الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٦٠ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 311 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر [ الله ] تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولمزهم إياه في قسم الصدقات ، بين تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها ، وتولى أمرها بنفسه ، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره ، فجزأها لهؤلاء المذكورين ، كما رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وفيه ضعف - عن زياد بن نعيم ، عن زياد بن الحارث الصدائي - رضي الله عنه - قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعته ، فأتى رجل فقال : أعطني من الصدقة فقال له : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية : هل يجب استيعاب الدفع إليها أو إلى ما أمكن منها ؟
على قولين : أحدهما : أنه يجب ذلك ، وهو قول الشافعي وجماعة .
والثاني : أنه لا يجب استيعابها ، بل يجوز الدفع إلى واحد منها ، ويعطى جميع الصدقة مع وجود الباقين .
وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف ، منهم : عمر ، وحذيفة ، وابن عباس ، وأبو العالية ، وسعيد بن جبير ، وميمون بن مهران .
قال ابن جرير : وهو قول عامة أهل العلم ، وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف هاهنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء .
ولوجوه الحجاج والمآخذ مكان غير هذا ، والله أعلم .
وإنما قدم الفقراء هاهنا لأنهم أحوج من البقية على المشهور ، لشدة فاقتهم وحاجتهم ، وعند أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالا من الفقير ، وهو كما قال ، قال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، أنبأنا ابن عون ، عن محمد قال : قال عمر - رضي الله عنه - : الفقير ليس بالذي لا مال له ، ولكن الفقير الأخلق الكسب .
قال ابن علية : الأخلق : المحارف عندنا .
والجمهور على خلافه .
وروي عن ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن البصري ، وابن زيد ، واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير : هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا ، والمسكين : هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس .
وقال قتادة : الفقير : من به زمانة ، والمسكين : الصحيح الجسم .
وقال الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم : هم فقراء المهاجرين .
قال سفيان الثوري : يعني : ولا يعطى الأعراب منها شيئا .
وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى .
وقال عكرمة : لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين ، وإنما المساكين مساكين أهل الكتاب .
ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية .
فأما " الفقراء " ، فعن ابن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي .
رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي .
ولأحمد أيضا ، والنسائي ، وابن ماجه عن أبي هريرة ، مثله .
وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه : أنهما أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألانه من الصدقة ، فقلب إليهما البصر ، فرآهما جلدين ، فقال : إن شئتما أعطيتكما ، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب .
رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي بإسناد جيد قوي .
وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح [ والتعديل : أبو بكر العبسي قال : قرأ عمر - رضي الله عنه - : ( إنما الصدقات للفقراء ) قال : هم أهل الكتاب ] روى عنه عمر بن نافع ، سمعت أبي يقول ذلك .
قلت : وهذا قول غريب جدا بتقدير صحة الإسناد ، فإن أبا بكر هذا ، وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته ، لكنه في حكم المجهول .
وأما المساكين : فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس ، فترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان .
قالوا : فما المسكين يا رسول الله ؟
قال : الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يسأل الناس شيئا .
رواه الشيخان : البخاري ومسلم .
وأما العاملون عليها : فهم الجباة والسعاة يستحقون منها قسطا على ذلك ، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين تحرم عليهم الصدقة ، لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث : أنه انطلق هو والفضل بن عباس يسألان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستعملهما على الصدقة ، فقال : إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس .
وأما المؤلفة قلوبهم : فأقسام : منهم من يعطى ليسلم ، كما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - صفوان بن أمية من غنائم حنين ، وقد كان شهدها مشركا .
قال : فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إلي بعد أن كان أبغض الناس إلي ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا زكريا بن عدي ، أنا ابن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن صفوان بن أمية قال : أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ، وإنه لأبغض الناس إلي ، فما زال يعطيني حتى صار وإنه لأحب الناس إلي .
ورواه مسلم والترمذي ، من حديث يونس ، عن الزهري ، به .
ومنهم من يعطى ليحسن إسلامه ، ويثبت قلبه ، كما أعطى يوم حنين أيضا جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل ، مائة من الإبل وقال : إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه ، مخافة أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد : أن عليا بعث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذهيبة في تربتها من اليمن فقسمها بين أربعة نفر : الأقرع بن حابس ، وعيينة بن بدر ، وعلقمة بن علاثة ، وزيد الخير ، وقال : أتألفهم .
ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه .
ومنهم من يعطى ليجبي الصدقات ممن يليه ، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد .
ومحل تفصيل هذا في كتب الفروع ، والله أعلم .
وهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟
فيه خلاف ، فروي عن عمر ، وعامر الشعبي وجماعة : أنهم لا يعطون بعده ؛ لأن الله قد أعز الإسلام وأهله ، ومكن لهم في البلاد ، وأذل لهم رقاب العباد .
وقال آخرون : بل يعطون ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن ، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم .
وأما الرقاب : فروي عن الحسن البصري ، ومقاتل بن حيان ، وعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، والزهري ، وابن زيد أنهم المكاتبون ، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه ، وهو قول الشافعي والليث .
وقال ابن عباس ، والحسن : لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة ، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، ومالك ، وإسحاق ، أي : إن الرقاب أعم من أن يعطى المكاتب ، أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالا .
وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة ، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضوا من معتقها حتى الفرج بالفرج ، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل ، ( وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) [ الصافات : 39 ] .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة حق على الله عونهم : الغازي في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف .
رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود .
وفي المسند عن البراء بن عازب قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله ، دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار .
فقال : أعتق النسمة وفك الرقبة .
فقال : يا رسول الله ، أوليسا واحدا ؟
قال : لا ، عتق النسمة أن تفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها .
وأما الغارمون : فهم أقسام : فمنهم من تحمل حمالة أو ضمن دينا فلزمه ، فأجحف بماله ، أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب ، فهؤلاء يدفع إليهم .
والأصل في هذا الباب حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حمالة ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله فيها ، فقال : أقم حتى تأتينا الصدقة ، فنأمر لك بها .
قال : ثم قال : يا قبيصة ، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ، ثم يمسك .
ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله ، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش : أو قال : سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه ، فيقولون : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة ، حتى يصيب قواما من عيش - أو قال : سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة سحت ، يأكلها صاحبها سحتا .
رواه مسلم .
وعن أبي سعيد قال : أصيب رجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها ، فكثر دينه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - تصدقوا عليه .
فتصدق الناس فلم يبلغ ذلك وفاء دينه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لغرمائه : خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك .
رواه مسلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، أنبأنا صدقة بن موسى ، عن أبي عمران الجوني ، عن قيس بن زيد عن قاضي المصرين عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه ، فيقول : يا ابن آدم ، فيم أخذت هذا الدين ؟
وفيم ضيعت حقوق الناس ؟
فيقول : يا رب ، إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ، ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة .
فيقول الله : صدق عبدي ، أنا أحق من قضى عنك اليوم .
فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه ، فترجح حسناته على سيئاته ، فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته .
وأما في سبيل الله : فمنهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان ، وعند الإمام أحمد ، والحسن ، وإسحاق : والحج من سبيل الله ، للحديث .
وكذلك ابن السبيل : وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره ، فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال .
وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء ، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه .
والدليل على ذلك الآية وما رواه الإمام أبو داود وابن ماجه من حديث معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : العامل عليها ، أو رجل اشتراها بماله ، أو غارم ، أو غاز في سبيل الله ، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني .
وقد رواه السفيانان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء مرسلا .
ولأبي داود عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله ، وابن السبيل ، أو جار فقير فيهدي لك أو يدعوك .
وقوله : ( فريضة من الله ) أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه ( والله عليم حكيم ) أي : عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده ، ( حكيم ) فيما يفعله ويقوله ويشرعه ويحكم به ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه .
القول في تأويل قوله : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما الصدقات إلا للفقراء والمساكين، (24) ومن سماهم الله جل ثناؤه.
* * * ثم اختلف أهل التأويل في صفة " الفقير " و " المسكين ".
فقال بعضهم: " الفقير "، المحتاج المتعفف عن المسألة، و " المسكين "، المحتاج السائل.
(25) * ذكر من قال ذلك: 16818- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن أشعث, عن الحسن: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)، قال: " الفقير "، الجالس في بيته = " والمسكين "، الذي يسعى.
16819- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)، = قال: " المساكين "، الطوافون, و " الفقراء "، فقراء المسلمين.
16820- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن جرير بن حازم قال، حدثني رجل, عن جابر بن زيد: أنه سئل عن " الفقراء ", قال: " الفقراء "، المتعففون, و " المساكين "، الذين يسألون.
16821- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله الجزريّ قال: سألت الزهري عن قوله: (إنما الصدقات للفقراء)، قال: الذين في بيوتهم لا يسألون, و " المساكين "، الذين يخرجون فيسألون.
(26) 16822- حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن عبد الوارث بن سعيد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " الفقير " الذي لا يسأل, و " المسكين "، الذي يسأل.
16823- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب, قال، قال ابن زيد في قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)، قال: " الفقراء "، الذين لا يسألون الناس، أهلُ حاجة (27) = و " المساكين "، الذين يسألون الناس.
16824- حدثنا الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " الفقراء "، الذين لا يسألون, و " المساكين " الذين يسألون.
* * * وقال آخرون: " الفقير "، هو ذو الزمانة من أهل الحاجة، و " المسكين "، هو الصحيح الجسم منهم.
(28) * ذكر من قال ذلك: 16825- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)، قال: " الفقير "، من به زَمانة = و " المسكين "، الصحيح المحتاج.
16826- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)، أما " الفقير "، فالزَّمِن الذي به زَمانة, وأما " المسكين "، فهو الذي ليست به زمانة.
* * * وقال آخرون: " الفقراء "، فقراء المهاجرين، و " المساكين "، من لم يهاجر من المسلمين، وهو محتاج.
* ذكر من قال ذلك: 16827- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا جرير بن حازم, عن علي بن الحكم, عن الضحاك بن مزاحم: (إنما الصدقات للفقراء)، قال: فقراء المهاجرين = و " المساكين "، الذين لم يهاجروا.
(29) 16828-......
قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم: (إنما الصدقات للفقراء)، المهاجرين, قال: سفيان: يعني: ولا يعطى الأعراب منها شيئًا.
16829- حدثنا ابن وكيع قال: حدثني أبي, عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم, قال: كان يقال: إنما الصدقة لفقراء المهاجرين.
16830-......
قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم قال: كانت تجعل الصدقة في فقراء المهاجرين, وفي سبيل الله.
16831- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي قالا (30) كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار، والزوجة، والعبد، والناقة يحج عليها ويغزو, فنسبهم الله إلى أنهم فقراء, وجعل لهم سهمًا في الزكاة.
16832- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم قال: كان يقال: إنما الصدقات في فقراء المهاجرين, وفي سبيل الله.
* * * وقال آخرون: " المسكين "، الضعيف الكسب.
(31) * ذكر من قال ذلك: 16833- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون, عن محمد قال: قال عمر: ليس الفقير بالذي لا مال له, ولكن الفقير الأخلقُ الكسْب = قال يعقوب: قال ابن علية: " الأخلق "، المحارَفُ، عندنا.
(32) 16834- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أيوب عن ابن سيرين: أن عمر بن الخطاب رحمه الله قال: ليس المسكين بالذي لا مال له، ولكن المسكين الأخلقُ الكسْبِ.
* * * وقال بعضهم: " الفقير "، من المسلمين، و " المسكين " من أهل الكتاب.
* ذكر من قال ذلك: 16835- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عمر بن نافع قال: سمعت عكرمة في قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)، قال: لا تقولوا لفقراء المسلمين " مساكين ", إنما " المساكين "، مساكين أهل الكتاب.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب, قول من قال: " الفقير "، هو ذو الفقر أو الحاجة، ومع حاجته يتعفّف عن مسألة الناس والتذلل لهم، في هذا الموضع = و " المسكين " هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك، وإن كان الفريقان لم يُعْطَيا إلا بالفقر والحاجة، دون الذلة والمسألة, (33) لإجماع الجميع من أهل العلم أن " المسكين "، إنما يعطى من الصدقة المفروضة بالفقر, وأن معنى " المسكنة "، عند العرب، الذلة, كما قال الله جل ثناؤه: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، [سورة البقرة: 61]، يعني بذلك: الهون والذلة، لا الفقر.
فإذا كان الله جل ثناؤه قد صنَّف من قسم له من الصدقة المفروضة قسمًا بالفقر، فجعلهم صنفين, كان معلومًا أن كل صنف منهم غير الآخر.
وإذ كان ذلك كذلك، كان لا شك أن المقسوم له باسم " الفقير "، غير المقسوم له باسم الفقر و " المسكنة ", والفقير المعطَى ذلك باسم الفقير المطلق، هو الذي لا مسكنة فيه.
والمعطى باسم المسكنة والفقر، هو الجامع إلى فقره المسكنة, وهي الذلّ بالطلب والمسألة.
= فتأويل الكلام، إذ كان ذلك معناه: إنما الصدقات للفقراء: المتعفِّف منهم الذي لا يسأل, والمتذلل منهم الذي يسأل.
* * * وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك خبَرٌ.
16836- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا إسماعيل بن جعفر, عن شريك بن أبي نمر, عن عطاء بن يسار, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس المسكين بالذي تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان, إنما المسكين المتعفف!
اقرءوا إن شئتم: لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ، (34) [سورة البقرة: 273].
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما المسكين المتعفف " على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر " مساكين ", لا على تفصيل المسكين من الفقير.
ومما ينبئ عن أن ذلك كذلك, انتزاعه صلى الله عليه وسلم بقول الله: (35) اقرءوا إن شئم: لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ، وذلك في صفة من ابتدأ الله ذكره ووصفه بالفقر فقال: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ، [سورة البقرة: 273].
* * * وقوله: (والعاملين عليها)، وهم السعاة في قبضها من أهلها, ووضعها في مستحقِّيها، يعطون ذلك بالسعاية, أغنياء كانوا أو فقراء.
* * * وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16837- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله قال: سألت الزهري: عن " العاملين عليها ", فقال: السعاة.
16838- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (والعاملين عليها)، قال: جُباتها الذين يجمعونها ويسعون فيها.
16839- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (والعاملين عليها)، الذي يعمل عليها.
* * * ثُمّ اختلف أهل التأويل في قدر ما يعطى العامل من ذلك.
فقال بعضهم: يعطى منه الثُّمُن.
* ذكر من قال ذلك: 16840- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن حسن بن صالح, عن جويبر, عن الضحاك قال: للعاملين عليها الثمن من الصدقة.
16841- حدثت عن مسلم بن خالد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (والعاملين عليها)، قال: يأكل العمال من السهم الثامن.
* * * وقال آخرون: بل يعطى على قدر عُمالته.
* ذكر من قال ذلك: 16842- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء, عن الأخضر بن عجلان قال، حدثنا عطاء بن زهير العامري, عن أبيه: أنه لقي عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله عن الصدقة: أيُّ مالٍ هي؟
فقال: مالُ العُرْجان والعُوران والعميان، وكل مُنْقَطَع به.
(36) فقال له: إن للعاملين حقًّا والمجاهدين!
قال: إن المجاهدين قوم أحل لهم، والعاملين عليها على قدر عُمالتهم.
(37) ثم قال: لا تحل الصدقة لغنيّ, ولا لذي مِرَّة سويّ (38) 16843- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: يكون للعامل عليها إن عمل بالحق، ولم يكن عمر رحمه الله تعالى ولا أولئك يعطون العامل الثمن, إنما يفرضون له بقدر عُمالته.
16844- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن أشعث, عن الحسن: (والعاملين عليها)، قال: كان يعطى العاملون.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: يعطى العامل عليها على قدر عُمالته وأجر مثله.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب, لأن الله جل ثناؤه لم يقسم صدقة الأموال بين الأصناف الثمانية على ثمانية أسهم، وإنما عرّف خلقه أن الصدقات لن تجاوز هؤلاء الأصناف الثمانية إلى غيرهم، وإذ كان كذلك، بما سنوضح بعدُ، وبما قد أوضحناه في موضع آخر, كان معلومًا أن من أعطي منها حقًّا, فإنما يعطى على قدر اجتهاد المعطى فيه.
وإذا كان ذلك كذلك, وكان العامل عليها إنما يعطى على عمله، لا على الحاجة التي تزول بالعطية, كان معلومًا أن الذي أعطاه من ذلك إنما هو عِوَض من سعيه وعمله, وأن ذلك إنما هو قدر يستحقه عوضًا من عمله الذي لا يزول بالعطية، وإنما يزول بالعزل.
* * * وأما " المؤلفة قلوبهم ", فإنهم قوم كانوا يُتَألَّفون على الإسلام، ممن لم تصحّ نصرته، استصلاحًا به نفسَه وعشيرتَه, كأبي سفيان بن حرب، وعيينة بن بدر، والأقرع بن حابس, ونظرائهم من رؤساء القبائل.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16845- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (والمؤلفة قلوبهم)، وهم قوم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلموا, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضَخ لهم من الصدقات, (39) فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا قالوا: هذا دين صالح !
وإن كان غير ذلك, عابوه وتركوه.
16846- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، (40) حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن يحيى بن أبي كثير: أن المؤلفة قلوبهم من بني أمية: أبو سفيان بن حرب = ومن بني مخزوم: الحارث بن هشام, وعبد الرحمن بن يربوع = ومن بني جُمَح: صفوان بن أمية = ومن بني عامر بن لؤي: سهيل بن عمرو, وحويطب بن عبد العزى = ومن بني أسد بن عبد العزى: حكيم بن حزام = ومن بني هاشم: سفيان بن الحارث بن عبد المطلب = ومن بني فزارة: عيينة بن حصن بن بدر = ومن بني تميم: الأقرع بن حابس = ومن بني نصر: مالك بن عوف = ومن بني سليم: العباس بن مرداس = ومن ثقيف: العلاء بن حارثة = أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مئة ناقة, إلا عبد الرحمن بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى, فإنه أعطى كلَّ رجل منهم خمسين.
16847- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري قال، قال صفوان بن أمية: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لأبغض الناس إليّ, فما بَرِح يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليّ.
(41) 16848- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: ناس كان يتألفهم بالعطية, عيينة بن بدر ومن كان معه.
16849- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, عن حماد بن سلمة, عن يونس, عن الحسن: (والمؤلفة قلوبهم)، : الذين يُؤَلَّفون على الإسلام.
16850- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: وأما " المؤلفة قلوبهم ", فأناس من الأعراب ومن غيرهم, كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا.
16851- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله قال: سألت الزهري عن قوله: (والمؤلفة قلوبهم)، فقال: من أسلم من يهوديّ أو نصراني.
قلت: وإن كان غنيًّا؟
قال: وإن كان غنيًّا.
16852- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا معقل بن عبيد الله الجزري, عن الزهري: (والمؤلفة قلوبهم)، قال: من هو يهوديّ أو نصرانيّ.
(42) ثم اختلف أهل العلم في وجود المؤلفة اليوم وعدمها, وهل يعطى اليوم أحدٌ على التألف على الإسلام من الصدقة؟
فقال بعضهم: قد بطلت المؤلفة قلوبهم اليوم, ولا سهم لأحد في الصدقة المفروضة إلا لذي حاجة إليها، وفي سبيل الله، أو لعامل عليها.
* ذكر من قال ذلك: 16853- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن أشعث, عن الحسن: (والمؤلفة قلوبهم)، قال: أما " المؤلفة قلوبهم " فليس اليوم.
16854- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن جابر, عن عامر قال: لم يبق في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم, إنما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
16855- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى, عن حبان بن أبي جبلة قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: وأتاه عيينة بن حصن: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ، [سورة الكهف: 29]، أي: ليس اليوم مؤلفة.
168856- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك, عن الحسن قال: ليس اليوم مؤلفة.
16857- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن عامر قال: إنما كانت المؤلفة قلوبهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم, فلما ولي أبو بكر رحمة الله تعالى عليه، انقطعت الرشى.
* * * وقال آخرون: " المؤلفة قلوبهم "، في كل زمان, وحقهم في الصدقات.
* ذكر من قال ذلك: 16858- حدثنا أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر قال: في الناس اليوم، المؤلفة قلوبهم.
16859- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر, مثله.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أن الله جعل الصدقة في معنيين أحدهما: سدُّ خَلَّة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته.
فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه، فإنه يُعطاه الغني والفقير, لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونةً للدين.
وذلك كما يعطى الذي يُعطاه بالجهاد في سبيل الله, فإنه يعطى ذلك غنيًّا كان أو فقيرًا، للغزو، لا لسدّ خلته.
وكذلك المؤلفة قلوبهم، يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء, استصلاحًا بإعطائهموه أمرَ الإسلام وطلبَ تقويته وتأييده.
وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من أعطى من المؤلفة قلوبهم, بعد أن فتح الله عليه الفتوح، وفشا الإسلام وعز أهله.
فلا حجة لمحتجّ بأن يقول: " لا يتألف اليوم على الإسلام أحد، لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم "، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من أعطى منهم في الحال التي وصفت.
* * * وأما قوله: (وفي الرقاب)، فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه.
فقال بعضهم, وهم الجمهور الأعظم: هم المكاتبون, يعطون منها في فك رقابهم.
(43) * ذكر من قال ذلك: 16860- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن الحسن بن دينار, عن الحسين: أن مكاتبًا قام إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله تعالى وهو يخطب الناسَ يوم الجمعة, فقال له: أيها الأمير، حُثَّ الناس عليَّ !
فحثَّ عليه أبو موسى, فألقى الناسُ عليه عمامة وملاءة وخاتمًا, حتى ألقوا سَوادًا كثيرًا، فلما رأى أبو موسى ما ألقي عليه قال: اجمعوه !
فجمع، ثم أمر به فبيع.
فأعطى المكاتب مكاتبته, ثم أعطى الفضل في الرقاب، ولم يرده على الناس, وقال: إنما أعطي الناسُ في الرقاب.
16861- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله قال، سألت الزهري عن قوله: (وفي الرقاب)، قال: المكاتَبون.
16862- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وفي الرقاب)، قال: المكاتَب.
16863- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف, عن عمرو, عن الحسن: (وفي الرقاب)، قال: هم المكاتبون.
* * * وروي عن ابن عباس أنه قال: لا بأس أن تُعْتَقَ الرقبة من الزكاة.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، قولُ من قال: " عنى بالرقاب، في هذا الموضع، المكاتبون ", لإجماع الحجة على ذلك، فإن الله جعل الزكاة حقًّا واجبًا على من أوجبها عليه في ماله، يخرجها منه, لا يرجع إليه منها نفعٌ من عرض الدنيا، ولا عِوَض.
والمعتق رقبةً منها، راجع إليه ولاء من أعتقه, وذلك نفع يعود إليه منها.
* * * وأما " الغارمون "، فالذين استدانوا في غير معصية الله, ثم لم يجدوا قضاء في عين ولا عَرَض.
* * * وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16864- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد قال: " الغارمون "، من احترق بيته, أو يصيبه السيل فيذهب متاعه, ويدَّانُ على عياله، فهذا من الغارمين.
16865- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد في قوله: (والغارمين)، قال: من احترق بيته, وذهب السيل بماله, وادَّان على عياله.
16866- حدثنا أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر قال: " الغارمين "، المستدين في غير سَرَف, ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت المال.
16867-......
قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله قال: سألنا الزهري عن " الغارمين ", قال: أصحاب الدين.
16868- ......
قال، حدثنا معقل, عن عبد الكريم قال، حدثني خادم لعمر بن عبد العزيز خدمه عشرين سنة قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن يُعْطى الغارمون = قال أحمد: أكثر ظني: من الصدقات.
16869-......
قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن جابر, عن أبي جعفر قال: " الغارمون "، المستدين في غير سرف.
16870- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أما " الغارمون "، فقوم غرَّقتهم الديون في غير إملاق، (44) ولا تبذير ولا فساد.
16871- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " الغارم "، الذي يدخل عليه الغُرْم.
16872- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد: (والغارمين)، قال: هو الذي يذهب السيل والحريق بماله, ويدَّان على عياله.
16873-......
قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن أبي جعفر قال: المستدين في غير فساد.
16874-......
قال، حدثني أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر, قال: " الغارمون "، الذين يستدينون في غير فساد, ينبغي للإمام أن يقضي عنهم.
16875- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد: هم قوم ركبتهم الديون في غير فساد ولا تبذير, فجعل الله لهم في هذه الآية سهمًا.
* * * وأما قوله: (وفي سبيل الله)، فإنه يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقه وشريعته التي شرعها لعباده، بقتال أعدائه, وذلك هو غزو الكفار.
(45) * * * وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16876- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وفي سبيل الله)، قال: الغازي في سبيل الله.
16877- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها, أو رجل اشتراها بماله, أو في سبيل الله, أو ابن السبيل, أو رجل كان له جار تصدَّق عليه فأهداها له.
(46) 16878-......
قال، حدثنا أبي, عن ابن أبي ليلى, عن عطية, عن أبي سعيد الخدري, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة: في سبيل الله, أو ابن السبيل, أو رجل كان له جار فتصدق عليه، فأهداها له.
(47) * * * وأما قوله: (وابن السبيل)، فالمسافر الذي يجتاز من بلد إلى بلد.
* * * و " السبيل ": الطريق, (48) وقيل للضارب فيه: " ابن السبيل "، للزومه إياه, كما قال الشاعر: (49) أنَــا ابــنُ الحَـرْبِ رَبَّتْنِـي وَلِيـدًا إلَــى أنْ شِــبْتُ واكْـتَهَلَتْ لِـدَاتِي وكذلك تفعل العرب, تسمي اللازم للشيء يعرف به: " ابنه ".
(50) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16879- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان, عن جابر, عن أبي جعفر قال: " ابن السبيل "، المجتاز من أرض إلى أرض.
16880- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مندل, عن ليث, عن مجاهد: (وابن السبيل)، قال: لابن السبيل حق من الزكاة وإن كان غنيًّا، إذا كان مُنْقَطَعًا به.
16881- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله قال: سألت الزهري عن " ابن السبيل "، قال: يأتي عليَّ ابن السبيل, وهو محتاج.
قلت: فإن كان غنيًّا؟
قال: وإن كان غنيًا.
16882- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وابن السبيل)، الضيف، جعل له فيها حق.
16883- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال [ابن زيد]: " ابن السبيل "، المسافر من كان غنيًّا أو فقيرًا، إذا أصيبت نفقته, أو فقدت, أو أصابها شيء, أو لم يكن معه شيء, فحقه واجب.
(51) 16884- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, أنه قال: في الغني إذا سافر فاحتاج في سفره.
قال: يأخذ من الزكاة.
16885- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن أبي جعفر قال: " ابن السبيل "، المجتاز من الأرض إلى الأرض.
* * * وقوله: (فريضة من الله)، يقول جل ثناؤه: قَسْمٌ قسمه الله لهم, فأوجبه في أموال أهل الأموال لهم (52) =(والله عليم)، بمصالح خلقه فيما فرض لهم، وفي غير ذلك، لا يخفى عليه شيء.
فعلى علم منه فرض ما فرض من الصدقة وبما فيها من المصلحة =(حكيم)، في تدبيره خلقه, لا يدخل في تدبيره خلل.
(53) واختلف أهل العلم في كيفية قسم الصدقات التي ذكرها الله في هذه الآية, وهل يجب لكل صنف من الأصناف الثمانية فيها حق، أو ذلك إلى رب المال؟
ومن يتولى قسمها، في أن له أن يعطي جميعَ ذلك من شاء من الأصناف الثمانية.
فقال عامة أهل العلم: للمتولي قسمُها ووضعُها في أيِّ الأصناف الثمانية شاء.
وإنما سمَّى الله الأصناف الثمانية في الآية، إعلامًا منه خلقَه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف الثمانية إلى غيرها, لا إيجابًا لقسمها بين الأصناف الثمانية الذين ذكرهم.
* ذكر من قال ذلك: 16886- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون, عن الحجاج بن أرطاة, عن المنهال بن عمرو, عن زرّ بن حبيش, عن حذيفة في قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها)، قال: إن شئت جعلته في صنف واحد, أو صنفين, أو لثلاثة.
16887- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن الحجاج, عن المنهال, عن زر, عن حذيفة قال: إذا وضعتها في صنف واحد أجزأ عنك.
16888-......
قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن عطاء, عن عمر: (إنما الصدقات للفقراء)، قال: أيُّما صنف أعطيته من هذا أجزأك.
16889- ......
قال، حدثنا ابن نمير, عن عبد المطلب, عن عطاء: (إنما الصدقات للفقراء)، الآية, قال: لو وضعتها في صنف واحد من هذه الأصناف أجزأك.
ولو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعفِّفين فجبرتهم بها، كان أحبَّ إليَّ.
16890-......
قال أخبرنا جرير, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين...
وابن السبيل)، فأيّ صنف أعطيته من هذه الأصناف أجزأك.
16891-......
قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, مثله.
16892-......
قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها)، قال: إنما هذا شيء أعلمَهُ, فأيَّ صنف من هذه الأصناف أعطيته أجزأ عنك.
16893-......
قال، حدثنا أبي، عن شعبة, عن الحكم, عن إبراهيم: (إنما الصدقات للفقراء)، قال: في أيّ هذه الأصناف وضعتها أجزأك.
16894-......
قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير قال: إذا وضعتها في صنف واحد مما سمَّى الله أجزأك.
16895- ......
قال، حدثنا أبي, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية قال: إذا وضعتها في صنف واحد مما سمَّى الله أجزأك.
16896-......
قال، حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد, عن جعفر بن يرقان, عن ميمون بن مهران: (إنما الصدقات للفقراء)، قال: إذا جعلتها في صنف واحد من هؤلاء أجزأ عنك.
(54) 16897-......
قال، حدثنا محمد بن بشر, عن مسعود, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)، الآية, قال: أعلمَ أهلَها مَنْ همْ.
16898-......
قال، حدثنا حفص, عن ليث, عن عطاء, عن عمر: أنه كان يأخذ الفرْض في الصدقة, ويجعلها في صنف واحد.
* * * وكان بعض المتأخرين يقول: إذا تولى رب المال قَسْمها كان عليه وضعها في ستة أصناف، وذلك أن المؤلفة قلوبهم عنده قد ذهبوا, وأنّ سهم العاملين يبطل بقسمه إياها.
ويزعم أنه لا يجزيه أن يعطي من كل صنف أقل من ثلاثة أنفس.
وكان يقول: إن تولى قَسْمها الإمامُ، كان عليه أن يقسمها على سبعة أصناف, لا يجزي عنده غير ذلك.
---------------------- الهوامش : (24) في المطبوعة: "لا ينال الصدقات"، وهو كلام غير مستقيم، والصواب ما كان في المخطوطة، ولكنه لم يحسن قراءته.
(25) انظر تفسير "المسكين" فيما سلف 13 : 560، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(26) الأثر : 16821 - "معقل بن عبيد الله الجزري العبسي ، الحراني" ، ثقة ، ليس به بأس .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4 1 393 ، وابن أبي حاتم 4 1 286 .
وكان في المطبوعة: "الحراني"، مكان "الجزري"، وهو صواب، ولكني أثبت ما كان في المخطوطة.
(27) في المطبوعة: "وهو أهل حاجة"، زاد ما ليس في المخطوطة.
(28) في المطبوعة، أسقط "منهم".
(29) الأثر : 16827 - "علي بن الحكم البناني"، ثقة ، له أحاديث .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 1 181.
(30) في المطبوعة: "قال"، والصواب من المخطوطة.
(31) في المطبوعة: "الضعيف البئيس"، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وكان فيها : " النسب " ، وهو تحريف ، دل على صوابه الآثار التالية.
(32) أراد عمر: أن الفقير، هو الذي لم يقدم لآخرته شيئًا يثاب عليه، وأن الفقر الأكبر إنما هو فقر الآخرة، وأن فقر الدنيا أهون الفقرين.
و "الأخلق" من قولهم: "هضبة خلقاء"، ملساء لا نبات بها .
وللجبل المصمت الذي لا يؤثر فيه شيء "أخلق".
وفي حديث فاطمة بنت قيس: "أما معاوية، فرجل أخلق من المال"، أي: خلو عار منه.
وأما "المحارف"، كما فسره ابن علية ، فهو المنقوص الحظ ، فهو محدود محروم ، إذا طلب الرزق لم يرزق ، ضد " المبارك " .
(33) في المطبوعة: "الذل والمسكنة"، والصواب ما في المخطوطة، ولم يحسن قراءتها.
(34) الأثر : 16836 - "إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري" روى له الجماعة ، مضى برقم : 6884 ، 8398 .
و " شريك بن أبي نمر " ، هو " شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي " ثقة ، روى له البخاري ومسلم ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 2 237 ، وابن أبي حاتم 2 1 363 .
وهذا الخبر رواه البخاري من طريق محمد بن جعفر عن شريك بن أبي نمر (الفتح 8 : 152)، ورواه مسلم في الصحيح من طريق إسماعيل بن جعفر ، عن شريك ، ومن طريق محمد بن جعفر ، عن شريك ، عن عطاء بن يسار ، وعبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة (7 : 129).
(35) في المطبوعة: "انتزاعًا لقول الله"، وهو خطأ، صوابه في المخطوطة .
يقال : "انتزع بالآية، وبالشعر"، إذا تمثل به.
(36) "منقطع به" (بالبناء للمجهول)، هو الرجل إذا عجز عن سفره من نفقة ذهبت، أو قامت عليه راحلته، أو أتاه أمر لا يقدر على أن يتحرك معه.
يقال: "قطع به"، و "انقطع به".
(37) في المطبوعة : " وللعاملين " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(38) الأثر : 16842 - " عبد الوهاب بن عطاء الخفاف " ، ثقة ، مضى برقم : 5429 ، 5432 ، 10522 .
و "الأخضر بن عجلان الشيباني" ، ثقة.
مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 67 .
و " عطاء بن زهير بن الأصبغ العامري " ، روى عن أبيه ، روى عنه شميط ، والأخضر بن عجلان ، هكذا ذكره ابن أبي حاتم 3 1 332 ، ولم أجد له ترجمة في غيره .
وأبوه : " زهير بن الأصبغ العامري " ، روى عن عبد الله بن عمرو ، روى عنه ابنه عطاء .
مترجم في الكبير 2 1 392 ، وابن حاتم 1 2 587 ، ولم يذكرا فيه جرحًا .
وهذا الخبر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 252 ، ولم ينسبه إلا إلى أبي الشيخ، وفيه "عبد الله بن عمر" ، وهو خطأ.
(39) "رضخ له من ماله رضيخة" ، أعطاه عطية مقاربة ، ليست بالكثيرة ، وأصله من "الرضخ"، وهو كسر النوى وغيره ، كأنه كسر له من ماله شيئا.
(40) في المطبوعة: "حدثنا عبد الأعلى"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، وهذا إسناد دائر في التفسير وشيخ الطبري "محمد بن عبد الأعلى".
(41) الأثر : 16847 - رواه مسلم في صحيحه 15 : 72 ، 73 ، مطولا من طريق عبد الله بن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن صفوان بن أمية .
ورواه أحمد في مسنده 3 : 401 من طريق زكريا بن عدي ، عن سعيد بن المسيب ، عن صفوان ، (هكذا جاء هنا في المسند)، والصواب ما سيأتي في المسند 6 : 465 ، من طريق زكريا بن عدي ، عن ابن المبارك ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب.
(42) الأثر : 16852 - " معقل بن عبيد الله الجزري " ، مضى قريبًا برقم : 16821 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا "الحراني" ، مكان "الجزري" ، وهو صواب، ولكني أثبت ما في المخطوطة.
(43) انظر تفسير " الرقاب " فيما سلف 3 : 347 9 : 35 ، 36 10 : 552 - 557.
(44) " الإملاق " هنا هو : إنفاق المال وتبذيره حتى يورث حاجة ، و " الإملاق " أيضًا : الإفساد .
وانظر ما سلف في الخبر رقم : 6233 ، ج 5 : 602 ، تعليق : 2.
(45) انظر تفسير " سبيل الله" فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(46) الأثر : 16877 - رواه أبو داود في سننه 2 : 158 ، رقم : 1635 من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، موقوفًا ، ثم رواه برقم: 1636 ، من طريق معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا.
ورواه ابن ماجه في سننه : 589 ، رقم : 1841 ، مرفوعًا، بنحوه.
(47) الأثر : 16878 - "عطية" هو "عطية بن سعد بن جنادة العوفي"، ضعيف ، مضى مرارًا.
وهذا الخبر رواه أبو داود في سننه 2 : 160 ، رقم : 1637 ، من طريق سفيان ، عن عمران البارقي ، عن عطية ، بنحوه ، ثم قال أبو داود : "ورواه فراس ، وابن أبي ليلى ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله".
وهو حديث ضعيف لضعف "عطية العوفي".
(48) انظر تفسير "السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
= وتفسير " ابن السبيل " فيما سلف 3 : 345 4 : 295 8 : 346 - 347.
(49) لم أعرف قائله.
(50) في المطبوعة والمخطوطة: "يعرف بابنه"، وهو لا يستقيم، صوابه ما أثبت.
(51) الأثر : 16883 - في المطبوعة والمخطوطة : " قال قال ابن السبيل " .
والزيادة بين القوسين من إسناده قبل ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم 16876.
(52) انظر تفسير " الفريضة " فيما سلف 9 : 212 ، تعليق : ، والمرجع هناك.
(53) انظر تفسير "عليم" و "حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم).
(54) الأثر : 16896 - " خالد بن حيان الرقي " ، أبو يزيد الكندي الخراز ، ثقة ، متكلم فيه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 1 133 ، وابن أبي حاتم 1 2 326 .
قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيمفيه ثلاثون مسألة :الأولى : قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء خص الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم ، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له ، نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها .الثانية : قوله تعالى ( للفقراء ) تبيين لمصارف الصدقات والمحل ، حتى لا تخرج عنهم .
ثم الاختيار إلى من يقسم ، هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابهما .
كما يقال : السرج للدابة والباب للدار .
وقال الشافعي : اللام لام التمليك ، كقولك : المال لزيد وعمرو وبكر ، فلا بد من التسوية بين المذكورين .
قال الشافعي وأصحابه : وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين أو لقوم معينين .
واحتجوا بلفظة ( إنما ) وأنها تقتضي الحصر في وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف وعضدوا هذا بحديث زياد بن الحارث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبعث إلى قومي جيشا فقلت : يا رسول الله : احبس جيشك فأنا لك بإسلامهم وطاعتهم ، وكتبت إلى قومي فجاء إسلامهم وطاعتهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أخا صداء المطاع في قومه .
قال : قلت : بل من الله عليهم وهداهم ، قال : ثم جاءه رجل يسأله عن الصدقات ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى جزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك رواه أبو داود والدارقطني .
واللفظ للدارقطني .
وحكي عن زين العابدين أنه قال : إنه تعالى علم قدر ما يدفع من الزكاة وما تقع به الكفاية لهذه الأصناف ، وجعله حقا لجميعهم ، فمن منعهم ذلك فهو الظالم لهم رزقهم .
وتمسك علماؤنا بقوله تعالى : إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم .
والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض .
وقال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن آخذ الصدقة من [ ص: 96 ] أغنيائكم وأردها على فقرائكم .
وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة ، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وحذيفة .
وقال به من التابعين جماعة .
قالوا : جائز أن يدفعها إلى الأصناف الثمانية ، وإلى أي صنف منها دفعت جاز .
روى المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة في قوله : إنما الصدقات للفقراء والمساكين قال : إنما ذكر الله هذه الصدقات لتعرف ، وأي صنف منها أعطيت أجزأك .
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس إنما الصدقات للفقراء والمساكين قال : في أيها وضعت أجزأ عنك .
وهو قول الحسن وإبراهيم وغيرهما .
قال الكيا الطبري : حتى ادعى مالك الإجماع على ذلك .قلت : يريد إجماع الصحابة ، فإنه لا يعلم لهم مخالف منهم على ما قال أبو عمر ، والله أعلم .
ابن العربي : والذي جعلناه فيصلا بيننا وبينهم أن الأمة اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف حظه لم يجب تعميمه ، فكذلك تعميم الأصناف مثله .
والله أعلم .الثالثة : واختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال : فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالا من المسكين .
قالوا : الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه ، والمسكين الذي لا شيء له ، واحتجوا بقول الراعي :أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبدوذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة والحديث منهم أبو حنيفة والقاضي عبد الوهاب ، والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام ، يقال : حلوبته وفق عياله أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضل فيه ، عن الجوهري .
وقال آخرون بالعكس ، فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير .
واحتجوا بقوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر .
فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر .
وربما ساوت جملة من المال .
وعضدوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر .
وروي عنه أنه قال : اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا .
فلو كان المسكين [ ص: 97 ] أسوأ حالا من الفقير لتناقض الخبران ، إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالا منه ، وقد استجاب الله دعاءه وقبضه وله مال مما أفاء الله عليه ، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية ، ولذلك رهن درعه .
قالوا : وأما بيت الراعي فلا حجة فيه ؛ لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حلوبة في حال .
قالوا : والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقره من ظهره من شدة الفقر فلا حال أشد من هذه .
وقد أخبر الله عنهم بقوله : لا يستطيعون ضربا في الأرض .
واستشهدوا بقول الشاعر :لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزلأي لم يطق الطيران فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض .
ذهب إلى هذا الأصمعي وغيره ، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين .
وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه .
وللشافعي قول آخر : أن الفقير والمسكين سواء ، لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم ، وهو القول الثالث .
وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك ، وبه قال أبو يوسف .قلت : ظاهر اللفظ يدل على أن المسكين غير الفقير ، وأنهما صنفان ، إلا أن أحد الصنفين أشد حاجة من الآخر ، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفا واحدا ، والله أعلم .
ولا حجة في قول من احتج بقوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم ، كما يقال : هذه دار فلان إذا كان ساكنها وإن كانت لغيره .
وقد قال تعالى في وصف أهل النار : ولهم مقامع من حديد فأضافها إليهم .
وقال تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم .
وقال صلى الله عليه وسلم : " من باع عبدا وله مال " وهو كثير جدا يضاف الشيء [ ص: 98 ] إليه وليس له .
ومنه قولهم : باب الدار .
وجل الدابة ، وسرج الفرس ، وشبهه .
ويجوز أن يسموا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف ، كما يقال لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية ؛ مسكين .
وفي الحديث : " مساكين أهل النار " وقال الشاعر :مساكين أهل الحب حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابروأما ما تأولوه من قوله عليه السلام : اللهم أحيني مسكينا الحديث .
رواه أنس ، فليس كذلك ، وإنما المعنى هاهنا : التواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا نخوة ، ولا كبر ولا بطر ، ولا تكبر ولا أشر .
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث قال :إذا أردت شريف القوم كلهم فانظر إلى ملك في زي مسكينذاك الذي عظمت في الله رغبته وذاك يصلح للدنيا وللدينوليس بالسائل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كره السؤال ونهى عنه ، وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول له عن الطريق : دعوها فإنها جبارة وأما قوله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض فلا يمتنع أن يكون لهم شيء .
والله أعلم .
وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعي في أنهما سواء حسن .
ويقرب منه ما قاله مالك في كتاب ابن سحنون ، قال : الفقير المحتاج المتعفف ، والمسكين السائل ، وروي عن ابن عباس وقاله الزهري ، واختاره ابن شعبان وهو القول الرابع .
وقول خامس : قال محمد بن مسلمة : الفقير الذي له المسكن والخادم إلى من هو أسفل من ذلك .
والمسكين الذي لا مال له .قلت : وهذا القول عكس ما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ، وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟
فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها ؟
قال نعم .
قال : ألك مسكن تسكنه ؟
قال نعم .
قال : فأنت من الأغنياء .
قال : فإن لي خادما قال : فأنت من الملوك .
وقول سادس : روي عن ابن عباس قال : الفقراء من المهاجرين ، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا وقاله الضحاك .
وقول سابع : وهو أن المسكين الذي يخشع ويستكن وإن لم يسأل .
والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سرا ولا يخشع ، [ ص: 99 ] قاله عبيد الله بن الحسن .
وقول ثامن قاله مجاهد وعكرمة والزهري - المساكين الطوافون ، والفقراء فقراء المسلمين .
وقول تاسع قاله عكرمة أيضا - أن الفقراء فقراء المسلمين ، والمساكين فقراء أهل الكتاب .
وسيأتي .الرابعة : وهي فائدة الخلاف في الفقراء والمساكين ، هل هما صنف واحد أو أكثر تظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين ، فمن قال هما صنف واحد قال : يكون لفلان نصف الثلث وللفقراء والمساكين نصف الثلث الثاني .
ومن قال هما صنفان يقسم الثلث بينهم أثلاثا .الخامسة : وقد اختلف العلماء في حد الفقر الذي يجوز معه الأخذ - بعد إجماع أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم - أن من له دار وخادم لا يستغني عنهما أن له أن يأخذ من الزكاة ، وللمعطي أن يعطيه .
وكان مالك يقول : إن لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة عما يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجز ، ذكره ابن المنذر .
وبقول مالك قال النخعي والثوري .
وقال أبو حنيفة : من معه عشرون دينارا أو مائتا درهم فلا يأخذ من الزكاة .
فاعتبر النصاب لقوله عليه السلام : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم .
وهذا واضح ، ورواه المغيرة عن مالك .
وقال الثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم : لا يأخذ من له خمسون درهما أو قدرها من الذهب ، ولا يعطى منها أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما ، قاله أحمد وإسحاق .
وحجة هذا القول ما رواه الدارقطني عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تحل الصدقة لرجل له خمسون درهما .
في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف ، وعنه بكر بن خنيس ضعيف أيضا .
ورواه حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، وقال : خمسون درهما وحكيم بن جبير ضعيف تركه شعبة وغيره ، قال الدارقطني رحمه الله .
وقال أبو عمر : هذا الحديث يدور على حكيم بن جبير وهو متروك .
وعن علي وعبد الله قالا : لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب ، ذكره الدارقطني وقال الحسن البصري : لا يأخذ من له أربعون درهما .
ورواه الواقدي عن مالك .
وحجة هذا القول ما رواه الدارقطني [ ص: 100 ] عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من سأل الناس وهو غني جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح وخدوش .
فقيل : يا رسول الله وما غناؤه ؟
قال : أربعون درهما .
وفي حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا والأوقية أربعون درهما .
والمشهور عن مالك ما رواه ابن القاسم عنه أنه سئل : هل يعطى من الزكاة من له أربعون درهما ؟
قال نعم .
قال أبو عمر : يحتمل أن يكون الأول قويا على الاكتساب حسن التصرف .
والثاني ضعيفا عن الاكتساب ، أو من له عيال .
والله أعلم .
وقال الشافعي وأبو ثور .
من كان قويا على الكسب والتحرف مع قوة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام .
واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي رواه عبد الله بن عمر ، وأخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني .
وروى جابر قال : جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة فركبه الناس ، فقال : إنها لا تصلح لغني ولا لصحيح ولا لعامل أخرجه الدارقطني .
وروى أبو داود عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال : أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها ، فرفع فينا النظر وخفضه ، فرآنا جلدين فقال : إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب .
ولأنه قد صار غنيا بكسبه كغنى غيره بماله فصار كل واحد منهما غنيا عن [ ص: 101 ] المسألة .
وقاله ابن خويزمنداد ، وحكاه عن المذهب .
وهذا لا ينبغي أن يعول عليه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيها الفقراء ووقوفها على الزمن باطل .
قال أبو عيسى الترمذي في جامعه : إذا كان الرجل قويا محتاجا ولم يكن عنده شيء فتصدق عليه أجزأ عن المتصدق عند أهل العلم .
ووجه الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة .
وقال الكيا الطبري : والظاهر يقتضي جواز ذلك ؛ لأنه فقير مع قوته وصحة بدنه .
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه .
وقال عبيد الله بن الحسن : من لا يكون له ما يكفيه ويقيمه سنة فإنه يعطى الزكاة .
وحجته ما رواه ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر مما أفاء الله عليه قوت سنة ، ثم يجعل ما سوى ذلك في الكراع والسلاح مع قوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى .
وقال بعض أهل العلم : لكل واحد أن يأخذ من الصدقة فيما لا بد له منه .
وقال قوم : من عنده عشاء ليلة فهو غني وروي عن علي .
واحتجوا بحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف جهنم .
قالوا : يا رسول الله ، وما ظهر الغنى ؟
قال : عشاء ليلة أخرجه الدارقطني وقال : في إسناده عمرو بن خالد وهو متروك .
وأخرجه أبو داود عن سهل بن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار - وقال النفيلي في موضع آخر : من جمر جهنم - فقالوا : يا رسول الله وما يغنيه ؟
- وقال النفيلي في موضع آخر : وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة - قال : قدر ما يغديه ويعشيه - وقال النفيلي في موضع آخر : أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم .قلت : فهذا ما جاء في بيان الفقر الذي يجوز معه الأخذ .
ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة ، ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم .
وقال عكرمة : الفقراء فقراء المسلمين ، والمساكين فقراء أهل الكتاب .
وقال أبو بكر العبسي : رأى عمر بن الخطاب ذميا مكفوفا [ ص: 102 ] مطروحا على باب المدينة فقال له عمر : ما لك ؟
قال : استكروني في هذه الجزية ، حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود علي بشيء .
فقال عمر : ما أنصفت إذا ، فأمر له بقوته وما يصلحه .
ثم قال : هذا من الذين قال الله تعالى فيهم : إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية .
وهم زمنى أهل الكتابولما قال تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية ، وقابل الجملة بالجملة وهي جملة الصدقة بجملة المصرف بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ،فقال لمعاذ حين أرسله إلى اليمن : أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم .
فاختص أهل كل بلد بزكاة بلده .
وروى أبو داود أن زيادا أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة ، فلما رجع قال لعمران : أين المال ؟
قال : وللمال أرسلتني!
أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى الدارقطني والترمذي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : قدم علينا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا .
قال الترمذي : وفي الباب عن ابن عباس حديث ابن أبي جحيفة حديث حسن .السادسة : وقد اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال الأول : لا تنقل ، قاله سحنون وابن القاسم ، وهو الصحيح لما ذكرناه .
قال ابن القاسم أيضا : وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا .
وروي عن سحنون أنه قال : ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه ، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه .
والقول الثاني : تنقل .
وقاله مالك أيضا .
وحجة هذا القول ما روي أن معاذا قال لأهل اليمن : ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الصدقة فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة .
أخرجه الدارقطني وغيره .
والخميس لفظ مشترك ، وهو هنا الثوب طوله خمسة أذرع .
ويقال : سمي بذلك لأن أول من عمله الخمس ملك من ملوك اليمن ، ذكره [ ص: 103 ] ابن فارس في المجمل والجوهري أيضا .
وفي هذا الحديث دليلان : أحدهما : ما ذكرناه من نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة ، فيتولى النبي صلى الله عليه وسلم قسمتها .
ويعضد هذا قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء ولم يفصل بين فقير بلد وفقير آخر .
والله أعلم .
الثاني : أخذ القيمة في الزكاة .
وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القيم في الزكاة ، فأجاز ذلك مرة ومنع منه أخرى ، فوجه الجواز - وهو قول أبي حنيفة - هذا الحديث .
وثبت في صحيح البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنه تؤخذ منه وما استيسرنا من شاتين أو عشرين درهما .
.
.
.
الحديث .
وقال صلى الله عليه وسلم : أغنوهم عن سؤال هذا اليوم يعني يوم الفطر .
وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم ، فأي شيء سد حاجتهم جاز .
وقد قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة ولم يخص شيئا من شيء .
ولا يدفع عند أبي حنيفة سكنى دار بدل الزكاة ، مثل أن يجب عليه خمسة دراهم فأسكن فيها فقيرا شهرا فإنه لا يجوز .
قال : لأن السكنى ليس بمال .
ووجه قوله : لا تجزي القيم - وهو ظاهر المذهب - فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في خمس من الإبل شاة وفي أربعين شاة شاة .
فنص على الشاة ، فإذا لم يأت بها لم يأت بمأمور به ، وإذا لم يأت بالمأمور به فالأمر باق عليه القول الثالث : وهو أن سهم الفقراء والمساكين يقسم في الموضع ، وسائر السهام تنقل باجتهاد الإمام .
والقول الأول أصح .
والله أعلم .السابعة : وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول فتفرق الصدقة فيه ، أو مكان المالك إذ هو المخاطب ، قولان .
واختار الثاني أبو عبد الله محمد بن خويزمنداد في أحكامه قال : لأن الإنسان هو المخاطب بإخراجها فصار المال تبعا له ، فيجب أن يكون الحكم فيه بحيث المخاطب .
كابن السبيل فإنه يكون غنيا في بلده فقيرا في بلد آخر ، فيكون الحكم له حيث هو .[ ص: 104 ] واختلفت الرواية عن مالك فيمن أعطى فقيرا مسلما فانكشف في ثاني حال أنه أعطى عبدا أو كافرا أو غنيا ، فقال مرة : تجزيه ومرة لا تجزيه .
وجه الجواز - وهو الأصح - ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية قال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني قال : اللهم لك الحمد على غني لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال : اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق فأتي فقيل له أما صدقتك فقد قبلت أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله ولعل السارق يستعف بها عن سرقته .
وروي أن رجلا أخرج زكاة ماله فأعطاها أباه ، فلما أصبح علم بذلك ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : قد كتب لك أجر زكاتك وأجر صلة الرحم فلك أجران .
ومن جهة المعنى أنه سوغ له الاجتهاد في المعطى ، فإذا اجتهد وأعطى من يظنه من أهلها فقد أتى بالواجب عليه .
ووجه قوله : لا يجزي .
أنه لم يضعها في مستحقها ، فأشبه العمد ، ولأن العمد والخطأ في ضمان الأموال واحد فوجب أن يضمن ما أتلف على المساكين حتى يوصله إليهم .الثامنة : فإن أخرج الزكاة عند محلها فهلكت من غير تفريط لم يضمن ؛ لأنه وكيل للفقراء .
فإن أخرجها بعد ذلك بمدة فهلكت ضمن ، لتأخيرها عن محلها فتعلقت بذمته فلذلك ضمن والله أعلم .التاسعة : وإذا كان الإمام يعدل في الأخذ والصرف لم يسغ للمالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناض ولا في غيره .
وقد قيل : إن زكاة الناض على أربابه .
وقال ابن الماجشون : ذلك إذا كان الصرف للفقراء والمساكين خاصة ، فإن احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف فلا يفرق عليهم إلا الإمام .
وفروع هذا الباب كثيرة ، هذه أمهاتها .العاشرة : قوله تعالى والعاملين عليها يعني : السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك .
روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال : استعمل [ ص: 105 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأسد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية ، فلما جاء حاسبه .
واختلف العلماء في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال : قال مجاهد والشافعي : هو الثمن .
ابن عمر ومالك : يعطون قدر عملهم من الأجرة ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .
قالوا : لأنه عطل نفسه لمصلحة الفقراء ، فكانت كفايته وكفاية أعوانه في مالهم ، كالمرأة لما عطلت نفسها لحق الزوج كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها .
ولا تقدر بالثمن ، بل تعتبر الكفاية ثمنا كان أو أكثر ، كرزق القاضي .
ولا تعتبر كفاية الأعوان في زماننا لأنه إسراف محض .
القول الثالث : يعطون من بيت المال .
قال ابن العربي : وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية ابن أبي أويس وداود بن سعيد بن زنبوعة ، وهو ضعيف دليلا ، فإن الله سبحانه قد أخبر بسهمهم فيها نصا فكيف يخلفون عنه استقراء وسبرا .
والصحيح الاجتهاد في قدر الأجرة ؛ لأن البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل لا للمستحق ، على ما تقدم .واختلفوا في العامل إذا كان هاشميا ، فمنعه أبو حنيفة لقوله عليه السلام : إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس .
وهذه صدقة من وجه ؛ لأنها جزء من الصدقة فتلحق بالصدقة من كل وجه كرامة وتنزيها لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسالة الناس .
وأجاز عمله مالك والشافعي ، ويعطى أجر عمالته ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب مصدقا ، وبعثه عاملا إلى اليمن على الزكاة ، وولى جماعة من بني هاشم وولى الخلفاء بعده كذلك .
ولأنه أجير على عمل مباح فوجب أن يستوي فيه الهاشمي وغيره اعتبارا بسائر الصناعات .
قالت الحنفية : حديث علي ليس فيه أنه فرض له من الصدقة ، فإن فرض له من غيرها جاز .
وروي عن مالك .الحادية عشرة : ودل قوله تعالى : والعاملين عليها على أن كل ما كان من فروض الكفايات كالساعي والكاتب والقسام والعاشر وغيرهم فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه .
ومن ذلك الإمامة ، فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفايات ، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها .
وهذا أصل الباب ، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة قاله ابن العربي .[ ص: 106 ] الثانية عشرة : قوله تعالى والمؤلفة قلوبهم لا ذكر للمؤلفة قلوبهم في التنزيل في غير قسم الصدقات ، وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام ، يتألفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم .
قال الزهري : المؤلفة من أسلم من يهودي أو نصراني وإن كان غنيا .
وقال بعض المتأخرين : اختلف في صفتهم ، فقيل : هم صنف من الكفار يعطون ليتألفوا على الإسلام ، وكانوا لا يسلمون بالقهر والسيف ، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان .
وقيل : هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن قلوبهم ، فيعطون ليتمكن الإسلام في صدورهم .
وقيل : هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام .
قال : وهذه الأقوال متقاربة والقصد بجميعها الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء ، فكأنه ضرب من الجهاد .والمشركون ثلاثة أصناف : صنف يرجع بإقامة البرهان ، وصنف بالقهر ، وصنف بالإحسان .
والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببا لنجاته وتخليصه من الكفر .
وفي صحيح مسلم من حديث أنس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني للأنصار - : فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم .
.
.
الحديث .
قال ابن إسحاق : أعطاهم يتألفهم ويتألف بهم قومهم .
وكانوا أشرافا ، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، وأعطى ابنه مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير .
وكذلك أعطى مالك بن عوف والعلاء بن جارية .
قال : فهؤلاء أصحاب المئين .
وأعطى رجالا من قريش دون المائة منهم مخرمة بن نوفل الزهري وعمير بن وهب الجمحي ، وهشام بن عمرو العامري .
قال ابن إسحاق : فهؤلاء لا أعرف ما أعطاهم .
وأعطى سعيد بن يربوع خمسين بعيرا ، وأعطى عباس بن مرداس السلمي أباعر قليلة فسخطها .
فقال في ذلك :كانت نهابا تلافيتها بكري على المهر في الأجرعوإيقاظي القوم أن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجعفأصبح نهبي ونهب العبي د بين عيينة والأقرعوقد كنت في الحرب ذا تدرإ فلم أعط شيئا ولم أمنع[ ص: 107 ] إلا أفائل أعطيتها عديد قوائمه الأربعوما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمعوما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفعفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهبوا فاقطعوا عني لسانه فأعطوه حتى رضي ، فكان ذلك قطع لسانه .
قال أبو عمر : وقد ذكر في المؤلفة قلوبهم النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة ، أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صبرا .
وذكر آخرون أنه فيمن هاجر إلى الحبشة ، فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة قلوبهم ، ومن هاجر إلى أرض الحبشة فهو من المهاجرين الأولين ممن رسخ الإيمان في قلبه وقاتل دونه ، وليس ممن يؤلف عليه .
قال أبو عمر : واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف بن سعد بن يربوع النصري على من أسلم من قومه من قبائل قيس ، وأمره بمغادرة ثقيف ففعل وضيق عليهم ، وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم ، حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغموزا عليه .
وسائر المؤلفة متفاضلون ، منهم الخير الفاضل المجتمع على فضله ، كالحارث بن هشام ، وحكيم بن حزام ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو ، ومنهم دون هؤلاء .
وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم .
قال مالك : بلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم في المؤلفة قلوبهم فتصدق به بعد ذلك .قلت : حكيم بن حزام وحويطب بن عبد العزى عاش كل واحد منهما مائة وعشرين سنة ؛ ستين في الإسلام وستين في الجاهلية .
وسمعت الإمام شيخنا الحافظأبا محمد عبد العظيم يقول : شخصان من الصحابة عاشا في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة ، وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين ، أحدهما حكيم بن حزام ، وكان مولده في جوف الكعبة قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة .
والثاني حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري .
وذكر هذا أيضا أبو عمر وعثمان الشهرزوري في كتاب " معرفة أنواع علم الحديث " له ، ولم يذكرا غيرهما .
وحويطب ذكره أبو الفرج الجوزي في كتاب " الوفا في شرف المصطفى " .
وذكره أبو عمر في كتاب " الصحابة " أنه أدرك الإسلام وهو ابن ستين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة .
وذكر أيضا حمنن بن عوف أخا عبد الرحمن بن عوف ، أنه عاش في الإسلام ستين سنة وفي الجاهلية ستين سنة .
وقد عد في المؤلفة قلوبهم معاوية وأبوه أبو سفيان بن حرب .
أما معاوية فبعيد أن يكون منهم ، فكيف يكون منهم وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على [ ص: 108 ] وحي الله وقراءته وخلطه بنفسه .
وأما حاله في أيام أبي بكر فأشهر من هذا وأظهر .
وأما أبوه فلا كلام فيه أنه كان منهم .
وفي عددهم اختلاف ، وبالجملة فكلهم مؤمن ولم يكن فيهم كافر على ما تقدم ، والله أعلم وأحكم .الثالثة عشرة : واختلف العلماء في بقائهم ، فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم : انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره .
وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي .
قال بعض علماء الحنفية : لما أعز الله الإسلام وأهله وقطع دابر الكافرين - لعنهم الله - اجتمعت الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على سقوط سهمهم .
وقال جماعة من العلماء : هم باقون ; لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام .
وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين .
قال يونس : سألت الزهري عنهم فقال : لا أعلم نسخا في ذلك .
قال أبو جعفر النحاس : فعلى هذا ؛ الحكم فيهم ثابت ، فإن كان أحد يحتاج إلى تألفه ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة أو يرجى أن يحسن إسلامه بعد ، دفع إليه .
قال القاضي عبد الوهاب : إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة .
وقال القاضي ابن العربي : الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم ، فإن في الصحيح : بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ .الرابعة عشرة : فإذا فرعنا على أنه لا يرد إليهم سهمهم فإنه يرجع إلى سائر الأصناف أو ما يراه الإمام .
وقال الزهري : يعطى نصف سهمهم لعمار المساجد .
وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محل لا مستحقون تسوية ، ولو كانوا مستحقين لسقط سهمهم بسقوطهم ولم يرجع إلى غيرهم ، كما لو أوصى لقوم معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم .
والله أعلم .الخامسة عشرة : قوله تعالى وفي الرقاب أي في فك الرقاب ، قاله ابن عباس وابن عمر ، وهو مذهب مالك وغيره .
فيجوز للإمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة يعتقها عن المسلمين ، ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين .
وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز .
هذا تحصيل مذهب مالك ، وروي عن ابن عباس والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد .
وقال أبو ثور : لا يبتاع منها صاحب الزكاة نسمة يعتقها بجر ولاء .
وهو قول الشافعي [ ص: 109 ] وأصحاب الرأي ورواية عن مالك .
والصحيح الأول ؛ لأن الله عز وجل قال : وفي الرقاب فإذا كان للرقاب سهم من الصدقات كان له أن يشتري رقبة فيعتقها .
ولا خلاف بين أهل العلم أن للرجل أن يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله .
فإذا كان له أن يشتري فرسا بالكمال من الزكاة جاز أن يشتري رقبة بالكمال ، لا فرق بين ذلك .
والله أعلم .السادسة عشرة : قوله تعالى وفي الرقاب الأصل في الولاء ، قال مالك : هي الرقبة تعتق وولاؤها للمسلمين ، وكذلك إن أعتقها الإمام .
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته .
وقال عليه السلام : الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب .
وقال عليه السلام : الولاء لمن أعتق .
ولا ترث النساء من الولاء شيئا ، لقوله عليه السلام : لا ترث النساء من الولاء شيئا إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن وقد ورث النبي صلى الله عليه وسلم ابنة حمزة من مولى لها النصف ولابنته النصف .
فإذا ترك المعتق أولادا ذكورا وإناثا فالولاء للذكور من ولده دون الإناث .
وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم .
والولاء إنما يورث بالتعصيب المحض ، والنساء لا تعصيب فيهن فلم يرثن من الولاء شيئا .
فافهم تصب .السابعة عشرة : واختلف هل يعان منها المكاتب ، فقيل لا .
روي ذلك عن مالك ؛ لأن الله عز وجل لما ذكر الرقبة دل على أنه أراد العتق الكامل ، وأما المكاتب فإنما هو داخل في كلمة الغارمين بما عليه من دين الكتابة ، فلا يدخل في الرقاب .
والله أعلم .
وقد روي عن مالك من رواية المدنيين وزياد عنه : أنه يعان منها المكاتب في آخر كتابته بما يعتق .
وعلى هذا جمهور العلماء في تأويل قول الله تعالى : وفي الرقاب .
وبه قال ابن وهب والشافعي والليث والنخعي وغيرهم وحكى علي بن موسى القمي الحنفي في أحكامه : أنهم أجمعوا على أن المكاتب مراد .
واختلفوا في عتق الرقاب ، قال الكيا الطبري : وذكر وجها بينه في منع ذلك فقال : إن العتق إبطال ملك وليس بتمليك ، وما يدفع إلى المكاتب تمليك ، ومن حق الصدقة ألا تجزي إلا إذا جرى فيها التمليك .
وقوى ذلك بأنه لو دفع من الزكاة عن الغارم في [ ص: 110 ] دينه بغير أمره لم يجزه من حيث لم يملك فلأن لا يجزي ذلك في العتق أولى .
وذكر أن في العتق جر الولاء إلى نفسه وذلك لا يحصل في دفعه للمكاتب .
وذكر أن ثمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم يملكه العبد ، وإن دفعه إلى سيده فقد ملكه العتق .
وإن دفعه بعد الشراء والعتق فهو قاض دينا وذلك لا يجزي في الزكاة .قلت : قد ورد حديث ينص على معنى ما ذكرنا من جواز عتق الرقبة وإعانة المكاتب معا أخرجه الدارقطني عن البراء قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار .
قال : لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة .
فقال : يا رسول الله ، أوليستا واحدا ؟
قال : لا ، عتق النسمة أن تفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها .
.
.
وذكر الحديث .الثامنة عشرة : واختلفوا في فك الأسارى منها ، فقال أصبغ : لا يجوز .
وهو قول ابن قاسم .
وقال ابن حبيب : يجوز ؛ لأنها رقبة ملكت بملك الرق فهي تخرج من رق إلى عتق ، وكان ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب الذي بأيدينا ؛ لأنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزا من الصدقة ، فأحرى وأولى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله .التاسعة عشرة : قوله تعالى " والغارمين " : هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ، ولا خلاف فيه .
اللهم إلا من ادان في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب .
ويعطى منها من له مال وعليه دين محيط به ما يقضي به دينه ، فإن لم يكن له مال وعليه دين فهو فقير وغارم فيعطى بالوصفين .
روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصدقوا عليه ؛ فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه : خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك .الموفية عشرين : ويجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يعطى من الصدقة ما يؤدي ما تحمل به إذا وجب عليه وإن كان غنيا ، إذا كان ذلك يجحف بماله كالغريم .
وهو قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم .
واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث قبيصة بن مخارق قال : تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال : أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها - ثم قال - يا قبيصة : إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ؛ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة [ ص: 111 ] حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا .
فقوله : ثم يمسك دليل على أنه غني ؛ لأن الفقير ليس عليه أن يمسك .
والله أعلم .
وروي عنه عليه السلام أنه قال : إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع .
وروي عنه عليه السلام : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة .
.
.
الحديث .
وسيأتي .الحادية والعشرون : واختلفوا ، هل يقضى منها دين الميت أم لا ، فقال أبو حنيفة : لا يؤدى من الصدقة دين ميت .
وهو قول ابن المواز .
قال أبو حنيفة : ولا يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله تعالى ، وإنما الغارم من عليه دين يسجن فيه .
وقال علماؤنا وغيرهم : يقضى منها دين الميت لأنه من الغارمين ، قال صلى الله عليه وسلم : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ؛ من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي .الثانية والعشرون : وفي سبيل الله وهم الغزاة وموضع الرباط ، يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء .
وهذا قول أكثر العلماء ، وهو تحصيل مذهب مالك رحمه الله .
وقال ابن عمر : الحجاج والعمار .
ويؤثر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا : سبيل الله الحج .
وفي البخاري : ويذكر عن أبي لاس : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل [ ص: 112 ] الصدقة للحج ، ويذكر عن ابن عباس : يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج .
خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ حدثنا محمد بن محمد الخياش حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نعم ويكنى أبا الحكم قال : كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له : يا أبا عبد الرحمن ، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله .
قال ابن عمر : فهو كما قال في سبيل الله .
فقلت له : ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما .
قال : فما تأمرني يا ابن أبي نعم ، آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون فيفسدون في الأرض ويقطعون السبيل ، قال : قلت فما تأمرها .
قال : آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين ، إلى حجاج بيت الله الحرام ، أولئك وفد الرحمن ، أولئك وفد الرحمن ، أولئك وفد الرحمن ، ليسوا كوفد الشيطان ، ثلاثا يقولها .
قلت : ياأبا عبد الرحمن ، وما وفد الشيطان ؟
قال : قوم يدخلون على هؤلاء الأمراء فينمون إليهم الحديث ، ويسعون في المسلمين بالكذب ، فيجازون الجوائز ويعطون عليه العطايا .
وقال محمد بن عبد الحكم : ويعطى من الصدقة في الكراع والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الحرب ، وكف العدو عن الحوزة ؛ لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته .
وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي حثمة إطفاء للثائرة .قلت : أخرج هذا الحديث أبو داود عن بشير بن يسار ، أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه مائة من إبل الصدقة ، يعني دية الأنصاري الذي قتل بخيبر ، وقال عيسى بن دينار : تحل الصدقة لغاز في سبيل الله ، قد احتاج في غزوته وغاب عنه غناؤه ووفره .
قال : ولا تحل لمن كان معه ماله من الغزاة ، إنما تحل لمن كان ماله غائبا عنه منهم .
وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور أهل العلم .
وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به .
وهذه زيادة على النص ، والزيادة عنده [ ص: 113 ] على النص نسخ ، والنسخ لا يكون إلا بقرآن أو خبر متواتر ، وذلك معدوم هنا ، بل في صحيح السنة خلاف ذلك من قوله عليه السلام : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ؛ لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني .
رواه مالك مرسلا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار .
ورفعه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا الحديث مفسرا لمعنى الآية ، وأنه يجوز لبعض الأغنياء أخذها ، ومفسرا لقوله عليه السلام : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي لأن قوله هذا مجمل ليس على عمومه بدليل الخمسة الأغنياء المذكورين .
وكان ابن القاسم يقول : لا يجوز لغني أن يأخذ من الصدقة ما يستعين به على الجهاد وينفقه في سبيل الله ، وإنما يجوز ذلك لفقير .
قال : وكذلك الغارم لا يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يقي به ماله ويؤدي منها دينه وهو عنها غني .
قال : وإذا احتاج الغازي في غزوته وهو غني له مال غاب عنه لم يأخذ من الصدقة شيئا يستقرض ، فإذا بلغ بلده أدى ذلك من ماله .
هذا كله ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم ، وزعم أن ابن نافع وغيره خالفوه في ذلك .
وروى أبو زيد وغيره عن ابن القاسم أنه قال : يعطى من الزكاة الغازي وإن كان معه في غزاته ما يكفيه من ماله وهو غني في بلده .
وهذا هو الصحيح ، لظاهر الحديث : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة .
.
.
.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة ومواضع الرباط فقراء كانوا أو أغنياء .الثالثة والعشرون : وابن السبيل السبيل : الطريق ، ونسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها ، كما قال الشاعر :إن تسألوني عن الهوى فأنا الهوى وابن الهوى وأخو الهوى وأبوهوالمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره وماله ، فإنه يعطى منها وإن كان غنيا في بلده ، ولا يلزمه أن يشغل ذمته بالسلف .
وقال مالك في كتاب ابن سحنون : إذا وجد من يسلفه فلا يعطى .
والأول أصح ، فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت منة أحد وقد وجد منة الله تعالى .
فإن كان له ما يغنيه ففي جواز الأخذ له لكونه ابن السبيل روايتان : المشهور أنه لا يعطى ، فإن أخذ فلا يلزمه رده إذا صار إلى بلده ولا إخراجه .الرابعة والعشرون : فإن جاء وادعى وصفا من الأوصاف ، هل يقبل قوله أم لا ويقال له [ ص: 114 ] أثبت ما تقول .
فأما الدين فلا بد أن يثبته ، وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له ويكتفى به فيها .
والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح ، وهو ظاهر القرآن .
روى مسلم عن جرير عن أبيه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار ، قال : فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف ، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر ، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ، ثم خطب فقال : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم الآية إلى قوله : " رقيبا " والآية التي في الحشر ولتنظر نفس ما قدمت لغد تصدق رجل من ديناره من ثوبه من صاع بره - حتى قال - ولو بشق تمرة .
قال : فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت ، قال : ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب ، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء .
فاكتفى صلى الله عليه وسلم بظاهر حالهم وحث على الصدقة ، ولم يطلب منهم بينة ، ولا استقصى هل عندهم مال أم لا .
ومثله حديث أبرص وأقرع وأعمى أخرجه مسلم وغيره .
وهذا لفظه : عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كان في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك ؟
فقال : لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس .
قال : فمسحه ؛ فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا قال : فأي المال أحب إليك ؟
قال الإبل - أو قال البقر ، شك إسحاق .
إلا أن [ ص: 115 ] الأبرص أو الأقرع قال : أحدهما : الإبل ، وقال الآخر البقر - قال : فأعطي ناقة عشراء قال بارك الله لك فيها ، قال : فأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟
قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه قال فأعطي شعرا حسنا ، قال فأي المال أحب إليك ؟
قال البقر ؛ فأعطي بقرة حاملا قال : بارك الله لك فيها ، قال فأتى الأعمى فقال : أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس ، قال فمسحه فرد الله إليه بصره ، قال فأي المال أحب إليك ؟
قال : الغنم ، فأعطي شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا قال فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ، قال ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله وبك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال له : الحقوق كثيرة ، فقال له : كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس ، فقيرا فأعطاك الله ، فقال : إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت .
فقال : وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد على هذا فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال : وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري ، فقال : قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله ، فقال : أمسك مالك ؛ فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك .وفي هذا أدل دليل على أن من ادعى زيادة على فقره من عيال أو غيره لا يكشف عنه خلافا لمن قال يكشف عنه إن قدر ، فإن في الحديث : " فقال رجل مسكين وابن سبيل أسألك شاة " ولم يكلفه إثبات السفر .
فأما المكاتب فإنه يكلف إثبات الكتابة لأن الرق هو الأصل حتى تثبت الحرية .الخامسة والعشرون : ولا يجوز أن يعطي من الزكاة من تلزمه نفقته وهم الوالدان والولد والزوجة .
وإن أعطى الإمام صدقة الرجل لولده ووالده وزوجته جاز .
وأما أن يتناول ذلك هو بنفسه فلا ؛ لأنه يسقط بها عن نفسه فرضا .
قال أبو حنيفة : ولا يعطي منها ولد ابنه ولا ولد ابنته ، ولا يعطي منها مكاتبه ولا مدبره ولا أم ولده ولا عبدا أعتق نصفه ؛ لأنه مأمور بالإيتاء والإخراج إلى الله تعالى بواسطة كف الفقير ، ومنافع الأملاك مشتركة بينه وبين هؤلاء ، ولهذا لا تقبل شهادة بعضهم لبعض .
قال : والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم وربما يعجز فيصير الكسب له .
[ ص: 116 ] ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب .
وعند صاحبيه أبي يوسف ومحمد بمنزلة حر عليه دين فيجوز أداؤها إليه .السادسة والعشرون : فإن أعطاها لمن لا تلزمه نفقتهم فقد اختلف فيه ، فمنهم من جوزه ومنهم من كرهه .
قال مالك : خوف المحمدة .
وحكى مطرف أنه قال : رأيت مالكا يعطي زكاته لأقاربه .
وقال الواقدي قال مالك : أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول .
وقد قال صلى الله عليه وسلم لزوجة عبد الله بن مسعود : لك أجران أجر القرابة وأجر الصدقة .
واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتها لزوجها ، فذكر عن ابن حبيب أنه كان يستعين بالنفقة عليها بما تعطيه .
وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، وخالفه صاحباه فقالا : يجوز .
وهو الأصح لما ثبت أن زينب امرأة عبد الله أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أريد أن أتصدق على زوجي أيجزيني ؟
فقال عليه السلام : نعم لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة .
والصدقة المطلقة هي الزكاة ، ولأنه لا نفقة للزوج عليها ، فكان بمنزلة الأجنبي .
اعتل أبو حنيفة فقال : منا
يقول تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} أي: الزكوات الواجبة، بدليل أن الصدقة المستحبة لكل أحد، لا يخص بها أحد دون أحد. أي: إنما الصدقات لهؤلاء المذكورين دون من عداهم، لأنه حصرها فيهم، وهم ثمانية أصناف. الأول والثاني: الفقراء والمساكين، وهم في هذا الموضع، صنفان متفاوتان، فالفقير أشد حاجة من المسكين، لأن اللّه بدأ بهم، ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم، ففسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئا، أو يجد بعض كفايته دون نصفها. والمسكين: الذي يجد نصفها فأكثر، ولا يجد تمام كفايته، لأنه لو وجدها لكان غنيا، فيعطون من الزكاة ما يزول به فقرهم ومسكنتهم. والثالث: العاملون على الزكاة، وهم كل من له عمل وشغل فيها، من حافظ لها، أو جاب لها من أهلها، أو راع، أو حامل لها، أو كاتب، أو نحو ذلك، فيعطون لأجل عمالتهم، وهي أجرة لأعمالهم فيها. والرابع: المؤلفة قلوبهم، والمؤلف قلبه: هو السيد المطاع في قومه، ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جبايتها ممن لا يعطيها، فيعطى ما يحصل به التأليف والمصلحة. الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون الذين قد اشتروا أنفسهم من ساداتهم، فهم يسعون في تحصيل ما يفك رقابهم، فيعانون على ذلك من الزكاة، وفك الرقبة المسلمة التي في حبس الكفار داخل في هذا، بل أولى، ويدخل في هذا أنه يجوز أن يعتق منها الرقاب استقلالا، لدخوله في قوله: {وفي الرقاب} السادس: الغارمون، وهم قسمان: أحدهما: الغارمون لإصلاح ذات البين، وهو أن يكون بين طائفتين من الناس شر وفتنة، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم بمال يبذله لأحدهم أو لهم كلهم، فجعل له نصيب من الزكاة، ليكون أنشط له وأقوى لعزمه، فيعطى ولو كان غنيا. والثاني: من غرم لنفسه ثم أعسر، فإنه يعطى ما يُوَفِّى به دينه. والسابع: الغازي في سبيل اللّه، وهم: الغزاة المتطوعة، الذين لا ديوان لهم، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على غزوهم، من ثمن سلاح، أو دابة، أو نفقة له ولعياله، ليتوفر على الجهاد ويطمئن قلبه. وقال كثير من الفقهاء: إن تفرغ القادر على الكسب لطلب العلم، أعطي من الزكاة، لأن العلم داخل في الجهاد في سبيل اللّه. وقالوا أيضًا: يجوز أن يعطى منها الفقير لحج فرضه، [وفيه نظر] . والثامن: ابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، فهؤلاء الأصناف الثمانية الذين تدفع إليهم الزكاة وحدهم. {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} فرضها وقدرها، تابعة لعلمه وحكمه {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} واعلم أن هذه الأصناف الثمانية، ترجع إلى أمرين: أحدهما: من يعطى لحاجته ونفعه، كالفقير، والمسكين، ونحوهما. والثاني: من يعطى للحاجة إليه وانتفاع الإسلام به، فأوجب اللّه هذه الحصة في أموال الأغنياء، لسد الحاجات الخاصة والعامة للإسلام والمسلمين، فلو أعطى الأغنياء زكاة أموالهم على الوجه الشرعي، لم يبق فقير من المسلمين، ولحصل من الأموال ما يسد الثغور، ويجاهد به الكفار وتحصل به جميع المصالح الدينية.
قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية ، بين الله تعالى في هذه الآية أهل سهمان الصدقات وجعلها لثمانية أصناف .
وروي عن زياد بن الحارث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته ، فأتاه رجل وقال : أعطني من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك " قوله تعالى ( للفقراء والمساكين ) فأحد أصناف الصدقة : الفقراء ، والثاني : المساكين .
واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة والزهري : الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين : الذي يسأل .
وقال ابن عمر : ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة ، ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف .
وقال قتادة : الفقير : المحتاج الزمن ، والمسكين : الصحيح المحتاج .
وروي عن عكرمة أنه قال : الفقراء من المسلمين ، والمساكين من أهل الكتاب .
وقال الشافعي : الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا ، زمنا كان أو غير زمن ، والمسكين من كان له مال أو حرفة ولا يغنيه ، سائلا أو غير سائل .
فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير لأن الله تعالى قال : " أما السفينة فكانت لمساكين [ الكهف - 79 ] أثبت لهم ملكا مع اسم المسكنة .
وعند أصحاب الرأي : الفقير أحسن حالا من المسكين .
وقال القتيبي : الفقير الذي له البلغة من العيش ، والمسكين الذي لا شيء له .
وقيل : الفقير من له المسكن والخادم ، والمسكين من لا ملك له .
وقالوا : كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا عن غيره ، قال الله تعالى : " أنتم الفقراء إلى الله " ( غافر - 15 ) ، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف حض على إطعامه ، وجعل طعام الكفارة له ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة .
وقال إبراهيم النخعي : الفقراء هم المهاجرون ، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين .
وفي الجملة : الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة وضعف الحال ، فالفقير المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره ، والمسكين الذي ضعفت نفسه وسكنت عن الحركة في طلب القوت .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، حدثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا سفيان بن عيينة عن هشام ، يعني : ابن عروة ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار : أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله فسألاه عن الصدقة فصعد فيهما وصوب فقال : " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب " .
واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة فقال الأكثرون : حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة ، وهو قول مالك والشافعي .
وقال أصحاب الرأي : حده أن يملك مائتي درهم .
وقال قوم : من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة لما روينا عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح " ، قيل : يا رسول الله وما يغنيه؟
قال : " خمسون درهما أو قيمتها من الذهب " .
وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق .
وقالوا لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما .
وقيل : أربعون درهما لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " .
قوله تعالى : ( والعاملين عليها ) وهم السعاة الذين يتولون قبض الصدقات من أهلها ووضعها في حقها ، فيعطون من مال الصدقة ، فقراء كانوا أو أغنياء ، فيعطون أجر مثل عملهم .
وقال الضحاك ومجاهد : لهم الثمن من الصدقة .
( والمؤلفة قلوبهم ) فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم المؤلفة قلوبهم ، وهم قسمان : قسم مسلمون ، وقسم كفار .
فأما المسلمون : فقسمان ، قسم دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفا كما أعطى عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس ، والعباس بن مرداس ، أو أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام ، وهم شرفاء في قومهم مثل : عدي بن حاتم ، والزبرقان بن بدر ، فكان يعطيهم تألفا لقومهم ، وترغيبا لأمثالهم في الإسلام ، فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من خمس خمس الغنيمة ، والفيء سهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم من الصدقات .
والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين : أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم كفار في موضع متناط لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا يجاهدون ، إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم ، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة .
وقيل : من سهم المؤلفة .
ومنهم قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام ، فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات .
وقيل : من سهم سبيل الله .
روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا .
وأما الكفار من المؤلفة : فهو من يخشى شره منهم ، أو يرجى إسلامه ، فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرا من شره ، أو يعطي ذلك ترغيبا له في الإسلام فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس ، كما أعطى صفوان بن أمية لما يرى من ميله إلى الإسلام ، أما اليوم فقد أعز الله الإسلام فله الحمد ، وأغناه أن يتألف عليه رجال ، فلا يعطى مشرك تألفا بحال ، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط .
روي ذلك عن عكرمة ، وهو قول الشعبي ، وبه قال مالك والثوري ، وأصحاب الرأي ، وإسحاق بن راهويه .
وقال قوم : سهمهم ثابت ، يروى ذلك عن الحسن ، وهو قول الزهري ، وأبي جعفر محمد بن علي ، وأبي ثور ، وقال أحمد : يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك .
قوله تعالى : ( وفي الرقاب ) والصنف الخامس : هم الرقاب ، وهم المكاتبون ، لهم سهم من الصدقة ، هذا قول أكثر الفقهاء ، وبه قال سعيد بن جبير ، والنخعي ، والزهري ، والليث بن سعد ، والشافعي .
وقال جماعة : يشترى بسهم الرقاب عبيد فيعتقون .
وهذا قول الحسن ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق .
قوله تعالى : ( والغارمين ) الصنف السادس هم : الغارمون ، وهم قسمان : قسم دانوا لأنفسهم في غير معصيته ، فإنهم يعطون من الصدقة إذا لم يكن لهم من المال ما يفي بديونهم ، فإن كان عندهم وفاء فلا يعطون ، وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يعطون من مال الصدقة ما يقضون به ديونهم ، وإن كانوا أغنياء .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنبأنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المساكين فأهدى المسكين للغني ، أو لعامل عليها " .
ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه .
أما من كان دينه في معصية فلا يدفع إليه .
وقوله تعالى : ( وفي سبيل الله ) أراد بها : الغزاة ، فلهم سهم من الصدقة ، يعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ، وما يستعينون به على أمر الغزو من النفقة ، والكسوة ، والسلاح ، والحمولة ، وإن كانوا أغنياء ، ولا يعطى منه شيء في الحج عند أكثر أهل العلم .
وقال قوم : يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج .
ويروى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول الحسن ، وأحمد ، وإسحاق .
قوله تعالى : ( وابن السبيل ) الصنف الثامن : هم أبناء السبيل ، فكل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به تلك المسافة ، سواء كان له في البلد المنتقل إليه مال أو لم يكن .
وقال قتادة : ابن السبيل هو الضيف .
وقال فقهاء العراق : ابن السبيل الحاج المنقطع .
قوله تعالى : ( فريضة ) أي : واجبة ( من الله ) وهو نصب على القطع ، وقيل : على المصدر ، أي : فرض الله هذه الأشياء فريضة .
( والله عليم حكيم ) .
اختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات ، وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف : فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف ، وهو قول عكرمة ، وبه قال الشافعي ، قال : يجب أن تقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف الستة ، الذين سهمانهم ثابتة قسمة على السواء ، لأن سهم المؤلفة ساقط ، وسهم العامل إذا قسم - بنفسه ، ثم حصة كل صنف منهم لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر ، فلو فاوت بين أولئك الثلاث يجوز ، فإن لم يوجد من بعض الأصناف إلا واحد صرف حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج عن حد الاستحقاق ، فإن انتهت حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين .
وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف ، أو إلى شخص واحد منهم يجوز ، وإنما سمى الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف ، لا إيجابا لقسمها بينهم جميعا .
وهو قول عمر ، وابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء ، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي ، وبه قال أحمد ، قال : يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى .
وقال إبراهيم : إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء قسمه على الأصناف ، وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد .
وقال مالك : يتحرى موضع الحاجة منهم ، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخلة والحاجة ، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدمهم ، وإن رآها في عام في صنف آخر حولها إليهم .
وكل من دفع إليه شيء من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق ، فلا يزيد الفقير على قدر غناه ، فإذا حصل أدنى اسم الغنى لا يعطى بعده ، فإن كان محترفا لكنه لا يجد آلة حرفته : فيعطى قدر ما يحصل به آلة حرفته ، ولا يزاد العامل على أجر عمله ، والمكاتب على قدر ما يعتق به ، وللغريم على قدر دينه ، وللغازي على قدر نفقته للذهاب والرجوع والمقام في مغزاه وما يحتاج إليه من الفرس والسلاح ، ولابن السبيل على قدر إتيانه مقصده أو مآله .
واختلفوا في نقل الصدقة عن بلد المال إلى موضع آخر ، مع وجود المستحقين فيه : فكرهه أكثر أهل العلم ، لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنبأنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، حدثنا زكريا بن إسحاق المكي ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن الصيفي عن أبي معبد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال : " إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب " .
فهذا يدل على أن صدقة أغنياء كل قوم ترد على فقراء ذلك القوم .
واتفقوا على أنه إذا نقل من بلد إلى بلد آخر أدي مع الكراهة ، وسقط الفرض عن ذمته ، إلا ما حكي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان .
«إنما الصدقات» الزكوات مصروفة «للفقراء» الذين لا يجدون ما يقع موقعا من كفايتهم «والمساكين» الذين لا يجدون ما يكفيهم «والعاملين عليها» أي الصدقات من جاب وقاسم وكاتب وحاشر «والمؤلفة قلوبهم» ليسلموا أو يثبت إسلامهم أو يسلم نظراؤهم أو يذبوا عن المسلمين أقسام، الأول والأخير لا يعطيان اليوم عند الشافعي رضي الله تعالى عنه لعز الإسلام بخلاف الآخرين فيعطيان على الأصح «وفي» فك «الرقاب» أي المكاتبين «والغارمين» أهل الدَّين إن استدانوا لغير معصية أو تابوا وليس لهم وفاء أو لإصلاح ذات البين ولو أغنياء «وفي سبيل الله» أي القائمين بالجهاد ممن لا فيء لهم ولو أغنياء «وابن السبيل» المنقطع في سفره «فريضة» نصب بفعله المقدر «من الله والله عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه فلا يجوز صرفها لغير هؤلاء ولا منع صنف منهم إذا وجد فيقسمها الإمام عليهم على السواء وله تفضيل بعض آحاد الصنف على بعض، وأفادت اللام وجوب استغراق أفراده لكن لا يجب على صاحب المال إذا قسم لعسره بل يكفي إعطاء ثلاثة من كل صنف ولا يكفي دونها كما أفادته صيغة الجمع وبيَّنت السنة أن شرط المعطى منها الإسلام وأن لا يكون هاشميا ولا مطلبيا.
إنما تعطى الزكوات الواجبة للمحتاجين الذين لا يملكون شيئًا، وللمساكين الذين لا يملكون كفايتهم، وللسعاة الذين يجمعونها، وللذين تؤلِّفون قلوبهم بها ممن يُرْجَى إسلامه أو قوة إيمانه أو نفعه للمسلمين، أو تدفعون بها شرَّ أحد عن المسلمين، وتعطى في عتق رقاب الأرقاء والمكاتبين، وتعطى للغارمين لإصلاح ذات البين، ولمن أثقلَتْهم الديون في غير فساد ولا تبذير فأعسروا، وللغزاة في سبيل الله، وللمسافر الذي انقطعت به النفقة، هذه القسمة فريضة فرضها الله وقدَّرها.
والله عليم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره وشرعه.
قال الإِمام ابن كثير .
لما ذكر الله - تعالى - اعتراض المنافقين الجهلة على النبى - صلى الله عليه وسلم - ولمزهم إياه فى قسم الصدقات .
بين - سبحانه - أنه هو الذى قسمها ، وبين حكمها ، وتولى أمرها بنفسه ، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين ، كما رواه أبو داود فى سنته عن زيادة بن الحارث الصدائى قال .
أتين النبى - صلى الله عليه وسلم - فبايعته .فأتى رجل فقال .
أعطنى من الصدقة فقال له .
" إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره .
فى الصدقات حتى حكم فيها هو ، فجزأها ثمانية أصناف ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك .والمراد بالصدقات هنا - عند كثير من العلماء - الزكاة المفروضة .ولفظ الصدقات .
مبتدأ .
والخبر محذوف ، والتقدير : إنما الصدقات مصروفة للفقراء والمساكين .
.
إلخ .والفقراء .
جمع فقير ، وهو من له أدنى شئ من المال .
أو هو من لا يملك المال الذى يقوم بحاجاته الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن .يقال فقر الرجل - من باب تعب - إذا قل ماله .قالوا : وأصل الفقير فى اللغة : الشخص الذى كسر فقار ظهره ، ثم استعمل فيمن قل ماله لانكساره بسبب احتياجه إلى غيره .أو هو من الفقرة بمعنى الحفرة ، ثم استعمل فيما ذكر لكونه أدنى حالا من اكثر الناس ، كما أن الحفرة أدنى من مستوى سطح الأرض المستوية .والمساكين : جمع مسكين ، وهو من لا شئ له ، فيحتاج إلى سؤال الناس لسد حاجاته ومطالب حياته .وهو مأخوذ من السكون الذى هو ضد الحركة ، لأن احتياجه إلى غيره أسكنه وأذله .وقيل : المسكين هو الذى مال أو كسب ولكنه لا يكفيه ، وعلى هذا يكون قريب الشبه بالفقير .وقوله : ( والعاملين عَلَيْهَا ) بيان للصنف الثالث من الأصناف الذين تجب لهم الزكاة .والمارد بهم .
من كلفهم الإِمام بجمع الزكاة وتحصيلها ممن يملكون نصابها .ويدخل فيهم العريف ، والحاسب ، والكاتب ، وحافظ المال ، وكل من كلفه الإِمام أو نائبه بعمل يتعلق بجمع الزكاة او حفظها ، أو توزيعها .وقوله .
( والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ) بيان للصنف الرابع .والمراد بهم الأشخاص الذين يرى الإِمام دفع شئ من الزكاة إليهم تأليفاً لقلوبهم ، واستمالة لنفوسهم نحو الإِسلام ، لكف شرهم ، أو لرجاء نفعهم ، وهم أنواع :منهم قوم من الكفار ، كصفوان بن أمية ، فقد أعطاه النبى - صلى الله عليه وسلم - من غنائم حنين ، وكان صفوان يومئذ كافراً ، ثم أسلم وقال : والله لقد أعطانى النبى - صلى الله عليه وسلم - وكان أبغض الناس إلى ، فما زال يعطينى .
حتى أسلمت وإنه لأحب الناس إلى .ومنهم قوم كانوا حديثى عهد بالإِسلام وكانوا من ذوى الشرف فى أقوامهم فكان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم ، ليثبت إيمانهم ، وليدخل معهم فى الإِسلام أتباعهم .ومن أمثلة ذلك ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ، والزبرقان بن بدر ، فقد أعطاهم - صلى الله عليه وسلم - لمكانتهم فى عشيرتهم ، ولشرفهم فى أقوامهم .
وليدخل معهم فى الإِسلام غيرهم .ومن أمثلة هذا الصنف العباس من مرداس السملى ، فقد أعطاه النبى - صلى الله عليه وسلم - تأليفاً لقلبه ، وتثبيتاً لإِيمانه .والخلاصة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء ، دفعاً لشرهم ، أو أملا فى نفعهم ، أو رجاء هدايتهم .وقوله : ( وَفِي الرقاب ) بيان لنوع خامس من مصارف الزكاة .
وفى الكلام مجاز بالحذف ، والتقدير : وتصرف الصدقات أيضا فى فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشئ منها علىأداء بدل الكتابة؛ لكن يصروا أحراً .
أو بأن يشترى بجز منها عدداً من العبيد لكى يعتقوا من الرق .وذلك لأن الإِسلام يجب أتباعه فى عتق الرقاب ، وفى مساعدة الأرقاء على أن يصيروا أحراراً .وقوله : ( والغارمين ) من الغرم بمعنى الملازمة للشئ ومنه قوله .
تعالى : ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ) أى : عذاب جهنم كان ملازماً لأهلها من الكافرين .والمراد بالغارمين : من لزمتهم الديون فى غير مصعية لله ، ولا يجدون المال الذى يدفعونه لدائنيهم ، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على سداد ديونهم .وقوله : ( وَفِي سَبِيلِ الله ) بيان لنوع سابع من مصارف الزكاة .والسبيل : الطريق الذى فيه سهولة ، وجمعه سبل .
وأضيف إلى الله تعالى للإِشارة إلى أنه هو السبيل الحق الذى لا يحرم حوله باطل ، وهو الذى يوصل السائر فيه إلى مرضاة الله ومثوبته .أى : وتصرف الصدقات فى سبيل الله ، يدفع جزء منها لمساعدة المجاهدين والغزاة والفقراء الذين خرجوا لإِعلاء كلمة الله .قال بعض العلماء ما ملخصه : قال أبو حنيفة ومالك والشافعى .
يصرف سهم سبيل الله المذكور فى الآية الكريمة إلى الغزاة .
.
لأن المفهوم فى الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله هو الغزو ، وأكثر ما جاء فى القرآن الكريم كذلك .وقال الإِمام أحمد : يجوز صرف سبيل الله إلى مريد الحج .وقال بعضهم : يجوز صرف سبيل الله إلى طلبة العلم .وفسره بعضهم بجميع القربات .
فيخل فيه جميع الخير ، مثل تكفين الموتى ، وبناء القناطر ، والحصون ، وعمارة المساجد ( وَفِي سَبِيلِ الله ) عام فى الكل .
.وقوله : ( وابن السبيل ) بيان للصنف الثامن والأخير من الأصناف الذين هم مصارف الزكاة .والمراد بابن السبيل : المسافر المنقطع عن ماله فى سفره .
ولو كان غنياً فى بلده ، فيعطى من الزكاة ما يساعده على بلوغ موطنه .وقد اشترط العلماء لابن السبيل الذى يعطى من الصدقة ، أن يكون سفره فى غير معصية الله .
فإن كان فى معصية لم يعط : لأن إعطاءه يعتبر إعانة له على المصعية ، وهذا لا يجوز .وقد ألحقوا بابن السبيلن كل من غاب من ماله ، ولو كان فى بلده .وقوله .
فريضة من الله ، منصوب بفعل مقر أى : فرض الله لهم هذه الصدقات فريضة ، فلا يصح لكم أن تبخلوا بها عنهم ، أو تتكاسلوا فى إعطائها لمستحقيها .فالجملة الكريمة زجر للمخاطبين عن مخالفة أحكامه .
سبحانه .وقوله : ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) تذييل قصد به بيان الحكمة من فرضية الزكاة .اى : والله - تعالى - عليم بأحوال عباده ، ولا تخفى عليه خافية من تصرفاتهم ، حكيم فى كل أوامره ونواهيه ، فعليكم .
أيها المؤمنون أن تأتمروا بأوامره ، وأن تنتهوا عن نواهيه لتنالوا رضاه .هذا ، من الأحكام والآداب التى أخذها العماء من هذه الآية ما يأتى :1- أن المراد بالصدقات هنا ما يتناول الزكاة المفروضة وغيرها من الصدقات المندوبة ، وذلك لأن اللفظ عام فيشمل كل صدقة سواء أكانت واجبة أم مندوبة ، ولأن لفظ الصدقة فى عرف الشرع وفى صدر الإِسلام ، كان يشمل الزكاة المفروضة ، والصدقة المندوبة ، ويؤيده قوله - تعالى - : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) ومن العلماء من يرى أن المراد بالصدقات فى الآية : الزكاة المفروضة ، لأن ( أل ) فى الصدقات للعهد الذكرى والمعهود هو الصدقات الواجبة التى أشار إليها القرآن .
بقوله قبيل هذه الآية .
( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ) ولأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها فى غير الأصناف الثمانية كبناء المساجد والمدارس .ويبدو لنا أن لفظ الصدقات فى الآية عام بحيث يتناول كل صدقة ، إلا أن الزكاة المفروضة تدخل فيه دخولا أوليا .2- قال بعض العلماء : ظاهر الآية يقضى بالقسمة بين الثمانية الأصناف ، ويؤيد هذا وجهان .الأول .
ما يقتضيه اللفظ اللغوى ، إن قلنا .
الواو للجمع والتشريك .والثانى : ما رواه أبو داود فى سنته من قوله - صلى الله عليه وسلم - " إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره فى الصدقات ، حتى حكم فيها ، فجزأ ثمانية أجزاء " .وقد ذهب إلى هذا الشافعى وعكرمة والزهرى ، إلا إن استغنى أحدهما فتدفع إلى الآخرين بلا خلاف .وذهبت طوائف إلى جواز الصرف فى صنف واحد .
منهم عمر وابن عباس وعطاء وابن جبير ومالك وأبو حنيفة .قال فى التهذيب : وخرجوا عن الظاهر فى دلالة الآية المذكورة والخبر بوجوه :الأول : أن الله - تعالى - قال فى سورة البقرة : ( وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) فدل على أن ذكر العدد هنا لبيان جنس من يستحقها .الثانى : الخبر ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ : " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة فى أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد فى فقرائهم " .الثالث : حديث سلمة بن صخر .
فإنه - صلى الله عليه وسلم - جعل له صدقة بنى زريق .الرابع : أنه لم يظهر فى ذلك خلاف من جهة الصحابة فجرى كالمجمع عليه .3- يرى جمهور العلماء أن الفقراء والمساكين صنفان من مصارف الزكاة لأن الله .
- تعالى - قد ذكر كل صنف منهما على حدة ، إلا أنهم اختلفوا فى أيهما أسوأ حالا من الآخر .
فالشافعية يرون أن الفقير أسوأ حلالا من المسكين .ومن أدلتهم على ذلك ، أن الله .
تعالى .
بدأت فى الآية بالفقراء ، وهذا البدء ، يشير إلى أنهم أشد حاجة من غيرهم ، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم .ولأن لفظ الفقير أصله فى اللغة المفقور الذى نزعت فقرة من فقار ظهره : فلا يستطيع التكسب ، ومعلوم أنه لا حال فى الاقلال والبؤس آكد من هذه الحال .ولأن الله .
تعالى .
وصف بالمسكنة من كانت له سفينة من سفن البحر فقال : ( أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر ) أما الأحناف والمالكية فيرون أن المسكين أسوأ حالا من الفقير .ومن أدلتهم على ذلك : أن علماء اللغة عرفوا المسكين بأنه أسوأ حالا من الفقير ، وإلى هذا ذهب يعقوب بن السكيت ، والقتبى ، ويونس بن حيبيب .ولأن الله - تعالى - وصف المسكين وصفا يدل على البؤس وصفاً يدل على البؤس والفاقة فقال : ( أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ) أى : مسكيناً ذا حاجة شديدة ، حتى لكأنه قد لصق بالتارب من شدة الفاقة ، ولم يصف الفقير بذلك .
.قال بعض العلماء : وأنت إذا تأملت أدلة الطرفين وجدت أنها متعارضة ومحل نظر ، وأياما كان فقد اتفق الرأيان على أن الفقراء والمساكين صنفان .وروى عن ابى يوسف ومحمد أنهما صنف واحد واختاره الجبائى ، ويكون العطف بينهما لاختلاف المفهوم .
وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى لفلان وللفقراء والمساكين؛ فمن قال إنهما صنف واحد جعل لفلان نصف الموصى به ، ومن قال إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك .4- ظاهر الآية يدل على أن الزكاة يتجوز دفعها لكل من يشكله اسم الفقير والمسكين ، إلا أن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن الأحاديث الصحيحة قد قيدت هذا الإِطلاق .قال القرطبى : اعلم أن قوله - تعالى - : ( لِلْفُقَرَآءِ ) مطلق ليس فيه شرط وتقييد ، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء ، سواء أكانوا من بنى هاشم أو من غيرهم ، إلاأن السنة وردت باعتبار شروط ، منها : ألا يكونوا من بنى هاشم ، وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته ، وهذا لا خلاف فيه .وشرط ثالث ألا يكن قوياً على الاكتساب؛ لأنه - سبحانه - قال : " لا تحل الصدقة لغنى ، ولا لذى مرة سوى " .ولا خلاف بين علماء المسلمين فى أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولا لنبى هاشم ولا لمواليهم .
.وكذلك لا يصح أن تعطى لغير المسلمين ، ففى الصحيحين عن ابن عباس - رضى الله عنهما -" أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال معاذ حين بعثه إلى ايمن : " أعلمهم أنعليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " فاقتضى ذلك أن الصدقة مقصورة على فقراء المسلمين .إلا أنه نقل عن أبى حنيفة جواز دفع صدقة الفطر إلى الذمى .5- أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى ( والعاملين عَلَيْهَا ) أنه يجب على الإِمام أن يرسل من يراه أهلا لجمع الزكاة ممن تجب عليهم .وقد تأكد هذا الوجوب بفعل النبى - صلى الله عليه وسلم فقد ثبت فى أحاديث متعددة أنه أرسل بعض الصحابة لجمع الزكاة .روى البخارى عن أبى حميد الساعدى قال : استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللتبية ، فلما جاء حاسبه .6- أخذ بعض العلماء - أيضاً - من قوله - تعالى - ( والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ) أن حكمهم باق ، لأنهم قد ذكروا من بين مصارف الزكاة ، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أعطاهم ، فيعطون عند الحاجة .قال الإِمام القرطبى ما ملخصه : واختلف العلماء فى بقاء المؤلفة قلوبهم .فقال عمر والحسن والشعبى وغيرهم : انقطع هذا الصنف بعز الإِسلام وظهوره .وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأى .قال بعض علماء الحنفية .
لما أعز الإِسلام وأهله ، أجمع الصحابة فى خلافة أبى بكر على سقوط سهمهم .وقال جماعة من العلماء : هم باقون لأن الإِمام ربما احتاج أن يستألف على الإِسلام وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين .وقال ابن العربى .
الذى عندى أنه إن قوى الإِسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم ، فإن فى الصحيح " بدأ الإِسلام غريباً وسيعود كما بدأ " .والذى يبدو لنا أن ما قاله ابن العربى أقرب الأقوال إلى الصواب لأن مسألة إعطاء المؤلفة قلوبهم تختلف باختلاف الأحوال؛ فإن كان الإِمام يرى أن من مصلحة الإِسلام إعطاءهم ، وإن كانت المصحلة فى غير ذلك لم يعطهم .7- دلت الآية الكريمة على أن الزكاة ركن من أركان الاسلام ، لقوله تعالى ( فَرِيضَةً مِّنَ الله ) .قال بعض العلماء ما ملخصه ، تلك هى فريضة الزكاة .
ليست أمر الرسول وإنما هى أمر الله وفريضته وقسمته وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين .
وهذه الزكاة تؤخذ من الأغنياء على أنها فريضة من الله ، وترد على الفقراء على أنها فريضة من الله ، وهى محصورة فى طوائف من الناس عينهم القرآن وليست متروكة لاختيار أحد حتى ولا اختيار الرسول نفسه .وبذلك تأخذ الزكاة مكانها فى شريعة ، ومكانها فى النظام الإِسلامي ، لا تطوعاً ولا تفضلا ممن فرضت عليهم ، فهى فريضة محتمة ، ولا منحة ولا جزافا من القاسم الموزع فهى فريضة معلومة .إنها إحدى فرائض الإِسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدى بها خدمة اجتماعية محددة .
وهى .
ليست إحساناً من المعطى ، وليست شحاذرة من الآخذ ، كلا فما قام النظام الاجتماعى فى الإِسلام على التسول ولن يقوم .إن قوم الحياة فى النظام الإِسلامى هو العمل - بلك صنوفه وألوانه - على الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه .والزكاة ضريبة تكافل اجتماعى بين القادرين والعاجزين ، تنظمها الدولة وتتولاها فى الجمع والتوزيع ، متى قام المجمع على أساس الإِسلام الصحيح ، منفذاً شريعة الله لا يبتغى له شرعاً ولا منهجاً سواه .إن فريضة الزكاة تؤدى فى صورة عبادة إسلامية ، ليطهر الله بها القلوب من الشح ، وليجعلها شرعة تراحم وتضمن بين أفراد الأمة المسلمة .إنها فريضة من الله ، الذى يعلم ما يصلح لهذه البشرية ، ويدير أمرها بالحكمة ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .
اعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدقات، بين لهم أن مصرف الصدقات هؤلاء، ولا تعلق لي بها، ولا آخذ لنفسي نصيباً منها، فلم يبق لهم طعن في الرسول بسبب أخذ الصدقات.
وهاهنا مقامات: المقام الأول: بيان الحكمة في أخذ القليل من أموال الأغنياء، وصرفها إلى المحتاجين من الناس.
والمقام الثاني: بيان حال هؤلاء الأصناف الثمانية المذكورين في هذه الآية.
أما المقام الأول: فنقول: الحكمة في إيجاب الزكاة أمور، بعضها مصالح عائدة إلى معطى الزكاة.
وبعضها عائدة إلى آخذ الزكاة.
أما القسم الأول: فهو أمور: الأول: أن المال محبوب بالطبع، والسبب فيه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها، ولعينها لا لغيرها لأنه لا يمكن أن يقال: إن كل شيء فهو محبوب لمعنى آخر وإلا لزم، إما التسلسل وإما الدور، وهما محالان، فوجب الانتهاء في الأشياء المحبوبة إلى ما يكون محبوباً لذاته.
والكمال محبوب لذاته، والنقصان مكروه لذاته فلما كانت القدرة صفة كمال، وصفة الكمال محبوبة لذاتها، كانت القدرة محبوبة لذاتها.
والمال سبب لحصول تلك القدرة، ولكمالها في حق البشر فكان أقوى أسباب القدرة في حق البشر هو المال، والذي يتوقف عليه المحبوب فهو محبوب، فكان المال محبوباً، فهذا هو السبب في كونه محبوباً إلا أن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده، ليصير ذلك الإخراج كسراً من شدة الميل إلى المال، ومنعاً من انصراف النفس بالكلية إليها وتنبيهاً لها على أن سعادة الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال وإنما تحصل بإنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة.
وهو المراد من قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ أي تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا.
والوجه الثاني: وهو أن كثرة المال، توجب شدة القوة وكمال القدرة، وتزايد المال يوجب تزايد القدرة، وتزايد القدرة يوجب تزايد الالتذاذ بتلك القدرة، وتزايد تلك اللذات، يدعو الإنسان إلى أن يسعى في تحصيل المال الذي صار سبباً لحصول هذه اللذات المتزايدة، وبهذا الطريق تصير المسألة مسألة الدور، لأنه إذا بالغ في السعي ازداد المال وذلك يوجب ازدياد القدرة، وهو يوجب ازدياد اللذة وهو يحمل الإنسان على أن يزيد في طلب المال، ولما صارت المسألة مسألة الدور، لم يظهر لها مقطع ولا آخر، فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو أنه أوجب على صاحبه صرف طائفة من تلك الأموال إلى الإنفاق في طلب مرضاة الله تعالى ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه.
والوجه الثالث: أن كثرة المال سبب لحصول الطغيان والقسوة في القلب، وسببه ما ذكرنا من أن كثرة المال سبب لحصول القدرة، والقدرة محبوبة لذاتها، والعاشق إذا وصل لمعشوقه استغرق فيه، فالإنسان يصير غرقاً في طلب المال، فإن عرض له مانع يمنعه عن طلبه استعان بماله وقدرته على دفع ذلك المانع، وهذا هو المراد بالطغيان، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ ﴾ فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان ويرد القلب إلى طلب رضوان الرحمن.
والوجه الرابع: أن النفس الناطقة لها قوتان، نظرية وعملية، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتصافه بكونه محسناً إلى الخلق ساعياً في إيصال الخيرات إليهم دافعاً للآفات عنهم، ولهذا السر قال عليه الصلاة والسلام: «تخلقوا بأخلاق الله».
والوجه الخامس: أن الخلق إذا علموا في الإنسان كونه ساعياً في إيصال الخيرات إليهم، وفي دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع ومالت نفوسهم إليه لا محالة، على ما قاله عليه الصلاة والسلام: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها».
فالفقراء إذا علموا أن الرجل الغني يصرف إليهم طائفة من ماله، وأنه كلما كان ماله أكثر كان الذي يصرفه إليهم من ذلك المال أكثر، أمدوه بالدعاء والهمة، وللقلوب آثار وللأرواح حرارة فصارت تلك الدعوات سبباً لبقاء ذلك الإنسان في الخير والخصب، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض ﴾ وبقوله عليه الصلاة والسلام: «حصنوا أموالكم بالزكاة».
والوجه السادس: أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء، فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه، إلا أنه يتوسل به إلى الاستغناء عن غيره، فأما الاستغناء عن الشيء فهو الغنى التام، ولذلك فإن الاستغناء عن الشيء صفة الحق، والاستغناء بالشيء صفة الخلق، فالله سبحانه لما أعطى بعض عبيده أموالاً كثيرة فقد رزقه نصيباً وافراً من باب الاستغناء بالشيء.
فإذا أمره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء، إلى المقام الذي هو أعلى منه، وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء.
والوجه السابع: أن المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه، فهو غاد ورائح، وهو سريع الزوال مشرف على التفرق، فما دام يبقى في يده كان كالمشرف على الهلاك والتفرق.
فإذا أنفقه الإنسان في وجوه البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يمكن زواله، فإنه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة، وسمعت واحداً يقول: الإنسان لا يقدر أن يذهب بذهبه إلى القبر، فقلت بل يمكنه ذلك فإنه إذا أنفقه في طلب الرضوان الأكبر فقد ذهب به إلى القبر وإلى القيامة.
والوجه الثامن: وهو أن بذل المال تشبه بالملائكة والأنبياء، وإمساكه تشبه بالبخلاء المذمومين، فكان البذل أولى.
والوجه التاسع: أن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق سبحانه وتعالى، والسعي في تحصيل هذه الصفة بقدر القدرة تخلق بأخلاق الله، وذلك منتهى كمالات الإنسانية.
والوجه العاشر: أن الإنسان ليس له إلا ثلاثة أشياء: الروح والبدن والمال.
فإذا أمر بالإيمان فقد صار جوهر الروح مستغرقاً في هذا التكليف.
ولما أمر بالصلاة فقد صار اللسان مستغرقاً بالذكر والقراءة، والبدن مستغرقاً في تلك الأعمال، بقي المال؛ فلو لم يصر المال مصروفاً إلى أوجه البر والخير لزم أن يكون شح الإنسان بماله فوق شحه بروحه وبدنه، وذلك جهل، لأن مراتب السعادات ثلاثة: أولها: السعادات الروحانية.
وثانيها: السعادات البدنية وهي المرتبة الوسطى.
وثالثها: السعادات الخارجية وهي المال والجاه.
فهذه المراتب تجري مجرى خادم السعادات النفسانية، فإذا صار الروح مبذولاً في مقام العبودية، ثم حصل الشح ببذل المال لزم جعل الخادم في مرتبة أعلى من المخدوم الأصلي، وذلك جهل.
فثبت أنه يجب على العاقل أيضاً بذل المال في طلب مرضاة الله تعالى.
والوجه الحادي عشر: أن العلماء قالوا: شكر النعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، والزكاة شكر النعمة، فوجب القول بوجوبها لما ثبت أن شكر المنعم واجب.
والوجه الثاني عشر: أن إيجاب الزكاة يوجب حصول الإلف بالمودة بين المسلمين، وزوال الحقد والحسد عنهم، وكل ذلك من المهمات، فهذه وجوه معتبرة في بيان الحكمة الناشئة من إيجاب الزكاة العائدة إلى معطي الزكاة، فأما المصالح العائدة من إيجاب الزكاة إلى من يأخذ الزكاة فهي كثيرة، الأول: أن الله تعالى خلق الأموال، وليس المطلوب منها أعيانها وذواتها.
فإن الذهب والفضة لا يمكن الانتفاع بهما في أعيانهما إلا في الأمر القليل، بل المقصود من خلقهما أن يتوسل بهما إلى تحصيل المنافع ودفع المفاسد، فالإنسان إذا حصل له من المال بقدر حاجته كان هو أولى بإمساكه لأنه يشاركه سائر المحتاجين في صفة الحاجة، وهو ممتاز عنهم بكونه ساعياً في تحصيل ذلك المال، فكان اختصاصه بذلك المال أولى من اختصاص غيره، وأما إذا فضل المال على قدر الحاجة، وحضر إنسان آخر محتاج، فهاهنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال.
أما في حق المالك، فهو أنه سعى في اكتسابه وتحصيله، وأيضاً شدة تعلق قلبه به، فإن ذلك التعلق أيضاً نوع من أنواع الحاجة.
وأما في حق الفقير، فاحتياجه إلى ذلك المال يوجب تعلقه به، فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت الحكمة الإلهية رعاية كل واحد من هذين السببين بقدر الإمكان.
فيقال حصل للمالك حق الاكتساب وحق تعلق قلبه به، وحصل للفقير حق الاحتياج، فرجحنا جانب المالك، وأبقينا عليه الكثير وصرفنا إلى الفقير يسيراً منه توفيقاً بين الدلائل بقدر الإمكان.
الثاني: أن المال الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان في بيته بقي معطلاً عن المقصود الذي لأجله خلق المال، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتى لا تصير تلك الحكمة معطلة بالكلية.
الثالث: أن الفقراء عيال الله لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا ﴾ والأغنياء خزان الله لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله، ولولا أن الله تعالى ألقاها في أيديهم وإلا لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل ذكي يسعى أشد السعي، ولا يملك ملء بطنه طعاماً، وكم من أبله جلف تأتيه الدنيا عفواً صفواً.
إذا ثبت هذا فليس بمستبعد أن يقول الملك لخازنه: اصرف طائفة مما في تلك الخزانة إلى المحتاجين من عبيدي.
الوجه الرابع: أن يقال: المال بالكلية في يد الغني مع أنه غير محتاج إليه، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكلية؛ لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم، فوجب أن يجب على الغني صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير.
الوجه الخامس: أن الشرع لما أبقى في يد المالك أكثر ذلك المال وصرف إلى الفقير منه جزأ قليلاً، تمكن المالك من جبر ذلك النقصان بسبب أن يتجر بما بقي في يده من ذلك المال ويربح ويزول ذلك النقصان.
أما الفقير ليس له شيء أصلاً، فلو لم يصرف إليه طائفة من أموال الأغنياء لبقي معطلاً وليس له ما يجبره، فكان ذلك أولى.
الوجه السادس: أن الأغنياء لو لم يقوموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين، أو على الإقدام على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها فكان إيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة فوجب القول بوجوبها.
الوجه السابع: قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر».
والمال محبوب بالطبع، فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر، وكأنه قيل: أيها الغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين، فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان ذلك المقدار فتصير بسببه من الصابرين، وأيها الفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين، ولكني أوجب على الغني أن يصرف إليك طائفة من ذلك المال حتى إذا دخل ذلك المقدار في ملكك شكرتني، فصرت من الشاكرين، فكان إيجاب الزكاة سبباً في جعل جميع المكلفين موصوفين بصفة الصبر والشكر معاً.
الوجه الثامن: كأنه سبحانه يقول للفقير إن كنت قد منعتك الأموال الكثيرة، ولكني جعلت نفسي مديوناً من قبلك، وإن كنت قد أعطيت الغني أموالاً كثيرة لكني كلفته أن يعدوا خلفك، وأن يتضرع إليك حتى تأخذ ذلك القدر منه، فتكون كالمنعم عليه بأن خلصته من النار.
فإن قال الغني: قد أنعمت عليك بهذا الدينار، فقل أيها الفقير بل أنا المنعم عليك حيث خلصتك في الدنيا من الذم والعار، وفي الآخرة من عذاب النار، فهذه جملة من الوجوه في حكمة إيجاب الزكاة بعضها يقينية، وبعضها إقناعية، والعالم بأسرار حكم الله وحكمته ليس إلا الله، والله أعلم.
المقام الثاني: في تفسير هذه الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء ﴾ الآية تدل على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلا لهذه الأصناف الثمانية، وذلك مجمع عليه، وأيضاً فلفظة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر ويدل عليه وجوه: الأول: أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ مركبة من إن وما وكلمة إن للإثبات وكلمة ما للنفي، فعند اجتماعهما وجب بقاؤهما على هذا المفهوم، فوجب أن يفيدا ثبوت المذكور، وعدم ما يغايره.
الثاني: أن ابن عباس تمسك في نفي ربا الفضل بقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الربا في النسيئة» ولولا أن هذا اللفظ يفيد الحصر، وإلا لما كان الأمر كذلك، وأيضاً تمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الماء من الماء» ولولا أن هذه الكلمة تفيد الحصر وإلا لما كان كذلك.
وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الله إله واحد ﴾ والمقصود بيان نفي الإلهية للغير والثالث: الشعر.
قال الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى *** وإنما العزة للكاثر وقال الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما *** يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فثبت بهذه الوجوه أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ للحصر، ومما يدل على أن الصدقات لا تصرف إلا لهذه الأصناف الثمانية أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل: «إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق وإلا فهو صداع في الرأس، وداء في البطن» وقال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي».
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم يلمزون الرسول عليه السلام في أخذ الصدقات، بين تعالى أنه إنما يأخذها لهؤلاء الأصناف الثمانية، ولا يأخذها لنفسه ولا لأقاربه ومتصليه، وقد بينا أن أخذ القليل من مال الغني ليصرف إلى الفقير في دفع حاجته هو الحكمة المعينة، والمصلحة اللازمة، وإذا كان الأمر كذلك كان همز المنافقين ولمزهم عين السفه والجهالة.
فكان عليه الصلاة والسلام يقول: «ما أوتيكم شيئاً ولا أمنعكم، إنما أنا خازن أضع حيث أمرت».
المسألة الثالثة: مذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف فقط، وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وأبي العالية والنخعي، وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فحبوتهم بها كان أحب إلي، وقال الشافعي رحمه الله: لابد من صرفها إلى الأصناف الثمانية، وهو قول عكرمة والزهري وعمر ابن عبد العزيز: واحتج بأنه تعالى ذكر هذه القسمة في نص الكتاب.
ثم أكدها بقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ قال: ولا بد في كل صنف من ثلاثة، لأن أقل الجمع ثلاثة، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث وهو ثلث سهم الفقراء.
قال: ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية، مثل أنك إن وجدت خمسة أصناف ولزمك أن تتصدق بعشرة دراهم، جعلت العشرة خمسة أسهم كل سهم درهمان، ولا يجوز التفاضل.
ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين وأقل عددهم ثلاثة، ولا يلزمك التسوية بينهم، فلك أن تعطي فقيراً درهماً وفقيراً خمسة أسداس درهم وفقيراً سدس درهم، هذه صفة قسمة الصدقات على مذهب الشافعي رحمه الله.
قال المصنف الداعي إلى الله رضي الله عنه: الآية لا دلالة فيها على قول الشافعي رحمه الله، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف الثمانية، وذلك لا يقتضي في صدقة زيد بعينه أن تكون لجملة هؤلاء الثمانية.
والدليل عليه العقل والنقل.
أما النقل: فقوله تعالى: ﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَيء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ الآية، فأثبت خمس الغنيمة لهؤلاء الطوائف الخمس، ثم لم يقل أحد إن كل شيء يغنم بعينه فإنه يحب تفرقته على هذه الطوائف، بل اتفقوا على أن المراد إثبات مجموع الغنيمة لهؤلاء الأصناف، فإما أن يكون كل جزء من أجزاء الغنيمة موزعاً على كل هؤلاء فلا، فكذا هاهنا مجموع الصدقات تكون لمجموع هذه الأصناف الثمانية.
فإما أن يقال: إن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على هذه الأصناف الثمانية، فاللفظ لا يدل عليه ألبتة.
وأما العقل: فهو أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء ذلك المجموع، ولا يلزم أن لا يبقى فرق بين الكل وبين الجزء.
فثبت بما ذكرنا أن لفظ الآية لا دلالة فيه على ما ذكره، والذي يدل على صحة قولنا وجوه: الأول: أن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً لما وجب عليه إخراج نصف دينار، فلو كلفناه أن نجعله على أربعة وعشرين قسماً لصار كل واحد من تلك الأقسام حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر.
الثاني: أن هذا التوقيف لو كان معتبراً لكان أولى الناس برعايته أكابر الصحابة، ولو كان الأمر كذلك لوصل هذا الخبر إلى عمر بن الخطاب وإلى ابن عباس وحذيفة وسائر الأكابر، ولو كان كذلك لما خالفوا فيه، وحيث خالفوا فيه علمنا أنه غير معتبر.
الثالث: وهو أن الشافعي رحمه الله له اختلاف رأي في جواز نقل الصدقات أما لم يقل أحد بوجوب نقل الصدقات، فالإنسان إذا كان في بعض القرى ولا يكون هناك مكاتب ولا مجاهد غاز ولا عامل ولا أحد من المؤلفة، ولا يمر به أحد من الغرباء، واتفق أنه لم يحضر في تلك القرية من كان مديوناً فكيف تكليفه؟
فإن قلنا: وجب عليه أن يسافر بما وجب عليه من الزكاة إلى بلد يجد هذه الأصناف فيه، فذاك قول لم يقل به أحد!
وإذا أسقطنا عنه ذلك فحينئذ يصح قولنا فهذا ما نقوله في هذا الباب، والله أعلم.
المسألة الرابعة: في تعريف الأصناف الثمانية، فالأول والثاني هم الفقراء والمساكين، ولا شك أنهم هم المحتاجون الذي لا يفي خرجهم بدخلهم.
ثم اختلفوا فقال بعضهم: الذي يكون أشد حاجة هو الفقير؛ وهو قول الشافعي رحمه الله وأصحابه.
وقال آخرون: الذي أشد حاجة هو المسكين، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، ومن الناس من قال: لا فرق بين الفقراء والمساكين، والله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، والمقصود شيء واحد وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، واختيار أبي علي الجبائي، وفائدته تظهر في هذه المسألة، وهو أنه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين قالوا لفلان الثلث، والذين قالوا: الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف.
وقال الجبائي: إنه تعالى ذكرهم باسمين لتوكيد أمرهم في الصدقات لأنهم هم الأصول في الأصناف الثمانية.
وأيضاً الفائدة فيه أن يصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم.
واعلم أن فائدة هذا الاختلاف لا تظهر في تفرقة الصدقات وإنما تظهر في الوصايا، وهو أن رجلاً لو قال: أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين، وجب دفع المائتين عند الشافعي رحمه الله من كان أشد حاجة، وعند أبي حنيفة رحمه الله إلى من كان أقل حاجة، وحجة الشافعي رحمه الله وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجتهم وتحصيلاً لمصلحتهم، وهذا يدل عى أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة، لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ألا ترى أنه يقال: أبو بكر وعمر ومن فضل عثمان على علي عليه السلام قال في ذكرهما عثمان وعلي، ومن فضل علياً على عثمان يقول علي وعثمان، وأنشد عمر قول الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً *** فقال هلا قدم الإسلام على الشيب؟
فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين.
الوجه الثاني: قال أحمد بن عبيد الفقير أسوأ حالاً من المسكين، لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل: مطبوخ وطبيخ، ومجروح وجريح، فثبت أن الفقير إنما سمي فقيراً لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في الكسب ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد: لما رأى لبد النسور تطايرت *** رفع القوادم كالفقير الأعزل قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار، يضرب مثلاً لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍۭ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي.
الوجه الثالث: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام، كان يتعوذ من الفقر، وقال: كاد الفقر أن يكون كفراً ثم قال: اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الحديثان، لأنه تعوذ من الفقر، ثم سأل حالاً أسوأ منه، أما إذا قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض ألبتة.
الوجه الرابع: أن كونه مسكيناً، لا ينافي كونه مالكاً للمال بدليل قوله تعالى: ﴿ أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين ﴾ فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان سمي فقيراً مع أنه يملك شيئاً.
فإن قالوا: الدليل عليه قوله تعالى: ﴿ والله الغنى وَأَنتُمُ الفقراء ﴾ فوصف الكل بالفقر مع أنهم يملكون أشياء.
قلنا: هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى، فإن أحداً سوى الله تعالى لا يملك ألبتة شيئاً بالنسبة إلى الله فصح قولنا.
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿ أَوْ إِطْعَٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ والمراد منه المسكين ذي المتربة الفقير الذي قد ألصق بالتراب من شدة الفقر، فتقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه ﴿ ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئاً، فهذا يدل على أن كونه مسكيناً لا ينافي كونه مالكاً لبعض الأشياء.
الوجه السادس: قال ابن عباس رضي الله عنهما، الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئاً، قال: وهم أهل الصفة، صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس.
وجه الاستدلال: أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر، فلما فسر ابن عباس الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحداً شيئاً أشد من أحوال من يحتاج، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم، ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالاً من المسكين.
الوجه السابع: أن المسكنة لفظ مأخوذ من السكون، فالفقير إذا سأل الناس وتضرع إليهم وعلم أنه متى تضرع إليهم أعطوه شيئاً فقد سكن قلبه، وزال عنه الخوف والقلق، ويحتمل أنه سمي بهذا الاسم؛ لأنه إذا أجيب بالرد ومنع سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال، فلهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال والتضرع عند الغير، ويقال: تمسكن الرجل إذا لان وتواضع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام للمصلي: تأن وتمسكن يريد تواضع وتخشع، فدل هذا على أن المسكين هو السائل.
إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿ وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم ﴾ فلما ثبت بما ذكرنا هاهنا أن المسكين هو السائل، وجب أن يكون المحروم هو الفقير، ولا شك أن المحروم مبالغة في تقرير أمر الحرمان، فثبت أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين.
الوجه الثامن: أنه عليه الصلاة والسلام قال: أحيني مسكيناً الحديث، والظاهر أنه تعالى أجاب دعاءه فأماته مسكيناً، وهو عليه الصلاة والسلام حين توفي كان يملك أشياء كثيرة فدل هذا على أن كونه مسكيناً لا ينافي كونه مالكاً لبعض الأشياء، أما الفقير فإنه يدل على الحاجة الشديدة لقوله عليه الصلاة والسلام: «كاد الفقر أن يكون كفراً».
فثبت بهذا أن الفقر أشد حالاً من المسكنة.
الوجه التاسع: أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان، كما أن السواد والبياض ضدان ولم يقل أحد إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا: الترفع والتمسكن ضدان؛ فمن كان منقاداً لكل أحد خائفاً منهم متحملاً لشرهم ساكتاً عن جوابهم متضرعاً إليهم.
قالوا: إن فلاناً يظهر الذل والمسكنة، وقالوا: إنه مسكين عاجز، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكيناً، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعاً عن التواضع والمسكنة، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع، والأول ينافي حصول المال، والثاني لا ينافي حصوله.
الوجه العاشر: قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ في الزكاة: خذها من أغنيائهم، وردها على فقرائهم ولو كانت الحاجة في المساكين أشد، لوجب أن يقول: وردها على مساكينهم، لأن ذكر الأهم أولى، فهذه الوجوه التي ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، واحتج القائلون بأن المسكين أسوأ حالاً من الفقير بوجوه: الأول: احتجوا بقوله تعالى: ﴿ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ وصف المسكين بكونه ذا متربة، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة، وأيضاً أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له، ولا فاقة أعظم من الحاجة إلى إزالة الجوع.
الثاني: احتجوا بقول الراعي: أما الفقير الذي كانت حلوبته *** وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ سماه فقيراً وله حلوبة.
الثالث: قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس.
الرابع: نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو بن العلاء أنهما قالا: الفقير الذي له ما يأكل.
والمسكين الذي لا شيء له، وقال يونس: الفقير قد يكون له بعض ما يكفيه والمسكين هو الذي لا شيء له، وقلت لأعرابي أفقير أنت؟
قال: لا والله بل مسكين.
والجواب: عن تمسكهم بالآية أنا بينا أن هذه الآية حجة لنا، فإنه لما قيد المسكين المذكور هاهنا بكونه ذا متربة دل ذلك على أنه قد يوجد مسكين لا بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة قوله: أنه صرف الطعام الواجب في الكفارات إليه، قلنا: نعم إنه أوجب صرفه إلى المسكين المقيد بقيد كونه ذا متربة، وهذا لا يدل على أنه أوجب الصرف إلى مطلق المسكين.
والجواب عن استدلالهم ببيت الراعي أنه ذكر أن هذا الذي هو الآن موصوف بكونه فقيراً فقد كانت له حلوبه ثم السيد لم يترك له شيئاً، فلم لا يجوز أن يقال كانت له حلوبة ثم لما لم يترك له شيء وصف بكونه فقيراً؟
والجواب عن قولهم: المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت.
قلنا: بل المسكين هو الطواف على الناس الذي يكثر إقدامه على السؤال، وسمي مسكيناً إما لسكونه عندما ينتهرونه ويردونه، وإما لسكون قلبه بسبب علمه أن الناس لا يضيعونه مع كثرة سؤاله إياهم، وأما الروايات التي ذكروها عن أبي عمرو ويونس فهذا معارض بقول الشافعي وابن الأنباري رحمهما الله، وأيضاً نقل القفال في تفسيره عن جابر بن عبد الله أنه قال: الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين الذين لم يهاجروا، وعن الحسن الفقير الجالس في بيته، والمسكين الذي يسعى وعن مجاهد الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، وعن الزهري الفقراء هم المتعففون الذين لا يخرجون، والمساكين الذين يسألون، قال مولانا الداعي إلى الله: هذه الأقوال كلها متوافقة على أن الفقير لا يسأل، والمسكين يسأل، ومن سأل وجد، فكان المسكين أسهل وأقل حاجة.
الصنف الثالث: قوله تعالى: ﴿ والعاملين عَلَيْهَا ﴾ وهم السعاة لجباية الصدقة، وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم، وهو قول الشافعي رحمه الله، وقول عبد الله بن عمر وابن زيد، وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات، وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي رحمه الله يقول هذا أجرة العمل فيتقدر بقدر العمل، والصحيح أن مولى الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات ليناله منها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات، وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم.
وإنما قال: ﴿ والعاملين عَلَيْهَا ﴾ لأن كلمة على تفيد الولاية كما يقال فلان على بلد كذا إذا كان والياً عليه.
الصنف الرابع: قوله تعالى: ﴿ والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً، أبو سفيان، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وحويطب بن عبد العزى، وسهل بن عمرو من بني عامر، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو الجهني، وأبو السنابل، وحكيم بن حزام.
ومالك بن عوف، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، والجد بن قيس، وعمرو بن مرداس.
والعلاء بن الحرث أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام، إلا عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أحداً من الناس أحق بعطائك مني فزاده عشرة، ثم سأله فزاده عشرة، وهكذا حتى بلغ مائة، ثم قال حكيم: يا رسول الله أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها؟
فقال عليه الصلاة والسلام: «بل التي رغبت عنها» فقال: والله لا آخذ غيرها: فقيل مات حكيم وهو أكثر قريش مالاً وشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العطايا لكن ألفهم بذلك.
قال المصنف رحمه الله: هذه العطايا إنما كانت يوم حنين ولا تعلق لها بالصدقات، ولا أدري لأي سبب ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هذه القصة في تفسير هذه الآية، ولعل المراد بيان أنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة، فأما أن يجعل ذلك تفسيراً لصرف الزكاة إليهم فلا يليق بابن عباس، ونقل القفال أن أبا بكر رضي الله عنه أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة، وقال المقصود أن يستعين الإمام بهم على استخراج الصدقات من الملاك.
قال الواحدي: إن الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمام أن يؤلف قلوب قوم لبعض المصالح التي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين، فأما المؤلفة من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات وأقول إن قول الواحدي إن الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين بناء على أنه ربما يوهم أنه عليه الصلاة والسلام دفع قسماً من الزكاة إليهم لكنا بينا أن هذا لم يحصل ألبتة، وأيضاً فليس في الآية ما يدل على كون المؤلفة مشركين بل قال: ﴿ والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ﴾ وهذا عام في المسلم وغيره، والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ وأن للإمام أن يتألف قوماً على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة لأنه لا دليل على نسخه ألبتة.
الصنف الخامس: قوله: ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ قال الزجاج: وفيه محذوف، والتقدير: وفي فك الرقاب وقد مضى الاستقصاء في تفسيره في سورة البقرة في قوله: ﴿ والسائلين وَفِي الرقاب ﴾ ثم في تفسير الرقاب أقوال: القول الأول: إن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، والليث بن سعد، واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قوله: ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ يريد المكاتب وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ .
والقول الثاني: وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق أنه موضوع لعتق الرقاب يشتري به عبيد فيعتقون.
والقول الثالث: قول أبي حنيفة وأصحابه وقول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكنه يعطي منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله: ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه.
والقول الرابع: قول الزهري: قال سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين من المسلمين، ونصف يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا، وقدم إسلامهم فيعتقون من الزكاة، قال أصحابنا: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب، والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدم ذكرهم بلام التمليك وهو قوله: ﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء ﴾ ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال: ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ فلابد لهذا الفرق من فائدة، وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاؤوا وأما ﴿ فِى الرقاب ﴾ فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم عن الرق، ولا يدفع إليهم ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤوا، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدي عنهم، وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه في الغزو وابن السبيل كذلك.
والحاصل: أن في الأصناف الأربعة الأول، يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤوا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة.
الصنف السادس: قوله تعالى: ﴿ والغارمين ﴾ قال الزجاج: أصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق والغرام العذاب اللازم، وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً ولازماً، ومنه: فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن، وسمي الدين غراماً لكونه شاقاً على الإنسان ولازماً له، فالمراد بالغارمين المديونون، ونقول: الدين إن حصل بسبب معصية لا يدخل في الآية، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دين حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين حصل بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، والكل داخل في الآية، وروى الأصم في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالغرة في الجنين، قال العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله قال لحمد بن مالك بن النابغة: «أعنهم بغرة من صدقاتهم» وكان حمد على الصدقة يومئذ.
الصنف السابع: قوله تعالى: ﴿ وَفِى سَبِيلِ الله ﴾ قال المفسرون: يعني الغزاة.
قال الشافعي رحمه الله: يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وإسحاق وأبي عبيد.
وقال أبو حنيفة وصاحباه رحمهم الله: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً.
واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله: ﴿ وَفِى سَبِيلِ الله ﴾ لا يوجب القصر على كل الغزاة، فلهذا المعنى نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد، لأن قوله: ﴿ وَفِى سَبِيلِ الله ﴾ عام في الكل.
والصنف الثامن: ابن السبيل قال الشافعي رحمه الله: ابن السبيل المستحق للصدقة وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة.
قال الأصحاب: ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة، جاز أن يدفع إليه سهم ابن السبيل، فهذا هو الكلام في شرح هذه الأصناف الثمانية.
المسألة الخامسة: في أحكام هذه الأقسام.
الحكم الأول: اتفقوا على أن قوله: ﴿ إِنَّمَا الصدقات ﴾ دخل فيه الزكاة الواجبة، لأن الزكاة الواجبة مسماة بالصدقة، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «ليس فيما دون خمسة ذود وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» واختلفوا في أنه هل تدخل فيها الصدقة المندوبة فمنهم من قال: تدخل فيها لأن لفظ الصدقة مختص بالمندوبة فإذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة فلا أقل من أن تدخل فيه أيضاً الصدقة المندوبة وتكون الفائدة أن مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء، والأقرب أن المراد من لفظ الصدقات هاهنا هو الزكوات الواجبة ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى أثبت هذه الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة.
الثاني: أن ظاهر هذه الآية يدل على أن مصرف الصدقات ليس إلا لهؤلاء الثمانية، وهذا الحصر إنما يصح لو حملنا هذه الصدقات على الزكوات الواجبة، أما لو أدخلنا فيها المندوبات لم يصح هذا الحصر، لأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء المساجد، والرباطات، والمدارس، وتكفين الموتى وتجهيزهم وسائر الوجوه.
الثالث: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ ﴾ إنما يحسن ذكره لوكان قد سبق بيان تلك الصدقات وأقسامها حتى ينصرف هذا الكلام إليه، والصدقات التي سبق بيانها وتفصيلها هي الصدقات الواجبة فوجب انصراف هذا الكلام إليها.
الحكم الثاني: دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام ومن يلي من قبله، والدليل عليه أن الله تعالى جعل للعاملين سهماً فيها، وذلك يدل على أنه لابد في أداء هذه الزكوات من عامل والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات، وتأكد هذا النص بقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر، ويمكن أن يتمسك في إثباته بقوله تعالى: ﴿ وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم ﴾ فإذا كان ذلك الحق حقاً للسائل والمحروم وجب أن يجوز له دفعه إليه ابتداء.
الحكم الثالث: نص القرآن يدل على أن العامل له في مال الزكاة حق، واختلفوا في أن الإمام هل له فيه حق؟
فمنهم من أثبته قال: لأن العامل إنما قدر على ذلك العمل بتقويته وإمارته، فالعامل في الحقيقة هو الإمام، ومنهم من منعه وقال: الآية دلت على حصر مال الزكاة في هؤلاء الثمانية، والإمام خارج عنهم فلا يصرف هذا المال إليه.
الحكم الرابع: اختلفوا في هذا العامل إذا كان غنياً هل يأخذ النصيب؟
قال الحسن: لا يأخذ إلا مع الحاجة وقال الباقون: يأخذ وإن كان غنياً لأنه يأخذه أجرة على العمل، ثم اختلفوا فقال بعضهم: للعامل في مال الزكاة الثمن، لأن الله تعالى قسم الزكاة على ثمانية أصناف فوجب أن يحصل له الثمن، كما أن من أوصى بمال لثمانية أنفس حصل لكل واحد منهم ثمنه، وقال الأكثرون: بل حقه بقدر مؤنته عند الجباية والجمع.
الحكم الخامس: اتفقوا على أن مال الزكاة لا يخرج عن هذه الثمانية واختلفوا أنه هل يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط؟
وقد سبق ذكر دلائل هاتين المسألتين، إلا أنا إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط فهذا إنما يجوز في غير العامل، وأما وضعه بالكلية في العالم فذلك غير جائز بالاتفاق.
الحكم السادس: أن العامل والمؤلفة مفقودان في هذا الزمان، ففيه الأصناف الستة والأولى صرف الزكاة إلى هذه الأصناف الستة على ما يقوله الشافعي، لأنه الغاية في الاحتياط، أما إن لم يفعل ذلك أجزأه على ما بيناه.
الحكم السابع: عموم قوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ والمساكين ﴾ يتناول الكافر والمسلم إلا أن الأخبار دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا كانوا مسلمين.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأصناف الثمانية وشرح أحوالهم.
قال: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ قال الزجاج: ﴿ فَرِيضَةً ﴾ منصوب على التوكيد، لأن قوله: ﴿ إِنَّمَا الصدقات ﴾ لهؤلاء جار مجرى قوله: فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى لم يرض بقسمة الزكاة أن يتولاها ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه».
والمقصود من هذه التأكيدات تحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف.
ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ أي أعلم بمقادير المصالح ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يشرع إلا ما هو الأصوب الأصلح، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء ﴾ قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة وأنها مختصة بها، لا تتجاوزها إلى غيرها، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم.
ونحوه قولك: إنما الخلافة لقريش، تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها، وعليه مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه.
وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أنهم قالوا: في أي صنف منها وضعتها أجزاك.
وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحبّ إليّ.
وعند الشافعيّ رضي الله عنه، لابد من صرفها إلى الأصناف الثمانية وعن عكرمة رضي الله عنه أنها تفرق في الأصناف الثمانية.
وعن الزهري أنه كتب لعمر بن عبد العزيز تفريق الصدقات على الأصناف الثمانية ﴿ والعاملين عَلَيْهَا ﴾ السعاة الذين يقبضونها ﴿ والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ﴾ أشراف من العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألفهم على أن يسلموا فيرضخ لهم شيئاً منها حين كان في المسلمين قلة.
والرقاب: المكاتبون يعانون منها.
وقيل: الأسارى.
وقيل: تبتاع الرقاب فتعتق ﴿ والغارمين ﴾ الذين ركبتهم الديون ولا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب.
وقيل: الذين تحملوا الحمالات فتداينوا فيها وغرموا ﴿ وَفِى سَبِيلِ الله ﴾ فقراء الغزاة والحجيج المنقطع بهم ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر المنقطع عن ماله فهو فقير حيث هو غنيّ حيث ماله ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ في معنى المصدر المؤكد، لأن قوله إنما الصدقات للفقراء معناه فرض الله الصدقات لهم.
وقرئ: ﴿ فريضة ﴾ بالرفع على: تلك فريضة.
فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى (في) في الأربعة الأخيرة؟
قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن (في) للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصباً، وذلك لما في فكّ الرقاب من الكتابة أو الرقّ أو الأسر، وفي فكّ الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال، وتكرير (في) في قوله: ﴿ وَفِى سَبِيلِ الله وابن السبيل ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين.
فإن قلت: فكيف وقعت هذه الآية في تضاعف ذكر المنافقين ومكايدهم؟
قلت: دلّ بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم، حسماً لأطماعهم وإشعاراً باستيجابهم الحرمان، وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها؟
وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها صلوات الله عليه وسلامه؟.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ ﴾ أيِ الزِّكْواتُ لِهَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللَّمْزِ لَمْزُهم في قَسْمِ الزَّكَواتِ دُونَ الغَنائِمِ.
والفَقِيرُ مَن لا مالَ لَهُ ولا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِن حاجَتِهِ مِنَ الفَقارِ كَأنَّهُ أُصِيبَ فَقارُهُ.
والمِسْكِينُ مَن لَهُ مالٌ أوْ كَسْبٌ لا يَكْفِيهِ مِنَ السُّكُونِ كَأنَّ العَجْزَ أسْكَنَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ ﴾ وأنَّهُ كانَ يَسْألُ المَسْكَنَةَ ويَتَعَوَّذُ مِنَ الفَقْرِ.
وقِيلَ بِالعَكْسِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ ﴾ .
﴿ والعامِلِينَ عَلَيْها ﴾ السّاعِينَ في تَحْصِيلِها وجَمْعِها.
﴿ والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ قَوْمٌ أسْلَمُوا ونِيَّتُهم ضَعِيفَةٌ فِيهِ فَيَسْتَأْنِفُ قُلُوبَهم أوْ أشْرافٌ قَدْ يَتَرَتَّبُ بِإعْطائِهِمْ ومُراعاتِهِمْ إسْلامُ نُظَرائِهِمْ، وقَدْ أعْطى رَسُولُ اللَّهِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ والأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ والعَبّاسَ بْنَ مِرْداسٍ لِذَلِكَ.
وقِيلَ أشْرافٌ يُسْتَأْلَفُونَ عَلى أنْ يُسْلِمُوا فَإنَّهُ كانَ يُعْطِيهِمْ والأصَحُّ أنَّهُ كانَ يُعْطِيهِمْ مِن خُمُسِ الخُمُسِ الَّذِي كانَ خاصَّ مالِهِ وقَدْ عَدَّ مِنهم مَن يُؤَلَّفُ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ مِنها عَلى قِتالِ الكُفّارِ ومانِعِي الزَّكاةِ.
وقِيلَ كانَ سَهْمُ المُؤَلَّفَةِ لِتَكْثِيرِ سَوادِ الإسْلامِ فَلَمّا أعَزَّهُ اللَّهُ وأكْثَرَ أهْلَهُ سَقَطَ.
﴿ وَفِي الرِّقابِ ﴾ ولِلصَّرْفِ في فَكِّ الرِّقابِ بِأنْ يُعاوَنَ المَكاتَبُ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أداءِ النُّجُومِ.
وقِيلَ بِأنْ تُبْتاعَ الرِّقابُ فَتُعْتَقَ وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ أوْ بِأنْ يَفْدِيَ الأسارى.
والعُدُولُ عَنِ اللّامِ إلى (فِي) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِحْقاقَ لِلْجِهَةِ لا لِلرِّقابِ.
وقِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّهم أحَقُّ بِها.
﴿ والغارِمِينَ ﴾ والمَدْيُونِينَ لِأنْفُسِهِمْ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ومِن غَيْرِ إسْرافٍ إذا لَمْ يَكُنْ لَهم وفاءٌ، أوْ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ لِقَوْلِهِ : «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا لِخَمْسَةٍ: لِغازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ لِغارِمٍ، أوْ لِرَجُلٍ اشْتَراها بِمالِهِ، أوْ لِرَجُلٍ لَهُ جارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلى المِسْكِينِ فَأهْدى المِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ أوْ لِعامِلٍ عَلَيْها» ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ولِلصَّرْفِ في الجِهادِ بِالإنْفاقِ عَلى المُتَطَوِّعَةِ وابْتِياعِ الكُراعِ والسِّلاحِ.
وقِيلَ وفي بِناءِ القَناطِرِ والمَصانِعِ.
﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ المُسافِرُ المُنْقَطِعُ عَنْ مالِهِ.
﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أيْ فَرَضَ لَهُمُ اللَّهُ الصَّدَقاتِ فَرِيضَةً، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿ لِلْفُقَراءِ ﴾ .
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تِلْكَ فَرِيضَةً.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ يَضَعُ الأشْياءَ في مَواضِعِها، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ اسْتِحْقاقِ الزَّكاةِ بِالأصْنافِ الثَّمانِيَةِ ووُجُوبُ الصَّرْفِ إلى كُلِّ صِنْفٍ وُجِدَ مِنهم ومُراعاةُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهم قَضِيَّةٌ لِلِاشْتِراكِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ عُمَرَ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ جَوازُ صَرْفِها إلى صِنْفٍ واحِدٍ وبِهِ قالَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ واخْتارَهُ بَعْضُ أصْحابِنا، وبِهِ كانَ يُفْتِي شَيْخِي ووالِدِي رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ الآيَةَ بَيانُ أنَّ الصَّدَقَةَ لا تَخْرُجُ مِنهم لا إيجابَ قَسْمِها عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
ثم بين مواضعها التي توضع فيها فقال {إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء والمساكين} قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة أي هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه قيل إنما هي لهم لا لغيرهم كقولك إنما الخلافة لقريش تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها كما هو مذهبنا وعن
التوبة (٦٠ _ ٦١)
حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قالوا في أي صنف منها وضعتها أجزأك وعند الشافعى رحمه الله لا بد من صرفها إلى الأصناف وهو المروي عن عكرمة ثم الفقير الذي لا يسأل لأن عنده ما يكفيه للحال والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئاً فهو أضعف حالا منه وعند الشافعى رحمه الله على العكس {والعاملين عليها} هم السعاة الذين يقبضونها {والمؤلفة قُلُوبُهُمْ} على الإسلام أشراف من العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم على أن يسلموا وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريراً لهم على الإسلام {وَفِي الرقاب} وهم المكاتبون يعانون منها {والغارمين} الذين ركبتهم الديون {وَفِي سَبِيلِ الله} فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم {وابن السبيل} المسافر المنقطع عن ماله وعدل عن اللام إلى الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم
ممن سبق ذكره لأنه في للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيها الصدقات عليهم ممن سبق ذكره لأن في للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع ويجعلوا مظنة لها وتكرير فى قوله فى سبيل الله وابن السبيل فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين وإنما وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الاصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم حسماً لأطماعهم وإشعاراً بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها فما لهم ومالها وما سلطهم على التكلم فيها ولمن قاسمها وسهم المؤلفة قلوبهم سقط بإجماع الصحابة فى صدر خلافة أبى بكر رضى الله عنه لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم والحكم متى ثبت معقولاً لمعنى خاص يرتفع وينتهي بذهاب ذلك المعنى {فَرِيضَةً مّنَ الله} في معنى المصدر المؤكد لأن قوله إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ معناه فرض الله الصدقات لهم {والله عَلِيمٌ} بالمصلحة {حَكِيمٌ} في القسمة
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ المُنافِقِينَ وطَعْنَهم وسَخَطَهم بَيَّنَ أنَّ فِعْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإصْلاحِ الدِّينِ وأهْلِهِ لا لِأغْراضٍ نَفْسانِيَّةٍ كَأغْراضِهِمْ فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ ﴾ إلَخْ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقْسَمَ مالُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَنِ اتَّصَفَ بِإحْدى هَذِهِ الصِّفاتِ دُونَ غَيْرِهِ، إذِ القَصْدُ الصَّلاحُ والمُنافِقُونَ لَيْسَ فِيهِمْ سِوى الفَسادِ فَلا يَسْتَحِقُّونَهُ، وفي ذَلِكَ حَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ ورَدٌّ لِمَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، والمُرادُ مِنَ الصَّدَقاتِ الزَّكَواتُ فَيَخْرُجُ غَيْرُها مِنَ التَّطَوُّعِ، والفَقِيرُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَن لَهُ أدْنى شَيْءٍ وهو ما دُونَ النِّصابِ، أوْ قَدْرُ نِصابٍ غَيْرِ نامٍ وهو مُسْتَغْرِقٌ في الحاجَةِ، والمِسْكِينُ مَن لا شَيْءَ لَهُ فَيَحْتاجُ لِلْمَسْألَةِ لِقُوَّتِهِ وما يُوارِي بَدَنَهُ ويَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ بِخِلافِ الأوَّلِ حَيْثُ لا تَحِلُّ لَهُ المَسْألَةُ فَإنَّها لا تَحِلُّ لِمَن يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ بَعْدَ سَتْرِ بَدَنِهِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ لا تَحِلُّ لِمَن كانَ كَسُوبًا أوْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «مَن سَألَنا ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ومَسْألَتُهُ في وجْهِهِ خُمُوشٌ أوْ خُدُوشٌ أوْ كُدُوحٌ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما يُغْنِيهِ؟
قالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أوْ قِيمَتُها مِنَ الذَّهَبِ»“ وإلى هَذا ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وابْنُ المُبارَكِ، وأحْمَدُ وإسْحاقُ، وقِيلَ: مَن مَلَكَ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا حَرُمَ عَلَيْهِ السُّؤالُ لِما أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن سَألَ ولَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ ألْحَفَ»“ وكانَ الأُوقِيَّةُ في ذَلِكَ الزَّمانِ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ويَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ لِمَن لا تَحِلُّ لَهُ المَسْألَةُ بَعْدَ كَوْنِهِ فَقِيرًا، ولا يُخْرِجُهُ عَنِ الفَقْرِ مِلْكُ نُصُبٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ نامِيَةٍ إذا كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً لِلْحاجَةِ، ولِذا قالُوا: يَجُوزُ لِلْعالِمِ وإنْ كانَتْ لَهُ كُتُبٌ تُساوِي نُصُبًا كَثِيرَةً إذا كانَ مُحْتاجًا إلَيْها لِلتَّدْرِيسِ ونَحْوِهِ أخْذُ الزَّكاةِ بِخِلافِ العامِّيِّ وعَلى هَذا جَمِيعُ آلاتِ المُحْتَرِفِينَ.
وعَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ يَكُونُ المِسْكِينُ أسْوَأ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ ﴾ ) أيْ ألْصَقَ جِلْدَهُ بِالتُّرابِ في حُفْرَةٍ اسْتَتَرَ بِها مَكانَ الإزارِ، وألْصَقَ بَطْنَهُ بِهِ لِفِرَطِ الجُوعِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الضَّرَرِ والشِّدَّةِ ولَمْ يُوصَفِ الفَقِيرُ بِذَلِكَ، وبِأنَّ الأصْمَعِيَّ، وأبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ وغَيْرَهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ فَسَّرُوا المِسْكِينَ بِمَن لا شَيْءَ لَهُ، والفَقِيرَ بِمَن لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ العَيْشِ، وأُجِيبُ بِأنَّ تَمامَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ مَوْقُوفٌ عَلى أنَّ الصِّفَةَ كاشِفَةٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأنَّ النَّقْلَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ مَعارَضٌ بِالنَّقْلِ عَنِ البَعْضِ الآخَرِ، وقالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: الفَقِيرُ مَن لا مالَ لَهُ ولا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِن حاجَتِهِ، والمِسْكِينُ مَن لَهُ مالٌ أوْ كَسْبٌ لا يَكْفِيهِ، فالفَقِيرُ عِنْدَهُ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ ﴾ ) فَأثْبَتَ لِلْمِسْكِينِ سَفِينَةً، وبِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالا: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا وأمِتْنِي مِسْكِينًا واحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَساكِينِ»“ مَعَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي بَكْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَدْعُو بِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ والفَقْرِ» وخَبَرُ ”الفَقْرِ فَخْرِيٌّ“ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ، وبِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ الفَقِيرَ في الآيَةِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ حاجَتُهُ أشَدَّ لِما بَدَأ بِهِ، وبِأنَّ الفَقِيرَ بِمَعْنى المَفْقُورِ أيْ مَكْسُورِ الفِقارِ أيْ عِظامِ الصُّلْبِ فَكانَ أسْوَأ، وأُجِيبُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهم بَلْ هم أُجَراءُ فِيها أوْ كانَتْ عارِيَةً مَعَهم أوْ قِيلَ لَهم مَساكِينُ تَرَحُّمًا كَما في الحَدِيثِ: «مَساكِينُ أهْلِ النّارِ» .
وقَوْلُهُ: مَساكِينُ أهْلُ الحُبِّ حَتّى قُبُورُهم عَلَيْها تُرابُ الذُّلِّ بَيْنَ المَقابِرِ وهَذا أوْلى، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ الفَقْرَ المُتَعَوَّذَ مِنهُ لَيْسَ إلّا فَقْرُ النَّفْسِ لِما رُوِيَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَسْألُ العَفافَ والغِنى والمُرادُ بِهِ غِنى النَّفْسِ لا كَثْرَةُ الدُّنْيا، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ لا دَلِيلَ فِيهِ إذْ لَهُ اعْتِباراتٌ كَثِيرَةٌ في كَلامِهِمْ، وعَنِ الرّابِعِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الفَقِيرَ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَقارِ لِجَوازِ كَوْنِهِ مِن فَقَرْتُ لَهُ فِقْرَةً مِن مالِي إذا قَطَعْتَها فَيَكُونُ لَهُ شَيْءٌ، وأيًّا ما كانَ فَهُما صِنْفانِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُما صِنْفٌ واحِدٌ والعَطْفُ لِلِاخْتِلافِ في المَفْهُومِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وأبِي يُوسُفَ، وفائِدَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ فِيما إذا أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ مَثَلًا لِفُلانٍ ولِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، فَمَن قالَ: إنَّهُما صِنْفٌ واحِدٌ جَعَلَ لِفُلانٍ النِّصْفَ ومَن قالَ: إنَّهُما صِنْفانِ جَعَلَ لَهُ الثُّلُثَ مِن ذَلِكَ ( ﴿ والعامِلِينَ عَلَيْها ﴾ ) وهُمُ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الإمامُ لِجِبايَتِها، وفي البَحْرِ أنَّ العامِلَ يَشْمَلُ العاشِرَ والسّاعِيَ، والأوَّلُ مَن نَصَّبَهُ الإمامُ عَلى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقاتِ مِنَ التُّجّارِ المارِّينَ بِأمْوالِهِمْ عَلَيْهِ.
والثّانِي هو الَّذِي يَسْعى في القَبائِلِ لِيَأْخُذَ صَدَقَةَ المَواشِي في أماكِنِها، ويُعْطِي العامِلَ ما يَكْفِيهِ وأعْوانَهُ بِالوَسَطِ مُدَّةَ ذَهابِهِمْ وإيابِهِمْ ما دامَ المالُ باقِيًا، إلّا إذا اسْتَغْرَقَتْ كِفايَتُهُ الزَّكاةَ فَلا يُزادُ عَلى النِّصْفِ لِأنَّ التَّصْنِيفَ عَيْنُ الإنْصافِ.
وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يُعْطى الثَّمَنَ لِأنَّ القِسْمَةَ تَقْتَضِيهِ وفِيهِ نَظَرٌ، وقُيِّدَ بِالوَسَطِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتْبَعَ شَهْوَتَهُ في المَأْكَلِ والمُشْرَبِ والمَلْبَسِ لِكَوْنِهِ إسْرافًا مَحْضًا، وعَلى الإمامِ أنْ يَبْعَثَ مَن يَرْضى بِالوَسَطِ مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وبِبَقاءِ المالِ لِأنَّهُ لَوْ أخَذَ الصَّدَقَةَ وضاعَتْ مِن يَدِهِ بَطَلَتْ عِمالَتُهُ ولا يُعْطِي مِن بَيْنِ المالِ شَيْئًا وما يَأْخُذُهُ صَدَقَةٌ، ومِن هُنا قالُوا: لا تَحِلُّ العِمالَةُ لِهاشِمِيٍّ لِشَرَفِهِ، وإنَّما حَلَّتْ لِلْغَنِيِّ مَعَ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِهَذا العَمَلِ فَيَحْتاجُ إلى الكِفايَةِ، والغِنى لا يَمْنَعُ مِن تَناوُلِها عِنْدَ الحاجَةِ كابْنِ السَّبِيلِ كَذا في البَدائِعِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ في ذَلِكَ شَبَهًا بِالأُجْرَةِ وشَبَهًا بِالصَّدَقَةِ، فَبِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ حَلَّتْ لِلْغَنِيِّ ولِذا لا يُعْطى لَوْ أدّاها صاحِبُ المالِ إلى الإمامِ، وبِالِاعْتِبارِ الثّانِي لا تَحِلُّ لِلْهاشِمِيِّ، وفي النِّهايَةِ رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ اسْتُعْمِلَ عَلى الصَّدَقَةِ فَأُجْرِيَ لَهُ مِنها رِزْقٌ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن ذَلِكَ، وإنْ عَمِلَ فِيها ورُزِقَ مِن غَيْرِها فَلا بَأْسَ بِهِ، وهو يُفِيدُ صِحَّةَ تَوْلِيَتِهِ وأنَّ أخْذَهُ مِنها مَكْرُوهٌ لا حَرامٌ، وصَرَّحَ في الغايَةِ بِعَدَمِ صِحَّةِ كَوْنِ العامِلِ هاشِمِيًّا أوْ عَبْدًا أوْ كافِرًا، ومِنهُ يُعْلَمُ حُرْمَةُ تَوْلِيَةِ اليَهُودِ عَلى بَعْضِ الأعْمالِ وقَدْ تَقَدَّمَتْ نُبْذَةٌ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ ( ﴿ والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ ) وهم كانُوا ثَلاثَةَ أصْنافٍ، صِنْفٌ كانَ يُؤَلِّفُهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُسْلِمُوا، وصِنْفٌ أسْلَمُوا لَكِنْ عَلى ضَعْفٍ كَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، والأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ، والعَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُعْطِيهِمْ لِتَقْوى نِيَّتِهِمْ في الإسْلامِ، وصِنْفٌ كانُوا يُعْطَوْنَ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ، وعُدَّ مِنهم مَن يُؤَلَّفُ قَلْبُهُ بِإعْطاءِ شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقاتِ عَلى قِتالِ الكُفّارِ ومانِعِي الزَّكاةِ، وفي الهِدايَةِ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ قَدْ سَقَطَ وانْعَقَدَ إجْماعُ الصَّحابَةِ عَلى ذَلِكَ في خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، رُوِيَ أنْ عُيَيْنَةَ والأقْرَعَ جاءا يَطْلُبانِ أرْضًا مِن أبِي بَكْرٍ فَكَتَبَ بِذَلِكَ خَطًّا فَمَزَّقَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: هَذا شَيْءٌ يُعْطِيكُمُوهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَأْلِيفًا لَكم فَأمّا اليَوْمَ فَقَدْ أعَزَّ اللَّهُ تَعالى الإسْلامَ وأُغْنِيَ عَنْكم فَإنْ ثَبَتُّمْ عَلى الإسْلامِ وإلّا فَبَيْنَنا وبَيْنَكُمُ السَّيْفُ، فَرَجَعُوا إلى أبِي بَكْرٍ فَقالُوا: أنْتَ الخَلِيفَةُ أمْ عُمَرُ؟
بَذَلْتَ لَنا الخَطَّ ومَزَّقَهُ عُمَرُ، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هو إنْ شاءَ ووافَقَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعَ احْتِمالِ أنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً كارْتِدادِ بَعْضٍ مِنهم وإثارَةِ ثائِرَةٍ، واخْتَلَفَ كَلامُ القَوْمِ في وجْهِ سُقُوطِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالكِتابِ إلى حِينِ وفاتِهِ بِأبِي هو وأُمِّي عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمِنهم مَنِ ارْتَكَبَ جَوازَ نَسْخِ ما ثَبَتَ بِالكِتابِ بِالإجْماعِ بِناءً عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ كالكِتابِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنَ المَذْهَبِ؛ ومِنهم مَن قالَ: هو مِن قَبِيلِ انْتِهاءِ الحُكْمِ بِانْتِهاءِ عِلَّتِهِ كانْتِهاءِ جَوازِ الصَّوْمِ بِانْتِهاءِ وقْتِهِ وهو النَّهارُ، ورُدَّ بِأنَّ الحُكْمَ في البَقاءِ لا يَحْتاجُ إلى عِلَّةٍ كَما في الرَّمْلِ والِاضْطِباعِ في الطَّوافِ فانْتِهاؤُها لا يَسْتَلْزِمُ انْتِهاءَهُ وفِيهِ بَحْثٌ، وقالَ عَلاءُ الدِّينِ عَبْدُ العَزِيزِ: والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: هَذا تَقْرِيرٌ لِما كانَ في زَمَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَيْثُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ كانَ إعْزازَ الإسْلامِ لِضَعْفِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِغَلَبَةِ أهْلِ الكُفْرِ وكانَ الإعْزازُ بِالدَّفْعِ، ولَمّا تَبَدَّلَتِ الحالُ بِغَلَبَةِ أهْلِ الإسْلامِ صارَ الإعْزازُ في المَنعِ، وكانَ الإعْطاءُ في ذَلِكَ الزَّمانِ والمَنعُ في هَذا الزَّمانِ بِمَنزِلَةِ الآلَةِ لِإعْزازِ الدِّينِ والإعْزازُ هو المَقْصُودُ وهو باقٍ عَلى حالِهِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا، كالمُتَيَمِّمِ وجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُ التُّرابِ لِلتَّطْهِيرِ لِأنَّهُ آلَةٌ مُتَعَيِّنَةٌ لِحُصُولِ التَّطْهِيرِ عِنْدَ عَدَمِ المارِّ فَإذا تَبَدَّلَتْ حالُهُ فَوَجَدَ الماءَ سَقَطَ الأوَّلُ ووَجَبَ اسْتِعْمالُ الماءِ؛ لِأنَّهُ صارَ مُتَعَيِّنًا لِحُصُولِ المَقْصُودِ لا يَكُونُ هَذا نَسْخًا لِلْأوَّلِ فَكَذا هَذا وهو نَظِيرُ إيجابِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ، فَإنَّها كانَتْ واجِبَةً عَلى العَشِيرَةِ في زَمَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيوانِ لِأنَّ الإيجابَ عَلى العاقِلَةِ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والِاسْتِنْصارِ في زَمَنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بِالعَشِيرَةِ وبَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأهْلِ الدِّيوانِ، فَإيجابُها عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا بَلْ كانَ تَقْرِيرًا لِلْمَعْنى الَّذِي وجَبَتِ الدِّيَةُ لِأجْلِهِ وهو الِاسْتِنْصارُ ا هـ.
واسْتَحْسَنَهُ في النِّهايَةِ.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الهُمامِ بِأنَّ هَذا لا يَنْفِي النَّسْخَ لِأنَّ إباحَةَ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كانَ ثابِتًا وقَدِ ارْتَفَعَ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ نَسْخٌ ولا يُقالُ: نُسِخَ الكِتابُ بِالإجْماعِ لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ لِأنَّ النّاسِخَ دَلِيلُ الإجْماعِ لا هو بِناءً عَلى أنَّهُ لا إجْماعَ إلّا عَنْ مُسْتَنَدٍ فَإنْ ظَهَرَ وإلّا وجَبَ الحُكْمُ بِأنَّهُ ثابِتٌ، عَلى أنَّ الآيَةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ) يَصْلُحُ لِذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ هَذِهِ ولَمْ يَثْبُتْ، وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَسْقُطْ سَهْمُ هَذا الصِّنْفِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وأبِي ثَوْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقالَ أحْمَدُ: يُعْطَوْنَ إنِ احْتاجَ المُسْلِمُونَ إلى ذَلِكَ.
وقالَ البَعْضُ: إنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهم مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ والسّاقِطُ سَهْمُ الكُفّارِ فَقَطْ، وصُحِّحَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُعْطِيهِمْ مِن خُمْسِ الخُمْسِ الَّذِي كانَ خاصَّ مالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ( ﴿ وفِي الرِّقابِ ﴾ ) أيْ لِلصَّرْفِ في فَكِّ الرِّقابِ بِأنْ يُعانَ المُكاتَبُونَ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أداءِ نُجُومِهِمْ، وقِيلَ: بِأنْ يُبْتاعَ مِنها الرِّقابُ فَتَعْتِقُ، وقِيلَ: بِأنْ يُفْدى الأُسارى، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ، واللَّيْثُ، والزُّهْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وعَزاهُ الطِّيبِيُّ إلى الحَسَنِ، وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ أنَّ الأوَّلَ هو المَنقُولُ عَنْهُ ( ﴿ والغارِمِينَ ﴾ ) أيِ: الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ، والدَّفْعُ إلَيْهِمْ كَما في الظَّهِيرِيَّةِ أوْلى مِنَ الدَّفْعِ إلى الفَقِيرِ وقَيَّدُوا الدِّينَ بِكَوْنِهِ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ كالخَمْرِ والإسْرافِ فِيما لا يَعْنِيهِ، لَكِنْ قالَ النَّوَوِيُّ في المِنهاجِ قُلْتُ: والأصَحُّ أنَّ مَنِ اسْتَدانَ لِلْمَعْصِيَةِ يُعْطى إذا تابَ وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ، والمانِعُ مُطْلَقًا قالَ: إنَّهُ قَدْ يُظْهِرُ التَّوْبَةَ لِلْأخْذِ، واشْتَرَطَ أنْ لا يَكُونَ لَهم ما يُوفُونَ بِهِ دَيْنَهم فاضِلًا عَنْ حَوائِجِهِمْ ومَن يَعُولُونَهُ، وإلّا فَمُجَرَّدُ الوَفاءِ لا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ وهو الأظْهَرُ.
وقِيلَ: لا يُشْتَرَطُ لِعُمُومِ الآيَةِ، وأطْلَقَ القُدُورِيُّ، وصاحِبُ الكَنْزِ مِن أصْحابِنا المَدْيُونَ في بابِ المَصْرِفِ، وقَيَّدَهُ في الكافِي بِأنْ لا يَمْلِكَ نِصابًا فَضْلًا عَنْ دَيْنِهِ، وذُكِرَ في البَحْرِ أنَّهُ المُرادُ بِالغارِمِ في الآيَةِ إذْ هو في اللُّغَةِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ ولا يَجِدُ قَضاءً كَما ذَكَرَهُ العُتْبِيُّ، واعْتُذِرَ عَنْ عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِأنَّ الفَقْرَ شَرْطٌ في الأصْنافِ كُلِّها إلّا العامِلَ وابْنَ السَّبِيلِ إذا كانَ لَهُ في وطَنِهِ مالٌ فَهو بِمَنزِلَةِ الفَقِيرِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ حُلُولُ الدَّيْنِ أوَّلًا قَوْلانِ لِلشّافِعِيَّةِ، ويُعْطى عِنْدَهم مَنِ اسْتَدانَ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، كَأنْ يَخافَ فِتْنَةً بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ تَنازَعَتا في قَتِيلٍ لَمْ يَظْهَرْ قاتِلُهُ أوْ ظَهَرَ فَأُعْطِيَ الدِّيَةَ تَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ، ويُعْطى مَعَ الغِنى مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنْ كانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ لا يُعْطى.
( ﴿ وفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) أُرِيدَ بِذَلِكَ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ مُنْقَطِعُو الغُزاةِ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ مُنْقَطِعُو الحَجِيجِ، وقِيلَ: المُرادُ طَلَبَةُ العِلْمِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ في الفَتاوى الظَّهِيرِيَّةِ، وفَسَّرَهُ في ”البَدائِعِ“ بِجَمِيعِ القُرَبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن سَعى في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وسُبُلِ الخَيْراتِ، قالَ في البَحْرِ: ولا يَخْفى أنَّ قَيْدَ الفَقْرِ لا بُدَّ مِنهُ عَلى الوُجُوهِ كُلِّها فَحِينَئِذٍ لا تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ في الزَّكاةِ، وإنَّما تَظْهَرُ في الوَصايا والأوْقافِ انْتَهى، وفي النِّهايَةِ فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ( ﴿ وفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) مُكَرَّرٌ سَواءٌ أُرِيدَ مُنْقَطِعُ الغُزاةِ أوْ غَيْرُهُ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ في وطَنِهِ مالٌ أمْ لا، فَإنْ كانَ فَهو ابْنُ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَهو فَقِيرٌ، فَمِن أيْنَ يَكُونُ العَدَدُ سَبْعَةً عَلى ما يَقُولُ الأصْحابُ أوْ ثَمانِيَةً عَلى ما يَقُولُ غَيْرُهم، وأُجِيبُ بِأنَّهُ فَقِيرٌ إلّا أنَّهُ ازْدادَ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى الفَقْرِ وهو الِانْقِطاعُ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مِن جِهادٍ أوْ حَجٍّ فَلِذا غايَرَ الفَقِيرُ المُطْلَقُ فَإنَّ المُقَيَّدَ يُغايِرُ المُطْلَقَ لا مَحالَةَ، ويَظْهَرُ أثَرُ التَّغايُرِ في حُكْمٍ آخَرَ أيْضًا وهو زِيادَةُ التَّحْرِيضِ والتَّرْغِيبِ في رِعايَةِ جانِبِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَنْقُصِ المَصارِفُ عَنْ سَبْعَةٍ وفِيهِ تَأمُّلٌ انْتَهى، ولا يَخْفى وجْهُهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّحْقِيقَ ما ذَكَرَهُ الجَصّاصُ في الأحْكامِ أنَّ مَن كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ بِدارِهِ وخَدَمِهِ وفَرَسِهِ ولَهُ فَضْلُ دَراهِمَ حَتّى لا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ فَإذا عَزَمَ عَلى سَفَرِ جِهادٍ احْتاجَ لِعِدَّةٍ وسِلاحٍ لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا لَهُ في إقامَتِهِ فَيَجُوزُ أنْ يُعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ وإنْ كانَ غَنِيًّا في مِصْرِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الصَّدَقَةُ تَحِلُّ لِلْغازِي الغَنِيِّ» فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ ( ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ) وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ عَنْ مالِهِ، والِاسْتِقْراضُ لَهُ خَيْرٌ مِن قَبُولِ الصَّدَقَةِ عَلى ما في الظَّهِيرِيَّةِ، وفي ”فَتْحِ القَدِيرِ“ أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ، وأُلْحِقَ بِهِ كُلُّ مَن هو غائِبٌ عَنْ مالِهِ وإنْ كانَ في بَلَدِهِ، وفي المُحِيطِ وإنْ كانَ تاجِرًا لَهُ دَيْنٌ عَلى النّاسِ لا يَقْدِرُ عَلى أخْذِهِ ولا يَجِدُ شَيْئًا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ الزَّكاةِ لِأنَّهُ فَقِيرٌ يَدًا كابْنِ السَّبِيلِ، وفي الخانِيَةِ تَفْصِيلٌ في هَذا المَقامِ قالَ: والَّذِي لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلى إنْسانٍ إذا احْتاجَ إلى النَّفَقَةِ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكاةِ قَدَرَ كِفايَتِهِ إلى حُلُولِ الأجَلِ، وإنْ كانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ، فَإنْ كانَ مَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُعْسِرًا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ الزَّكاةَ في أصَحِّ الأقاوِيلِ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ، وإنْ كانَ المَدْيُونُ مُوسِرًا مُعْتَرِفًا لا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ الزَّكاةِ وكَذا إذا كانَ جاحِدًا ولَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ عادِلَةً لا يَحِلُّ لَهُ الأخْذُ أيْضًا ما لَمْ يَرْفَعِ الأمْرَ إلى القاضِي فَيُحْلِفُهُ فَإذا حَلَّفَهُ يَحِلُّ لَهُ الأخْذُ بَعْدَ ذَلِكَ ا هـ، والمُرادُ مِنَ الدَّيْنِ ما يَبْلُغُ نِصابًا كَما لا يَخْفى.
وفِي ”فَتْحِ القَدِيرِ“ ولَوْ دَفَعَ إلى فَقِيرَةٍ لَها مَهْرُ دَيْنٍ عَلى زَوْجِها يَبْلُغُ نِصابًا وهو مُوسِرٌ بِحَيْثُ لَوْ طَلَبَتْ أعْطاها لا يَجُوزُ، وإنْ كانَ بِحَيْثُ لا يُعْطِي لَوْ طَلَبَتْ جازَ ا هـ، وهو مُقَيَّدٌ لِعُمُومِ ما في الخانِيَةِ، والمُرادُ مِنَ المَهْرِ ما تُعُورِفَ تَعْجِيلُهُ لِأنَّ ما تُعُورِفَ تَأْجِيلُهُ فَهو دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لا يَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ، ويَكُونُ في الأوَّلِ عَدَمُ إعْطائِهِ بِمَنزِلَةِ إعْسارِهِ، ويُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ الدُّيُونِ بِأنَّ رَفْعَ الزَّوْجِ لِلْقاضِي مِمّا لا يَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، لَكِنَّ في البَزّازِيَّةِ دَفْعَ الزَّكاةِ إلى أُخْتِهِ وهي تَحْتَ زَوْجٍ إنْ كانَ مَهْرُها المُعَجَّلُ أقَلَّ مِنَ النِّصابِ أوْ أكْثَرَ لَكِنَّ الزَّوْجَ مُعْسِرٌ لَهُ أنْ يَدْفَعَ إلَيْها الزَّكاةَ وإنْ كانَ مُوسِرًا والمُعَجَّلُ قَدْرُ النِّصّابِ لا يَجُوزُ عِنْدَهُما وبِهِ يُفْتى لِلِاخْتِياطِ، وعِنْدَ الإمامِ يَجُوزُ مُطْلَقًا هَذا، والعُدُولُ عَنِ اللّامِ إلى ( في ) في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلْإيذانِ بِأنَّهم أرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ لِما أنَّ ( في ) لِلظَّرْفِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ إحاطَتِهِمْ بِها وكَوْنِهِمْ مَحَلَّها ومَرْكَزَها وعَلَيْهِ فاللّامُ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصاصِ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ ثَمَّ سِرًّا آخِرَ هو أظْهَرُ وأقْرَبُ وذَلِكَ أنَّ الأصْنافَ الأوائِلَ مُلّاكٌ لِما عَساهُ أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِمْ وإنَّما يَأْخُذُونَهُ تَمَلُّكًا، فَكانَ دُخُولُ اللّامِ لائِقًا بِهِمْ، وأمّا الأرْبَعَةُ الأواخِرُ فَلا يَمْلِكُونَ لِما يُصْرَفُ نَحْوَهم بَلْ ولا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ ولَكِنْ يُصْرَفُ في مَصالِحَ تَتَعَلَّقُ بِهِمْ، فالمالُ الَّذِي يُصْرَفُ في الرِّقابِ إنَّما يَتَناوَلُهُ السّادَةُ المُكاتِبُونَ أوِ البائِعُونَ فَلَيْسَ نَصِيبُهم مَصْرُوفًا إلى أيْدِيهِمْ حَتّى يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللّامِ المُشْعِرَةِ بِمِلْكِهِمْ لِما يُصْرَفُ نَحْوَهُمْ، وإنَّما هم مَحالُّ لِهَذا الصَّرْفِ ولِمَصالِحِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وكَذَلِكَ الغارِمُونَ إنَّما يُصْرَفُ نَصِيبُهم لِأرْبابِ دُيُونِهِمْ تَخْلِيصًا لِذِمَمِهِمْ لا لَهم، وأمّا في سَبِيلِ اللَّهِ فَواضِحٌ فِيهِ ذَلِكَ، وأمّا ابْنُ السَّبِيلِ فَكَأنَّهُ كانَ مُنْدَرِجًا في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنَّما أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى خُصُوصِيَّتِهِ مَعَ أنَّهُ مُجَرَّدٌ مِنَ الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا.
وعَطْفُهُ عَلى المَجْرُورِ بِاللّامِ مُمْكِنٌ ولَكِنَّ عَطْفَهُ عَلى القَرِيبِ أقْرَبُ، وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ المَكاتَبَ لا يَمْلِكُ وإنَّما يَمْلِكُ المَكاتِبُ هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، فَفي المُحِيطِ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ إعْطاءُ الزَّكاةِ لِمَكاتَبٍ هاشِمِيٍّ لِأنَّ المِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلى مِن وجْهٍ والشُّبْهَةُ مُلْحَقَةٌ بِالحَقِيقَةِ في حَقِّهِمْ، وفي ”البَدائِعِ“ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ المِلْكَ يَقَعُ لِلْمَكاتَبِ وحِينَئِذٍ فَبَقِيَّةُ الأرْبَعَةِ بِالطَّرِيقِ الأُولى.
والمَشْهُورُ أنَّ اللّامَ لِلْمِلْكِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهم حَيْثُ قالُوا: لا بُدَّ مِن صَرْفِ الزَّكاةِ إلى جَمِيعِ الأصْنافِ إذا وُجِدَتْ ولا تُصْرَفُ إلى صِنْفٍ مِثْلًا ولا إلى أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَلْ إلى ثَلاثَةٍ أوْ أكْثَرَ إذا وُجِدَ ذَلِكَ، وعِنْدَنا يَجُوزُ لِلْمالِكِ أنْ يَدْفَعَ الزَّكاةَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ولَهُ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى صِنْفٍ واحِدٍ لِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ بَيانُ الأصْنافِ الَّتِي يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ لا تَعْيِينُ الدَّفْعِ لَهم، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ) وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتاهُ مالٌ مِنَ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهُ في صِنْفٍ واحِدٍ وهو المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم ثُمَّ أتاهُ مالٌ آخَرُ فَجَعَلَهُ في الغارِمِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى صِنْفٍ واحِدٍ، ودَلِيلُ جَوازِ الِاقْتِصارِ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ مِنهُ أنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفَ بَـ ( ألْ ) مَجازٌ عَنِ الجِنْسِ، فَلَوْ حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ النِّساءَ ولا يَشْتَرِي العَبِيدَ يَحْنَثُ بِالواحِدِ؛ فالمَعْنى في الآيَةِ أنَّ جِنْسَ الصَّدَقَةِ لِجِنْسِ الفَقِيرِ، فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إلى واحِدٍ لِأنَّ الِاسْتِغْراقَ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى إنَّ كُلَّ صَدَقَةٍ لِكُلِّ فَقِيرٍ وهو ظاهِرُ الفَسادِ، ولَيْسَ هُناكَ مَعْهُودٌ لِيُرْتَكَبَ العَهْدُ، ولا يُرِدْ خالِعْنِي عَلى ما في يَدِي مِنَ الدَّراهِمِ ولا شَيْءَ في يَدِها فَإنَّهُ يَلْزَمُها ثَلاثَةٌ، ولَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُهُ الأيّامَ أوِ الشُّهُورَ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلى العَشْرَةِ عِنْدَ الإمامِ وعَلى الأُسْبُوعِ والسَّنَةِ عِنْدَ الإمامَيْنِ لِأنَّهُ أمْكَنَ العَهْدَ فَلا يُحْمَلُ عَلى الجِنْسِ، فالحاصِلُ أنَّ حَمْلَ الجَمْعِ عَلى الجِنْسِ مَجازٌ وعَلى العَهْدِ أوِ الِاسْتِغْراقِ حَقِيقَةٌ، ولا مَساغَ لِلْخُلْفِ إلّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الأصْلِ، وعَلى هَذا يُنَصَّفُ المُوصى بِهِ لِزَيْدٍ والفُقَراءِ كالوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ وفَقِيرٍ.
وما ذَهَبْنا إلَيْهِ هو المُرْوى عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ومالِكٌ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ جَدَّهُ أبا العَبّاسِ أحْمَدَ بْنَ فارِسٍ كانَ يَسْتَنْبِطُ مِن تَغايُرِ الحَرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الغَرَضَ بَيانُ المَصْرِفِ واللّامِ لِذَلِكَ فَيَقُولُ: مُتَعَلِّقُ الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا عَنِ الصَّدَقاتِ مَحْذُوفًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنَّما الصَّدَقاتُ مَصْرُوفَةٌ لِلْفُقَراءِ كَما يَقُولُ مالِكٌ ومَن مَعَهُ أوْ مَمْلُوكَةٌ لِلْفُقَراءِ كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ لَكِنَّ الأوَّلَ مُتَعَيِّنٌ لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ يَكْتَفِي بِهِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا ويَصِحُّ تَعَلُّقُ اللّامِ ( وفي ) مَعًا بِهِ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا الشَّيْءُ مَصْرُوفٌ في كَذا ولِكَذا بِخِلافِ تَقْدِيرِ مَمْلُوكَةٍ فَإنَّهُ إنَّما يَلْتَئِمُ مَعَ اللّامِ وعِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى ( في ) يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَصْرُوفَةٍ لِيَلْتَئِمَ بِها فَتَقْدِيرُهُ مِنَ الأوَّلِ عامُّ التَّعَلُّقِ شامِلُ الصِّحَّةِ مُتَعَيِّنٌ ا هـ، وبِالجُمْلَةِ لا يَخْفى قُوَّةُ مَنزَعِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ في الأخْذِ.
ولِذا اخْتارَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وكانَ والِدُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وهو مُفْتِي الشّافِعِيَّةِ في عَصْرِهِ يُفْتِي بِهِ ( ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمُقَدَّرٍ مَأْخُوذٍ مِن مَعْنى الكَلامِ أيْ فُرِضَ لَهُمُ الصَّدَقاتُ فَرِيضَةً، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلِهِ مُقَدَّرًا أيْ فَرَضَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَرِيضَةً، واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسَكَّنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ لِلْفُقَراءِ ﴾ ) أيْ: إنَّما الصَّدَقاتُ كائِنَةٌ لَهم حالَ كَوْنِها فَرِيضَةً أيْ مَفْرُوضَةً، قِيلَ: ودَخَلَتْهُ التّاءُ لِإلْحاقِهِ بِالأسْماءِ كَنَطِيحَةٍ ( ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ ) بِأحْوالِ النّاسِ ومَراتِبِ اسْتِحْقاقِهِمْ ( ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ) لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها سَوْقُ الحُقُوقِ إلى مُسْتَحِقِّيها.
<div class="verse-tafsir"
ثم بيَّن لهم موضع الصدقات فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ، يعني: ليست الصدقات للذين يلمزونك في الصدّقات، وإنّما الصدقات لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ.
قال بعضهم: الفقراء: الضعفاء الأحوال الذين لهم بلغة من العيش بدليل قول الشاعر: أَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُه ...
وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يترك له سبد والمسكين: الذي لا شيء له، بدليل قول الله تعالى: أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: 16] يعني: الذي لم يكن بينه وبين التراب شيء يقيه منه.
وقال بعضهم: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له أدنى شيء، كما قال الله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ [الكهف: 79] سماهم مساكين، وإن كانت لهم سفينة، وقال بعضهم: الفقير الذي لا يسأل الناس إلحافاً، كما قال الله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [البقرة: 273] والمسكين الذي يسأل الناس.
وقال بعضهم: الفقير الذي يسأل الناس، والمسكين الذي لا يسأل الناس، كما قال النبيّ : «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى أبْوَابِكُمْ فَتَرُدُّونَهُ بِاللُّقْمَةِ وَاللُّقْمَتَيْنِ وإنَّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفِّفُ الذي لا يسأل الناس وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ» (١) الفقير الذي يكون عليه زي الفقر ولا تعرف حاجته، والمسكين الذي يكون عليه زي الفقر وتكون حاجته ظاهرة.
ثم قال تعالى: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها، وهم السعاة الذين يجبون الصدقات، فيعطون على قدر حاجتهم، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: وهم قوم كان يعطيهم رسول الله ويتألفهم بالصدقة على الإسلام، وكانوا رؤساء في كل قبيلة، منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن الفزاري، وعباس بن مرداس السلمي، وصفوان بن أمية وغيرهم، فلما توفي رسول الله ، جاءوا إلى أبي بكر وطلبوا منه، وكتب لهم كتاباً، فجاؤوا بالكتاب إلى عمر بن الخطاب ليشهدوه، فقال عمر: أي شيء هذا؟
فقالوا: سهمنا.
فأخذ عمر الكتاب ومزقه وقال: «إنما كان يعطيكم النبيّ ليؤلفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعزّ الله الإسلام، فإن تبتم على الإسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف» ، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنت الخليفة أم هو؟
أي عمر قال: هو إن شاء، فبطل سهمهم (٢) ثم قال: وَفِي الرِّقابِ، يعني: في فك الرقاب، وهم المكاتبون.
ثم قال: وَالْغارِمِينَ، يعني: أصحاب الديون الذين استدانوا في غير فساد ولا تبذير، وقال مجاهد: «ثلاثة من الغارمين: رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حريق فهلك ماله، ورجل ليس له مال وله عيال فهو يستدين وينفق على عياله» .
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وهم الذين يخرجون إلى الجهاد، وَابْنِ السَّبِيلِ، يعني: المسافر المنقطع من ماله.
قال بعضهم: وجب أن يقسم الصدقات على ثمانية أصناف، وهو قول الشافعي رحمه الله كما بيَّن في هذه الآية.
وقال أصحابنا: إذا صرف الصدقات إلى صنف من هذه الأصناف جاز.
وروي عن حذيفة بن اليماني أنه قال: «إذا أعطى الرجل الصدقة صنفاً واحداً من الأصناف الثمانية جاز» .
وعن عبد الله بن عباس أنه قال: «إذا وضعتها في صنف واحد فحسبك، إنّما قال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ لأن لا تجعلها في غير هذه الأصناف» .
وعن أمير المؤمنين عمر : «أنه أتي بصدقة فبعث بها إلى أهل بيت واحد» .
ثم قال تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ يعني: وضع الصدقات في هذه المواضع فريضة من الله، وهو مما أمر الله تعالى.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأهلها، حَكِيمٌ حكم قسمتها وبيّنها لأهلها.
(١) حديث أبي هريرة: أخرجه مالك 2/ 923 والبخاري (1749) ومسلم (1039) والنسائي 5/ 85 وأبو داود (1632) والبيهقي: 4/ 195.
(٢) عزاه السيوطي: إلى ابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
وأَمَّا العاملون: فهم جُبَاتها يستنيبهم الإِمامُ في السعْي على الناس، وجَمْعِ صَدَقَاتهم، قال الجُمْهور: لَهُمْ قَدْر تعبهم ومؤنتهم، وأما الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فكانوا مُسْلِمين وكافرينَ مستَتِرِينَ مُظْهرين للإِسلام حتى وثَّقه الاستئلاف في أكثرهم، واستئلافهم إِنما كان لِتُجْلَبَ إلى الإِسلام مَنْفَعة، أو تُدْفَعَ عنه مَضَرَّة، والصحيحُ بَقَاءُ حكمهم إِن احتيج إِليهم، وأَما الرِّقابِ، فمذْهَبُ مالك وغيره هو ابتداء عِتْق مؤْمِن، وأما الغَارِمُ: فهو الرجُلُ يرْكَبه دَيْن في غير مَعْصِيَة ولا سَفَه، كذا قال العلماء، وأما فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فهو الغازِي، وإِن كانَ مَلِيًّا ببَلَده، وأمَّا ابْنِ السَّبِيلِ، فهو المسافِرُ، وإِن كان غنيًّا ببلده، وسمي المُسَافِرِ ابْنَ السبيلِ لملازمته السبيلِ.
ومَنِ ادعى الفقْر صُدِّق إِلاَّ لريبة فيكلَّف حينئذٍ/ البيِّنة، وأمَّا إِن ادعى أنه غارمٌ أو ابن السبيل أو غازٍ، ونحو ذلك مما لا يُعْلَم إِلا منه، فلا يعطَى إِلا ببينة، وأهلُ بلد الصَّدقة أَحقُّ بها إِلا أن تَفْضُل فضلةٌ، فتنقل إِلى غيرهم.
قال ابنُ حَبِيب: وينبغي للإِمام أن يأمِر السُّعَاة بتَفْريقها في المواضِعِ التي جُبِيَتْ فيها، ولا يحمل منها شيْءٌ إِلى الإِمام، وفي الحديثِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» «١» .
وقوله سبحانه: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ: أي: موجبةً محدودةً.
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: أي: ومن المنافقين، ويُؤْذُونَ: لفظ يعمّ أنواع إذاءتهم له صلّى الله عليه وسلّم، وخص بعد ذلك مِنْ قولهم: هُوَ أُذُنٌ، وروي أن قائل هذه المقالة نَبْتَلُ بْنُ الحارثِ، وكان من مَرَدَةِ المنافقين، وفيه قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلِ بْنِ الحَارِثِ» «١» ، وكان ثائر الرأس، منتفشَ الشَّعْر، أحمر العينَيْن، أسْفَع الخدَّيْن، مشوَّهاً.
قال الحسن البصريُّ ومجاهد: قولهم: هُوَ أُذُنٌ: أي: يسمع معاذيرنا ويقبلها «٢» ، أي: فنحن لا نُبَالِي من الوقوع فيه، وهذا تنقُّص بقلَّة الحزم، وقال ابن عبَّاس وغيره: إِنهم أرادوا بقولهم: هُوَ أُذُنٌ: أي: يسمع كلَّ ما ينقَلُ إِليهِ عنا، ويصغَي إِليه «٣» ويقبله، فهذا تَشَكٍّ منه عليه السلام، ومعنى أُذُنٌ: سماع، وهذا من باب تسمية الشيْء بالشيء، إِذا كان منْهُ بسبب كما يقال للرؤية: عيْن وكما يقال للمسنَّة من الإِبل التي قد بَزَلَ نابها:
نَاب.
وقيل: معنى الكلامِ: ذو أُذُنٍ، أَي: ذو سماع، وقيل: إِنه مشتقٌّ من قولهم: أَذِنَ إِلَى شَيْءٍ إِذا استمع ومنه قول الشاعر: [البسيط]
صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه ...
وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا
وقرأ نافع: «أذن» - بسكون الذال فيهما-، وقرأ الباقون «٤» بضمِّها فيهما، وكلُّهم قرأ بالإِضافة إِلى «خير» إِلا ما رُوِيَ عن عاصمٍ، وقرأ الحسن «٥» وغيره: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ» - بتنوين
«أُذن» ، ورفع «خير» -، وهذا جار على تأويله المتقدِّم، والمعنى: من يقبل معاذيركم خيرٌ لكم، ورُوِيَتْ هذه القراءة عن عاصمٍ، ومعنى «أذن خيرٍ» على الإِضافة: أي سَمَاعُ خيرٍ وحقٍّ، ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ: معناه: يصدِّق باللَّه، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: قيل: معناه: ويصدِّق المؤمنين، واللام زائدة، وقيل: يقال: آمَنْتُ لك، بمعنى: صدَّقتك ومنه: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف: ١٧] .
قال ع «١» : وعندي أن هذه التي معها اللامُ في ضِمْنها بَاءٌ، فالمعنَى: ويصدِّق للمؤمنين بما يخبرونه به، وكذلك قوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بِمَا نَقُوله.
ت: ولما كانَتْ أخبار المنافقين تصلُ إِلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تارةً بإِخبار اللَّه له، وتارةً بإِخبار المؤمنين، وهم عدولٌ، ناسب اتصال قوله سبحانه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ بما قبله، ويكون التصديقُ هنا خاصًّا بهذه القضيَّة، وإِن كان ظاهر اللفظ عامّا إذ من المعلوم أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يَزَلْ مصدِّقاً باللَّه، وقرأ جميع السبعة إِلاَّ حمزة و «رَحْمَةٌ» - بالرفع- عطفاً على «أُذُن» ، وقرأ حمزة وحْده: و «رَحْمَةٍ» - بالخفض- عطفاً على «خَيْرٍ» ، وخصَّص الرحمة للذين آمنوا إِذ هم الذين فازوا ونَجْوا بالرسول عليه السلام، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ: يعني: المنافقين.
وقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ: التقدير عند سيبَوَيْهِ: واللَّه أحقُّ أَن يرضوه، ورسوله أحَقُّ أن يرضُوه، فحذف الخَبَر من الجملة الأولَى، لدلالة الثانية عليه.
وقيل: الضمير في «يرضوه» عائدٌ على المذكور كما قال رُؤْبَةُ: [الرجز]
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ...
كَأَنَّهُ فِي الجلد توليع البهق «٢»
أي: كأنّ المذكور.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ أيْ: قَنِعُوا بِما أُعْطُوا.
﴿ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ ﴾ في الزِّيادَةِ، أيْ: لَكانَ خَيْرًا لَهم.
وهَذا جَوابُ "لَوْ" وهو مَحْذُوفٌ في اللَّفْظِ.
ثُمَّ بَيَّنَ المُسْتَحِقِّ لَلصَّدَقاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ ﴾ اخْتَلَفُوا في صِفَةِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ: المُتَعَفِّفُ عَنِ السُّؤالِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْألُ وبِهِ رَمَقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والزُّهْرِيُّ، والحَكَمُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ الفَقِيرَ: المُحْتاجُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، والمِسْكِينُ: المُحْتاجُ الَّذِي لا زَمانَةَ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: الفَقِيرُ: المُهاجِرُ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَمَّ يُهاجِرْ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، والنَّخَعِيُّ.
والرّابِعُ: الفَقِيرُ: فَقِيرُ المُسْلِمِينَ، والمِسْكِينُ: مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الفَقِيرَ: مَن لَهُ البُلْغَةُ مِنَ الشَّيْءِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ويَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرّاعِي: أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ سَبَدُ فَسَمّاهُ فَقِيرًا، ولَهُ حَلُوبَةٌ تَكْفِيهِ وعِيالُهُ.
وقالَ يُونُسَ: قُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ؟
قالَ: لا واللَّهِ، بَلْ مِسْكِينٌ؛ يُرِيدُ: أنَّهُ أسْوَأُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ.
والسّادِسُ: أنَّ الفَقِيرَ أمْسُّ حاجَةً مِنَ المِسْكِينِ، وهَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ، لِأنَّ الفَقِيرَ مَأْخُوذٌ مِنِ انْكِسارِ الفَقارِ، والمَسْكَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ والخُشُوعِ، وذَلِكَ أبْلَغُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُرْوى عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ.
وقالَ أحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، لِأنَّ الفَقِيرَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: المَفْقُورُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَهُ مِن فِقَرِ ظَهْرِهِ، فَكَأنَّهُ انْقَطَعَ ظَهْرُهُ مِن شِدَّةِ الفَقْرِ؛ فَصَرَّهُ عَنْ مَفْقُورٍ إلى فَقِيرٍ، كَما قِيلَ: مَجْرُوحٌ وجَرِيحٌ، ومَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، قالَ الشّاعِرُ: لَمّا رَأى لُبَدَ النُّسُورِ تَطايَرَتْ ∗∗∗ رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ قالَ: ومِنَ الحُجَّةِ لَهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿ أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ ﴾ ، فَوُصِفَ بِالمَسْكَنَةِ مَن لَهُ سَفِينَةٌ تُساوِي مالًا؛ قالَ: وهو الصَّحِيحُ عِنْدَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعامِلِينَ عَلَيْها ﴾ وهُمُ السُّعاةُ لَجِبايَةِ الصَّدَقَةِ، يُعْطُونَ مِنها بِقَدْرِ أُجُورِ أمْثالِهِمْ، ولَيْسَ ما يَأْخُذُونَهُ بِزَكاةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ وهم قَوْمٌ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ بِما يُعْطِيهِمْ، وكانُوا ذَوِي شَرَفٍ، وهم صِنْفانِ: مُسْلِمُونَ وكافِرُونَ.
فَأمّا المُسْلِمُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم في الإسْلامِ ضَعِيفَةً، فَتَأْلَفُهم تَقْوِيَةً لَنِيّاتِهِمْ، كَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعِ؛ وصِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم حَسَنَةً، فَأُعْطَوْا تَألُّفًا لِعَشائِرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِثْلُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ.
وأمّا المُشْرِكُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ يَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ بِالأذى، فَتَأْلَفُهم دَفْعًا لِأذاهم، مِثْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ؛ وصِنْفٌ كانَ لَهم مَيْلٌ إلى الإسْلامِ، تَأْلَفُهم بِالعَطِيَّةِ لَيُؤْمِنُوا، كَصَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ.
وقَدْ ذَكَرْتُ عَدَدَ المُؤَلَّفَةِ في كِتابِ "التَّلْقِيحِ" .
وحُكْمُهم باقٍ عِنْدِ أحْمَدَ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: حُكْمُهم مَنسُوخٌ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: لا أعْلَمُ شَيْئًا نَسَخَ حُكْمَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي الرِّقابِ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والغارِمِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَزِمَهُمُ الدِّينُ ولا يَجِدُونَ القَضاءَ.
قالَ قَتادَةُ: هم ناسٌ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ مِن غَيْرِ فَسادٍ ولا إسْرافٍ ولا تَبْذِيرٍ، وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ لا يُؤْمَنُ في حَقِّ المُفْسِدِ إذا قَضى دَيْنَهُ أنْ يَعُودَ إلى الِاسْتِدانَةِ لِذَلِكَ؛ ولا خِلافَ في جَوازِ قَضاءِ دَيْنِهِ ودَفْعِ الزَّكاةِ إلَيْهِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ قالَهُ عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: الغُزاةَ والمُرابِطِينَ.
ويَجُوزُ عِنْدَنا أنَّ نُعْطِيَ الأغْنِياءَ مِنهم والفُقَراءَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُعْطى إلّا الفَقِيرُ مِنهم.
وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ مِنَ الزَّكاةِ إلى الحَجِّ، أمْ لا؟
فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ هو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ، وإنْ كانَ لَهُ مالٌ في بَلَدِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ.
فَأمّا إذا أرادَ أنْ يُنْشِئَ سَفَرًا، فَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُعْطى؟
قالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) فِيهِ أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ هَذا.
* فَصْلٌ وَحَدُّ الغَنِيِّ الَّذِي يَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ عِنْدَ أصْحابِنا بِأحَدِ شَيْئَيْنِ: أنْ يَكُونَ مالِكًا لِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أوْ عِدْلَها مِنَ الذَّهَبِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ يَقُومُ بِكِفايَتِهِ، أوْ لا يَقُومُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ لَهُ كِفايَةٌ إمّا مِن صِناعَةٍ، أوْ أُجْرَةِ عَقارٍ، أوْ عَرُوضٍ لِلتِّجارَةِ يَقُومُ رِبْحُها بِكِفايَتِهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الِاعْتِبارُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مالِكًا لِنِصابٍ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ.
فَأمّا ذَوُو القُرْبى الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، فَهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَحْرُمُ عَلى ولَدِ هاشِمٍ، ولا تَحْرُمُ عَلى ولَدِ المُطَّلِبِ.
ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ عَلى الصَّدَقَةِ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ ويَأْخُذُ عِمالَتَهُ مِنها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.
فَأمّا مَوالِيَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، خِلافًا لِمالِكٍ.
ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطِيَ صَدَقَتَهُ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ وبِهِ قالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يُعْطِي والِدًا وإنْ عَلا، ولا ولَدًا وإنْ سَفَلَ، ولا زَوْجَهُ، ويُعْطِي مَن عَداهم.
فَأمّا الذِّمِّيُّ؛ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْطاؤُهُ.
وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: إذا لَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا، أُعْطِيَ الذِّمِّيُّ.
ولا يَجِبُ اسْتِيعابُ الأصْنافِ، ولا اعْتِبارُ عَدَدٍ مِن كُلِّ صِنْفٍ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجِبُ الِاسْتِيعابُ مِن كُلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةٌ.
فَأمّا إذا أرادَ نَقْلَ الصَّدَقَةِ مِن بَلَدِ المالِ إلى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَإنَّ نَقْلَها لَمْ يُجْزِئْهُ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ نَقْلُها، وتُجْزِئْهُ.
قالَ أحْمَدُ: ولا يُعْطِي الفَقِيرَ أكْثَرَ مِن خَمْسِينَ دِرْهَمًا.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْرَهُ أنْ يُعْطِيَ رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ الزَّكاةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وإنْ أعْطَيْتَهُ أجْزَأكَ.
فَأمّا الشّافِعِيُّ، فاعْتَبَرَ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ مِن غَيْرِ حَدٍّ.
فَإنْ أُعْطِيَ مَن يَظُنُّهُ فَقِيرًا، فَبانَ أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَلْ يُجْزِئُ؟
فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما الصَدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللهِ وابْنِ السَبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ "إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ تَقْتَضِي وُقُوفَ الصَدَقاتِ عَلى الثَمانِيَةِ الأصْنافِ، وإنَّما اخْتُلِفَ في صُورَةِ القِسْمَةِ فَقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ اجْتِهادِ الإمامِ وبِحَسَبِ أهْلِ الحاجَةِ، وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: هي ثَمانِيَةُ أقْسامٍ عَلى ثَمانِيَةِ أصْنافٍ لا يُخَلُّ بِواحِدٍ مِنها إلّا أنَّ المُؤَلَّفَةَ انْقَطَعُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقُولُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ: إنَّهُ لا يَجْزِي المُتَصَدِّقَ والقاسِمَ مِن كُلِّ صِنْفٍ أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ.
وَأمّا الفَقِيرُ والمِسْكِينُ فَقالَ الأصْمَعِيُّ، وغَيْرُهُ: الفَقِيرُ أبْلَغُ فاقَةً، وقالَ غَيْرُهُمُ:المِسْكِينُ أبْلَغُ فاقَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا طَرِيقَ إلى هَذا الِاخْتِلافِ ولا إلى التَرْجِيحِ إلّا النَظَرُ في شَواهِدِ القُرْآنِ، والنَظَرُ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِها، فَمِن حُجَّةِ الأوَّلِينَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمّا السَفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ ﴾ .
واعْتُرِضَ هَذا الشاهِدُ بِوُجُوهٍ مِنها، أنْ يَكُونَ سَمّاهم مَساكِينَ بِالإضافَةِ إلى الغاصِبِ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ عَلى جِهَةِ الشُفْعَةِ، كَما تَقُولُ في جَماعَةٍ: "تَظْلِمُ مَساكِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ"، ورُبَّما كانُوا مَياسِيرَ، ومِنها أنَّهُ قُرِئَ "لِمَسّاكِينَ" بِشَدِّ السِينِ بِمَعْنى: دَبّاغِينَ يَعْمَلُونَ المُسُوكَ، قالَهُ النَقّاشُ وغَيْرُهُ، ومِنها: أنْ تَكُونَ إضافَتُها إلَيْهِمْ لَيْسَتْ بِإضافَةِ مِلْكٍ، بَلْ كانُوا عامِلِينَ بِها، فَهي كَما تَقُولُ: سَرْجُ الفَرَسِ، وبابُ الدارِ.
ومِن حُجَّةِ الآخَرِينَ قَوْلُ الراعِي: أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ وقَدِ اعْتُرِضَ هَذا الشاهِدُ بِأنَّهُ إنَّما سَمّاهُ فَقِيرًا بَعْدَ أنْ صارَ لا حَلُوبَةَ لَهُ، وإنَّما ذَكَرَ الحَلُوبَةَ بِأنَّها كانَتْ، وهَذا اعْتِراضٌ يَرُدُّهُ مَعْنى القَصِيدَةِ، ومَقْصِدُ الشاعِرِ بِأنَّهُ إنَّما يَصِفُ سِعايَةً أتَتْ عَلى مالِ الحَيِّ بِأجْمَعِهِ فَقالَ: أما الفَقِيرُ فاسْتُؤْصِلَ مالُهُ فَكَيْفَ بِالغَنِيِّ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ؟
وذَهَبَ مَن يَقُولُ إنَّ المِسْكِينَ أبْلَغُ فاقَةً إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُكُونِ، وأنَّ الفَقِيرَ مُشْتَقٌّ مِن فَقارِ الظَهْرِ؛ كَأنَّهُ أُصِيبَ فَقارُهُ، وذَهَبَ مَن يَقُولُ إنَّ الفَقِيرَ أبْلَغُ فاقَةً إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مَن فَقَرْتُ البِئْرَ إذا نَزَعْتَ جَمِيعَ ما فِيها، وأنَّ المِسْكِينَ مِنَ السَكَنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعَ هَذا الِاخْتِلافِ فَإنَّهُما صِنْفانِ يَعُمُّهُما الإقْلالُ والفاقَةُ، فَيَنْبَغِي أنْ نَبْحَثَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مِن أجْلِهِ جَعَلَهُما اللهُ اثْنَيْنِ، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وقَدِ اضْطَرَبَ الناسُ في هَذا، فَقالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: الفُقَراءُ هم مِنَ المُهاجِرِينَ، والمَساكِينُ مَن لَمْ يُهاجِرْ، وقالَ النَخْعِيُّ نَحْوَهُ، قالَ سُفْيانُ: لا يُعْطى فُقَراءُ الأعْرابِ مِنها شَيْئًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمِسْكِينُ: السائِلُ يُعْطى في المَدِينَةِ وغَيْرِها، وهَذا القَوْلُ هو حِكايَةُ الحالِ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، وأمّا مُنْذُ زالَتِ الهِجْرَةُ فاسْتَوى الناسُ، وتُعْطى الزَكاةُ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِفَقْرٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الفُقَراءُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمَساكِينُ مِن أهْلِ الذِمَّةِ، ولا تَقُولُوا لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ: مَساكِينُ، وقالَ الشافِعِيُّ في كِتابِ ابْنِ المُنْذِرِ: الفَقِيرُ: مَن لا مالَ لَهُ ولا حِرْفَةَ سائِلًا كانَ أو مُتَعَفِّفًا، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَهُ حِرْفَةٌ أو مالٌ ولَكِنْ لا يُغْنِيهِ ذَلِكَ سائِلًا كانَ أو غَيْرَ سائِلٍ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: الفَقِيرُ: الزَمِنُ المُحْتاجُ، والمِسْكِينُ: الصَحِيحُ المُحْتاجُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزُهْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: المَساكِينُ: الَّذِينَ يَسْعَوْنَ ويَسْألُونَ، والفُقَراءُ هُمُ الَّذِينَ يَتَصاوَنُونَ، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ -إذا لُخِّصَ وحُرِّرَ- أحْسَنُ ما يُقالُ في هَذا.
وتَحْرِيرُهُ أنَّ الفَقِيرَ هو الَّذِي لا مالَ لَهُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذِلَّ ولا بُذِلَ وجْهُهُ، وذَلِكَ إمّا لِتَعَفُّفٍ مُفْرِطٍ وإمّا لَبُلْغَةٍ تَكُونُ لَهُ كالحَلُوبَةِ وما أشْبَهَها، والمِسْكِينُ هو الَّذِي يَقْتَرِنُ بِفَقْرِهِ تَذَلُّلٌ وخُضُوعٌ وسُؤالٌ، فَهَذِهِ هي المَسْكَنَةُ، فَعَلى هَذا كُلُّ مِسْكِينٍ فَقِيرٌ ولَيْسَ كُلُّ فَقِيرٍ مِسْكِينًا، ويُقَوِّي هَذا أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ وصَفَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالمَسْكَنَةِ وقَرَنَها بِالذِلَّةِ مَعَ غِناهُمْ، وإذا تَأمَّلْتَ ما قُلْناهُ، بانَ أنَّهُما صِنْفانِ مَوْجُودانِ في المُسْلِمِينَ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَعَفُّفِ ﴾ ، وقِيلَ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ؟
فَقالَ: إنِّي واللهِ مِسْكِينٌ، وقالَ النَبِيُّ : « "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُقْمَةُ واللُقْمَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ هو الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ"،» اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا ﴾ ، فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّ المِسْكِينَ في اللُغَةِ هو الطَوّافُ، وجَرى تَنْبِيهُ النَبِيِّ في هَذا الحَدِيثِ عَلى المُتَصاوِنِ مَجْرى تَقْدِيمِ الفُقَراءِ في الآيَةِ لِمَعْنى الِاهْتِمامِ، إذْ هم بِحَيْثُ إنْ لَمْ يُتَهَمَّمْ بِهِمْ هَلَكُوا، والمِسْكِينُ يُلِحُّ ويُذَكِّرُ بِنَفْسِهِ.
وأمّا العامِلُ فَهو الرَجُلُ الَّذِي يَسْتَنِيبُهُ الإمامُ في السَعْيِ عَلى الناسِ وجَمْعِ صَدَقاتِهِمْ، وكُلُّ مَن يَصْرِفُ مِن عَوْنٍ لا يُسْتَغْنى عنهُ، فَهو مِنَ العامِلِينَ؛ لِأنَّهُ يَحْشُرُ الناسَ عَلى الساعِي، وقالَ الضَحّاكُ: لِلْعامِلِينَ ثَمَنُ ما عَمِلُوا عَلى قِسْمَةِ القُرْآنِ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَهم قَدْرُ تَعَبِهِمْ ومُؤْنَتِهِ، قالَهُ مالِكٌ، والشافِعِيُّ في كِتابِ ابْنِ المُنْذِرِ، فَإنْ تَجاوَزَ ذَلِكَ ثَمَنَ الصَدَقَةِ فاخْتُلِفَ، فَقِيلَ: يُتِمُّ لَهم ذَلِكَ مِن سائِرِ الأنْصِباءِ وقِيلَ: بَلْ يُتِمُّ لَهم ذَلِكَ مِن خُمْسِ الغَنِيمَةِ.
واخْتُلِفَ إذا عَمِلَ في الصَدَقاتِ هاشِمِيٌّ فَقِيلَ: يُعْطى مِنها عِمالَتَهُ، وقِيلَ: بَلْ يُعْطاها مِنَ الخُمْسِ، ولا يَجُوزُ لِلْعامِلِ قَبُولُ الهَدِيَّةِ والمُصانَعَةُ مِمَّنْ يَسْعى عَلَيْهِ، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ رُدَّ في بَيْتِ المالِ كَما فَعَلَ النَبِيُّ بِابْنِ اللَتَبِيَّةِ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عَلى الصَدَقَةِ «فَقالَ: "هَذا لَكم وهَذا أُهْدِيَ لِي"، فَقالَ النَبِيُّ : "هَلّا قَعَدْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ حَتّى تَعْلَمَ ما يُهْدى لَكَ"؟» وأخَذَ الجَمِيعَ مِنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمَّلَ عِمالَةَ الساعِي هَلْ يَأْخُذُها قَبْلَ العَمَلِ أو بَعْدَهُ؟
وهَلْ هي إجازَةٌ أو هي جُعْلٌ؟
وهَلِ العَمَلُ مَعْلُومٌ أو هو يُتَتَبَّعُ وإنَّما يُعْرَفُ قَدْرُهُ بَعْدَ الفَراغِ؟
وأمّا المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم فَكانُوا صِنْفَيْنِ: مُسْلِمِينَ وكافِرِينَ مُساتِرِينَ، قالَ يَحْيى بْنُ كَثِيرٍ: كانَ مِنهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعُيَيْنَةُ، والأقْرَعُ، ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ، والعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ، والعَلاءُ بْنُ جارِيَةَ الثَقَفِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأكْثَرُ هَؤُلاءِ مِنَ الطُلَقاءِ الَّذِينَ ظاهِرُ أمْرِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ الكُفْرُ، ثُمَّ بَقُوا مُظْهِرِينَ الإسْلامَ حَتّى وثَّقَهُ الِاسْتِئْلافُ في أكْثَرِهِمْ، واسْتِئْلافُهم إمّا كانَ لِتُجْلَبَ إلى الإسْلامِ مَنفَعَةٌ أو تُدْفَعَ عنهُ مَضَرَّةٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: انْقَطَعَ هَذا الصِنْفُ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ، وهَذا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، قالَ عَبْدُ الوَهّابِ: إنِ احْتِيجَ إلَيْهِمْ في بَعْضِ الأوقاتِ أُعْطُوا مِنَ الصَدَقَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِنْدِي- إنَّما هو لِمُعَيَّنِينَ، فَإنَّهُ قالَ لِأبِي سُفْيانَ حِينَ أرادَ أخْذَ عَطائِهِ القَدِيمِ: "إنَّما تَأْخُذُ كَرَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ اللهَ قَدْ أغْنى عنكَ وعن ضُرَبائِكَ"، يُرِيدُ: في الِاسْتِئْلافِ، وأمّا أنْ يُنْكِرَ عُمَرُ الِاسْتِئْلافَ جُمْلَةً وفي ثُغُورِ الإسْلامِ فَبَعِيدٌ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم مَوْجُودُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا تُأُمِّلَتِ الثُغُورُ وُجِدَ فِيها الحاجَةُ إلى الِاسْتِئْلافِ.
وقالَ الزُهْرِيُّ: المُؤَلَّفَةُ: مَن أسْلَمَ مِن يَهُودِيٍّ أو نَصْرانِيٍّ وإنْ كانَ غَنِيًّا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ: لِتُبْسَطَ نَفْسُهُ ويُحَبَّبَ دِينُ الإسْلامِ إلَيْهِ.
وأمّا الرِقابُ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: هو ابْتِداءُ العِتْقِ وعَوْنُ المُكاتِبِ بِما يَأْتِي عَلى حُرِّيَّتِهِ، واخْتُلِفَ هَلْ يُعانُ بِها المُكاتَبُ في أثْناءِ نُجُومِهِ بِالمَنعِ والإباحَةِ، واخْتُلِفَ عَلى القَوْلِ بِإباحَةِ ذَلِكَ إنْ عَجَزَ، فَقِيلَ: يَرُدُّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ السَيِّدِ، وقِيلَ: يُمْضى؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمَ دَفْعِهِ بِوَجْهٍ مُتَرَتِّبٍ، وقالَ الشافِعِيُّ: مَعْنى ﴿ وَفِي الرِقابِ ﴾ : في المُكاتِبِينَ، ولا يُبْتَدَأُ مِنها عِتْقُ عَبْدٍ، وقالَهُ اللَيْثُ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأصْنافَ إنَّما تُعْطى إمّا لِمَنفَعَةِ المُسْلِمِينَ أو لِحاجَةٍ في أنْفُسِها، والعَبْدُ لَيْسَ لَهُ واحِدَةٌ مِن هاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ، والمُكاتِبُ قَدْ صارَ مِن ذَوِي الحاجَةِ، وقالَ الزُهْرِيُّ: سَهْمُ الرِقابِ نِصْفانِ، نِصْفٌ لِلْمُكاتَبِينَ، ونِصْفٌ يُعْتَقُ مِنهُ رِقابٌ مُسْلِمُونَ مِمَّنْ صَلّى، ويُفْدى مِنهُ أُسارى المُسْلِمِينَ ومَنَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ.
وأمّا الغارِمُ فَهو رَجُلٌ يَرْكَبُهُ دَيْنٌ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ولا سَفَهٍ، قالَ العُلَماءُ: فَهَذا يُؤَدّى عنهُ دَيْنُهُ وإنْ كانَتْ لَهُ عُرُوضٌ تُقِيمُ رَمَقَهُ وتَكْفِي عِيالَهُ، وكَذَلِكَ الرَجُلُ يَتَحَمَّلُ بِحِمالَةٍ فِي دِياتٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ القَبائِلِ، ونَحْوُ هَذا، وهو أحَدُ الخَمْسَةِ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ : « "لا تَحِلُّ الصَدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا لِخَمْسَةٍ، لِعامِلٍ عَلَيْها، أو غازٍ في سَبِيلِ اللهِ، أو رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحِمالَةٍ، أو مَن أُهْدِيَتْ لَهُ، أو مَنِ اشْتَراها بِمالِهِ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ سَقَطَ المُؤَلَّفَةُ مِن هَذا الحَدِيثِ، ولا يُؤَدّى مِنَ الصَدَقَةِ دَيْنُ مَيِّتٍ، ولا يُعْطى مِنها مَن عَلَيْهِ كَفارَّةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن حُقُوقِ اللهِ، وإنَّما الغارِمُ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ يُسْجَنُ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ في مَذْهَبِنا وغَيْرِهِ: يُؤَدّى دَيْنُ المَيِّتِ مِنَ الصَدَقاتِ، قالَهُ أبُو ثَوْرٍ.
وأمّا في سَبِيلِ اللهِ فَهو المُجاهِدُ، يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَدَقَةِ لِيُنْفِقَها في غَزْوِهِ وإنْ كانَ غَنِيًّا، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا يُعْطى مِنها الحاجُّ إلّا أنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَيُعْطى لِفَقْرِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: يُعْطى مِنها الحاجُّ وإنْ كانَ غَنِيًّا، والحَجُّ سَبِيلُ اللهِ، ولا يُعْطى مِنها في بِناءِ مَسْجِدٍ ولا قَنْطَرَةٍ ولا شِراءِ مُصْحَفٍ ونَحْوِ هَذا.
وأمّا ابْنُ السَبِيلِ فَهو الرَجُلُ في الغُرْبَةِ والسَفَرِ يُعْدِمُ، فَإنَّهُ يُعْطى مِنَ الزَكاةِ وإنْ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ، وسُمِّي المُسافِرُ ابْنَ السَبِيلِ لِمُلازَمَتِهِ السَبِيلِ، كَما يُقالُ لِلطّائِرِ: "ابْنُ ماءٍ" لِمُلازَمَتِهِ لَهُ، ومِنهُ عِنْدِي قَوْلُهُمُ: "ابْنُ جَلا"، وقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ هَذا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "بَنُو الحَرْبِ وبَنُو المَجْدِ".
ولا يُعْطى بَنُو هاشِمٍ مِنَ الصَدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، قالَ ابْنُ الماجِشُونَ، ومُطَرِّفٌ، وأصْبَغُ، وابْنُ حَبِيبٍ: ولا مِنَ التَطَوُّعِ، ولا يُعْطى مُوالِيهِمْ لِأنَّ مَوْلى القَوْمِ مِنهُمْ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: يُعْطى بَنُو هاشِمٍ مِن صَدَقَةِ التَطَوُّعِ ويُعْطى مُوالِيهِمْ مِنَ الصَدَقَتَيْنِ، ومَن سَألَ مِنَ الصَدَقَةِ وقالَ إنَّهُ فَقِيرٌ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُعْطى دُونَ أنْ يُكَلَّفَ بَيِّنَةً عَلى فَقْرِهِ، بِخِلافِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ يَدَّعِي مَعَها الفَقِيرُ فَإنَّهُ يُكَلَّفُ البَيِّنَةَ لِأنَّها حُقُوقُ الناسِ يُؤْخَذُ لَها بِالأحْوَطِ، وأيْضًا فالناسُ إذا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ مَحْمُولُونَ عَلى الغِنى حَتّى يَثْبُتَ العَدَمُ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ ، أيْ إنْ وقَعَ فَيُعْطِي هَذا أنَّ الأصْلَ الغِنى، فَإنْ وقَعَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَجُلُ الصَحِيحُ الَّذِي لا يُعْلَمُ فَقْرُهُ لا يُعْطى إلّا أنْ يُعْلَمَ فَقْرُهُ، وأمّا إنِ ادَّعى أنَّهُ غارِمٌ أو مُكاتِبٌ أوِ ابْنُ سَبِيلٍ أو في سَبِيلِ اللهِ أو نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُعْلَمْ مِنهُ فَلا يُعْطى إلّا بِبَيِّنَةٍ قَوْلًا واحِدًا، وقَدْ قِيلَ في الغارِمِ: تُباعُ عُرُوضُهُ وجَمِيعُ ما يَمْلِكُ ثُمَّ يُعْطى بِالفَقْرِ، ويُعْطِي الرَجُلُ قَرابَتَهُ الفُقَراءَ، وهم أحَقُّ مِن غَيْرِهِمْ، فَإنْ كانَ قَرِيبُهُ غائِبًا في مَوْضِعٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَلاةُ فَجارُهُ الفَقِيرُ أُولى، وإنْ كانَ في غَيْبَةٍ لا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَلاةُ، فَقِيلَ: هو أولى مِنَ الجارِ الفَقِيرِ، وقِيلَ: الجارُ أولى، ويُعْطِي الرَجُلُ قَرابَتَهُ الَّذِينَ لا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وتُعْطِي المَرْأةُ زَوْجَها، وقالَ بَعْضُ الناسِ: ما لَمْ يُنْفِقْ ذَلِكَ عَلَيْها، ويُعْطِي الرَجُلُ زَوْجْتَهُ إذا كانَتْ مِنَ الغارِمِينَ، واخْتَلَفَ في ولاءِ الَّذِي يُعْتَقُ مِنَ الصَدَقَةِ، فَقالَ مالِكٌ: ولاؤُهُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ، وقالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ: يُجْعَلُ مالُهُ في بَيْتِ الصَدَقاتِ، وقالَ الحَسَنُ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: ويُعْتَقُ مِن مالِهِ رِقابٌ، وإذا كانَ لِرَجُلٍ عَلى مُعْسِرٍ دِينٌ، فَقِيلَ: يَتْرُكُهُ لَهُ ويَقْطَعُ ذَلِكَ مِن صَدَقَتِهِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ جُمْلَةً، وقِيلَ: إنْ كانَ مِمَّنْ لَوْ رَفَعَهُ لِلْحاكِمِ أمْكَنَ أنْ يُؤَدِّيَهُ جازَ ذَلِكَ، وإلّا لَمْ يَجُزْ لِأنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ.
وأمّا السَبِيلُ فَهو الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، يُعْطى الرَجُلُ الغازِي وإنْ كانَ غَنِيًّا، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: لا يُعْطى الغازِي في سَبِيلِ اللهِ إلّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بِهِ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وهَذا خِلافُ ظاهِرِ القُرْآنِ وحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ ، وأمّا الحَدِيثُ فَقَوْلُهُ: « "إلّا لِخَمْسَةٍ، لِعامِلٍ عَلَيْها، أو غازٍ في سَبِيلِ اللهِ"»، وأمّا صُورَةُ التَفْرِيقِ فَقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: عَلى قَدْرِ الحاجَةِ ونَظَرِ الإمامِ، يَضَعُها في أيِّ صِنْفٍ رَأى، وكَذَلِكَ المُتَصَدِّقُ، وقالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وأبُو العالِيَةِ.
قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إذا قَسَّمَ المُتَصَدِّقُ قَسَّمَ في سِتَّةِ أصْنافٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ عامِلٌ، ولِأنَّ المُؤَلِّفَةَ قَدِ انْقَطَعُوا، فَإنَّ قَسَّمَ الإمامُ فَفي سَبْعَةِ أصْنافٍ، وقالَ الشافِعِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والزُهْرِيُّ: هي ثَمانِيَةُ أقْسامٍ لِثَمانِيَةِ أصْنافٍ لا يُخَلُّ بِواحِدٍ مِنها، واحْتَجَّ الشافِعِيُّ، بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَألَهُ: « "إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَرْضَ في الصَدَقاتِ بِقَسْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ حَتّى قَسَمَها بِنَفْسِهِ فَجَعَلَها ثَمانِيَةَ أقْسامٍ لِثَمانِيَةِ أصْنافٍ، فَإنْ كُنْتَ واحِدًا مِنها أعْطَيْتُكَ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحَدِيثُ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ، وقالَ أبُو ثَوْرٍ: إذا قَسَّمَها الإمامُ لَمْ يُخِلَّ بِصِنْفٍ مِنها، وإنْ أعْطى الرَجُلُ صَدَقَتَهُ صِنْفًا دُونَ صِنْفٍ أجَزَأهُ ذَلِكَ.
وقالَ النَخْعِيُّ: إذا كانَ المالُ كَثِيرًا قُسِّمَ عَلى الأصْنافِ كُلِّها، وإذا كانَ قَلِيلًا أعْطاهُ صِنْفًا واحِدًا، وقالَتْ فَرِقَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَن لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَلا يُعْطى مِنَ الزَكاةِ، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو عُبَيْدٍ: لا يُعْطى مَن لَهُ أُوقِيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، قالَ الحَسَنُ: وهو غَنِيٌّ.
وقالَ الشافِعِيُّ: قَدْ يَكُونُ الرَجُلُ الَّذِي لا قَدْرَ لَهُ غَنِيًّا بِالدِرْهَمِ مَعَ سَعْيِهِ وتَحَيُّلِهِ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلُ لَهُ القَدْرُ والعِيالُ ضَعِيفَ النَفْسِ والحِيلَةِ فَلا تُغْنِيهِ آلافٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَأْخُذُ الصَدَقَةَ مِن لَهُ مِائَتا دِرْهَمٍ، ومَن كانَ لَهُ أقَلُّ فَلا بَأْسَ أنْ يَأْخُذَ.
قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: لا يُدْفَعُ إلى أحَدٍ مِنَ الزَكاةِ أكْثَرُ مِن خَمْسِينَ دِرْهَمًا إلّا أنْ يَكُونَ غارِمًا، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إنْ أُعْطِيَ ألْفًا وهو مُحْتاجٌ أجَزَأ ذَلِكَ، وقالَ أبُو ثَوْرٍ: يُعْطى مِنَ الصَدَقَةِ حَتّى يَغْنى ويَزُولَ عنهُ اسْمُ المَسْكَنَةِ، ولا بَأْسَ أنْ يُعْطى الفَقِيرُ الألْفَ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أكْثَرُ مَن يُحْفَظُ عنهُ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ لِمَن لَهُ دارٌ وخادِمٌ لا يَسْتَغْنِي عنهُما أنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَكاةِ، ولِلْمُعْطِي أنْ يُعْطِيَهُ، وقالَ مالِكٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ في ثَمَنِ الدارِ أوِ الخادِمِ فَضْلَةٌ عَمَّنْ يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنهُما جازَ لَهُ الأخْذُ، وإلّا لَمْ يَجُزْ، وأمّا الرَجُلُ يُعْطِي الآخَرَ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَإذا هو غَنِيٌّ، فَإنَّهُ إنْ كانَ تَعُودُ ذَلِكَ أخَذَها مِنهُ، فَإنْ فاتَتْ نُظِرَ، فَإنْ كانَ الآخِذُ غَنِيًّا وأخَذَها مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّها لا تَحِلُّ لَهُ ضَمِنَها عَلى كُلِّ وجْهٍ، وإنْ كانَ لَمْ يُغَرْ بَلِ اعْتَقَدَ أنَّها تَجُوزُ لَهُ، أو لَمْ يَتَحَقَّقْ مَقْصِدَ المُعْطِي نُظِرَ، فَإنْ كانَ لَبِسَها أو أكَلَها ضَمِنَها، وإنْ كانَتْ تَلْفِتُ لَمْ يَضْمَن.
واخْتُلِفَ في إجْزائِها عَنِ المُتَصَدِّقِ فَقالَ الحَسَنُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: تَجْزِيهِ، وقالَ الثَوْرِيُّ، وغَيْرُهُ: لا تَجْزِيهِ، وأهْلُ بَلَدِ الصَدَقَةِ أحَقُّ بِها إلّا أنْ تَفْضُلَ فَضْلَةٌ فَتُنْقَلُ إلى غَيْرِها بِحَسَبِ نَظَرِ الإمامِ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ في "الواضِحَةِ": أمّا المُؤَلَّفَةُ فانْقَطَعَ سَهْمُهُمْ، وأمّا سَبِيلُ اللهِ فَلا بَأْسَ أنْ يُعْطِيَ الإمامُ الغُزاةَ إذا قَلَّ الفَيْءُ في بَيْتِ المالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الشَرْطُ فِيهِ نَظَرٌ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ويَنْبَغِي لِلْإمامِ أنْ يَأْمُرَ السُعاةَ بِتَفْرِيقِها بِالمَواضِعِ الَّتِي جُبِيَتْ مِنها، ولا يُحْمَلُ مِنها شَيْءٌ إلى الإمامِ إلّا أنْ يَرى ذَلِكَ لِحاجَةٍ أو فاقَةٍ نَزَلَتْ بِقَوْمٍ، قالَهُ مالِكٌ.
ومَن لَهُ مَزْرَعَةٌ أو شَيْءٌ في ثَمَنِهِ إذا باعَهُ ما يُغْنِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أخْذُ الصَدَقَةِ.
وهَذِهِ جُمْلَةٌ مِن فِقْهِ الآيَةِ كافِيَةٌ عَلى شَرْطِنا في الإيجازِ، واللهُ المُوَفِّقِ بِرَحْمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ﴾ أيْ مُوجَبَةً مَحْدُودَةً، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ في الشَيْءِ بِمَعْنى الحَزِّ والقَطْعِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ ودَوامِهِ شِبْهُ ما يُفْرَضُ مِنَ الأحْكامِ، ونَصْبُ "فَرِيضَةً" عَلى المَصْدَرِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِصِفَتَيْنِ مُناسِبَتَيْنِ لِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ صَدَرَ عن عِلْمٍ مِنهُ بِخَلْقِهِ، وحِكْمَةٍ مِنهُ في القِسْمَةِ بَيْنَهم.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية اعتراض بين جملة: ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ [التوبة: 58] وجملة ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ [التوبة: 61] الآية.
وهو استطراد نشأ عن ذكر اللمز في الصدقات أدمج فيه تبيين مصارف الصدقات.
والمقصود من أداة الحصر: أن ليس شيء من الصدقات بمستحقّ للذين لَمَزوا في الصدقات، وحَصْر الصدقات في كونها مستحقّة للأصناف المذكورة في هذه الآية، فهو قصر إضافي أي الصدقات لهؤلاء لا لكم.
وأمّا انحصارها في الأصناف الثمانية دون صنف آخر فيستفاد من الاقتصار عليها في مقام البيان إذ لا تكون صيغة القصر مستعملة للحقيقي والإضافي معاً إلاّ على طريقة استعمال المشترك في معنييه.
والفقير صفة مشبّهة أي المتّصف بالفقر وهو عدم امتلاك ما به كفاية لوازم الإنسان في عيشه، وضدّه الغني.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ﴾ في سورة النساء (135).
والمسكين ذو المسكنة، وهي المذلّة التي تحصل بسبب الفقر، ولا شكّ أنّ ذكر أحدهما يغني عن ذكر الآخر، وإنّما النظر فيما إذا جُمع ذكرهما في كلام واحد؛ فقيل: هو من قبيل التأكيد، ونسب إلى أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي علي الجبائي، وقيل: يراد بكلّ من الكلمتين معنى غير المراد من الأخرى، واختلف في تفسير ذلك على أقوال كثيرة: الأوضح منها أن يكون المراد بالفقير المحتاج احتياجاً لا يبلغ بصاحبه إلى الضراعة والمذلّة.
والمسكين المحتاج احتياجاً يُلجئه إلى الضراعة والمذلّة، ونسب هذا إلى مالك، وأبي حنيفة، وابن عباس، والزهري، وابن السكّيت، ويونسَ بن حبيب؛ فالمسكين أشدّ حاجة لأنّ الضراعة تكون عند ضعف الصبر عن تحمّل ألم الخصاصة، والأكثرُ إنمّا يكون ذلك من شدّة الحاجة على نفس المحتاج.
وقد تقدّم الكلام عليهما عند قوله تعالى: ﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ في سورة النساء (36).
والعاملين عليها } معناه العاملون لأجلها، أي لأجل الصدقات فحرف (على) للتعليل كما في قوله: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ [البقرة: 185] أي لأجل هدايته إيّاكم.
ومعنى العمل السعي والخدمة وهؤلاء هم الساعون على الأحياء لجمع زكاة الماشية واختيار حرف (على) في هذا المقام لما يشعر به أصل معناه من التمكّن، أي العاملين لأجلها عملاً قوياً لأنّ السعاة يتجشّمون مشقّةً وعملاً عظيماً، ولعلّ الإشعار بذلك لقصد الإيمان إلى أنّ علّة استحقاقهم مركّبة من أمرين: كون عملهم لفائدة الصدقة، وكونه شاقّاً، ويجوز أن تكون (على) دالَّة على الاستعلاء المجازي، وهو استعلاء التصرف كما يقال: هو عامل على المدينة، أي العاملين للنبيء أو للخليفة على الصدقات أي متمكّنين من العمل فيها.
وممّن كان على الصدقة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حَمَل بن مالك بن النابغة الهذلي كان على صدقات هُذيل.
﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ هم الذين تؤلّف، أي تُؤنَّس نفوسهم للإسلام من الذين دخلوا في الإسلام بحدثان عهدٍ، أو من الذين يرغَّبون في الدخول في الإسلام، لأنّهم قاربوا أن يُسلموا.
والتأليف: إيجاد الألفة وهي التأنّس.
فالقلوب بمعنى النفوس.
وإطلاق القلب على ما به إدراك الاعتقاد شائع في العربية.
وللمؤلّفة قلوبهم أحوال: فمنهم من كان حديثَ عهد بالإسلام، وعرف ضعف حينئذٍ في إسلامه، مثل: أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، من مسلمة الفتح؛ ومنهم من هم كفار أشدّاء، مثل: عامر بن الطفيل، ومنهم من هم كفار، وظهر منهم ميل إلى الإسلام، مثل: صفوان بن أمية.
فمثل هؤلاء أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من أموال الصدقات وغيرها يتألفهم على الإسلام، وقد بلغ عدد من عدّهم ابن العربي في «الأحكام» من المؤلفة قلوبهم: تسعة وثلاثين رجلاً، قال ابن العربي: وعدّ منهم أبُو إسحاق يعني القاضي إسماعيل بن إسحاق معاويةَ بن أبي سفيان، ولم يكن منهم وكيف يكون ذلك، وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على وحي الله وقرآنه وخلطه بنفسه.
و ﴿ الرقاب ﴾ العبيد جمع رقَبة وتطلق على العبد.
قال تعالى: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ [النساء: 92].
و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية وهي مغنية عن تقدير «فكّ الرقاب» لأنّ الظرفية جَعلت الرقاب كأنّها وُضعت الأموالُ في جماعتها، ولم يجرّ باللاّم لئلا يتوهّم أنّ الرقاب تدفع إليهم أموال الصدقات، ولكن تُبذل تلك الأموال في عتق الرقاب بشراء أو إعانة على نجوم كتابة، أو فداءِ أسرى مسلمين، لأنّ الأسرى عبيد لمن أسَّروهم، وقد مضى في سورة البقرة (177) قوله: ﴿ والسائلين وفي الرقاب والغارمين ﴾ المدينون الذين ضاقت أموالهم عن أداء ما عليهم من الديون، بحيث يُرْزأ دائنوهم شيئاً من أموالهم، أو يُرْزأ المدينون ما بقي لهم من مَال لإقامة أود الحياة، فيكون من صرف أمواللٍ من الصدقات في ذلك رحمةٌ للدائن والمدين.
و ﴿ سبيل الله ﴾ الجهاد، أي يصرف من أموال الصدقات ما تقام به وسائل الجهاد من آلات وحراسة في الثغور، كلّ ذلك برّاً وبحراً.
و ﴿ ابن السبيل ﴾ الغريب بغَير قومه، أضيف إلى ﴿ السبيل ﴾ بمعنى الطريق: لأنّه أولده الطريق الذي أتى به، ولم يكن مولوداً في القوم، فلهذا المعنى أطلق عليه لفظ ابن السبيل.
ولفقهاء الأمّة في الأحكام المستمدّة من هذه الآية طرائق جمّة، وأفهام مهمّة، ينبغي أن نلمّ بالمشهور منها بما لا يفضي بنا إلى الإطالة، وإنّ معانيَها لأوفرُ ممّا تفي به المقالة.
فأمّا ما يتعلّق بجعل الصدقات لهؤلاء الأصناف فبقطع النظر عن حمل اللام في قوله: ﴿ للفقراء ﴾ على معنى الملك أو الإستحقاق، فقد اختلف العلماء في استحقاق المستحقّين من هذه الصدقات هل يجب إعطاء كلّ صنف مقداراً من الصدقات، وهل تجب التسوية بين الأصناف فيما يعطى كلّ صنف من مقدارها، والذي عليه جمهور العلماء أنّه لا يجب الإعطاء لجميع الأصناف، بل التوزيع موكول لاجتهاد وُلاَة الأمور يضعونها على حسب حاجة الأصناف وسعة الأموال، وهذا قول عمر بن الخطاب، وعلي، وحذيفةَ، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والنخعي، والحسن، ومالك، وأبي حنيفة.
وعن مالك أنّ ذلك ممّا أجمع عليه الصحابة، قال ابن عبد البر: ولا نعلم مخالفاً في ذلك من الصحابة، وعن حذيفة.
إنّما ذكر الله هذه الأصناف لتُعرف وأيّ صنف أعطيْت منها أجزأك.
قال الطبري: الصدقة لسدّ خلّة المسلمين أو لسدّ خلّة الإسلام، وذلك مفهوم من مآخذ القرآن في بيان الأصناف وتعدادهم.
قلت وهذا الذي اختاره حذّاق النظّار من العلماء، مثل ابن العربي، وفخر الدين الرازي.
وذهب عكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي: إلى وجوب صرف الصدقات لجميع الأصناف الثمانية لكلّ صنف ثُمن الصدقات فإن انعدم أحد الأصناف قسمت الصدقات إلى كسور بعدد ما بقي من الأصناف.
واتّفقوا على أنّه لا يجب توزيع ما يعطى إلى أحد الأصناف على جميع أفراد ذلك الصنف.
وأمّا ما يرجع إلى تحقيق معاني الأصناف، وتحديد صفاتها: فالأظهر في تحقيق وصف الفقير والمسكين أنّه موكول إلى العرف، وأنّ الخصاصة متفاوتة وقد تقدّم آنفاً.
واختلف العلماء في ضبط المكاسب التي لا يكون صاحبها فقيراً، واتّفقوا على أن دار السكنى والخادم لا يُعدَّاننِ مالاً يرفع عن صاحبه وصف الفقر.
وأمّا القدرة على التكسّب، فقيل: لا يعدّ القادر عليه فقيراً ولا يستحقّ الصدقة بالفقر وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وابن خويز منداد، ويحيى بن عُمر من المالكية...
ورويت في ذلك أحاديث رواها الدارقطني، والترمذي، وأبو داود.
وقيل: إذا كان قوياً ولا مال له جاز له أخذ الصدقة، وهو المنقول عن مالك واختاره الترمذي.
والكيا الطبري من الشافعية.
وأمّا العاملون عليها فهم يتعيّنون بتعيين الأمير، وعن ابن عمر يعطون على قدر عملهم من الأجرة.
وهو قول مالك وأبي حنيفة.
وأمّا المؤلفة قلوبهم فقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم عطايا متفاوتة من الصدقات وغيرها.
فأمّا الصدقات فلهم حقّ فيها بنصّ القرآن، وأما غير الصدقات فبفعل النبي صلى الله عليه وسلم واستمرّ عطاؤهم في خلافة أبي بكر، وزمننٍ من خلافة عمر، وكانوا يعطَون بالاجتهاد، ولم يكونوا يعيِّنون لهم ثُمن الصدقات ثم اختلف العلماء في استمرار هذا المصرف، وهي مسألة غريبة لأنّها مبنية على جواز النسخ بدليل العَقْل وقياس الاستنباط أي دون وجود أصل يقاس عليه نظيره وفي كونها مبنيّة على هذا الأصل نظر.
وإنّما بناؤها على أنّه إذا تعطّل المصرف فلِمَن يردّ سهمه وينبغي أن تقاس على حكم سهم من مات من أهل الحبس أنّ نصيبه يصير إلى بقية المحبس عليهم.
وعن عمر بن الخطاب أنّه انقطع سهمهم بعزة الإسلام، وبه قال الحسن، والشعبي، ومالك بن أنس وأبو حنيفة، وقد قيل: إنّ الصحابة أجمعوا على سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم من عهد خلافة أبي بكر حكاه القرطبي، ولا شكّ أن عمر قَطع إعطاء المؤلّفة قلوبهم مع أنّ صنفهم لا يزال موجوداً، رأى أنّ الله أغنى دين الإسلام بكثرة أتْباعه فلا مصلحة للإسلام في دفع أموال المسلمين لتأليف قلوب من لم يتمكّن الإسلام من قلوبهم، ومِن العلماء من جعل فعل عمر وسكوتَ الصحابة عليه إجماعاً سكوتياً فجعلوا ذلك ناسخاً لبعض هذه الآية وهو من النسخ بالإجماع، وفي عدّ الإجماع السكوتي في قوة الإجماع القولي نزاع بين أئمّة الأصول وفي هذا البناء نظر، كما علمت آنفاً وقال كثير من العلماء: هم باقون إذا وُجدوا فإنّ الإمام ربما احتاج إلى أن يستألف على الإسلام، وبه قال الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واختاره عبد الوهاب، وابن العربي، من المالكية قال ابن العربي: «الصحيح عندي أنّه إن قوي الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا».
أي فهو يرى بقاء هذا المصرف ويرى أنّ عدم إعطائهم في زمن عمر لأجْل عزة الإسلام، وهذا هو الذي صحّحه المتأخّرون.
قال ابن الحاجب في «المختصر» «والصحيح بقاء حكمهم إن احتيج إليهم».
وهذا الذي لا ينبغي تقلّد غيره.
وأمّا الرقاب فالجمهور على أنّ معنى ﴿ وفي الرقاب ﴾ في شراء الرقيق للعتق، ودفع ما على المكاتب من مال تحصُل به حريته، وهو رواية المدنيين عن مالك، وقيل لا يعان بها المكاتب ولو كان آخر نجم تحصُل به حريته، وروي عن مالك من رواية غير المدنيين عنه.
وقيل: لا تعطى إلاّ في إعانة المكاتب على نجومه، دون العتق، وهو قول الليث، والنخعي، والشافعي.
واختلف في دفع ذلك في عتق بعض عبد أو نجوم كتابة ليس بها تمام حرية المكاتب، فقيل: لا يجوز، وبه قال مالك والزهري وقيل يجوز ذلك.
وفداء الأسرى من فك الرقاب على الأصحّ من المذهب، وهو لابن عبد الحكم، وابن حبيب، خلافاً لأصبغ، من المالكية.
وأما الغارمون فشرطهم أن لا يكون دينهم في معصية إلاّ أن يتوبوا.
والميت المدين الذي لا وفاء لدينه في تركته يُعدّ من الغارمين عند ابن حبيب، خلافاً لابن الموّاز.
وسبيل الله لم يُختلف أنّ الغزو هو المقصود، فيعطى الغزاة المحتاجون في بلد الغزو، وإن كانوا أغنياء في بلدهم، وأمّا الغزاة الأغنيَاء في بلد الغزو فالجمهور أنّهم يعطَون.
وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: لا يعطون.
والحق أنّ سبيل الله يشمل شراء العُدّة للجهاد من سلاح، وخيل، ومراكب بحرية، ونوتيه، ومجانيق، وللحُملان، ولبناء الحصون، وحفر الخنادق، وللجواسيس الذين يأتون بأخبار العدوّ، قاله محمد بن عبد الحكم من المالكية ولم يُذكر أنّ له مخالفاً، وأشعر كلام القرطبي في التفسير أنّ قول ابن عبد الحكم مخالف لقول الجمهور.
وذهب بعض السلف أنّ الحجّ من سبيل الله يدخل في مصارف الصدقات، وروي عن ابن عمر، وأحمد، وإسحاق.
وهذا اجتهاد وتأويل، قال ابن العربي: «وما جاء أثرٌ قطّ بإعطاء الزكاة في الحجّ».
وأما ابن السبيل فلم يُختلف في الغريب المحتاج في بلد غربته أنّه مراد ولو وجد من يسلفه، إذ ليس يلزمه أن يدخل نفسه تحتَ منّة.
واختلف في الغني: فالجمهور قالوا: لا يعطى؛ وهو قول مالك، وقال الشافعي وأصبغ: يعطى ولو كان غنياً في بلد غربتِه.
وقوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ منصوب على أنّه مصدر مؤكِّد لمصدر محذوف يدلّ عليه قوله: ﴿ إنما الصدقات ﴾ لأنّه يفيد معنى فَرضَ اللَّهُ أو أوجبَ، فأكّد بفريضة من لفظ المقدّر ومعناه.
والمقصود من هذا تعظيم شأن هذا الحكم والأمر بالوقوف عنده.
وجملة ﴿ والله عليم حكيم ﴾ تذييل إمّا أفاده الحصر ب ﴿ إنّما ﴾ في قوله: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ إلخ، أي: والله عليم حكيم في قصر الصدقات على هؤلاء، أيْ أنّه صادر عن العليم الذي يعلم ما يناسب في الأحكام، والحكيممِ الذي أحكم الأشياء التي خلقها أو شرعها.
والواو اعتراضية لأنّ الاعتراض يكون في آخر الكلام على رأي المحقّقين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيها عَلى سِتَّةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ المُحْتاجُ المُتَعَفِّفُ عَنِ المَسْألَةِ.
والمِسْكِينُ: المُحْتاجُ السّائِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وجابِرٌ وابْنُ زَيْدٍ والزُّهْرِيُّ ومُجاهِدٌ وزَيْدٌ.
والثّانِي: أنَّ الفَقِيرَ هو ذُو الزَّمانَةِ مِن أهْلِ الحاجَةِ، والمِسْكِينُ: هو الصَّحِيحُ الجِسْمِ مِنهم، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ الفُقَراءَ هُمُ المُهاجِرُونَ، والمَساكِينُ: غَيْرُ المُهاجِرِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ وإبْراهِيمُ.
والرّابِعُ: أنَّ الفَقِيرَ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمِسْكِينَ: مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ لِأنَّ الحاجَةَ قَدْ كَسَرَتْ فَقارَهُ، والمِسْكِينُ الَّذِي لَهُ ما لا يَكْفِيهِ لَكِنْ يَسْكُنُ إلَيْهِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي لا مالَ لَهُ ولَكِنَّ المِسْكِينَ الأخْلَقُ الكَسْبِ.
قالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: الأخْلَقُ المُحارِفُ عِنْدَنا وقالَ الشّاعِرُ: لَمّا رَأى لُبَدَ النُّسُورِ تَطايَرَتْ رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ والسّادِسُ: أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي لَهُ ما لا يَكْفِيهِ، والمِسْكِينَ: الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يَسْكُنُ إلَيْهِ قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ والعامِلِينَ عَلَيْها ﴾ وهُمُ السُّعاةُ المُخْتَصُّونَ بِجِبايَتِها وتَفْرِيقِها قالَ الشّاعِرُ: إنَّ السُّعاةَ عَصَوْكَ حِينَ بَعَثْتَهم ∗∗∗ لَمْ يَفْعَلُوا مِمّا أمَرْتَ فَتِيلًا وَلَيْسَ الإمامُ مِنَ العامِلِينَ عَلَيْها ولا والِي الإقْلِيمُ.
وَفي قَدْرِ نَصِيبِهِمْ مِنها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الثَّمَنُ، لِأنَّهم أحَدُ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
والثّانِي: قَدْرُ أُجُورِ أمْثالِهِمْ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
﴿ والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ وهم قَوْمٌ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَألَّفُهم بِالعَطِيَّةِ، وهم صِنْفانِ: مُسْلِمُونَ ومُشْرِكُونَ.
فَأمّا المُسْلِمُونَ فَصِنْفانِ: صِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم في الإسْلامِ ضَعِيفَةً فَتَألُّفُهم تَقْوِيَةٌ لِنِيّاتِهِمْ، كَعَقَبَةَ بْنِ زَيْدٍ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ والعَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ.
وَصِنْفٌ آخَرُ مِنهم كانَتْ نِيّاتُهم في الإسْلامِ حَسَنَةً فَأُعْطُوا تَألُّفًا لِعَشائِرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِثْلَ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ.
وَيُعْطى كِلا الصِّنْفَيْنِ مِن سَهْمِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبِهِمْ.
وَأمّا المُشْرِكُونَ فَصِنْفانِ: صِنْفٌ يَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ بِالأذى فَيَتَألَّفُهم دَفْعًا لِأذاهم مِثْلَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وصِنْفٌ كانَ لَهم مَيْلٌ إلى الإسْلامِ تَألَّفَهم بِالعَطِيَّةِ لِيُؤْمِنُوا مِثْلَ صَفْوانِ بْنِ أُمَيَّةَ.
وَفي تَألُّفِهِمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِالسَّهْمِ المُسَمّى لَهم مِنَ الصَّدَقاتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُعْطُونَهُ ويَتَألَّفُونَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وطائِفَةٌ.
والثّانِي: يَمْنَعُونَ مِنهُ ولا يُعْطُونَهُ لِإعْزازِ اللَّهِ دِينَهُ عَنْ تَأْلُّفِهِمْ، قالَهُ جابِرٌ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَحْكِيٌّ عَنِ الشّافِعِيِّ.
وَقَدْ رَوى حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأتاهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ يَطْلُبُ مِن سَهْمِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم فَقالَ قَدْ أغْنى اللَّهُ عَنْكَ وعَنْ ضُرَبائِكَ.
﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ أيْ لَيْسَ اليَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ.
﴿ وَفِي الرِّقابِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُكاتِبُونَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والشّافِعِيُّ.
والثّانِي: أنَّهم عَبِيدٌ يُشْتَرَوْنَ بِهَذا السَّهْمِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ.
﴿ والغارِمِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الدَّيْنُ يَلْزَمُهم غُرْمُهُ، فَإنِ ادّانُوا في مَصالِحِ أنْفُسِهِمْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا مَعَ الفَقْرِ، وإنِ ادّانُوا في المَصالِحِ العامَّةِ أُعْطُوا مَعَ الغِنى والفَقْرِ.
واخْتُلِفَ فِيمَنِ ادّانَ في مَعْصِيَةٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها لا يُعْطى لِئَلّا يُعانَ عَلى مَعْصِيَةٍ.
والثّانِي: يُعْطى لِأنَّ الغُرْمَ قَدْ وجَبَ، والمَعْصِيَةَ قَدِ انْقَضَتْ.
والثّالِثُ: يُعْطى التّائِبُ مِنها ولا يُعْطى إنْ أصَرَّ عَلَيْها.
﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ هُمُ الغُزاةُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ يُعْطَوْنَ سَهْمَهم مِنَ الزَّكاةِ مَعَ الغِنى والفَقْرِ.
﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو المُسافِرُ لا يَجِدُ نَفَقَةَ سَفَرِهِ، يُعْطى مِنها وإنْ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّهُ الضَّيْفُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال: «جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله وهو يقسم قسماً، فأعرض عنه وجعل يقسم قال: أتعطي رعاء الشاء؟
والله ما عدلت.
فقال: ويحك...
!
من يعدل إذا أنا لم أعدل؟
فأنزل الله هذه الآية ﴿ إنما الصدقات للفقراء...
﴾ الآية» .
وأخرج أبو داود والبغوي في معجمه والطبراني والدارقطني وضعفه عن زياد بن الحارث الصدائي قال: قال رجل يا رسول الله أعطني من الصدقة.
فقال: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» .
وأخرج ابن سعد عن زياد بن الحرث الصدائي قال: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء قوم يشكون عاملهم، ثم قالوا: يا رسول الله آخذنا بشيء كان بيننا وبينه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير للمؤمن في الإِمارة، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله أعطني من الصدقة.
فقال: إن الله لم يكِل قسمها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى أجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت جزأ منها أعطيتك وإن كنت غنياً عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن» .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه عن موسى بن يزيد الكندي قال: كان ابن مسعود يقرئ رجلاً، فقرأ ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: وكيف أقرأكها؟
قال: أقرأنيها ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ فمدها.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نسخت هذه الآية كل صدقة في القرآن قوله: ﴿ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ [ الإِسراء: 26] وقوله: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ [ البقرة: 271] وقوله: ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ﴾ [ الذاريات: 19] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين...
﴾ الآية.
قال: إنما هذا شيء أعلمه الله إياه لهم، فأيما أعطيت صنفاً منها أجزاك.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن حذيفة في قوله: ﴿ إنما الصدقات للفقراء...
﴾ الآية.
قال: إن شئت جعلتها في صنف واحد من الأصناف الثمانية الذين سمى الله أو صنفين أو ثلاثة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال: لا بأس أن تجعلها في صنف واحد مما قال الله.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن وعطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير.
مثله.
وأخرج ابن المنذر والنحاس عن ابن عباس قال: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين الطوّافون.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ عن قتادة قال: الفقير الذي به زمانة، والمسكين المحتاج الذي ليس به زمانة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب.
أنه مرَّ برجل من أهل الكتاب مطروح على باب فقال: استكدوني وأخذوا مني الجزية حتى كف بصري، فليس أحد يعود عليَّ بشيء.
فقال عمر: ما أنصفنا إذاً، ثم قال: هذا من الذين قال الله: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ ثم أمر له أن يرزق ويجري عليه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر في قوله: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ قال: هم زَمْنى أهل الكتاب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: لا يعطي المشركون من الزكاة ولا من شيء من الكفارات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم ولا التمرة إلى التمرة، إنما الفقير من انقى ثوبه ونفسه لا يقدر على غنى ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ [ البقرة: 273] .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد قال: الفقراء المتعففون، والمساكين الذين يسألون.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري.
أنه سئل عن هذه الآية فقال: الفقراء الذين في بيوتهم ولا يسألون، والمساكين الذي يخرجون فيسألون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الفقير، الرجل يكون فقيراً وهو بين ظهري قومه وعشريته وذوي قرابته وليس له مال، والمسكين الذي لا عشيرة له ولا قرابة ولا رحم وليس له مال.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في الآية قال: الفقراء الذين هاجروا، والمساكين الذين لم يهاجروا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: يعطي من الزكاة من له الدار والخادم والفرس.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كانوا لا يمنعون الزكاة من له البيت والخادم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والعاملين عليها ﴾ قال: السعاة أصحاب الصدقة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه قال: يعطي كل عامل بقدر عمله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: العامل على الصدقة بالحق كالغازي حتى يرجع إلى بيته» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ قال: هم قوم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلموا، وكان يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيراً قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه.
وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فيها تربتها، فقسمها بين أربعة من المؤلفة: الأقرع بن حايس الحنظلي، وعلقمة بن علاثة العامري، وعينية بن بدر الفزاري، وزيد الخيل الطائي.
فقالت قريش والأنصار: أيقسم بين صناديد أهل نجد ويدعنا؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أتالفهم» .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: «المؤلفة قلوبهم: من بني هاشم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب، ومن بني مخزوم الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أسد حكيم بن حزام، ومن بني عامر سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي، ومن بني جمح صفوان بن أمية، ومن بني سهم عدي بن قيس، ومن ثقيف العلاء بن حارثة أو حارثة، ومن بني فزارة عينية بن حصن، ومن بني تميم الأقرع بن حابس، ومن بني نصر مالك بن عوف، ومن بني سليم العباس بن مرداس.
أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة ناقة مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى، فإنه أعطى كل واحد منهما خمسين» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: المؤلفة قلوبهم الذين يدخلون في الإِسلام إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك قال: المؤلفة قلوبهم قوم من وجوه العرب، يقدمون عليه فينفق عليهم منها ما داموا حتى يسلموا أو يرجعوا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن جبير قال: ليس اليوم مؤلفة قلوبهم.
وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه قال: ليست اليوم مؤلفة قلوبهم، إنما كان رجال يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أن كان أبو بكر رضي الله عنه قطع الرشا في الإِسلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال: جاء عينية بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تعطيناها لعلنا نحرثها ونزرعها ولعل الله أن ينفع بها.
فاقطعهما إياها وكتب لهما بذلك كتاباً واشهد لهما، فانطلقا إلى عمر ليشهداه على ما فيه، فلما قرآ على عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما فتفل فيه فمجاه، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفهما والإِسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أعز الإِسلام فاذهبا فاجهد جهدكما لا أرعى الله عليكما إن أرعيتما.
وأخرج ابن سعد عن أبي وائل.
أنه قيل له: ما أصنع بنصيب المؤلفة؟
قال: زده على الآخرين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ وفي الرقاب ﴾ قال: هم المكاتبون.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: لا يعتق من الزكاة رقبة تامة ويعطى في رقبة، ولا بأس بأن يعين به مكاتباً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز قال: سهم الرقاب نصفان، نصف لكل مكاتب ممن يدَّعي الإِسلام، والنصف الباقي يشتري به رقاب ممن صلى وصام وقدم إسلامه من ذكر أو أنثى يعتقون لله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس.
أنه كان لا يرى بأساً أن يعطي الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها رقبة.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أعتق من زكاة مالك.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الحسن: أنه كان لا يرى بأساً أن يشتري الرجل من زكاة ماله نسمة فيعتقها.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: يعان فيها الرقبة ولا يعتق منها.
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لا تعتق من زكاة مالك فإنه يجر الولاء.
قال أبو عبيد: قول ابن عباس أعلى ما جاءنا في هذا الباب، وهو أولى بالاتباع وأعلم بالتأويل، وقد وافقه عليه كثير من أهل العلم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري.
أنه سئل عن الغارمين.
قال: أصحاب الدين، وابن السبيل وإن كان غنياً.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ والغارمين ﴾ قال: من احترق بيته، وذهب السيل بماله، وادّان على عياله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر في قوله: ﴿ والغارمين ﴾ قال: المستدينين في غير فساد ﴿ وابن السبيل ﴾ قال: المجتاز من أرض إلى أرض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ والغارمين ﴾ قال: هو الذي يسأل في دم أو جائحة تصيبه ﴿ وفي سبيل الله ﴾ قال: هم المجاهدون ﴿ وابن السبيل ﴾ قال: المنقطع به يعطي قدر ما يبلغه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ وفي سبيل الله ﴾ قال: الغازي في سبيل الله ﴿ وابن السبيل ﴾ قال: المسافر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ابن السبيل هو قال: الغازي في سبيل الله ﴿ وابن السبيل ﴾ قال: المسافر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ابن السبيل هو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في رجل سافر وهو غني، فنفد ما معه في سفره فاحتاج قال: يعطى من الصدقة في سفره لأنه ابن سبيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وفي سبيل الله ﴾ قال: حمل الرجل في سبيل الله من الصدقة ﴿ وابن السبيل ﴾ قال: هو الضيف والمسافر إذا قطع به وليس له شيء ﴿ فريضة من الله والله عليم حكيم ﴾ قال: ثمانية أسهم فرضهن الله وأعلمهن.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها الغني» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والنحاس في ناسخه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً أو كدوحاً.
قالوا: يا رسول الله وماذا يغنيه؟
قال: خمسون درهماً، أو قيمتها من الذهب» .
وأخرج أبو الشيخ عن عبدالله بن عمر.
أنه سئل عن مال الصدقة فقال: شر مال، إنما هو مال الكسحان والعرجان والعميان وكل منقطع به.
قيل: فإن للعاملين عليها حقاً، وللمجاهدين في سبيل الله.
قال: أما العاملون فلهم بقدر عمالتهم، وأما المجاهدون في سبيل الله فقوم أحل لهم أن الصدقة لا تحل لغني، ولا لذي مرة سوى.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة في ثمانية أسهم.
ففرض في الذهب، والورق، والإِبل، والبقر، والغنم، والزرع، والكرم، والنخل، ثم توضع في ثمانية أسهم.
في أهل هذه الآية ﴿ إنما الصدقات للفقراء...
﴾ الآية كلها» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خففوا على المسلمين في خرصكم فإن فيه العرايا، وفيه الوصايا، فأما العرايا فالنخلة والثلاث والأربع وأقل من ذلك وأكثر، يمنحها الرجل أخاه ثمرتها فيأكلها هو وعياله، وأما الوصايا فثمانية أسهم ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ » .
وأخرج أحمد عن رجل من بني هلال قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تحل الصدقة لغني، ولا ذي مرة سوى» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبيدالله بن عدي بن الخيار قال: «أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها.
فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظَّ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ الآية، قال ابن عباس: يريد صدقات الأموال (١) ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ ﴾ الآية (٢) واختلفوا في معنى الفقير والمسكين، والكلام في اشتقاقهما قد سبق (٣) (٤) (٥) (٦) - والمساكين: الطوافون على الأبواب (٧) (٨) وسئل أبو العباس عن تفسير الفقير والمسكين فقال: قال أبو عمرو بن العلاء فيما روى عنه (٩) (١٠) وقال يونس (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) أما الفقير الذي كانت حلوبته ...
وفق العيال فلم يترك له سبد (١٨) فسماه فقيرًا، وله حلوبة تكفيه وعياله (١٩) وقال محمد بن مسلمة (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ﴾ والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألا ترى كيف حض على إطعامه وجعل الكفارات من الأطعمة له ولا فاقة أعظم من سد الجوعة.
وقال الشافعي: الفقراء: الزمنى الضعاف الذي لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة التي لا تقع حرفته من حاجتهم موقعًا، [والمساكين: السؤال ممن لهم حرفة تقع موقعًا] (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) لما رأى لبد النسور تطايرت ...
رفع القوادم (٣٢) (٣٣) (٣٤) وقال قتادة: الفقير: الزمن المحتاج، والمسكين: الصحيح المحتاج (٣٥) - تعوذ من الفقر (٣٦) (٣٧) (٣٨) فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الحديثان؛ لأنه يتعوذ من الفقر ثم يسأل حالاً أسوأ منه، ولا تناقض بينهما؛ لأنه تعوذ بالله من الضر (٣٩) والمسكنة حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن الرجل: إذا لان وتواضع وخشع، ومنه قول النبي - -: "تبأس وتمسكن" (٤٠) - وأعاذه من الفقر؛ لأنه قبضه موسرًا غنيًا بما أفاء عليه، وإن كان لم يضع درهمًا على درهم، والله -عز وجل- يقول: ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ .
هذا الذي ذكرنا كلام ابن قتيبة في هذين الحديثين (٤١) واحتد ابن الأنباري لهذه (٤٢) (٤٣) ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ﴾ ، ومسكين ذو متربة: هو الفقير الذي قد لصق بالتراب من شدة الفقر، والمسكين الذي ليس بذي متربة هو أحسن حالاً من الفقير؛ لأنه ذو مال، ونعت الله تعالى هذا المسكين بأنه ذو متربة يدل على أن ثم مسكينًا ليس بذي متربة يخالف المنعوت ولا يبلغ منزلته في شدة الفقر.
وأما احتجاجهم ببيت الراعي، قلنا: قد ذكر الفقير وحده وكل فقير أفردته بالاسم جاز إطلاق المسكين عليه، وكذلك إطلاق الفقير على المسكين، وإنما يتبين مقصود هذه المسألة عند الجمع بينهما وفائدة هذا الخلاف لا تبين في تفريق الصدقات، وإنما تبين في الوصايا، وهو أن رجلاً لو (٤٤) (٤٥) ومن الناس من سوى بين الفقير والمسكين وقال: هما واحد إلا أنه ذكر (٤٦) (٤٧) والظاهر من هذه الأقوال الذي يوافق اللغة قول قتادة، هو أن الفقير ذو الزمانة سنة من أهل الحاجة، والمسكين الصحيح منهم، وهو في اللغة (مفعيل) من السكون مثل المنطيق من النطق، ومضى الكلام فيه عند قوله تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾ .
وحدّ الفقير والمسكين الذي يجوز دفع الزكاة إليه هو من لا يفي دخله بخرجه.
وقوله تعالى: ﴿ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد الذين يستخرجونها (٤٨) (٤٩) وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أمثالهم، وهو مذهب الشافعي (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) والصحيح أن الهاشمي والمطلبي (٥٤) - أبي أن يبعث أبا رافع (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: هم قوم من أشراف العرب استألفهم رسول الله ليردوا عنه قومهم ويعينوه على عدوه، منهم عباس بن مرادس السلمي، وعيينة بن حصن الفزاري (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) وكان رسول الله - - يعطيهم سهمًا من الزكاة، فأما اليوم فقد أغنى الله المسلمين عن ذلك إنما كانوا على عهد رسول الله - - خاصة، وهذا قول الحسن (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد المكاتبين) (٦٦) (٦٧) وهذا على حذف المضاف؛ لأن المعنى: وفي فك الرقاب، وقد مضى مثل هذا في سورة البقرة [177] في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ .
وسهم الرقاب موضوع في المكاتبين (٦٨) (٦٩) (٧٠) ومذهب مالك (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) ومذهب (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) وقال الزهري: (سهم الرقاب نصفان نصف للمكاتبين المسلمين، ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم، فيعتقون، من الذكور والإناث) (٧٩) قال أصحابنا: (والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب (٨٠) (٨١) ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ فصل جاء بنظم له معنى خاص دون ما بعده، وذلك أن الله تعالى قصد به دفع الصدقات إلى هؤلاء ليعملوا فيما يعطون ما شاؤوا في نفقاتهم وغيرها، ثم قال: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ إلى آخر الآية (٨٢) ﴿ وَالْغَارِمِينَ ﴾ ويصرف ما أوجب للسبيل وابنه إلى ما يحتاجون إليه من آلة ونفقة، دون دفعه إليهم، وإنما قلنا هذا على ظاهر النظم لأنه لم يجعله فصلين بنظمين مختلفين إلا وقد قصد به معنيين متغايرين.
وقوله تعالى: ﴿ وَالْغَارِمِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد أهل الدين) (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) قال الشافعي: (وهم صنفان: صنف أدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد، فيعطون في غرمهم، وصنف أدانوا في حمالات وصلاح ذات بين، ولهم عروض إن بيعت أضر بهم فيعطى هؤلاء وتوفر عروضهم (٨٧) (٨٨) وأصل الغرم في اللغة: لزوم ما يشق ويتعذر، والغرام: العذاب اللازم أو (٨٩) (٩٠) وقوله تعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يعني: الغزاة والمرابطين، عند عامة المفسرين (٩١) (٩٢) ومذهب الشافعي في هذا: أن المغازي يجوز أن يعطى وإن كان غنيا إذا طلب (٩٣) (٩٤) (٩٥) (٩٦) (٩٧) وقال أبو حنيفة وصاحباه (٩٨) (٩٩) (١٠٠) - قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو في سبيل الله (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) وقوله تعالى: ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد عابر السبيل) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) قال الشافعي: (ابن السبيل المستحق للصدقة: هو الذي يريد السفر في غير معصية، فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة) (١٠٩) (١١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ ، قال الزجاج: (منصوب على التوكيد؛ لأن قوله: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ﴾ لهؤلاء كقوله: فرض الله الصدقات (١١١) (١١٢) ﴿ فَرِيضَةً ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد أن الله تبارك وتعالى افترض هذا على الأغنياء في أموالهم) (١١٣) ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بخلقه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ بما حكم فيهم (١١٤) فأما حكم هذه الآية فقال قوم: قاسم الصدقة له أن يضعها في أي هؤلاء الأصناف شاء، وإنما سمى (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) وكان الشافعي يجري الآية على ظاهرها ويقول: ذكر الله تعالى ثمانية أصناف فبين أن كل صنف منهم يستحق سهمه فلا يجوز حرمان صنف موجود، وكيف يجوز مع هذه القسمة (١٢٠) ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ فإذا تولى رب المال قسمها فإن عليه وضعها في ستة أصناف [لأن سهم] (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) (١٢٨) قال أصحابنا: (أقل عدد كل صنف ثلاثة فصاعدًا، للفظ الجمع في (١٢٩) (١٣٠) (١٣١) وأما كيفية قسمها فهو أن تنظر فإن وجدت خمسة أصناف وقد لزمك أن تتصدق بعشرة دراهم، جعلت العشرة خمسة أسهم، كل سهم درهمان، ولا يجوز التفاضل، ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين، وأقل عددهم ثلاثة ولا تلزمك التسوية بينهم، ولك أن تعطي فقيرًا درهمًا، وفقيرًا خمسة أسداس، وفقيرًا سدس درهم، هذه صفة قسم الصدقات على مذهب الشافعي (١٣٢) (١) لم أقف على مصدره.
(٢) انظر: "النسخة الأزهرية" 1/ 161 أحيث قال: الصدقة تطلق على الفرض والنفل، والزكاة لا تطلق إلا على القرض، قال الزجاجي: (ص د ق) على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال، من ذلك قولهم: رجل صدق النظر، وصدق اللقاء وصدقوهم القتال، وفلان صادق المودة ..
وسمى الله تعالى الزكاة صدقة؛ لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب لكمال المال.
(٣) ذكر الكلام في اشتقاق المسكنة عند تفسير الآية 61 من سورة البقرة، وذكر اشتقاق الفقير عند قوله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾ ، وأصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر، فصرف من مفقور إلى فقير، كما قيل: مجروح وجريح.
انظر: "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2812 - 2813، و"اللسان" (فقر) 6/ 3444.
(٤) هو: جابر بن زيد الأزدي اليحمدي مولاهم، البصري، المعروف بأبي الشعثاء، كان عالم أهل البصرة، في زمانه، وفي طبقة الحسن البصري وابن سيرين، ومن كبار تلاميذ ابن عباس، كان لبيبًا مجتهدًا في العبادة، توفي سنة 93هـ.
== انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 204، و"حلية الأولياء" 3/ 85، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 481، و"تهذيب التهذيب" 2/ 279.
(٥) ساقط من (م).
(٦) أخرج آثارهم بألفاظ متقاربة ابن جرير 10/ 158 - 160، والثعلبي 6/ 117 أ، كما خرج أكثرها السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 449 - 450.
(٧) "معاني القرآن" 1/ 443 بتصرف ويعني الفراء التمثيل بأهل الصفة لا الحصر.
(٨) رجح هذا القول أبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 446 وأيده بالحجج النقلية واللغوية، ورد ما يمكن أن يعترض به عليه.
وقد قال قبل ذلك: إن قول من قال: المسكين كذا، والفقير كذا، لم يقل إنه لا يقال لغيره مسكين ولا فقير.
وانظر أيضًا: "تفسير الطبري" 10/ 159 - 160 فهو يؤيد هذا القول.
(٩) في (ج): (عن)، وما أثبته موافق لما في "تهذيب اللغة".
(١٠) "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2812.
(١١) هو: يونس بن حبيب البصري.
(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(١٣) ساقط من (ي)، والقائل يونس كما بينه الأزهري المصدر التالي.
(١٤) انظر أقوال يونس في "تهذيب اللغة" (فقير) 3/ 2813.
(١٥) انظر: "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم" (فقر) 2/ 572.
(١٦) انظر: "تفسير غريب القرآن"، له ص 196.
(١٧) انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 901، و"المغني" لابن قدامة 9/ 306، 307، و"تفسير البغوي" 4/ 62، و"حاشية ابن عابدين" 2/ 339.
(١٨) انظر: "ديوانه" ص 64 ونسب إليه أيضاً في: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 511، و"لسان العرب" (فقر)، و"المخصص" 12/ 285.
والسبد: الوبر، والعرب تقول: ما له سبد ولا لبد، أي ماله ذو وبر ولا صوف متلبد، انظر: "لسان العرب" (سبد) 4/ 1918، والشاعر يشكو السعاة والعاملين على الصدقات من قبل عبد الملك بن مروان، ويقول: إنهم لم يرحموا أحدًا حتى الفقير الذي لا يملك إلا ناقة حلوبًا على قد عياله، أخذت منه، ولم يترك له شيء.
(١٩) ذكر الأزهري أنه لا حجة في هذا البيت؛ لأن المعنى: كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى دون الحالة الحاضرة.
انظر: "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813، وسبقه أبو بكر بن الأنباري في "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 128.
(٢٠) في (ي): (سلمة)، وما أثبته موافق لمصدري تخريج القول.
(٢١) هو: محمد بن مسلمة بن الوليد، أبو جعفر الواسطي الطيالسي، محدث معمر، قال الدارقطني: لا بأس به، وقال الخطيب: رأيت أبا القاسم اللالكائي والحسن بن محمد الخلال يضعفانه، قال: وله مناكير، توفي سنة 282 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 3/ 305، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 395.
أقول: هذا ما ترجح لدي أنه المذكور، ولست على يقين بذلك وأستبعد أن يكون هو محمد بن مسلمة ألأنصاري الصحابي كما جزم بذلك مفهرس "تفسير القرطبي" 22/ 326؛ ألأن النص في "تفسير الثعلبي" طويل، وفيه تعليلات لم يعهد مثلها في == كلام الصحابة، ونص قوله: ..
(والمسكين: الذي لا ملك له، قال: وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه، وإن كان غنيًا عن غيره، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ﴾ ، والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألم تر كيف حض على إطعامه ..) إلخ.
انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 117 ب.
(٢٢) هذا خلاف ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟
فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟
قال: نعم، قال ألك مسكن تسكنه؟
قال: نعم.
قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك.
"صحيح مسلم" (2979) كتاب: الزهد.
(٢٣) "تفسير الثعلبي" 6/ 117 ب، والقرطبي 8/ 171.
(٢٤) في "تفسير الثعلبي" القائل هو: محمد بن مسلمة.
(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢٦) "الأم" 2/ 110.
(٢٧) ساقط من (ج).
وانظر: "كتاب الأموال" ص 717 - 719؛ و"المغني" 9/ 306، و"لسان العرب" (فقر) 6/ 3444 - 3445.
(٢٨) هو: أحمد بن عبيد بن ناصح الديلمي ثم البغدادي، أبو جعفر النحوي، المعروف == بأبي عصيدة، من نحاة الكوفة، كان نحويًّا محدثًا رأسًا في العربية من أهل الصدق، وهو من تلاميذ الأصمعي ومن شيوخ أبي بكر بن الأنباري، توفي سنة 278 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 4/ 258، و"نزهة الألباء" ص 158، و"وإنباه الرواة" 1/ 119.
(٢٩) ذكره بنحوه أبو بكر بن الأنباري في كتابه "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 128، وانظر أيضًا: "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813، (سكن) 2/ 1724.
(٣٠) هو أبو الهيثم الرازي.
(٣١) اهـ.
كلام خالد بن يزيد في "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813.
(٣٢) في (ي): (الفقير)، وهو خطأ.
(٣٣) البيت في "ديوان لبيد" ص34، وفي "شرحه" ص 274، ونسب إليه أيضًا في "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813، و"لسان العرب" (فقر) 6/ 3445.
ولبد: هو النسر السابع من نسور لقمان بن عاد، والأعزل من الخيل: المائل الذنب.
والشاعر يذكر قصة متداولة عند العرب؛ إذ يقال أن لقمان بن عاد خُيّر في عمره، فاختار أن يكون كعمر سبعة أنسر، فكان يأخذ فرخ النسر فيجعله في فجوة في الجبل الذي هو في أصله، فيعيش الفرخ خمسمائة سنة أو أقل أو أكثر، فإذا مات أخذ آخر مكانه، حتى هلكت ستة، فأخذ السابع وسماه لبدًا، وكان أطولها عمرًا حتى ضرب به المخل، فقيل: طال الأبد على لبد، ثم هلك النسر، فمات لقمان، وقد زعموا أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة.
انظر: "شرح ديوان لبيد" ص 274، و"مجمع الأمثال" 1/ 429.
(٣٤) "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813.
(٣٥) رواه ابن جرير 10/ 158، وابن أبي حاتم 6/ 1819 - 1820، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 449، وزاد: عبد الرزاق وابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ.
(٣٦) رواه أبو داود (1544) كتاب: الصلاة، باب: في الاستعاذة، والنسائي في "سننه" كتاب: الاستعاذة، الاستعاذة من القلة 8/ 261، وابن ماجه (2842)، كتاب: الدعاء، باب: ما تعوذ منه رسول الله - -، وأحمد في "المسند" 2/ 305، والحاكم في "المستدرك"، كتاب: الدعاء 1/ 541.
وقال: صحيح الإسناد.
اهـ.
ولفظ الحديث عنده وعند أحمد: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة ..
" الحديث.
(٣٧) قال ابن الأثير: أراد به التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبارين المتكبرين.
"النهاية في غريب الحديث" (سكن) 2/ 385، ونحوه في "السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 19.
(٣٨) رواه الترمذي (2352) كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، وقال: حديث غريب، وابن ماجه (4126)، كتاب: الزهد، باب.
مجالسة الفقراء، والحاكم في "المستدرك" كتاب: الرقاق 4/ 322، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهو وهم منهما؛ لأن جميع أسانيد الحديث لا تخلو من قادح، ولذا قال الألباني بعد أن ذكر من صححه: (وهذا عجيب منهم، خاصة الذهبي فقد أورد يزيد بن خالد هذا في "الضعفاء" ص 207، == و"الميزان" 6/ 95، وساق أقوال الأئمة فيه، وكلها تتفق على تضعيفه، وساق له أحاديث فيما أنكرت عليه هذا أحدها).
ثم ساق الألباني شاهدين ضعيفين للحديث ثم قال: (والخلاصة: أن جميع طرق الحديث لا تخلو من قادح، إلا أن مجموعها يدل على أن للحديث أصلاً، فإن بعضها ليس شديد الضعف كحديث أبي سعيد وعبادة، والأحاديث تصل بمجموعها إلى درجة الحسن.
يعني: الحسن لغيره).
انظر: "إرواء الغليل" رقم (8611) 3/ 358 - 363.
(٣٩) في (ج): (الضرر).
(٤٠) هذا بعض حديث رواه أبو داود (1296)، كتاب: الصلاة، باب: في صلاة النهار، وابن ماجه (1325)، كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
(٤١) انظر: "تأويل مختلف الحديث" ص 196.
(٤٢) في (ج): (بهذه).
(٤٣) ليس في هذا دليل على ما ذكر؛ لأن العرب تطلق لفظ المسكين على الذليل الخاضع، فإن كان الذي أذله هو الفقر، كان فقيرًا مسكينًا، وإن كان الذي أذلة غير الفقر، فهو مسكين غير فقير، كما أشار إلى ذلك المؤلف، قال ابن عرفة بعد أن ذكر نحو ما سبق: "إذا كان مسكينًا قد أذله سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان شائعًا في اللغة أن يقال: ضرب فلان المسكين، وظلم المسكين، وهو من أهل الثروة واليسار".
"لسان العرب" (فقر) 6/ 3444.
(٤٤) ساقط من (ي).
(٤٥) في (ج): (يوجب).
(٤٦) في (ي): (ذكرنا).
(٤٧) ذكر القرطبي في "تفسيره" 8/ 169، 170 أن هذا أحد قولي الشافعي، وإليه ذهب أبو يوسف وابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وانظر: "حاشية ابن عابدين" 2/ 339.
(٤٨) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1821 بلفظ: السعاة أصحاب الصدقة.
(٤٩) رواه ابن جرير 10/ 160 مختصرًا عن الزهري، وبمعناه عن ابن زيد.
(٥٠) انظر: "الأم" 2/ 111.
(٥١) في (ي): (عمر)، والصواب ما أثبته، وانظر قوله في "تفسير ابن جرير" 10/ 161، والثعلبي 6/ 118 ب.
(٥٢) رواه ابن جرير 10/ 161، والثعلبي 6/ 118 ب.
(٥٣) رواه ابن جرير 10/ 160 - 161 بإسنادين ضعيفين، ففي سنده عن مجاهد مجهول، ومسلم بن خالد الزنجي قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص 529 (6625): صدوق كثير الأوهام، وفي سنده عن الضحاك ضعيف، وهو جويبر.
(٥٤) الهاشمي: نشة إلى هاشم بن عبد مناف بن قصي، والمطلبي: نسبة إلى المطلب بن عبد مناف بن قصي.
انظر: "السيرة النبوية" 1/ 118.
(٥٥) للنبي موليان بهذا الاسم، أبو رافع عبد أبي أحيحة، وقد أعتق كل من بنيه نصيبه منه سوى واحد فإنه وهب نصيبه للنبي فأعتقه، والثاني أبو رافع القبطي وقد أفاد الذهبي أنه هو المذكور في حديث الصدقة، واختلف في اسمه، فقيل: أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل غير ذلك، والأول أشهر، كان عبدًا للعباس فوهبه للنبي ، فلما أن بشر النبي - - بإسلام العباس أعتقه، وكان ذا علم وفضل، وقد شهد غزوة أحد وما بعدها، وتوفي بالكوفة سنة 40 هـ.
وقيل قبل ذلك: انظر: "المعارف" ص 85، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 16، و"الإصابة" 4/ 67 - 68 (396).
(٥٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٥٧) رواه النسائي في "سننه"، كتاب: الزكاة، باب: مولى القوم منهم 5/ 107، والترمذي (657)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في كراهية الصدقة للنبي ..
، وأبو داود (1650)، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على بني هاشم، وأحمد في "المسند" 6/ 8، والحديث بنحوه دون ذكر أبي رافع في "صحيح البخاري" (6761)، كتاب: الفرائض، باب: مولى القوم من أنفسهم.
(٥٨) هو: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أبو مالك، زعيم فزارة وغطفان، أسلم قبل فتح مكة وشهدها، وشهد حنينًا والطائف، ثم ارتد في عهد أبي بكر ثم عاد إلى الإسلام، وكان من المؤلفة قلوبهم، وفيه جفاء البادية، مع حمق وتيه، توفي في خلافة عثمان - -.= انظر: "المعارف" ص 171، و"الإصابة" 3/ 54 (6151).
(٥٩) هو: الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد المجاشعي الدارمي التميمي، من زعماء بني تميم، أسلم قبل فتح مكة وشهد فتحها وحنينًا والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان حكيمًا شريفًا في الجاهلية والإسلام، قتل بجوزجان في خلافة عثمان ما.
انظر: "السيرة النبوية" 4/ 135، 141، 143، و"الإصابة" 1/ 58.
(٦٠) ذكر نحوه الرازي في "تفسيره" 16/ 111، وروى ابن جرير 10/ 161 عن ابن عباس قال: (هم قوم كانوا يأتون رسول الله - - قد أسلموا ..
فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا قالوا: هذا دين صالح؛ وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه).
وانظر: "إرواء الغليل" 3/ 369.
(٦١) رواه الثعلبي 6/ 118.
(٦٢) مثل يحيي بن أبي كثير، ومجاهد.
والحسن، وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير والشعبي، انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 161 - 162، و"الدر المنثور" 3/ 450 - 451.
(٦٣) رواه ابن جرير 10/ 162، والثعلبي 6/ 116.
(٦٤) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، و"تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1822.
(٦٥) انظر: كتاب "الأم" للإمام الشافعي 2/ 97، ومذهب الإمام أحمد جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة ولو كانوا مشركين، انظر: "المغني" 9/ 318.
(٦٦) "تنوير المقباس" ص 196، و"تفسير الرازي" 16/ 112، و"الوسيط" 2/ 506.
(٦٧) اهـ.
كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 456.
(٦٨) المكاتب: العبد يكاتب على نفسه بثمنه، فإذا دفع ثمنه لسيده عتق.
انظر: "معجم مقاييس اللغة" (كتب) 5/ 159، و"لسان العرب" (كتب) 6/ 3817.
(٦٩) انظر: كتاب "الأم" 2/ 113.
(٧٠) انظر: "فتح الباري" 3/ 332.
(٧١) هذه إحدى الروايات عن الإمام مالك، انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 967، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 8/ 182.
(٧٢) هذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد، لكن لا يعني ذلك أن المكاتبين لا يعانون من الزكاة عنده، بل يعان منها المكاتب ويعتق منها العبيد، واستحب أن لا يعتق الفرد من زكاته رقبة كاملة انظر: "المغني" 9/ 391 - 321.
(٧٣) انظر قوله في: "المغني" 9/ 320، و"فتح الباري" 3/ 332، والمذكور هو إسحاق ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي أبو يعقوب المروزي.
(٧٤) في (ى): (موضع)، والصواب ما أثبته بدلالة ما قبله.
(٧٥) من هنا إلى قوله: فيعتقون، مكرر في (ح).
(٧٦) انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 906.
(٧٧) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 179 كتاب: الزكاة، باب: في الرقبة تعتق من الزكاة، وأبو عبيد في كتاب "الأموال"، باب: سهم الرقاب والغارمين ص 723، ولفظه عند أبي عبيد: (لا تعتق من زكاة مالك فإنه يجر الولاء).
(٧٨) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 179، كتاب: الزكاة، باب: في الرقبة تعتق من الزكاة، وأبو عبيد في كتاب "الأموال"، باب: سهم الرقاب والغارمين ص 723، ولفظه عند أبي عبيد: (قال: يعان منها في الرقبة ولا يعتق منها)، ورواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 452، ولفظه: (لا يعتق من الزكاة رقبة تامة، ويعطى في رقبة، ولا بأس أن يعين بها مكاتبًا).
(٧٩) ذكره عن الزهري، الثعلبي في "تفسيره" 6/ 120 أ، والصواب أن الزهري رواه عن عمر بن عبد العزيز كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1824، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 451.
(٨٠) في (ح): (بإذن عبد المكاتب)، وهو خطأ ولا معنى له.
(٨١) انظر: "روضة الطالبين" 2/ 315.
(٨٢) في (ى): (آخرها).
(٨٣) "تنوير المقباس" 196.
(٨٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا في الغارمين منهم 3/ 207، وابن جرير 10/ 164، وابن أبي حاتم 6/ 1824.
(٨٥) رواه ابن جرير 10/ 164، والثعلبي 6/ 120 ب.
(٨٦) رواه ابن أبي شيبة، وابن جرير في المصدرين السابقين، نفس الموضع.
(٨٧) "الأم" 2/ 97 بتصرف يسير واختصار، والكلام التالي ذكره الشافعي في كتاب "الأم" 2/ 113.
(٨٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 456.
(٨٩) في (ح): (و).
(٩٠) انظر: "اللسان" (غرم) 6/ 3247.
(٩١) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 165، وابن أبي حاتم 6/ 1824 - 1825، و"الدر المنثور" 3/ 452.
(٩٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 456.
(٩٣) "الأم" 2/ 98.
(٩٤) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 969، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 8/ 185.
(٩٥) انظر: "المغني" 9/ 326.
(٩٦) في (ى): (ابن)، وهو خطأ.
(٩٧) كتاب: "الأموال"، له ص 726.
(٩٨) هما أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
(٩٩) انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 907، و"المغني" 9/ 326.
(١٠٠) في (ح): (واحتاج).
(١٠١) في (ح): (سبيل)، دون لفظ الجلالة.
(١٠٢) هكذا ذكر الواحدي: (ابن السبيل) ومثله ابن جرير 10/ 165، والثعلبي 6/ 120 ب، ولم يذكره الشافعي ولا غيره ممن أخرج الحديث ممن سيأتي ذكرهم، وإنما ذكروا مكانه (الغارم).
ورواية ابن جرير ضعيفة للإرسال ولضعف ابن وكيع، فهو ساقط الحديث كما بينه ابن حجر في "التقريب" ص 245 (2456)، أما الثعلبي فقد ذكر الحديث بغير سند.
(١٠٣) انظر: "الأم" 2/ 98، وقد ذكر الواحدي رواية ابن جرير، ولفظه عند الشافعي: (لا تحل الصدقة إلا لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني) ولفظه عند غيره: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، لغاز ..) إلخ، رواه أبو داود (1635)، كتاب: الزكاة، باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، وابن ماجه (1841)، كتاب: الزكاة، باب: من تحل له الصدقة، وأحمد في "المسند" 3/ 56، والحاكم في "المستدرك"، كتاب: الزكاة 2/ 407، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(١٠٤) في (ح): سبيل، وقد روى الأثر ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" بلفظ: المسافر.
(١٠٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 165، و"الدر المنثور" 3/ 452.
(١٠٦) رواه ابن جرير 10/ 166.
(١٠٧) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا في الغارمين من هم 3/ 207، وابن جرير 10/ 166.
(١٠٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 456.
(١٠٩) "الأم" 2/ 98.
(١١٠) انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 1/ 173، و"روضة الطالبين" 2/ 325.
(١١١) في (ى): (الصدقة الصدقات)، وهذه الزيادة لا معنى لها، وليست في "معاني القرآن وإعرابه".
(١١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 457.
ومراد الزجاج أن المعنى: فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة.
(١١٣) "الوجيز" 6/ 546.
(١١٤) في (ح): (فيه).
(١١٥) في (ى): أسمي، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "تفسير الثعلبي".
(١١٦) في (ح): الثلاثة، وهو خطأ.
(١١٧) روى أثر إبراهيم ومن قبله ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا إذا وضع الصدقة في صنف واحد 3/ 182، وابن جرير 10/ 166 - 167، وابن أبي حاتم 6/ 1817، والثعلبي 6/ 121 أ، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب: قسم الصدقات، باب: من جعل الصدقة في صنف واحد 7/ 11، 12.
(١١٨) انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 908.
وهو أيضًا مذهب الحنابلة كما في "المغني" 4/ 127.
(١١٩) قلت: ومن أقوى أدلة هذا القول حديث سلمة بن صخر الذي ظاهر من امرأته ثم واقعها، وفيه: (اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له: فليدفعها إليك)، رواه أبو داود رقم (2213)، كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، والترمذي رقم (3299)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة المجادلة، وابن ماجه رقم (2062)، كتاب: الطلاق، باب: الظهار، وأحمد 4/ 37، والحاكم 2/ 203، وقد حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في "إراوء الغليل" 7/ 179: (وبالجملة فالحديث بطرقه وشاهده صحيح).
والشاهد فيه أن النبي - - أعطاه صدقة بني زريق كلها ولم يقسمها على الأصناف الثمانية.
وكذلك قول النبي - - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، رواه البخاري (1395)، كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، فلم يأمره النبي - - أن يقسم الزكاة على الأصناف الثمانية.
(١٢٠) في (ى): (التسمية).
(١٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٢٢) في (ى): الغارمين، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في كتاب: "الأم".
(١٢٣) ساقط من (ح).
(١٢٤) انظر: أول قول الشافعي إلى قوله (فريضة من الله) في كتاب: "الأم" 2/ 94 - 96 بمعناه، وانظر: بقية قوله في المصدر نفسه ص 106 بتصرف.
(١٢٥) هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي، أبو حفص، أمير المؤمنين، وخامس الخلفاء الراشدين، ومضرب المثل في العدل وحسن السياسة، وكان أحد الأئمة المجتهدين، توفي سنة 101هـ.
انظر: "العبر" 1/ 91، و"تقريب التهذيب" ص 415 (4940).
(١٢٦) رواه ابن أبي حاتم مفرقًا في مواضع من "تفسيره"، انظر 4/ 59 أ- 60 ب- 61 أ، وانظر أيضاً "تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب.
(١٢٧) ذكره الثعلبي 6/ 121 ب، والبغوي 4/ 65، وقد روى عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 183 مثل قول الجمهور.
(١٢٨) ذكره الثعلبي 6/ 121 ب.
(١٢٩) ساقط من (ح).
(١٣٠) في (ح): (و).
(١٣١) انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 1/ 173، و"روضة الطالبين" 2/ 329.
(١٣٢) انظر: "الأم"، كتاب: قسم الصدقات 2/ 94 وما بعدها، و"روضة الطالبين" 2/ 330.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين ﴾ الآية: إنما هو هنا تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم، ومذهب مالك أن تفريقها في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد الإمام، فله أن يجعلها في بعض دون بعض، ومذهب الشافعي: أنه يجب أن تقسم على جميع هذه الأصناف بالسواء، واختلف العلماء هل الفقير أشد حاجة من المسكين ليس كذلك أو بالعكس؟
فقيل: هما سواء، وقيل الفقير الذي يسأل الناس ويعلم حاله، والمسكين ليس كذلك ﴿ والعاملين عَلَيْهَا ﴾ أي الذين يقبضونها ويفرقونها ﴿ والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ﴾ كفار يعطون ترغيباً في الإسلام، وقيل: هم مسلمون يعطون ليتمكن إيمانهم، واختلف هل بقي حكمهم أو سقط للاستغناء عنهم ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ يعني العبيد يشترون ويعتقون ﴿ والغارمين ﴾ يعني من عليه دين، ويشترط أن يكون استدان في غير فساد ولا سرف ﴿ وَفِي سَبِيلِ الله ﴾ يعني الجهاد فيعطى منها المجاهدون ويشتري منها آلات الحرب، واختلف هل تصرف في بناء الأسوار وإنشاء الأساطيل؟
﴿ وابن السبيل ﴾ هو الغريب المحتاج ﴿ فَرِيضَةً ﴾ أي حقاً محموداً: ونصبه على المصدر، فإن قيل.
لم ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين؟
فالجواب أنه حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله: ومنهم من يلزمك في الصدقات الآية ﴿ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي ﴾ يعني من المنافقين وإذايتهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالأقوال والأفعال ﴿ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ أي يسمع كل ما يقال له ويصدّقه، ويقال: إنّ قائل هذه المقالة هو نبتل بن الحارث وكان من مرده المنافقين، وقيل: عتاب بن قيس ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ أي يسمع الخير والحق ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي يصدقهم يقال: آمنت لك إذا صدقتك، ولذلك تعدّى هذا الفعل بإلى وتعدّى يؤمن بالله بالباء ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ بالرفع عطف على أذن، وبالخفض على خير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أذن خير ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين: الأعشى والمفضل.
الباقون: بالإضافة.
﴿ ورحمة ﴾ بالجر: حمزة الآخرون: بالرفع ﴿ ألم تعلموا ﴾ بتاء الخطاب: جبلة عن المفضل الباقون: بياء الغيبة ﴿ إن نعف ﴾ ﴿ نعذب ﴾ كلاهما بالنون ونصب ﴿ طائفة ﴾ عاصم غير المفضل.
الباقون: على البناء للمفعول بياء الغيبة في الأول، وبتاء التأنيث في التالي.
الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط أي فرض الله ﴿ فريضة من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ هو أذن ﴾ ط ﴿ آمنوا منكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ليرضوكم ﴾ ط لاحتمال الواو الحال أو الاستئناف.
﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ بما في قلوبهم ﴾ ط ﴿ استهزؤا ﴾ ط لاحتمال الهمزة في "إن" للتعليل ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ ونلعب ﴾ ط ﴿ تستهزؤون ﴾ ه ﴿ بعد إيمانكم ﴾ ط ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ من بعض ﴾ ط كيلا تصير الجملة صفة لبعض المنافقين وهي صفة لكلهم ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ فنسيهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ حسبهم ﴾ ط لاختلاف النظم مع اتحاد المقصود في إتمام الجزاء ﴿ ولعنهم الله ﴾ ج لذلك ﴿ مقيم ﴾ ه لا بناء على تعلق الكاف ﴿ وأولاداً ﴾ ط ﴿ خاضوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ الخاسرون ﴾ ه.
التفسير: إن المنافقين لما لمزوا الرسول في قسمة الصدقات بيَّن لهم الله مصرفها كيلا يبقى لهم طعن إذا وجدوا فعله موافقاً لحكم الله فقال ﴿ إنما الصدقات ﴾ الآية.
وفي تصدير الكلام بإنما دلالة على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا لهؤلاء، ويؤيده ما روي أنه قال لرجل: "إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق.
وإلا فهو صداع في الرأس وداء في البطن" .
ولنتكلم في تعريف هؤلا الأصناف.
فالأول والثاني: الفقراء والمساكين.
ولا شك أن كلاً من الصنفين محتاجون لا يفي دخلهم بخرجهم إنما الكلام في أنهما متساوياً الدلالة أو أحدهما أسوأ حالاً.
فعن أبي يوسف ومحمد والجبائي أنهما واحد حتى لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين بمال كان لزيد النصف لا الثلث.
قال الجبائي: إنه ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في الصدقات.
والفائدة فيه أن أصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم.
وعند الشافعي الفقير أسوأ حالاً لأنه أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجاتهم فالذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم، ومما يدل على إشعار الفقر بالشدّة العظيمة قوله ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ جعل الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي.
وروي أنه كان يتعوذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في قوله "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" فكأنه سأل توسط الحال، ولهذا لما توفي رسول الله ترك أشياء معلومة مع أنه أجاب دعاءه ظاهراً فأماته مسكيناً.
وتقييده تعالى المسكين بقوله ﴿ ذا متربة ﴾ يدل على أن المسكين قد لا يكون كذلك، وقال ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ وكان ابن عباس يفسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً كأهل الصفة، والمسكين بأنه الطوَّاف الذي يسأل الناس.
والغالب أنه يحصل له منهم شيء وقريب منه قول من قال سمي مسكيناً لأنه الدائم السكون إلى الناس.
ولما كان المسكين هو السائل لما قلنا فالمحرم في قوله ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ﴾ هو الفقير صاحب الحرمان.
واتفق الناس على أن الفقير ضد الغني ولم يقل أحد أن الغنى والمسكنة ضدان فلعل الترفع هو ضد التمسكن.
وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالاً لقوله ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ وقد تقدم الكلام عليه ولأنه جعل الكفارات من الأطعمة ولا فاقة أعظم من الجوع ونقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل والمسكين هو الذي لا شيء له، وقال يونس: قلت لأعرابي، أفقير أنت؟
قال: لا والله بل مسكين.
وقيل: سمي مسكيناً لأنه يسكن حيث يحضر لأجل أنه لا بيت له ولا منزل.
وأجيب بأنه تعالى جعل الكفارة للمسكين ذي المتربة وهو الفقير بعينه وإنما النزاع في المسكين المطلق والروايات معارضة بأمثالها والله أعلم.
الصنف الثالث: العاملون على الصدقات وهم السعاة الجباة للصدقة.
قال ابن عمر وابن الزبير والشافعي: يعطى هؤلاء أجور أمثالهم لأنها أجرة للعمل.
وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات لأنهم صنف من الثمانية، والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات لأن رسول الله أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم.
وفائدة التعدية بعلى التسليط والولاية.
يقال: فلان على بلدة كذا إذا كان والياً عليها.
واختلفوا في أن الإمام هل له حق لأنه هو العامل في الحقيقة أو لا حق له لخروجه عن الأصناف؟
والجمهور على أن العامل يأخذ نصيبه وإن كان غنياً لأن ذلك أجرة عمله.
وعن الحسن أنه لا يأخذ إلا مع الحاجة.
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم.
عن ابن عباس هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل.
قال العلماء: لعل مراد ابن عباس إنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة وإلا فلم يكن ما أعطاهم من الصدقات.
ويروى أن أبا بكر الصديق أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة.
والذي استقر عليه رأى الأئمة أن المؤلفة ثلاثة أقسام: ضعيف النية في الإسلام، وشريف بإعطائه يتوقع سلام نظرائه، والمتألف على جهاد من يليهم من الكفار ومانعي الزكاة حيث يكون ذلك أهون للإمام من بعث جيش يعطى كل واحد ما رأى الإمام باجتهاده، هذا كله إذا كانوا مسلمين، فأما الكفار الذين يميلون إلى الإسلام فيرغبون فيه بإعطاء مال، والذين يخاف شرهم فيتألفون لدفع الشر بمال فلا يعطون شيئاً من الزكاة، وكان النبي يعطيهم من خمس الخمس والآن لا يعطون أصلاً لقوة الإسلام والاستغناء عن تألفهم ولأنه ليس في الآية دلالة على أن المؤلفة يجوز أن يكونوا من الكفار فلا ينبغي أن يقال إن حكم الآية منسوخ، الصنف الخامس قوله وفي الرقاب.
قال الزجاج: تقديره وفي فك الرقاب، وللأئمة في تفسيره أقوال؛ فعن ابن عباس أنهم المكاتبون وهو مذهب الشافعي قال: إذا عجزوا عن أداء النجوم بأن يكون لهم شيء أو لا يفي ما في أيديهم بنجومهم صرف إليهم أو إلى سيدهم بإذنهم ما يعينهم على العتق.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: المراد أنه يشتري به عبيد فيعتقون.
وعن أبي حنيفة وأصحابه.
وهو قول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه.
وقال الزهري: سهم الرقاب نصفه للمكاتبين المسلمين ونصفه يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون.
قال المفسرون: إنما عدل عن اللام إلى "في" لأن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة.
ففي الرقاب يوضع نصيبهم في تخليص رقابهم عن الرق أو الأسر ولا يدفع إليهم، وفي الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاج إليه في الغزو، وفي ابن السبيل كذلك يصرف إلى ما يبلغه المقصد.
وقال في الكشاف: إنما عدل للإيذان بأنهم أرسخ في استحاق التصديق عليهم ممن سبق لأن "في" للوعاء فنبه به على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مصباً للصدقات.
وتكرير "في" في قوله ﴿ وفي سبيل الله وابن السبيل ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين الصنف السادس الغارمون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يستحق وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً لازماً.
وفلان مغرم بالنساء، وسمي الدين غرماً لأنه شاق لازم.
فالغارمون المديونون والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية لأن المعصية لا تستوجب الإعانة وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية سواء حصل بسبب نفقات ضرورية أو لإصلاح ذات البين.
وإن كان متمولاً أو للضمان إن أعسر هو والأصيل وكل داخل في الآية.
روى الأصم في تفسيره أنه لمّا قضى بالغرة في جنين قالت العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمد ابن مالك: أعنهم بغرة من صدقاتهم، وكان حمد على الصدقة يومئذ.
وإنما يعطى الغارم قدر دينه إن لم يقدر على شيء وإن قدر على بعض أعطى الباقي.
الصنف السابع قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ يعني الغزاة.
قالالشافعي: يجوز له أن يأخذ من مال الصدقات وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد.
وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً وظاهر لفظ الآية لا يوجب القصر على الغزاة فلهذا نقل القفال عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقة إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن كلها في سبيل الله.
الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر لا لأجل معصية، يعطى ما يبلغه المقصد أو موضع ماله إن كان له في الطريق مال.
قال الشافعي: ويدخل في المسافر الشاخص من وطنه أو من بلد كان مقيماً به منشئاً للسفر والغريب المجتاز ببلدنا والله أعلم.
ولنذكر طرفاً من أحكام هذه الأصناف: الحكم الأول: اتفقوا على دخول الزكاة الواجبة في قوله ﴿ إنما الصدقات ﴾ لقوله في موضع آخر ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ ولقوله : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" واختلفوا في الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل، والفائدة أن تعلم أن مصارف جميع الصدقات ليست إلا هؤلاء الأصناف، والأقرب اختصاص الآية بالواجبة لدخول لام التمليك في الأصناف، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة ولأن الآية تدل على الحصر في الأصناف الثمانية والصدقة المندوبة يجوز صرفها إلى وجوه أخر كالمساجد والمدارس وتجهيز الموتى، ولأن الصدقات تنصرف إلى معهود سابق وهو الصدقات الواجبة في قوله ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ .
الحكم الثاني: في الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه لأنه تعالى جعل للعاملين سهماً منها.
والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر كقوله ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ﴾ وإذا كان حقاً لهما وجب أن يجوز دفعه إليهما ابتداء، وإذا كان الإمام جائراً فالتفريق بنفسه أفضل.
الحكم الثالث: مذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية والنخعي، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية فلا يلزم أن يكون كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلاً موزعاً على كل واحد منهم، ولأن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً فأخرج نصف دينار لو كلفناه أن يقسمه على أربعة وعشرين لدفع كل ثلاثة منها إلى ثلاثة من كل صنف صار كل قسم حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر.
وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي.
وقال الشافعي: لا بد من صرفها، إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز.
واحتجوا عليه بأن الله ذكر هذه القسمة في نص الكتاب ثم أكدها بقوله ﴿ فريضة من الله ﴾ وهو في معنى المصدر المؤكد لأن قوله ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ في قوة قوله فرض الله الصدقات لهم، وهذا كالزجر عن مخالفة من الآية.
وعن النبي "إن الله تبارك وتعالى لم يرض بقسمة ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه" .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم ﴾ أي بتقدير الأنصباء والمصالح ﴿ حكيم ﴾ لا يفعل إلا ما هو الأصوب والأصلح وكل هذه المؤكدات دليل على وجوب الاحتياط في صرف الزكاة، ومن ههنا قال الشافعي: لا بد في كل صنف من ثلاثة لأنه ذكر أكثر الأصناف بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين غرم للثالثأقل متمول على الأقيس لا الثلث، لأن التفضيل في أفراد الصنف جائز للمالك لأن العدد من كل صنف غير محصور فيصعب اعتبار التسوية بخلاف التسوية بين الأصناف لأنهم محصورون فتسهل التسوية بينهم.
الحكم الرابع: العامل والمؤلفة قلوبهم مفقودان في زماننا فبقي أن تصرف الزكاة إلى الأصناف الستة الباقية كما لو فقد بعض الأصناف في بلد فإنه يصرف إلى الباقين، ولا يؤمر بالنقل إلى بلد وجدوا فيه جميعاً والأحوط رعاية التسوية بينهم على ما يقوله الشافعي، أما إذا لم يفعل ذلك فإنها مجزئه عند سائر الأئمة.
أما الحكمة في إيجاب الزكاة فهو أن المال محبوب بالطبع لأن القدرة من صفات الكمال والمال سبب.
لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسراً للنفس ومنعاً من انصبابها بالكلية إليه.
فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب وهو المراد من قوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ﴾ أي عن دنس الاستغراق في حب المال.
وأيضاً إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة فتصير المسألة دورية لا مقطع لها ولا آخر فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويفضي في الأغلب إلى الطغيان وقساوة القلب.
وأيضاً النفس الناطقة لها قوتان: نظرية وكمالها في التعظيم لأمر الله، وعملية وكمالها في الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليتصف جوهر الروح بهذا الكمال ويصير بسبب ذلك محسناً إلى الخلق، وإذا أحسن إليهم أمدوه بالدعاء والهمة.
وأيضاً المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه وهو غاد ورائح سريع الزوال مشرف على التلف والبوار، فإذا أنفقه لوجه الله بقي بقاء لا يمكن زواله.
وفي إنفاق المال تشبه بالمجردات والمفارقات وليس الغنى إلا عن الشيء لا به لأن الاستغناء عن الشيء صفة الحق والاستغناء بالشيء صفة المخلوقين العاجزين، ففي الأمر بالزكاة نقل للإنسان من درجة أدنى إلى درجة أعلى.
وأيضاً للإنسان روح وبدن ومال فإذا بذلك الروح في الاستغراق في بحار معرفة الله، وبذل البدن في العبودية لله والصلاة له فكيف يليق به أن لا يبذل المال في ابتغاء مرضاته؟!
وأيضاً إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضر إنسان آخر محتاج فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال، أما في حق المالك فهو أنه سعى اكتسابه وتحصيله وتعلق قلبه به، وأما في حق الفقير فلاحتياجه الموجب للتعلق به فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت حكمة الشارع رعاية كل منهما بقدر الإمكان.
ورجح جانب المالك لأن له حق الاكتساب وحق التعلق فأبقى عليه الكثير وأمر بصرف جزء يسير إلى الفقير توفيقاً بين الأمرين وجمعاً بين المصلحتين مع رعاية المال عن التعطيل فلا معطل في الوجود.
وأيضاً الأغنياء خزان الله لأن المال مال الله وهم عبيده ولولا أنه ألقاها في أيديهم لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل لا يملك ملء بطنه، وكم من غافل تأتيه الدنيا عفواً صفواً.
وليس بمستبعد أن يقول الملك لخزّانه اصرفوا طائفة من مال خزانتي إلى المحتاجين من عبيدي.
وأيضاً إن الأغنياء لو لم يلزموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملتهم شدة الحاجة على تحصيل المال من وجوه منكرة كالسرقة ونحوها أو على الالتحاق بأعداء المسلمين.
وقال "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" وكأن يقول للغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان المال فتصير من الصابرين، ويقول للفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ولكني أوجبت على الغني أن يصرف إليك طائفة من المال لتشكرني فتكون من الشاكرين.
وأيضاً أراد الله أن يكون الغني منعماً على الفقير بما يؤديه إليه ويكون الفقير منعماً على الغني بما قبله منه ليحصل الخلاص في الدنيا من الذم والعار وفي الآخرة من عذاب النار.
ثم حكى نوعاً من فضائح المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون لرسول الله على وجه الطعن والذم ﴿ هو أذن ﴾ عن ابن عباس كانوا يؤذون النبي ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فنحلف له.
فقال الجلاس بن سويد، نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان رجلاً أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه النبي "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث" وكان ينم حديث النبي صل الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدّقنا.
وقال السدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وإنكم لشر من الحمير، ثم أتى النبي فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامراً كاذب وحلف عامر أنهم كذبة.
وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق من كذب الكاذب فنزلت الآيتان.
قال علماء اللغة: الأذن الرجل الذي يصدق بكل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأنه جملته أذن سامعة ومثله قولهم للربيئة عين.
وفسر إيذاءهم النبي بأنهم يقولون له أذن وذلك أنهم قصدوا به المذمة وأنه ليس ذا ذكاء ولا بعيد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع.
ويجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول أي يؤذونه بالغيبة والنميمة وسائر أنواع الأذية ويقولون في وجه الاعتذار عن ذلك هو أذن يقبل كل ما يسمع، فنحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا فيرضى، ثم إنه أجاب عن قولهم فقال ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ بالإضافة كقولهم: رجل صدق يريدون الجودة والصلاح.
ومجوز الإضافة هو الملابسة كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن إذ أريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بإذن في غير ذلك ويؤيده قراءة حمزة ﴿ رحمة ﴾ بالجر عطفاً عليه عطف الخاص على العام أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع ولا يقبل غيرهما.
ثم بين كونه أذن خير بأنه ﴿ يؤمن بالله ﴾ أي يقرّ به ويعترف بوحدانيته لما قام عنده من الأدلة ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ يسلم لهم قولهم لوثوقه بقولهم وعلمه بإخلاصهم لا لكونه من أهل الغرة والبله ﴿ و ﴾ هو ﴿ رحمة للذين آمنوا منكم ﴾ باللسان دون الجنان لأنه يجري أمركم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم فإن الله هو الذي يتولى السرائر ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ﴾ وأما من قرأ ﴿ أذن خير ﴾ بالرفع فيهما فعلى أن الإذن خبر مبتدأ محذوف و ﴿ خير ﴾ كذلك أي هو أذن هو خير.
والمعنى هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم لأنه يقبل معاذيركم ويتغافل عن جهالاتكم فتحفظ بذلك دماؤكم وأموالكم.
وقيل: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد.
ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن وهو قوله ﴿ يؤمن بالله ﴾ إلى آخره.
ووجه ثالث ذكره صاحب النظم واستحسنه الواحدي وهو أن قوله ﴿ أذن ﴾ وإن كان رافعاً في الظاهر لكنه نصب في الحقيقة على الحال وتأويله: قل هو أذنا خير لكم.
ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ أي كان من الواجب أن يرضوا الله بالإخلاص والتوبة لا بإظهار ما يستسرون خلافه.
وإنما لم يقل يرضوهما تعظيماً لله بالإفراد بالذكر، أو المراد والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، أو وقع الاكتفاء بذكر الله لأن رضا الله ورضا رسوله شيء واحد كما يقال إحسان زيد وإجماله بعثني ومعني ﴿ إن كانوا مؤمنين ﴾ أي بزعمهم.
ثم وبخهم بقوله ﴿ ألم يعلموا ﴾ وذلك أنه يقال ذلك لمن تتولع في تعليمه مدة ثم لم يظهر عليه أثر العلم والرشد، وكان النبي طال مكثه فيهم وكثر تحذيره عن المعصية وترغيبه في الطاعة.
والضمير في قوله ﴿ أنه ﴾ للشأن وفائدته مزيد التعظيم والتهويل.
والمحادة المخالفة لأن كلاً منهما في حد غير حد صاحبه كالمشاقة لأن كلاً منهما في شق آخر.
وقال أبو مسلم: هي من الحديد حديد السلاح.
ثم ذكر في الجزاء قوله ﴿ فإن له ﴾ بالفتح أي فحق أن له ﴿ نار جهنم ﴾ وقيل "أن" مكرر للتأكيد والتقدير فله نار جهنم.
وقيل "فإن" معطوف على "أنه" وجواب من محذوف وهو يهلك.
قال الزجاج: يجوز كسر "أن" على الاستئناف بعد الفاء ولكن القراءة بالفتح.
ونقل الكعبي في تفسيره أنه قرىء بالكسر.
قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت إني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء فيفضحنا فأنزل الله ﴿ يحذر المنافقين ﴾ وقال مجاهد: كانوا يقولون القوم بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا سرنا فنزلت.
والضمير في ﴿ عليهم ﴾ و ﴿ تنبئهم ﴾ للمؤمنين وفي ﴿ قلوبهم ﴾ للمنافقين، ويجوز أن تكون الضمائر كلها للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم وكأنها تخبر عما في بواطنهم وتذيع عليهم أسرارهم.
قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي لأنه غير قائل به؟
وأجيب بأنهم عرفوا ذلك بالتجربة أو كفرهم كان كفر عناد أو كانوا شاكين في صحة نبوته والشاك في أمر خائف من وقوعه، أو هذا الخبر في معنى الأمر أي ليحذر المنافقون: عن أبي مسلم أنهم أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ولهذا أجابهم الله بقوله ﴿ استهزؤا ﴾ وهو أمر تهديد ﴿ إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ مظهر ما تحذرونه من نفاقكم أو محصل إنزال السورة لأن الشيء إذا حصل بعد عدم فكأن فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود.
قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ الآية.
عن ابن عمر أن رجلاً من المنافقين في غزوة تبوك.
ما رأيت مثل هؤلاء الفراء أرغب بطوناً أي أوسع ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله وأصحابه.
فقال واحد من المؤمنين: كذبت وأنت منافق.
ثم ذهب ليخبر رسول الله فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنا كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.
والنبي يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟
ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه.
وقال الحسن وقتادة: بينا رسول الله يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات.
فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.
قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى أي كنا نخوض في الباطل كما يخوض الركب لقطع الطريق.
ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم ﴿ أبا لله ﴾ أي بتكاليفه أو بأسمائه أو بقدرته حيث استبعدتم إعانته النبي وأصحابه على فتح قصور الشام ﴿ وآياته ﴾ يعني القرآن ﴿ ورسوله كنتم تستهزؤن ﴾ لم يعبأ باعتذارهم فجعلوا كأنهم معترفون بوقوع الاستهزاء منهم فأوقع الإنكار على الاستهزاء بالله بأن أولى الاستفهام الذي يفيد التقرير المستهزأ به ولم يقل "أتستهزؤن بالله".
ثم قال: ﴿ لا تعتذروا ﴾ نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب أو قطعه من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس.
واعتذرت المياه إذا انقطعت، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع.
والعذر سبب لقطع اللوم، نهاهم الله عن الاعتذار بالخوض واللعب لأن الشيء الذي يوجب الكفر لا يصلح للعذر.
ثم بين ذلك بقوله ﴿ قد كفرتم ﴾ أي صريحاً ﴿ بعد إيمانكم ﴾ أي بعد الإيمان الذي أظهرتموه.
وفيه أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله صريح لأن العمدة الكبرى في الإيمان هو التعظيم لأمر الله ولشرائعه.
﴿ إن نعف عن طائفة منكم ﴾ ذكر المفسرون أنهم كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك الثالث، ولما كان ذنب الضاحك أخف لأنه لم يوافق القوم في الكفر فلا جرم عفا الله عنه.
وفيه إشارة إلى أنه من خاض في عمل باطل فعليه أن يجتهد في التقليل ويحذر من الانهماك فإنه يرجى له ببركة ذلك القليل أن يعفو الله عنه الكل.
قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة لأنها المقدار الذي يمكنه أن يطيف بالشي، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة قال ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ﴾ وأقله الواحد.
وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه.
ووجه بأن من اختار مذهباً فإنه ينصره ويذب عنه من كل الجوانب فلا يبعد أن يسمى طائفة بهذا السبب والتاء للمبالغة.
وقال ابن الأنباري: العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقال ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود.
ثم علل كونه معذباً للطائفة الثانية ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ أي مصّرين مستمرّين على الجرم، ويجوز أن يكون سبب العفو عن الطائفة الأولى إحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ويجوز أن يراد بالعذاب العذاب العاجل.
ومن قرأ ﴿ أن يعف ﴾ على البناء للمفعول والتذكير فلأنه مستند إلى الظرف كما تقول: سير بالدابة دون سيرت.
وقرىء بالتأنيث ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة.
ثم ذكر جملة أحوال المنافقين.
وأن إناثهم في ذلك كذكورهم فقال ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ أي في صفة النفاق وأريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم ﴿ إنهم لمنكم ﴾ وتقرير قوله ﴿ وما هم منكم ﴾ ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم الحال المؤمنين فقال ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك تكذيب الله ورسوله.
﴿ وينهون عن المعروف ﴾ وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك الإخلاص في الإيمان ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ عن كل خير أو عن كل واجب كصدقة أو زكاة أو اتفاق في سبيل الله، وهذا أولى ليتوجه الذم بتركه.
وقبض الأيدي كناية عن الشح والبخل كبسطها في الكرم والسخاء ﴿ نسوا الله ﴾ أغفلوا أمره وتركوا ذكره وذلك أن النسيان الحقيقي لا يتوجه عليه الذم ﴿ فنسيهم ﴾ جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وهذا على سبيل المزاوجة والطباق.
وإنما جعل النسيان عبارة عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره فدل بذكر الملزوم على اللازم، ثم قال ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ وفيه دليل على أنهم هم الكاملون في الفسق وأن على المسلم أن يتحرز عما يكسبه هذا الاسم.
ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر فقال ﴿ وعد الله ﴾ الآية ومعنى ﴿ خالدين فيها ﴾ مقدرين الخلود فيها قاله في الكشاف ويحتمل أن يراد مستأهلين للخلود ﴿ هي حسبهم ﴾ كافيهم في الجزاء والإيلام ومع ذلك فقد لعنهم الله ليكون العذب مقروناً بالإهانة والطرد ﴿ ولهم عذاب مقيم ﴾ نوع آخر من العذاب الدائم سوى عذاب النار، أو عذاب عاجل لا ينفكون عنه من تعب النفاق والخوف من افتضاحهم.
ثم شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن الخيرات فقال ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم.
فعلى الأول محل الكاف رفع وعلى الثاني نصب.
ثم وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة أي جسامة من هؤلاء المنافقين ﴿ وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ وهو ما خلق للإنسان أي قدر له من خير كما قيل له قسم لأنه قسم ونصيب لأنه نصب أي أثبت.
﴿ فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأوّلين ثالثاً؟
وأجيب بأنه ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر هذا الذم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية فيالمبالغة.
قال جار الله: نظيره أن تقول لبعض الظلمة أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب وأنت تفعل مثل فعله.
وأما قوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة.
ومعنى "كالذي" كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج الذي خاضوا.
وقيل: أصله كالذين فحذف النون.
ثم بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال أما في الدنيا فبسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف، وأما في الآخرة فلأنهم هلكوا وبادوا وانتقلوا إلى العقاب الدائم وخسران الدارين.
فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال والفضائح مع ضعف بنيتهم وقلة عددهم وعددهم أولى بخزي الدارين وخسار الأمرين.
التأويل: ﴿ إنما الصدقات ﴾ وهي صدقات مواهب الله كما قال الله "ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة على من يشاء من عباده الفقراء وهم الأغنياء بالله الذين فنوا عنهم وبقوا به" ﴿ والمساكين ﴾ الذين لهم بقية أوصاف الوجود ألقوا سفينة القلب في بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ ﴿ والعاملين عليها ﴾ وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أرباب الأحوال ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ الذين تتألف قلوبهم بذكر الله ﴿ وفي الرقاب ﴾ الذين يريدون أن يتخلصوا عن رق الموجودات تحر لعبودية موجدها.
والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
﴿ والغارمين ﴾ الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص عن حبس الوجود ﴿ وفي سبيل الله ﴾ المجاهدين الجهاد الأكبر مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافرون عن أوصاف الطبيعة وعالم البشرية، السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة ﴿ فريضة من الله ﴾ أوجبها على ذمة كرمه كما قال "ألا من طلبني وجدني" ﴿ والله عليم ﴾ بطالبيه ﴿ حكيم ﴾ في معاونتهم بعد الطلب كقوله "من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً" ﴿ ويقولن هو أذن ﴾ رأوا محامده بنظر المذمة والعيب ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ أي سامعيته خير لكم لأن له مقام السامعية يسمع ما يوحى إليه ﴿ يؤمن بالله ﴾ عياناً ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ لأن فوائد إيمانه تعود إليهم كما تعود إلى نفسه ﴿ ورحمة للذين آمنوا ﴾ لأنهم يهتدون بهداه ﴿ والذين يؤذون رسول الله ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ﴿ يحذر المنافقون ﴾ والحذر لا يغني عن القدر ﴿ أن نعف عن طائفة ﴾ إظهاراً للفضل والرأفة ﴿ نعذب طائفة ﴾ إظهار للقهر والعزة ولكن إظهار اللطف بلا سبب.
وإظهار القهر لا يكون إلا بسبب أنهم كانوا مجرمين و ﴿ بعضهم من بعض ﴾ لأن أرواحهم كانت في صف واحد في الأزل فمعاملاتهم من نتائج خصوصيات أرواحهم ﴿ نسوا الله ﴾ ولو ذكروه قبل الإتيان بالمعاصي لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروا فغفر لهم ﴿ هي حسبهم ﴾ لأنها نصيبهم في الأزل ﴿ كانوا أشد منكم قوة ﴾ بالاستعداد الفطري وضيعوها في الاستمتاع العاجل فخسروا رأس المال ولم يربحوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ يعني: المنافقين ﴿ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ يزورك لمكان الصدقات؛ طمعاً فيها؛ لتعطيهم الصدقات، و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ ، أي: يزورك؛ ليسألك من الصدقات، أي: إنما يزورونك لمكان الصدقات لتعطيهم، لا يزورونك ولا يأتونك لمكان الرسالة، أو رغبة في الدين، ولكن لمكان الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا عنك ويعظمونك، وإن لم تعطهم إذا هم يسخطون؛ لأن إتيانهم رسول الله وزيارتهم إياه لمكان الصدقة، فإذا لم يعطوا منها شيئاً سخطوا.
ومنهم من قال: قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، أي: يطعن عليك في الصدقات، أو في قسمة الصدقات.
روي عن أبي سعيد الخدري قال: "بينا رسول الله يقسم قسماً له، فجاءه رجل يقال له: ابن ذي الخويصرة التميمي، قال: اعدل يا رسول الله، فقال له النبي : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل أنا؟!، فقال عمر - -: ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال له النبي : دعه؛ فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم؛ لحسن صلاتهم وصيامهم، فيحقر صلاته عند صلاة أولئك، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" ذكر حديثاً طويلاً، وهو كأنه كان من الخوارج، وهو الذي قتله علي ابن أبي طالب، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .
ما آتاهم الله من الرزق، ورسوله من الصدقات.
﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
أي: من دينه ورسوله، وقالوا: حسبنا الله، كان خيراً لهم مما طمعوا في هذه الصدقات، وطعنوا رسول الله في ذلك.
وقال بعضهم: [لو] رضوا ما آتاهم الله ورسوله من فضله مما رزق لهم، لكان خيراً لهم مما فعلوا.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ ﴾ من فضله، أي: من الصدقات التي كان أعطاهم رسول الله منها وإلى الله رغبوا، لكان خيراً مما طمعوا في تلك الصدقات، وطعنوا رسول الله، وسخطوا عليه.
ويقرأ و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ : برفع الميم.
قال أبو عوسجة: اللمز: العيب؛ يقال له: لماز ولامز، وهماز وهامز.
وقال القتبي: ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ ، أي: يعيبك ويطعن عليك؛ يقال: همزت فلاناً ولمزته: إذا اغتبته وعبته، وكذلك قول الله: ﴿ ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ .
يشبه أن تكون الآية في بيان موضع الصدقة؛ على ما تقدم من الذكر بقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ...
﴾ الآية، ما ذكر أن المنافقين كانوا يأتون رسول الله، يسألونه من الصدقات، فإن أعطاهم رضوا عنه، وإن لم يعطهم طعنوا فيه، وعابوا عليه، فبين أن الصدقات ليست لهؤلاء، ولكن للفقراء من المسلمين، والمساكين من المسلمين، وكذلك ما ذكر من الأصناف: المكاتبين والغارمين ...
أنها لهؤلاء من المسلمين، لا لهم.
ويدل على ذلك ما جاء من الأخبار: وروي عن رسول الله أنه وضع صدقات بأعيانها حملت إليه في صنف واحد [مثل]: ما روي أنه أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى فلاناً كذا.
وروي عن الصحابة أنهم وضعوا الصدقة في صنف واحد.
وروي عن حذيفة أنه قال: هؤلاء أهلها، ففي أي صنف وضعتها أجزأك.
وعن ابن عباس أنه قال كذلك.
وعن عمر: أنه كان إذا جمع صدقات [الناس] المواشي والبقر والغنم، نظر ما كان منتجة للبن، فيعطي لأهل البيت على قدر ما يكفيهم، فكان يعطي العشرة شاة للبيت الواحد، ثم يقول: عطية تكفي خير من عطية لا تكفي، أو كلام نحو هذا.
وقد روي عنه أنه سئل عن ذلك، فقال: والله، لأردن عليهم الصدقة حتى يروح على أحدهم مائة ناقة، أو مائة بعير.
وعن علي بن أبي طالب - - أنه أتي بصدقة، فبعثها إلى أهل بيت واحد.
هؤلاء نجباء الصحابة استجازوا وضع الصدقة في صنف واحد، ولو كان حق كل صدقة أن تقسم بين هؤلاء الأصناف الذين ذكر بالسوية على ما قال القوم، لكان قال الله - عز وجل -: إنما الصدقات بين الفقراء وبين من معهم من الأصناف؛ كما يقال: الميراث لقرابة فلان، أي: ليس للأجنبيين في ذلك حق، ولا يقال: الميراث بين قرابة فلان؛ لأن لكل في ذلك حقّاً؛ لأن حرف "بين" يقتضي التسوية بجميعهم، وقوله: "لهم" يقتضي أنه لا حق فيه لغيرهم.
ألا ترى أنه يقال: الخلافة لولد العباس، يراد أنه لا حظ فيها لغيرهم، والسقاية لبني هاشم، ونحوه، ليس يراد ذلك بينهم بالتسوية، وإنما يراد ذلك أن لا حق لغيرهم فيها؟!
وبعد، فإنه لو كان في الآية: إنما الصدقات بين الفقراء وبين من ذكر معهم، لكان لا يجب قسمة كل صدقة بين هؤلاء الأصناف المذكورة في الآية؛ لأنه ليس للصدقات انقطاع، بل لها مداد إذا دفع صدقة واحدة إلى صنف واحد، فإذا أتي بصدقة أخرى دفع إلى صنف آخر، هكذا يعمل في الأصناف كلها.
وبعد، فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أن تكلف طلب هؤلاء الأصناف فقسمها بينهم، وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأموال أنهم دفعوا صدقة واحدة بين هؤلاء الذين ذكر؛ فدل أنه خرج على ما ذكرنا؛ لأنه لو كان على تسوية كل صدقة بينهم، لم يجز ألا يقسموها كذلك ويضيعون حق البعض من هؤلاء.
وبعد، فإنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما قدر على ذلك، دل أنه لم يخرج الخطاب على توهم خصومنا.
ولأن الحق لو كان التسوية بينهم في كل صدقة، لكان إذا لم يجد في بلدة مكاتبين أو واحدا من هؤلاء الأصناف، فيجب أن يسقط مقدار حصة من لم يجد عن أربابها، فذلك بعيد؛ فقد جاء في الخبر أنه بعث معاذاً إلى اليمن، فقال له: "خذ من أغنيائهم وردّ في فقرائهم" ويكره إخراج صدقة كل بلد إلى غيره من البلدان.
ثم تحتمل الآية جميع الصدقات التي يتصدق بها على الفقراء والمساكين من الفيء وغيره، فبين أن هؤلاء موضع لذلك كله، من نحو قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ وقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ .
ويحتمل زكاة الأموال المفروضة، والوجه فيه ما ذكرنا.
فإن قيل: إن الرجل إذا أوصى فقال: "ثلث مالي لفلان وفلان [وفلان]، أليس هو مقسوماً بينهما بالسويّة؟
ما منع أن الأوّل بمثله؟
قيل: لا تشبه الصدقات الوصايا؛ وذلك أن الوصية إنما وقعت في مال معلوم، لا يزيد فيه بعد موت الميت شيئاً، ولا يتوهم له مدد، والصدقات يزيد بعضها بعضاً، وإذا فني مال جاء مال آخر، وإذا مضت سنة جاءت سنة أخرى بمال جديد، فإذا دفع الإمام صدقة جميع ما عنده إلى الفقراء ثم حضره غارمون فتحمل إليه صدقة أخرى يجعلها فيهم، فيصلح بذلك أحوال الجميع؛ لما لا انقطاع للأموال إلى يوم القيامة.
وكيف تقسم الصدقة على ثمانية أسهم؟
ولا خلاف في أن للعاملين بقدر عمالتهم زاد ذلك على الثمن أو نقص منه، فإذا زالت القسمة في أحد الأصناف زالت في الجميع، فأعطي كل صنف منهم بقدر حاجته كما أعطي العاملون، وكيف يصنع بسهم المؤلفة قلوبهم وقد ارتفع ذلك ونسخ؟
وعلى ذلك جاء عن بعض الصحابة، من نحو أبي بكر وعمر أنهم لم يعطوهم شيئاً، أليس يرد ذلك على سائر السهام؟!
فإذا جاز أن يزاد على الثمن في وقت، جاز أن ينقص منه في وقت.
وفي قوله: ﴿ وَٱلْعَامِلِينَ ﴾ دلالة أن لا بأس للأئمة والقضاة أخذ الكفاية من بيت المال، ولكل عامل للمسلمين أخذ كفايته ورزقه من ذلك إذا فرغ نفسه لذلك، وكفها عن غيره من المنافع والأعمال.
ثم اختلف في الفقراء والمساكين؛ قال بعضهم: الفقراء: هم من المهاجرين؛ كقوله: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ﴾ والمساكين: من الذين لم يهاجروا.
وقال بعضهم: الفقير: الذي به زمانة، والمسكين: الذي ليست به زمانة، وهو محتاج.
وقال بعضهم: الفقراء: هم المتعففون الذين لا يخرجون ولا يسألون الناس؛ كقوله - -: ﴿ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ ﴾ ، والمساكين: هم الذين يسألون، وكذلك قال الحسن.
وعن عمر قال: ليس المسكين الذي لا مال له، ولكن المسكين الذي لا يصيب المكسب.
وعن ابن عباس قال: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين: الطوافون.
وهو قريب مما قاله الحسن.
وعن الأصم قال: الفقير: الذي لا يسأل، وهو ما ذكرنا بدءاً، والمسكين: الذي يسأل إذا احتاج، ويمسك إذا استغنى.
وروي عن رسول الله برواية أبي هريرة - - قال: "ليس المسكين هذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان قيل: فما المسكين يا رسول الله؟
قال: الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" فهذا لو حمل على ظاهره لدفع قول من قال: إن المسكين هو الذي يسأل الناس، ولكن يجوز أن يكون معناه - والله أعلم - أن الذي يسأل وإن كان عندكم مسكيناً، فإن الذي لا يسأل أشد مسكنة منه، ولا يحمل على غير ذلك؛ لأن الله قد سمى الذين لا يسألون الناس فقراء، ولا يجوز أن يجعل الحديث مخالفاً للآية ما أمكن أن يكون موافقاً لها؛ قال الله - -: { ﴿ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ .
فقوله ﴿ ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ قيل: هو الذي لا حائل بينه وبين التراب لفقره؛ فدل بذلك - والله أعلم - على أن المسكين هو الشديد الفقر، والفقير هو الذي لا يملك شيئاً، ولم يبلغ في الفقر والضرورة حال المسكين، ويدل لذلك قول عمر: ليس المسكين من لا مال له، ولكن المسكين من لا مكسب له؛ كأنه يقول: إن الذي لا مال له وله مكسب هو فقير، والمسكين أشد حالاً من الفقير، وليس له مال ولا مكسب.
وإن حمل قول النبي - -: "ليس المسكين الذي يسأل، ولكن المسكين الذي لا يفطن له ولا يسأل" على أن ذلك الذي لا يفطن به هو أشد مسكنة من الآخر، وإن كان الآخر مسكيناً - أيضاً - كان موافقاً للمعنى الذي ذكرنا؛ لأنا قلنا: إن المسكين هو الشديد الفقر، وقد يكون فقيراً وإن لم يبلغ به الضر مبلغ الضر الأول.
وقد يخرج قول من قال: إن المسكين الذي يخرج هذا المخرج؛ لأن من شأن المسلم الفقير أنه يحتمل ما كانت له حيلة، ويتعفف، ولا يخرج فيسأل وله حيلة فخروجه يدل على شدة ضيقه، وعلى الزيادة في سوء حاله، فكان القولان جميعاً يرجعان إلى معنى واحد.
وإذا كان الفقير أحسن حالا من المسكين لما ذكرنا، فقد يجوز أن تدفع الصدقة إلى من له مال قليل؛ لأنه فقير، وإن لم يكن حاله في فقره حال المسكين الذي لا يملك شيئاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ ؟
اختلف فيه: قال بعضهم: يعطى لهم الثمن.
وقال بعضهم: يعطى لهم قدر عمالتهم.
وقال بعضهم: يعطى لهم قدر كفايتهم وعيالهم.
أما قول من قال: يعطى لهم الثمن: فلا معنى له؛ لما يجوز ألا يبلغ الثمن الوفاء أو عمالته لا تبلغ عشر عشر ذلك.
ومن قال: يعطى لهم قدر كفايتهم وكفاية عيالهم، فهو - والله أعلم - إذا [كان] هو يسلم نفسه لذلك واستعمله الإمام في جميع أمور المسلمين، فإذا كان كذلك يعطى له عند ذلك الكفاية له ولعياله، وأما إذا تولى شيئاً من تلك العمالة في وقت، فيعطي له الكفاية فلا.
والأشبه عندنا: أن يعطى لهم قدر عمالتهم، وهكذا الإمام إذا استعمل أحداً في عمل من أعمال اليتيم فإنه يعطى له قدر أجر عمله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أنه - - كان يعطي الرؤساء من المنافقين من الصدقات، يتألف به قلوبهم ليسلموا؛ على ما روي أنه كان يعطي فلاناً مائة من الإبل، وفلاناً كذا.
روي أنه قسم ذهبة أو أديماً مقروطاً، بعثها علي - - من اليمن، بين الأقرع بن حابس وبين فلان وفلان.
والحديث في هذا كثير أن النبي كان يخص به الرؤساء منهم بالصدقة يتألفهم، والإسلام في ضعف وأهله في قلة، وأولئك كثير ذوو قوة وعدة، فأما اليوم فقد كثر أهل الإسلام، وعز الدين، وصار أولئك إذ لا يحمد الله، فقد أرتفع ذلك وذهب؛ إذ قوي المسلمون وكثروا، فيقاتلون حتى يسلموا، وعلى ذلك جاء الخبر عن أبي بكر وعمر - ما - فدل على ما ذكرنا.
روي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءا إلى أبي بكر - - فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضاً سبخة، ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت [أن] تقطعناها، فأقطعنا إياها، وكتب لهما عليها كتاباً، وأشهد عمر - - وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر ليشهداه، فلما سمع عمر ما في الكتاب، فتناوله من أيديهما، ثم نظر فيه، فمحاه، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله - - قد أعز الإسلام؛ اذهبا فاجهدا جهدكما، لا أرعى الله عليكما إن رعيتما.
ونحن نذهب إلى هذا الحديث؛ لأن أبا بكر لم ينكر على عمر قوله وفعله، فصار ذلك وفاقاً منه له، فكفى بقولهما حجة لنا.
ولنا في ذلك وجهان من الحجج: أحدهما: أن النبي - - كان يعاهد قوماً وهو إلى مداراتهم ومعاهدتهم محتاج؛ لما ذكرنا من قلة أهل الإسلام وضعفهم، فلما أعز الله الإسلام وأكثر أهله ردّ إلى أهل العهود عهودهم، ثم أمر بمحاربتهم جميعاً.
والثاني: ما قال الله - -: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فكانت الحال الثانية التي عز فيها الإسلام وقوي أهله وعزوا مخالفة للحال الأولى في هذه الأشياء، فكذلك أمر المنافقين جائز الرضا في الحال الأول محظور في الحال الثانية، والله أعلم.
وفي الآية دلالة جواز النسخ بالاجتهاد؛ لارتفاع المعنى الذي [به] كان؛ ليعلم أن النسخ قد يكون بوجوه.
وفي خبر أبي بكر، وعمر - ما - دلالة أن إذن الإمام شرط في إحياء الأرض الموات التي لا تملك إلا بالإذن؛ لأن ذَيْنَك الرجلين [اللذين] أتيا أبا بكر، والأرض لا كلأ فيها، وذلك صورة أرض الموات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلرِّقَابِ ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: معناه: العتق، ويجوز أن يعتق عن الزكاة.
وقال بعضهم: هم المكاتبون، يستأدونهم في كتابتهم، وقالوا: لا يشبه الإعتاق ما يدفع إلى المكاتب فيؤدي فيعتق؛ لأن العتق ليس بتمليك، وإنما هو إبطال ملك، وما يدفع إلى المكاتب فهو تمليك، فذلك مختلف، وإنما تكون الزكاة زكاة إذا زالت من مالك إلى مالك.
والثاني: أن العتق يوجب الولاء للمعتق، فحقه فيه باق، والذي يدفع الزكاة إلى مكاتب لغيره لا يرجع إليه بذلك حق، ولا يجب فيه ولاء، فهما مختلفان.
والثالث: وهو أن الله - - [قال]: ﴿ وَٱلْغَارِمِينَ ﴾ ، ولو أن رجلا قضى من غارم دينه بغير أمره، لم يجز من زكاة ماله، وإنما يكون زكاة إذا دفعها إلى الغارم، فعتق المزكي العبد بمنزلة قضاء دين الغارم؛ لأنه لا يحتاج في واحد منهما إلى قبول من الغارم والعبد، وإعطاؤه المكاتب في الزكاة كدفعه إياها إلى الغارم؛ لأنه قد دفعها في كلا الحالين إلى من قبلها منه من زكاة وقبضها، وفي ذلك وجه آخر: وذلك أن أشترى عبداً من رجل لأعتقه، فقد صار ثمنه ديناً في ذمتي قبل أن أنقد المال، فإذا أقبضته فإنما قضيته عن ذمتي ديناً قد لزمني، ولا يجوز أن أقضي ديني.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: هم الغزاة.
ويحتمل: ﴿ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: في طاعة الله أن كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات، فإنه داخل في ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
قيل: الضيف ينزل به.
وقيل: هو المار عليك وإن كان غنيّاً، والمنقطع عن ماله .
وقوله: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل: بياناً من الله وإعلاماً أهل الصدقات منهم من غيرهم.
ويحتمل قوله: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: واجباً من الله وفرضاً ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إنما الزكوات الواجبة يجب أن تصرف للفقراء، وهم المحتاجون الذين لديهم مال من مهنة أو وظيفة، لكنه لا يكفيهم ولا يُتَنَبَّه لحالهم، والمساكين الذين لا يكادون يملكون شِيئًا ولا يَخْفوْنَ على الناس بسبب حالهم أو مقالهم، وللسعاة الذين يرسلهم الإمام لجمعها، وللكفار الذين يُتَأَلَّفون بها ليسلموا، أو لضعفة الإيمان ليقوى إيمانهم، أو لمن يُدْفع بها شره، وتصرف في الأرِقَّاء ليعتقوا بها، وللمدينين في غير إسراف ولا معصية إن لم يجدوا وفاء لما عليهم من دين، وتصرف في تجهيز المجاهدين في سبيل الله، وللمسافر الَّذي انقطعت نفقته.
قَصْر صرف الزكوات على هؤلاء فريضة من الله، والله عليم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره وشرعه.
<div class="verse-tafsir" id="91.gQe97"