الآية ٥٩ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٥٩ من سورة التوبة

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى منبها لهم على ما هو خير من ذلك لهم ، فقال : ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ) فتضمنت هذه الآية الكريمة أدبا عظيما وسرا شريفا ، حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله والتوكل على الله وحده ، وهو قوله : ( وقالوا حسبنا الله ) وكذلك الرغبة إلى الله وحده في التوفيق لطاعة الرسول وامتثال أوامره ، وترك زواجره ، وتصديق أخباره ، والاقتفاء بآثاره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو أنّ هؤلاء الذين يلمزونك، يا محمد، في الصدقات، رضَوا ما أعطاهم الله ورسوله من عطاء، وقسم لهم من قسم =(وقالوا حسبنا الله)، يقول: وقالوا: كافينا الله, (22) =(سيؤتينا الله من فضله ورسوله)، يقول: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقة وغيرها (23) =(إنا إلى الله راغبون)، يقول: وقالوا: إنا إلى الله نرغب في أن يوسع علينا من فضله, فيغنينا عن الصدقة وغيرها من صلات الناس والحاجة إليهم.

* * * ------------------- الهوامش : (22) انظر تفسير " حسب " فيما سلف ص : 49 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(23) انظر تفسير "آتى" و "فضل" في فهارس اللغة (آتى) ، (فضل).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون قوله تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله جواب ( لو ) محذوف ، التقدير لكان خيرا لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ‏}‏ أي‏:‏ أعطاهم من قليل وكثير‏.‏ ‏{‏وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ كافينا اللّه، فنرضى بما قسمه لنا، وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم بأن يقولوا‏:‏ ‏{‏سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ‏}‏ أي‏:‏ متضرعون في جلب منافعنا، ودفع مضارنا، لسلموا من النفاق ولهدوا إلى الإيمان والأحوال العالية، ثم بين تعالى كيفية قسمة الصدقات الواجبة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ) أي : قنعوا بما قسم لهم الله ورسوله ( وقالوا حسبنا الله ) كافينا الله ، ( سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) ما نحتاج إليه ( إنا إلى الله راغبون ) في أن يوسع علينا من فضله ، فيغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس .

وجواب " لو " محذوف أي : لكان خيرا لهم وأعود عليهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله» من الغنائم ونحوها «وقالوا حسبنا» كافينا «الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله» من غنيمة أخرى ما يكفينا «إنا إلى الله راغبون» أن يغنينا وجواب لو لكان خيرا لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أن هؤلاء الذين يعيبونك في قسمة الصدقات رضوا بما قسم الله ورسوله لهم، وقالوا: حسبنا الله، سيؤتينا الله من فضله، ويعطينا رسوله مما آتاه الله، إنا نرغب أن يوسع الله علينا، فيغنينا عن الصدقة وعن صدقات الناس.

لو فعلوا ذلك لكان خيرًا لهم وأجدى.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من هذا شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم، وهو طعنهم في الرسول بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم مالاً إذ جاءه المقداد بن ذي الخويصرة التميمي، وهو حرقوص بن زهير، أصل الخوارج فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل» فنزلت هذه الآية.

قال الكلبي: قال رجل من المنافقين يقال له أبو الجواظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تزعم أن الله أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ولم تضعها في رعاء الشاء؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أبالك أما كان موسى راعياً أما كان داود راعياً» فلما ذهب، قال عليه الصلاة والسلام: «احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون» وروى أبو بكر الأصم رضي الله عنه في تفسيره: أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: «ما علمك بفلان» فقال: مالي به علم إلا إنك تدنيه في المجلس وتجزل له العطاء، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه منافق أداري عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره» فقال: لو أعطيت فلاناً بعض ما تعطيه، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه مؤمن أكله إلى إيمانه، وأما هذا فمنافق أداريه خوف إفساده».

المسألة الثانية: قوله: ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ قال الليث: اللمز كالهمز في الوجه.

يقال: رجل لمزة يعيبك في وجهك، ورجل همزة يعيبك بالغيب.

وقال الزجاج: يقال لمزت الرجل ألمزه بالكسر، وألمزه بضم الميم إذا عيبته، وكذلك همزته أهمزه همزاً.

إذا عيبته، والهمزة اللمزة: الذي يغتاب الناس ويعيبهم، وهذا يدل على أن الزجاج لم يفرق بين الهمز واللمز.

قال الأزهري: وأصل الهمز واللمز الدفع.

يقال: همزته ولمزته إذا دفعته، وفرق أبو بكر الأصم بينهما، فقال: اللمز أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه، والهمز أن يكسر عينه على جليسه إلى صاحبه.

إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: يلمزك يغتابك.

وقال قتادة: يطعن عليك.

وقال الكلبي: يعيبك في أمر ما، ولا تفاوت بين هذه الروايات إلا في الألفاظ.

قال أبو علي الفارسي: هاهنا محذوف والتقدير: يعيبك في تفريق الصدقات.

قال مولانا العلامة الداعي إلى الله: لفظ القرآن وهو قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ﴾ لا يدل على أن ذلك اللمز كان لهذا السبب، إلا أن الروايات التي ذكرناها دلت أن سبب اللمز هو ذلك، ولولا هذه الروايات لكان يحتمل وجوهاً أخر سواها.

فأحدها: أن يقولوا أخذ الزكوات مطلقاً غير جائز، لأن انتزاع كسب الإنسان من يده غير جائز.

أقصى ما في الباب أن يقال: يأخذها ليصرفها إلى الفقراء إلا أن الجهال منهم كانوا يقولون إن الله تعالى أغنى الأغنياء، فوجب أن يكون هو المتكفل بمصالح عبيده الفقراء: فأما أن يأمرنا بذلك فهو غير معقول.

فهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن بعض اليهود، وهو أنهم قالوا: ﴿ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ﴾ .

وثانيها: أن يقولوا هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن الذي تأخذه كثير، فوجب أن تقنع بأقل من ذلك.

وثالثها: أن يقولوا هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه.

وهذا هو الذي دلت الأخبار على أن القوم أرادوه.

قال أهل المعاني: هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين ودناءة طباعهم، وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول فنسبوه إلى الجور في القسمة، مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى الدنيا.

قال الضحاك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه.

وأما المنافقون: فإن أعطوا كثيراً فرحوا وإن أعطوا قليلاً سخطوا، وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين.

وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفر الغنائم عليهم، فسخط المنافقون.

وقوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ كلمة ﴿ إِذَا ﴾ للمفاجأة، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط.

ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ ﴾ الآية والمعنى: ولو أنهم رضوا بما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة وطابت نفوسهم وإن قل، وقالوا: كفانا ذلك وسيرزقنا الله غنيمة أخرى، فيعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أعطانا اليوم، إنا إلى طاعة الله وإفضاله وإحسانه لراغبون.

واعلم أن جواب لو محذوف، والتقدير: لكان خيراً لهم وأعود عليهم، وذلك لأنه غلب عليهم النفاق ولم يحضر الإيمان في قلوبهم، فيتوكلوا على الله حق توكله، وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل، وهو كقولك للرجل: لو جئتنا، ثم لا تذكر الجواب، أي لو فعلت ذلك لرأيت أمراً عظيماً.

المسألة الثانية: الآية تدل على أن من طلب الدنيا آل أمره في الدين إلى النفاق.

وأما من طلب الدنيا بقدر ما أذن الله فيه وكان غرضه من الدنيا أن يتوسل إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق، والأصل في هذا الباب أن يكون راضياً بقضاء الله، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءاتاهم الله وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى الله راغبون ﴾ فذكر فيه مراتب أربعة: المرتبة الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمه بأنه تعالى حكيم منزه عن العبث والخطأ، وحكيم بمعنى أنه عليم بعواقب الأمور، وكل ما كان حكماً له وقضاء كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه.

والمرتبة الثانية: أن يظهر آثار ذلك الرضا على لسانهم، وهو قوله: ﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله ﴾ يعني أن غيرنا أخذوا المال ونحن لما رضينا بحكم الله وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية، فحسبنا الله.

والمرتبة الثالثة: وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة العالية التي عندها يقول: ﴿ حَسْبُنَا الله ﴾ نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول: ﴿ سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ﴾ إما في الدنيا إن اقتضاه التقدير، وإما في الآخرة وهي أولى وأفضل.

والمرتبة الرابعة: أن يقول: ﴿ إِنَّا إِلَى الله راغبون ﴾ فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا، وإنما المراد إما اكتساب سعادات الآخرة.

وإما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية عليه فإنه قال: ﴿ إِنَّا إِلَى الله راغبون ﴾ ولم يقل: إنا إلى ثواب الله راغبون.

ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي يحملكم عليه؟

قالوا: الخوف من عقاب الله، فقال: أصبتم ثم مر على قوم آخرين يذكرون الله، فقال: ما الذي يحملكم عليه، فقالوا: الرغبة في الثواب، فقال: أصبتم، ثم مر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب، ولا للرغبة في الثواب، بل لإظهار ذلة العبودية، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته.

فقال: أنتم المحقون المحققون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

جواب (لو) محذوف تقديره: لو أنهم رضوا لكان خيراً لهم.

والمعنى: ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قلّ نصيبهم وقالوا: كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا الله غنيمة أخرى فيؤتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أتانا اليوم ﴿ إِنَّا إِلَى الله ﴾ في أن يغنمنا ويخولنا فضله لراغبون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ ﴾ يَعِيبُكَ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ (يَلْمُزُكَ) بِالضَّمِّ وابْنُ كَثِيرٍ « يُلامِزُكَ» .

﴿ فِي الصَّدَقاتِ ﴾ في قَسْمِها.

﴿ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ ﴾ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في أبِي الجَوّاظِ المُنافِقِ قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ ويَزْعُمُ أنَّهُ يَعْدِلُ.

وَقِيلَ في ابْنِ ذِي الخُوَيْصِرَةِ رَأْسِ الخَوارِجِ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَقْسِمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍ فاسْتَعْطَفَ قُلُوبَ أهْلِ مَكَّةَ بِتَوْفِيرِ الغَنائِمِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: « ويْلَكَ إنْ لَمْ أعْدِلْ فَمَن يَعْدِلُ» .

وَ ﴿ إذا ﴾ لِلْمُفاجَأةِ نائِبٌ مَنابَ الفاءِ الجَزائِيَّةِ.

﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ ما أعْطاهُمُ الرَّسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ أوِ الصَّدَقَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِأمْرِهِ.

﴿ وَقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ كَفانا فَضْلُهُ ﴿ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ صَدَقَةً أوْ غَنِيمَةً أُخْرى.

﴿ وَرَسُولُهُ ﴾ فَيُؤْتِينا أكْثَرَ مِمّا آتانا.

﴿ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ ﴾ في أنْ يُغْنِيَنا مِن فَضْلِهِ، والآيَةُ بِأسْرِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ خَيْرًا لَّهم.

ثُمَّ بَيَّنَ مَصارِفَ الصَّدَقاتِ تَصْوِيبًا وتَحْقِيقًا لِما فَعَلَهُ الرَّسُولُ  فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)

{ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى الله راغبون} جواب لو محذوف تقديره ولو أنهم رضوا لكان خيراً لهم والمعنى ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا كفانا فضل الله وصنعه وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا غنيمة اخرى فيؤتنيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما آتانا اليوم إنا إلى الله فى أن يغنمنا ويخولنا فضله الراغبون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ أيْ: ما أعْطاهُمُ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الصَّدَقاتِ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِهِ وإنْ قَلَّ- فَما- وإنْ كانَتْ مِن صِيَغِ العُمُومَ إلّا أنَّ ما قَبْلُ وما بَعْدُ قَرِينَةٌ عَلى التَّخْصِيصِ، وبَعْضٌ أبْقاها عَلى العُمُومِ أيْ ما أعْطاهم مِنَ الصَّدَقَةِ أوِ الغَنِيمَةِ قِيلَ لِأنَّهُ الأنْسَبُ، وذُكِرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلتَّعْظِيمِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ ) أيْ كَفانا فَضْلُهُ وما قَسَمَهُ لَنا كَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى ( ﴿ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ ﴾ ) بَعْدَ هَذا حَسْبَما نَرْجُو ونَأْمُلُ ( ﴿ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ ﴾ ) في أنْ يُخَوِّلَنا فَضْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، والآيَةُ بِأسْرِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ بِناءً عَلى ظُهُورِهِ أيْ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأعْوَدَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ ( قالُوا ) والواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ روي عن ابن كثير أنه قرأ يَلْمِزُكَ بضم الميم والباقون بالكسر، وهما لغتان ومعناهما واحد.

يقول: من المنافقين من يطعنك ويعيبك، ويقال: لمزته إذا عبته.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما نحن ورسول الله  يقسم قسماً، إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التّيمي فقال: اعدل يا رسول الله.

فقال: «ويلك من يَعْدِلُ إذَا لَمْ أعْدِلْ» ؟

فقال عمر  : يا رسول الله، أتأذن لي فأضرب عنقه؟

فقال: «دَعْهُ فَإنَّ لَهْ أصْحَاباً يحقر أحدكم صلاته عند صلاته وصيامه عند صِيَامِهِ يَمْرَقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ الْسَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أسْوَدٌ إحْدَى ثَدْيَيْهِ مِثْلُ ثَدْي المرأة أو مثل البضعةِ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فترة مِنَ النَّاسِ» (١) «عَلَى حِينِ الفِتَنِ مِنَ النَّاس» فنزلت فيهم وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ الآية.

قال أبو سعيد: «أشهد أني سمعت هذا من رسول الله  وأشهد أن علياً حين قتلهم وأنا معه، أتى برجل بالنعت الذي نعته رسول الله  » وروي عن ابن عباس: «أن النبيّ  أعطى المؤلفة قلوبهم من الصدقات، فقال أبو الخواص والنبي  يعطي، وروى بعضهم أبو الحواظ: - ألا ترون إلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم؟

فقال له رسول الله  : «لا أبَا لَكَ، أمَا كَانَ مُوسَى رَاعِياً؟

أمَا كان داود راعياً» ؟

فذهب أبو الخواص، وقال النبيّ  : «احْذِرُوا هذا وَأَصْحَابَهُ» ، فنزل وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ.

فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها يعني: الصدقة، رَضُوا بالقسمة.

وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها يعني: من الصدقة إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ يعني: لا يرضون بالقسمة.

قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يعني: إنهم لو رضوا بما رزقهم الله تعالى، وبما يعطيهم رسول الله من العطية، وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ يعني: يكفينا الله.

سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: سيعطينا الله من رزقه وَرَسُولُهُ، يعني: سيعطينا رسول الله  من الغنيمة إذا كان عنده سعة وفضل.

إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ، يعني: طامعون وراجون.

ولم يذكر جوابه، لأن في الكلام دليلاً عليه، ومعناه: ولو أنهم فعلوا ذلك، لكان خيرا لهم.

(١) حديث أبي سعيد: أخرجه البخاري (6738) ومسلم (1064) (148) والبيهقي في الدلائل: 6/ 428.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الفَخْر «١» : قوله: وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي: يسرعون إِسراعاً لا يرد وجوههم شَيْء، ومِنْ هذا يقال: جمح الفَرَسُ، وفَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الذي إِذا حَمَلَ، لم يردّه اللجام، انتهى.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)

وقوله عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ ...

الآية: أَيْ: ومن المنافقين مَنْ يلمزك، أيْ: يعيبُكَ ويأخذ منك في الغَيْبة ومنه قولُ الشاعر: [البسيط]

إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَة ...

وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَهْ «٢»

ومنه قوله سبحانه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...

الآية: المعنى: لو أن هؤلاء المنافقين رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ الرزْقَ لهم، وما أعطاهم على يدِ رَسُولِهِ، وأقرُّوا بالرغْبَةِ إِلى اللَّهِ، لكان خَيْراً لهم، وحُذِفَ الجوابُ، لدلالة ظاهر الكَلاَمِ عليه، وذلك مِنْ فصيحَ الكلامِ وإيجازه.

إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)

وقوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ...

الآية: إِنَّمَا في هذه الآيةِ حاصرةٌ تقتضي وقوفَ الصَدقاتِ على الثمانيةِ الأصناف، وإِنما أُخْتُلِفَ في صُورَة القِسْمَةِ، ومَذْهَب مالكٍ وغيره أَنَّ ذَلِكَ عَلى قَدْر الاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقيرُ والمِسْكين، فقال ابن عبَّاس والحسن ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وابن زَيْد وغيرهم: المَسَاكِينُ: الذين يَسْعَوْنَ وَيَسْأَلُونَ، والفقراء: الذين يتصَاوَنُون «٣» ، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقيرَ هو الذي لا مَالَ له إِلا أنه لم يذلَّ نفسه، ولا يذلُّ وجهه وذلك إِما لتعفُّفٍ مفرط،

وإِما لِبُلغَةٍ تكون له، كالحَلُوبة وما أشبهها، والمسكينُ هو الذي يقترن بفقره تذلُّل وخضوعٌ وسؤالٌ، فهذه هي المَسْكَنَة ويقوِّي هذا أن اللَّه سبحانه قد وَصَف بني إِسرائيل بالمَسْكَنة، وقَرَنها بالذِّلَّة مع غناهم، وإِذا تأمَّلت ما قلناه، بَانَ أنهما صِنْفان موجُودَان في المسلمين.

ت: وقد أكْثر الناس في الفَرْق بين الفَقِير والمِسْكِين، وأوْلَى ما يعوَّل عليه ما ثبت في ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزِّنَادِ «١» عن الأعرج «٢» عن أبي هريرة أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» «٣» ، انتهى.

وأوَّل أبو عمر في «التمهيد» هذا الحديثَ، فقال: كأنه أراد- واللَّه أعلم- ليس المسكينُ على تمامِ المَسْكَنة، وعلى الحقيقة، إِلا الذي لا يسأل النّاس.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ أيْ: قَنِعُوا بِما أُعْطُوا.

﴿ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ ﴾ في الزِّيادَةِ، أيْ: لَكانَ خَيْرًا لَهم.

وهَذا جَوابُ "لَوْ" وهو مَحْذُوفٌ في اللَّفْظِ.

ثُمَّ بَيَّنَ المُسْتَحِقِّ لَلصَّدَقاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ ﴾ اخْتَلَفُوا في صِفَةِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ: المُتَعَفِّفُ عَنِ السُّؤالِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْألُ وبِهِ رَمَقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والزُّهْرِيُّ، والحَكَمُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الفَقِيرَ: المُحْتاجُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، والمِسْكِينُ: المُحْتاجُ الَّذِي لا زَمانَةَ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الفَقِيرُ: المُهاجِرُ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَمَّ يُهاجِرْ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، والنَّخَعِيُّ.

والرّابِعُ: الفَقِيرُ: فَقِيرُ المُسْلِمِينَ، والمِسْكِينُ: مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّ الفَقِيرَ: مَن لَهُ البُلْغَةُ مِنَ الشَّيْءِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ويَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرّاعِي: أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ سَبَدُ فَسَمّاهُ فَقِيرًا، ولَهُ حَلُوبَةٌ تَكْفِيهِ وعِيالُهُ.

وقالَ يُونُسَ: قُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ؟

قالَ: لا واللَّهِ، بَلْ مِسْكِينٌ؛ يُرِيدُ: أنَّهُ أسْوَأُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ.

والسّادِسُ: أنَّ الفَقِيرَ أمْسُّ حاجَةً مِنَ المِسْكِينِ، وهَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ، لِأنَّ الفَقِيرَ مَأْخُوذٌ مِنِ انْكِسارِ الفَقارِ، والمَسْكَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ والخُشُوعِ، وذَلِكَ أبْلَغُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُرْوى عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ.

وقالَ أحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، لِأنَّ الفَقِيرَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: المَفْقُورُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَهُ مِن فِقَرِ ظَهْرِهِ، فَكَأنَّهُ انْقَطَعَ ظَهْرُهُ مِن شِدَّةِ الفَقْرِ؛ فَصَرَّهُ عَنْ مَفْقُورٍ إلى فَقِيرٍ، كَما قِيلَ: مَجْرُوحٌ وجَرِيحٌ، ومَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، قالَ الشّاعِرُ: لَمّا رَأى لُبَدَ النُّسُورِ تَطايَرَتْ ∗∗∗ رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ قالَ: ومِنَ الحُجَّةِ لَهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿ أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ  ﴾ ، فَوُصِفَ بِالمَسْكَنَةِ مَن لَهُ سَفِينَةٌ تُساوِي مالًا؛ قالَ: وهو الصَّحِيحُ عِنْدَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعامِلِينَ عَلَيْها ﴾ وهُمُ السُّعاةُ لَجِبايَةِ الصَّدَقَةِ، يُعْطُونَ مِنها بِقَدْرِ أُجُورِ أمْثالِهِمْ، ولَيْسَ ما يَأْخُذُونَهُ بِزَكاةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ وهم قَوْمٌ كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ بِما يُعْطِيهِمْ، وكانُوا ذَوِي شَرَفٍ، وهم صِنْفانِ: مُسْلِمُونَ وكافِرُونَ.

فَأمّا المُسْلِمُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم في الإسْلامِ ضَعِيفَةً، فَتَأْلَفُهم تَقْوِيَةً لَنِيّاتِهِمْ، كَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعِ؛ وصِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم حَسَنَةً، فَأُعْطَوْا تَألُّفًا لِعَشائِرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِثْلُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ.

وأمّا المُشْرِكُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ يَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ بِالأذى، فَتَأْلَفُهم دَفْعًا لِأذاهم، مِثْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ؛ وصِنْفٌ كانَ لَهم مَيْلٌ إلى الإسْلامِ، تَأْلَفُهم بِالعَطِيَّةِ لَيُؤْمِنُوا، كَصَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ.

وقَدْ ذَكَرْتُ عَدَدَ المُؤَلَّفَةِ في كِتابِ "التَّلْقِيحِ" .

وحُكْمُهم باقٍ عِنْدِ أحْمَدَ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: حُكْمُهم مَنسُوخٌ.

قالَ الزُّهْرِيُّ: لا أعْلَمُ شَيْئًا نَسَخَ حُكْمَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي الرِّقابِ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والغارِمِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَزِمَهُمُ الدِّينُ ولا يَجِدُونَ القَضاءَ.

قالَ قَتادَةُ: هم ناسٌ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ مِن غَيْرِ فَسادٍ ولا إسْرافٍ ولا تَبْذِيرٍ، وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ لا يُؤْمَنُ في حَقِّ المُفْسِدِ إذا قَضى دَيْنَهُ أنْ يَعُودَ إلى الِاسْتِدانَةِ لِذَلِكَ؛ ولا خِلافَ في جَوازِ قَضاءِ دَيْنِهِ ودَفْعِ الزَّكاةِ إلَيْهِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ قالَهُ عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: الغُزاةَ والمُرابِطِينَ.

ويَجُوزُ عِنْدَنا أنَّ نُعْطِيَ الأغْنِياءَ مِنهم والفُقَراءَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُعْطى إلّا الفَقِيرُ مِنهم.

وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ مِنَ الزَّكاةِ إلى الحَجِّ، أمْ لا؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ هو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ، وإنْ كانَ لَهُ مالٌ في بَلَدِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ.

فَأمّا إذا أرادَ أنْ يُنْشِئَ سَفَرًا، فَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُعْطى؟

قالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) فِيهِ أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ هَذا.

* فَصْلٌ وَحَدُّ الغَنِيِّ الَّذِي يَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ عِنْدَ أصْحابِنا بِأحَدِ شَيْئَيْنِ: أنْ يَكُونَ مالِكًا لِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أوْ عِدْلَها مِنَ الذَّهَبِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ يَقُومُ بِكِفايَتِهِ، أوْ لا يَقُومُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ لَهُ كِفايَةٌ إمّا مِن صِناعَةٍ، أوْ أُجْرَةِ عَقارٍ، أوْ عَرُوضٍ لِلتِّجارَةِ يَقُومُ رِبْحُها بِكِفايَتِهِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الِاعْتِبارُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مالِكًا لِنِصابٍ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ.

فَأمّا ذَوُو القُرْبى الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، فَهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَحْرُمُ عَلى ولَدِ هاشِمٍ، ولا تَحْرُمُ عَلى ولَدِ المُطَّلِبِ.

ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ عَلى الصَّدَقَةِ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ ويَأْخُذُ عِمالَتَهُ مِنها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

فَأمّا مَوالِيَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، خِلافًا لِمالِكٍ.

ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطِيَ صَدَقَتَهُ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ وبِهِ قالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يُعْطِي والِدًا وإنْ عَلا، ولا ولَدًا وإنْ سَفَلَ، ولا زَوْجَهُ، ويُعْطِي مَن عَداهم.

فَأمّا الذِّمِّيُّ؛ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْطاؤُهُ.

وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: إذا لَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا، أُعْطِيَ الذِّمِّيُّ.

ولا يَجِبُ اسْتِيعابُ الأصْنافِ، ولا اعْتِبارُ عَدَدٍ مِن كُلِّ صِنْفٍ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجِبُ الِاسْتِيعابُ مِن كُلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةٌ.

فَأمّا إذا أرادَ نَقْلَ الصَّدَقَةِ مِن بَلَدِ المالِ إلى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَإنَّ نَقْلَها لَمْ يُجْزِئْهُ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ نَقْلُها، وتُجْزِئْهُ.

قالَ أحْمَدُ: ولا يُعْطِي الفَقِيرَ أكْثَرَ مِن خَمْسِينَ دِرْهَمًا.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْرَهُ أنْ يُعْطِيَ رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ الزَّكاةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وإنْ أعْطَيْتَهُ أجْزَأكَ.

فَأمّا الشّافِعِيُّ، فاعْتَبَرَ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ مِن غَيْرِ حَدٍّ.

فَإنْ أُعْطِيَ مَن يَظُنُّهُ فَقِيرًا، فَبانَ أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَلْ يُجْزِئُ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أو مَغاراتٍ أو مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللهُ سَيُؤْتِينا اللهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللهُ راغِبُونَ ﴾ المَلْجَأُ: مِن لَجَأ يَلْجَأُ إذا أوى واعْتَصَمَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أو مَغاراتٍ" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: "أو مُغاراتٍ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي الغِيرانُ في أعْراضِ الجِبالِ، فَفَتْحُ المِيمِ مِن: "غارَ الشَيْءُ" إذا دَخَلَ، كَما تَقُولُ: "غارَتِ العَيْنُ"، إذا دَخَلَتْ في الحِجاجِ، وضَمُّ المِيمِ مِن: "أغارَ الشَيْءُ غَيْرَهُ" إذا أدْخَلَهُ، فَهَذا وجْهٌ مِنِ اشْتِقاقِ اللَفْظَةِ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "غارَ الرَجُلُ وأغارَ" بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: دَخَلَ، قالَ الزَجّاجُ: إذا دَخَلَ الغَوْرَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ أيْضًا مِن هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ في قِراءَةٍ ضَمِّ المِيمِ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مُغارٌ" أيْ مَفْتُولٌ، ثُمَّ يُسْتَعارُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُحْكَمِ المُبْرَمِ فَيَجِيءُ التَأْوِيلُ عَلى هَذا: لَوْ يَجِدُونَ عَصْرَةً أو أُمُورًا مُرْتَبِطَةً مُشَدَّدَةً تَعْصِمُهم مِنكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إلَيْهِ ﴾ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُدَّخَلًا" أصْلُهُ مُفْتَعَلٌ، وهو بِناءُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ، ومَعْناهُ: السِرْبُ والنَفَقُ في الأرْضِ، وبِما ذَكَرْناهُ في "المَلْجَإ والمَغاراتِ والمُدَّخَلِ" فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَ الزَجّاجُ: المُدَّخَلُ: مَعْناهُ: قَوْمًا يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ.

وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "أو مَدْخَلًا" فَهَذا مِن دَخَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: "أو مُدَّخَّلًا" بِتَشْدِيدِهِما، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مُنْدَخَلًا" بَنُونٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ...............................

∗∗∗ ولا يَدِي في حَمِيتِ السَمْنِ تَنْدَخِلُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مُتْدَخَلًا" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ، وعِيسى: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ فَهو مَن أدْخَلَ.

وقَرَأ الناسُ: "لَوَلَّوْا"، وقَرَأ جَدُّ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ قَرْمَلَ: "لَوالَوْا" مِنَ المُوالاةِ، وَأنْكَرَها سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وقالَ: أظُنُّها: "لَوَألُوا" بِمَعْنى "لَجَؤُوا"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَجْمَحُونَ"، مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ مُصَمِّمِينَ غَيْرَ مُنْثَنِينَ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: لَقَدْ جَمَحْتُ جِماحًا في دِمائِهِمُ ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى رَأيْتُ ذَوِي أحِسابِهِمْ خَمَدُوا وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "يَجْمَزُونَ" ومَعْناهُ: يَهْرُبُونَ، ومِنهُ قَوْلُهم في حَدِيثِ الرَجْمِ: "فَلَمّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ جَمَزَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّهُ قالَ: «جاءَ ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَمِيمِيُّ ورَسُولُ اللهِ  يُقَسِّمُ قَسْمًا فَقالَ: "اعْدِلْ يا مُحَمَّدُ"» الحَدِيثُ المَشْهُورُ بِطُولِهِ، وفِيهِ: قالَ أبُو سَعِيدٍ: فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ ﴾ ، ورَوى داوُدُ بْنُ أبِي عاصِمٍ «أنَّ النَبِيَّ  أُتِيَ بِصَدَقَةٍ فَقَسَّمَها ووَراءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: "ما هَذا بِالعَدْلِ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نَزْعَةُ مُنافِقٍ، وكَذَلِكَ رُوِيَ مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ كَلامِ المُنافِقِينَ إذْ لَمْ يُعْطَوْا بِحَسَبِ شَطَطِ آمالِهِمْ.

و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ مَعْناهُ: يَعِيبُكَ ويَأْخُذُ مِنكَ في الغَيْبَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكاشَرَةً ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللَمِزُ ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ................................

∗∗∗ ∗∗∗ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي والهَمْزُ أيْضًا في نَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ  ﴾ ، وقِيلَ لِبَعْضِ العَرَبِ: أتُهْمَّزُ الفَأْرَةُ؟

فَقالَ: إنَّها تَهْمِزُها الهِرَّةُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجَعَلَ الأكْلَ هَمْزًا، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ كَما اسْتَعارَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ الغَرْثَ في قَوْلِهِ: .................................

∗∗∗ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ تَرْكِيبًا عَلى اسْتِعارَةِ الأكْلِ في الغَيْبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَجْعَلِ الأعْرابِيُّ الهَمْزَ الأكْلَ، وإنَّما أرادَ ضَرْبَها إيّاها بِالنابِ والظُفْرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْمِزُكَ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رَوى عنهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ "يَلْمُزُكَ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ وقِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وغَيْرِهِمْ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُلَمِّزُكَ"، ورَوى أيْضًا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "يُلامِزُكَ"، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ لِأنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يَقَعْ مِنَ النَبِيِّ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ الآيَةُ.

وصْفٌ لِلْحالِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْها المُسْتَقِيمُونَ، يَقُولُ تَعالى: "وَلَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ رَضُوا قِسْمَةَ اللهِ الرِزْقَ لَهم وما أعْطاهم عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ ورَجَّوْا أنْفُسَهم فَضْلَ اللهِ ورَسُولِهِ، وأقَرُّوا بِالرَغْبَةِ إلى اللهِ، لَكانَ خَيْرًا لَهم وأفْضَلَ مِمّا هم فِيهِ".

وحُذِفَ الجَوابُ مِنَ الآيَةِ لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن فَصِيحِ الكَلامِ وإيجازِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معطوفة على جملة: ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ [التوبة: 58] باعتبار ما تفرّع عليها من قوله: ﴿ فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ﴾ [التوبة: 58] عطفاً ينبئ عن الحالة المحمودة، بعد ذكر الحالة المذمومة.

وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف دلّ عليه المعطوف عليه، وتقديره: لكان ذلك خيراً لهم.

والإيتاء: الإعطاء، وحقيقته إعطاء الذوات ويطلق مجازاً على تعيين المواهب كما في ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾ [البقرة: 251] وفي ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ [المائدة: 54].

وقوله: ﴿ ما آتاهم الله ﴾ من هذا القبيل، أي ما عيّنه لهم، أي لِجماعتهم من الصدقات بنوطها بأوصاف تحقّقت فيهم كقوله: ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ [التوبة: 60] الآية.

وإيتاء الرسول صلى الله عليه وسلم إعطاؤه المال لمن يرى أن يعطيه ممّا جعل الله له التصرّف فيه، مثل النفَل في المغانم، والسلَب، والجوائز، والصلات، ونحو ذلك، ومنه إعطاؤه من جعل الله لهم الحقّ في الصدقات.

ويجوز أن يكون إيتاء الله عين إيتاء الرسول عليه الصلاة والسلام وإنّما ذكر إيتاء الله للإشارة إلى أنّ ما عينه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم هو ما عيّنه الله لهم، كما في قوله: ﴿ سيؤتينا الله من فضله ورسوله ﴾ أي ما أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم وقوله: ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ [الأنفال: 1].

وحسب: اسم بمعنى الكافي، والكفاية تستعمل بمعنى الاجتزاء، وتستعمل بمعنى ولي مهمّ المكفي، كما في قوله تعالى: ﴿ وقالوا حسبنا الله ﴾ وهي هنا من المعنى الأول.

ورضي إذا تعدّى إلى المفعول دلّ على اختيارِ المرضيّ، وإذا عدّي بالباء دلّ على أنّه صار راضياً بسبب ما دخلت عليه الباء، كقوله: ﴿ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ﴾ [التوبة: 38].

وإذا عدّي ب (عن) فمعناه أنّه تجاوز عن تقصيره أو عن ذنبه ﴿ فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ﴾ [التوبة: 96].

فالقول هنا مراد به الكلام مع الاعتقاد، فهو كناية عن اللازم مع جواز إرادة الملزوم، فإذا أضمروا ذلك في أنفسهم فذلك من الحالة الممدوحة ولكن لمّا وقع هذا الكلام في مقابلة حكاية اللَّمز في الصدقات، واللَّمز يكون بالكلام دلالة على الكراهية، جعل ما يدلّ على الرضا من الكلام كناية عن الرضى.

وجملة ﴿ سيؤتينا الله من فضله ورسوله ﴾ بيان لجملة ﴿ حسبنا الله ﴾ لأنّ كفاية المهمّ تقتضي تعهّد المكفي بالعوائد ودفع الحاجة، والإيتاءُ فيه بمعنى إعطاء الذوات.

والفضل زيادة الخير والمنافع ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ [غافر: 61] والفضل هنا المعطَى: من إطلاق المصدر وإرادة المفعول، بقرينة من التبعيضية، ولو جعلت ﴿ من ﴾ ابتدائية لصحّت إرادة معنى المصدر.

وجملة ﴿ إنا إلى الله راغبون ﴾ تعليل.

أي لأنّنا راغبون فضله.

وتقديم المجرور لإفادة القصر، أي إلى الله راغبون لا إلى غيره، والكلام على حذف مضاف، تقديره: إنّا راغبون إلى ما عيّنه الله لنا لا نطلب إعطاء ما ليس من حقّنا.

والرغبة الطلب بتأدب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ ﴾ الآيَةَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ كانَ يَقُولُ: إنَّما يُعْطِي مُحَمَّدٌ مَن يَشاءُ ويَتَكَلَّمُ بِالنِّفاقِ فَإنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وإنْ مُنِعَ سَخِطَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ.

الثّانِي: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ  يُقَسِّمُ قَسْمًا إذْ جاءَهُ الخُوَيْصِرَةُ التَّمِيمِيُّ فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (وَيْلَكَ ومَن يَعْدِلُ إنْ لَمْ أعْدِلْ ؟

فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فَأضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقالَ دَعْهُ ).

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ ﴾ الآيَةَ.

» وفي مَعْنى يَلْمِزُكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرُوزُكَ ويَسْألُكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: يَغْتابُكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: يَعِيبُكَ، قالَ رُؤْبَةُ: ؎ قارَبْتُ بَيْنَ عَنَقِي وحَجْزِي في ظِلِّ عَصْرِي باطِلِي ولَمْزِي <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله.

فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟!

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه فاضرب عنقه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يرى فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يرى فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى يديه- أو قال ثدييه- مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة، تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس قال: فنزلت فيهم ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات...

﴾ الآية قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علياً حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ قال: يطعن عليك.

وأخرج سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها هاهنا وههنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل؟

فنزلت هذه الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن إياد بن لقيط.

أنه قرأ ﴿ وإن لم يعطوا منها إذا هم ساخطون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلاً يقول: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.

فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال «رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ونزل ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ﴾ الآية، جواب (لو) محذوف بتقدير: لكان خيرًا لهم، وأعود عليهم (١) (٢) ثم إن الله تعالى بين لمن الصدقات فقال: (١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1816.

في "لسان العرب" (عود) 5/ 3157: قال الليثُ: هذا الأمر أعود عليك: أي أرفق بك وأنفع؛ لأنه يعود عليك برفق ويسر.

(٢) لم أقف على مصدره.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ﴾ أي يعيبك على قسمتها، والآية في المنافقين كالتي قبلها وبعدها؛ وقيل: في ذي الخويصرة الذي قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويلك إن لم أعدل فمن يعدل» الحديث ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ ﴾ الآية: ترغيب لهم فيما هو خير لهم، وجواب لو محذوف تقديره: لكان ذلك خيراً لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تربِّصون ﴾ بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي وهشام مدغماً حتى لا يجتمع ساكنان.

الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء ﴿ أن تقبل ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفوقانية ﴿ مدخلاً ﴾ بضم الميم وسكون الدال: سهل ويعقوب.

الباقون: بالدال المشددة المتفوحة.

﴿ يلمزك ﴾ بضم الميم: سهل ويعقوب.

الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير.

الوقوف: ﴿ تسؤهم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ لنا ﴾ ج للابتداء لفظاً مع الاتحاد معنى ﴿ هو مولانا ﴾ ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية عنهم.

﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ الحسنيين ﴾ ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام ﴿ بأيدينا ﴾ ط والوصل أصح لأن الفاء جواب ﴿ نتربص ﴾ ﴿ متربصون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط.

﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا أولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ لمنكم ﴾ ط ﴿ يفرقون ﴾ ه ﴿ يجمحون ﴾ ه ﴿ في الصدقات ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ يسخطون ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ لا إلى قوله ﴿ راغبون ﴾ لأن الكل يتعلق بـ"لو" وجواب "لو" بعد التمام محذوف أي لكان خيراً لهم.

التفسير: هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين.

عن ابن عباس: الحسنة في قوم بدر والمصيبة في يوم أحد.

والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله  .

ومعنى ﴿ أخذنا أمرنا ﴾ أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي والتدبير.

و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل ما وقع ﴿ وتولوا ﴾ أي عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول ﴿ وهم فرحون ﴾ مسرورون ثم أمر نبيه  بأن يقول في جوابهم ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ قيل: أي في اللوح المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء.

وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال - زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب.

وقيل: أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدوّ وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في الحال.

وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر ﴿ هو مولانا ﴾ لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه.

﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ فيه تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط والأسباب.

ثم أمره بجواب ثانٍ فقال ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ التربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره.

والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة يعني النصرة أو الشهادة.

وفي الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز بنعيم الآخرة.

﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ﴾ قارعة مثل قارعة عاد وثمود وقيل: عذاب الله يشمل عذاب الدارين ﴿ أو بأيدينا ﴾ يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي ﴿ فتربصوا ﴾ أمر للتهديد نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم  ﴾ ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في الدنيا والأخرى.

عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي  ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به.

ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً.

و ﴿ أنفقوا ﴾ لفظه أمر ومعناه خبر كقوله فيما يجيء ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم  ﴾ ومعناه أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟

ومثله قول كثير لعزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين مني تفاوتاً في الحالين.

وإنما يجوز إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل لإفادة المبالغة.

وانتصب ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ على الحال ومعناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما.

وسمي الإلزام كراهاً لأنهم منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه.

ويحتمل أن يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة.

ومعنى ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع قبولاً عند الله.

ثم علل عدم القبول بقوله ﴿ إنكم كنتم قوماً فاسقين ﴾ قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق يحبط الطاعات.

وأجيب بأن الفسق ههنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق المطلق كذلك.

وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله  ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم ﴾ الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله.

وثانيها ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ﴾ قال المفسرون: معناه أنه إن كان في جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر.

وثالثها: ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا مختارين يعدون الإنفاق مغرماً ومنعه مغنماً خلاف قول رسول الله  "أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم" .

قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟

والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارت المتعددة على شيء واحد.

بوجه آخر أطلق كفرهم أولاً ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى حكم عليهم بالكفر مطلقاً ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعاً لشأن تارك الصلاة والزكاة.

قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله  كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية.

وأن الكسل من صفات المنافقين.

قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله ﴿ فَمَنْ يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب.

ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولاً بوجه لم يكن له في التخفيف أيضاً أثر.

وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم على وجه الكسل ليس مانعاً من التقبل بالإنفاق.

ثم لما قطع رجاء المنافقين عن منافع الآخرة أراد أن يبّين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضاً في الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطباً للرسول  أو لكل أحد ﴿ فلا تعجبك ﴾ الآية.

ونظيره ﴿ ولا تمدّن عينيك  ﴾ وإنما قال ﴿ فلا تعجبك ﴾ بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ بخلاف ما سيجيء في الآية الآخرى من هذه السورة.

والإعجاب سرور المرء بالشيء مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله ﴿ ما أظن أن تبيد هذه أبداً  ﴾ ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا قال  "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى.

وقوله ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ يريد الله ليبين لكم  ﴾ قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن المال والولد لا يكونان عذاباً بل هما من نعم الله  على عباده، وأورد عليه أنهما لا يكونان عذاباً في الآخرة أيضاً.

فإن تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم والتأخير لأنهما قد يكونان سبباً للعذاب في الدنيا أيضاً.

وبوجه أخر، المال والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان.

في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟

واعلم أن الأموال والأولاد قد يكونان سبباً للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم.

فصاحب المال أبداً إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب حفظه وتثميره.

ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة.

ثم إنه إن بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حساباً وحرامه عذاباً فثبت أنحصول المال سبب لعذاب الدارين.

إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله يكون نادراً، وكذا الكلام في الولد.

وهذا المعنى وإن كان عاماً للكل إلا أن المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب.

وذلك أن الرجل إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة.

وأيضاً إن النبي  كان يكلفهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، وكانوا مبغضين للنبي  مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبيّ شهد بدراً وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسببه ولأجل هذه المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ليعذبهم.

أما قوله ﴿ وتزهق أنفسهم ﴾ أي تخرج ﴿ وهم كافرون ﴾ فقد قالت الأشاعرة: فيه دليل على أنه  أراد منهم الكفر.

وأورد الجبائي عليه أن المريض إذا قال للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريداً لمرض نفسه، والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعاً في تلك الحالة من ضرورات كونه مريضاً وهو طبيبه.

وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مراداً بالضرورة.

وقال في الكشاف: المراد الاستدراج بالنعم كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة.

ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله  عنهم في قوله ﴿ ويحلفون بالله أنهم لمنكم ﴾ أي على دينكم.

ثم قال ﴿ وما هم منكم ﴾ أي ليسوا على دينكم.

﴿ ولكنهم قوم يفرقون ﴾ يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية.

ثم أكد نفاقهم بقوله ﴿ لو يجدون ملجأً ﴾ مفراً فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم.

فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن من صميم القلب.

والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر.

والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب مخرجيهما.

والتداخل "تفعل" من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول فيه.

قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع.

والمراد أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة ﴿ لولوا إليه ﴾ يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه ﴿ وهم يجمحون ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوهم شيء.

ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام.

والحاصل أنهم من شدة تأذيهم وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة.

قال بعض العلماء: إنه  ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار والله تعالى أعلم.

ومن جملة قبائحهم قوله ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ الآية.

قال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته.

وفرق الليث فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز العيب في الغيبة، واعلم أن العيب في الصدقات يحتمل وجوهاً: الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم.

الثاني: أن يقال: هي أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك.

الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم أرادوه.

عن أبي سعيد الخدري "بينا رسول الله  يقسم غنائم حنين قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله.

فقال: ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل" فنزلت.

وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل.

فقال: رسول الله  : "لا أبا لك أما كان موسى راعياً.

أما كان داود راعياً فلما ذهب قال رسول الله  : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون" .

وقيل: هم المؤلفة قلوبهم.

ثم بيّن أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا للدين فقال ﴿ فإن أعطوا منها رضوا ﴾ وذلك أن رسول الله  استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون.

ومعنى ﴿ إذا هم يسخطون ﴾ فهم يسخطون.

وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم عليه.

ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال ﴿ ولو أنهم رضوا ﴾ الآية ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه  حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكماً له وقضاء منه كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه.

الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم ﴿ حسبنا الله ﴾ كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر الحبيب.

الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة العالية كان واثقاً بأن الله لا يهمله وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى.

الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال.

يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: ما الذي يحملكم عليه؟

قالوا: الخوف من عقاب الله.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟

فقال: الرغبة في الثواب.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسأهلم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره.

فقال: أنتم المحقون.

التأويل: ﴿ أن تصبك ﴾ يا روح ﴿ حسنة ﴾ من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح عليها ﴿ وإن تصبك مصيبة ﴾ من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع الحيوانية لما خالفناه في السير في العالم الروحاني.

﴿ قل ﴾ يا روح ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد.

وانظر وقل ﴿ هل تربصون بنا ﴾ أيتها النفس وصفاتها ﴿ إلا إحدى الحسنيين ﴾ الإحسان والعواطف الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية ﴿ بعذاب من عنده ﴾ هو الابتلاء بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما ﴿ أو بأيدينا ﴾ بالمنع من المخالفات وبكثرة الرياضيات والمجاهدات ﴿ طوعاً ﴾ أو رياء ﴿ وكرهاً ﴾ أي نفاقاً ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ لأن أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل القلب بدون الجوارح مقبولاً لقوله  "نية المؤمن أبلغ من عمله" وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق وحال المخلص بالعكس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ يعني: المنافقين ﴿ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ يزورك لمكان الصدقات؛ طمعاً فيها؛ لتعطيهم الصدقات، و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ ، أي: يزورك؛ ليسألك من الصدقات، أي: إنما يزورونك لمكان الصدقات لتعطيهم، لا يزورونك ولا يأتونك لمكان الرسالة، أو رغبة في الدين، ولكن لمكان الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا عنك ويعظمونك، وإن لم تعطهم إذا هم يسخطون؛ لأن إتيانهم رسول الله وزيارتهم إياه لمكان الصدقة، فإذا لم يعطوا منها شيئاً سخطوا.

ومنهم من قال: قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، أي: يطعن عليك في الصدقات، أو في قسمة الصدقات.

روي عن أبي سعيد الخدري قال: "بينا رسول الله  يقسم قسماً له، فجاءه رجل يقال له: ابن ذي الخويصرة التميمي، قال: اعدل يا رسول الله، فقال له النبي  : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل أنا؟!، فقال عمر -  -: ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال له النبي  : دعه؛ فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم؛ لحسن صلاتهم وصيامهم، فيحقر صلاته عند صلاة أولئك، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" ذكر حديثاً طويلاً، وهو كأنه كان من الخوارج، وهو الذي قتله علي ابن أبي طالب،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .

ما آتاهم الله من الرزق، ورسوله من الصدقات.

﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

أي: من دينه ورسوله، وقالوا: حسبنا الله، كان خيراً لهم مما طمعوا في هذه الصدقات، وطعنوا رسول الله في ذلك.

وقال بعضهم: [لو] رضوا ما آتاهم الله ورسوله من فضله مما رزق لهم، لكان خيراً لهم مما فعلوا.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ ﴾ من فضله، أي: من الصدقات التي كان أعطاهم رسول الله منها وإلى الله رغبوا، لكان خيراً مما طمعوا في تلك الصدقات، وطعنوا رسول الله، وسخطوا عليه.

ويقرأ و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ : برفع الميم.

قال أبو عوسجة: اللمز: العيب؛ يقال له: لماز ولامز، وهماز وهامز.

وقال القتبي: ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ ، أي: يعيبك ويطعن عليك؛ يقال: همزت فلاناً ولمزته: إذا اغتبته وعبته، وكذلك قول الله: ﴿ ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ .

يشبه أن تكون الآية في بيان موضع الصدقة؛ على ما تقدم من الذكر بقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ...

﴾ الآية، ما ذكر أن المنافقين كانوا يأتون رسول الله، يسألونه من الصدقات، فإن أعطاهم رضوا عنه، وإن لم يعطهم طعنوا فيه، وعابوا عليه، فبين أن الصدقات ليست لهؤلاء، ولكن للفقراء من المسلمين، والمساكين من المسلمين، وكذلك ما ذكر من الأصناف: المكاتبين والغارمين ...

أنها لهؤلاء من المسلمين، لا لهم.

ويدل على ذلك ما جاء من الأخبار: وروي عن رسول الله  أنه وضع صدقات بأعيانها حملت إليه في صنف واحد [مثل]: ما روي أنه أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى فلاناً كذا.

وروي عن الصحابة أنهم وضعوا الصدقة في صنف واحد.

وروي عن حذيفة أنه قال: هؤلاء أهلها، ففي أي صنف وضعتها أجزأك.

وعن ابن عباس أنه قال كذلك.

وعن عمر: أنه كان إذا جمع صدقات [الناس] المواشي والبقر والغنم، نظر ما كان منتجة للبن، فيعطي لأهل البيت على قدر ما يكفيهم، فكان يعطي العشرة شاة للبيت الواحد، ثم يقول: عطية تكفي خير من عطية لا تكفي، أو كلام نحو هذا.

وقد روي عنه أنه سئل عن ذلك، فقال: والله، لأردن عليهم الصدقة حتى يروح على أحدهم مائة ناقة، أو مائة بعير.

وعن علي بن أبي طالب -  - أنه أتي بصدقة، فبعثها إلى أهل بيت واحد.

هؤلاء نجباء الصحابة استجازوا وضع الصدقة في صنف واحد، ولو كان حق كل صدقة أن تقسم بين هؤلاء الأصناف الذين ذكر بالسوية على ما قال القوم، لكان قال الله - عز وجل -: إنما الصدقات بين الفقراء وبين من معهم من الأصناف؛ كما يقال: الميراث لقرابة فلان، أي: ليس للأجنبيين في ذلك حق، ولا يقال: الميراث بين قرابة فلان؛ لأن لكل في ذلك حقّاً؛ لأن حرف "بين" يقتضي التسوية بجميعهم، وقوله: "لهم" يقتضي أنه لا حق فيه لغيرهم.

ألا ترى أنه يقال: الخلافة لولد العباس، يراد أنه لا حظ فيها لغيرهم، والسقاية لبني هاشم، ونحوه، ليس يراد ذلك بينهم بالتسوية، وإنما يراد ذلك أن لا حق لغيرهم فيها؟!

وبعد، فإنه لو كان في الآية: إنما الصدقات بين الفقراء وبين من ذكر معهم، لكان لا يجب قسمة كل صدقة بين هؤلاء الأصناف المذكورة في الآية؛ لأنه ليس للصدقات انقطاع، بل لها مداد إذا دفع صدقة واحدة إلى صنف واحد، فإذا أتي بصدقة أخرى دفع إلى صنف آخر، هكذا يعمل في الأصناف كلها.

وبعد، فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أن تكلف طلب هؤلاء الأصناف فقسمها بينهم، وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأموال أنهم دفعوا صدقة واحدة بين هؤلاء الذين ذكر؛ فدل أنه خرج على ما ذكرنا؛ لأنه لو كان على تسوية كل صدقة بينهم، لم يجز ألا يقسموها كذلك ويضيعون حق البعض من هؤلاء.

وبعد، فإنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما قدر على ذلك، دل أنه لم يخرج الخطاب على توهم خصومنا.

ولأن الحق لو كان التسوية بينهم في كل صدقة، لكان إذا لم يجد في بلدة مكاتبين أو واحدا من هؤلاء الأصناف، فيجب أن يسقط مقدار حصة من لم يجد عن أربابها، فذلك بعيد؛ فقد جاء في الخبر أنه بعث معاذاً إلى اليمن، فقال له: "خذ من أغنيائهم وردّ في فقرائهم" ويكره إخراج صدقة كل بلد إلى غيره من البلدان.

ثم تحتمل الآية جميع الصدقات التي يتصدق بها على الفقراء والمساكين من الفيء وغيره، فبين أن هؤلاء موضع لذلك كله، من نحو قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ  ﴾ وقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا  ﴾ .

ويحتمل زكاة الأموال المفروضة، والوجه فيه ما ذكرنا.

فإن قيل: إن الرجل إذا أوصى فقال: "ثلث مالي لفلان وفلان [وفلان]، أليس هو مقسوماً بينهما بالسويّة؟

ما منع أن الأوّل بمثله؟

قيل: لا تشبه الصدقات الوصايا؛ وذلك أن الوصية إنما وقعت في مال معلوم، لا يزيد فيه بعد موت الميت شيئاً، ولا يتوهم له مدد، والصدقات يزيد بعضها بعضاً، وإذا فني مال جاء مال آخر، وإذا مضت سنة جاءت سنة أخرى بمال جديد، فإذا دفع الإمام صدقة جميع ما عنده إلى الفقراء ثم حضره غارمون فتحمل إليه صدقة أخرى يجعلها فيهم، فيصلح بذلك أحوال الجميع؛ لما لا انقطاع للأموال إلى يوم القيامة.

وكيف تقسم الصدقة على ثمانية أسهم؟

ولا خلاف في أن للعاملين بقدر عمالتهم زاد ذلك على الثمن أو نقص منه، فإذا زالت القسمة في أحد الأصناف زالت في الجميع، فأعطي كل صنف منهم بقدر حاجته كما أعطي العاملون، وكيف يصنع بسهم المؤلفة قلوبهم وقد ارتفع ذلك ونسخ؟

وعلى ذلك جاء عن بعض الصحابة، من نحو أبي بكر وعمر أنهم لم يعطوهم شيئاً، أليس يرد ذلك على سائر السهام؟!

فإذا جاز أن يزاد على الثمن في وقت، جاز أن ينقص منه في وقت.

وفي قوله: ﴿ وَٱلْعَامِلِينَ ﴾ دلالة أن لا بأس للأئمة والقضاة أخذ الكفاية من بيت المال، ولكل عامل للمسلمين أخذ كفايته ورزقه من ذلك إذا فرغ نفسه لذلك، وكفها عن غيره من المنافع والأعمال.

ثم اختلف في الفقراء والمساكين؛ قال بعضهم: الفقراء: هم من المهاجرين؛ كقوله: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ  ﴾ والمساكين: من الذين لم يهاجروا.

وقال بعضهم: الفقير: الذي به زمانة، والمسكين: الذي ليست به زمانة، وهو محتاج.

وقال بعضهم: الفقراء: هم المتعففون الذين لا يخرجون ولا يسألون الناس؛ كقوله -  -: ﴿ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ  ﴾ ، والمساكين: هم الذين يسألون، وكذلك قال الحسن.

وعن عمر قال: ليس المسكين الذي لا مال له، ولكن المسكين الذي لا يصيب المكسب.

وعن ابن عباس قال: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين: الطوافون.

وهو قريب مما قاله الحسن.

وعن الأصم قال: الفقير: الذي لا يسأل، وهو ما ذكرنا بدءاً، والمسكين: الذي يسأل إذا احتاج، ويمسك إذا استغنى.

وروي عن رسول الله  برواية أبي هريرة -  - قال: "ليس المسكين هذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان قيل: فما المسكين يا رسول الله؟

قال: الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" فهذا لو حمل على ظاهره لدفع قول من قال: إن المسكين هو الذي يسأل الناس، ولكن يجوز أن يكون معناه - والله أعلم - أن الذي يسأل وإن كان عندكم مسكيناً، فإن الذي لا يسأل أشد مسكنة منه، ولا يحمل على غير ذلك؛ لأن الله قد سمى الذين لا يسألون الناس فقراء، ولا يجوز أن يجعل الحديث مخالفاً للآية ما أمكن أن يكون موافقاً لها؛ قال الله -  -: { ﴿ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ  أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ  ﴾ .

فقوله ﴿ ذَا مَتْرَبَةٍ  ﴾ قيل: هو الذي لا حائل بينه وبين التراب لفقره؛ فدل بذلك - والله أعلم - على أن المسكين هو الشديد الفقر، والفقير هو الذي لا يملك شيئاً، ولم يبلغ في الفقر والضرورة حال المسكين، ويدل لذلك قول عمر: ليس المسكين من لا مال له، ولكن المسكين من لا مكسب له؛ كأنه يقول: إن الذي لا مال له وله مكسب هو فقير، والمسكين أشد حالاً من الفقير، وليس له مال ولا مكسب.

وإن حمل قول النبي -  -: "ليس المسكين الذي يسأل، ولكن المسكين الذي لا يفطن له ولا يسأل" على أن ذلك الذي لا يفطن به هو أشد مسكنة من الآخر، وإن كان الآخر مسكيناً - أيضاً - كان موافقاً للمعنى الذي ذكرنا؛ لأنا قلنا: إن المسكين هو الشديد الفقر، وقد يكون فقيراً وإن لم يبلغ به الضر مبلغ الضر الأول.

وقد يخرج قول من قال: إن المسكين الذي يخرج هذا المخرج؛ لأن من شأن المسلم الفقير أنه يحتمل ما كانت له حيلة، ويتعفف، ولا يخرج فيسأل وله حيلة فخروجه يدل على شدة ضيقه، وعلى الزيادة في سوء حاله، فكان القولان جميعاً يرجعان إلى معنى واحد.

وإذا كان الفقير أحسن حالا من المسكين لما ذكرنا، فقد يجوز أن تدفع الصدقة إلى من له مال قليل؛ لأنه فقير، وإن لم يكن حاله في فقره حال المسكين الذي لا يملك شيئاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ ؟

اختلف فيه: قال بعضهم: يعطى لهم الثمن.

وقال بعضهم: يعطى لهم قدر عمالتهم.

وقال بعضهم: يعطى لهم قدر كفايتهم وعيالهم.

أما قول من قال: يعطى لهم الثمن: فلا معنى له؛ لما يجوز ألا يبلغ الثمن الوفاء أو عمالته لا تبلغ عشر عشر ذلك.

ومن قال: يعطى لهم قدر كفايتهم وكفاية عيالهم، فهو - والله أعلم - إذا [كان] هو يسلم نفسه لذلك واستعمله الإمام في جميع أمور المسلمين، فإذا كان كذلك يعطى له عند ذلك الكفاية له ولعياله، وأما إذا تولى شيئاً من تلك العمالة في وقت، فيعطي له الكفاية فلا.

والأشبه عندنا: أن يعطى لهم قدر عمالتهم، وهكذا الإمام إذا استعمل أحداً في عمل من أعمال اليتيم فإنه يعطى له قدر أجر عمله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أنه -  - كان يعطي الرؤساء من المنافقين من الصدقات، يتألف به قلوبهم ليسلموا؛ على ما روي أنه كان يعطي فلاناً مائة من الإبل، وفلاناً كذا.

روي أنه قسم ذهبة أو أديماً مقروطاً، بعثها علي -  - من اليمن، بين الأقرع بن حابس وبين فلان وفلان.

والحديث في هذا كثير أن النبي كان يخص به الرؤساء منهم بالصدقة يتألفهم، والإسلام في ضعف وأهله في قلة، وأولئك كثير ذوو قوة وعدة، فأما اليوم فقد كثر أهل الإسلام، وعز الدين، وصار أولئك إذ لا يحمد الله، فقد أرتفع ذلك وذهب؛ إذ قوي المسلمون وكثروا، فيقاتلون حتى يسلموا، وعلى ذلك جاء الخبر عن أبي بكر وعمر -  ما - فدل على ما ذكرنا.

روي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءا إلى أبي بكر -  - فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضاً سبخة، ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت [أن] تقطعناها، فأقطعنا إياها، وكتب لهما عليها كتاباً، وأشهد عمر -  - وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر ليشهداه، فلما سمع عمر ما في الكتاب، فتناوله من أيديهما، ثم نظر فيه، فمحاه، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله  كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله -  - قد أعز الإسلام؛ اذهبا فاجهدا جهدكما، لا أرعى الله عليكما إن رعيتما.

ونحن نذهب إلى هذا الحديث؛ لأن أبا بكر لم ينكر على عمر قوله وفعله، فصار ذلك وفاقاً منه له، فكفى بقولهما حجة لنا.

ولنا في ذلك وجهان من الحجج: أحدهما: أن النبي -  - كان يعاهد قوماً وهو إلى مداراتهم ومعاهدتهم محتاج؛ لما ذكرنا من قلة أهل الإسلام وضعفهم، فلما أعز الله الإسلام وأكثر أهله ردّ إلى أهل العهود عهودهم، ثم أمر بمحاربتهم جميعاً.

والثاني: ما قال الله -  -: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فكانت الحال الثانية التي عز فيها الإسلام وقوي أهله وعزوا مخالفة للحال الأولى في هذه الأشياء، فكذلك أمر المنافقين جائز الرضا في الحال الأول محظور في الحال الثانية، والله أعلم.

وفي الآية دلالة جواز النسخ بالاجتهاد؛ لارتفاع المعنى الذي [به] كان؛ ليعلم أن النسخ قد يكون بوجوه.

وفي خبر أبي بكر، وعمر -  ما - دلالة أن إذن الإمام شرط في إحياء الأرض الموات التي لا تملك إلا بالإذن؛ لأن ذَيْنَك الرجلين [اللذين] أتيا أبا بكر، والأرض لا كلأ فيها، وذلك صورة أرض الموات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلرِّقَابِ ﴾ .

اختلف فيه؛ قال بعضهم: معناه: العتق، ويجوز أن يعتق عن الزكاة.

وقال بعضهم: هم المكاتبون، يستأدونهم في كتابتهم، وقالوا: لا يشبه الإعتاق ما يدفع إلى المكاتب فيؤدي فيعتق؛ لأن العتق ليس بتمليك، وإنما هو إبطال ملك، وما يدفع إلى المكاتب فهو تمليك، فذلك مختلف، وإنما تكون الزكاة زكاة إذا زالت من مالك إلى مالك.

والثاني: أن العتق يوجب الولاء للمعتق، فحقه فيه باق، والذي يدفع الزكاة إلى مكاتب لغيره لا يرجع إليه بذلك حق، ولا يجب فيه ولاء، فهما مختلفان.

والثالث: وهو أن الله -  - [قال]: ﴿ وَٱلْغَارِمِينَ ﴾ ، ولو أن رجلا قضى من غارم دينه بغير أمره، لم يجز من زكاة ماله، وإنما يكون زكاة إذا دفعها إلى الغارم، فعتق المزكي العبد بمنزلة قضاء دين الغارم؛ لأنه لا يحتاج في واحد منهما إلى قبول من الغارم والعبد، وإعطاؤه المكاتب في الزكاة كدفعه إياها إلى الغارم؛ لأنه قد دفعها في كلا الحالين إلى من قبلها منه من زكاة وقبضها، وفي ذلك وجه آخر: وذلك أن أشترى عبداً من رجل لأعتقه، فقد صار ثمنه ديناً في ذمتي قبل أن أنقد المال، فإذا أقبضته فإنما قضيته عن ذمتي ديناً قد لزمني، ولا يجوز أن أقضي ديني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: هم الغزاة.

ويحتمل: ﴿ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: في طاعة الله أن كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات، فإنه داخل في ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

قيل: الضيف ينزل به.

وقيل: هو المار عليك وإن كان غنيّاً، والمنقطع عن ماله .

وقوله: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل: بياناً من الله وإعلاماً أهل الصدقات منهم من غيرهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: واجباً من الله وفرضاً ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يعيبونك في قسمة الصدقات رضوا بما فرضه الله لهم، وبما أعطاهم رسوله منها، وقالوا: كافينا الله، سيعطينا الله من فضله ما شاء، وسيعطينا رسوله مما أعطاه الله، إنا إلى الله وحده راغبون أن يعطينا من فضله، لو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرًا لهم من أن يعيبوك.

<div class="verse-tafsir" id="91.l5Yl9"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله