الآية ٤٦ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٤٦ من سورة التوبة

۞ وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ولو أرادوا الخروج ) أي : معك إلى الغزو ( لأعدوا له عدة ) أي : لكانوا تأهبوا له ، ( ولكن كره الله انبعاثهم ) أي : أبغض أن يخرجوا معك قدرا ، ( فثبطهم ) أي : أخرهم ، ( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) أي : قدرا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك، يا محمد، في ترك الخروج معك لجهاد عدوّك، الخروجَ معك =(لأعدوا له عدة)، يقول: لأعدوا للخروج عدة, ولتأهّبوا للسفر والعدوِّ أهْبَتهما (30) =(ولكن كره الله انبعاثهم)، يعني: خروجهم لذلك (31) (فثبطهم)، يقول: فثقَّل عليهم الخروجَ حتى استخفُّوا القعودَ في منازلهم خِلافك, واستثقلوا السفر والخروج معك, فتركوا لذلك الخروج =(وقيل اقعدوا مع القاعدين)، يعني: اقعدوا مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون، ومع النساء والصبيان, واتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين في سبيل الله.

(32) * * * وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به, لعلمه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله, وأنهم لو خرجوا معهم ضرُّوهم ولم ينفعوا.

وذكر أن الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود كانوا: " عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول ", و " الجد بن قيس ", ومن كانا على مثل الذي كانا عليه.

كذلك:- 16770- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كان الذين استأذنوه فيما بلغني، من ذوي الشرف، منهم: عبد الله بن أبيّ ابن سلول, والجدّ بن قيس, وكانوا أشرافًا في قومهم, فثبطهم الله، لعلمه بهم، أن يخرجوا معهم، (33) فيفسدوا عليه جنده.

(34) ------------------- الهوامش : (30) انظر تفسير " أعد " ، فيما سلف ص : 31 .

(31) انظر تفسير "الكره" فيما سلف 8 : 104 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

- وتفسير "البعث" فيما سلف 11: 407 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(32) انظر تفسير " القعود " فيما سلف 9 : 85 .

(33) في المطبوعة والمخطوطة : "يخرجوا معهم" وفي سيرة ابن هشام: "معه".

(34) الأثر : 16770 - سيرة ابن هشام 4 : 194 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16762 .

وكان في المخطوطة: "فيفسدوا عليه حسه" غير منقوطة، فاسدة الكتابة.

والذي في المطبوعة مطابق لما في سيرة ابن هشام، وهو الصواب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدينقوله تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة أي لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر .

فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف .ولكن كره الله انبعاثهم أي خروجهم معك فثبطهم أي حبسهم عنك وخذلهم ؛ لأنهم قالوا : إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين .

ويدل على هذا أن بعده لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا .وقيل اقعدوا مع القاعدين قيل : هو من قول بعضهم لبعض .

وقيل : هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون هذا هو الإذن الذي تقدم ذكره .

قيل : قاله النبي صلى الله عليه وسلم غضبا فأخذوا بظاهر لفظه وقالوا قد أذن لنا .

وقيل : هو عبارة عن الخذلان ، أي أوقع الله في قلوبهم القعود .ومعنى مع القاعدين أي مع أولي الضرر والعميان والزمنى والنسوان والصبيان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى مبينا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر‏.‏ ‏{‏و‏}‏ أما هؤلاء المنافقون فـ ‏{‏لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً‏}‏ أي‏:‏ لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم أنهم ما أرادوا الخروج‏.‏ ‏{‏وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ‏}‏ معكم في الخروج للغزو ‏{‏فَثَبَّطَهُمْ‏}‏ قدرا وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج، وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم، بل خذلهم وثبطهم ‏{‏وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ‏}‏ من النساء والمعذورين‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو أرادوا الخروج ) إلى الغزو ، ( لأعدوا له ) أي : لهيئوا له ( عدة ) أهبة وقوة من السلاح والكراع ، ( ولكن كره الله انبعاثهم ) خروجهم ، ( فثبطهم ) منعهم وحبسهم عن الخروج ، ( وقيل اقعدوا ) في بيوتكم ، ( مع القاعدين ) يعني : مع المرضى والزمنى .

وقيل : مع النسوان والصبيان .

قوله عز وجل : ( وقيل ) أي : قال بعضهم لبعض : اقعدوا .

وقيل : أوحى إلى قلوبهم وألهموا أسباب الخذلان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أرادوا الخروج» معك «لأعدوا له عدة» أهبة من الآلة والزاد «ولكن كره الله انبعاثهم» أي لم يرد خروجهم «فثبطهم» كسَّلهم «وقيل» لهم «اقعدوا مع القاعدين» المرضى والنساء والصبيان، أي قدر الله تعالى ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أراد المنافقون الخروج معك -أيها النبي- إلى الجهاد لتأهَّبوا له بالزاد والراحلة، ولكن الله كره خروجهم فثَقُلَ عليهم الخروج قضاء وقدرًا، وإن كان أمرهم به شرعا، وقيل لهم: تخلفوا مع القاعدين من المرضى والضعفاء والنساء والصبيان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعض المسالك الخبيثة التى كان يبتعها هؤلاء المنافقون لمحاربة الدعوة الإِسلامية ، وكيف أنه - سبحانه - أحبط مكرهم فقال - تعالى - : ( وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج .

.

.

وَهُمْ كَارِهُونَ ) .وقوله : ( وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج ) كلام مستأنف لبيان المزيد من رذائل المنافقين .

أو معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك ( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ) وقوله : ( انبعاثهم ) أى : نهوضهم وانطلاقهم للخروج بنشاط وهمة .

من البعث وهو إثارة الإِنسان أو الحيوان وتوجيهه إلى الشئ بقوة وخفة .تقول : بعثت البعير فانبعث إذا أثرته للقيام والسير بسرعة .وقوله : " فثبطهم " أى : فمنعهم وحبسهم ، من التثبيط " وهو رد الإِنسان عن الفعل الذى هم به عن طريق تعويقه عنه ومنعه منه " .يقال : ثبطه تثبيطا ، أى : قعد به عن الأمر الذى يريده ومنعه منه بالتخذيل ونحوه .والمعنى : ولو أراد هؤلاء المنافقون الخروج معك - يا محمد - إلى تبوك لأعدوا لهذا الخروج عدته اللازمة له من الزاد والراحلة ، وغير ذلك من الأشياء التى لا يستغنى عنها المجاهد فى سفره الطويل ، والتى كانت فى مقدورهم وطاقتهم .وقوله .

( ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ) استدراك على ما تقدم .أى : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته ، ولكنهم لم يريدوا ذلك ، لأن الله - تعالى - كره خروجهم معك ، فحبسهم عنه ، لما يعلمه - سبحانه - من نفاقهم وقبح نواياهم ، وإشاعتهم للسوء فى صفوف المؤمنين .قال صاحب الكشاف : فإن قلت .

كيف موقع حرف الاستدراك؟

قلت : لما كان قوله ( وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج ) معطيا معنى نفى خروجهم واستعدادهم للغزو ، قيل : ( عُدَّةً ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ) ، كأنه قيل : ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكارهة انبعاثهم ، كما تقول .

ما أحسن إلى زيد ولكن أساء إلى .وقال الجمل .

وهاهنا يتوجه سؤال ، وهو أن خروج المنافقين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة ، فإن كان فيه مصلحة فلم قال : ( عُدَّةً ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ ) وإن كان فيه مفسدة فلماذا عابت نبيه - صلى الله عليه وسلم - فى إذنه لهم فى القعود؟والجواب عن هذا السؤال : أن خروجهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فيه مفسدة عظيمة : بدليل أنه - سبحانه - أخبر بتلك المفسدة بقوله ( لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ) .بقى أن يقال .

فلم عاتب الله نبيه بقوله : ( لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) فنقول : إنه - صلى الله عليه وسلم - اذن لهم قبل إتمام الفحص ، وإكمال التدبير والتأمل فى حالهم ، فلهذا السبب قال - تعالى - ( لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) وقيل إنما عتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه فى أمرهم بالقعود .وقوله .

( فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين ) تذييل المقصود منه ذمهم ووصفهم بالجبن الخالع ، والهمة الساقطة ، لأنهم بقعودهم هذا سيكونون مع النساء والصبيان والمرضى والمستضعفين الذين لا قدرة لهم على خوض المعارك والحروب .قال الآلوسى .

وقوله : ( فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين ) : تمثيل لخلق الله داعية القعود فيهم ، وإلقائه كراهة الخروج فى قلوبهم بالأمر بالقعود أو تمثيل لوسوسة الشيطان بذلك فليس هناك قول حقيقة .

ويجوز أن يكون حكاية قول بعهضم لبعض؛ أو حكاية لإِذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم فى القعود ، فيكون القول على حقيقته .هذا ، ومن الأحكام التى اخذها العلماء من هذه الآية .

أن الفعل يحسن بالنية؛ يوقبح بها .

أيضاً .

.

وإن استويا فى الصورة ، لأن النفير واجب مع نية النصر .

وقبيح مع إرادة تحصيل القبيح ، وذلك لأنه .

تعالى .

أخبر أنه كره انبعاثهم لما يحصل من إرادة المكر بالمسلمين .ومنها : أن للإِمام أن يمنع من يتهم بمضرة المسلمين من الخروج للجهاد؛ حماية هلم من شروره مفاسده .ومنها : أن إعداد العدة للجهد أمر واجب ، وقد قال - تعالى - فى آية أخرى : ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ أي بعد غزوة تبوك، وقال الباقون: هذا لا يجوز، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها وردت في قصة تبوك، والمقصود من هذا الكلام تمييز المؤمنين عن المنافقين، فإن المؤمنين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه ولم يتوقفوا، والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار.

وهذا المقصود حاصل سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي، والمقصود أنه تعالى جعل علامة النفاق في ذلك لوقت الاستئذان، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر أَن يجاهدوا ﴾ فيه محذوف، والتقدير: في أن يجاهدوا.

إلا أنه حسن الحذف لظهوره، ثم هاهنا قولان: القول الأول: إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر، وعلى هذا التقدير فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان؟

وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك، ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول: أنت مني بمنزلة هرون من موسى.

القول الثاني: أنه لابد هاهنا من إضمار آخر، قالوا لأن ترك استئذان الإمام في الجهاد غير جائز، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان، فثبت أنه لابد من الإضمار، والتقدير: لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا، إلا أنه حذف حرف النفي، ونظير قوله: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ  ﴾ والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر وارتابت قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: بين أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ثم لما كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشك فيه، وقد يكون بسبب الجزم والقطع بعدمه، بين تعالى أن عدم إيمان هؤلاء إنما كان بسبب الشك والريب، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله.

وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: أن العلم إذا كان استدلالياً كان وقوع الشك في الدليل يوجب وقوع الشك في المدلول، ووقع الشك في مقدمة واحدة من مقدمات الدليل يكفي في حصول الشك في صحة الدليل، فهذا يقتضي أن الرجل المؤمن إذا وقع له سؤال وإشكال في مقدمة من مقدمات دليله أن يصير شاكاً في المدلول، وهذا يقتضي أن يخرج المؤمن عن إيمانه في كل لحظة، بسبب أنه خطر بباله سؤال وإشكال، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن بناء الإيمان ليس على الدليل بل على التقليد.

فصارت هذه الآية دالة على أن الأصل في الإيمان هو التقليد من هذا الوجه.

والجواب: أن المسلم وإن عرض له الشك في صحة بعض مقدمات دليل واحد إلا أن سائر الدلائل سليمة عنده من الطعن، فلهذا السبب بقي إيمانه دائماً مستمراً.

السؤال الثاني: أليس أن أصحابكم يقولون: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وذلك يقتضي حصول الشك؟

والجواب: أنا استقصينا في تحقيق هذه المسألة في سورة الأنفال، في تفسير قوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً  ﴾ .

المسألة الثانية: قالت الكرامية: الإيمان هو مجرد الإقرار مع أنه تعالى شهد عليهم في هذه الآية بأنهم ليسوا مؤمنين.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وارتابت قُلُوبُهُمْ ﴾ يدل على أن محل الريب هو القلب فقط، ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة، والإيمان أيضاً هو القلب، لأن محل أحد الضدين يجب أن يكون هو محلاً للضد الآخر، ولهذا السبب قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان  ﴾ وإذا كان محل المعرفة والكفر القلب، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب والبواقي تكون تبعاً له.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ معناه أن الشاك المرتاب يبقى متردداً بين النفي والإثبات، غير حاكم بأحد القسمين ولا جازم بأحد النقيضين.

وتقريره: أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أو لا يكون، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً، فإن كان غير يقين فهو العلم، وإلا فهو اعتقاد المقلد.

وإن كان غير جازم، فإن كان أحد الطرفين راجحاً فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم.

وإن اعتدل الطرفان فهو الريب والشك، وحينئذ يبقى الإنسان متردداً بين الطرفين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ قرئ ﴿ عدته ﴾ وقرئ أيضاً ﴿ عِدَّةَ ﴾ بكسر العين بغير إضافة وبإضافة، قال ابن عباس: يريد من الزاد والماء والراحلة، لأن سفرهم بعيد وفي زمان شديد، وتركهم العدة دليل على أنهم أرادوا التخلف.

وقال آخرون: هذا إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدة.

ثم قال تعالى: ﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الانبعاث: الانطلاق في الأمر، يقال بعثت البعير فانبعث وبعثته لأمر كذا فانبعث، وبعثه لأمر كذا أي نفذه فيه، والتثبيط رد الإنسان على الفعل الذي هم به، والمعنى: أنه تعالى كره خروجهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم فصرفهم عنه.

فإن قيل: إن خروجهم مع الرسول إما أن يقال إنه كان مفسدة وإما أن يقال إنه كان مصلحة.

فإن قلنا: إنه كان مفسدة، فلم عاتب الرسول في إذنه إياهم في القعود؟

وإن قلنا: إنه كان مصلحة، فلم قال إنه تعالى كره انبعاثهم وخروجهم؟

والجواب الصحيح: أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة، بدليل أنه تعالى صرح بعد هذه الآية وشرح تلك المفاسد وهو قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً  ﴾ بقي أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا يخرجوا، فلم عاتب الرسول في الإذن؟

فنقول: قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال: ليس في قوله: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أذن لهم في القعود، بل يحتمل أن يقال إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن لهم، وعلى هذا التقدير فإنه يسقط السؤال، قال أبو مسلم والدليل على صحة ما قلنا إن هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة، فوجب حمل ذلك العتاب على أنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الخروج معه، وتأكد ذلك بسائر الآيات، منها قوله تعالى: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا  ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم  ﴾ إلى قوله: ﴿ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا  ﴾ فهذا دفع هذا السؤال على طريقة أبي مسلم.

والوجه الثاني: من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ إنما توجه لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود، فنقول: ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة، بل لأجل أن إذنه عليه الصلاة والسلام بذلك القعود كان مفسدة وبيانه من وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر، ولهذا السبب قال تعالى: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين ﴾ والثاني: أن بتقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود؛ فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم، وكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفياً وفاتت تلك المصالح.

والثالث: أنهم لما استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليهم وقال: ﴿ اقعدوا مَعَ القاعدين ﴾ على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله: ﴿ وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين ﴾ ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا: قد أذن لنا فقال تعالى: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم؟

الرابع: أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا: إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد، وذلك غير جائز، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جارياً مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة البصرية: الآية دالة على أنه تعالى كما هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية، بدليل قوله تعالى: ﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ قال أصحابنا: معنى ﴿ كَرِهَ الله ﴾ أراد عدم ذلك الشيء.

قال البصرية: العدم لا يصلح أن يكون متعلقاً، وذلك لأن الإرادة عبارة عن صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر، والعدم نفي محض، وأيضاً فالعدم المستمر لا تعلق للإرادة بالعدم به، لأن تحصيل الحاصل محال، وجعل العدم عدماً محال، فثبت أن تعلق الإرادة بالعدم محال، فامتنع القول بأن المراد من الكراهة إرادة العدم.

أجاب أصحابنا: بأنا نفسر الكراهة في حق الله بإرادة ضد ذلك الشيء، فهو تعالى أراد منهم السكون، فوقع التعبير عن هذه الإرادة بكونه تعالى كارهاً لخروجهم مع الرسول.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله تعالى: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث، وحاصل الكلام فيه لا يتم إلا إذا صرحنا بالحق، وهو أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي إليه، فإذا صارت الداعية فاترة مرجوحة امتنع صدور الفعل عنه، ثم إن صيرورة تلك الداعية جازمة أو فاترة، إن كانت من العبد لزم التسلسل، وإن كانت من الله؛ فحينئذ لزم المقصود.

لأن تقوية الداعية ليست إلا من الله، ومتى حصلت تلك التقوية لزم حصول الفعل، وحينئذ يصح قولنا في مسألة القضاء والقدر.

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود منه التنبيه على ذمهم وإلحاقهم بالنساء والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف على ما ذكره في قوله: ﴿ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ  لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُۥ جَٰهَدُوا بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ  أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ  وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ  إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا القول ممن كان؟

فيحتمل أن يكون القائل بذلك هو الشيطان على سبيل الوسوسة، ويحتمل أن يكون بعضهم قال ذلك لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، لأن من يتولى الفساد يحب التكثر بأشكاله، ويحتمل أن يكون القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم لما أذن لهم في التخلف فعاتبه الله، ويحتمل أن يكون القائل هو الله سبحانه لأنه قد كره خروجهم للإفساد، وكان المراد إذا كنتم مفسدين فقد كره الله انبعاثكم على هذا الوجه فأمركم بالقعود عن هذا الخروج المخصوص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ يعني المنافقين، وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً ﴿ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ عبارة عن التحير، لأنّ التردد ديدن المتحير، كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.

وقرئ: ﴿ عدة ﴾ ، بمعنى عدّته فعل بالعدّة ما فعل بالعدة من قال: وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا من حذف تاء التأنيث، وتعويض المضاف إليه منها.

وقرئ: ﴿ عِدة ﴾ بكسر العين بغير إضافة، و ﴿ عدة ﴾ بإضافة.

فإن قلت: كيف موقع حرف الاستدراك؟

قلت: لما كان قوله: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج ﴾ معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو.

قيل: ﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، كما تقول: ما أحسن إليَّ زيد، ولكن أساء إليّ ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ فكسلهم وخذلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث ﴿ وَقِيلَ اقعدوا ﴾ جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود.

وقيل: هو قول الشيطان بالوسوسة.

وقيل: هو قولهم لأنفسهم.

وقيل: هو إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في القعود.

فإن قلت: كيف جاز أن يوقع الله تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو وهي قبيحة، وتعالى الله عن إلهام القبيح؟

قلت: خروجهم كان مفسدة، لقوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسناً ومصلحة.

فإن قلت: فلم خطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأذن لهم فيما هو مصلحة؟

قلت: لأنّ إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة ولا علمها إلا بعد القفول بإعلام الله تعالى، ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه، فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم ولا يتجوّز في قبولها، فمن ثم أتاه العتاب ويجوز أن يكون في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإذن لهم مع تثبيط الله إياهم مصلحة أخرى، فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة، وذلك أنهم إذا ثبطهم الله فلم ينبعثوا وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت عليهم الحجّة ولم تبق لهم معذرة.

ولقد تدارك الله ذلك حيث هتك أستارهم وكشف أسرارهم وشهد عليهم بالنفاق، وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ مَعَ القاعدين ﴾ ؟

قلت: هو ذمّ لهم وتعجيز، وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف، ويبينه قوله تعالى: ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف ﴾ [التوبة: 87، 93].

﴿ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ليس من الاستثناء المنقطع في شيء كما يقولون لأنَّ الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيراً إلاّ خبالا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعمّ العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلاً؛ لأنّ الخبال بعض أعمّ العام كأن قيل ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً والخبال الفساد والشر ﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين.

يقال: وضع البعير وضعاً إذا أسرع وأوضعته أنا، والمعنى: ولأوضع ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم؛ لأنّ الراكب أسرع من الماشي.

وقرأ ابن الزبير رضي الله عنه: ﴿ ولأرقصوا ﴾ من رقصت الناقة رقصاً إذا أسرعت وأرقصتها قال: وَالرَّاقِصَاتِ إلَى مِنى فَالْغَبْغَبِ وقرئ: ﴿ ولأوفضوا ﴾ فإن قلت: كيف خطّ في المصحف: ولا أوضعوا، بزيادة ألف؟

قلت: كانت الفتحة تكتب إلفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفاً، وفتحتها ألفاً أخرى، ونحو: أو لا أذبحنه.

﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يحاولون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم.

أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم ﴿ وَلَقَدْ ابتغوا الفتنة ﴾ أي العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك وتفريق أصحابك عنك، كما فعل عبد الله بن أبيّ يوم أحد حين انصرف بمن معه وعن ابن جريج رضي الله عنه: وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل غزوة تبوك ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ الامور ﴾ ودبروا لك الحيل والمكايد، ودوَّروا الآراء في إبطال أمرك.

وقرئ: ﴿ وقلبوا ﴾ بالتخفيف ﴿ حتى جَاء الحق ﴾ وهو تأييدك ونصرك ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ الله ﴾ وغلب دينه وعلا شرعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ ﴾ لِلْخُرُوجِ.

﴿ عُدَّةً ﴾ أُهْبَةً وقُرِئَ « عُدَّهُ» بِحَذْفِ التّاءِ عِنْدَ الإضافَةِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا.

.

.

وأخْلَفُوكَ عَدّا الأمْرَ الَّذِي وعَدُوا وَ « عِدَّهُ» بِكَسْرِ العَيْنِ بِالإضافَةِ و « عِدَّةً» بِغَيْرِها.

﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ ﴾ اسْتَدْرَكَ عَنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ ﴾ كَأنَّهُ قالَ ما خَرَجُوا ولَكِنْ تُثَبِّطُوا لِأنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم أيْ نُهُوضَهم لِلْخُرُوجِ.

﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ فَحَبَسَهم بِالجُبْنِ والكَسَلِ.

﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ تَمْثِيلٌ لِإلْقاءِ اللَّهِ كَراهَةَ الخُرُوجِ في قُلُوبِهِمْ، أوْ وسْوَسَةٌ الشَّيْطانِ بِالأمْرِ بِالقُعُودِ، أوْ حِكايَةُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أوْ إذْنُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم والقاعِدِينَ يَحْتَمِلُ المَعْذُورِينَ وغَيْرَهم وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ ذَمٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ} للخروج أو للجهاد {عدة} اهبة لأنهم كانوا مياسير للغزو ولما كان وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم قيل {ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم} نهوضهم للخروج كأنه قيل ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم {فَثَبَّطَهُمْ} فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه {وَقِيلَ اقعدوا} أي قال بعضهم لبعض أو قاله الرسول عليه السلام غضباً عليهم أو قاله الشيطان بالوسوسة {مَعَ القاعدين} هو ذم لهم وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود في البيوت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ أيْ: أُهْبَةً مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ وسائِرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ في السَّفَرِ الَّذِي يُرِيدُهُ.

وقُرِئَ ( عُدَّهُ ) بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الخُرُوجِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: سُمِعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ يَقْرَأُ بِها، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الأصْلَ عُدَّتُهُ إلّا أنَّ التّاءَ سَقَطَتْ كَما في إقامِ الصَّلاةِ وهو سَماعِيٌّ وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، والضَّمِيرُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عِوَضٌ عَنِ التّاءِ المَحْذُوفَةِ، قِيلَ: ولا تُحْذَفُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وقَدْ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ في عِدَةٍ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى الوَعْدِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا وأخْلَفُوكَ عِدى الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا وقُرِئَ ( عِدَهُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ بِإضافَةٍ وغَيْرِها ﴿ ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ ﴾ أيْ: خُرُوجَهم كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أوْ نُهُوضَهم لِلْخُرُوجِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ ( ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ ) أيْ: حَبَسَهم وعَوَّقَهم عَنْ ذَلِكَ: والِاسْتِدْراكُ قِيلَ عَمّا يُفْهَمُ مِن مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ فَإنَّ انْتِفاءَ إرادَةِ الخُرُوجِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ خُرُوجِهِمْ وكَراهَةَ اللَّهِ تَعالى انْبِعاثَهَمْ يَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا لَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَهو اسْتِدْراكُ نَفْيِ الشَّيْءِ بِإثْباتِ ضِدِّهِ كَما يُسْتَدْرَكُ نَفْيُ الإحْسانِ بِإثْباتِ الإساءَةِ في قَوْلِكَ: ما أحْسَنَ إلَيَّ لَكِنْ أساءَ، والِاتِّفاقُ في المَعْنى لا يَمْنَعُ الوُقُوعَ بَيْنَ طَرَفَيْ لَكِنْ بَعْدَ تَحَقُّقِ الِاخْتِلافِ نَفْيًا وإثْباتًا في اللَّفْظِ، وبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهم بِأنَّ ( لَكِنْ ) تَقَعُ بَيْنَ ضِدَّيْنِ أوْ نَقِيضَيْنِ أوْ مُخْتَلِفَيْنِ عَلى قَوْلٍ ووَقَعَتْ فِيما نَحْنُ فِيهِ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّأْكِيدِ كَما أثْبَتُوا مَجِيئَها لِذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ: واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ الِاسْتِدْراكِ مِن نَفْسِ المُقَدَّمِ عَلى نَهْجِ ما في الأقْيِسَةِ الِاسْتِثْنائِيَّةِ، والمَعْنى لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ ما أرادُوهُ لَمّا أنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم مِنَ المَفاسِدِ فَحَبَسَهم بِالجُبْنِ والكَسَلِ فَتَثَبَّطُوا عَنْهُ ولَمْ يَسْتَعِدُّوا لَهُ.

﴿ وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ تَمْثِيلٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى داعِيَةً القُعُودَ فِيهِمْ وإلْقائِهِ سُبْحانَهُ كَراهَةَ الخُرُوجِ في قُلُوبِهِمْ بِالأمْرِ بِالقُعُودِ أوْ تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ ﴾ أيْ أماتَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوْ إذْنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم في القُعُودِ، فالقَوْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُرادُ بِالقاعِدِينَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى أوِ الرِّجالِ الَّذِينَ يَكُونُ لَهم عُذْرٌ يَمْنَعُهم عَنِ الخُرُوجِ، وفِيهِ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ مِنَ الذَّمِّ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ معك إلى الغزو، لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً يعني: اتخذوا لأنفسهم قوة من السلاح.

معناه: إن تركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف.

ثم قال وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ، يعني: لم يرد الله خروجهم معك لجبنهم وسوء نياتهم، فَثَبَّطَهُمْ يعني: حبسهم وأقعدهم عن الخروج، ويقال: ثقلهم عن الخروج، ويقال: جعل حلاوة الجلوس في قلوبهم حتى أقعدهم عن الخروج.

وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ، يعني: ألهموا أو خيّل إليهم القعود مع المتخلفين.

ثم أخبر الله تعالى أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم معهم، بل عليهم مضرة منهم، ثم قال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ يعني: المنافقين لو خرجوا معكم مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، يعني: فساداً، ويقال: شراً وجبنا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، ويقال ساروا بينكم ويقال: والإيضاع في اللغة هو إسراع الإبل، كما قال  حين أفاض من عرفات: «أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، فَإنَّ البِرَّ لَيْسَ فِي إيضَاعِ الإبِلِ وَلا فِي إيجَافِ الخَيْلِ» .

يعني: إن المنافقين لو خرجوا معكم، يسرعون الإبل فيما بينكم ويؤذونكم.

ثم قال: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، يعني: يطلبون منكم الشرك، ويطلبون هزيمتكم وعيوبكم، ويفشون سركم.

وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، يعني: وفي عسكركم عيون وجواسيس للمنافقين، ويقال: وفيكم من يسمع ما يقوله المنافقون ويقبلون منهم.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني: بالمنافقين.

وهذا وعيد لهم، يعني: عَلِيمٌ بعقوبتهم.

ثم قال عز وجل: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، يعني: من قبل غزوة تبوك، لأنهم قصدوا قتل النبيّ  قبل كثرة المؤمنين.

ويقال: طلبوا إظهار الشرك قبل غزوة تبوك وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، يعني: احتالوا في قتلك وفي هلاكك من كل وجه.

ويقال: قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ظهراً لبطن، فانظر كيف يصنعون.

حَتَّى جاءَ الْحَقُّ، يعني: كثر المسلمون ويقال: حتى جاء الحق يعني: الإسلام وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: ظهر دين الله الإسلام.

وَهُمْ كارِهُونَ، يعني: كارهون للإسلام.

قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي، يعني: جد بن قيس كان من المنافقين، حرّضه النبي  على الخروج إلى الغزو، فقال: يا رسول الله، إن قومي يعلمون حرصي على النساء، فأخشى أني لو خرجت وقعت في الإثم، ولا تفتني ببنات الأصفر.

وكان الأصفر رجلاً من الحبش ملك ناحية من الروم، فتزوج رومية، فولدت له بنات اجتمع فيهن سواد الحبش وبياض الروم وكنّ فتنة، فقال جد بن قيس: لا تفتني ببنات الأصفر، فإني أخاف أن لا أصبر وأضع يدي على الحرام، فأذن له النبيّ  بالقعود، فنزل.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يعني: من المنافقين ائْذَنْ لِي في التخلف وَلا تَفْتِنِّي، يعني: ولا توقعني في الفتنة والإثم.

ثم قال الله تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، يعني: ألا في الكفر والنفاق وقعوا.

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ، يعني: جعلت جهنم للكافرين، وهو جد بن قيس ومن تابعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، يريد: في استئذانك، وأنك لو لم تأذن لهم، خرجوا معك.

وقوله: وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ، أي: بمخالفتكَ، لَوْ لم تأذن لأنهم عَزَمُوا على العِصْيَان، أذنتَ لهم أو لم تأذن، وقال الطبريُّ: معناه: حتى تعلم الصَّادقين في أَنَّ لهم عُذْراً، والكاذبين، في أن لا عُذْرَ لهم، والأول أصْوبُ، واللَّه أعلم، وأمَّا قوله سبحانه:

في سورة النور: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ...

[النور: ٦٢] الآية، ففي غزوة الخندَقِ نزلت: وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ، أي: شكّت ويَتَرَدَّدُونَ، أي: يتحيَّرون إِذ كانوا تخطر لهم صِحَّة أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحياناً، وأنه غير صحيحٍ أحياناً، فهم مذبذبُونَ.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، أيْ: لو أرادوا الخروجَ بنيَّاتهم، لنظروا في ذلك واستعدوا له.

وقوله: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ.

ص: ولكِنْ: أصلها أَن تقع بَيْنَ نقيضَيْن أَو ضِدَّيْنِ، أَوْ خَلافَيْن، على خلاف فيه.

انتهى.

وانْبِعاثَهُمْ: نفوذَهُمْ لهَذِهِ الغزوة، والتثبيطُ: التَّكْسِيلُ وكَسْر العزم.

وقوله سبحانه: وَقِيلَ اقْعُدُوا، يحتمل أنْ يكون حكايةً عن اللَّه، أي: قال اللَّه في سابق قضائِهِ: اقعدوا مع القاعدين، ويحتملُ أنْ يكون حكايةً عنهم، أي: كانَتْ هَذِهِ مقالَةَ بَعْضِهِمْ لبعضٍ، ويحتملُ أنْ يكون عبارةً عن إذن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لهم في القعود، أيْ: لما كره اللَّه خروجهم، يَسَّر أَنْ قلْتَ لهم: اقعدوا مع القاعدين، والقعودُ هنا: عبارةٌ عن التخلُّفِ، وكراهيةُ اللَّهِ انبعاثهم: رِفْقٌ بالمؤمنين.

وقوله سبحانه: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا الخبالُ: الفسادُ في الأشياء المؤتَلِفة كالمودات، وبَعْضِ الأجرامِ، لَأَوْضَعُوا معناه: لأسرعوا السّير،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ ﴾ يَعْنِي المُسْتَأْذِنِينَ لَهُ في القُعُودِ.

وَفِي المُرادِ بِالعُدَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النِّيَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: السِّلاحُ، والمَرْكُوبُ، وما يَصْلُحُ لَلْخُرُوجِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ.

والتَّثَبُّطُ: رَدُّكَ الإنْسانَ عَنِ الشَّيْءِ يَفْعَلُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا ﴾ في القائِلِ لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ أُلْهِمُوا ذَلِكَ خُذْلانًا لَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ  قالَهُ غَضَبًا عَلَيْهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَبَعْضٍ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

وَفِي المُرادِ بِالقاعِدِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ القاعِدُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ القاعِدُونَ بِعُذْرٍ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَقالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَ كَرِهَ خُرُوجَهم، فَقالَ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ﴾ والخَبالُ: الفَسادُ وذَهابُ الشَّيْءِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَبالُ: الشَّرُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَأنَّ الصَّحابَةَ كانَ فِيها خَبالٌ حَتّى قِيلَ: (ما زادُوكُمُ إلّا خَبالًا)؟

فالجَوابُ: أنَّهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، والمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً، لَكِنْ أوْقَعُوا بَيْنَكم خَبالًا.

وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا خَرَجَ، ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وخَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى أسْفَلِ مِن ذَلِكَ؛ فَلَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ  ، تَخَلَّفَ ابْنُ أُبَيٍّ فِيمَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإيضاعُ: السَّيْرُ بَيْنَ القَوْمِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم، وأصْلُهُ مِنَ التَّخَلُّلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أوْضَعْتُ في السَّيْرِ: أسْرَعْتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم.

وفي الفِتْنَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الكُفْرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، وشَتاتُ الكَلِمَةِ.

قالَ الحَسَنُ: لَأوْضَعُوا خِلالَكم بالنَّمِيمَةِ لَإفْسادِ ذاتِ بَيْنِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عُيُونٌ يَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويُطِيعُهم، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَنُصُّ عَلى أنَّ المُسْتَأْذِنِينَ إنَّما هم مُخْلَصُونَ لِلنِّفاقِ، ﴿ وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: شَكَّتْ، والرَيْبُ نَحْوُ الشَكِّ، ويَتَرَدَّدُونَ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ولا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى، ومِن هَذِهِ الآيَةِ نَزَعَ أهْلُ الكَلامِ في حَدِّ الشَكِّ أنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والصَوابُ في حَدِّهِ أنَّهُ تَوَقُّفٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والتَرَدُّدُ في الآيَةِ إنَّما هو في رَيْبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، إذْ كانُوا تَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ النَبِيِّ  أحْيانًا، وأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أحْيانًا، ولَمْ يَكُونُوا شاكِّينَ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَّضِحُ لَهم لَوْ طَلَبُوهُ، بَلْ كانُوا مُذَبْذَبِينَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ كالشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنْمَيْنِ، وأيْضًا فَبَيْنَ الشَكِّ والرَيْبِ فَرْقٌ ما، وحَقِيقَةُ الرَيْبِ إنَّما هو الأمْرُ يَسْتَرِيبُ بِهِ الناظِرُ، فَيَخْلِطُ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ، ورُبَّما أدّى إلى شَكٍّ وحَيْرَةٍ، ورُبَّما أدّى إلى عِلْمِ النازِلَةِ الَّتِي هو فِيها، ألا تَرى أنَّ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: كَأنِّي أرَبْتُهُ بِرَيْبِ لا يَتَّجِهُ أنْ يُفَسَّرَ بِشَكٍّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في سُورَةِ النُورِ، وأسْنَدَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّهُما قالا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ : مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النُورِ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ  ﴾ إلى ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَلَطٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ ﴾ الآيَةُ، حُجَّةٌ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ بِنِيّاتِهِمْ، لَنَظَرُوا في ذَلِكَ واسْتَعَدُّوا لَهُ قَبْلَ كَوْنِهِ.

والعُدَّةُ: ما يُعَدُّ لِلْأمْرِ ويُرْوى لَهُ مِنَ الأشْياءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عُدَّةً" بِضَمِّ العَيْنِ وتاءِ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "عُدَّهُ" بِضَمِّ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، يُرِيدُ: "عُدَّتَهُ" فَحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لَمّا أضافَ، كَما قالَ: "وَإقامِ الصَلاةِ" يُرِيدُ: "وَإقامَةِ الصَلاةِ"، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وضَعَّفَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: إنَّما حَذَفَ تاءَ التَأْنِيثِ وجَعَلَ هاءَ الضَمِيرِ عِوَضًا مِنها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ "عُدَّةٌ" عَلى "عُدٍّ" كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَّدَ ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ، وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى عنهُ أبانُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "عِدَّهُ" بِكَسْرِ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذِبْحِ والقِتْلِ، لِأنَّ العَدُوَّ سُمِّيَ قِتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ، هَذا في مُعْتَقَدِ العَرَبِ حِينَ سَمَّتْهُ.

وانْبِعاثَهم نُفُوذَهم لِهَذِهِ الغَزْوَةِ، والتَثْبِيطُ: التَكْسِيلُ وكَسْرُ العَزْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَقِيلَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عَنِ اللهِ تَعالى، أيْ: قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في سابِقِ قَضائِهِ: ﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عنهُمْ، أيْ: كانَتْ هَذِهِ مَقالَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، فَحُكِيَ في هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَقْتَضِي لَهم مَذَمَّةً، إذِ القاعِدُونَ النِساءُ والأطْفالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إذْنِ مُحَمَّدٍ  في القُعُودِ، أيْ: لَمّا كَرِهَ اللهُ خُرُوجَهم يَسَّرَ أنْ قُلْتَ لَهُمْ: ﴿ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ، والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَخَلُّفِ والتَراخِي كَما هو في قَوْلِ الشاعِرِ: ...............................

∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطاعِمُ الكاسِي وَلَيْسَ لِلْهَيْئَةِ في هَذا كُلِّهِ مَدْخَلٌ، وكَراهِيَةُ اللهِ انْبِعاثَهم رِفْقٌ بِالمُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ﴾ الآيَةُ...

خَبَرٌ بِأنَّهم لَوْ خَرَجُوا لَكانَ خُرُوجُهم مَضَرَّةً، وقَوْلُهُ: "إلّا خَبالًا" اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ مَن قَدَّرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ  خَبالٌ فَيَزِيدُ المُنافِقُونَ فِيهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةَ لَكِنْ خَبالًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللهِ  في غَزْوَةِ تَبُوكَ كانَ فِيهِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ ولَهم لا مَحالَةَ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ، لالتَأمُوا مَعَ الخارِجِينَ فَزادَ الخَبالُ، والخَبالُ: الفَسادُ في الأشْياءِ المُؤْتَلِفَةِ المُلْتَحِمَةِ كالمَوَدّاتِ وبَعْضِ الأجْرامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا يَدًا مَخْبُولَةَ العَضُدِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما زادَكُمْ" بِغَيْرِ واوٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَأوضَعُوا" ومَعْناهُ: لَأسْرَعُوا السَيْرَ.

و"خِلالَكُمْ" مَعْناهُ: فِيما بَيْنَكم مِن هُنا إلى هُنا لِسَدِّ المَوْضِعِ الخَلَّةِ بَيْنَ الرَجُلَيْنِ، والإيضاعُ: سُرْعَةُ السَيْرِ، وقالَ الزَجّاجُ: "خِلالَكُمْ" مَعْناهُ: فِيما يُخِلُّ بِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وماذا يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ  ﴾ ، وقَرَأ مُجاهِدٌ فِيما حَكى النَقّاشُ عنهُ: "وَلَأوفَضُوا"، وهو بِمَعْنى الإسْراعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ  ﴾ ، وحُكِيَ عَنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ: "وَلَأرْفَضُوا"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ مِن "رَفَضَ البَعِيرُ" إذا أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفَضًا ورَفَضانًا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في قَعْرِها ∗∗∗ ∗∗∗ رَفَضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ ووَقَعَتْ "وَلا أوضَعُوا" بِألِفٍ بَعْدَ "لا" في المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ وقَعَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو لأذْبَحَنَّهُ  ﴾ ، قِيلَ: وذَلِكَ لِخُشُونَةِ هِجاءِ الأوَّلِينَ، قالَ الزَجّاجُ: وإنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ لِأنَّ الفَتْحَةَ في العِبْرانِيَّةِ وكَثِيرٌ مِنَ الألْسِنَةِ تَكْتُبُ ألِفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَمْطُلَ حَرَكَةُ اللامِ فَيَحْدُثُ بَيْنَ اللامِ والهَمْزَةِ الَّتِي مِن "أوضَعَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ النَقّاشُ: بِناءُ المُبالِغَةِ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ.

وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: وفِيكم مُطِيعُونَ سامِعُونَ لَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ تَوَعُّدٌ لَهم ولِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ [التوبة: 45] لأنّ معنى المعطوف عليها: أنّهم لم يريدوا الخروج إلى الغزو، وهذا استدلال على عدم إرادتهم الخروج إذ لو أرادوه لأعدّوا له عُدّته.

وهذا تكذيب لزعمهم أنّهم تهيّأوا للغزو ثم عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود لأنّ عدم إعدادهم العُدّة للجهاد دلّ على انتفاء إرادتهم الخروج إلى الغزو.

والعُدّة بضم العين: ما يُحتاج إليه من الأشياء، كالسلاح للمحارب، والزاد للمسافر، مشتقّة من الإعداد وهو التهيئة.

والخروج تقدّم آنفاً.

والاستدراك في قوله: ﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ استدراك على ما دلّ عليه شرط ﴿ لو ﴾ من فرض إرادتهم الخروج تأكيد الانتفاء وقوعه بإثبات ضدّه، وعبّر عن ضدّ الخروج بتثبيط الله إياهم لأنّه في السبب الإلهي ضدّ الخروج فعبّر به عن مسبّبه، واستعمال الاستدراك كذلك بعد ﴿ لو ﴾ استعمال معروف في كلامهم كقول أبَيّ بن سُلْمَى الضَّبِّي: فلو طار ذُو حافرٍ قَبْلَها *** لطارتْ ولكِنَّه لم يَطِرْ وقول الغَطَمَّششِ الضبي: أخِلاَّيَ لو غَيْرُ الحِمام أصابكم *** عَتِبْتُ ولكن ما على الموت مَعْتَب إلاَّ أنّ استدراك ضدّ الشرط في الآية كان بذكر ما يساوي الضدّ: وهو تثبيط الله إيّاهم، توفيراً لفائدة الاستدراك ببيان سبب الأمر المستدَرك، وجعل هذا السبب مفرّعاً على علّته: وهي أنّ الله كره انبعاثهم، فصيغ الاستدراك بذكر علّته اهتماماً بها، وتنبيهاً على أنّ عدم إرادتهم الخروج كان حرماناً من الله إيّاهم، وعناية بالمسلمين فجاء الكلام بنسج بديع وحصل التأكيد مع فوائد زائدة.

وكراهة الله انبعاثهم مفسّرة في الآية بعدها بقوله: ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ﴾ [التوبة: 47].

والانبعاث: مطاوع بعثَه إذا أرسله.

والتثبيط: إزالة العزم.

وتثبيط الله إيّاهم: أن خلق فيهم الكسل وضعف العزيمة على الغزو.

والقعود: مستعمل في ترك الغزو تشبيهاً للترك بالجلوس.

والقول: الذي في ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ قول أمر التكوين: أي كُوّن فيهم القعود عن الغزو.

وزيادة قوله: ﴿ مع القاعدين ﴾ مذمّة لهم: لأنّ القاعدين هم الذين شأنهم القعود عن الغزو، وهم الضعفاء من صبيان ونساء كالعُمي والزمنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صِدْقُ العَزْمِ ونَشاطُ النَّفْسِ.

والثّانِي: الزّادُ والرّاحِلَةُ في السَّفَرِ، ونَفَقَةُ الأهْلِ في الحَضَرِ.

﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ ﴾ وإنَّما كَرِهَ انْبِعاثَهم لِوُقُوعِ الفَشَلِ بِتَخاذُلِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ.

﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ القاعِدِينَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: مَعَ القاعِدِينَ بِعُذْرٍ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، غَضَبًا عَلَيْهِمْ، لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنهم.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ﴾ يَعْنِي اضْطِرابًا حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

والثّانِي: فَسادًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَمْ يَكُونُوا في خَبالٍ فَيَزْدادُوا بِهَؤُلاءِ الخارِجِينَ خَبالًا.

قِيلَ هَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وتَقْدِيرُهُ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ أوْقَعُوا بَيْنَكم خَبالًا.

﴿ وَلأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ أمّا الإيضاعُ فَهو إسْراعُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: يا لَيْتَنِي فِيها جِذْعٌ أخُبُّ فِيها وأضَعْ وَأمّا الخِلالُ فَهو مِن تَخَلَّلَ الصُّفُوفَ وهي الفُرَجُ تَكُونُ فِيها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « (تَراصُّوا في الصُّفُوفِ ولا يَتَخَلَّلَكم، كَأوْلادِ الحَذْفِ» يَعْنِي الشَّياطِينَ والخِلالُ هو الفَسادُ، وفِيهِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأسْرَعُوا في إفْسادِكم.

والثّانِي: لَأوْضَعُوا الخَلَفَ بَيْنَكم.

وَفي الفِتْنَةِ الَّتِي يَبْغُونَها وجْهانِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ.

والثّانِي: اخْتِلافُ الكَلِمَةِ وتَفْرِيقُ الجَماعَةِ.

﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وفِيكم مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويُطِيعُهم، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: وفِيكم عُيُونٌ مِنكم يَنْقُلُونَ إلى المُشْرِكِينَ أخْبارَكم، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ قال: خروجهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فثبطهم ﴾ قال: حبسهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك، سأل الله عنها نبيه والمؤمنين فقال: ما يحزنكم ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ يقول: جمع لكم وفعل وفعل يخذلونكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ قال: لأسرعوا بينكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ قال: لارفضوا ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ قال: يبطئنكم عبدالله بن نبتل، وعبدالله بن أبي ابن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال: محدثون بأحاديثهم غير منافقين، هم عيون للمنافقين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال: مبلغون.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن الحسن البصري قال: كان عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد بن تابوت، من عظماء المنافقين وكانوا ممن يكيد الإِسلام وأهله، وفيهم أنزل الله تعالى ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور ﴾ إلى آخر الآية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: من الزاد والماء وما يركبون؛ لأن سفرهم بعيد، وفي زمان شديد (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ ﴾ الانبعاث: الانطلاق في الأمر، يقال: بعثت (٤) (٥) (٦) (٧) قال ابن عباس في تفسير ﴿ انْبِعَاثَهُمْ ﴾ : يريد: خروجهم معك ونحوه قول (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ التثبيط: ردُّك الإنسان عن الشيء يفعله، قال ابن عباس: يريد: فخذلهم وكسلهم عن الخروج (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يعني: أولى الضرر والزمنى (١٧) (١٨) (١٩)  - (٢٠) ﴿ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾ والمراد لفظ الإذن لا حقيقته (٢١) (٢٢) ﴿ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ ويجوز أن يكون بعضهم قال لبعض (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ﴾ الآية، قال ابن زيد: هذا تسلية للنبي  عن حزنه على تخلف من تخلف عنه من المنافقين فقال: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ (٢٤) ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ﴾ الآية (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ الخبال: الفساد والشر في كل شيء (٢٧) (٢٨) (٢٩) قال ابن عباس في قوله: ﴿ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ يريد: عجزًا وجبنا (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) قال أصحاب النحو والعربية: هذا أمر الاستثناء المنقطع بتقدير: ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال، وذلك أنهم لم يكونوا على خبال فيزداودا ذلك (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ ﴾ ، قال النضر: وضع البعير إذا عدا، وأوضعته أنا: إذا حملته عليه (٤١) (٤٢) (٤٣) لماذا (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقال الفراء: العرب تقول: أوضع الراكب، ووضعت الناقة، وربما قالوا للراكب: وضع، وأنشد: إني إذا ما كان يوم ذو فزع ....

ألفيتني محتملاً بزّي (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١)  أنه أفاض من عرفة وعليه السكينة، وأوضع في وادي محسر (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) أرد: مسرعين، ولا يجوز أن يريد: موضعين (٥٦) تبالهن (٥٧) (٥٨) والآية أيضًا تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد.

وقوله تعالى: ﴿ خِلَالَكُمْ ﴾ أي: فيما بينكم، ومنه (٥٩) ﴿ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ  ﴾ ، وأصله من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين، وجمعه خلال (٦٠) ومنه قوله: ﴿ فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ  ﴾ (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) قال أهل المعاني: ومعنى الإيضاع هاهنا: إسراعهم في الدخول بينهم للتضريب (٦٥) (٦٦) ﴿ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ ﴾ يريد: أضعفوا شجاعتكم (٦٧) ﴿ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ ﴾ بالنميمة لإفساد ذات بينكم (٦٨) (٦٩) ﴿ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ ﴾ عبارة عن سيرهم فيما بينهم فقط، وقوله تعالى: ﴿ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ﴾ حال لهذا السير ولهم، وقال أصحاب العربية في قوله: ﴿ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ ﴾ : أي أوضعوا مراكبهم خلالكم (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) ولا يكون في (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) ﴿ خِلَالَكُمْ ﴾ لو أراد بالإيضاع: الهرب] (٧٨) (٧٩) (٨٠) وقوله (٨١) (٨٢) (٨٣) ﴿ وَلَأَاوْضَعُوا ﴾ بزيادة ألف ومثله: ﴿ أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ  ﴾ في بعضها، قال الفراء: وهو من سوء هجاء الأولين، وقال الزجاج: إنهم كانوا في ذلك الزمان يكتبون الفتحة ألفًا ولم يكن ذلك من هجاء العرب، والكتابة بالعربية ابتدئ به بقرب نزول القرآن فوقع فيه زيادات في أمكنة (٨٤) ﴿ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ﴾ أي: يبغون لكم، قال كعب بن زهير: إذا ما نتجنا أربعًا عام كفأة ...

بغاها خناسيرًا فأهلك أربعًا (٨٥) أي: بغى لها خناسير، وهي الدواهي، ومعنى بغى هاهنا: طلب.

الأصمعي: يقال ابغني كذا أي: اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي سواء، وإذا قال: أبغني فمعناه أعنيِّ على بُغائه (٨٦) أبو عبيد عن الكسائي: أبغيتك (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) (٩٥)  - (٩٦) (٩٧) (٩٨) وقوله تعالى: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أي: عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، هذا قول مجاهد (٩٩) (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد المنافقين) (١٠٨) (١) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 78، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 48، وبمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 446.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.

(٣) ذكر ذلك من غير تعيين الرازي في: "تفسيره" 16/ 78، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 501، و"الوجيز" 6/ 510 - 511.

(٤) في (م): (بعث).

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (بعث) 1/ 354، و"الصحاح" (بعث) 1/ 273.

(٦) عارم: أي خبيث شرير، والعُرام: الشدة والقوة والبطش.

انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (عرم) 3/ 223.

(٧) رواه مطولاً البخاريَ (4942)، كتاب: التفسير، سورة الشمس وضحاها، ومسلم (2855)، كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، والترمذي (3343)،كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الشمس وضحاها، == وأحمد في "المسند" 4/ 17.

(٨) في (ج): (قال).

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.

(١٠) انظر: "رسالة إلى أهل الثغر" للأشعري ص231، وكتاب: "أصول الدين" للبغدادي ص 102.

وهذا القول من تأويل الأشاعرة لصفات الله الفعلية وردّها إلى الإرادة، ومذهب السلف إثبات صفة الكراهة، بناء على قاعدتهم بأن الله يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.

انظر: "عقيدة السلف" للصابوني ص 189، 223، وكتاب: "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 113، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 3/ 3، 17، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 685، و"مدارج السالكين" 1/ 278، و"معارج القبول" 1/ 346، 356.

(١١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 501، و"الوجيز" 1/ 466، وبنحوه أبوحيان في "البحر المحيط" 5/ 48.

(١٢) أخرجها ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1807، ومثلها رواية الكلبي كما في"تنوير المقباس" ص 194.

(١٣) لم أعثر عليه.

(١٤) في (ج): (ألا تراه).

(١٥) ساقط من (ج) و (م).

(١٦) وهذا مذهب أهل السنة قاطبة، انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 640، ولكن يجدر بالتنبيه أن الله تعالى لا يخلق الكفر في نفس إنسان إلا إذا باشر أسباب ذلك كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

(١٧) لم أجد من ذكره إلا المؤلف في "الوجيز" 1/ 466.

(١٨) ذكره الثعلبي 6/ 135، والبغوي 4/ 81، عند تفسير قوله تعالى: ﴿ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ دون تعيين القائل.

(١٩) في (ج): (كما)، وهو خطأ.

(٢٠) ذكر هذا القول مختصرًا النحاس في: "إعراب القرآن" 2/ 22، والماوردي في "النكت والعيون" 2/ 368، والخازن في "تفسيره" 2/ 230، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 156.

ولا يخفى ضعف هذا القول لما يأتي: أ- أن الأصل في اللفظ الحقيقة، ولا يجوز تجريد نفظ كلام الله من حقيقته إلا ببرهان قاطع، وليس ثمت برهان.

ب- أن الآية صُدّرت بقوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ المشعر بأن رسول الله -  - خالف الأولى، فدد ذلك على أنه أذن للمنافقين بالقعود إذنًا حققيًّا لا صوريًّا.

جـ- أن جميع من ذكر هذا القول لم يسنده إلى شاهد حال، وإنما قيل على وجه الظن والتخمين.

(٢١) في (ج): (لا حقيقة الإذن).

(٢٢) "تفسير مقاتل" ص 129.

(٢٣) وهذا ما اعتمده البغوي في "تفسيره" 4/ 55، وانظر: "الكشاف" 2/ 193.

(٢٤) هذا معنى أثر ابن زيد، وقد رواه ابن جرير 10/ 145، وابن أبي حاتم 6/ 1807.

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.

(٢٦) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" 194 من رواية الكلبي، وسنده لا يخفى.

(٢٧) انظر: "الصحاح" (خبل) 4/ 1682، و"الكشاف" 2/ 194.

(٢٨) ساقط من (ي).

(٢٩) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 144، والثعلبي 6/ 112 أ، والبغوي 4/ 56.

(٣٠) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 501، وذكره أيضا الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 368 بلفظ: فسادًا.

(٣١) في (م): (يجبنوهم).

(٣٢) رواه الثعلبي 6/ 112 ب.

(٣٣) في (ي): (المرة) والصواب ما أثبته، وهو مرة الهمداني.

(٣٤) لم أجده.

(٣٥) هو: يمان بن رئاب (بكسر الراء) البصري الخراساني، وهو ضعيف في باب الرواية.

(٣٦) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 80.

(٣٧) رواه الثعلبي 6/ 112 ب.

(٣٨) انظر: "البحر المحيط" 5/ 49، و"الدر المصون" 6/ 59، وقد أنكر الزمخشري ذلك في "كشافه" 2/ 194، فقال: ("إلا خبالاً": ليس من الاستثناء المنقطع في شيء كما يقولون؛ لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستنثى منه، كقولك: ما زادوكم خيرًا إلا خبالاً، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء فكان استثناء متصلاً؛ لأن الخبال بعض أعم العام كأنه قال: ما زادوكم شيئًا إلى خبالاً).

(٣٩) في (ي): (يكون).

(٤٠) المعنى: أنه قد يطرأ على نفوس الصحابة شيء من اختلاف الرأي ونحوه، فإذا == وُجد هؤلاء المفسدون ضخموا هذا العارض، وتلونوا في آرائهم لتفريق الصف، وتصيير الخبال.

(٤١) انظر قول النضر بن شميل في: "تهذيب اللغة" (وضع) 4/ 3905.

(٤٢) انظر: "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص 221.

(٤٣) انظر: "تهذيب اللغة" (وضع) 4/ 3905.

ولم أجده في مادة (كل) و (وضع) من كتاب: العين.

(٤٤) في "تهذيب اللغة" بماذا.

(٤٥) في (ج): (أذل)، وأثبت ما في (م) و (ي) لموافقته ما في المصدر السابق.

(٤٦) لم أهتد إلى قائله، وانظر البيت بلا نسبة في: "تهذيب اللغة" (وضع) 1/ 3905، و"لسان العرب" (وضع) 8/ 4859.

(٤٧) هكذا في جميع النسخ و"تهذيب اللغة"، وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 440، و"لسان العرب" (وضع): (بذي.

والبز: الثياب، انظر: "لسان العرب" (بزز) 1/ 274.

أما علي رواية الفراء فقد قال المحقق في حاشية الموضع السابق: قوله: بذي، كأنه يريد: بذي الناقة، أو بذي الفرس، وقد يكون المراد: محتملاً رحلي -على صيغة اسم الفاعل- بالبعير الذي أضعه، فذي هنا موصول على لغة الطائيين.

(٤٨) لم أهتد لقائلهما، والبيت الثاني بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (وضع) 1/ 3905، و"لسان العرب" (وضع) 8/ 4859، وهما بلا نسبة أيضًا في "شرح أبيات معاني القرآن" ص 201.

(٤٩) في (ج): (وضعت)، وأثبت ما في (م) و (ي) لموافقته لـ"تهذيب اللغة".

(٥٠) هو جد قديم، وهو قيس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وبنوه قبائل كثيرة منه "هوازن" و"سليم" و"غطفان" و"باهلة".

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 232، و"الأعلام" 5/ 207.

(٥١) انظر: قول الأخفش في "تهذيب اللغة" (وضع) 1/ 3905.

(٥٢) رواه النسائي في "سننه"، كتاب: مناسك الحج، باب: الأمر بالسكينة في الإفاضة 5/ 258، والدارمي في "سننه"، كتاب: المناسك، باب: الوضع في وادي محسر رقم (1891) 2/ 84، وأحمد في "المسند" 3/ 332، 367، 391، وبنحوه الترمذي (886) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الإفاضة من عرفات.

(٥٣) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 460.

(٥٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٥٥) لم أجد من ذكر البيت للبيد سوى الرازي 16/ 81 وهو ناقل النص من الواحدي بدلالة السياق، والمشهور أنه لامرئ القيس وهو في "ديوانه" ص 43 ونسب إليه أيضاً في "الصحاح" (سحر) 2/ 679 مع الشك في ذلك، وعبارته: ويُنشد لامريء القيس، وذكر البيت، كما نسب إليه أيضًا في "البحر المحيط" 5/ 49، و"الدر المصون" 2/ 31، و"لسان العرب" (سحر) 4/ 1952 وبعده في الديوان: == عصافير وذبان ودود ....

وأجرأُ من مجلحة الذئاب وينسب البيت أيضًا لزهير وهو في "ديوانه" ص 100 (طبعة دار صادر ودار بيروت عام 1379 هـ) وبعده: كما سحرت به إرم وعاد ......

فأضحوا مثل أحلام النيام ومعنى (نسحر): (نعلل، أو نخدع، وقوله: (لحتم غيب): (في المصادر السابقة: لأمر غيب، وهو يريد الموت، انظر: "البحر المحيط" و"لسان العرب"، نفس الموضع السابق.

(٥٦) في (ي): (موضعين لحتم)، وهو خطأ.

(٥٧) في (ج): (تناهلن)، والصواب ما أثبته كما في "شرح الديوان"، وفيه: تباهلن: تصنعن البله وتكلفنه، وأكل: أتعب راحلته، وأوضع: أي سار أشد السير.

(٥٨) انظر: "شرح ديوانه" ص 171.

(٥٩) ساقط من (ي).

(٦٠) في (ج): (خلا)، وهو سهو من الناسخ.

(٦١) الودق: المطر.

انظر: "تفسير البغوي" 6/ 54.

(٦٢) بفتح الخاء وبلا ألف على الإفراد، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس والضحاك ومعاذ العنبري، عن أبي عمرو والزعفراني والأعمش، انظر: "مختصر في شواذ القرآن" ص 102، و"البحر المحيط" 6/ 464، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 325.

(٦٣) في (م): (تخللت بين).

(٦٤) تهذيب اللغة" (خل) 1/ 1097.

(٦٥) في"لسان العرب" (ضرب) 5/ 2568: ضربت الشيء بالشيء وضربته: خلطته، وضربت بينهم بالشر: خلطت، والتضريب بين القوم: الإغراء.

(٦٦) ذكر معناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 448 عن الحسن ولم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني.

(٦٧) لم أجده بهذا اللفظ، وانظر المعنى في: "الوجيز" 6/ 512.

(٦٨) ذكره ابن الجوزي في: "زاد المسير" 3/ 448، وابن القيم كما في "التفسير القيم" 2/ 358.

(٦٩) رواه الثعلبي 6/ 112 ب، والبغوي 3/ 56، لكنه تصحف في "تفسير البغوي"، فقال: العيب.

(٧٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 440، و"تهذيب اللغة" (وضع) 4/ 3906، و"لسان العرب" (وضع) 8/ 4859.

(٧١) انظر: قوله في "تهذيب اللغة" (وضع) 4/ 3906.

(٧٢) الخبب: ضرب من العدو.

انظر: "مجمل اللغة" (خب) 2/ 277.

(٧٣) لم أجده فيما بين يدي من مصادر.

(٧٤) في (ي): (على).

(٧٥) لم أجده فيما بين يدي من مصادر.

(٧٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 112 ب، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 49.

(٧٧) كذا.

ولا معنى لذكر لفظ (في).

(٧٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٧٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 451.

(٨٠) ساقط من (ي).

(٨١) يعني الزجاج في قوله السابق.

(٨٢) في (ي): (الخيال)، وهو خطأ.

(٨٣) يعني الذي تقدم ذكره.

(٨٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452، ووافقه الزمخشري أيضاً في "الكشاف" 2/ 194 وخالفهم الإمام أبو عمرو الداني الذي بين أن زيادة الألف هنا لفائدة فقال: أما زيادة الألف في (لأاوضعوا) و (لأاذبحنه) فلمعان أربعة، هذا إذا كانت الزائدة فيهما المنفصلة عن اللام، وكانت الهمزة هي المتصلة باللام، وهو قول أصحاب المصاحف: فأحدها: أن تكون صورة لفتحة الهمزة، من حيث كانت الفتحة مأخوذة منها.

والثاني: أن تكون الحركة نفسها، لا صورة لها، على مذهب العرب في تصوير الحركات حروفًا.

والثالث: أن تكون دليلًا على إشباع فتحة الهمزة وتمطيطها في اللفظ؛ لخفاء الهمزة، وبعد مخرجها، وفرقًا بين ما يحقق من الحركات، وبين ما يختلس منهن، وليس ذلك الإشباع والتمطيط بالمؤكد للحروف، إذ ليس من مذهب أحد من أئمة القراءة، وإنما هو إتمام الصوت بالحركة لا غير.

والرابع: أن تكون تقوية للهمزة وبيانًا لها.

وإذا كانت الزائدة من إحدق الألفين المتصلة في الرسم باللام، وكانت الهمزة هي المنفصلة عنها وهو قول الفراء وأحمد بن يحيي من النحاة -فزيادتها لمعنيين: == أحدهما: الدلالة على إشباع فتحة اللام وتمطيط اللفظ بها.

والثاني: تقوية للهمزة، وتأكيدًا لها وبيانًا.

"المحكم في نقط المصاحف" للداني ص 176، 177.

(٨٥) البيت في "شرح ديوان كعب بن زهير"، ونسب إليه أيضًا في "تهذيب اللغة" (بغى) 1/ 367، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص 292.

وفي المصدر الأخير: نتج فلان إبله كَفأة وكُفأة: وهو أن يفرق إبله فرقتين، فيُضرب الفحل العام إحدى الفرقتين، ويدع الأخرى، فإذا كان العام المقبل أرسل الفحل في الفرقة التي لم يكن أضربها الفحل في العام الماضي، وترك التي أضربها في العام الماضي؛ لأن أفضل النتاج أن يُحمل على الإبل الفحول عاما، وتترك عامًا ..

ونتج الرجل الناقة: إذا ولدت عنده، يقول: إذا نُتجت أربع من إبله أربعة أولاد، هلك من إبله الكبار أربع، فيكون ما هلك منه أعظم مما أصاب، والخناسير: الهُلاك، لا واحد له وفي (بغاها) ضمير من الجد -يعني: الحظ- هو الفاعل.

"تهذيب إصلاح المنطق" 291 - 292 مختصرًا.

وقال السكري في "شرح الديوان" ص 227: يقول: إنه من شؤم حظه إذا نتج أربع نوق أتت الدواهي فأهلكتهن.

(٨٦) "تهذيب اللغة" (بغى) 1/ 367.

(٨٧) في (ج) و (ي): (بغيتك)، هنا أثبته من (م) وهو موافق لمصدري تخريج القول.

(٨٨) ساقط من (ي).

(٨٩) في (ج): (علمتك، وما في (ي): (موافق لما في "تهذيب اللغة" "لسان العرب"، يقال: عكم المتاع يعكمه عكمًا: شده بثوب، وهو أن يبسطه ويجعل فيه المتاع ويشده، ويسمى حينئذ عكمًا، والعكام، ما عكم به، وهو الحبل الذي يعكم عليه.

"لسان العرب" (عكم) 5/ 306.

(٩٠) كذا في جميع النسخ، وكذلك في "تفسير الثعلبي"، ولفظ "تهذيب اللغة" و"لسان العرب": أحملتك، أي: أعنتك على حمل المتاع، ومعنى أحلبتك: أعنتك على حلب الناقة ونحوها كما فسره الثعلبي في "الكشف والبيان" 6/ 112 ب.

(٩١) في (ج): (علمتك العلم)، والصواب ما أثبته وهو موافق لمصدري تخريج القول.

(٩٢) انظر: قول الكسائي في "تهذيب اللغة" (بغى) 1/ 367، و"لسان لعرب" (بغا) 1/ 322.

(٩٣) انظر: "معاني القرآن" له 1/ 440.

(٩٤) لم أقف على مصدر هذا القول.

(٩٥) يعني ابن قتيبة، انظر: "تفسير غريب القرآن"، له ص 196.

(٩٦) قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" 2/ 397 - 398 عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ : فليحذر وليخشى من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا (أن تصيبهم فتنة) أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة.

(٩٧) في (ي): (يبغونكم الفتنة يثبطونكم).

(٩٨) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 112 ب، والبغوي في "تفسيره" 4/ 56 بلفظ: العنت والشر.

(٩٩) رواه ابن جرير10/ 146، وابن أبي حاتم 6/ 1809، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 443.

(١٠٠) رواه ابن جرير10/ 146، وابن أبي حاتم 6/ 1809.

(١٠١) لم أقف على مصدر قوله.

(١٠٢) رواه ابن جرير 10/ 146، والثعلبي 6/ 112 ب.

(١٠٣) "السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 208.

(١٠٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(١٠٥) في (ي): (عليك).

(١٠٦) في (ي): (على).

(١٠٧) المنافق لا يخرج للجهاد إلا تقية وخوفًا من المسلمين، أو طمعًا في غنيمة، ثم هو ذو قلب حائر يبث الخور والضعف في الصفوف، وذو نفس خائنة تمثل خطرًا على الجيش، فمثله لا يزيد المسلمين قوة، بل فوضى واضطرابًا، وفتنة وتفريقًا، وهي العامل الأساسي في انهيار الجيوش وهزيمتها.

(١٠٨) "تنوير المقباس" ص 194، و"الوسيط" 2/ 501.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية: لا يستأذنك في التخلف عن الغزو لغير عذر من يؤمن بالله واليوم الآخر ﴿ وارتابت قُلُوبُهُمْ ﴾ أي شكت، ونزلت الآية في عبد الله بن سلول والجد بن قيس ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج ﴾ الآية.

أي لو كانت لهم نية في الغزو والاستعداد له قبل أوانه: ﴿ انبعاثهم ﴾ أي خروجهم ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ أي كسر عزمهم وجعل في قلوبهم الكسل ﴿ وَقِيلَ اقعدوا ﴾ يحتمل أن يكون القائل لهم اقعدوا هو الله تعالى، وذلك عبارة عن قضائه عليهم القعود، ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض ﴿ مَعَ القاعدين ﴾ أي مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذم لهم لاختلاطهم في القعود مع هؤلاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وكلمة الله ﴾ بالنصب: يعقوب.

الباقون: بالرفع.

الوقوف: ﴿ إلى الأرض ﴾ ط ﴿ من الآخرة ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ معنا ﴾ ج لعطف ﴿ أنزل ﴾ على ﴿ نصره ﴾ مع عوارض الظروف.

﴿ السفلى ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ وكلمة ﴾ بالنصب ﴿ العليا ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ الشقة ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ أنفسهم ﴾ ج لواو الابتداء والحال.

﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ عنك ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى.

﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ بالمتقين ﴾ ه ﴿ يتردّدون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ الفتنة ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا تفتني ﴾ ط ﴿ سقطوا ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم.

عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه  لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات.

روي أن رسول الله  ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة.

أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير.

وأصل ﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم كما قلنا في ﴿ فادّارأتم  ﴾ ومعناه تبأطاتم.

وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله ﴿ أخلد إلى الأرض  ﴾ أي مال إلى الدنيا وشهواتها.

وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها.

ومعنى الاستفهام في ﴿ مالكم ﴾ الإنكار.

وقرىء ﴿ أثاقلتم ﴾ على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله.

ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في ﴿ مالكم ﴾ من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل كقوله ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً.

﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ﴾ أي في جنبها وفي مقابلها.

﴿ إلا قليل ﴾ ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي.

والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿ إلا تنفروا ﴾ ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قيل: هو عذاب الدنيا.

عن استنفرهم رسول الله  فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر.

وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.

وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به.

وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين.

الثانية قوله ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع.

قيل: هم أهل اليمن.

عن أبي روق.

وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير.

وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة.

وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق.

الثالثة قوله ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء.

وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة.

وفي قوله ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان.

عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة  ﴾ والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله  فلم ينفروا فلا نسخ.

قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم.

وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله  ﴿ مالكم إذا قيل لكم ﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول.

ومن قال إن الضمير في قوله ﴿ لا يضروه ﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.

ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وهذا كالتفسير لما تقدم.

والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد.

وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك.

وقوله ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و ﴿ ثاني اثنين ﴾ نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما.

وقوله ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من إذ أخرجه و ﴿ إذ يقول ﴾ بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة.

واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله  فنزل ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ فأمره الله  أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار.

فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟

فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول  .

فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله  فقال  : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله  فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال  : ما ظنك باثنين الله ثالثهما!

وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله  : اللهم أعم أبصارهم.

فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه.

استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله  في الغار وفي العلم لقوله "ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر" .

وفي الدعوة إلى الله لأنه  عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول  في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله  ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله  في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر.

وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر.

وقوله ﴿ لا تحزن ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده.

ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله  ﴿ إذ يقول لصاحبه ﴾ أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  ﴾ وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن.

وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله  للكافر ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك  ﴾ وكما احتمل أن يقال إنه  استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه.

ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ.

سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي  على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس.

أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟!

والصحبة في قوله ﴿ قال له صاحبه ﴾ مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله ﴿ أكفرت ﴾ وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل.

واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما.

والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً.

وروي أن جبريل  أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله  وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد.

وكون حزنه معصية معارض بقوله  لموسى ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى  ﴾ وقول الملائكة لإبراهيم ﴿ لا تخف وبشروه  ﴾ ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي  على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً  ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ  ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو.

ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله ﴿ لا تحزن ﴾ ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن.

واعترض بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ عطف على ﴿ فأنزل ﴾ فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود.

وأجيب بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ معطوف على قوله ﴿ فقد نصره ﴾ والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي  أيضاً من حيث البشرية كقوله ﴿ وزلزلوا  ﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ﴿ فأنزل ﴾ معطوفاً على نصره.

والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله  ﴾ وقوله ﴿ وجعل ﴾ يعني يوم بدر وسائر الوقائع ﴿ كلمة الذين كفروا ﴾ وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام ﴿ السفلى وكلمة الله ﴾ وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله ﴿ هي العليا ﴾ وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم.

قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا.

ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟

قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب.

ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها.

قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله  : أعليّ أن أنفر؟

قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله ﴿ ليس على الأعمى حرج  ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك.

فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه.

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر.

فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات.

وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله  وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى  ﴾ الآية.

وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه  خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات.

فمن أمره الرسول  بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى.

ثم قال ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء.

﴿ ذلكم خير لكم ﴾ يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل.

وإنما قال ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق.

ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه.

والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده.

والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة.

وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿ لاتبعوك ﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.

ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً.

و ﴿ بالله ﴾ متعلق بـ ﴿ سيحلفون ﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿ لو استطعنا ﴾ وقوله ﴿ لخرجنا ﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً.

قيل: في الآية دلالة على أن قوله ﴿ انفروا ﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف.

قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله  ، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل.

وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟

قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى.

وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن.

وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه.

فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال.

ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال.

قال في الكشاف ﴿ يهلكون ﴾ بدل من ﴿ سيحلفون ﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿ خرجنا ﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة.

وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم.

حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية.

قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله  أعلم.

ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإن العفو يستدعي سابقة الذنب.

وبقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو.

قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى.

فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون.

والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى.

وقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي.

وبعد حصول العفو من الله  يستحيل أن يكون قوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.

قال كثير من العلماء:في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه  أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله  ﴾ ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله "ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور.

قال قتادة.

عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم  ﴾ .

قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم.

ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ﴾ أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي  في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك.

ألا ترى أن علي بن أبي طالب  لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" .

وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود.

وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم.

ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال ﴿ إنما يستأذنك ﴾ الآية.

وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله  ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين.

ومعنى قوله ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين.

وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد.

وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.

قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً.

ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف.

قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة.

﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي انطلاقهم ﴿ فثبطهم ﴾ والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به.

ومعنى الاستدراك أن قوله ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله  صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ.

ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك.

وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح.

ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟

والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم.

ومما يوهم أنه  أذن لهم في الخروج قوله  في هذه السورة ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿ سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم  ﴾ إلى قوله ﴿ قل لن تتبعونا  ﴾ وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول  إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم.

قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه  موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة.

قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء.

وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل.

ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟

وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً.

أما قوله ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿ اقعدوا مع القاعدين ﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم.

ومعنى قوله ﴿ مع القاعدين ﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت.

﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال المفسرون: لما خرج رسول الله  ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله  تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف.

والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً.

وقال سلمان إلا مكراً.

وقال الضحاك: إلا غدراً.

وقيل: إلا خبثاً.

وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم.

قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر.

وفيه دليل على أنه  لا يريد إلا الخير والصلاح.

ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول.

واعلم أنه  عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ﴿ ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ الثاني: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ﴾ قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أو لأذبحنه  ﴾ في النمل ﴿ لأتوها  ﴾ في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن.

وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو.

وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم.

وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.

ومنه ما روي أن النبي  أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع.

قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد.

وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي.

ومعنى ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم.

والخلل الفرجة فيما بين الشيئين.

و ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم.

قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي.

ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون.

فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض.

وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم.

وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة.

واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟

وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.

ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك.

قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي  .

وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي  مع أصحابه.

ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد.

ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد ﴿ حتى جاء الحق ﴾ الذي هو القرآن ﴿ وظهر أمر الله ﴾ غلب دينه وشرعه ﴿ وهم كارهون ﴾ رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم.

ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره  ﴾ ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود ﴿ ولا تفتني ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.

احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد.

وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.

وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي  وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية.

فقال رسول الله  لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان.

فقال النبي  : وأي داء أدوى من البخل؟

بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار.

التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها.

﴿ إلا تنفروا ﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿ إلا تنصروه ﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول.

﴿ ثاني اثنين ﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿ إذ هما في ﴾ غار العدم.

﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه ﴿ انفروا ﴾ أيها الطلاب ﴿ خفافاً ﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿ وثقالاً ﴾ متلبسين بها، أو ﴿ خفافاً ﴾ مجذوبين بالعناية ﴿ وثقالاً ﴾ سالكين بالهداية ﴿ وجاهدوا ﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس.

وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال.

والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿ لو كان ﴾ مطلوبك يا محمد ﴿ عرضاً قريباً ﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى.

﴿ وسيحلفون ﴾ يعني أرباب النفوس ﴿ لخرجنا معكم ﴾ يا أهل القلوب.

﴿ عفا الله عنك ﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ {الفتح: 2] ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿ لأعدوا له عدة ﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿ فثبطهم ﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿ حتى جاء الحق ﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وهو التكليف ﴿ ومنهم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ من يقول ﴾ وهو الهوى ﴿ ائذن لي ﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ ولا تفتني ﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني.

وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿ وإن جهنم ﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ : أي: غنيمة قريبة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ : في غزاتك: ﴿ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ﴾ يعني: المسير.

وقيل: العرض: الدنيا، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ : ليس فيه مشقة.

وأصل قوله: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ أي: منافع حاضرة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ أي: منافع غائبة، والعرض: هو المنافع؛ يقول: لو كانت لهم منافع حاضرة أو منافع غير حاضرة، لاتبعوك فيما استتبعتهم؛ لأن عادتهم اتباع المنافع، يعني: المنافقين؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ أخبر أنهم يعبدون الله على حرف، وهو ما ذكر: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ  ﴾ فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع، وإليها يميلون، وأما المؤمنون [فإنهم] يعبدون الله في كل حال: في حال السعة، وفي حال الضيق، ويتبعون رسول الله، ولا يفارقونه، كانت لهم منافع أو لم تكن، أصابتهم مشقة أولا، هم لا يفارقون رسول الله  على كل حال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: لو كان لنا ظهر وسلاح لخرجنا معكم، ولو كان [لنا] زاد وما نشتري ما نحارب به لخرجنا معكم.

ثم أخبر أن لهم استطاعة على ذلك، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

وقالت المعتزلة: دل قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أن الاستطاعة تتقدم الفعل؛ لأنه أخبر أنهم كاذبون فيما يقولون: إنه ليس معنا ما ننفق وما نشتري به السلاح.

لكنا نقول: إن الاستطاعة على وجهين: استطاعة الأسباب، والأحوال.

واستطاعة الأفعال، واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم، وهذه الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

ومن قولهم أيضاً: إن استطاعة الأفعال لا تبقي أوقاتاً، ثم إن هذه أخبر أنها كانت باقية أوقاتاً؛ دل أنها هي استطاعة الأسباب والأحوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .

قيل: يهلكون أنفسهم بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون.

وقيل: يهلكون أنفسهم بتركهم الخروج؛ لأنهم يقتلون إذا تركوا الخروج؛ كقوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ...

﴾ الآية [الأحزاب: 61].

ويحتمل: يهلكون أنفسهم في الآخرة بنفاقهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ بالتخلف.

﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ ، أي: يطلعك الله على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلف.

إو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك؛ وإن لم تأذن لهم، والذين صدقوا لا يفارقونك، فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء [المؤمنين].

وفي قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ﴾ دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر.

وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر، لم يكن ليعاتبه على الإذن، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم إنما يستأذنونه بالقعود للعذر.

فإن قيل: كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ  ﴾ .

قيل: يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن؛ إذ به يتبين [له] الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات الرسالة، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ تعليم من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضاً، ليس على العتاب.

ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - بهذه الآية؛ لأنه بدأ بذكر العفو، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب، لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية.

أي: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر، إنما يستأذنونك لعذر ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ بالقعود لغير عذر.

﴿ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

أي: عن شكهم يترددون.

وعن الحسن قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

نسختها الآية التي في سورة النور: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ .

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه ذكر أن سورة التوبة من آخر ما نزل.

أو أنهم إذا كانوا في أمر جامع لم يذهبوا إلا بعد الاستئذان؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين في الأمور الجامعة، وأما في الخلوات فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا في غزوة تبوك؛ على ما قاله أهل التأويل، أمروا بالخروج والتأهب للغزو فعزموا ألا يخرجوا، فعوتبوا على ذلك.

ويحتمل أن يكون في جميع الغزاة عزموا واعتقدوا ألا يخرجوا، ولا يتأهبوا له قط، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، فأكذبهم الله -  - أنهم كذبة، وأنهم أغنياء، لكنهم عزموا ألا يخرجوا، ولا يعدوا له عدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ أي: لم يرض الله بخروجهم وانبعاثهم.

ثم بين الوجه الذي لم يرض ما ذكر في قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فساداً، لم يرد الله خروجهم لما علم منهم [أن خروجهم وانبعاثهم لا يزيد] في الجهاد إلا ما ذكر من الخبال والفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ .

قيل: حبسهم، أي: إذا علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم لم يزدهم إلا فساداً، حبسهم.

ويحتمل: أن خلق منهم الفعل الذي كان منهم من الكسل والتثاقل.

وفيه دلالة خلق الله فعل الشرّ، ويكون في ذلك خير لغيره، وإن كان شرّاً لهم، فعلى ذلك خلق فعل المعصية من المعاصي، وهو شرّ له، ويكون ذلك خيراً لغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ ﴾ : لما استأذنوا رسول الله بالقعود، أذن لهم في ذلك؛ على ما وقع عنده أن لهم عذراً في ذلك.

وإن كان من الله - عز وجل - فهو على التهديد والوعيد.

ويحتمل أن يكون من الشيطان، وسوس إليهم أن اقعدوا؛ ترغيباً منه إياهم بالقعود والتخلف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ .

قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم ﴾ ، أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ ؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا.

والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل.

وقال أبو عوسجة: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر.

وقيل: الغي، وهو واحد.

وقوله: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، يحتمل زيادة الخبال وجوهاً: يحتمل: أن يكونوا عيوناً للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ قيل: هو من إيضاع الإبل ﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ يتخلل فيما بينكم.

وقيل: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ .

أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم [شيء] من البلاء والشدة.

وقال القتبي: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ : من الوضع، وهو سرعة السير.

وقال أبو عوسجة: هو من الإيضاع يكون على الإبل.

وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار.

﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ : بينكم.

وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال والفشل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ .

قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه.

ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين أيضاً: يحتمل: أن هؤلاء المنافقين يكونون سماعاً لهم وخبراً وعيوناً، يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ ﴾ : من المؤمنين.

﴿ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ لشرفهم فيهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ : كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: أبلغكم ما بلغني؟

إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا - أيضاً - ما يكرهونه يقولون: الدبرة على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...

﴾ الآية [إبراهيم: 42].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ ﴾ تحتمل الفتنة الوجهين اللذين ذكرتهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ .

أي: تكلفوا واجتهدوا ليطفئوا هذا النور، ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ قيل: دين الله الإسلام.

ويحتمل: حجج الله وأدلته، وهو ما ذكر: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ : ظهراً لبطن؛ ليمكروا برسول الله، ويقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، [وقوله]: ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ما ذكرنا من دين الله وحججه، ﴿ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ لذلك؛ كقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ ، فظهر دين الإسلام وهم كارهون [له].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي ﴾ .

فيه دلالة أنه لا كل المنافقين قالوا، إنما قال ذلك بعضهم، وبعضهم قالوا غير هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ .

قيل: لا تؤثمني.

وقيل: ولا تخرجني.

وقيل: ولا تكفرني، والكل واحد، يقول: ومنهم من قال: ولا تفتني، أي: لا تكن سبب فتنتي ومعصيتي، أي: لا تأمرني بالخروج، ولكن ائذن لي بالقعود؛ لأنك إن أمرتني بالخروج ولم تأذن بالقعود والتخلف فقعدت وتخلفت، كنت عاصياً، تاركاً لأمرك، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي.

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: لا تأمرني المشقة والشدة، ولكن الدعة والسعة والرخاء حيث كانوا مالوا إليهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11]، يقول: لا تكن سبب إثمي وانقلابي.

ومنهم من قال: إن رجلاً منهم يقال له: الجدّ بن قيس قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمال، ففيه نزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ  ﴾ ، وهو قول ابن عباس؛ يقول: لا تأمرني بالخروج؛ فإني مولع بالنساء، لا أصبر إذا رأيتهن.

ولا ندري كيف كانت القصة، لكن الوجوه فيه ما ذكرنا آنفاً.

وقوله : ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة، فقال: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في [المشقة والفتنة والبلاء والهلاك سقطوا؛ وهذا يدل أن أهل النفاق هم كفرة.

وقوله: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في] الشر والإثم سقطوا؛ على تأويل من تأول قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تؤثمني، ولا تخرجني.

وعلى تأويل من قال: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تشق علي، ولا تأمرني بالمشقة والشدة والضيق، يقول: ألا في الشدة والضيق يسقطون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: تحيط بهم حتى لا يجدوا منقذاً ولا مخلصاً.

أو تحيط بهم من تحت ومن فوق، وأمام وخلف، ويمين وشمال، تحيط بهم حتى تصيب كل جارجة منهم؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أنها تحيط بهم.

وفيه دلالة: أن المنافقين هم كفار؛ لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين، ثم أخبر أن جهنم تحيط بالكافرين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو كانوا صادقين في دعوى أنهم يريدون الخروج معك للجهاد في سبيل الله لتأهبوا له بإعداد العدة، ولكن أبغض الله خروجهم معك، فثقل عليهم الخروج حتَّى آثروا القعود في منازلهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.8908j"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله