقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي.

وبعد حصول العفو من الله  يستحيل أن يكون قوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.

قال كثير من العلماء:في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه  أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله  ﴾ ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله "ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور.

قال قتادة.

عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم  ﴾ .

قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم.

ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ﴾ أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي  في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك.

ألا ترى أن علي بن أبي طالب  لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" .

وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود.

وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم.

ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال ﴿ إنما يستأذنك ﴾ الآية.

وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله  ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين.

ومعنى قوله ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين.

وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد.

وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.

قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً.

ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف.

قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة.

﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي انطلاقهم ﴿ فثبطهم ﴾ والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به.

ومعنى الاستدراك أن قوله ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله  صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ.

ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك.

وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح.

ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟

والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم.

ومما يوهم أنه  أذن لهم في الخروج قوله  في هذه السورة ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿ سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم  ﴾ إلى قوله ﴿ قل لن تتبعونا  ﴾ وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول  إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم.

قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه  موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة.

قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء.

وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل.

ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟

وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً.

أما قوله ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿ اقعدوا مع القاعدين ﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم.

ومعنى قوله ﴿ مع القاعدين ﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت.

﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال المفسرون: لما خرج رسول الله  ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله  تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف.

والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً.

وقال سلمان إلا مكراً.

وقال الضحاك: إلا غدراً.

وقيل: إلا خبثاً.

وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم.

قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر.

وفيه دليل على أنه  لا يريد إلا الخير والصلاح.

ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول.

واعلم أنه  عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ﴿ ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ الثاني: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ﴾ قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أو لأذبحنه  ﴾ في النمل ﴿ لأتوها  ﴾ في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن.

وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو.

وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم.

وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.

ومنه ما روي أن النبي  أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع.

قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد.

وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي.

ومعنى ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم.

والخلل الفرجة فيما بين الشيئين.

و ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم.

قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي.

ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون.

فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض.

وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم.

وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة.

واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟

وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.

ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك.

قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي  .

وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي  مع أصحابه.

ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد.

ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد ﴿ حتى جاء الحق ﴾ الذي هو القرآن ﴿ وظهر أمر الله ﴾ غلب دينه وشرعه ﴿ وهم كارهون ﴾ رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم.

ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره  ﴾ ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود ﴿ ولا تفتني ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.

احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد.

وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.

وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي  وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية.

فقال رسول الله  لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان.

فقال النبي  : وأي داء أدوى من البخل؟

بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار.

التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها.

﴿ إلا تنفروا ﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿ إلا تنصروه ﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول.

﴿ ثاني اثنين ﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿ إذ هما في ﴾ غار العدم.

﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه ﴿ انفروا ﴾ أيها الطلاب ﴿ خفافاً ﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿ وثقالاً ﴾ متلبسين بها، أو ﴿ خفافاً ﴾ مجذوبين بالعناية ﴿ وثقالاً ﴾ سالكين بالهداية ﴿ وجاهدوا ﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس.

وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال.

والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿ لو كان ﴾ مطلوبك يا محمد ﴿ عرضاً قريباً ﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى.

﴿ وسيحلفون ﴾ يعني أرباب النفوس ﴿ لخرجنا معكم ﴾ يا أهل القلوب.

﴿ عفا الله عنك ﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ {الفتح: 2] ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿ لأعدوا له عدة ﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿ فثبطهم ﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿ حتى جاء الحق ﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وهو التكليف ﴿ ومنهم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ من يقول ﴾ وهو الهوى ﴿ ائذن لي ﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ ولا تفتني ﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني.

وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿ وإن جهنم ﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ : أي: غنيمة قريبة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ : في غزاتك: ﴿ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ﴾ يعني: المسير.

وقيل: العرض: الدنيا، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ : ليس فيه مشقة.

وأصل قوله: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ أي: منافع حاضرة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ أي: منافع غائبة، والعرض: هو المنافع؛ يقول: لو كانت لهم منافع حاضرة أو منافع غير حاضرة، لاتبعوك فيما استتبعتهم؛ لأن عادتهم اتباع المنافع، يعني: المنافقين؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ أخبر أنهم يعبدون الله على حرف، وهو ما ذكر: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ  ﴾ فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع، وإليها يميلون، وأما المؤمنون [فإنهم] يعبدون الله في كل حال: في حال السعة، وفي حال الضيق، ويتبعون رسول الله، ولا يفارقونه، كانت لهم منافع أو لم تكن، أصابتهم مشقة أولا، هم لا يفارقون رسول الله  على كل حال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: لو كان لنا ظهر وسلاح لخرجنا معكم، ولو كان [لنا] زاد وما نشتري ما نحارب به لخرجنا معكم.

ثم أخبر أن لهم استطاعة على ذلك، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

وقالت المعتزلة: دل قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أن الاستطاعة تتقدم الفعل؛ لأنه أخبر أنهم كاذبون فيما يقولون: إنه ليس معنا ما ننفق وما نشتري به السلاح.

لكنا نقول: إن الاستطاعة على وجهين: استطاعة الأسباب، والأحوال.

واستطاعة الأفعال، واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم، وهذه الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

ومن قولهم أيضاً: إن استطاعة الأفعال لا تبقي أوقاتاً، ثم إن هذه أخبر أنها كانت باقية أوقاتاً؛ دل أنها هي استطاعة الأسباب والأحوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .

قيل: يهلكون أنفسهم بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون.

وقيل: يهلكون أنفسهم بتركهم الخروج؛ لأنهم يقتلون إذا تركوا الخروج؛ كقوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ...

﴾ الآية [الأحزاب: 61].

ويحتمل: يهلكون أنفسهم في الآخرة بنفاقهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ بالتخلف.

﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ ، أي: يطلعك الله على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلف.

إو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك؛ وإن لم تأذن لهم، والذين صدقوا لا يفارقونك، فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء [المؤمنين].

وفي قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ﴾ دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر.

وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر، لم يكن ليعاتبه على الإذن، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم إنما يستأذنونه بالقعود للعذر.

فإن قيل: كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ  ﴾ .

قيل: يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن؛ إذ به يتبين [له] الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات الرسالة، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ تعليم من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضاً، ليس على العتاب.

ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - بهذه الآية؛ لأنه بدأ بذكر العفو، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب، لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية.

أي: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر، إنما يستأذنونك لعذر ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ بالقعود لغير عذر.

﴿ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

أي: عن شكهم يترددون.

وعن الحسن قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

نسختها الآية التي في سورة النور: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ .

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه ذكر أن سورة التوبة من آخر ما نزل.

أو أنهم إذا كانوا في أمر جامع لم يذهبوا إلا بعد الاستئذان؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين في الأمور الجامعة، وأما في الخلوات فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا في غزوة تبوك؛ على ما قاله أهل التأويل، أمروا بالخروج والتأهب للغزو فعزموا ألا يخرجوا، فعوتبوا على ذلك.

ويحتمل أن يكون في جميع الغزاة عزموا واعتقدوا ألا يخرجوا، ولا يتأهبوا له قط، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، فأكذبهم الله -  - أنهم كذبة، وأنهم أغنياء، لكنهم عزموا ألا يخرجوا، ولا يعدوا له عدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ أي: لم يرض الله بخروجهم وانبعاثهم.

ثم بين الوجه الذي لم يرض ما ذكر في قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فساداً، لم يرد الله خروجهم لما علم منهم [أن خروجهم وانبعاثهم لا يزيد] في الجهاد إلا ما ذكر من الخبال والفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ .

قيل: حبسهم، أي: إذا علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم لم يزدهم إلا فساداً، حبسهم.

ويحتمل: أن خلق منهم الفعل الذي كان منهم من الكسل والتثاقل.

وفيه دلالة خلق الله فعل الشرّ، ويكون في ذلك خير لغيره، وإن كان شرّاً لهم، فعلى ذلك خلق فعل المعصية من المعاصي، وهو شرّ له، ويكون ذلك خيراً لغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ ﴾ : لما استأذنوا رسول الله بالقعود، أذن لهم في ذلك؛ على ما وقع عنده أن لهم عذراً في ذلك.

وإن كان من الله - عز وجل - فهو على التهديد والوعيد.

ويحتمل أن يكون من الشيطان، وسوس إليهم أن اقعدوا؛ ترغيباً منه إياهم بالقعود والتخلف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ .

قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم ﴾ ، أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ ؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا.

والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل.

وقال أبو عوسجة: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر.

وقيل: الغي، وهو واحد.

وقوله: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، يحتمل زيادة الخبال وجوهاً: يحتمل: أن يكونوا عيوناً للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ قيل: هو من إيضاع الإبل ﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ يتخلل فيما بينكم.

وقيل: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ .

أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم [شيء] من البلاء والشدة.

وقال القتبي: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ : من الوضع، وهو سرعة السير.

وقال أبو عوسجة: هو من الإيضاع يكون على الإبل.

وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار.

﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ : بينكم.

وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال والفشل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ .

قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه.

ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين أيضاً: يحتمل: أن هؤلاء المنافقين يكونون سماعاً لهم وخبراً وعيوناً، يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ ﴾ : من المؤمنين.

﴿ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ لشرفهم فيهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ : كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: أبلغكم ما بلغني؟

إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا - أيضاً - ما يكرهونه يقولون: الدبرة على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...

﴾ الآية [إبراهيم: 42].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ ﴾ تحتمل الفتنة الوجهين اللذين ذكرتهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ .

أي: تكلفوا واجتهدوا ليطفئوا هذا النور، ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ قيل: دين الله الإسلام.

ويحتمل: حجج الله وأدلته، وهو ما ذكر: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ : ظهراً لبطن؛ ليمكروا برسول الله، ويقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، [وقوله]: ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ما ذكرنا من دين الله وحججه، ﴿ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ لذلك؛ كقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ ، فظهر دين الإسلام وهم كارهون [له].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي ﴾ .

فيه دلالة أنه لا كل المنافقين قالوا، إنما قال ذلك بعضهم، وبعضهم قالوا غير هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ .

قيل: لا تؤثمني.

وقيل: ولا تخرجني.

وقيل: ولا تكفرني، والكل واحد، يقول: ومنهم من قال: ولا تفتني، أي: لا تكن سبب فتنتي ومعصيتي، أي: لا تأمرني بالخروج، ولكن ائذن لي بالقعود؛ لأنك إن أمرتني بالخروج ولم تأذن بالقعود والتخلف فقعدت وتخلفت، كنت عاصياً، تاركاً لأمرك، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي.

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: لا تأمرني المشقة والشدة، ولكن الدعة والسعة والرخاء حيث كانوا مالوا إليهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11]، يقول: لا تكن سبب إثمي وانقلابي.

ومنهم من قال: إن رجلاً منهم يقال له: الجدّ بن قيس قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمال، ففيه نزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ  ﴾ ، وهو قول ابن عباس؛ يقول: لا تأمرني بالخروج؛ فإني مولع بالنساء، لا أصبر إذا رأيتهن.

ولا ندري كيف كانت القصة، لكن الوجوه فيه ما ذكرنا آنفاً.

وقوله : ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة، فقال: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في [المشقة والفتنة والبلاء والهلاك سقطوا؛ وهذا يدل أن أهل النفاق هم كفرة.

وقوله: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في] الشر والإثم سقطوا؛ على تأويل من تأول قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تؤثمني، ولا تخرجني.

وعلى تأويل من قال: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تشق علي، ولا تأمرني بالمشقة والشدة والضيق، يقول: ألا في الشدة والضيق يسقطون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: تحيط بهم حتى لا يجدوا منقذاً ولا مخلصاً.

أو تحيط بهم من تحت ومن فوق، وأمام وخلف، ويمين وشمال، تحيط بهم حتى تصيب كل جارجة منهم؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أنها تحيط بهم.

وفيه دلالة: أن المنافقين هم كفار؛ لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين، ثم أخبر أن جهنم تحيط بالكافرين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لو كان ما تدعون إليه الذين استأذنوك من المنافقين في التخلف غنيمة سهلة وسفرًا لا مشقة فيه لاتبعوك -أيها النبي- ولكن بَعُدَت عليهم المسافة التي دعوتهم لقطعها إلى العدو فتخلفوا، وسيحلف بالله هؤلاء المستأذنون من المنافقين في التخلف عندما ترجع إليهم قائلين: لو استطعنا الخروج إلى الجهاد معكم لخرجنا، يهلكون أنفسهم بتعريضها لعقاب الله بسبب تخلفهم وبسبب هذا الأيمان الكاذية، والله يعلم أنهم كاذبون.

في دعواهم، وفي أيمانهم هذه.

<div class="verse-tafsir" id="91.y1E30"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل