الإسلام > القرآن > سور > سورة 95 التين > الآية ١ من سورة التين
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 116 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة التين: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
تفسير سورة والتين والزيتون وهي مكية .
قال مالك وشعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في سفر في إحدى الركعتين بالتين والزيتون ، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه .
أخرجه الجماعة في كتبهم .
اختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة فقيل : المراد بالتين مسجد دمشق .
وقيل : هي نفسها .
وقيل : الجبل الذي عندها .
وقال القرطبي : هو مسجد أصحاب الكهف .
وروى العوفي ، عن ابن عباس : أنه مسجد نوح الذي على الجودي .
وقال مجاهد : هو تينكم هذا .
( والزيتون ) قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد ، وغيرهم : هو مسجد بيت المقدس .
وقال مجاهد وعكرمة : هو هذا الزيتون الذي تعصرون .
القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) فقال بعضهم: عُنِي بالتين: التين الذي يؤكل، والزيتون: الزيتون الذي يُعْصر.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا روح، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم هذا الذي يُعْصر.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت الحكم يحدّث، عن عكرِمة، قال: التين: هو التين، والزيتون: الذي تأكلون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: تينكم وزيتونكم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن أبي رجاء، قال: سُئِل عكرِمة عن قوله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: التين تينكم هذا، والزيتون: زيتونكم هذا.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: التين الذي يؤكل، والزيتون: الذي يعصر.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: الفاكهة التي تأكل الناس.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سلام بن سليم، عن خصيف، عن مجاهد ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: هو تينكم وزيتونكم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، في قوله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: التين الذي يؤكل، والزيتون الذي يُعصر.
حدثنا بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الكلبيّ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) هو الذي ترون.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادة، قال: قال الحسن، فى قوله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) : التين تينكم، والزيتون زيتونكم هذا.
وقال آخرون: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا رَوْح، قال: ثنا عوف، عن يزيد أبي عبد الله، عن كعب أنه قال في قول الله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( وَالتِّينِ ) قال: الجبل الذي عليه دمشق ( وَالزَّيْتُونَ ) : الذي عليه بيت المقدس.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) ذُكر لنا أن التين الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الذي عليه بيت المقدس.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وسألته عن قول الله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون، مسجد إيلياء.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن أبي بكر، عن عكرِمة ( وَالتِّينِ &; 24-503 &; وَالزَّيْتُونِ ) قال: هما جبلان.
وقال آخرون: التين: مسجد نوح، والزيتون: مسجد بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) يعني مسجد نوح الذي بني على الجوديّ، والزيتون: بيت المقدس؛ قال: ويقال: التين والزيتون وطور سينين: ثلاثة مساجد بالشام.
والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: التين: هو التين الذي يُؤكل، والزيتون: هو الزيتون الذي يُعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يُعرف جبل يسمى تينا، ولا جبل يقال له زيتون، إلا أن يقول قائل: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالتين والزيتون.
والمراد من الكلام: القسم بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهبا، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك دلالة في ظاهر التنـزيل، ولا من قول من لا يجوّز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون.
تفسير سورة التينمكية في قول الأكثروقال ابن عباس وقتادة : هي مدنية ، وهي ثماني آياتبسم الله الرحمن الرحيموالتين والزيتونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : والتين والزيتون قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي : هو تينكم الذي تأكلون ، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال الله تعالى : وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين .
وقال أبو ذر : أهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - سل تين فقال : " كلوا " وأكل منه .
ثم قال : " لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه ; لأن فاكهة الجنة بلا عجم ، فكلوها فإنها تقطع البواسير ، وتنفع من النقرس " .
وعن معاذ : أنه استاك بقضيب زيتون ، وقال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة ، يطيب الفم ، ويذهب بالحفر ، وهي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي " .وروي عن ابن عباس أيضا : التين : مسجد نوح - عليه السلام - الذي بني على الجودي ، والزيتون : مسجد بيت المقدس .
وقال الضحاك : التين : المسجد الحرام ، والزيتون المسجد [ ص: 99 ] الأقصى .ابن زيد : التين : مسجد دمشق ، والزيتون : مسجد بيت المقدس .
قتادة : التين : الجبل الذي عليه دمشق : والزيتون : الجبل الذي عليه بيت المقدس .
وقال محمد بن كعب : التين : مسجد أصحاب الكهف ، والزيتون : مسجد إيلياء .
وقال كعب الأحبار وقتادة أيضا وعكرمة وابن زيد : التين : دمشق ، والزيتون : بيت المقدس .
وهذا اختيار الطبري .
وقال الفراء : سمعت رجلا من أهل الشام يقول : التين : جبال ما بين حلوان إلى همذان ، والزيتون : جبال الشام .
وقيل : هما جبلان بالشام ، يقال لهما طور زيتا وطور تينا بالسريانية سميا بذلك ; لأنهما ينبتانهما .
وكذا روى أبو مكين عن عكرمة ، قال : التين والزيتون : جبلان بالشام .
وقال النابغة :صهب الظلال أتين التين عن عرض يزجين غيما قليلا ماؤه شبماوهذا اسم موضع .
ويجوز أن يكون ذلك على حذف مضاف أي ومنابت التين والزيتون .
ولكن لا دليل على ذلك من ظاهر التنزيل ، ولا من قول من لا يجوز خلافه قاله النحاس .وأصح هذه الأقوال الأول ; لأنه الحقيقة ، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل .
وإنما أقسم الله بالتين ; لأنه كان ستر آدم في الجنة لقوله تعالى : يخصفان عليهما من ورق الجنة وكان ورق التين .
وقيل : أقسم به ليبين وجه المنة العظمى فيه فإنه جميل المنظر ، طيب المخبر ، نشر الرائحة ، سهل الجني ، على قدر المضغة .
وقد أحسن القائل فيه :انظر إلى التين في الغصون ضحى ممزق الجلد مائل العنقكأنه رب نعمة سلبت فعاد بعد الجديد في الخلقأصغر ما في النهود أكبره لكن ينادى عليه في الطرقوقال آخر :التين يعدل عندي كل فاكهة إذا انثنى مائلا في غصنه الزاهيمخمش الوجه قد سالت حلاوته كأنه راكع من خشية اللهوأقسم بالزيتون ; لأنه مثل به إبراهيم في قوله تعالى : يوقد من شجرة مباركة زيتونة .
[ ص: 100 ] وهو أكثر أدم أهل الشام والمغرب يصطبغون به ، ويستعملونه في طبيخهم ، ويستصبحون به ، ويداوى به أدواء الجوف والقروح والجراحات ، وفيه منافع كثيرة .
وقال - عليه السلام - : كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة .
وقد مضى في سورة ( المؤمنون ) القول فيه .الثالثة : قال ابن العربي ولامتنان البارئ سبحانه ، وتعظيم المنة في التين ، وأنه مقتات مدخر فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه .
وإنما فر كثير من العلماء من التصريح بوجوب الزكاة فيه ، تقية جور الولاة فإنهم يتحاملون في الأموال الزكاتية ، فيأخذونها مغرما ، حسب ما أنذر به الصادق - صلى الله عليه وسلم - فكره العلماء أن يجعلوا لهم سبيلا إلى مال آخر يتشططون فيه ، ولكن ينبغي للمرء أن يخرج عن نعمة ربه ، بأداء حقه .
وقد قال الشافعي لهذه العلة وغيرها : لا زكاة في الزيتون .
والصحيح وجوب الزكاة فيهما .
(التين) هو التين المعروف، وكذلك { الزَّيْتُونَ } أقسم بهاتين الشجرتين، لكثرة منافع شجرهما وثمرهما، ولأن سلطانهما في أرض الشام، محل نبوة عيسى ابن مريم عليه السلام.
مكية ( والتين والزيتون ) قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وإبراهيم ، وعطاء بن أبي رباح ، ومقاتل ، والكلبي : هو تينكم [ هذا ] الذي تأكلونه ، وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت .
قيل : خص التين بالقسم لأنها فاكهة مخلصة لا عجم لها ، شبيهة بفواكه الجنة .
وخص الزيتون لكثرة منافعه ، ولأنه شجرة مباركة جاء بها الحديث ، وهو ثمر ودهن يصلح للاصطباغ والاصطباح .
وقال عكرمة : هما جبلان .
قال قتادة : " التين " : الجبل الذي عليه دمشق ، و " الزيتون " : الجبل الذي عليه بيت المقدس ، لأنهما ينبتان التين والزيتون .
وقال الضحاك : هما مسجدان بالشام .
قال ابن زيد : " التين " : مسجد دمشق ، و " الزيتون " : مسجد بيت المقدس .
وقال محمد بن كعب : " التين " مسجد أصحاب الكهف ، و " الزيتون " : مسجد إيليا .
«والتين والزيتون» أي المأكولين أو جبلين بالشام ينبتان المأكولين.
أَقْسم الله بالتين والزيتون، وهما من الثمار المشهورة، وأقسم بجبل "طور سيناء" الذي كلَّم الله عليه موسى تكليمًا، وأقسم بهذا البلد الأمين من كل خوف وهو "مكة" مهبط الإسلام.
لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة، ثم رددناه إلى النار إن لم يطع الله، ويتبع الرسل، لكن الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم أجر عظيم غير مقطوع ولا منقوص.
إلا أن خلافهم فى المراد بقوله - تعالى - : ( والتين والزيتون ) ، وقد ذكر الإِمام القرطبى هذا الخلاف فقال ما ملخصه : قوله : ( والتين والزيتون ) : قال ابن عباس وغيره : هو تينكم الذى تأكلون ، وزيتونكم الذى تعصرون منه الزيت .
قال - تعالى - : ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ) وهى شجرة الزيتون .وقال أبو ذر : " أهدى للنبى صلى الله عليه وسلم سلة تين ، فقال : " كلوا " وأكل منها .
ثم قال : " لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة ، لقلت هذه .
.
" " .وعن معاذ : أنه استاك بقضيب زيتون ، وقال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة " .وقال الإِمام ابن جرير بعد أن ساق ملة من الأقوال من المقصود بالتين والزيتون : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، قول من قال : التين : هو التين الذى يؤكل .
والزيتون : هو الزيتون الذى يعصر منه الزيت ، لأن ذلك هو المعروف عند العرب ، ولا يعرف جبل يسمى تينا ، ولا جبل يقال له زيتون .
إلا أن يقول قائل : المراد من الكلام القسم بمنابت التين ، ومنابت الزيتون ، فيكون ذلك مذهبا ، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك ، دلالة فى ظاهر التنزيل ..وما ذهب إليه الإِمامان : ابن جرير والقرطبى ، من أن المراد بالتين والزيتون ، حقيقتهما ، هو الذى نميل إليه ، لأنه هو الظاهر من معنى اللفظ ، ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته ، ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ، فهو صاحب الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .
اعلم أن الإشكال هو أن التين والزيتون ليسا من الأمور الشريفة، فكيف يليق أن يقسم الله تعالى بهما؟
فلأجل هذا السؤال حصل فيه قولان: الأول: أن المراد من التين والزيتون هذان الشيآن المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء.
أما التين فقالوا إنه غذاء وفاكهة ودواء، أما كونه غذاء فالأطباء زعموا أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يلين الطبع ويخرج الترشح ويقلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح مسام الكبد والطحال وهو خير الفواكه وأحمدها، وروى أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه، ثم قال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس وعن علي بن موسى الرضا عليهما السلام: التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج، وأما كونه دواء، فلأنه يتداوى به في إخراج فضول البدن.
واعلم أن لها بعدما ذكرنا خواص: أحدها: أن ظاهرها كباطنها ليست كالجوز ظاهره قشر ولا كالتمر باطنه قشر، بل نقول: إن من الثمار ما يخبث ظاهره ويطيب باطنه، كالجوز والبطيخ ومنه ما يطيب ظاهره دون باطنه كالتمر والإجاص.
أما التين فإنه طيب الظاهر والباطن.
وثانيها: أن الأشجار ثلاثة: شجرة تعد وتخلف وهي شجرة الخلاف، وثانية تعد وتفي وهي التي تأتي بالنور أولاً بعده بالثمر كالتفاح وغيره، وشجرة تبذل قبل الوعد، وهي التين لأنها تخرج الثمرة قبل أن تعد بالورد، بل لو غيرت العبارة لقلت هي شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى، بل لك أن تقول: إنها شجرة تخرج الثمرة قبل أن تلبس نفسها بورد أو بورق، والتفاح والمشمش وغيرهما تبدأ بنفسها، ثم بغيرها، أما شجرة التين فإنها تهتم بغيرها قبل اهتمامها بنفسها، فسائر الأشجار كأرباب المعاملة في قوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وشجرة التين كالمصطفى عليه السلام كان يبدأ بغيره فإن فضل صرفه إلى نفسه، بل من الذين أنثى الله عليهم في قوله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ .
وثالثها: أن من خواص هذه الشجرة أن سائر الأشجار إذا اسقطت الثمرة من موضعها لم تعد في تلك السنة، إلا التين فإنه يعيد البذر وربما سقط ثم يعود مرة أخرى.
ورابعها: أن التين في النوم رجل خير غني فمن نالها في المنام نال مالاً وسعة، ومن أكلها رزقه الله أولاداً.
وخامسها: روى أن آدم عليه السلام لما عصى وفارقته ثيابه تستر بورق التين، وروى أنه لما نزل وكان متزراً بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ورق التين، فرزقها الله الجمال صورة والملاحة معنى وغير دمها مسكاً، فلما تفرقت الظباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها، فلما كانت من الغد جاءت الظباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق فغير الله حالها إلى الجمال دون المسك، وذلك لأن الأولى جاءت لآدم لا إجل الطمع والطائفة الأخرى جاءت للطمع سراً وإلى آدم ظاهرة، فلا جرم غير الظاهر دون الباطن، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة فاكهة من وجه وإدام من وجه ودواء من وجه، وهي في أغلب البلاد لا تحتاح إلى تربية الناس، ثم لا تقتصر منفعتها غذاء بدنك، بل هي غذاء السراج أيضاً وتولدها في الجبال التي لا توجد فيها شيء من الدهنية البتة، وقيل: من أخذ ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى، وقال مريض لابن سيرين: رأيت في المنام كأنه قيل لي: كل اللامين تشف، فقال: كل الزيتون فإنه لا شرقية ولا غربية، ثم قال المفسرون: التي والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة، فوجب إجراء اللفظ على الظاهر، والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما فيهما هذه المصالح والمنافع.
القول الثاني: أنه ليس المراد هاتين الثمرتين، ثم ذكروا وجوهاً أحدها: قال ابن عباس: هما جبلان من الأرض المقدسة، يقال لهما: بالسريانية طور تيناً، وطور زيتاً، لأنهما منبتا التين والزيتون، فكأنه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء، فالجبل المختص بالتين لعيسى عليه السلام.
والزيتون الشأم مبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل، والطور مبعث موسى عليه السلام، والبلد الأمين مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون المراد من القسم في الحقيقة تعظيم الأنبياء وإعلاء درجاتهم.
وثانيها: أن المراد من التين والزيتون مسجدان، ثم قال ابن زيد: التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس، وقال آخرون: التين مسجد أصحاب أهل الكف، والزيتون مسجد إيليا، وعن ابن عباس التين مسجد نوح المبني على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس، والقائلون بهذا القول إنما ذهبوا إليه لأن القسم بالمسجد أحسن لأنه موضع العبادة والطاعة، فلما كانت هذه المساجد في هذه المواضع التي يكثر فيها التين والزيتون، لا جرم اكتفى بذكر التين والزيتون.
وثالثها: المراد من التين والزيتون بلدان، فقال كعب: التين دمشق والزيتون بيت المقدس، وقال شهر بن حوشب: التين الكوفة، والزيتون الشام، وعن الربيع هما جبلان بين همدان وحلوان، والقائلون بهذا القول، إنما ذهبوا إليه لأن اليهود والنصارى والمسلمين ومشركي قريش كل واحد منهم يعظم بلدة من هذه البلاد، فالله تعالى أقسم بهذه البلاد بأسرها، أو يقال: إن دمشق وبيت المقدس فيهما نعم الدنيا، والطور ومكة فيهما نعم الدين.
أما قوله تعالى: ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ فالمراد من الطور الجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام عليه، واختلفوا في سينين والأولى عند النحويين أن يكون سينين وسينا اسمين للمكان الذي حصل فيه الجبل أو أضيفا إلى ذلك المكان، وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عكرمة: الطور الجبل وسينين الحسن بلغة الحبشة، وقال مجاهد: ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ المبارك، وقال الكلبي: هو الجبل المشجر ذو الشجر، وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط قال الواحدي: والأولى أن يكون سينين اسماً للمكان الذي به الجبل، ثم لذلك سمي سينين أو سيناً لحسنه أو لكونه مباركاً، ولا يجوز أن يكون سينين نعتاً للطور لإضافته إليه.
أما قوله تعالى: ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ فالمراد مكة والأمين: الآمن قال صاحب الكشاف: من أمن الرجل أمانة فهو أمين وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمن في قوله: ﴿ حَرَماً ءامِناً ﴾ يعني ذا أمن، وذكروا في كونه أميناً وجوهاً أحدها: أن الله تعالى حفظه عن الفيل على ما يأتيك شرحه إن شاء الله تعالى.
وثانيها: أنها تحفظ لك جميع الأشياء فمباح الدم عند الالتجاء إليها آمن من السباع والصيود تستفيد منها الحفظ عند الالتجاء إليها.
وثالثها: ما روى أن عمر كان يقبل الحجر، ويقول: إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، فقال له علي عليه السلام: إما أنه يضر وينفع إن الله تعالى لما أخذ على ذرية آدم الميثاق كتبه في رق أبيض، وكان لهذا الركن يومئذ لسان وشفتان وعينان، فقال: افتح فاك فألقمه ذلك الرق وقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة إلى يوم القيامة، فقال عمر: لأبقيت في قوم لست فيهم يا أبا الحسن.
<div class="verse-tafsir"
أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة، وروي: أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: «كلوا، فلو قلت إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأنّ فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها.
فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» .
ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيباً واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة» وسمعته يقول: «هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي» وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو تينكم هذا وزيتونكم.
وقيل: جبلان من الأرض المقدّسة يقال لهما بالسريانيّة: طورتينا وطورزيتا، لأنهما منبتا التين والزيتون.
وقيل: ﴿ التين ﴾ جبال ما بين حلوان وهمذان.
و ﴿ الزيتون ﴾ جبال الشام، لأنها منابتهما، كأنه قيل: ومنابت التين والزيتون.
وأضيف الطور: وهو الجبل، إلى سنين: وهي البقعة.
ونحو سينون، يبرون، في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب.
والبلد: مكة حماها الله.
والأمين: من أمن الرجل أمانة فهو أمين.
وقيل: أمان، كما قيل: كرّام في كريم.
وأمانته: أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه.
ويجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمن في قوله تعالى: ﴿ حرماً ءامناً ﴾ [القصص: 57] بمعنى ذي أمن: ومعنى القسم بهذه الأشياء: الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين.
فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه، والطور: المكان الذي نودي منه موسى.
ومكة: مكان البيت الذي هو هدى للعالمين، ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه ﴿ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه.
ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية: أن رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني: أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة، وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات.
أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل: حيث نكسناه في خلقه، فقوّس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشنن جلده وكان بضاً وكلَّ سمعه وبصره وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه: فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف وقرأ عبد الله: ﴿ أسفل السافلين ﴾ .
فإن قلت: فكيف الاستثناء على المذهبين؟
قلت: هو على الأول متصل ظاهر الاتصال، وعلى الثاني: منقطع.
يعني: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم.
فإن قلت: ﴿ فَمَا يُكَذّبُكَ ﴾ من المخاطب به؟
قلت: هو خطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين وإنكاره بعد هذا الدليل، يعني أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء، لأنّ كل مكذب بالحق فهو كاذب، فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً بسبب تكذيب الجزاء.
والباء مثلها في قوله تعالى: ﴿ الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم به مُّشْرِكُونَ ﴾ [النحل: 100] والمعنى: أنّ خلق الإنسان من نطفة، وتقويمه بشراً سوياً وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر: لا ترى دليلاً أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر من الإنسان على هذا كله: لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالجزاء بعد هذا الدليل القاطع.
وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين (8) ﴾ وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قرأها قال: «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة التين أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين ما دام في دار الدنيا، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة» .
سُورَةُ والتِّينِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والتِّينِ والزَّيْتُونِ ﴾ خَصَّهُما مِنَ الثِّمارِ بِالقَسَمِ لِأنَّ التِّينَ فاكِهَةٌ طَيِّبَةٌ لا فَضْلَ لَهُ وغِذاءٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الهَضْمِ، ودَواءٌ كَثِيرُ النَّفْعِ فَإنَّهُ يُلِينُ الطَّبْعَ ويُحَلِّلُ البَلْغَمَ ويُطَهِّرُ الكُلْيَتَيْنِ، ويُزِيلُ رَمْلَ المَثانَةِ ويَفْتَحُ سُدَدَ الكَبِدِ والطِّحالِ، ويُسْمِنُ البَدَنَ وَفِي الحَدِيثِ أنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ ويَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ.
والزَّيْتُونُ فاكِهَةٌ وإدامٌ ودَواءٌ ولَهُ دُهْنٌ لَطِيفٌ كَثِيرُ المَنافِعِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ يَنْبُتُ حَيْثُ لا دُهْنِيَّةَ فِيهِ كالجِبالِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما جَبَلانِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أوْ مَسْجِدا دِمَشْقَ وبَيْتُ المَقْدِسِ، أوِ البَلَدانِ.
﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ يَعْنِي الجَبَلَ الَّذِي ناجى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّهُ وسِينِينُ وسَيْناءُ اسْمانِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي هو فِيهِ.
﴿ وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ أيِ الآمِنِ مِن أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ، أوِ المَأْمُونُ فِيهِ يَأْمَنُ فِيهِ مَن دَخَلَهُ والمُرادُ بِهِ مَكَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَطُورِ سِينِينَ} أضيف الطور وهو الجبل إلى سينين وهي البقعة ونحو سينون بيرون في جواز الإعراب بالواو والياء والإقرار على الياء وتحريك النون بحركات الإعراب
سُورَةُ والتِّينِ ويُقالُ لَها سُورَةُ التِّينِ بِلا واوٍ، مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ وكَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما في البَحْرِ ومَجْمَعِ البَيانِ بِرِوايَةِ المُعَدَّلِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ ما يُوافِقُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، ويُؤَيِّدُهُ إشارَةُ الحُضُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ مَكَّةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ فِيما نَعْلَمُ.
وآيُها ثَمانِي آياتٍ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في السُّورَةِ السّابِقَةِ حالَ أكْمَلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ بِالِاتِّفاقِ بَلْ أكْمَلِ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإطْلاقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ حالَ النَّوْعِ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهُ وما أعَدَّ سُبْحانَهُ لِمَن آمَنَ مِنهُ بِذَلِكَ الفَرْدِ الأكْمَلِ وفَخْرِ هَذا النَّوْعِ المُفَضَّلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَّفَ وعَظُمَ وكَرَّمَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والتِّينِ والزَّيْتُونِ ﴾ ﴿ وطُورِ سِينِينَ ﴾ ﴿ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ إقْسامٌ بِبِقاعٍ مُبارَكَةٍ شَرِيفَةٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، فَأمّا البَلَدُ الأمِينُ فَمَكَّةُ حَماها اللَّهُ تَعالى بِلا خِلافٍ.
وجاءَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: ««وهُوَ مَكانُ البَيْتِ الَّذِي هو هُدًى لِلْعالَمِينَ»».
ومَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَبْعَثُهُ و«الأمِينِ» فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ؛ أيِ الآمِنِ مِن أمُنَ الرَّجُلُ - بِضَمِّ المِيمِ - أمانَةً فَهو أمِينٌ، وجاءَ أمانٌ أيْضًا كَما جاءَ كَرِيمٌ وكِرامٌ ولَمْ يُسْمَعْ آمِنٌ اسْمَ فاعِلٍ، وسُمِعَ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ حَرَمًا آمِنًا ﴾ ) بِمَعْنى ذِي أمْنٍ، وأمانَتُهُ أنْ يُحْفَظَ مَن دَخَلَهُ كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَشْبِيهٌ بِالرَّجُلِ الأمِينِ، وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيِ المَأْمُونِ مِن أمَّنَهُ أيْ: لَمْ يُخِفْهُ.
ونِسْبَتُهُ إلى البَلَدِ مَجازِيَّةٌ، والمَأْمُونُ حَقِيقَةُ النّاسِ؛ أيْ: لا تُخافُ غَوائِلُهم فِيهِ أوِ الكَلامُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ أيِ المَأْمُونُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ، وإقْحامُ اسْمِ الإشارَةِ لِلتَّعْظِيمِ.
وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فالجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُقالُ لَهُ طُورُ سَيْناءَ - بِكَسْرِ السِّينِ والمَدِّ وبِفَتْحِها والمَدِّ - وقَدْ قَرَأ بِالأوَّلِ هُنا بَدَلَ ﴿ سِينِينَ ﴾ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ والحَسَنُ وبِالثّانِي عُمَرُ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ و«طُورِ سَيْنِينَ» بِفَتْحِ السِّينِ وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَدْ قَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وأبُو رَجاءٍ، وفي البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ في أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ؛ فَإنَّ المَعْرُوفَ اليَوْمَ بِطُورِ سِينا ما هو بِقُرْبِ التِّيهِ بَيْنَ مِصْرَ والعَقَبَةِ.
و«سِينِينَ» قِيلَ: اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي فِيها الجَبَلُ أُضِيفَ إلَيْهِ الطُّورُ ويُعامَلُ في الإعْرابِ مُعامَلَةَ بِيرُونَ ونَحْوِهِ فَيُعْرَبُ بِالواوِ والياءِ ويُقَرُّ عَلى الياءِ وتُحَرَّكُ النُّونُ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ.
وقالَ الأخْفَشُ ﴿ سِينِينَ ﴾ جَمْعٌ بِمَعْنى شَجَرٍ واحِدَتُهُ سِينَةٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: طُورُ الأشْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ سِينِينَ ﴾ هو الحَسَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنِ الضَّحّاكِ وكَذَلِكَ أخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بِزِيادَةِ: بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ هو أيْضًا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: سِينِينَ مُبارَكٌ حَسَنٌ ذُو شَجَرٍ، والإضافَةُ عَلى ما ذُكِرَ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ.
وأمّا ( التِّينِ والزَّيْتُونِ ) فَرَوى جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الأوَّلَ مِنهُما الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والثّانِي الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ويُقالُ عَلى ما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حَبِيبٍ الحارِثِ بْنِ مُحَمَّدٍ لِلْأوَّلِ: طُورُ تِينا، ولِلثّانِي طُورُ زِيتًا، وذَلِكَ لِأنَّهُما مَنبَتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، وكانَ الكَلامُ عَلى هَذا إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ؛ بِأنْ يَكُونَ قَدْ تَجَوَّزَ التِّينُ والزَّيْتُونُ عَنْ مَنبِتَيْهِما وشاعَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الفارِسِيِّ أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزَّيْتُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ، ولَعَلَّ إطْلاقَهُما عَلَيْهِما لِأنَّ فِيهِما شَجَرًا مِن جِنْسِهِما.
وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُما دِمَشْقُ وإيلِياءُ بَلَدُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكَأنَّ تَسْمِيَتَها بِذَلِكَ مِن تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِّ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُما مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ ومَسْجِدُ إيلِياءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ وبَيْتُ المَقْدِسِ.
وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُما الكُوفَةُ والشّامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكُوفَةَ بَلْدَةٌ إسْلامِيَّةٌ مَصَّرَها سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ في أيّامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّهُ أرادَ الأرْضَ الَّتِي تُسَمّى اليَوْمَ بِالكُوفَةِ؛ فَقَدْ كانَتْ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ مَنزِلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الكُوفَةَ بَلَدٌ كانَتْ قَبْلُ لَكِنَّها خَرِبَتْ فَجُدِّدَتْ في أيّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: هُما جِبالٌ ما بَيْنَ حُلْوانَ وهَمَذانَ وجِبالِ الشّامِ؛ لِأنَّهُما مَنابِتُهُما وأيًّا ما كانَ فالمُتَعاطِفاتُ مُتَناسِبَةٌ في أنَّ المُرادَ بِها أماكِنُ مَخْصُوصَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِما الشَّجَرانِ المَعْرُوفانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «التِّينُ والزَّيْتُونُ» الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وحَكاهُ في البَحْرِ أيْضًا عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ وخَصَّهُما اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا القَوْلِ بِالإقْسامِ بِهِما مِن بِينَ الثِّمارِ لِاخْتِصاصِهِما بِخَواصَّ جَلِيلَةٍ، فَإنَّ التِّينَ فاكِهَةٌ طَيِّبَةٌ لا فُضْلَ لَها، وغِذاءٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الِانْهِضامِ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أصَحُّ الفَواكِهِ غِذاءً إذا أُكِلَ عَلى الخَلاءِ ولَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ، وهو دَواءٌ كَثِيرُ النَّفْعِ يَفْتَحُ السُّدَدَ، ويُقَوِّي الكَبِدَ ويُذْهِبُ الطُّحالَ وعُسْرَ البَوْلِ وهُزالَ الكُلى والخَفَقانَ والرَّبْوَ وعُسْرَ النَّفَسِ والسُّعالَ وأوْجاعَ الصَّدْرِ وخُشُونَةَ القَصَبَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وعَنْ عَلَيِّ الرِّضا بْنِ مُوسى الكاظِمِ عَلى جَدِّهِما وعَلَيْهِما السَّلامُ أنَّهُ يُزِيلُ نَكْهَةَ الفَمِ ويُطَوِّلُ الشَّعْرَ وهو أمانٌ مِنَ الفالِجِ.
ورَوى أبُو ذَرٍّ أنَّهُ «أُهْدِيَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَبَقٌ مِن تِينٍ فَأكَلَ مِنهُ وقالَ لِأصْحابِهِ: «كُلُوا، فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذِهِ؛ لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عُجْمٍ فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ وتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ»».
ولَمْ أقِفْ لِلْمُحَدِّثِينَ عَلى شَيْءٍ في هَذا الحَدِيثِ، لَكِنْ قالَ داوُدُ الطَّبِيبُ بَعْدَ سَرْدِ نُبْذَةٍ مِن خَواصِّ التِّينِ وفي نَفْعِهِ مِنَ البَواسِيرِ؛ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وذُكِرَ أنَّ نَفْعَهُ مِنَ النِّقْرِسِ إذا دُقَّ مَعَ دَقِيقِ الشَّعِيرِ أوِ القَمْحِ أوِ الحُلْبَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْفَعُ مِنَ الأوْرامِ الغَلِيظَةِ وأوْجاعِ المَفاصِلِ ولَهُ مُفْرَدًا ومُرَكَّبًا خَواصُّ أُخْرى كَثِيرَةٌ، وكَذا لِشَجَرَتِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ الطِّبِّ وما أشْبَهَ شَجَرَتَهُ بِمُؤَثِّرٍ عَلى نَفْسِهِ وبِكَرِيمٍ يَفْعَلُ ولا يَقُولُ.
وأمّا الزَّيْتُونُ فَهو إدامٌ ودَواءٌ وفاكِهَةٌ فِيما قِيلَ، وقالُوا: إنَّ المُكَلَّسَ مِنهُ لا شَيْءَ مِثْلُهُ في الهَضْمِ والتَّسْمِينِ وتَقْوِيَةِ الأعْضاءِ ويَكْفِيهِ فَضْلًا دُهْنُهُ الَّذِي عَمَّ الِاصْطِباحُ بِهِ في المَساجِدِ ونَحْوِها مَعَ ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ كَتَحْسِينِ الألْوانِ وتَصْفِيَةِ الأخْلاطِ وشَدِّ الأعْصابِ وكَفَتْحِ السُّدَدِ وإخْراجِ الدُّودِ والإدْرارِ وتَفْتِيتِ الحَصى وإصْلاحِ الكُلى شُرْبًا بِالماءِ الحارِّ وكَقَلْعِ البَياضِ وتَقْوِيَةِ البَصَرِ اكْتِحالًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وشَجَرَتُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ المَشْهُودِ لَها في التَّنْزِيلِ، وإذا تَتَبَّعْتَ خَواصَّ أجْزائِها ظَهَرَ لَكَ أنَّها أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا.
«وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ مَرَّ بِشَجَرَةِ زَيْتُونٍ فَأخَذَ مِنها سِواكًا فاسْتاكَ بِهِ وقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «نِعْمَ السِّواكُ الزَّيْتُونُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ يُطَيِّبُ الفَمَ ويَذْهَبُ بِالحَفْرَةِ»».
وسَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ««هُوَ سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلِي»».
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ تَفْسِيرَهُما بِما ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ، وكَأنَّ المُرادَ عَلَيْهِ تِينُ تِلْكَ الأماكِنِ المُقَدَّسَةِ وزَيْتُونُها، والغَرَضُ مِنَ القَسَمِ بِتِلْكَ الأشْياءِ الإبانَةُ عَنْ شَرَفِ البِقاعِ المُبارَكَةِ وما ظَهَرَ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَرْجِعُ إلى القَسَمِ بِالأرْضِ المُبارَكَةِ وبِالبَلَدِ الأمِينِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى فَضْلِ البَلَدِ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ وبَيَّنُ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ أنَّهُ فَصَلَ بَرَكَتَيِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ بِذِكْرِ الشَّجَرَتَيْنِ أوْ تَمْرَتَيْهِما، والطُّورُ الَّذِي نُودِيَ مِنهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونابَ المَجْمُوعُ مَنابَ والأرْضِ المُبارَكَةِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، فَظَهَرَ التَّناسُبُ في العَطْفِ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ؛ إذْ عَطَفَ البَلَدَ عَلى مَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها كالفَرْدِ بِهَذا الِاعْتِبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: والأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها دِينًا ودُنْيا، والبَلَدِ الآمِنِ مَن دَخَلَهُ في الدّارَيْنِ وذَلِكَ بَرَكَةٌ يَتَضاءَلُ دُونَها كُلُّ بَرَكَةٍ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أنَّ شَرَفَ تِلْكَ البِقاعِ بِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أيّامًا مَعْدُودَةً، وكَمْ نُوجِيَتْ في البَلَدِ الأمِينِ ثُمَّ قالَ: والحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ أُرِيدَ المَنابِتُ أوِ الشَّجَرُ أنْ يَفُوتَهُ المُناسَبَةُ بَيْنَ الأوَّلَيْنِ والبَلَدِ الأمِينِ؛ لِأنَّ مُناسِبَةَ طُورِ سِينِينَ لِلْبَلَدِ غَيْرُ مُناسَبَتِهِ لَهُما، والكَلامُ مَسُوقٌ لِلْأوَّلِ.
انْتَهى.
فَتَأمَّلْ؛ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.
وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ القَسَمِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ثمان آيات مكيّة قوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وهما مسجدان بالشام، ويقال: هما جبلان بالشام التِّينِ جبل بيت المقدس وَالزَّيْتُونِ جبل بدمشق وقال قتادة: التِّينِ الجبل الذي عليه دمشق وَالزَّيْتُونِ الجبل الذي عليه بيت المقدس.
ويقال: التِّينِ الذي يؤكل.
وروي عن ابن عباس- ما، أنه قال: تينكم وزيتونكم هذا.
وقال مجاهد: هو الذي يؤكل، وهو قول سعيد بن جبير، والشعبي.
ثم قال: وَطُورِ سِينِينَ يعني: الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى، صلوات الله على نبينا وعليه ويقال الطور اسم الجبل سِينِينَ يعني: ذا شجر.
ويقال: التين معناه علي بن أبي طالب- وَالزَّيْتُونِ فاطمة الزهراء بنت رسول الله ، ورضي الله تعالى عنها، وَطُورِ سِينِينَ هما الحسن والحسين سيد الشهداء في دار الدنيا، وهذا لا يصح في اللغة وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ يعني: مكة أمين من أن يهاج فيها، من دخل فيها.
ويقال: الْأَمِينِ لجميع الحيوان الذي لا يجري عليه القلم.
ثم قال عز وجل: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يعني: في أحسن صورة، لأنه يمشي مستوياً، وليس منكوساً، وله لسان ذلق، ويد وأصابع يقبض بها.
قال بعضهم: نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، وقال بعضهم نزلت في كلدة بن أسيد، وقال بعضهم هذا عام.
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ يعني: رددناه بعد القوة والشباب، والحسن إلى الضعف والهرم، يعني: يصير كالصبي في الحال الأولى، يعني: رددناه إلى أرذل العمر.
ويقال: رددناه.
يعني: الفاجر والكافر بعد موته، إلى أسفل السافلين في النار.
<div class="verse-tafsir"
تفسير سورة «التّين»
وهي مكّيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قال ابن عبّاس وغيره: «التين والزيتون» المقْسَمُ بهما هُما المعروفانِ، وقال السهيلي:
أقْسَمَ تعالى بطور تينا، وطور زيتا، وهما جبلانِ عند بيتِ المقدس، وكذلك طور سيناء، ويقال: إن سيناءَ هي الحجارةُ، والطورُ عند أكثر الناسِ هو الجبلُ، وقال الماورديُّ: / ليس كلُّ جبلٍ يقال له: طورٌ إلا أنْ تكونَ فيه الأشجارُ والثمار، وإلا فهو جَبَلٌ فقط، انتهى، وَطُورِ سِينِينَ جبل بالشّام، والْبَلَدِ الْأَمِينِ مكةَ، والقَسَمُ واقع على قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [أي: في أحسن تقويم] «١» ينبغي لَه، وقال بعضُ العلماءِ بالعموم، أي: الإنسانُ أحسنُ المخلوقَاتِ تقويماً، ولَمْ يَرَ قومٌ الحِنْثَ على مَنْ حَلَفَ بالطلاقِ أنَّ زوجتَه أحسنُ من الشمس محتجين بهذهِ الآيةِ، وحسْنُ التقويمِ يشملُ جميعَ محاسنِ الإنسانِ الظاهرةِ والباطنةِ من حسن صورتهِ، وانتصابِ قامَتهِ، وكمالِ عقلهِ، وحسن تمييزِه، والإنسانُ هنا اسمُ جنسٍ، وتقديرُ الكلام: في تقويمِ أحسنَ تقويمٍ لأَن أَحْسَنِ صفةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِي على موصوفٍ.
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ قال قتادةُ وغيره: معناه بالهَرَم وذهولِ العقلِ وهذهِ عِبْرة منصوبةٌ «٢» ، وعبارةُ الثعلبيِّ: فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ قيل: اعتدالهُ واستواءُ شبابهِ، وهو أَحْسَنُ ما يكونُ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ بالهَرَمِ كما قال: إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج: ٥] ، والسافلونَ: الهَرْمَى والزَّمْنَى والذين حَبَسَهُم عذرُهم عن الجهادِ في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل
اللَّه عُذرَهم وأخبرَهم أن لهم أجْرَهم الذي عَمِلُوا قبلَ أن تَذْهَبَ عقولهُم، انتهى، وفي البخاريّ عنه صلّى الله عليه وسلّم «إذا مَرِضَ العبدُ أو سَافرَ كتبَ اللَّه له مثلَ ما كانَ يعملُ مقيماً صحيحاً» وهكذا قال في الذين حَبَسَهُم العذرُ، انتهى، قال- ص-: إِلَّا الَّذِينَ قيلَ: منقطعٌ بناءً على أنَّ مَعْنَى أَسْفَلَ سافِلِينَ: بالهرَم وذهولِ العقْلِ، وقيل متصلٌ بِنَاءً عَلى أَنَّ معْناه في النارِ على كفرِه، انتهى، قال ع «١» : وفي حديثٍ/ عَنْ أنسٍ قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا بَلَغَ المؤْمِنُ خمسينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّه حِسَابَه، فإذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَه الإنَابَة إلَيه، فإذَا بلغَ سبعين أحَبّه أهلُ السَّماءِ، فَإذَا بلغ ثمانين كُتِبَتْ حَسَنَاتُه وتَجاوزَ اللَّهُ عن سيئاتِه، فإذا بلغ تسعينَ غُفِرَتْ ذنُوبُه وشَفَعَ في أهْل بَيْتِه وكَانَ أسيرَ اللَّهِ في أرْضِه، فإذا بلغَ مائةً وَلَمْ يَعْمَل شيئاً كُتِبَ له مثلُ مَا كان يَعْملُ في صحَّتِه ولم تُكْتَبْ عليه سيئة» «٢» ، وفي حديث: «إن المؤمنَ إذا رُدَّ إلى أرذل العمر كُتِبَ له خيرُ ما كانَ يعملُ في قوّتهِ» «٣» .
وذلكَ أجرٌ غير ممنون، ثم قال سبحانه إلزامًا للحُجَّةِ وتوبيخاً للكافرِ: فَما يُكَذِّبُكَ أيها الإنسانُ، أي: فما يَجْعَلُكَ أنْ تُكَذِّبَ بعدَ هذه الحجةِ بالدينِ، وقال قتادة: المعنَى: فمن يكذِّبُكَ يا محمد، فيما تُخْبِرُ به من الجزاءِ والحسابِ «٤» ، وهو الدينُ، بَعْدَ هذه العبر، ويحتمل أن يريد بِالدِّينِ جميعَ دينه وشَرْعِه، ورُوِيَ عن قتادة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كانَ إذا قَرَأَ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ قَال: بَلَى وأنَا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، قالَ ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ وغيره عن أبي هريرة، أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قالَ: «إذا قَرأَ أحدُكم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فَلْيَقُلْ: بلى «٥» وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِين» ومِنْ رواية عبد اللَّه: «إذَا قرأَ أَحَدُكُمْ أَوْ سَمِعَ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [القيامة:
٤٠] فَلْيقُلْ: بلى» «٦» انتهى، ت: وهذان الحديثانِ، وإنْ كَانَ قَدْ ضعَّفُهما ابنُ العربيِّ فهما مما ينبغي ذكرُهما في فضائل الأعمال، والله الموفق بفضله وكرمه.
سُورَةُ التِّينِ وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والتِّينِ والزَّيْتُونِ ﴾ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ التِّينُ المَعْرُوفُ، والزَّيْتُونُ المَعْرُوفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وإبْراهِيمُ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ إنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مُخَلَّصَةٌ مِن شائِبِ التَّنْغِيصِ، وهو يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ مَن هَيَّأهُ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
وجَعَلَ الواحِدَةَ مِنهُ عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِالزَّيْتُونِ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ.
والثّانِي: أنَّ التِّينَ: مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ.
والزَّيْتُونَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ كَعْبٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّهُما جَبَلانِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
والسّادِسُ: أنَّ التِّينَ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونَ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ التِّينَ: جِبالٌ ما بَيْنَ حُلْوانَ إلى هَمَذانَ، والزَّيْتُونَ: جِبالٌ بِالشّامِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
فَأمّا " طُور سِينِينَ " فالطُّورُ: جَبَلٌ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى عَلَيْهِ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ في الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
فَأمّا " سِينِينَ " فَهو لُغَةٌ في سَيْناءَ.
وقَدْ قَرَأ عَلِيٌّ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ " وطُورِ سَيْناءَ " مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً، مَفْتُوحَةَ السِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو حَيْوَةَ: " وطُورِ سِيناءَ " مِثْلَهم إلّا أنَّهم كَسَرُوا السِّينَ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ: " سَيْنِينَ " كَما في المُصْحَفِ، لَكِنَّهُما فَتَحا السِّينَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " سِينِينَ " هو سَيْناءُ.
واخْتَلَفُوا في مَعْناهُ، فَقِيلَ: مَعْناهُ: الحَسَنُ.
وقِيلَ: المُبارَكُ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلشَّجَرِ الَّذِي حَوْلَهُ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٢٠] قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قُرِئَ هاهُنا " وطُورِ سَيْناءَ " وهو أشْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ ﴾ .
وقالَ مُقاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينِينَ، وسَيْناءُ بِلُغَةِ النَّبَطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى " الأمِينُ " الآمِنُ.
والعَرَبُ تَقُولُ لِلْأمِينِ: آمِنٌ.
قالَ الشّاعِرُ: ألَمْ تَعْلَمِي يا أسْمَ ويْحَكِ أنَّنِي حَلَفْتُ يَمِينًا لا أخُونُ أمِينِي يُرِيدُ آمَنِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وفي المُرادِ بِالإنْسانِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كَلَدَةُ بْنُ أُسَيْدٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.
والرّابِعُ: عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهَذا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في أعْدَلِ خَلْقٍ.
والثّانِي: مُنْتَصِبُ القامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والرّابِعُ: في شَبابٍ وقُوَّةٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلى أرْذَلَ العُمُرِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إلى الهَرَمِ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ.
والسّافِلُونَ: هُمُ الضُّعَفاءُ، والزَّمْنى، والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " سافِلِينَ " عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى جَمْعٍ.
تَقُولُ: هَذا أفْضَلُ قائِمٍ، ولا تَقُولُ: قائِمِينَ، لِأنَّكَ تُرِيدُ واحِدًا، فَإذا لَمْ تُرِدْ واحِدًا ذَكَرْتَهُ بِالتَّوْحِيدِ وبِالجَمْعِ.
والثّانِي: إلى النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ.
والمَعْنى: إنّا نَفْعَلُ هَذا بِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ.
تَقُولُ العَرَبُ: أنْفَقَ فُلانٌ مالَهُ عَلى فُلانٍ، وإنَّما أنْفَقَ بَعْضَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى ﴾ لَمْ يُرِدْ كُلَّ مالِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنَ الإنْسانِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِأنَّ مَعْنى الإنْسانِ الكَثِيرُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّهم لا يُرَدُّونَ إلى الخَرَفِ وأرْذَلِ العُمُرِ وإنَّ عُمِّرُوا طَوِيلًا، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ.
وقالَ النَّخْعِيُّ: إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ مِنَ الكِبَرِ ما يَعْجَزُ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ ما كانَ يَعْمَلُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا في وقْتِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ، فَإنَّهم حالَ الكِبَرِ غَيْرُ مَنقُوصِينَ وإنْ عَجَزُوا عَنِ الطّاعاتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّهم لَوْ لَمْ يَسْلُبْهُمُ القُوَّةَ لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ أفْعالِ الخَيْرِ، فَهو يُجْرِي لَهم أجْرَ ذَلِكَ.
والثّانِي: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّهم لا يُرَدُّونَ إلى النّارِ.
وهَذا عَلى القَوْلِ الثّانِي.
وَقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " المَمْنُونِ " في " نْ " [آيَةُ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَما يُكَذِّبُكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ هَذِهِ الحُجَّةِ " بِالدِّينِ " أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالجَزاءِ؟!، وهَذا تَوْبِيخٌ لِلْكافِرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
وزَعَمَ أنَّها نَزَلَتْ في عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ.
والثّانِي: فَمَن يَقْدِرُ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُ خَلْقُنا الإنْسانَ عَلى ما وصَفْنا، قالَهُ الفَرّاءُ.
فَأمّا " الدِّينُ " فَهو الجَزاءُ.
والمُشارُ بِذِكْرِهِ إلى البَعْثِ، كَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِتَقْلِيبِ الأحْوالِ عَلى البَعْثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ أيْ: بِأقْضى القاضِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَحْكُمُ بَيْنَكَ وبَيْنَ مُكَذِّبِيكَ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَتُهُ في تَرْكِهِمْ والإعْراضِ عَنْهم.
ثُمَّ نُسِخَ هَذا المَعْنى بِآيَةِ السَّيْفِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والتِينِ والزَيْتُونِ ﴾ ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ ﴿ وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ ﴾ ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".» وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟
فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ.
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ : « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ.
وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟
قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟
فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".» تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
ابتداء الكلام بالقَسَم المؤكد يؤذن بأهمية الغرض المسوق له الكلام، وإطالةُ القَسَم تشويق إلى المُقْسَم عليه.
والتينُ ظاهرة الثمرة المشهورة بهذا الاسم، وهي ثمرة يشبه شكلها شكل الكمثرى ذات قشر لونه أزرق إلى السواد، تتفاوت أصنافه في قُتومَة قِشره، سهلة التقشير تحتوي على مثل وعاء أبيضَ في وسطه عَسل طيّبٌ الرائحة مخلوط ببزور دقيقة مثل السِمسم الصغير، وهي من أحسن الثمار صورة وطعماً وسهولة مضغ فحالتُها دالة على دقة صنع الله ومؤذنة بعلمه وقدرته، فالقسم بها لأجل دلالتها على صفات إلهية كما يقسم بالاسم لدلالته على الذات، مع الإِيذان بالمنة على الناس إذ خلَق لهم هذه الفاكهة التي تنبت في كل البلاد والتي هي سهلة النبات لا تحتاج إلى كثرة عمل وعلاج.
والزيتونُ أيضاً ظاهرة الثمرة المشهورة ذاتُ الزيت الذي يُعتصر منها فيطعمه الناس ويستصبحُون به.
والقَسَم بها كالقَسَم بالتين من حيث إنها دالّة على صفات الله، مع الإِشارة إلى نعمة خلق هذه الثمرة النافعة الصالحة التي تكفي الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم.
وعلى ظاهر الاسمين للتِّين والزيتون حملهما جمع من المفسرين الأوَّلين ابنُ عباس ومجاهد والحسن وعكرمةُ والنخعي وعطاء وجابر بن زيد ومقاتِل والكلبي وذلك لما في هاتين الثمرتين من المنافع للناس المقتضية الامتنان عليهم بأن خلقها الله لهم، ولكن مناسبة ذكر هذَيْن مع ﴿ طور سنين ﴾ ومع ﴿ البلد الأمين ﴾ تقتضي أن يكون لهما محمل أوفق بالمناسبة فروي عن ابن عباس أيضاً تفسير التين بأنه مَسجد نوح الذي بني على الجُودي بعد الطوفان.
ولعل تسمية هذا الجبل التين لكثرته فيه إذ قد تسمى الأرض باسم ما يكثر فيها من الشجر كقول امرئ القيس: أَمَرْخٌ ديارُهم أم عُشَرْ *** وسمي بالتين موضع جاء في شعر النابغة يصف سحابَات بقوله: صُهْب الظِّلال أتَيْنَ التينَ في عُرُضٍ *** يَزجين غَيماً قَليلاً ماؤُه شَبِما والزيتون يطلق على الجبل الذي بُني عليه المسجد الأقصى لأنه ينبت الزيتون.
وروي هذا عن ابن عباس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب القرظِي.
ويجوز عندي أن يكون القَسَم ب ﴿ التين والزيتون ﴾ معنياً بهما شجر هاتين الثمرتين، أي اكتسب نوعاهما شرفاً من بين الأشجار يكون كثير منه نابتاً في هذين المكانين المقدسين كما قال جرير: أتذكرُ حين تصقِل عارضَيْها *** بفرع بشامة سُقي البشام فدعا لنوع البشام بالسّقي لأجل عود بَشَامَةَ الحَبِيبة.
وأما ﴿ طور سينين ﴾ فهو الجبل المعروف ب«طور سينا».
والطور: الجبل بلغة النبَط وهم الكنعانيون، وعرف هذا الجبل ب ﴿ طور سينين ﴾ لوقوعه في صحراء «سينين»، و«سينين» لغة في سِين وهي صحراء بين مصر وبلاد فلسطين.
وقيل: سينين اسم الأشجار بالنبطية أو بالحبشية، وقيل: معناه الحسن بلغة الحبشة.
وقد جاء تعريبه في العربية على صيغة تشبه صيغة جمع المذكر السالم وليس بجمع، مجاز في إعرابه أن يعرب مثل إعراب جمع المذكر بالواو نيابة عن الضمة، أو الياء نيابة عن الفتحة أو الكسرة، وأن يحكى على الياء مع تحريك نونه بحركات الإِعراب مثل: صِفِّين ويَبْرِين وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والطور وكتاب مسطور ﴾ [الطور: 1، 2].
و ﴿ البلد الأمين ﴾ : مكة، سمي الأمين لأن من دخله كان آمناً، فالأمين فعيل بمعنى مُفعل مثل: «الداعي السمِيع» في بيت عمرو بن معديكرب، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول على وجه الإِسناد المجازي، أي المأمون ساكنوه قال تعالى: ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ [قريش: 4].
والإشارة إليه للتعظيم ولأن نزول السورة في ذلك البلد فهو حاضر بمرأى ومسمع من المخاطبين نظير قوله: ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ [البلد: 1].
وعلى ما تقدم ذكره من المحملين الثانيين للتين والزيتون تتم المناسبة بين الأيمان وتكون إشارة إلى موارد أعظم الشرائع الواردة للبشر، فالتين إيماء إلى رسالة نوح وهي أول شريعة لِرسوللٍ، والزيتون إيماء إلى شريعة إبراهيم فإنه بنى المسجد الأقصى كما ورد في الحديث وقد تقدم في أول الإِسراء، و ﴿ طور سينين ﴾ إيماء إلى شريعة التوراة، و ﴿ البلد الأمين ﴾ إيماء إلى مهبط شريعة الإِسلام، ولم يقع إيماء إلى شريعة عيسى لأنها تكملة لشريعة التوراة.
وقد يكون الزيتون على تأويله بالمكان وبأنه المسجد الأقصى إيماء إلى مكان ظهور شريعة عيسى عليه السلام لأن المسجد الأقصى بناه سليمان عليه السلام فلم تنزل فيه شريعة قبل شريعة عيسى ويكون قوله: ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ إيماء إلى شريعة إبراهيم وشريعة الإِسلام فإن الإِسلام جاء على أصول الحنيفية وبذلك يكون إيماءُ هذه الآية ما صرح به في قوله تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ [الشورى: 13]، وبذلك يكون ترتيب الإيماء إلى شرائع نوح وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام غير جار على ترتيب ظهورها فتوجيه مخالفة الترتيب الذكري للترتيب الخارجي أنه لمراعاة اقتران الاسمين المنقولين عن اسمي الثمرتين، ومقارنة الاسمين الدالين على نوعين من أماكن الأرض، ليتأتى مُحسن مراعاة النظير ومحسن التورية، وليناسب ﴿ سينين ﴾ فواصل السورة.
وفي ابتداء السورة بالقَسَم بما يشمل إرادة مهابط أشهر الأديان الإلهية براعةُ استهلال لغرض السورة وهو أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، أي خلقه على الفطرة السليمة مدركاً لأدلة وجود الخالق ووحدانيته.
وفيه إيماء إلى أن ما خالف ذلك من النحل والملل قد حاد عن أصول شرائع الله كلها بقطع النظر عن اختلافها في الفروع، ويكفي في تقوّم معنى براعة الاستهلال ما يلوح في المعنى من احتمال.
وجملة: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ مع ما عطف عليه هو جواب القسم.
والقَسم عليه يدل على أن التقويم تقويم خفي وأن الرد رد خفيّ يجب التدبر لإِدراكه كما سنبينه في قوله: ﴿ في أحسن تقويم ﴾ .
فلذلك ناسب أن يحقق بالتوكيد بالقسم، لأن تصرفات معظم الناس في عقائدهم جارية على حالة تشبه حالة من ينكرون أنهم خُلقوا على الفطرة.
والخلق: تكوين وإيجاد لشيء، وخلق الله جميع الناس هو أنه خلق أصول الإِيجاد وأوجد الأصول الأولى في بدء الخليقة كما قال تعالى: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ [ص: 75] وخلق أسباب تولد الفروع من الأصول فتناسلت منها ذرياتهم كما قال: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ [الأعراف: 11].
وتعريف ﴿ الإنسان ﴾ يجوز أن يكون تعريف الجنس، وهو التعريف الملحوظ فيه مجموع الماهية مع وجودها في الخارج في ضمن بعض أفرادها أو جميع أفرادها.
ويحمل على معنى: خلقنا جميع الناس في أحسن تقويم.
ويجوز أن يكون تعريف ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الحقيقة نحو قولهم: الرجل خير من المرأة، وقول امرئ القيس: الحرب أول ما تكون فَتية *** فلا يلاحظ فيه أفراد الجنس بل الملحوظ حالة الماهية في أصلها دون ما يعرض لأفرادها مما يغير بعض خصائصها.
ومنه التعريف الواقع في قوله تعالى: ﴿ إن الإنسان خلق هلوعاً ﴾ وقد تقدم في سورة المعارج (19).
والتقويم: جعل الشيء في قَوام (بفتح القاف)، أي عَدل وتسوية، وحسن التقويم أكمله وأليقه بنوع الإِنسان، أي أحسن تقويم له، وهذا يقتضي أنه تقويم خاص بالإِنسان لا يشاركه فيه غيره من المخلوقات، ويتضح ذلك في تعديل القوى الظاهرة والباطنة بحيث لا تكون إحدى قواه موقعة له فيما يفسده، ولا يعوق بعض قواه البعضَ الآخر عن أداء وظيفته فإن غيره من جنسه كان دونه في التقويم.
وحرف ﴿ في ﴾ يفيد الظرفية المجازية المستعارة لمعنى التمكن والمِلك فهي مستعملة في معنى باء الملابسة أو لام الملك، وإنما عدل عن أحد الحرفين الحقيقيين لهذا المعنى إلى حرف الظرفية لإفادة قوة الملابسة أو قوة الملك مع الإِيجاز ولولا الإِيجاز لكانت مساواة الكلام أن يقال: لقد خلقنا الإِنسان بتقويم مكين هُو أحسن تقويم.
فأفادت الآية أن الله كوَّن الإِنسان تكويناً ذاتياً مُتناسباً ما خلق له نوعه من الإِعداد لنظامه وحضارته، وليس تقويم صورة الإِنسان الظاهرة هو المعتبر عند الله تعالى ولا جديراً بأن يقسم عليه إذ لا أثر له في إصلاح النفس، وإصلاح الغير، والإِصلاح في الأرض، ولأنه لو كان هو المراد لذهبت المناسبة التي في القَسَمْ بالتين والزيتون وطور سينين والبلدِ الأمين.
وإنما هو متمّم لتقويم النفس قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» فإن العقل أشرف ما خص به نوع الإنسان من بين الأنواع.
فالمرضيّ عند الله هو تقويم إدراك الإِنسان ونظره العقلي الصحيح لأن ذلك هو الذي تصدر عنه أعمال الجسد إذ الجسم آلة خادمة للعقل فلذلك كان هو المقصود من قوله تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ .
وأما خلق جسد الإِنسان في أحسن تقويم فلا ارتباط له بمقصد السورة ويظهر هذا كمال الظهور في قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ فإنه لو حمل الرد أسفل سافلين على مصير الإِنسان في أرذل العمر إلى نقائص قوته كما فسر به كثير من المفسرين لكان نبوّه عن غرض السورة أشد، وليس ذلك مما يقع فيه تردد السامعين حتى يحتاج إلى تأكيده بالقسم ويدل لذلك قوله بعده: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ [التين: 6] لأن الإِيمان أثر التقويم لعقل الإنسان الذي يلهمه السير في أعماله على الطريق الأقوم، ومعاملةِ بني نوعه السالمين من عدائه معاملة الخير معهم على حسب توافقهم معه في الحق فذلك هو الأصل في تكوين الإِنسان إذا سلم من عوارض عائقة من بعض ذلك مما يعرض له وهو جنين؛ إما من عاهة تلحقه لِمرض أحد الأبوين، أو لفساد هيكله من سقطة أو صدمة في حمله، وما يعرض له بعد الولادة من داء معضل يعرض له يترك فيه اختلال مزاجه فيحرف شيئاً من فطرته كحماقة السوداويين والسُّكريين أو خبال المختبلين، ومما يدخله على نفسه من مساوي العادات كشرب المسكرات وتناول المخدرات مما يورثه على طوللٍ انثلامَ تعقله أو خَوَرَ عزيمته.
والذي نأخذه من هذه الآية أنَّ الإنسان مخلوق على حالة الفطرة الإِنسانية التي فطر الله النوع ليتصف بآثارها، وهي الفطرة الإنسانية الكاملة في إدراكه إدراكاً مستقيماً مما يتأدى من المحسوسات الصادقة، أي الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر، بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة، وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين، بحيث لو جانبتْه التلقينات الضالة والعوائد الذميمة والطبائع المنحرفة والتفكير الضار، أو لو تسلطت عليه تسلطاً ما فاستطاع دفاعها عنه بدلائل الحق والصواب، لجَرى في جميع شؤونه على الاستقامة، ولما صدرت منه إلا الأفعال الصالحة ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويُرخي العنان لهواه وشهوته، فترمي به في الضلالات، أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو الإِطماع فيتابعهم طوعاً أو كرهاً، ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده فيعتاده وينسى الصواب والرشد.
ويفسر هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «ما من مولود إلا يولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه» الحديث؛ ذلك أن أبويه هما أول من يتولى تأديبه وتثقيفه وهما أكثر الناس ملازمة له في صباه، فهما اللذان يُلقيان في نفسه الأفكار الأولى، فإذا سلم من تضليل أبويه فقد سار بفطرته شوطاً ثم هو بعد ذلك عُرضة لعديد من المؤثرات فيه، إنْ خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، واقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على الأبوين لأنهما أقوى أسباب الزج في ضلالتهما، وأشد إلحاحاً على ولدهما.
ولم يعرج المفسرون قديماً وحديثاً على تفسير التقويم بهذا المعنى العظيم فقصروا التقويم على حسن الصورة.
وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي وإبراهيم وأبي العالية، أو على استقامة القامة.
وروي عن ابن عباس، أو على الشباب والجلادة، وروي عن عكرمة وابن عباس.
ولا يلائم مقصد السورة إلا أن يتأول بأن ذلك ذكر نعمة على الإنسان عكس الإنسان شكرها فكفر بالمنعم فرد أسفل سافلين، سوى ما حكاه ابن عطية عن الثعلبي عن أبي بكر بن طاهر أنه قال: «تقويم الإنسان عقله وإدراكه اللذان زيّناه بالتمييز» ولفظه عند القرطبي قريب من هذا مع زيادة يتناول مأكوله بيده وما حكاه الفخر عن الأصم أن ﴿ أحسن تقويم ﴾ أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان».
وتفيد الآية أن الإِنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح لنفسه وكراهة ما يظنّه باطلاً أو هلاكاً، ومحبة الخير والحسن من الأفعال لذلك تراه يسر بالعدل والإِنصاف، وينصح بما يراه مجلبة لخير غيره، ويغيث الملهوف ويعامل بالحسنى، ويغار على المستضعفين، ويشمئزّ من الظلم ما دام مجرداً عن رَوْم نفع يجلبه لنفسه أو إرضاء شهوة يريد قضاءها أو إشفاء غضب يجيش بصدره، تلك العوارض التي تحول بينه وبين فطرته زمناً، ويهش إلى كلام الوعّاظ والحكماء والصالحين ويكرمهم ويعظمهم ويودّ طول بقائهم.
فإذا ساورتْه الشهوة السيئة فزينت له ارتكاب المفاسد ولم يستطع ردها عن نفسه انصرف إلى سوء الأعمال، وثقْل عليه نصح الناصحين، ووعظُ الواعظين على مراتب في كراهية ذلك بمقدار تحكم الهوى في عقله.
ولهذا كان الأصل في الناس الخيرَ والعدالة والرشد وحسن النية عند جمهور من الفقهاء والمحدِّثين.
وجملة: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ فهي في حيّز القَسَم.
وضمير الغائب في قوله: ﴿ رددناه ﴾ عائد إلى الإِنسان فيجري فيه الوجهان المتقدمان من التعريف.
و ﴿ ثم ﴾ لإفادة التراخي الرُّتْبي كما هو شأنها في عطف الجمل، لأن الرد أسفل سافلين بعد خلقه محوطاً بأحسن تقويم عجيب لما فيه من انقلاب ما جُبل عليه، وتغييرُ الحالة الموجودة أعجب من إيجاد حالة لم تكن، ولأنّ هذه الجملة هي المقصود من الكلام لتحقيق أن الذين حادوا عن الفطرة صاروا أسفل سافلين.
والمعنى: ولقد صيرناه أسفل سافلين، أو جعلناه في أسفل سافلين.
والرد حقيقته إرجاع ما أخذ من شخص أو نُقل من موضع إلى ما كان عنده، ويطلق الرد مجازاً على تصيير الشيء بحالة غير الحالة التي كانت له مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق عن التقييد كما هنا.
و ﴿ أسفل ﴾ : اسم تفضيل، أي أشدَّ سفالة، وأضيف إلى ﴿ سافلين ﴾ ، أي الموصوفين بالسفالة.
فالمراد: أسفل سافلين في الاعتقاد بخالقه بقرينة قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ [التين: 6].
وحقيقة السفالة: انخفاض المكان، وتطلق مجازاً شائعاً على الخسة والحقارة في النفس، فالأسفل الأشد سفالة من غيره في نوعه.
والسافلون: هم سفلة الاعتقاد، والإِشراكُ أسفل الاعتقاد فيكون ﴿ أسفل سافلين ﴾ مفعولاً ثانياً ل ﴿ رددناه ﴾ لأنه أجري مجرى أخوات صار.
والمعنى: أن الإِنسان أخذ يغير ما فطر عليه من التقويم وهو الإِيمان بإله واحد وما يقتضيه ذلك من تقواه ومراقبته فصار أسفل سافلين، وهل أسفلُ ممن يعتقد إلهية الحجارة والحيواننِ الأبكم مِن بقر أو تماسيح أو ثعابين أو من شجر السَّمُر، أو مَن يحسب الزمان إلها ويسميه الدهر، أو من يجحد وجود الصانع وهو يشاهد مصنوعاته ويحس بوجود نفسه قال تعالى: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ [الذاريات: 21].
فإن ملت إلى جانب الأخلاق رأيت الإِنسان يبلغ به انحطاطه إلى حضيض التسفل، فمِن مَلَق إذا طمِع، ومن شُحّ إذا شجع، ومن جزع إذا خاف، ومن هلع، فكم من نفوس جُعلت قرابين للآلهة، ومن أطفال موءودة، ومن أزواج مقذوفة في النار مع الأموات من أزواجهن، فهل بعد مثل هذا من تسفل في الأخلاق وأفن الرأي.
وإسناد الرد إلى الله تعالى إسناد مجازي لأنه يكوّن الأسبابَ العالية ونظامَ تفاعلها وتقابلها في الأسباب الفرعية، حتى تصل إلى الأسباب المباشرة على نحو إسناد مدّ وقبض الظل إليه تعالى في قوله: ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ﴾ [الفرقان: 45، 46] وعلى نحو الإِسناد في قول الناس: بنَى الأمير مدينةَ كذا.
ويجوز أن يكون ﴿ أسفل سافلين ﴾ ظرفاً، أي مكاناً أسفلَ مَا يسكنه السافلون، فإضافة ﴿ أسفل ﴾ إلى ﴿ سافلين ﴾ من إضافة الظرف إلى الحالِّ فيه، وينتصب ﴿ أسفل ﴾ ب ﴿ رددناه ﴾ انتصاب الظرف أو على نزع الخافض، أي إلى أسفل سافلين، وذلك هو دار العذاب كقوله: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ [النساء: 145] فالرد مستعار لمعنى الجعل في مكان يستحقه، وإسناد الرد إلى الله تعالى على هذا الوجه حقيقي.
وأحسب أن قوله تعالى: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ انتزَع منه مالك رحمه الله ما ذكره عياض في «المدارك» قال: قال ابن أبي أويس: قال مالك: أقبلَ عليَّ يوماً ربيعة فقال لي: مَن السَّفلة يا مالك؟
قلت: الذي يأكل بدينه، قال لي: فمن سفلة السفلة؟
قلت: الذي يأكل غيرُه بدينه.
فقال: (زِهْ) وصدَرني (أي ضرب على صدرِي يعني استحساناً).
وأنَّ المشركين كانوا أسفل سافلين لأنهم ضلّلهم كبراؤهم وأيمتهم فسوّلوا لهم عبادة الأصنام لينالوا قيادتهم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ التِّينِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والتِّينِ والزَّيْتُونِ ﴾ هُما قَسَمانِ، وفِيهِما ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُما التِّينُ والزَّيْتُونُ المَأْكُولانِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ التِّينَ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ وابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ الحارِثُ وابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ التِّينُ، والجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ الزَّيْتُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهُما جَبَلانِ بِالشّامِ يُقالُ لِأحَدِهِما طُورُ زَيْتا، ولِلْآخَرِ طُورُ تِينا، وهو تَأْوِيلُ الرَّبِيعِ.
وَحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُما جَبَلانِ بَيْنَ حُلْوانَ وهَمْدانَ، وهو بَعِيدٌ.
السّادِسُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ إيلِيّا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّابِعُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّامِنُ: أنَّهُ أرادَ بِهِما نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ الَّتِي مِنها التِّينُ والزَّيْتُونُ، لِأنَّ التِّينَ طَعامٌ، والزَّيْتُونَ إدامٌ.
﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ وهو قَسَمٌ ثالِثٌ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ سِينِينَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحُسْنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، ونَطَقَتْ بِهِ العَرَبُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ المُبارَكُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ البَحْرِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلشَّجَرِ الَّذِي حَوْلَهُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
﴿ وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ يَعْنِي بِالبَلَدِ مَكَّةَ وحَرَمَها، وفي الأمِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الآمِنُ أهْلُهُ مِن سَبْيٍ أوْ قَتْلٍ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَكُفُّ عَنْهُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ تَسْبِيَ فِيهِ أحَدًا أوْ تَسْفِكَ فِيهِ دَمًا.
الثّانِي: يَعْنِي المَأْمُونَ عَلى ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن مَعالِمِ الدِّينِ، وهَذا قَسَمٌ رابِعٌ.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ وفي المُرادِ بِالإنْسانِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ عُمُومَ النّاسِ، وذَكَرَ الإنْسانَ عَلى وجْهِ التَّكْثِيرِ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِما يَعُمُّ لِجَمِيعِ النّاسِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنْسانًا بِعَيْنِهِ عَناهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وإنْ كانَ صِفَةَ النّاسِ.
واخْتُلِفَ فِيمَن أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى كَلَدَةَ بْنَ أُسَيْدٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أبا جَهْلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الخامِسُ: أنَّهُ عَنى رَسُولَ اللَّهِ .
وفي قَوْلِهِ ﴿ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أعْدَلِ خَلْقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: في شَبابٍ وقُوَّةٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: مُنْتَصِبَ القامَةِ، لِأنَّ سائِرَ الحَيَوانِ مُنْكَبٌّ غَيْرَ الإنْسانِ، فَإنَّهُ مُنْتَصِبٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أيْ في أكْمَلِ عَقْلٍ، لِأنَّ تَقْوِيمَ الإنْسانِ بِعَقْلِهِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ.
﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى الهَرَمِ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ، ويَكُونُ أسْفَلُ بِمَعْنى بَعْدَ التَّمامِ.
الثّانِي: بَعْدَ الكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ، ويَكُونُ أسْفَلُ السّافِلِينَ مَحْمُولًا عَلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إلى ضَعْفِ التَّمْيِيزِ بَعْدَ قُوَّتِهِ.
﴿ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَنقُوصٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الشّاعِرُ يا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ غَيْرِ مَمْنُونٍ.
.
.
.
.
.
.
.
.
الثّانِي: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: غَيْرُ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ والأذى، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الخامِسُ: أجْرٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَحُكِيَ أنَّ مَن بَلَغَ الهَرَمَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ ما عَجَزَ عَنْهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.
السّادِسُ: أنْ لا يَضُرَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم ما عَمِلَهُ في كِبْرِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الجَزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا ∗∗∗ دانَتْ أوائِلَهم في سالِفِ الزَّمَنِ ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ لِمَنِ اعْتَرَفَ مِنَ الكَفّارِ بِصانِعٍ قَدِيمٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً بِالحَقِّ وعَدْلًا بَيْنَ الخَلْقِ وفِيهِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلِمَ يُنْكِرُونَ مَعَ هَذِهِ الحالِ البَعْثَ والجَزاءَ.
وَكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا قَرَأ ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ قالَ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ، ونَخْتارُ ذَلِكَ.
أخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال: أنزلت سورة ﴿ والتين ﴾ بمكة.
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فصلى العشاء، فقرأ في إحدى الركعتين ب ﴿ والتين والزيتون ﴾ ، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد في مسنده والطبراني عن عبدالله بن يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب ب ﴿ والتين والزيتون ﴾ .
وأخرج الخطيب عن البراء بن عازب قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فقرأ ﴿ والتين والزيتون ﴾ .
وأخرج ابن قانع وابن السكن والشيرازي في الألقاب عن زرعة بن خليفة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم من اليمامة، فعرض علينا الإِسلام، فأسلمنا، فلما صلينا الغداة قرأ ب ﴿ والتين والزيتون ﴾ و ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ .
أخرج الخطيب وابن عساكر بسند فيه مجهول عن الزهري عن أنس قال: لما نزلت سورة ﴿ والتين ﴾ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بها فرحاً شديداً حتى تبين لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال: التين بلاد الشام، والزيتون بلاد فلسطين ﴿ وطور سينين ﴾ الذي كلم الله موسى عليه، ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ عبدة اللات والعزى ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ﴾ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﴿ فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ إذا بعثك فيهم نبياً وجمعك على التقوى يا محمد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والتين ﴾ قال: مسجد نوح الذي بني بأعلى الجودي ﴿ والزيتون ﴾ قال: بيت المقدس ﴿ وطور سينين ﴾ قال: مسجد الطور ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ قال: مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ يقول: يرد إلى أرذل العمر، كبر حتى ذهب عقله، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تسفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ يقول: بحكم الله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والتين والزيتون ﴾ قال: هما المسجدان مسجد الحرام ومسجد الأقصى، حيث أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وطور سينين ﴾ الجبل الذي صعده موسى ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في انتصاب لم يخلق منكبّاً على وجهه ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: أرذل العمر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ والتين ﴾ قال: التين الجبل الذي عليه دمشق ﴿ والزيتون ﴾ الذي عليه بيت المقدس ﴿ وطور سينين ﴾ قال: جبل بالشام مبارك حسن ذو شجر ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ قال: مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: وقع القسم هاهنا ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: جهنم ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ يقول: استيقن فقد جاءك من الله البيان.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبدالله قال: ﴿ التين ﴾ مسجد دمشق ﴿ والزيتون ﴾ بيت المقدس ﴿ وطور سينين ﴾ جبل موسى ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ البلد الحرام.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: ﴿ التين ﴾ مسجد أصحاب الكهف ﴿ والزيتون ﴾ مسجد إيليا ﴿ وطور سينين ﴾ مسجد الطور ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ مكة.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ والتين والزيتون ﴾ مسجدان بالشام ﴿ وطور سينين ﴾ قال: الطور الجبل وسينين الحسن.
وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن كعب الأحبار في قوله: ﴿ والتين ﴾ الآية، قال: ﴿ التين ﴾ دمشق ﴿ والزيتون ﴾ بيت المقدس ﴿ وطور سينين ﴾ الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ﴿ والبلد الأمين ﴾ مكة.
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي حبيب الحارث بن محمد قال: أربعة جبال مقدسة بين يدي الله تعالى: طور زيتا وطور سينا وطور تينا وطور تيما.
وهو قول الله: ﴿ والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين ﴾ فأما طور زيتا فبيت المقدس، وأما طور سينا فالطور، وأما طور تينا فدمشق، وأما طور تيما فمكة.
وأخرج ابن المنذر عن زيد بن ميسرة مثله.
وفيه وطور سينا حيث كلم الله موسى.
وأخرج ابن عساكر عن الحكم ﴿ والتين ﴾ دمشق ﴿ والزيتون ﴾ فلسطين ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ مكة.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس ﴿ والتين والزيتون ﴾ قال: الفاكهة التي يأكلها الناس ﴿ وطور سينين ﴾ قال: الطور الجبل وسينين المبارك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والتين والزيتون ﴾ قال: الفاكهة التي يأكل الناس ﴿ وطور سينين ﴾ قال: الطور الجبل وسينين المبارك ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ قال: مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في أحسن صورة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: في النار ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: إلا من آمن ﴿ فلهم أجر غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وطور سينين ﴾ قال: هو الحسن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ سينين ﴾ هو الحسن بلسان الحبشة.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع في قوله: ﴿ والتين والزيتون وطور سينين ﴾ قال: الجبل الذي عليه التين والزيتون.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله «أن خزيمة بن ثابت، وليس بالأنصاري سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البلد الأمين فقال: مكة» .
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن عمرو بن ميمون قال: صليت خلف عمر بن الخطاب المغرب فقرأ في الركعة الأولى: ﴿ والتين والزيتون وطور سينا ﴾ قال: وهكذا هي قراءة عبدالله وقرأ في الركعة الثانية ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ [ الفيل: 1] ﴿ ولئلاف قريش ﴾ [ قريش: 1] جمع بينهما، ورفع صورته، فقدرت أنه رفع صورته تعظيماً للبيت.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في أعدل خلق ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ يقول: إلى أرذل العمر ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ﴾ غير منقوص يقول: فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر، وكان يعمل في شبابه عملاً صالحاً كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه، ولم يضره ما عمل في كبره، ولم يكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: خلق كل شيء منكباً على وجهه إلا الإِنسان ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ إلى أرذل العمر ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية قال: فأيما رجل كان يعمل عملاً صالحاً وهو قويّ شاب فعجز عنه جرى له أجر ذلك العمل حتى يموت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ والتين ﴾ قال: هو هذا التين ﴿ والزيتون ﴾ قال: هو هذا الزيتون ﴿ وطور سينين ﴾ قال: الطور الجبل وسينين هو الحسن بالحبشة ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ قال: مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: شباب وشدة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: رد إلى أرذل العمر ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ﴾ قال: يوفيه الله أجره وعمله فلا يؤاخذه إذا رد إلى أرذل العمر، وفي لفظ، قال: من رد منهم إلى أرذل العمر جرى له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه، فذلك الأجر غير ممنون، قال: ولا يمن به عليهم.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ والتين والزيتون ﴾ قال: تينكم هذا الذي تأكلون وزيتونكم هذا الذي تعصرون ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في أحسن صورة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: في نار جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ يقول: في أحسن صورة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: في النار في شر صورة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن إبراهيم ﴿ قد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في أحسن صورة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: إلى أرذل العمر، فإذا بلغوا ذلك كتب لهم من العمل مثل ما كانوا يعملون في الصحة.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: عز وجل ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: هذا الكافر من الشباب إلى الكبر ومن الكبر إلى النار.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت علي بن أبي طالب وهو يقول: فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل ** عن الشعث والعدوان في أسفل السفل وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: إلى أرذل العمر.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وذلك قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: إلا الذين قرؤوا القرآن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: كان يقال من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: الهرم لم يجعل فيه قوّة ما كان ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ [ النحل: 70] قال: ولا ينزل تلك المنزلة أحد قرأ القرآن، وذلك قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال: هم أصحاب القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ يقول: إلى الكبر وضعفه فإذا ضعف وكبر عن العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته.
وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان العبد على طريقة من الخير فمرض أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل، ثم قرأ ﴿ فلهم أجر غير ممنون ﴾ » .
وأخرج البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فلهم أجر غير ممنون ﴾ قال: «غير ممنون ما يكتب لهم صاحب اليمين فإن عمل خيراً كتب له صاحب اليمين، وإن ضعف عن ذلك كتب له صاحب اليمين، وأمسك صاحب الشمال، فلم يكتب سيئة، ومن قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً» .
وأخرج ابن عساكر عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد يقال لصاحب الشمال: ارفع عنه القلم، ويقال لصاحب اليمين: اكتب له أحسن ما كان يعمل، فإني أعلم به وأنا قيدته» .
وأخرج الطبراني عن شداد بن أوس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب عز وجل: إني أنا قيدته وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك وهو صحيح» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن منصور قال: قلت لمجاهد ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ و ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين ﴾ [ الماعون: 1] عنى به النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال: معاذ الله إنما عني به الإِنسان.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» .
وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى على هذه الآية ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ يقول: سبحانك فبلى» .
وأخرج الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة يرويه: «من قرأ ﴿ والتين والزيتون ﴾ فقرأ ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأت ﴿ والتين والزيتون ﴾ فقرأت ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فقل بلى» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ قال: سبحانك اللهم فبلى.
﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾ وقال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وعلى هذا إنما ذكر الله تعالى هذا القسم بالتين؛ لأنه فاكهة مخلصة من [شوائب] (٩) (١٠) (١١) وقد روى أبو ذر أن النبي - - قال في التين: "لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم (١٢) (١٣) (١٤) وأما الزيتون فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع [الاصطباغ] (١٥) وقال قتادة: التين الجبل الذي عليه دمشق (١٦) (١٧) (١٨) ونحو هذا قال ابن زيد؛ إلا أنه خص المسجدين فقال: التين مسجد دمشق، والزيتون (مسجد) (١٩) (٢٠) وروى (أبو مكين (٢١) (٢٢) (٢٣) وحكى الفراء قال: سمعت رجلاً (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) و"الزيتون" جبال الشام (٢٨) (٢٩) وعلى هذا سميت هذه الأمكنة بالزيتون والتين، لأنها تنبتهما، وهي منابت لها (٣٠) فيجوز أن يكونْ على حذف المضاف، بتقدير: ومنابت التين والزيتون (٣١) ويجوز أن يكون قد أطلق عليها اسم ما تنبته.
(١) ورد قوله في "معاني القرآن" للفرء: 3/ 276، و"الكشف والبيان" 13/ 117/ ب من غير ذكر طريق الكلبي، و"بحر العلوم" 3/ 491، و"معالم التنزيل" 4/ 504، وعزاه إلى ابن عباس، والكلبي، و"المحرر الوجيز" 5/ 499، و"زاد المسير" 8/ 274 ولم يذكر طريق الكلبي، و"التفسير الكبير" 32/ 8 من غير ذكر الكلبي، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 110 ونسبه إلى ابن عباس والكلبي، و"لباب التأويل" 4/ 390 من غير ذكر الكلبي.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣) ورد بنحو من قوله في "جامع البيان" 30/ 238، و"الكشف والبيان" 13/ 117 ب، و"النكت والعيون" 6/ 300، و"معالم التنزيل" 4/ 504، و"المحرر الوجيز" 5/ 499، و"زاد المسير" 8/ 274، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 110، و"الدر المنثور" 8/ 557 وعزاه إلى عبد بن حميد، و"التحرير والتنوير" 30، 420، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 429.
(٤) المراجع السابقة عدا "جامع البيان"، و"النكت والعيون"، و"تفسير الحسن البصري"، وانظر أيضًا "تفسير الإمام مجاهد" ص 737.
(٥) ورد معنى قوله في "جامع البيان" 30/ 238، و"الكشف والبيان" 13/ 117 ب، و"النكت والعيون" 6/ 300، و"زاد المسير" 8/ 274، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 110، و"التحرير والتنوير" 30/ 420.
(٦) المراجع السابقة، وانظر: "المحرر الوجيز" 5/ 499.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٨) "تفسير مقاتل" 244 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 117 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 504 "المحرر الوجيز" 5/ 499، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 110.
(٩) (شايب) هكذا وردت في النسختين، وأثبت ما جاء في "الوسيط" 4/ 523 لسلامة السياق به.
(١٠) (التنغيص): أي كَدَّره.
"مختار الصحاح" ص 670 (نغص).
(١١) في (ع): (عن).
(١٢) العَجَمُ: النَّوى، نوى التمر والنبق، و"لسان العرب" 12/ 391 (عجم).
(١٣) "البواسير" مفرده الباسور، وهي عِلَّة تحدث في المقعدة، وفي داخل الأنف أيضًا.
"الصحاح" 2/ 589 (بسر)، وانظر: "لسان العرب" 4/ 59 (بسر).
(١٤) النقرس: مرض مزمن يؤدي إلى أورام شديدة في المفاصل، ويأتي نتيجة فشل == الجسم في أداء مهمته الطبيعية لتحليل أنواع معينة من البروتين مما ينتج عنه زيادة كبيرة في حمض اليوريك تتجمع في الدم، وداء المفاصل، ويعتبر الاستعداد للإصابة بالنقرس وراثيًا، وليس للنقرس علاج حتى الآن، إلا أن السيطرة عليه ممكنة باتباع التعليمات بشكل دائم مستمر، و"الموسوعة العربية العالمية" 25/ 356.
ووردت الرواية في "الكشف والبيان" 13/ 118 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 499، و"الكثساف" 4/ 222، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 110، قال ابن حجر في "الكافي" 4/ 186، الحديث أخرجه أبو نعيم في الطب، والثعلبي من حديث أبي ذر، وفي إسناده من لا يعرف.
(١٥) في: (أ)، (ع) (الاصطباح)، هكذا وردت في النسختين، ولم أتوصل لمعرفة معناه، فأثبت ما جاء في النسخة المطبوعة "للوسيط" 4/ 523.
(١٦) دمشق: عاصمة الجمهورية العربية السورية، وأكبر مدينة في البلاد السورية على الإطلاق، وهي أكثر المدن السورية سكانًا بسبب الهجرة الكثيفة إليها من المناطق المجاورة، والمدن الأخرى، يخترقها نهر بردى، وتحيط بها بساتين الغوطة، وتشتهر دمشق القديمة بأسواقها المسقوفة، وأهمها سوق الحميدية، وسوق مدحت باشا، وسوق الحرير، أشهر مساجدها الجامع الأموي، ومسجد السنانية، ومن المساجد الحديثة: الجامع الأكرمي في حي المزة، وتعتبر الغوطة برمها منتزهاً لأهالي دمشق بالإضافة إلى حدائق وادي بردى.
وقد قيل لقد سميت دمشق لأنهم دَمشَقوا في بنائها أي أسرعوا.
انظر: "للموسوعة العربية العالمية" 10/ 368 - 372، وانظر: "معجم البلدان" 2/ 463.
(١٧) بيت المقدس: هي مدينة مرتفعة على جبال يُصعد إليها من كل مكان يقصدها المقاصد من فلسطين، وبها المسجد الأقصى، وليس في بيت المقدس ماء جار سوى عيون لا ينتفع المزروع بها، وهي من أخصب بلاد فلسطين على مر الأوقات، وفي سورها موضع يعرف بمحراب داود النبي ، وهو بنية مرتفعة ارتفاعها نحو خمسين ذراعاً من الحجارة، وبأعلى بناء كالحجرة، وهو المحراب.
انظر: "المسالك والممالك" للأصطخري ص 56، و"صورة الأرض" لابن حوقل ص 158.
(١٨) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 382، و"جامع البيان" 30/ 239، و"بحر العلوم" 3/ 491، و"الكشف والبيان" 13/ 118 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 504، و "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 111، و"البحر المحيط" 8/ 489، و"الدر المنثور" 8/ 545 ونسبه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر، و"فتح القدير" 5/ 464.
(١٩) ساقط من (أ).
(٢٠) "جامع البيان" 30/ 239، و"النكت والعيون" 6/ 300، و"معالم التنزيل" 4/ 504، و"المحرر الوجيز" 5/ 499، و"زاد المسير" 8/ 275، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 111، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 563، و"فتح القدير" 5/ 564.
(٢١) أبو مكين: نوح بن ربيعة الأنصاري؛ مولاهم، روى عن عكرمة مولى ابن عباس، وعنه الحكم بن أبان.
صدوق.
انظر: "التاريخ الكبير" 8/ 111: ت 2383، و"تهذيب الكمال" 3/ 50 ت 6492، و"تقريب التهذيب" 2/ 308: ت 166.
(٢٢) ساقط من (أ).
(٢٣) "جامع البيان" 30/ 239 من طريق أبي بكر عن عكرمة، و"الكشف والبيان" 13/ 118/ أ، و"زاد المسير" 8/ 275.
(٢٤) رجل من أهل الشام هكذا جاء في المعاني.
(٢٥) حُلوان: لعله يراد به حلوان العراق، وهي بلدة تاريخية، تقع في شمال الجزيرة، قيل: كانت كبرى مدن العراق بعد بغداد، والكوفة، والبصرة، وواسط، وسامراء، استولى عليها جرير بن عبد الله عام 19 هـ، فهرب منها يزدجرد إلى أصبهان، أكثر ثمارها التين، وهي بقرب الجبل، وليس للعراق مدينة بقرب الجبل غيرها.
"القاموس الإسلامي" أحمد عطية: 2/ 114.
وانظر: "معجم البلدان" 2/ 290.
(٢٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (ع)، وفي (أ): (حوالي)، والمثبت من مصدر القول من معاني الفراء.
(٢٧) هَمَذَان: من مدن فارس، وتعد أكبر المدن الجبلية فيها، عذب ماؤها، طيب هواؤها، فتحها المغيرة بن شعبة (في سنة 24 هـ.
انظر: "معجم البلدان" 5/ 410 وما بعدها، و"مراصد الاطلاع" للبغدادي 3/ 1464.
(٢٨) "معاني القرآن" 3/ 276 بيسير من التصرف.
(٢٩) الشام: بفتح أوله، وسكون همزته أو فتحها، ولغة ثالثة بغير همز، وفي تسميتها بالشام أوجه منها: أنها مأخوذة من اليد الشؤمى، وهي اليسرى؛ لأنها عن يسار الكعبة، وقيل: الشام جمع شامة؛ سميت بذلك لكثرة قراها، وتداني بعضها من بعض، فشبهت بالشامات، وقيل غير ذلك، وبها من أمهات المدن: منبج، وحلب، وحماة، وحمص، ودمشق، وبيت المقدس.
ومن سواحلها: عكا، وصور، وعسقلان، وغير ذلك، وكانت تتكون فيما سبق من سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن، ولكن منذ العرب العالمية الأولى انقسم هذا الإقليم إلى وحدات سياسية هي: سوريا، ولبنان، وفلسطين، وشرق الأردن.
انظر: "معجم البلدان" 3/ 311، و"مراصد الاطلاع" 3/ 775، و"صورة الأرض" لابن حوقل 153، و"مسالك الممالك" للأصطخري 55، و"القاموس الإسلامي" 4/ 22.
(٣٠) انظر ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 532.
(٣١) قال القرطبي: وأصح هذه الأقوال: الأول، ويعني به من قال: تينكم وزيتونكم، ثم قال: لأنها الحقيقة، ولا يُعْدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، ثم بين أن من قال بخلاف ظاهر القرآن أنه قول لا دليل عليه.
"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 111، وإلى هذا ذهب أيضًا الشوكاني في "فتح القدير" 5/ 465.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والتين والزيتون ﴾ فيها قولان: الأول أنه التين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر أقسم الله بهما لفضيلتهما على سائر الثمار.
روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل مع أصحابه تيناً فقال: لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عَجم فكلوه فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس» وقال صلى الله عليه وسلم: «نعم السواك الزيتون فإنه من الشجرة المباركة هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي» .
القول الثاني: أنهما موضعان ثم اختلف فيهما فقيل هما جبلان بالشام أحدهما: بدمشق ينبت فيه التين والآخر بإيلياء ينبت فيه الزيتون فكأنه قال ومنابت التين والزيتون وقيل التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس، وقيل التين مسجد نوح والزيتون مسجد إبراهيم، والأظهر أنهما الموضعان من الشام وهما اللذان كان فيهما مولد عيسى ومسكنه، وذلك أن الله ذكر بعد هذا الطور الذي كلم عليه موسى والبلد الذي بعث منه محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الآية نظير ما في التوراة: «أن الله تعالى جاء من طور سيناء وطلع من ساعد وهو موضع عيسى وظهر من جبال باران» وهي مكة وأقسم الله بهذه المواضع التي ذكر في التوراة لشرفها بالأنبياء المذكورين ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ هو الجبل الذي كلم عليه موسى وهو بالشام، وأضافه الله إلى سينين ومعنى سينين مبارك فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقيل: معناه ذو الشجر واحدها سينة، قاله الأخفش وقال الزمخشري: ويجوز أن يعرب إعراب الجمع المذكر بالواو والياء وأن يلزم الياء وتحريك النون بحركات الإعراب ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ هو مكة باتفاق والأمين من الأمانة أو من الأمن لقوله: ﴿ اجعل هذا بَلَداً آمِناً ﴾ [البقرة: 126].
<div class="verse-tafsir"
الوقوف: ﴿ والزيتون ﴾ ه لا ﴿ سينين ﴾ ه لا ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ تقويم ﴾ ه ز للعطف ﴿ سافلين ﴾ ه ط بناء على أن المراد بالرد هو الخذلان إلى الكفر، ولو حمل إلى الرد إلى أرذل العمر لأن الاستثناء منقطع جاز الوقف عند قوم ﴿ ممنون ﴾ ه ط ﴿ بالدين ﴾ ه ط ﴿ الحاكمين ﴾ ه.
التفسير: إن التين والزيتون كيف أقسم الله بهما من بين سائر المخلوقات الشريفة؟
للمفسرين فيه قولان: فعن ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذان من خواص التين أنه غذاء فاكهة ودواء لأنه طعام لطيف سريع الهضم ما بين الطبع، ويخرج بطريق الرشح ويقلل البغلم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح مسام الكبد والطحال.
وروي أنه أهدي لرسول الله طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه " "كلوا فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت: هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوه فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس" .
وعن علي بن موسى الرضا : التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج.
ومن خواصه أن ظاهره كباطنه ماله قشر ولا نواة له وأنها شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى تأتي بالثمرة ثم بالنورخلاف المشمش واللوز.
ونحوهما، وسائر الأشجار كأرباب المعاملات في قوله " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" " لأنها تلبس نفسها أولاً بورد أو ورق ثم تظهر ثمرتها، وشجرة التين كالمصطفى كان يبدأ بغيره ثم يبدأ بنفسه كما قال ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ وإنها تعود ثمرتها في العام مرة أخرى، وإنها في المنام رجل خير وغنى فمن رآها نال خيراً وسعة، ومن أكلها رزقه الله أولاداً.
ويروى أن آدم تستر بورقها حين نزع عنه ثيابه فلما نزل وكان مستوراً بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعهما بعض ورق التين فرزقها الله الجمال والملاحة صورة، والمسك وطيبة معنى، وحين تفرقت الظباء ورأى غيرهن منها ما أعجبها جاءت من الغد على أثرهن فأطعمها من الورق فغير الله حالها إلى الجمال والملاحة دون طيب المسك، وذلك أن الطائفة الأولى جاءت إلى آدم لا لأجل الطمع، والطائفة الثانية جاءت للطمع سراً وإلى آدم ظاهراً، فلا جرم غير ظاهرها دون باطنها.
وأما الزيتون فإنه من الشجرة المباركة وهو فاكهة من وجه ودواء من وجه كما تقدم وصفه في سورة النوّر.
قال مريض لابن سيرين: رأيت في المنام كأنه قيل لي كل اللاءين تشفى فقال: كل الزيتون فإنه لا شرقية ولاغربية.
وقيل: من أخذ ورق الزيتون في النوم استمسك بالعروة والوثقى.
فهذه المصالح والمنافع هي التي جوزت الإقسام بهما.
القول الثاني: إنه ليس المراد بهما هذه الثمرة ثم اختلفوا.
فعن ابن عباس في رواية: هما جبلان في الأرض المقدسة يقال لهما طور تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون.
وهما منشأ عيسى ومبعثه ومبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل، كما أن طور سينين مبعث موسى، والبلد الأمين مبعث محمد .
وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس.
وقيل: التين مسجد الكهف، والزيتون مسجد إيليا.
وعن ابن عباس أيضاً: التين مسجد نوح على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس، وعن كعب: أن التين دمشق، والزيتون بيت المقدس.
عن شهر بن حوشب: التين الكوفة والزيتون الشأم.
وعن الربيع: هما جبلان من بين همذان وحلوان، وأما طور سينين فالطور جبل موسى وسينين الحسن بلغة الحبشة.
وقال مجاهد: المبارك وقال الكلبي ومقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط.
قال الواحدي: الأولى أن يكون سينين اسماً للمكان الذي فيه الطور سمي بذلك لحسنه أو لبركته، ثم أضيف إليه الطور للبيان.
لإضافته إليه وسميت مكة أميناً لأنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين وما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون " فعيلاً " بمعنى " مفعولاً " لأنه مأمون الغوائل كما جعله آمناً لكونه إذا أمن أقول: من المعلوم أن الإقسام ينبغي في باب البلاغة أن يكون مناسباً وكذا القسم والمقسم عليه، وكان الله أقسم بالمراتب الأربع التي للنفس الإنسانية من العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد إن الإنسان خلق في أحسن تقويم وهو كونه مستعداً للوصول إلى المرتبة الرابعة في العلم والعمل، ثم إذا لم يجتهد في الوصول إلى كماله اللائق به فكأنه رد إلى أسفل سافلين الطبيعة، وإنما عبر عن العقل الهيولاني بالتين لضعف شجرته، ولأنه زمان الصبا واللهو والالتذاذ والاشتغال بالأمور التي لا طائل تحتها ولا درك فيها بخلاف زمان العقل بالملكة لقوة المعقولات فيها لكونه بحيث يطلب للأشياء حقائق ومعاني، وهي بمنزلة الزيت، وفي زمان العقل بالفعل يكون قد ازدادت المعاني رسوخاً حتى صارت كالجبل المبارك، وفي آخر المراتب اجتمعت عنده صور الحقائق دفعة بمنزلة المدينة الفاضلة، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة مفردة فلنقتصر في التفسير على هذا القدر من التأويل.
ثم إن أكثر المفسرين قالوا: معنى ﴿ في أحسن تقويم ﴾ في أحسن تعديل شكلاً وانتصاباً.
وقال الأصم: في أكمل عقل وفهم وبيان.
والأولون قالوا: لو حلف إنسان أن زوجته أحسن من القمر لم يحنث لأنه أعلم بخلقه ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ وكان بعض الصالحين يقول: إلهنا أعطيتنا في الأول أحسن الأشكال فأعطنا في الآخرة أحسن الخصال وهو العفو عن الذنوب والتجاوز عن العيوب.
ومعنى ﴿ أسفل سافلين ﴾ قال ابن عباس: أرذل العمر ومثله قول ابن قتيبة: السافلون هم الضعفاء والزمنى ومن لا يستطيع حيلة ولا يجد سبيلاً.
قال الفراء: لو قيل " أسفل سافل " حملاً على لفظ الإنسان كان صواباً أيضاً.
وقال مجاهد والحسن: هو النار ومثله ما قال علي : أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض ويبدأ بالأسفل فيملأ.
وعلى هذا القول تقدير الكلام رددناه إلى أسفل سافلين أي في أسفل سافلين ﴿ إلا الذين ﴾ الآية.
أي الذين استكملوا بحسب القوتين النظرية والعلمية فلهم ثواب دائم غير منقطع.
إما بسبب صبرهم على ما ابتوا به من الشيخوخة والهرم والمواظبة على الطاعات بقدر الإمكان مع ضعف البنية وفتور الآلات.
او بواسطة حصول الكمالات لهم.
فهذا الاستثناء على القول الأول منقطع بمعنى لكن.
وعلى الثاني متصل.
ولا يبعد أن يكون أيضاً متصلاً والمعنى.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال الاستطاعة فلهم ثواب جزيل في حالة الشيخوخة والضعف وإن لم يقدروا على مثل تلك الأعمال.
فكأنهم لم يردوا إلى أسفل من سفل.
ثم خاطب الإنسان بقوله ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ يعني فأي شيء يلجئك بعد هذه البيانات إلى أن تكون كاذباً بسبب تكذيب الجزاء، لأن كل مكذب بالحق فهو كذاب، ولا ريب أن خلق الإنسان من نطفة إلى أن يصير كاملاً في الخلق والخلق، ثم تنكيسه إلى حال تخاذل القوى وتقويس الظهر وابيضاض الشعر وتناثره أوضح دليل على قدرة الصانع وحده، ومن قدر على هذا كله لم يعجز عن إعادة مخلوقه بعد تفرق أجزائه.
هذا بالنظر إلى القدرة، وأما بالنظر إلى الحكمة والعدالة فإيصال الجزاء إلى المحسن والمسيء والفرق بين الصنفين واجب.
وأشار إلى هذا الدليل بقوله ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فأمر المعاد بالنظر إلى القدرة ممكن الوقوع وبالنظر إلى الحكمة والعدل واجب الوقوع.
وقال الفراء: الخطاب للنبي والمعنى: فمن يكذبك بالجزاء أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل؟
قالت المعتزلة: قوله ﴿ في أحسن تقويم ﴾ دليل على أنه لا يفعل القبيح ولا يفعل أفعال العباد في ما فيها من السفه والظلم، ولو خلق ذلك لكان هو أولى بأن يدعى سفيهاً وظالماً.
وأجيب بأن خلق السفه لا يلزم منه الاتصاف بالسفه كما أن إيجاد الحركة لا يلزم منه الاتصاف بالحركة.
ويمكن أن يقال: نحن لا ندعي لزوم الاتصاف به ولكن ندعي أن خلق السفه نفسه نوع سفه.
والجواب الصحيح بعد المعارضة بالعلم والداعي أن يعارض بقوله ﴿ ثم رددناه ﴾ فإنه دليل على أنه أضاف الشيء إلى ذاته.
"عن رسول الله أنه كان إذا قرأ السورة قال: بلى وأنا بذلك من الشاهدين"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ ﴾ : قال هذه السور كلها نزلت في محاجة أهل مكة، سوى سورة ﴿ وَٱلضُّحَىٰ ﴾ و ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ ؛ فإنها جاءتا في تذكير منن الله لرسوله - -: إحداهما: خاطبه جبريل - - في تذكير ما من عليه، والأخرى ربه - بذلك، وأما غيرهما من السروة فإنما جاءت في محاجة أهل مكة.
ثم قوله - عز جل -: ﴿ وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ ﴾ : قسم؛ أقسم تأكيدا للحجج التي أقامها ما لولا القسم لكان ما ذكر يوجب ذلك، [لكن في] القسم تأكيد ما ذكر من الحجة.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله: ﴿ وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ ﴾ : قال بعضهم: هو التي الذي [يأكله الناس، والزيتون الذي يستخرجون منه الزيت]، كذا روي عن ابن عباس - ما - أنه سئل عن قوله: ﴿ وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ ﴾ ؟
فقال: تينكم وزيتونكم هذا.
وقال بعضهم: هما جبلان بالشام.
وقال بعضهم: هما مسجدان في الشام: أحدهما: مسجد دمشق؛ والآخر: مسجد بيت المقدس.
وقيل: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد نبينا .
وعن قتادة: أنه قال: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [الجبل] الذي عليه [مسجد] بيت المقدس.
وقال القتبي: التين والزيتون: جبلان بالشام، يقال لهما: طور تيناء، وطور زيتاء؛ بالسريانية، سميا بالتين والزيتون؛ لأهما ينبتان فيهما.
وقوله: ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ ، قال بعضه: هو جبل بسينين، والسنين: اسم موضع، والطور الجبل، وكذا قال أبو عوسجة.
وقال بعضهم: جبل حسن، و"السينين": الحسن بالحبشة.
وقال بعضهم: كل جبر مشجر، له الثمر، فهو سينين.
وقال بعضهم: هو الجبل الذي أوحي عليه إلى موسى - - وهو طور سيناء.
وقيل: هو الجبل المبارك.
ثم تخريج جهة القسم بالجبل، وبما ذكر على وجوه: أحدها: بما عظم شأن الجبال في قلوب الخلق حيث وصل إليهم أخبار السماء من جهة تلك الجبال، وجميع ما يرجع إلى منافع أنفسهم ودينهم، على ما ذكر أنه أوحي إلى موسى - - على جبل طور سيناء، وأوحي إلى عيسى - - على جبل ساعورا، وأوحي إلى محمد على جبل فاران، على ما ذكر في الخبر أن موسى - - قال: "أتاني ربي من [جبل] طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران"، أي: أتاني وحي ربي من جبل طور سيناء، وسيأتي وحي عيسى - - من جبل ساعورا، ويأتي الوحي إلى محمد من فاران".
والثاني: أقسم بالجبال؛ لما أرساها في الأرض، وجعلها أوتادا لها؛ لئلا تميد بأهلها، ولا تميل، على ما ذكر في غير آي من القرآن عظم شأن الجبال من هذه الجهة في قلوب الخلق.
والثالث: لما أخرج منها مع شدتها وصلابتها وغظلها وارتفاعها المياه [الجارية وغير الجارية] الصافية الباردة، وهي من ألبن الأشياء وأخرج منها الأشجار الكثيرة المثمرة وغير المثمرة في إنبات أحد، ولا غرسها، وغير ذلك من المنافع التي جعل في الجبال مما لا يمكن للخلق استخراج ذلك مها بحيلهم وتكلفهم، فأقسم بها لعظم ما جعل في الجبال من المنافع والبركات.
وكذلك إن كان القسم بالتين الذي يؤكل والزيتون الذي يخرج منه الزيت؛ لما جعل لهم في ذلك من المنافع العظام، كقوله - -: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ﴾ \[المؤمنون: 20\]، فمن هذه الوجوه التي ذكرنا يحتمل القسم بالجبال والتين والزيتون.
أو ذكر التين والزيتون والمراد بهما: الجبل؛ لما في الجبل يكونان عندهم، على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ ﴾ : هومكة؛ سماه: أمينا؛ لما يأم من دخله، أو يؤمن من دخله ويحفظه؛ لأن الأمين عند الناس هو الذي يحفظ من ائتمن عليه وفيه، وهو المأمون به.
ثم جائز أن يكون القسم بالبلد لأهل مكة ولأهل الشرك؛ لما عظم شأنه وأمره عندهم وفي قلوبهم، وأقسم بالجبال؛ لعظم قدرها ومنزلتها ومحلها في قلوب أهل الكتاب؛ لما كانوا يؤمنون ببعض الوحي، وأهل مكة لا يؤمنون بالرسل وبالوحي؛ ولكن يعظمون ذلك البلد.
وجائز أن يكون القسم بما ذكر كله لهم جميعا، والله أعلم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ : قال أهل التأويل: على هذا وقع القسم، لكن القسم بغيره أولى وأقرب؛ لأنهم قد شاهدوا وعرفوا أنه خلق الإنسان على أحسن تقويم؛ إذ لم يتمن أحد أن يكون على غير هذا التقويم وعلى غير هذه الصورة التي أنشأه عليها؛ فالشبه أن يكون القسم واقعا على قوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ ؛ لما فيه وقع الإنكار والتكذيب وهو نار جهنم؛ فأكد ذلك بالقسم كأنه قال: من أنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، نردهم إلى أسفل السافلين؛ لكفرهم وعنادهم سوى المؤمنين.
ثم قوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أحسن صورة يشاهدون ويعاينون؛ لأن الملائكة لعلهم أحسن صورة وأحكم تقويما في الخلقة من البشر، ولكن يرجع إلى سائر الخلائق دونهم؛ وذلك لأنه خلق البشر على صورة لا يتمنى أحد منهم أن يكون على غير صورة البشر؛ دل أنه خلقهم على أحسن صورة.
والثاني: على أحسن تقويم، أي: على أحكم تقويم وأتقنه؛ لأنه خلقهم وأنشأهم على هيئة يتهيأ لهم استعمال الأشياء كلها في منافعهم والانتفاع بها بحيل وأسباب علمهم وجعل فيهم، ومكن لهم ذلك.
ويحتمل: ﴿ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ، أي: أحكم وأتقن على الدلالة على وحدانية الله - - وألوهيته.
أو جعله أهل تمييز ومعرفة، وبحث يكون منهم الخيرات وأنواع الطاعات التي يثابون عليها، وينالون بها الثواب الجزيل، والكرامة العظيمة ما لا يكون لغيرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ [هو يحتمل وجوها: أحدها: رددناه إلى أسفل السافلين] وهو جهنم، نرد الكافر إلى جهنم وهي أسفل السافلين، والمؤمن رددناه إلى الجنة وهي أعلى العليين، وهو ما استثنى بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ في الجنة.
والثاني: رددناه إلى أسفل ما اختار من الأعمال والأفعال، وهو [ما اختار] من فعل الشرك والكفر، ورددنا المؤمن إلى أعلى ما اختار من الأعمال العالية الرفيعة، [والله أعلم].
والثالث: ما ق اله أهل التأويل: ثم رددناه [إلى] أرذل العمر وأسفله، [ثم استثنى ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...
﴾ إلى آخره]، وأي: يجري عليهم ثواب أعمالهم التي عملوا بها في حال صحتهم وشبابهم، فأمَّا أولئك فإنهم إذا ردوا إلى ما ذكر، لم يجر لهم ذلك؛ وهذا التأويل إنما يصح، أو لو استثنى المحسنين من المؤمنين منهم، فأما إذا استثنى أهل الإيمان من أهل الكفر فإنه لا يحتمل، والأول أشبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ ﴾ : إن كان الخطاب [به] لكل إنسان كذب بالدين، يقول: ما الذي دعاك إلى تكذيبك بالدين؟
وقد عرفت أن الله - - أحكم الحاكمين، لا يفعل إلا ما هو حكمه، ولو لم يكن يوم الدين كان فعله عبثا باطلا؛ لأنه أنشأكم، ثم رباكم إلى أن بلغتم إلى الحال التي بلغتم، فلو لم يكن بعث، لكان يخرج فعله عبثا باطلا.
أو يقول: لما سوى بين من اختار ولا يته وبين من اختار العداوة في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ فلا بد من مكان يفرق بينهما هنالك.
وإن كان الخطاب في قوله: ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ ﴾ لرسول الله يقول: أي حجة له في تكذيبك بما تخبره من الدين؟
أي: لا حجة له في ذلك.
أو يقول: ما الذي دعاه إلى تكذيبه بالدين بعد ما عرف أني أحكم الحاكمين؟!.
ثم اختلف في قوله: ﴿ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ : قال بعضهم: أحكم القاضين، أي: أعدلهم.
وقال بعضهم: أحكم الحكماء، والإفناء بلا بعث فعل السفهاء، لا فعل الحكماء، وهو أحكم الحاكمين، أي: أعدل القاضين في التفريق بين [الأولياء والأعداء]، وقد اجتمعوا في الدنيا؛ فلا بد من دار يفرق بينهما فيها، والله الموفق.
أقسم الله بالتين ومكان نباته، وبالزينون ومكان نباته في أرض فلسطين التي بعث فيها عيسى .
<div class="verse-tafsir" id="91.OK8gq"
(هذا البلد الأمين) هو مكة المشرفة، ولقبه بالأمين لأن الله حرم فيه القتل والإعدام، حتى للأشجار والنبات ما عدا بعض أنواع منه استثنيت لحاجة الناس إليها، فهو بلد مأمون الغائلة لا يخافه من يحله.
والقسم به للتنويه بقدره خصوصًا وهو مبعث نور الإسلام.
(وطور سينين) هو الجبل الذي كلم الله موسى عليه.
ويقال له طور سيناء بفتح السين وكسرها، وقرئ سينين بفتح السين، وهي لغة بكر وتميم.
ويقال إن سينين والياسين والغسلين وأمثال هذا الوزن من لغة أهل اليمن وعرب الجنوب.
وسينين قيل اسم البقعة التي بجوار الجبل، وقال الأخفش سينين جمع بمعنى شجر واحدته سينة، وقيل غير ذلك.
والقسم به لرفع ذكره والتذكير بما كان بعد ذلك الجبل من الآيات الباهرات التي ظهرت لموسى ولقومه، وما كان بعد ذلك من سن الشريعة الموسوية وإنزال التوراة.
(والتين) قيل جبل في دمشق، ويسمى طور تينا، لأنه منبت التين.
وقيل إن التين هو مسجد دمشق.
وقيل هو مسجد نوح الذي بناه علي الجودي.
وقيل هو موضع الكوفة لأنه كان منزلًا لنوح .
وقيل جبل ما بين حلوان وهمذان، والقسم به للتذكير بأمر نوح وما أهلك الله به أهل الفجور والفساد وأنجى الله المؤمنين الصالحين.
وأما على أنه جبل في دمشق أو مسجدها فلا نفهم للإقسام به حكمة، بل يكون مما لا يعلمه إلا الله.
(والزيتون) قيل هو طور زيتا، وهو جبل ببيت المقدس.
وقيل هو بيت المقدس نفسه، وسماه بالزيتون لكثرة شجر الزيتون فيما حوله.
وبالجملة فعلى هذه الأقوال يكون التين والزيتون كنايتين عن مواضع، وليس المقصود هو الإقسام بالأشجار نفسها، وإنما كني بها عن مغارسها.
وقال قليل من المفسرين إن الإقسام هو بالنوعين لذاتهما التين والزيتون.
قالوا: لكثرة فوائدها.
ولكن تبقى المناسبة بينهما وبين طور سينين والبلد الأمين وحكمة جمعهما معهما في نسق واحد غير مفهومة.
ولهذا رجح أنهما موضعان، وقد يرجح أنهما النوعان من الشجر.
ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا، بل لما يذكران به من الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر.
قال صاحب هذا القول: إن الله تعالى أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطويل، من أول نشأته إلى يوم بعثة النبي .
فالتين إشارة إلى عهد الإنسان الأول، فإنه كان يستظل في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين.
وعندما بدت له ولزوجته سوآتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التين.
والزيتون إشارة إلى عهد نوح وذريته، وذلك لأنه بعد أن فسد البشر، وأهلك الله من أهلك منه بالطوفان، ونجى نوحًا في سفينته، واستقرت السفينة، نظر نوح إلى ما حوله فرأى المياه لا تزال تغطي وجه الأرض، فأرسل بعض الطيور لعله يأتي بخبر انكشاف الماء عن بعض الأرض فغاب ولم يأت بخبر، فأرسل طيرًا آخر فرجع إليه يحمل ورقة من شجر الزيتون، فاستبشر وسر وعرف أن غضب الله قد سكن، وقد أذن للأرض أن تعمر.
ثم كان منه ومن أولاده تجديد القبائل البشرية العظيمة في الأرض التي محى عمرانها بالطوفان..
فعبر عن ذلك الزمن بزمن الزيتون.
والإقسام هنا بالزيتون للتذكير بتلك الحادثة، وهي أكبر ما يذكر به من الحوادث.
وطور سينين إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية وظهور نور التوحيد في العالم بعدما تدنست جوانب الأرض بالوثنية.
وقد استمر الأنبياء بعد موسى يدعون قومهم إلى التمسك بتلك الشريعة إلى أن كان آخرهم عيسى جاء مخلصًا لروحها مما عرض عليه من البدع.
ثم طال الأمد على قومه فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الاختلاف في الدين وحجب نوره بالبدع، وإخفاء معناه بالتأويل، وإحداث ما ليس منه بسبيل.
فمنّ الله على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ، ويفصل بين ما سبق من أطوار الإنسانية وبين ما يلحق، وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة، وإليه أشار بذكر البلد الأمين.
وعلى هذا القول الذي فصلنا بيانه يتناسب القسم والمقسم عليه كما سترى.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ : التقويم: التعديل، وكثيرًا ما يطلق المصدر ويراد منه أثره، أي في أحسن اعتدال وأفضل قوام.
فيقسم جل شأنه أنه قوم الإنسان أفضل تقويم، وركبه أحسن تركيب، وأكد ذلك لأن الناس بغفلتهم عما كرمهم الله به من العقل، كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات: يفعلون كما تفعل، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة، خصوصًا وقد قال بعضهم: إن الإنسان خلق ميالًا إلى الشر.
فيقول سبحانه -تبيينًا لفساد هذه المزاعم- إنه فطر الإنسان أحسن فطرة نفسًا وبدنًا، وكرمه بالعقل الذي ساد به على العوالم الأرضية، واطلع به على ما شاء الله من العوالم السماوية.
وقد كان الإنسان في سذاجته بعيدًا عن الأثرة، حي القلب بالتراحم -كما تراه في حال الأطفال- فعاش سعيدًا، وعاش أفراده في نعيم الطمأنينة..
كان ذلك زمنًا ما -وهو العهد الأول- وما أشبهه بثمرة تؤكل كلها، ولا يرمى منها شيء.
والإنسان كان صلاحًا كله، ولم يشذ عن الجماعة منه فرد.
تلك كانت أيام القناعة بما تيسر من العيش، وشدة الإحساس بحاجة كل فرد إلى الآخر في تحصيله وفي دفع العوادي عن النفس.
تنبهت الشهوات بعد ذلك، وتخالفت الرغبات، فنبت الحسد والحقد، وتبعه التقاطع والتقاتل، واستشرى الفساد بالأنفس حتى صارت الأمانة عند بعض الحيوان أفضل منها عند الإنسان، فانحطت بذلك نفسه عن مقامها الذي كان لها بمقتضى الفطرة.
وقد كان ذلك -ولا يزال- حال أكثر الناس.
فهذا قوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ : أي صيرناه أسفل من كثير من الحيوانات التي كانت أسفل منه، لأن الحيوان المفترس مثلًا إنما يصدر في عمله عن فطرته التي فطر عليها: لم ينزل عن مقامه، ولم ينحط عن منزلته في الوجود.
أما الإنسان فإنه بإهماله عقله، وجهله بما ينبغي أن يعمل لتوفير سعادته وسعادة إخوانه، ينقلب أرذل من سائر أنواع الحي.
ولكثر ما قلت: "إذا فسد الإنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان".
ثم إن الذين ارتدوا إلى أسفل سافلين، منهم من هلك في زمن نوح أو في أزمان أخر، ومنهم من سيهلك -وهم في تلك المنزلة من الخسة- فتدوم لهم كذلك في الحياة الأخرى.
وللسافلين فيها منازل العذاب والخزي والهون.
﴿ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ : استثنى الله المؤمنين الذين يؤمنون بموجد الكائنات، وبأن الله قد وضع شريعة للخير والشر، وميز بينهما، وأنه يجزي القائم على الشريعة بإتيان الخير وتجنب الشر بالسعادة، فلذلك يدلون على إيمانهم بالأعمال الصالحة -وهي معروفة عند عامة البشر- وجماعها العدل والإحسان..
فهؤلاء قد حفظوا منزلتهم من الإنسانية واستبقوا لأنفسهم ذلك الاعتدال الفطري فلهم أجر الكرامة في الدنيا، فإذا جاءهم الموت امتد بهم النعيم إلى الآخرة فأجرهم غير ممنون أي غير مقطوع.
هؤلاء المؤمنون هم الأنبياء وأتباع الأنبياء، ومن هداهم الله إلى دين الحق من كل أمة، وهم الذين أكرم الله بهم النوع البشري، واستبقى بهم منزلته السامية في عالمه، وما تراه في الأمم من آثار باقية فإنما من آثار هممهم.
فإذا كنت ترى ذلك أيها الإنسان ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ ؟
الدين ههنا هو خلوص السريرة للحق، وقيام النفس بصالح العمل.
وهو ما كان يدعوا إليه وسائر إخوانه الأنبياء، وهو استفهام إنكاري أي لا يوجد سبب يحملك على التكذيب بالدين بعد أن عرفت أن الإنسان قد خلق كريمًا، وأن الذي يحفظ كرامته إنما هم المؤمنون الصالحون وهم أهل الدين الصحيح.
﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ : أي هل تنكر أن الله أحكم من حكم ودبر؟
وهو استفهام إنكاري مآله أن الله أعلى المدبرين حكمة.
ولهذا وضع الدين لهذا النوع الإنساني ليحفظ له منزلته من الكرامة التي أعدها الله بأصل خلقته، ثم هو ينحدر عنها إلى المنازل السفلى بجهله وسوء تصريفه لهواه، لذلك أرسل الأنبياء عليهم السلام من نوح ومن بعده إلى محمد ..
وبهذا يكون التفريغ بالفاء ظاهرًا.
وقد فسروا الدين بالجزاء يوم القيامة وبينوا معنى الفاء بأنه إذا كان الله خلق الإنسان، وابتدأ خلقه بلا مثال، أفلا يقدر على إعادته؟..
وأنت تراه بعيدًا من المعنى بعدًا سحيقًا.
وأسلوب السورة ظاهر في المعنى الذي بيناه- والله أعلم.