الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة التين
تفسيرُ سورةِ التين كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءةإلا أن خلافهم فى المراد بقوله - تعالى - : ( والتين والزيتون ) ، وقد ذكر الإِمام القرطبى هذا الخلاف فقال ما ملخصه : قوله : ( والتين والزيتون ) : قال ابن عباس وغيره : هو تينكم الذى تأكلون ، وزيتونكم الذى تعصرون منه الزيت .
قال - تعالى - : ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ) وهى شجرة الزيتون .وقال أبو ذر : " أهدى للنبى صلى الله عليه وسلم سلة تين ، فقال : " كلوا " وأكل منها .
ثم قال : " لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة ، لقلت هذه .
.
" " .وعن معاذ : أنه استاك بقضيب زيتون ، وقال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة " .وقال الإِمام ابن جرير بعد أن ساق ملة من الأقوال من المقصود بالتين والزيتون : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، قول من قال : التين : هو التين الذى يؤكل .
والزيتون : هو الزيتون الذى يعصر منه الزيت ، لأن ذلك هو المعروف عند العرب ، ولا يعرف جبل يسمى تينا ، ولا جبل يقال له زيتون .
إلا أن يقول قائل : المراد من الكلام القسم بمنابت التين ، ومنابت الزيتون ، فيكون ذلك مذهبا ، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك ، دلالة فى ظاهر التنزيل ..وما ذهب إليه الإِمامان : ابن جرير والقرطبى ، من أن المراد بالتين والزيتون ، حقيقتهما ، هو الذى نميل إليه ، لأنه هو الظاهر من معنى اللفظ ، ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته ، ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ، فهو صاحب الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .
اتفق المفسرون على أن المراد بطور سينين : الجبل الذى كلم الله - تعالى - عليه موسى - عليه السلام - وسينين ، وسيناء ، وسينا ، اسم للبقعة التى فيها هذا الجبل ، بإضافة " طور " إلى ما بعده ، من إضافة الموصوف إلى الصفة .قال الإِمام الشوكانى : " وطور سينين " هو الجبل الذى كلم الله عليه موسى ، اسمه الطور .
ومعنى سينين : المبارك الحسن .
.
وقال مجاهد : سينين كل جبل فيه شجر مثمر ، فهو سينين وسيناء .
وقال الأخفش : طور : جبل .
وسينين شجر ، واحدته سينه ، ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء ، لأنه جعل اسما للبقعة .وأقسم - سبحانه - به ، لأنه من البقاع المباركة ، وأعظم بركة حلت به ووقعت فيه ، تكليم الله - تعالى - ، لنبيه موسى - عليه السلام - .
كما اتفقوا - أيضا - على أن المراد بالبلد الأمين : مكة المكرمة ، وسمى بالأمين لأن من دخله كان آمنا ، وقد حرمها - تعالى - على جميع خلقه ، وحرم شجرها وحيوانها ، وفى الحديث الصحيح ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال بعد فتحتها : " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهى حرام إلى أن يقوم الساعة ، لم تحل لأحد قبلى ، ولن تحل لأحد بعدى ، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار ، فلا يُعْضَد - أى : يقطع - شجرها - ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد .
.
" .
وجملة : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ .
.
.
) وما عطف عليه جواب القسم .أى : وحق التين الذى هو أحسن الثمار ، صورة وطعما وفائدة ، وحق الزيتون الذى يكفى الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم ، وحق هذا البلد الأمين ، وهو مكة المكرمة ، وحق طور سنين الذى كلم الله - تعالى - عليه نبيه موسى تكليما .
.
وحق هذه الأشياء .
.
لقد خلقلنا الإِنسان فى أعدل قامة ، وأجمل صورة ، وأحسن هيئة ، ومنحناه بعد ذلك ما لم نمنحه لغيره ، من بيان فصيح ، ومن عقل راجح ، ومن علم واسع ، ومن إرادة وقدرة على تقحيق ما يبتغيه فى هذه الحياة ، بإذننا ومشيئتنا .والتقويم فى الأصل : تصيير الشئ على الصورة التى ينبغى أن يكون عليها فى التعديل والتركيب .
تقول : قومت الشئ تقويماً ، إذا جعلته على أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون عليها .
.
فى التعديل والتركيب .
تقول : قومت الشئ تقويماً ، إذا جعلته على أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون عليها .
.
وهذا الحسن يشمل الظاهر والباطن للإِنسان .والمراد بالإِنسان هنا : جنسه .
أى : لقد خلقنا - بقدرتنا وحكمتنا - جنس الإِنسان فى أكمل صورة ، وأحكم عقل .
.
وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) معطفو على ما قبله وداخل فى حيز القسم .
وضمير الغائب يعود إلى الإِنسان .وحقيقة الرد : إرجاع الشئ إلى مكانه السابق ، والمراد به هنا : تصيير الإِنسان على حالة غير الحالة التى كان عليها ، وأسفل : أفعل تفضيل ، أى : أشد سفالة مما كان يتوقع .وللمفسرين فى هذه الآية الكريمة اتجاهات منها : أن المراد بالرد هنا : الرد على الكبر والضعف ، كما قال - تعالى - : ( الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير ) وعلى هذا الرأى يكون المردودين إلى أسفل سافلين ، أى : إلى أرذل العمر ، هم بعض أفراد جنس الإِنسان ، لأنه من المشاهد أن بعض الناس هم الذين يعيشون تلك الفترة الطويلة من العمر ، كما قال - تعالى - : ( هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال : " وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصحة ، وأشبهها بتأويل الآية ، قول من قال معناه : ثم رددناه إلى أرذل العمر .إلى عمر الخرفى الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر ، فهو فى أسفل من سفل فى إدبار العمر ، وذهاب العقل .
.
" .ومنها : أن المراد بالرد هنا : الرد إلى النار ، والمعنى : لقد خلنا الإِنسان فى أحسن تقويم ، ثم رددناه إلى أقبح صورة ، وأخس هيئة .
.
حيث ألقينا به فى أسفل سافلين ، أى : فى النار ، بسبب استحبابه العمى على الهدى ، والكفر على الإِيمان .وقد رجح هذا الرأى ابن كثير فقال : قوله : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) أى : إلى النار .
.
أى : ثم بعد هذا الحسن والنضارة ، مصيره إلى النار ، إن لم يطع الله - تعالى - ويتبع الرسل .
ولهذا قال : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات .
.
.
) .
( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات .
.
.
)وعلى هذا الرأى - أيضا - ، يكون المردودون إلى " أسفل سافلين " أى : إلى النار ، هم بعض أفراد جنس الإِنسان ، وهم الكفار ، والفاسقون عن أمره - تعالى - .ومنها : أن المراد بالرد إلى أسفل سافلين هنا : الانحراف والارتداد عن الفطرة التى فطر الله - تعالى - الناس عليها ، بأن يعبد الإِنسان مخلوقاً مثله ، ويترك عبادة خالقه ، ويطيع نفسه وشهواته وهواه .
.
ويترك طاعة ربه - عز وجل - .وقد فصل الأستاذ الإِمام هذا المعنى فقال ما ملخصه : " أقسم - سبحانه - أنه قوم الإِنسان أحسن تقويم ، وركبه أحسن تركيب ، وأكد - سبحانه - ذلك بالقسم ، لأن الناس بسبب غفلتهم عما كرمهم الله به ، صاروا كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات ، يفعلون كما تفعل ، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة .
فانحطت بذلك نفوسهم عن مقامها ، الذى كان لها بمقتضى الفطرة .
.
فهذا قوله : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) ، أى : صيرناه أسفل من كثير من الحيوانات التى كانت أسفل منه ، لأن الحيوان المفترس - مثلاً - إنما يصدر فى عمله عن فطرته التى فطر عليها ، لم ينزل عن مقامه ، ولم ينحط عن منزلته فى الوجود .أما الإِنسان فإنه بإهماله عقله ، وجهله بما ينبغى أن يعمله لتوفير سعادته وسعادة إخوانه ، ينقلب أرذل من سائر أنواع الحيوان ، ولطالما قلت : " إذا فسد الإِنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان " .والذى يتأمل الرأى الثانى والثالث يرى أن بينهما تلازماً ، لأن الانحراف عن الفطرة السوية يؤدى إلى الدخول فى النار وبئس القرار ، وهذان الرأيان أولى بالقبول ، لأن الاستثناء فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) يؤيد ذلك ، إذ المعنى عليها : لقد خلقنا الإِنسان فى أحسن تقويم ، ثم رددناه إلى النار بسبب انحرافه عن الفطرة ، وإيثاره الغى على الرشد ، والكفر على الإِيمان .إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وساروا على مقتضى فطرتهم ، فأخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة .
.
فلهم أجر غير مقطوع عنهم أو غير ممنون به عليهم ، بل هم قد اكتسبوا هذا الأجر الدائم العظيم ، بسبب إيمانهم وعملهم الصالح .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) ، " ثم " هنا للتراخى الزمانى أو الرتبى ، والرد يجوز أن يكون بمعنى الجعل ، فينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر .
فأسفل مفعول ثان ، والمعنى : ثم جعلناه من أهل النار ، الذين هم أقبح ، وأسفل من كل سافل .
.
ويجوز أن يكون الرد بمعناه المعروف ، وأسفل منصوب بنزع الخافض .أى : رددناه إلى أسفل الأمكنة السافلة وهو جهنم .
.وقوله : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) استثناء متصل من ضمير " رددناه العائد على الإِنسان ، فإنه فى معنى الجمع ، فالمؤمنون لا يردون أسفل سافلين يوم القيامة ، بل يزدادون بهجة إلى بهجتهم .
وحسنا على حسنهم .
.
" .
و " ما " فى قوله - سبحانه - : ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين ) اسم استفهام مبتدأ ، وخبره جملة " يكذبك " .
والخطاب للإِنسان الذين خلقه الله - تعالى - فى أحسن تقويم ، ففى الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب .
والاستفهام للإِنكار والتعجيب من هذا الإِنسان .والمعنى : فأى شئ يحملك - أيها الإِنسان - على التكذيب بالدين وبالبعث وبالجزاء ، بعد أن خلقناك فى أحسن تقويم ، وبعد أن أقمنا لك الأدلة على أن دين الإِسلام هو الدين الحق ، وعلى أن رسولنا صادق فيما يبلغك عن ربه - عز وجل -؟فالمقصود بقوله - تعالى - : ( يُكَذِّبُكَ ) : يجعلك مكذباً ، أى : لا عذر لك فى التكذيب بالحق ، وقيل : الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ، وتكون " ما " بمعنى " مَنْ " ويكون الاستفهام بها عن ذوات المخاطبين ، أى : فمن ذا الذى يكذبك - أيها الرسول الكريم - ويكذب بيوم الدين والجزاء ، بعد أن ظهرت الدلائل على صدقك .
.
؟إن كل عاقل يجب عليه أن يصدقك ولا يكذبك ، ولا يعرض عنك .
والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين ) للتقرير : إذا الجملة الكريمة تحقيق لما ذكر من خلق الإِنسان فى أحسن تقويم ، ثم رده إلى أسفل سافلين .فكأنه - تعالى - يقول : إن الذى فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين خلقاً وإيجاداً .
وصنعاً وتدبيراً ، وقضاء وتقديراً ، فيجب على كل عاقل أن يخلص له العبادة والطاعة وأن يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء به من عند ربه - عز وجل - .وقد روى الإِمام الترمذى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قرأ منكم ( والتين والزيتون .
.
.
) ثم انتهى إلى قوله - تعالى - ( أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين ) فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين " .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعاً من عباده الصالحين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .