الآية ٤٧ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٤٧ من سورة التوبة

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم بين [ الله تعالى ] وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال : ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) أي : لأنهم جبناء مخذولون ، ( ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ) أي : ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة ، ( وفيكم سماعون لهم ) أي : مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم ، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم ، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير .

وقال مجاهد ، وزيد بن أسلم ، وابن جرير : ( وفيكم سماعون لهم ) أي : عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم .

وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم ، بل هذا عام في جميع الأحوال ، والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق ، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين .

وقال محمد بن إسحاق : كان - فيما بلغني - من استأذن من ذوي الشرف منهم : عبد الله بن أبي ابن سلول ، والجد بن قيس ، وكانوا أشرافا في قومهم ، فثبطهم الله - لعلمه بهم - أن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده ، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه ، لشرفهم فيهم ، فقال : ( وفيكم سماعون لهم ) .

ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال : ( والله عليم بالظالمين ) فأخبر بأنه [ يعلم ] ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؛ ولهذا قال تعالى : ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا ، كما قال تعالى : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) [ الأنعام : 28 ] وقال تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) [ الأنفال : 23 ] وقال تعالى : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ) [ النساء : 66 - 68 ] والآيات في هذا كثيرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لو خرج، أيها المؤمنون، فيكم هؤلاء المنافقون =(ما زادوكم إلا خبالا)، يقول: لم يزيدوكم بخروجهم فيكم إلا فسادًا وضرًّا، ولذلك ثبَّطتُهم عن الخروج معكم.

* * * وقد بينا معنى " الخبال "، بشواهده فيما مضى قبل.

(35) * * * (ولأوضعوا خلالكم)، يقول: ولأسرعوا بركائبهم السَّير بينكم.

* * * وأصله من " إيضاع الخيل والركاب ", وهو الإسراع بها في السير, يقال للناقة إذا أسرعت السير: " وضعت الناقة تَضَع وَضعًا ومَوْضوعًا ", و " أوضعها صاحبها "، إذا جدّ بها وأسرع، " يوضعها إيضاعًا "، ومنه قول الراجز: (36) يَـــا لَيْتَنِـــي فِيهَـــا جَــذَعْ أَخُــــبُّ فِيهَــــا وَأَضَـــعْ (37) * * * وأما أصل " الخلال "، فهو من " الخَلَل "، وهي الفُرَج تكون بين القوم، في الصفوف وغيرها.

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ لا يَتَخَلَّلكُمْ [الشَّيَاطين، كأنها] أَوْلادُ الحذَفِ".

(38) * * * وأما قوله: (يبغونكم الفتنة)، فإن معنى: " يبغونكم الفتنة "، يطلبون لكم ما تفتنون به، عن مخرجكم في مغزاكم, بتثبيطهم إياكم عنه.

(39) * * * يقال منه: " بغيتُه الشر ", و " بغيتُه الخير " " أبغيه بُغاء "، إذا التمسته له, بمعنى: " بغيت له ", وكذلك " عكمتك " و " حلبتك ", بمعنى: " حلبت لك "، و " عكمت لك ", (40) وإذا أرادوا: أعنتك على التماسه وطلبه, قالوا: " أبْغَيتُك كذا "، و " أحلبتك "، و " أعكمتك "، أي: أعنتك عليه.

(41) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16771- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ولأوضعوا خلالكم)، بينكم =(يبغونكم الفتنة)، بذلك.

16772- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (ولأوضعوا خلالكم)، يقول: [ولأوضعوا بينكم]، خلالكم، بالفتنة.

(42) 16773- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة)، يبطئونكم قال: رفاعة بن التابوت, وعبد الله بن أبيّ ابن سلول, وأوس بن قيظيّ.

16774- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (ولأوضعوا خلالكم)، قال: لأسرعوا الأزقة (43) =(خلالكم يبغونكم الفتنة)، يبطِّئونكم = عبد الله بن نبتل, ورفاعة بن تابوت, وعبد الله بن أبي ابن سلول.

16775-......

قال حدثنا الحسين قال، حدثني أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: (ولأوضعوا خلالكم)، قال: لأسرعوا خلالكم يبغونكم الفتنة بذلك.

16776- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا)، قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك.

يسلِّي الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فقال: وما يُحزنكم؟(لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا)، !

يقولون: " قد جُمع لكم، وفُعِل وفُعِل, يخذِّلونكم " =(ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة)، الكفر.

* * * وأما قوله: (وفيكم سَمَّاعون لهم)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: وفيكم سماعون لحديثكم لهم، يؤدُّونه إليهم، عيون لهم عليكم.

* ذكر من قال ذلك: 16777- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وفيكم سماعون لهم)، يحدِّثون أحاديثكم, عيونٌ غير منافقين.

16778- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وفيكم سماعون لهم)، قال: محدِّثون، عيون، غير المنافقين.

(44) 16779- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وفيكم سماعون لهم)، يسمعون ما يؤدُّونه لعدوِّكم.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيكم من يسمع كلامهم ويُطيع لهم.

* ذكر من قال ذلك: 16780- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وفيكم سماعون لهم)، وفيكم من يسمع كلامهم.

16781- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كان الذين استأذنوا، فيما بلغني من ذوي الشرف، منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، والجدُّ بن قيس, وكانوا أشرافًا في قومهم, فثبطهم الله، لعلمه بهم: أن يخرجوا معهم، فيفسدوا عليه جُنده.

وكان في جنده قوم أهلُ محبةٍ لهم وطاعةٍ فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم, فقال: (وفيكم سمَّاعون لهم).

(45) قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل: وفيكم أهلُ سمع وطاعة منكم، لو صحبوكم أفسدوهم عليكم، بتثبيطهم إياهم عن السير معكم.

وأما على التأويل الأول, فإن معناه: وفيكم منهم سمَّاعون يسمعون حديثكم لهم, فيبلغونهم ويؤدونه إليهم، عيون لهم عليكم.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندي في ذلك بالصواب، تأويلُ من قال: معناه: " وفيكم سماعون لحديثكم لهم، يبلغونه عنكم، عيون لهم ", لأن الأغلب من كلام العرب في قولهم: " سمَّاع ", وصف من وصف به أنه سماع للكلام, كما قال الله جل ثناؤه في غير موضع من كتابه: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [سورة المائدة: 41]، واصفًا بذلك قومًا بسماع الكذب من الحديث.

وأما إذا وصفوا الرجل بسماع كلام الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه وانتهائه إليه فإنما تصفه بأنه: " له سامع ومطيع ", ولا تكاد تقول: = " هو له سماع مطيع ".

(46) * * * وأما قوله: (والله عليم بالظالمين)، فإن معناه: والله ذو علم بمن يوجّه أفعاله إلى غير وجوهها، ويضعها في غير مواضعها, ومن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعذر، ومن يستأذنه شكًّا في الإسلام ونفاقًا, ومن يسمع حديث المؤمنين ليخبر به المنافقين، ومن يسمعه ليسرَّ بما سُرَّ به المؤمنون، (47) ويساء بما ساءهم, لا يخفى عليه شيء من سرائر خلقه وعلانيتهم.

(48) * * * وقد بينا معنى " الظلم " في غير موضع من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(49) ------------------------ الهوامش: (35) انظر تفسير "الخبال" فيما سلف 7 : 139، 140.

(36) هو دريد بن الصمة.

(37) سيرة ابن هشام 4 : 82 ، واللسان (وضع)، وغيرهما، وهذا رجز قاله دريد في يوم غزوة حنين، وكان خرج مع هوزان، عليهم مالك بن عوف النصري ، ودريد بن الصمة يومئذ شيخ كبير ، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب ، وكان شيخًا مجربًا .

وكان مالك بن عوف كره أن يكون لدريد بن الصمة رأي في حربهم هذه أو ذكر ، فقال دريد: "هذا يوم لم أشهده ولم يفتني".

يَـــا لَيْتنِـــي فِيهـــا جَــذَعْ أَخُــــبُّ فيهــــا وأَضَـــعْ أَقُــــودُ وَطْفَــــاء الـــزَّمَعْ كَأَنَّهَــــا شَــــاةٌ صَــــدَعْ "الجذع"، الصغير الشاب.

و "الخبب"، ضرب من السير كالوضع .

ثم وصف فرسه فيما تمنى.

"وطفاء"، طويلة الشعر، و "الزمعة" الهنة الزائدة الناتئة فوق ظلف الشاة.

و "الشاة" هنا: الوعل وهو شاة الجبل.

و "صدع" الفتى القوي من الأوعال.

(38) لم يذكر إسناده، وهو حديث مشهور، رواه أبو داود في سننه 1 : 252 ، رقم : 667، بغير هذا اللفظ، والنسائي في السنن 2 : 92 .

والذي وضعته بين القوسين فيما رواه صاحب اللسان ، لأنه في السنن : " كأنها الحذف " ، وفي اللسان أيضًا " كأنها بنات حذف " .

أما المطبوعة فقد ضم الكلام بعضه إلى بعض، مع أنه كان في المخطوطة ، بياض بين "لا يتخللكم" ، وبين "أولاد الحذف" ، وفي الهامش حرف ( ط ) دلالة على الخطأ .

و " الحذف " ضأن سود جرد صغار ، ليس لها آذان ولا أذناب ، يجاء بها إلى الحجاز من جرش اليمن ، واحدتها " حذفة " (بفتحتين)، شبه الشياطين بها .

(39) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص : 86 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(40) "عكمه" و "عكم له" ، هو أن يسوي له الأعدال على الدابة ويشدها.

(41) انظر تفسير "بغى" فيما سلف 13 : 84 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

ثم انظر مثل هذا التفصيل فيما سلف 7 : 53 .

(42) في المطبوعة والمخطوطة: "ولأضعوا أسلحتهم خلالكم بالفتنة" ، وهو لا يفيد معنى، وظني أن "أسلحتهم" هي "بينكم" وهو تفسير "خلالكم" كما مر في أثر قتادة السالف، ولكنه أخر اللفظ الذي فسره وهو "خلالكم".

(43) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "الأزقة"، وهو جمع "زقاق" "بضم الزاي"، وهو الطريق الضيق، دون السكة، وجعل "الأزقة" مفعولا لقوله: "أسرعوا"، غريب، وأخشى أن يكون في الكلام خلل أو تصحيف.

(44) في المطبوعة : "غير منافقين"، وأثبت ما في المخطوطة.

(45) الأثر : 16781 - صدر هذا الخبر مضى برقم : 16770 ، وساقه هنا فيما بعد ، وهو في سيرة ابن هشام 4 : 194 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16762.

(46) انظر تفسير " سماع " فيما سلف 10 : 309.

(47) في المطبوعة: "بما سر المؤمنين"، وفي المخطوطة: "بما سر المؤمنون" ، وصوابها ما أثبت.

(48) انظر تفسير "عليم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم).

(49) انظر تفسير "الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمينقوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا هو تسلية للمؤمنين في تخلف [ ص: 86 ] المنافقين عنهم .

والخبال : الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف .

وهذا استثناء منقطع ، أي ما زادوكم قوة ولكن طلبوا الخبال .

وقيل : المعنى لا يزيدونكم فيما يترددون فيه من الرأي إلا خبالا ، فلا يكون الاستثناء منقطعا .قوله تعالى ولأوضعوا خلالكم المعنى لأسرعوا فيما بينكم بالإفساد .

والإيضاع ، سرعة السير .

وقال الراجز :يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضعيقال : وضع البعير إذا عدا ، يضع وضعا ووضوعا إذا أسرع السير .

وأوضعته حملته على العدو .

وقيل : الإيضاع سير مثل الخبب .

والخلل الفرجة بين الشيئين ، والجمع الخلال ، أي الفرج التي تكون بين الصفوف .

أي لأوضعوا خلالكم بالنميمة وإفساد ذات البين .يبغونكم الفتنة مفعول ثان .

والمعنى يطلبون لكم الفتنة ، أي الإفساد والتحريض .

ويقال : أبغيته كذا أعنته على طلبه ، وبغيته كذا طلبته له .

وقيل : الفتنة هنا الشرك .وفيكم سماعون لهم أي عيون لهم ينقلون إليهم الأخبار منكم .

قتادة : وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم .

النحاس : القول الأول أولى ؛ لأنه الأغلب من معنييه أن معنى سماع يسمع الكلام ، ومثله سماعون للكذب .

والقول الثاني لا يكاد يقال فيه إلا سامع ، مثل قائل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال ‏{‏لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا‏}‏ أي‏:‏ نقصا‏.‏ ‏{‏وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين، ‏{‏يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ‏}‏ أي‏:‏ هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم‏.‏ ‏{‏وَفِيكُمْ‏}‏ أناس ضعفاء العقول ‏{‏سَمَّاعُونَ لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم‏.‏ فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فللّه أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ‏}‏ فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد الناشئة من مخالطتهم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لو خرجوا فيكم ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجهاد لغزوة تبوك ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره على ثنية الوداع ، وضرب عبد الله بن أبي على [ ذي جدة ] أسفل من ثنية الوداع ، ولم يكن بأقل العسكرين ، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب ، فأنزل الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ( لو خرجوا ) يعني المنافقين ( فيكم ) أي معكم ، ( ما زادوكم إلا خبالا ) أي : فسادا وشرا .

ومعنى الفساد : إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر ، ( ولأوضعوا ) أسرعوا ، ( خلالكم ) وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بالنميمة ونقل الحديث من البعض إلى البعض .

وقيل : ( ولأوضعوا خلالكم ) أي : أسرعوا فيما يخل بكم .

( يبغونكم الفتنة ) أي : يطلبون لكم ما تفتنون به ، يقولون : لقد جمع لكم كذا وكذا ، وإنكم مهزومون وسيظهر عليكم عدوكم ونحو ذلك .

وقال الكلبي : يبغونكم الفتنة يعني : العيب والشر .

وقال الضحاك : الفتنة الشرك ، ويقال : بغيته الشر والخير أبغيه بغاء إذا التمسته له ، يعني : بغيت له .

( وفيكم سماعون لهم ) قال مجاهد : معناه وفيكم محبون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم ، وهم الجواسيس .

وقال قتادة : معناه وفيكم مطيعون لهم ، أي : يسمعون كلامهم ويطيعونهم .

( والله عليم بالظالمين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا» فسادا بتخذيل المؤمنين «ولأوضعوا خلالكم» أي أسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة «يبغونكم» يطلبون لكم «الفتنة» بإلقاء العداوة «وفيكم سماعون لهم» ما يقولون سماع قبول «والله عليم بالظالمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لو خرج المنافقون معكم -أيها المؤمنون- للجهاد لنشروا الاضطراب في الصفوف والشر والفساد، ولأسرعوا السير بينكم بالنميمة والبغضاء، يبغون فتنتكم بتثبيطكم عن الجهاد في سبيل الله، وفيكم -أيها المؤمنون- عيون لهم يسمعون أخباركم، وينقلونها إليهم.

والله عليم بهؤلاء المنافقين الظالمين، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - المفاسد المترتبة على خروج المنافقين فى جيش المؤمنين فقال : ( لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ) ، وأصل الخبال .

الاضطراب والمرض الذى يؤثر فى العقل كالجنون ونحوه .

أو هو الاضطراب فى الرأى .أى : لو خرج هؤلاء المنافقون معكم أيها المؤمنون إلى تبوك ما زادوكم شيئاً من الأشياء إلا اضطراباً فى الرأى؛ وفسادا فى العمل ، وضعفا فى القتال ، لأن هذا هو شأن النفوس المريضة التى تكره لكم الخير ، وتحب لكم الشر .قال الآلوسى .

والاستثناء مفرغ متصل ، والمستثنى منه محذوف ، ولا يستلزم أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زاده؛ لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذى وقع منه الاستثناء .وقال أبو حيان : إنه كان فى تلك الغزوة منافقون لهم خبال فلو خرج أيضاً اجتمعوا بهم زاد الخبال ، فلا فساد فى ذلك الاستلزام لو ترتب .وقوله : ( ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ) معطوف على قوله : " ما زادوكم " .

والإِيضاع .

كما يقول القرطبى .

سرعة السير قال الراجز .يا ليتنى فيها جذع ...

أخب فيها وأضعيقال : وضع البعير .

إذا أسرع فى السير ، وأوضعته .

حملته على العدو .والخلل الفرجة بين الشيئين .

والجمع الخلال ، أى : الفرج التى تكون بين الصفوف وهو هنا ظرف مكان بمعنى بين ، ومفعول الإِيضاح محذوف ، أى .

ولأسرعوا بينكم ركائبهم بالوشايات والنمائم والإِفساد .ففى الكلام استعارة تبعية ، حيث شبه سرعة إفسادهم لذات البين بسرعة سير الراكب ، ثم استعير لها الإِيضاع وهو للإِبل وأصل الكلام ولأوضعوا ركائبهم ، ثم حذفت الركائب .وجملة ( يَبْغُونَكُمُ الفتنة ) فى محل نصب على الحال من فاعل ( أوضعوا ) .أى : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا شراً وفساداً ، ولأسرعوا بينكم بالإِشاعات الكاذبة ، والأقوال الخبيثة ، حال كونهم باغين وطالبين لكم الافتتان فى دينكم ، والتشكيك فى صحة عقائدكم ، والتثبيط عن القتال ، والتخويف من قوة أعدائكم ، ونشر الفرقة فى صفوفكم .فالمراد بالفتنة هنا : كل ما يؤدى إلى ضعف المسلمين فى دينهم أو فى دنياهم .وقوله : ( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) بيان لأحوال المؤمنين فى ذلك الوقت .أى .

وفيكم .

فى ذلك الوقت .

يا معشر المؤمنين ، أناس كثيرو السماع لهؤلاء المنافقين ، سريوا الطاعة لما يلقون إليهم من أباطيل .قال ابن كثير .

قوله : ( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) أى : مطيعون لهم ، ومستحسنون لحديثهم وكلامهم ، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم ، فيؤدى إلى وقع شر بين المؤمنين وفساد كبير .وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير ( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) أى : عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم .وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم ، بل هذا عام فى جمع الأحوال .والمعنى الأول أظهر فى المناسبة بالسياق .

وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين .وقال محمد بن إسحاق : كان الذين استأذنوا ، فيما بلغنى ، من ذوى الشرف ، منهم عبد الله بن أبى بن سلول ، والجد بن قيس ، وكانوا أشرافا فى قومهم ، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يرخجوا فيفسدوا عليه جنده .

وكان فى جنده قوم أهل محبة لهم ، وطاعة فيما يدعونه إليه لشرفهم فقال : ( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) .وقوله : ( والله عَلِيمٌ بالظالمين ) تذييل المقصود منه وعيد هؤلاء المنافقين وتهديديهم بسبب ما قدمت أيديهم من مفاسد .أى : والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أحوال هؤلاء الظالمين ، وسيعاقبهم بالعقاب المناسب لجرائمهم ورذائلهم .وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وضحت أن هناك ثلاث مفاسد كانت ستترتب على خروج هؤلاء المنافقين مع المؤمنين إلى تبوك .أما المفسدة الأولى : فهى زيادة الاضطراب والفوضى فى صفوف المجاهدين .وأما المفسدة الثانية : فهى الإِسراع بينهم بالوشايات والنمائم والإِشاعات الكاذبة .وأما المفسدة الثالثة : فهى الحرص على تفريق كلمتهم ، وتشكيكهم فى عقيدتهم .وهذه المفاسد الثلاث ما وجدت فى جيش إلا وأدت إلى انهزامه وفشله .ومن هنا كان تثبيط الله - تعالى - لهؤلاء المنافقين ، نعمة كبرى للمؤمنين .ومن هنا - أيضاً - كانت الكثرة العددية فى الجيوش لا تؤتى ثمارها المرجوة منها ، إلا إذا كانت متحدة فى عقيدتها ، وأهدافها ، واتجاهاتها .

.

أما إذا كانت هذه الكثرة مشتملة على عدد كبير من ضعاف الإِيمان ، فإنها فى هذه الحالة يكون ضرر أكبر من نفعها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنواع المفاسد الحاصلة من خروجهم وهي ثلاثة: الأول: قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الخبال والشر والفساد في كل شيء، ومنه يسمى العته بالخبل، والمعتوه بالمخبول، وللمفسرين عبارات قال الكلبي: إلا شراً، وقال يمان: إلا مكراً، وقيل: إلا غياً، وقال الضحاك: إلا غدراً، وقيل: الخبال الاضطراب في الرأي، وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لقوم أخرين، ليختلفوا وتفترق كلمتهم.

المسألة الثانية: قال بعض النحويين قوله: ﴿ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ من الاستثناء المنقطع وهو أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيراً إلا خبالاً، وهاهنا المستثنى منه غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الأعم والعام هو الشيء، فكان الاستثناء متصلاً، والتقدير: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: إنه تعالى بين في الآية الأولى أنه كره انبعاثهم، وبين في هذه الآية أنه إنما كره ذلك الانبعاث لكونه مشتملاً على هذا الخبال والشر والفتنة، وذلك يدل على أنه تعالى يكره الشر والفتنة والفساد على الإطلاق، ولا يرضى إلا بالخير، ولا يريد إلا الطاعة.

النوع الثاني: من المفاسد الناشئة من خروجهم قوله تعالى: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ وفي الإيضاح قولان نقلهما الواحدي.

القول الأول: وهو قول أكثر أهل اللغة، أن الإيضاع حمل البعير على العدو، ولا يجوز أن يقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.

يقال: وضع البعير إذا عدا وأوضعه الراكب إذا حمله عليه.

قال الفراء: العرب تقول: وضعت الناقة، وأوضع الراكب، وربما قالوا للراكب وضع.

والقول الثاني: وهو قول الأخفش وأبي عبيد أنه يجوز أن يقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً من غير أن يراد أنه وضع ناقته، روى أبو عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر وقال لبيد: أرانا موضعين لحكم غيب *** ونسخو بالطعام وبالشراب أراد مسرعين، ولا يجوز أن يكون يريد موضعين الإبل لأنه لم يرد السير في الطريق، وقال عمر بن أبي ربيعة: تبالهن بالعدوان لما عرفنني *** وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا قال الواحدي: والآية تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد.

واعلم أن على القولين: فالمراد من الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنمائم، فإن اعتبرنا القول الأول كان المعنى: ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم، لأن الراكب أسرع من الماشي، وإن اعتبرنا القول الثاني كان المراد أنهم يسرعون في هذا التضريب.

المسألة الرابعة: نقل صاحب الكشاف عن ابن الزبير أنه قرأ ﴿ ولأوقصوا ﴾ من وقصت الناقة وقصا إذا أسرعت وأوقصتها، وقرئ ولأرفضوا.

فإن قيل: كيف كتب في المصحف ﴿ وَلأَوْضَعُواْ ﴾ بزيادة الألف؟

أجاب صاحب الكشاف بأن الفتحة كانت ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي في ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحتها ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أَولا أذبحنه ﴾ .

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم، ومنه قوله: ﴿ وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَجَاسُواْ خلال الديار  ﴾ وأصله من الخلل، وهو الفرجة بين الشيئين وجمعه خلال، ومنه قوله: ﴿ فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ  ﴾ وقرئ من ﴿ خلله ﴾ وهي مخارج مصب القطر، وقال الأصمعي: تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم وخلالهم.

ويقال: جلسنا خلال بيوت الحي وخلال دورهم أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ أي بالنميمة والإفساد وقوله: ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ أي يبغون لكم، وقال الأصمعي: ابغني كذا أي اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي، سواء، وإذا قال ابغني، فمعناه: أعني على ما بغيته، ومعنى ﴿ الفتنة ﴾ هاهنا افتراق الكلمة وظهور التشويش.

واعلم أن حاصل الكلام هو أنهم لو خرجوا فيهم ما زادوهم إلا خبالاً، والخبال هو الإفساد الذي يوجب اختلاف الرأي وهو من أعظم الأمور التي يجب الاحتراز عنها في الحروب لأن عند حصول الاختلاف في الرأي يحصل الانهزام والانكسار على أسهل الوجوه.

ثم بين تعالى أنهم لا يقتصرون على ذلك بل يمشون بين الأكابر بالنميمة فيكون الإفساد أكثر، وهو المراد بقوله: ﴿ وَلأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ .

فأما قوله: ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ ففيه قولان: الأول: المراد: فيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، وهذا قول مجاهد وابن زيد.

والثاني: قال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم، فإذا ألقوا إليهم أنواعاً من الكلمات الموجبة لضعف القلب قبلوها وفتروا بسببها عن القيام بأمر الجهاد كما ينبغي.

فإن قيل: كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ونيتهم في الجهاد؟

قلنا: لا يمتنع فيمن قرب عهده بالإسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم ولا يمتنع كون بعض الناس مجبولين على الجبن والفشل وضعف القلب، فيؤثر قولهم فيهم، ولا يمتنع أن يكون بعض المسلمين من أقارب رؤساء المنافقين فينظرون إليهم بعين الإجلال والتعظيم، فلهذا السبب يؤثر قول هؤلاء الأكابر من المنافقين فيهم، ولا يمتنع أيضاً أن يقال: المنافقون على قسمين: منهم من يقتصر على النفاق ولا يسعى في الأرض بالفساد، ثم إن الفريق الثاني من المنافقين يحملونهم على السعي بالفساد بسبب إلقاء الشبهات والأراجيف إليهم.

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ والله عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم، وظلموا غيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيرهم في وجوه الآفات والمخالفات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ يعني المنافقين، وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً ﴿ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ عبارة عن التحير، لأنّ التردد ديدن المتحير، كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.

وقرئ: ﴿ عدة ﴾ ، بمعنى عدّته فعل بالعدّة ما فعل بالعدة من قال: وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا من حذف تاء التأنيث، وتعويض المضاف إليه منها.

وقرئ: ﴿ عِدة ﴾ بكسر العين بغير إضافة، و ﴿ عدة ﴾ بإضافة.

فإن قلت: كيف موقع حرف الاستدراك؟

قلت: لما كان قوله: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج ﴾ معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو.

قيل: ﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، كما تقول: ما أحسن إليَّ زيد، ولكن أساء إليّ ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ فكسلهم وخذلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث ﴿ وَقِيلَ اقعدوا ﴾ جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود.

وقيل: هو قول الشيطان بالوسوسة.

وقيل: هو قولهم لأنفسهم.

وقيل: هو إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في القعود.

فإن قلت: كيف جاز أن يوقع الله تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو وهي قبيحة، وتعالى الله عن إلهام القبيح؟

قلت: خروجهم كان مفسدة، لقوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسناً ومصلحة.

فإن قلت: فلم خطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأذن لهم فيما هو مصلحة؟

قلت: لأنّ إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة ولا علمها إلا بعد القفول بإعلام الله تعالى، ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه، فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم ولا يتجوّز في قبولها، فمن ثم أتاه العتاب ويجوز أن يكون في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإذن لهم مع تثبيط الله إياهم مصلحة أخرى، فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة، وذلك أنهم إذا ثبطهم الله فلم ينبعثوا وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت عليهم الحجّة ولم تبق لهم معذرة.

ولقد تدارك الله ذلك حيث هتك أستارهم وكشف أسرارهم وشهد عليهم بالنفاق، وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ مَعَ القاعدين ﴾ ؟

قلت: هو ذمّ لهم وتعجيز، وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف، ويبينه قوله تعالى: ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف ﴾ [التوبة: 87، 93].

﴿ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ليس من الاستثناء المنقطع في شيء كما يقولون لأنَّ الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيراً إلاّ خبالا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعمّ العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلاً؛ لأنّ الخبال بعض أعمّ العام كأن قيل ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً والخبال الفساد والشر ﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين.

يقال: وضع البعير وضعاً إذا أسرع وأوضعته أنا، والمعنى: ولأوضع ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم؛ لأنّ الراكب أسرع من الماشي.

وقرأ ابن الزبير رضي الله عنه: ﴿ ولأرقصوا ﴾ من رقصت الناقة رقصاً إذا أسرعت وأرقصتها قال: وَالرَّاقِصَاتِ إلَى مِنى فَالْغَبْغَبِ وقرئ: ﴿ ولأوفضوا ﴾ فإن قلت: كيف خطّ في المصحف: ولا أوضعوا، بزيادة ألف؟

قلت: كانت الفتحة تكتب إلفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفاً، وفتحتها ألفاً أخرى، ونحو: أو لا أذبحنه.

﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يحاولون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم.

أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم ﴿ وَلَقَدْ ابتغوا الفتنة ﴾ أي العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك وتفريق أصحابك عنك، كما فعل عبد الله بن أبيّ يوم أحد حين انصرف بمن معه وعن ابن جريج رضي الله عنه: وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل غزوة تبوك ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ الامور ﴾ ودبروا لك الحيل والمكايد، ودوَّروا الآراء في إبطال أمرك.

وقرئ: ﴿ وقلبوا ﴾ بالتخفيف ﴿ حتى جَاء الحق ﴾ وهو تأييدك ونصرك ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ الله ﴾ وغلب دينه وعلا شرعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكُمْ ﴾ بِخُرُوجِهِمْ شَيْئًا.

﴿ إلا خَبالا ﴾ فَسادًا وشَرًّا ولا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَهم خَبالٌ حَتّى لَوْ خَرَجُوا زادُوهُ لَأنَّ الزِّيادَةَ بِاعْتِبارِ أعَمِّ العامِّ الَّذِي وقَعَ مِنهُ الِاسْتِثْناءُ، ولِأجْلِ هَذا التَّوَهُّمِ جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مُفَرَّغًا.

﴿ وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ ﴾ ولَأسْرَعُوا رَكائِبَهم بَيْنَكم بِالنَّمِيمَةِ والتَّضْرِيبِ، أوِ الهَزِيمَةِ والتَّخْذِيلِ مِن وضَعَ البَعِيرُ وضَعًا إذا أسْرَعَ.

﴿ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِإيقاعِ الخِلافِ فِيما بَيْنَكم أوِ الرُّعْبِ في قُلُوبِكم، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في « أوْضَعُوا» .

﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ ﴾ ضَعْفَةٌ يَسْمَعُونَ قَوْلَهم ويُطِيعُونَهم، أوْ نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم لِلنَّقْلِ إلَيْهِمْ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ﴾ فَيَعْلَمُ ضَمائِرَهم وما يَتَأتّى مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ} بخروجهم معكم {إِلاَّ خَبَالاً} إلا فساداً وشراً والاستثناء متصل لأن المعنى مازادوكم شيئاً إلا خبالاً والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقولك مازادوكم خيراً إلا خبالاً والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء متصلاً لأن الخبال بعضه {ولأَوْضَعُواْ خلالكم}

ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين يقال وضع البعير وضعاً إذا أسرع وأوضعته أنا والمعنى ولأوضعوا ركائبهم بينكم والمراد الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من الماشي وخط في المصحف وَلاَ أوضعوا بزيادة الألف لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحها ألفاً أخرى ونحوه اولا أذبحنه {يبغونكم} حال من الضمير فى أوضعوا {الفتنة} أي يطلبون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلافة فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم {وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ} أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم {والله عَلِيمٌ بالظالمين} بالمنافقين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ﴾ بَيانٌ لِكَراهَةِ اللَّهِ تَعالى انْبِعاثَهم أيْ لَوْ خَرَجُوا مُخالِطِينَ لَكم ﴿ ما زادُوكُمْ ﴾ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿ إلا خَبالا ﴾ أيْ: شَرًّا وفَسادًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَجْزًا وجُبْنًا، وعَنِ الضَّحّاكِ غَدْرًا ومَكْرًا، وأصْلُ الخَبالِ كَما قالَ الخازِنُ: اضْطِرابٌ ومَرَضٌ يُؤَثِّرُ في العَقْلِ كالجُنُونِ، وفي مُجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ الِاضْطِرابُ في الرَّأْيِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مُتَّصِلٌ والمُسْتَثْنى مِنهُ ما عَلِمْتَ ولا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ لَهم خَبالٌ حَتّى لَوْ خَرَجُوا زادُوهُ لَأنَّ الزِّيادَةَ بِاعْتِبارِ أعَمِّ العامِّ الَّذِي وقَعَ مِنهُ الِاسْتِثْناءُ، وقالَ بَعْضُهم: تَوَهُّمًا مِنهُ لُزُومَ ما ذُكِرَ هو مُفَرَّغٌ مُنْقَطِعٌ والتَّقْدِيرُ ما زادُوكم قُوَّةً وخَيْرًا لَكِنْ شَرًّا وخَبالًا.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المُنْقَطِعَ لا يَكُونُ مُفَرَّغًا وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّهُ مانِعٌ مِنهُ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلَيْهِ كَما إذا قِيلَ: ما أنِيسُكَ في البادِيَةِ؟

فَقُلْتُ: ما لِي بِها إلّا اليَعافِيرُ، أيْ ما لِي بِها أنِيسٌ إلّا ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في وُجُودِ القَرِينَةِ هَهُنا مَقالًا.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ كانَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ لَهم خَبالٌ فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا واجْتَمَعُوا بِهِمْ زادَ الخَبالُ فَلا فَسادَ في ذَلِكَ الِاسْتِلْزامِ لَوْ تَرَتَّبَ ( ﴿ ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ ﴾ ) الإيضاعُ سَيْرُ الإبِلِ يُقالُ: أوْضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ إذا أسْرَعَتْ وأوْضَعْتُها أنا إذا حَمَلْتَها عَلى الإسْراعِ، والخِلالُ جَمْعُ خَلَلٍ وهو الفُرْجَةُ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا بِمَعْنى بَيْنَ ومَفْعُولُ الإيضاعِ مُقَدَّرٌ أيِ النَّمائِمَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتِ النَّمائِمُ بِالرَّكائِبِ في جَرَيانِها وانْتِقالِها، وأثْبَتَ لَها الإيضاعَ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ، والمَعْنى ولَسَعَوْا بَيْنَكم بِالنَّمِيمَةِ وإفْسادِ ذاتِ البَيْنِ.

وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ سُرْعَةَ إفْسادِهِمْ ذاتَ البَيْنِ بِالنَّمائِمِ بِسُرْعَةِ سَيْرِ الرّاكِبِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَها الإيضاعُ وهو لِلْإبِلِ والأصْلُ ولَأوْضَعُوا رَكائِبَ نَمائِمِهِمْ خِلالَكم ثُمَّ حُذِفَ النَّمائِمُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَقِيلَ لَأوْضَعُوا رَكائِبَهم ثُمَّ حُذِفَتِ الرَّكائِبُ، ومَنَعَ الأخْفَشُ في كِتابِ الغاياتِ أنْ يُقالَ: أوْضَعَتِ الرَّكائِبُ ووَضَعَ البَعِيرُ بِمَعْنى أسْرَعَ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ بِدُونِ قَيْدٍ، وجَوَّزَ ذَلِكَ غَيْرُهُ واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ: فَلَمْ أرَ سُعْدى بَعْدَ يَوْمِ لَقِيتُها غَداةً بِها أجْمالُها صاحَ تَوْضَعُ وقُرِئَ ( ولَأرْقَصُوا ) مِن رَقَصَتِ النّاقَةُ إذا أسْرَعَتْ وأرْقَصْتُها ومِنهُ قَوْلُهُ: يا عامُ لَوْ قَدَرَتْ عَلَيْكَ رِماحُنا ∗∗∗ والرّاقِصاتُ إلى مِنًى فالغَبْغَبِ وقُرِئَ ( لَأوْفَضُوا ) والمُرادُ لَأسْرَعُوا أيْضًا يُقالُ: أوْفَضَ واسْتَوْفَضَ إذا اسْتَعْجَلَ وأسْرَعَ والوَفْضُ العَجَلَةُ، وكَتَبَ قَوْلَهُ تَعالى: ( لَأوْضَعُوا ) في الإمامِ بِألِفَيْنِ الثّانِيَةُ مِنهُما هي فَتْحَةُ الهَمْزَةِ والفُتْحَةُ تُرْسَمُ لَها ألِفٌ كَما ذَكَرَهُ الدّانِي، وفي الكَشّافِ كانَتِ الفَتْحَةُ تُكْتَبُ ألِفًا قَبْلَ الخَطِّ العَرَبِيِّ اخْتُرِعَ قَرِيبًا مِن نُزُولِ القُرْآنِ وقَدْ بَقِيَ مِن ذَلِكَ الألِفِ أثَرٌ في الطِّباعِ فَكَتَبُوا صُورَةَ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحَتَها ألِفًا أُخْرى ومِثْلُ ذَلِكَ ﴿ أوْ لأذْبَحَنَّهُ ﴾ ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِإيقاعِ الخِلافِ فِيما بَيْنَكم وتَهْوِيلِ أمْرِ العَدُوِّ عَلَيْكم وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِكم وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الشِّرْكِ أيْ يُرِيدُونَ أنْ تَكُونُوا مُشْرِكِينَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أوْضَعُوا أيْ باغِينَ لَكُمُ الفِتْنَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ﴿ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أيْ نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم لِأجْلِ نَقْلِهِ إلَيْهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ أوْ فِيكم أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعَفَةٌ يَسْمَعُونَ قَوْلَهم ويُطِيعُونَهم كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقَ، وجَماعَةٍ.

واللّامُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ وعَلى الثّانِي لِلتَّقْوِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( ﴿ يَبْغُونَكُمُ ﴾ ) أوْ مِن فاعِلِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِهِما أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ولَعَلَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَكُونُوا في كَمِّيَّةِ العَدَدِ وكَيْفِيَّةِ الفَسادِ بِحَيْثُ يَخِلُّ مَكانُهم فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِأمْرِ الجِهادِ إخْلالًا عَظِيمًا ولَمْ يَكُنْ فَسادُ خُرُوجِهِمْ مُعادِلًا لِمَنفَعَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ عَدَمَ خُرُوجِهِمْ فَخَرَجُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ حَيْثُ كانَ انْضِمامُ المُنافِقِينَ القاعِدِينَ إلَيْهِمْ مُسْتَتْبَعًا لِخَلَلٍ كُلِّيٍّ كَرِهَ اللَّهُ تَعالى انْبِعاثَهم فَلَمْ يَتَسَنَّ اجْتِماعُهم فانْدَفَعَ فَسادُهُمُ.

انْتَهى، والِاحْتِياجُ إلَيْهِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ أظْهَرُ مِنهُ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِأنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، ووَجْهُ العِتابِ عَلى الإذْنِ في قُعُودِهِمْ مَعَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ أنَّهم لَوْ قَعَدُوا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَظَهَرَ نِفاقُهم فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُخالَطَتِهِمْ والسَّعْيِ فِيما بَيْنَهم بِالأراجِيفِ ولَمْ يَتَسَنَّ لَهُمُ التَّمَتُّعُ بِالعَيْشِ إلى أنْ يَظْهَرَ حالُهم بِقَوارِعِ الآياتِ النّازِلَةِ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ﴾ عِلْمًا مُحِيطًا بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الماضِيَةِ والمُسْتَقْبَلَةِ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والتَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ والإشْعارِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الظُّلْمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالظّالِمِينَ الجِنْسُ ويَدْخُلَ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنهم إمّا القاعِدُونَ أوْ هم والسَّمّاعُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ معك إلى الغزو، لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً يعني: اتخذوا لأنفسهم قوة من السلاح.

معناه: إن تركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف.

ثم قال وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ، يعني: لم يرد الله خروجهم معك لجبنهم وسوء نياتهم، فَثَبَّطَهُمْ يعني: حبسهم وأقعدهم عن الخروج، ويقال: ثقلهم عن الخروج، ويقال: جعل حلاوة الجلوس في قلوبهم حتى أقعدهم عن الخروج.

وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ، يعني: ألهموا أو خيّل إليهم القعود مع المتخلفين.

ثم أخبر الله تعالى أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم معهم، بل عليهم مضرة منهم، ثم قال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ يعني: المنافقين لو خرجوا معكم مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، يعني: فساداً، ويقال: شراً وجبنا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، ويقال ساروا بينكم ويقال: والإيضاع في اللغة هو إسراع الإبل، كما قال  حين أفاض من عرفات: «أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، فَإنَّ البِرَّ لَيْسَ فِي إيضَاعِ الإبِلِ وَلا فِي إيجَافِ الخَيْلِ» .

يعني: إن المنافقين لو خرجوا معكم، يسرعون الإبل فيما بينكم ويؤذونكم.

ثم قال: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، يعني: يطلبون منكم الشرك، ويطلبون هزيمتكم وعيوبكم، ويفشون سركم.

وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، يعني: وفي عسكركم عيون وجواسيس للمنافقين، ويقال: وفيكم من يسمع ما يقوله المنافقون ويقبلون منهم.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني: بالمنافقين.

وهذا وعيد لهم، يعني: عَلِيمٌ بعقوبتهم.

ثم قال عز وجل: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، يعني: من قبل غزوة تبوك، لأنهم قصدوا قتل النبيّ  قبل كثرة المؤمنين.

ويقال: طلبوا إظهار الشرك قبل غزوة تبوك وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، يعني: احتالوا في قتلك وفي هلاكك من كل وجه.

ويقال: قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ظهراً لبطن، فانظر كيف يصنعون.

حَتَّى جاءَ الْحَقُّ، يعني: كثر المسلمون ويقال: حتى جاء الحق يعني: الإسلام وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: ظهر دين الله الإسلام.

وَهُمْ كارِهُونَ، يعني: كارهون للإسلام.

قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي، يعني: جد بن قيس كان من المنافقين، حرّضه النبي  على الخروج إلى الغزو، فقال: يا رسول الله، إن قومي يعلمون حرصي على النساء، فأخشى أني لو خرجت وقعت في الإثم، ولا تفتني ببنات الأصفر.

وكان الأصفر رجلاً من الحبش ملك ناحية من الروم، فتزوج رومية، فولدت له بنات اجتمع فيهن سواد الحبش وبياض الروم وكنّ فتنة، فقال جد بن قيس: لا تفتني ببنات الأصفر، فإني أخاف أن لا أصبر وأضع يدي على الحرام، فأذن له النبيّ  بالقعود، فنزل.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يعني: من المنافقين ائْذَنْ لِي في التخلف وَلا تَفْتِنِّي، يعني: ولا توقعني في الفتنة والإثم.

ثم قال الله تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، يعني: ألا في الكفر والنفاق وقعوا.

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ، يعني: جعلت جهنم للكافرين، وهو جد بن قيس ومن تابعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، يريد: في استئذانك، وأنك لو لم تأذن لهم، خرجوا معك.

وقوله: وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ، أي: بمخالفتكَ، لَوْ لم تأذن لأنهم عَزَمُوا على العِصْيَان، أذنتَ لهم أو لم تأذن، وقال الطبريُّ: معناه: حتى تعلم الصَّادقين في أَنَّ لهم عُذْراً، والكاذبين، في أن لا عُذْرَ لهم، والأول أصْوبُ، واللَّه أعلم، وأمَّا قوله سبحانه:

في سورة النور: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ...

[النور: ٦٢] الآية، ففي غزوة الخندَقِ نزلت: وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ، أي: شكّت ويَتَرَدَّدُونَ، أي: يتحيَّرون إِذ كانوا تخطر لهم صِحَّة أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحياناً، وأنه غير صحيحٍ أحياناً، فهم مذبذبُونَ.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، أيْ: لو أرادوا الخروجَ بنيَّاتهم، لنظروا في ذلك واستعدوا له.

وقوله: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ.

ص: ولكِنْ: أصلها أَن تقع بَيْنَ نقيضَيْن أَو ضِدَّيْنِ، أَوْ خَلافَيْن، على خلاف فيه.

انتهى.

وانْبِعاثَهُمْ: نفوذَهُمْ لهَذِهِ الغزوة، والتثبيطُ: التَّكْسِيلُ وكَسْر العزم.

وقوله سبحانه: وَقِيلَ اقْعُدُوا، يحتمل أنْ يكون حكايةً عن اللَّه، أي: قال اللَّه في سابق قضائِهِ: اقعدوا مع القاعدين، ويحتملُ أنْ يكون حكايةً عنهم، أي: كانَتْ هَذِهِ مقالَةَ بَعْضِهِمْ لبعضٍ، ويحتملُ أنْ يكون عبارةً عن إذن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لهم في القعود، أيْ: لما كره اللَّه خروجهم، يَسَّر أَنْ قلْتَ لهم: اقعدوا مع القاعدين، والقعودُ هنا: عبارةٌ عن التخلُّفِ، وكراهيةُ اللَّهِ انبعاثهم: رِفْقٌ بالمؤمنين.

وقوله سبحانه: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا الخبالُ: الفسادُ في الأشياء المؤتَلِفة كالمودات، وبَعْضِ الأجرامِ، لَأَوْضَعُوا معناه: لأسرعوا السّير،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ ﴾ يَعْنِي المُسْتَأْذِنِينَ لَهُ في القُعُودِ.

وَفِي المُرادِ بِالعُدَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النِّيَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: السِّلاحُ، والمَرْكُوبُ، وما يَصْلُحُ لَلْخُرُوجِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ.

والتَّثَبُّطُ: رَدُّكَ الإنْسانَ عَنِ الشَّيْءِ يَفْعَلُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا ﴾ في القائِلِ لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ أُلْهِمُوا ذَلِكَ خُذْلانًا لَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ  قالَهُ غَضَبًا عَلَيْهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَبَعْضٍ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

وَفِي المُرادِ بِالقاعِدِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ القاعِدُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ القاعِدُونَ بِعُذْرٍ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَقالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَ كَرِهَ خُرُوجَهم، فَقالَ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ﴾ والخَبالُ: الفَسادُ وذَهابُ الشَّيْءِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَبالُ: الشَّرُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَأنَّ الصَّحابَةَ كانَ فِيها خَبالٌ حَتّى قِيلَ: (ما زادُوكُمُ إلّا خَبالًا)؟

فالجَوابُ: أنَّهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، والمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً، لَكِنْ أوْقَعُوا بَيْنَكم خَبالًا.

وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا خَرَجَ، ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وخَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى أسْفَلِ مِن ذَلِكَ؛ فَلَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ  ، تَخَلَّفَ ابْنُ أُبَيٍّ فِيمَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإيضاعُ: السَّيْرُ بَيْنَ القَوْمِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم، وأصْلُهُ مِنَ التَّخَلُّلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أوْضَعْتُ في السَّيْرِ: أسْرَعْتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم.

وفي الفِتْنَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الكُفْرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، وشَتاتُ الكَلِمَةِ.

قالَ الحَسَنُ: لَأوْضَعُوا خِلالَكم بالنَّمِيمَةِ لَإفْسادِ ذاتِ بَيْنِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عُيُونٌ يَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويُطِيعُهم، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَنُصُّ عَلى أنَّ المُسْتَأْذِنِينَ إنَّما هم مُخْلَصُونَ لِلنِّفاقِ، ﴿ وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: شَكَّتْ، والرَيْبُ نَحْوُ الشَكِّ، ويَتَرَدَّدُونَ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ولا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى، ومِن هَذِهِ الآيَةِ نَزَعَ أهْلُ الكَلامِ في حَدِّ الشَكِّ أنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والصَوابُ في حَدِّهِ أنَّهُ تَوَقُّفٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والتَرَدُّدُ في الآيَةِ إنَّما هو في رَيْبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، إذْ كانُوا تَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ النَبِيِّ  أحْيانًا، وأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أحْيانًا، ولَمْ يَكُونُوا شاكِّينَ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَّضِحُ لَهم لَوْ طَلَبُوهُ، بَلْ كانُوا مُذَبْذَبِينَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ كالشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنْمَيْنِ، وأيْضًا فَبَيْنَ الشَكِّ والرَيْبِ فَرْقٌ ما، وحَقِيقَةُ الرَيْبِ إنَّما هو الأمْرُ يَسْتَرِيبُ بِهِ الناظِرُ، فَيَخْلِطُ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ، ورُبَّما أدّى إلى شَكٍّ وحَيْرَةٍ، ورُبَّما أدّى إلى عِلْمِ النازِلَةِ الَّتِي هو فِيها، ألا تَرى أنَّ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: كَأنِّي أرَبْتُهُ بِرَيْبِ لا يَتَّجِهُ أنْ يُفَسَّرَ بِشَكٍّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في سُورَةِ النُورِ، وأسْنَدَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّهُما قالا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ : مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النُورِ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ  ﴾ إلى ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَلَطٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ ﴾ الآيَةُ، حُجَّةٌ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ بِنِيّاتِهِمْ، لَنَظَرُوا في ذَلِكَ واسْتَعَدُّوا لَهُ قَبْلَ كَوْنِهِ.

والعُدَّةُ: ما يُعَدُّ لِلْأمْرِ ويُرْوى لَهُ مِنَ الأشْياءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عُدَّةً" بِضَمِّ العَيْنِ وتاءِ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "عُدَّهُ" بِضَمِّ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، يُرِيدُ: "عُدَّتَهُ" فَحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لَمّا أضافَ، كَما قالَ: "وَإقامِ الصَلاةِ" يُرِيدُ: "وَإقامَةِ الصَلاةِ"، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وضَعَّفَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: إنَّما حَذَفَ تاءَ التَأْنِيثِ وجَعَلَ هاءَ الضَمِيرِ عِوَضًا مِنها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ "عُدَّةٌ" عَلى "عُدٍّ" كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَّدَ ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ، وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى عنهُ أبانُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "عِدَّهُ" بِكَسْرِ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذِبْحِ والقِتْلِ، لِأنَّ العَدُوَّ سُمِّيَ قِتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ، هَذا في مُعْتَقَدِ العَرَبِ حِينَ سَمَّتْهُ.

وانْبِعاثَهم نُفُوذَهم لِهَذِهِ الغَزْوَةِ، والتَثْبِيطُ: التَكْسِيلُ وكَسْرُ العَزْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَقِيلَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عَنِ اللهِ تَعالى، أيْ: قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في سابِقِ قَضائِهِ: ﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عنهُمْ، أيْ: كانَتْ هَذِهِ مَقالَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، فَحُكِيَ في هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَقْتَضِي لَهم مَذَمَّةً، إذِ القاعِدُونَ النِساءُ والأطْفالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إذْنِ مُحَمَّدٍ  في القُعُودِ، أيْ: لَمّا كَرِهَ اللهُ خُرُوجَهم يَسَّرَ أنْ قُلْتَ لَهُمْ: ﴿ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ، والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَخَلُّفِ والتَراخِي كَما هو في قَوْلِ الشاعِرِ: ...............................

∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطاعِمُ الكاسِي وَلَيْسَ لِلْهَيْئَةِ في هَذا كُلِّهِ مَدْخَلٌ، وكَراهِيَةُ اللهِ انْبِعاثَهم رِفْقٌ بِالمُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ﴾ الآيَةُ...

خَبَرٌ بِأنَّهم لَوْ خَرَجُوا لَكانَ خُرُوجُهم مَضَرَّةً، وقَوْلُهُ: "إلّا خَبالًا" اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ مَن قَدَّرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ  خَبالٌ فَيَزِيدُ المُنافِقُونَ فِيهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةَ لَكِنْ خَبالًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللهِ  في غَزْوَةِ تَبُوكَ كانَ فِيهِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ ولَهم لا مَحالَةَ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ، لالتَأمُوا مَعَ الخارِجِينَ فَزادَ الخَبالُ، والخَبالُ: الفَسادُ في الأشْياءِ المُؤْتَلِفَةِ المُلْتَحِمَةِ كالمَوَدّاتِ وبَعْضِ الأجْرامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا يَدًا مَخْبُولَةَ العَضُدِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما زادَكُمْ" بِغَيْرِ واوٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَأوضَعُوا" ومَعْناهُ: لَأسْرَعُوا السَيْرَ.

و"خِلالَكُمْ" مَعْناهُ: فِيما بَيْنَكم مِن هُنا إلى هُنا لِسَدِّ المَوْضِعِ الخَلَّةِ بَيْنَ الرَجُلَيْنِ، والإيضاعُ: سُرْعَةُ السَيْرِ، وقالَ الزَجّاجُ: "خِلالَكُمْ" مَعْناهُ: فِيما يُخِلُّ بِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وماذا يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ  ﴾ ، وقَرَأ مُجاهِدٌ فِيما حَكى النَقّاشُ عنهُ: "وَلَأوفَضُوا"، وهو بِمَعْنى الإسْراعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ  ﴾ ، وحُكِيَ عَنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ: "وَلَأرْفَضُوا"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ مِن "رَفَضَ البَعِيرُ" إذا أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفَضًا ورَفَضانًا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في قَعْرِها ∗∗∗ ∗∗∗ رَفَضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ ووَقَعَتْ "وَلا أوضَعُوا" بِألِفٍ بَعْدَ "لا" في المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ وقَعَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو لأذْبَحَنَّهُ  ﴾ ، قِيلَ: وذَلِكَ لِخُشُونَةِ هِجاءِ الأوَّلِينَ، قالَ الزَجّاجُ: وإنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ لِأنَّ الفَتْحَةَ في العِبْرانِيَّةِ وكَثِيرٌ مِنَ الألْسِنَةِ تَكْتُبُ ألِفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَمْطُلَ حَرَكَةُ اللامِ فَيَحْدُثُ بَيْنَ اللامِ والهَمْزَةِ الَّتِي مِن "أوضَعَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ النَقّاشُ: بِناءُ المُبالِغَةِ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ.

وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: وفِيكم مُطِيعُونَ سامِعُونَ لَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ تَوَعُّدٌ لَهم ولِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لجملة ﴿ كره الله انبعاثهم فثبطهم ﴾ [التوبة: 46] لبيان الحكمة من كراهية الله انبعاثَهم، وهي إرادة الله سلامة المسلمين من أضرار وجود هؤلاء بينهم، لأنّهم كانوا يضمرون المكر للمسلمين فيخرجون مرغمين، ولا فائدة في جيش يغزو بدون اعتقاد أنّه على الحقّ، وتعدية فعل (الخروج) بفي شائعة في الخروج مع الجيش.

والزيادة: التوفير.

وحذف مفعول ﴿ زادوكم ﴾ لدلالة الخروج عليه، أي ما زادوكم قوة أو شيئاً ممّا تفيد زيادته في الغزو نصراً على العدوّ، ثم استُثني من المفعول المحذوف الخبالُ على طريقة التهكّم بتأكيد الشيء بما يشبه ضده فإنّ الخبال في الحرب بعض من عدم الزيادة في قوة الجيش، بل هو أشدّ عدماً للزيادة، ولكنّه ادّعي أنّه من نوع الزيادة في فوائد الحرب، وأنّه يجب استثناؤه من ذلك النفي، على طريقة التهكّم.

والخبال: الفساد، وتفكّك الشيء الملتحم الملتئم، فأطلق هنا على اضطراب الجيش واختلال نظامه.

وحقيقة ﴿ أوضعوا ﴾ أسرعوا سير الرِّكاب.

يقال: وضع البعيرُ وضعاً، إذا أسرع ويقال: أوضعتُ بعيري، أي سيّرته سيراً سريعاً.

وهذا الفعل مختصّ بسير الإبل فلذلك يُنزَّل فعل أوضع منزلة القاصر لأنّ مفعوله معلوم من مادّة فعله.

وهو هنا تمثيل لحالة المنافقين حين يبذلون جهدهم لإيقاع التخاذل والخوف بين رجال الجيش، وإلقاء الأخبار الكاذبة عن قوّة العدوّ، بحال من يُجهد بعيره بالسير لإبلاغ خبر مهمّ أو إيصال تجارة لسوق، وقريب من هذا التمثيل قوله تعالى: ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ [الإسراء: 5] وقوله: ﴿ وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان ﴾ [المائدة: 62].

وأصله قولهم: يسعى لكذا، إلاّ أنّه لمّا شاع إطلاق السعي في الحرص على الشيء خفيت ملاحظة تمثيل الحالة عند إطلاقه لكثرة الاستعمال فلذلك اختير هنا ذكر الإيضاع لعزّة هذا المعنى، ولما فيه من الصلاحية لتفكيك الهيئة بأن يُشبه الفاتنون بالرَّكب، ووسائلُ الفتنة بالرواحل.

وفي ذكر ﴿ خلالكم ﴾ ما يصلح لتشبيه استقرائهم الجماعات والأفراد بتغلغل الرواحل في خلال الطرق والشعاب.

والخلال: جمع خَلَل بالتحريك.

وهو الفرجة بين شيئين واستعير هنا لمعنى بينَكم تشبيهاً لجماعات الجيش بالأجزاء المتفرّقة.

وكتب كلمة ﴿ ولاَ أوضعوا ﴾ في المصحف بألف بعد همزة أوضعوا التي في اللام ألف بحيث وقع بعد اللام ألفان فأشبهت اللامُ ألف لا النافية لفعل ﴿ أوضعوا ﴾ ولا ينطق بالألف الثانية في القراءة فلا يقع التباس في ألفاظ الآية.

قال الزجاج: وإنّما وقعوا في ذلك لأنّ الفتحة في العبرانية وكثير من الألسنة تكتب ألفاً.

وتبعه الزمخشري، وقال ابن عطية: «يحتمل أن تُمطل حركة اللام فتحدث ألف بين اللام والهمزة التي من أوضع، وقيل: ذلك لخشونة هجاء الأوّلين»، يعني لعدم تهذيب الرسم عند الأقدمين من العرب.

قال الزمخشري: ومثلَ ذلك كتبوا ﴿ لا اذبحنّه ﴾ في سورة النمل (21) قلت: وكتبوا ﴿ لأعذّبنه ﴾ [النمل: 21] بلام ألف لا غير وهي بلصق كلمة ﴿ أوْ لأذبحنّه ﴾ [النمل: 21]، ولا في نحو ﴿ وإذاً لاتخذوك خليلاً ﴾ [الإسراء: 73] فلا أراهم كتبوا ألفاً بعد اللام ألف فيما كتبوها فيه إلاّ لمقصد، ولعلّهم أرادوا التنبيه على أنّ الهمزة مفتوحة وعلى أنّها همزة قطع.

وجملة ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ [التوبة: 46] العائد على الذين لا يؤمنون بالله في قوله تعالى: ﴿ إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 45] المرادِ بهم المنافقون كما تقدّم.

وبغى يتعدّى إلى مفعول واحد لأنّه بمعنى طلب، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ في سورة آل عمران (83).

وعدّي يبغونكم } إلى ضمير المخاطبين هنا على طريقة نزع الخافض، وأصله يبغون لكم الفتنة.

وهو استعمال شائع في فعل بغي بمعنى طلب.

والفتنة: اختلال الأمور وفساد الرأي، وتقدّمت في قوله: ﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ في سورة المائدة (71).

وقوله: وفيكم سماعون لهم } أي في جماعة المسلمين، أي من بين المسلمين ﴿ سماعون لهم ﴾ فيجوز أن يكون هؤلاء السماعون مسلمين يصدقون ما يسمعونه من المنافقين.

ويجوز أن يكون السماعون منافقين مبثوثين بين المسلمين.

وهذه الجملة اعتراض للتنبيه على أنّ بغيهم الفتنةَ أشدّ خطراً على المسلمين لأنّ في المسلمين فريقاً تنطلي عليهم حيلهم، وهؤلاء هم سذج المسلمين الذين يعجبون من أخبارهم ويتأثّرون ولا يبلُغون إلى تمييز التمويهات والمكائد عن الصدق والحقّ.

وجاء ﴿ سماعون ﴾ بصيغة المبالغة للدلالة على أنّ استماعهم تامّ وهو الاستماع الذي يقارنه اعتقاد ما يُسمع كقوله: ﴿ سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ﴾ [المائدة: 41] وعن الحسن، ومجاهد، وابن زيد: معنى ﴿ سماعون لهم ﴾ ، أي جواسيس يستمعون الأخبار وينقلونها إليهم، وقال قتادة وجهور المفسّرين: معناه وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم، قال النحاس الاغلب أن معنى سماع يسمع الكلام ومثله ﴿ سماعون للكذب ﴾ [المائدة: 41].

وأمّا من يَقبل ما يسمعه فلا يكاد يقال فيه إلاّ سَامع مثل قائِل.

وجيء بحرف (في) من قوله: ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ الدالّ على الظرفية دون حرف (من) فلم يقل ومنكم سمّاعون لهم أو ومنهم سماعون، لئلا يتوهّم تخصيص السماعين بجماعة من أحد الفريقين دون الآخر لأنّ المقصود أنّ السماعين لهم فريقان فريق من المؤمنين وفريق من المنافقين أنفسهم مبثوثون بين المؤمنين لإلقاء الأراجيف والفتنة وهم الأكثر فكان اجتلاب حرف (في) إيفاء بحقّ هذا الإيجاز البديع ولأنّ ذلك هو الملائم لمحملي لفظ ﴿ سماعون ﴾ فقد حصلت به فائدتان.

وجملة ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ تذييل قصد منه إعلام المسلمين بأنّ الله يعلم أحوال المنافقين الظالمين ليكونوا منهم على حذر، وليتوسّموا فيهم ما وسمهم القرآن به، وليعلموا أنّ الاستماع لهم هو ضرب من الظلم.

والظلم هنا الكفر والشرك ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صِدْقُ العَزْمِ ونَشاطُ النَّفْسِ.

والثّانِي: الزّادُ والرّاحِلَةُ في السَّفَرِ، ونَفَقَةُ الأهْلِ في الحَضَرِ.

﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ ﴾ وإنَّما كَرِهَ انْبِعاثَهم لِوُقُوعِ الفَشَلِ بِتَخاذُلِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ.

﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ القاعِدِينَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: مَعَ القاعِدِينَ بِعُذْرٍ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، غَضَبًا عَلَيْهِمْ، لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنهم.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ﴾ يَعْنِي اضْطِرابًا حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

والثّانِي: فَسادًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَمْ يَكُونُوا في خَبالٍ فَيَزْدادُوا بِهَؤُلاءِ الخارِجِينَ خَبالًا.

قِيلَ هَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وتَقْدِيرُهُ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ أوْقَعُوا بَيْنَكم خَبالًا.

﴿ وَلأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ أمّا الإيضاعُ فَهو إسْراعُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: يا لَيْتَنِي فِيها جِذْعٌ أخُبُّ فِيها وأضَعْ وَأمّا الخِلالُ فَهو مِن تَخَلَّلَ الصُّفُوفَ وهي الفُرَجُ تَكُونُ فِيها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « (تَراصُّوا في الصُّفُوفِ ولا يَتَخَلَّلَكم، كَأوْلادِ الحَذْفِ» يَعْنِي الشَّياطِينَ والخِلالُ هو الفَسادُ، وفِيهِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأسْرَعُوا في إفْسادِكم.

والثّانِي: لَأوْضَعُوا الخَلَفَ بَيْنَكم.

وَفي الفِتْنَةِ الَّتِي يَبْغُونَها وجْهانِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ.

والثّانِي: اخْتِلافُ الكَلِمَةِ وتَفْرِيقُ الجَماعَةِ.

﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وفِيكم مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويُطِيعُهم، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: وفِيكم عُيُونٌ مِنكم يَنْقُلُونَ إلى المُشْرِكِينَ أخْبارَكم، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ قال: خروجهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فثبطهم ﴾ قال: حبسهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك، سأل الله عنها نبيه والمؤمنين فقال: ما يحزنكم ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ يقول: جمع لكم وفعل وفعل يخذلونكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ قال: لأسرعوا بينكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ قال: لارفضوا ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ قال: يبطئنكم عبدالله بن نبتل، وعبدالله بن أبي ابن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال: محدثون بأحاديثهم غير منافقين، هم عيون للمنافقين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال: مبلغون.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن الحسن البصري قال: كان عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد بن تابوت، من عظماء المنافقين وكانوا ممن يكيد الإِسلام وأهله، وفيهم أنزل الله تعالى ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور ﴾ إلى آخر الآية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ أي شراً وفساداً ﴿ ولأَوْضَعُواْ ﴾ أي أسرعوا السير، والإيضاع سرعة السير، والمعنى أنهم يسرعون للفساد والنميمة ﴿ خلالكم ﴾ أي بينكم ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ أي يحاولون أن يفتنوكم ﴿ سماعون لَهُمْ ﴾ وقيل: يسمعون أخبارهم وينقلونها إليهم ﴿ لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ ﴾ أي طلبوا الفساد، وروى أنها نزلت في عبد الله بن أبي سلول وأصحابه من المنافقين ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور ﴾ أي دبروها من كل وجه، فأبطل الله سعيهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وكلمة الله ﴾ بالنصب: يعقوب.

الباقون: بالرفع.

الوقوف: ﴿ إلى الأرض ﴾ ط ﴿ من الآخرة ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ معنا ﴾ ج لعطف ﴿ أنزل ﴾ على ﴿ نصره ﴾ مع عوارض الظروف.

﴿ السفلى ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ وكلمة ﴾ بالنصب ﴿ العليا ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ الشقة ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ أنفسهم ﴾ ج لواو الابتداء والحال.

﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ عنك ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى.

﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ بالمتقين ﴾ ه ﴿ يتردّدون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ الفتنة ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا تفتني ﴾ ط ﴿ سقطوا ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم.

عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه  لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات.

روي أن رسول الله  ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة.

أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير.

وأصل ﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم كما قلنا في ﴿ فادّارأتم  ﴾ ومعناه تبأطاتم.

وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله ﴿ أخلد إلى الأرض  ﴾ أي مال إلى الدنيا وشهواتها.

وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها.

ومعنى الاستفهام في ﴿ مالكم ﴾ الإنكار.

وقرىء ﴿ أثاقلتم ﴾ على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله.

ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في ﴿ مالكم ﴾ من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل كقوله ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً.

﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ﴾ أي في جنبها وفي مقابلها.

﴿ إلا قليل ﴾ ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي.

والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿ إلا تنفروا ﴾ ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قيل: هو عذاب الدنيا.

عن استنفرهم رسول الله  فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر.

وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.

وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به.

وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين.

الثانية قوله ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع.

قيل: هم أهل اليمن.

عن أبي روق.

وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير.

وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة.

وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق.

الثالثة قوله ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء.

وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة.

وفي قوله ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان.

عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة  ﴾ والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله  فلم ينفروا فلا نسخ.

قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم.

وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله  ﴿ مالكم إذا قيل لكم ﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول.

ومن قال إن الضمير في قوله ﴿ لا يضروه ﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.

ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وهذا كالتفسير لما تقدم.

والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد.

وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك.

وقوله ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و ﴿ ثاني اثنين ﴾ نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما.

وقوله ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من إذ أخرجه و ﴿ إذ يقول ﴾ بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة.

واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله  فنزل ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ فأمره الله  أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار.

فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟

فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول  .

فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله  فقال  : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله  فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال  : ما ظنك باثنين الله ثالثهما!

وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله  : اللهم أعم أبصارهم.

فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه.

استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله  في الغار وفي العلم لقوله "ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر" .

وفي الدعوة إلى الله لأنه  عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول  في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله  ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله  في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر.

وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر.

وقوله ﴿ لا تحزن ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده.

ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله  ﴿ إذ يقول لصاحبه ﴾ أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  ﴾ وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن.

وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله  للكافر ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك  ﴾ وكما احتمل أن يقال إنه  استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه.

ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ.

سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي  على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس.

أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟!

والصحبة في قوله ﴿ قال له صاحبه ﴾ مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله ﴿ أكفرت ﴾ وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل.

واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما.

والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً.

وروي أن جبريل  أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله  وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد.

وكون حزنه معصية معارض بقوله  لموسى ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى  ﴾ وقول الملائكة لإبراهيم ﴿ لا تخف وبشروه  ﴾ ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي  على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً  ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ  ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو.

ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله ﴿ لا تحزن ﴾ ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن.

واعترض بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ عطف على ﴿ فأنزل ﴾ فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود.

وأجيب بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ معطوف على قوله ﴿ فقد نصره ﴾ والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي  أيضاً من حيث البشرية كقوله ﴿ وزلزلوا  ﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ﴿ فأنزل ﴾ معطوفاً على نصره.

والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله  ﴾ وقوله ﴿ وجعل ﴾ يعني يوم بدر وسائر الوقائع ﴿ كلمة الذين كفروا ﴾ وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام ﴿ السفلى وكلمة الله ﴾ وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله ﴿ هي العليا ﴾ وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم.

قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا.

ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟

قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب.

ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها.

قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله  : أعليّ أن أنفر؟

قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله ﴿ ليس على الأعمى حرج  ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك.

فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه.

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر.

فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات.

وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله  وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى  ﴾ الآية.

وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه  خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات.

فمن أمره الرسول  بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى.

ثم قال ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء.

﴿ ذلكم خير لكم ﴾ يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل.

وإنما قال ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق.

ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه.

والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده.

والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة.

وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿ لاتبعوك ﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.

ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً.

و ﴿ بالله ﴾ متعلق بـ ﴿ سيحلفون ﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿ لو استطعنا ﴾ وقوله ﴿ لخرجنا ﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً.

قيل: في الآية دلالة على أن قوله ﴿ انفروا ﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف.

قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله  ، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل.

وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟

قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى.

وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن.

وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه.

فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال.

ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال.

قال في الكشاف ﴿ يهلكون ﴾ بدل من ﴿ سيحلفون ﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿ خرجنا ﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة.

وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم.

حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية.

قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله  أعلم.

ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإن العفو يستدعي سابقة الذنب.

وبقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو.

قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى.

فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون.

والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى.

وقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي.

وبعد حصول العفو من الله  يستحيل أن يكون قوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.

قال كثير من العلماء:في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه  أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله  ﴾ ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله "ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور.

قال قتادة.

عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم  ﴾ .

قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم.

ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ﴾ أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي  في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك.

ألا ترى أن علي بن أبي طالب  لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" .

وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود.

وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم.

ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال ﴿ إنما يستأذنك ﴾ الآية.

وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله  ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين.

ومعنى قوله ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين.

وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد.

وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.

قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً.

ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف.

قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة.

﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي انطلاقهم ﴿ فثبطهم ﴾ والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به.

ومعنى الاستدراك أن قوله ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله  صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ.

ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك.

وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح.

ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟

والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم.

ومما يوهم أنه  أذن لهم في الخروج قوله  في هذه السورة ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿ سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم  ﴾ إلى قوله ﴿ قل لن تتبعونا  ﴾ وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول  إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم.

قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه  موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة.

قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء.

وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل.

ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟

وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً.

أما قوله ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿ اقعدوا مع القاعدين ﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم.

ومعنى قوله ﴿ مع القاعدين ﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت.

﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال المفسرون: لما خرج رسول الله  ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله  تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف.

والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً.

وقال سلمان إلا مكراً.

وقال الضحاك: إلا غدراً.

وقيل: إلا خبثاً.

وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم.

قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر.

وفيه دليل على أنه  لا يريد إلا الخير والصلاح.

ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول.

واعلم أنه  عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ﴿ ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ الثاني: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ﴾ قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أو لأذبحنه  ﴾ في النمل ﴿ لأتوها  ﴾ في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن.

وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو.

وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم.

وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.

ومنه ما روي أن النبي  أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع.

قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد.

وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي.

ومعنى ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم.

والخلل الفرجة فيما بين الشيئين.

و ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم.

قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي.

ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون.

فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض.

وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم.

وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة.

واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟

وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.

ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك.

قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي  .

وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي  مع أصحابه.

ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد.

ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد ﴿ حتى جاء الحق ﴾ الذي هو القرآن ﴿ وظهر أمر الله ﴾ غلب دينه وشرعه ﴿ وهم كارهون ﴾ رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم.

ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره  ﴾ ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود ﴿ ولا تفتني ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.

احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد.

وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.

وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي  وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية.

فقال رسول الله  لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان.

فقال النبي  : وأي داء أدوى من البخل؟

بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار.

التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها.

﴿ إلا تنفروا ﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿ إلا تنصروه ﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول.

﴿ ثاني اثنين ﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿ إذ هما في ﴾ غار العدم.

﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه ﴿ انفروا ﴾ أيها الطلاب ﴿ خفافاً ﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿ وثقالاً ﴾ متلبسين بها، أو ﴿ خفافاً ﴾ مجذوبين بالعناية ﴿ وثقالاً ﴾ سالكين بالهداية ﴿ وجاهدوا ﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس.

وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال.

والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿ لو كان ﴾ مطلوبك يا محمد ﴿ عرضاً قريباً ﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى.

﴿ وسيحلفون ﴾ يعني أرباب النفوس ﴿ لخرجنا معكم ﴾ يا أهل القلوب.

﴿ عفا الله عنك ﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ {الفتح: 2] ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿ لأعدوا له عدة ﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿ فثبطهم ﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿ حتى جاء الحق ﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وهو التكليف ﴿ ومنهم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ من يقول ﴾ وهو الهوى ﴿ ائذن لي ﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ ولا تفتني ﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني.

وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿ وإن جهنم ﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ : أي: غنيمة قريبة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ : في غزاتك: ﴿ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ﴾ يعني: المسير.

وقيل: العرض: الدنيا، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ : ليس فيه مشقة.

وأصل قوله: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ أي: منافع حاضرة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ أي: منافع غائبة، والعرض: هو المنافع؛ يقول: لو كانت لهم منافع حاضرة أو منافع غير حاضرة، لاتبعوك فيما استتبعتهم؛ لأن عادتهم اتباع المنافع، يعني: المنافقين؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ أخبر أنهم يعبدون الله على حرف، وهو ما ذكر: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ  ﴾ فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع، وإليها يميلون، وأما المؤمنون [فإنهم] يعبدون الله في كل حال: في حال السعة، وفي حال الضيق، ويتبعون رسول الله، ولا يفارقونه، كانت لهم منافع أو لم تكن، أصابتهم مشقة أولا، هم لا يفارقون رسول الله  على كل حال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: لو كان لنا ظهر وسلاح لخرجنا معكم، ولو كان [لنا] زاد وما نشتري ما نحارب به لخرجنا معكم.

ثم أخبر أن لهم استطاعة على ذلك، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

وقالت المعتزلة: دل قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أن الاستطاعة تتقدم الفعل؛ لأنه أخبر أنهم كاذبون فيما يقولون: إنه ليس معنا ما ننفق وما نشتري به السلاح.

لكنا نقول: إن الاستطاعة على وجهين: استطاعة الأسباب، والأحوال.

واستطاعة الأفعال، واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم، وهذه الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

ومن قولهم أيضاً: إن استطاعة الأفعال لا تبقي أوقاتاً، ثم إن هذه أخبر أنها كانت باقية أوقاتاً؛ دل أنها هي استطاعة الأسباب والأحوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .

قيل: يهلكون أنفسهم بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون.

وقيل: يهلكون أنفسهم بتركهم الخروج؛ لأنهم يقتلون إذا تركوا الخروج؛ كقوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ...

﴾ الآية [الأحزاب: 61].

ويحتمل: يهلكون أنفسهم في الآخرة بنفاقهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ بالتخلف.

﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ ، أي: يطلعك الله على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلف.

إو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك؛ وإن لم تأذن لهم، والذين صدقوا لا يفارقونك، فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء [المؤمنين].

وفي قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ﴾ دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر.

وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر، لم يكن ليعاتبه على الإذن، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم إنما يستأذنونه بالقعود للعذر.

فإن قيل: كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ  ﴾ .

قيل: يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن؛ إذ به يتبين [له] الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات الرسالة، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ تعليم من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضاً، ليس على العتاب.

ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - بهذه الآية؛ لأنه بدأ بذكر العفو، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب، لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية.

أي: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر، إنما يستأذنونك لعذر ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ بالقعود لغير عذر.

﴿ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

أي: عن شكهم يترددون.

وعن الحسن قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

نسختها الآية التي في سورة النور: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ .

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه ذكر أن سورة التوبة من آخر ما نزل.

أو أنهم إذا كانوا في أمر جامع لم يذهبوا إلا بعد الاستئذان؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين في الأمور الجامعة، وأما في الخلوات فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا في غزوة تبوك؛ على ما قاله أهل التأويل، أمروا بالخروج والتأهب للغزو فعزموا ألا يخرجوا، فعوتبوا على ذلك.

ويحتمل أن يكون في جميع الغزاة عزموا واعتقدوا ألا يخرجوا، ولا يتأهبوا له قط، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، فأكذبهم الله -  - أنهم كذبة، وأنهم أغنياء، لكنهم عزموا ألا يخرجوا، ولا يعدوا له عدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ أي: لم يرض الله بخروجهم وانبعاثهم.

ثم بين الوجه الذي لم يرض ما ذكر في قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فساداً، لم يرد الله خروجهم لما علم منهم [أن خروجهم وانبعاثهم لا يزيد] في الجهاد إلا ما ذكر من الخبال والفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ .

قيل: حبسهم، أي: إذا علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم لم يزدهم إلا فساداً، حبسهم.

ويحتمل: أن خلق منهم الفعل الذي كان منهم من الكسل والتثاقل.

وفيه دلالة خلق الله فعل الشرّ، ويكون في ذلك خير لغيره، وإن كان شرّاً لهم، فعلى ذلك خلق فعل المعصية من المعاصي، وهو شرّ له، ويكون ذلك خيراً لغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ ﴾ : لما استأذنوا رسول الله بالقعود، أذن لهم في ذلك؛ على ما وقع عنده أن لهم عذراً في ذلك.

وإن كان من الله - عز وجل - فهو على التهديد والوعيد.

ويحتمل أن يكون من الشيطان، وسوس إليهم أن اقعدوا؛ ترغيباً منه إياهم بالقعود والتخلف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ .

قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم ﴾ ، أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ ؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا.

والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل.

وقال أبو عوسجة: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر.

وقيل: الغي، وهو واحد.

وقوله: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، يحتمل زيادة الخبال وجوهاً: يحتمل: أن يكونوا عيوناً للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ قيل: هو من إيضاع الإبل ﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ يتخلل فيما بينكم.

وقيل: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ .

أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم [شيء] من البلاء والشدة.

وقال القتبي: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ : من الوضع، وهو سرعة السير.

وقال أبو عوسجة: هو من الإيضاع يكون على الإبل.

وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار.

﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ : بينكم.

وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال والفشل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ .

قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه.

ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين أيضاً: يحتمل: أن هؤلاء المنافقين يكونون سماعاً لهم وخبراً وعيوناً، يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ ﴾ : من المؤمنين.

﴿ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ لشرفهم فيهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ : كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: أبلغكم ما بلغني؟

إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا - أيضاً - ما يكرهونه يقولون: الدبرة على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...

﴾ الآية [إبراهيم: 42].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ ﴾ تحتمل الفتنة الوجهين اللذين ذكرتهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ .

أي: تكلفوا واجتهدوا ليطفئوا هذا النور، ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ قيل: دين الله الإسلام.

ويحتمل: حجج الله وأدلته، وهو ما ذكر: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ : ظهراً لبطن؛ ليمكروا برسول الله، ويقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، [وقوله]: ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ما ذكرنا من دين الله وحججه، ﴿ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ لذلك؛ كقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ ، فظهر دين الإسلام وهم كارهون [له].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي ﴾ .

فيه دلالة أنه لا كل المنافقين قالوا، إنما قال ذلك بعضهم، وبعضهم قالوا غير هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ .

قيل: لا تؤثمني.

وقيل: ولا تخرجني.

وقيل: ولا تكفرني، والكل واحد، يقول: ومنهم من قال: ولا تفتني، أي: لا تكن سبب فتنتي ومعصيتي، أي: لا تأمرني بالخروج، ولكن ائذن لي بالقعود؛ لأنك إن أمرتني بالخروج ولم تأذن بالقعود والتخلف فقعدت وتخلفت، كنت عاصياً، تاركاً لأمرك، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي.

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: لا تأمرني المشقة والشدة، ولكن الدعة والسعة والرخاء حيث كانوا مالوا إليهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11]، يقول: لا تكن سبب إثمي وانقلابي.

ومنهم من قال: إن رجلاً منهم يقال له: الجدّ بن قيس قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمال، ففيه نزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ  ﴾ ، وهو قول ابن عباس؛ يقول: لا تأمرني بالخروج؛ فإني مولع بالنساء، لا أصبر إذا رأيتهن.

ولا ندري كيف كانت القصة، لكن الوجوه فيه ما ذكرنا آنفاً.

وقوله : ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة، فقال: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في [المشقة والفتنة والبلاء والهلاك سقطوا؛ وهذا يدل أن أهل النفاق هم كفرة.

وقوله: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في] الشر والإثم سقطوا؛ على تأويل من تأول قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تؤثمني، ولا تخرجني.

وعلى تأويل من قال: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تشق علي، ولا تأمرني بالمشقة والشدة والضيق، يقول: ألا في الشدة والضيق يسقطون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: تحيط بهم حتى لا يجدوا منقذاً ولا مخلصاً.

أو تحيط بهم من تحت ومن فوق، وأمام وخلف، ويمين وشمال، تحيط بهم حتى تصيب كل جارجة منهم؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أنها تحيط بهم.

وفيه دلالة: أن المنافقين هم كفار؛ لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين، ثم أخبر أن جهنم تحيط بالكافرين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من الخير ألا يخرج هؤلاء المنافقون معكم، فهم إن خرجوا معكم ما زادوكم إلا فسادًا بما يقومون به من التخذيل وإلقاء الشبه، ولأسرعوا في صفوفكم بنشر النميمة لتفريقكم، وفيكم -أيها المؤمنون- من يستمع إلى ما يروِّجونه من الكذب، فيقبله وينشره، فينشأ الاختلاف بينكم، والله عليم بالظالمين من المنافقين الذين يلقون الدسائس والشكوك بين المؤمنين.

من فوائد الآيات وجوب الجهاد بالنفس والمال كلما دعت الحاجة ..

الأيمان الكاذبة توجب الهلاك.

وجوب الاحتراز من العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص والتريث.

من عناية الله بالمؤمنين تثبيطه المنافقين ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين، رحمة بالمؤمنين ولطفًا من أن يداخلهم من لا ينفعهم بل يضرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.7zg9D"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله