تفسير البغوي سورة التين

الإسلام > القرآن > تفسير > البغوي > تفسير سورة التين

تفسيرُ سورةِ التين كاملةً من تفسير البغوي (أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

تفسير سورة التين كاملةً (أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي)

سُورَةُ التِّينِ مَكِّيَّةٌ (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) } .

{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ تِينُكُمْ [هَذَا] (٢) الَّذِي تَأْكُلُونَهُ، وَزَيْتُونُكُمْ هَذَا الَّذِي تَعْصِرُونَ مِنْهُ الزَّيْتَ.

قِيلَ: خَصَّ التِّينَ بِالْقَسَمِ لِأَنَّهَا فَاكِهَةٌ مُخَلَّصَةٌ لَا عَجَمَ لَهَا، شَبِيهَةٌ بِفَوَاكِهِ الْجَنَّةِ.

وَخَصَّ الزَّيْتُونَ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ، وَلِأَنَّهُ شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ جَاءَ بِهَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ ثَمَرٌ وَدُهْنٌ يَصْلُحُ لِلِاصْطِبَاغِ وَالِاصْطِبَاحِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمَا جَبَلَانِ.

قَالَ قَتَادَةُ: "التِّينُ": الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، وَ"الزَّيْتُونُ": الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّهُمَا يُنْبِتَانِ التِّينَ وَالزَّيْتُونَ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمَا مَسْجِدَانِ بِالشَّامِ.

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "التِّينُ": مَسْجِدُ دِمَشْقَ، وَ"الزَّيْتُونُ": مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "التِّينُ" مَسْجِدُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَ"الزَّيْتُونُ": مَسْجِدُ إِيلِيَا.

{وَطُورِ سِينِينَ} يَعْنِي الْجَبَلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَكَرْنَا مَعْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ" (٣) (الْمُؤْمِنُونَ -٢٠) .

{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} أَيِ الْآمَنِ، يَعْنِي: مَكَّةَ، يَأْمَنُ فِيهِ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، هَذِهِ كُلُّهَا أَقْسَامٌ، وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) } {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أَيْ: أَعْدَلِ قَامَةٍ وَأَحْسَنِ صُورَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ حَيَوَانٍ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا الْإِنْسَانَ خَلَقَهُ مَدِيدَ الْقَامَةِ، يَتَنَاوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، مُزَيَّنًا بِالْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ.

{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} يُرِيدُ إِلَى الْهَرَمِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، فَيَنْقُصُ عَقْلُهُ وَيَضْعُفُ بَدَنُهُ، وَالسَّافِلُونَ: هُمُ الضُّعَفَاءُ وَالزَّمْنَى وَالْأَطْفَالُ، فَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ [أَسْفَلُ] (١) مِنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا، ["وَأَسْفَلَ سَافِلِينَ" نَكِرَةٌ تَعُمُّ الْجِنْسَ، كَمَا تَقُولُ: فَلَانٌ أَكْرَمُ قَائِمٍ فَإِذَا عَرَّفْتَ قُلْتَ: أَكْرَمُ الْقَائِمِينَ.

وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ "أَسْفَلَ السَّافِلِينَ"] (٢) .

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ: يَعْنِي ثُمَّ رَدَدْنَاهُ إِلَى النَّارِ، يَعْنِي إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، لِأَنَّ جَهَنَّمَ بَعْضُهَا أَسْفَلَ مِنْ بَعْضٍ.

قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَعْنِي إِلَى النَّارِ فِي شَرِّ صُورَةٍ، فِي صُورَةِ خِنْزِيرٍ.

ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [فَإِنَّهُمْ لَا يُرَدُّونَ إِلَى النَّارِ.

وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ: رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، فَزَالَتْ عُقُولُهُمْ وَانْقَطَعَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَلَا يُكْتَبُ لَهُمْ حَسَنَةٌ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا] (٣) .

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُمْ بَعْدَ الْهَرَمِ، وَالْخَرَفِ، مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي حَالِ الشَّبَابِ وَالصِّحَّةِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ نَفَرٌ رُدُّوا إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عُذْرَهُمْ.

وَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ أَجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ عُقُولُهُمْ (٤) .

قَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَضُرَّ هَذَا الشَّيْخَ [كَبِرُهُ] (٥) إِذْ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِأَحْسَنِ مَا كَانَ يَعْمَلُ (٦) .

وَرَوَى عَاصِمُ الْأَحْوَلُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" قَالَ: "إِلَّا الذين [آمنوا] " (١) قرؤا الْقُرْآنَ، وَقَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ (٢) {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} غَيْرُ مَقْطُوعٍ، لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ.

قَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْرٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ، ثُمَّ قَالَ: إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) } {فَمَا يُكَذِّبُكَ} [أَيْ: أَمَّنْ يُكَذِّبُكَ.

وَقِيلَ: أَيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ؟

أَيْ يَحْمِلُكَ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ عَلَى التَّكْذِيبِ] (٣) أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، {بَعْدُ} أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، {بِالدِّينِ} بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَالْمَعْنَى: أَلَا تَتَفَكَّرُ فِي صُورَتِكَ وَشَبَابِكَ وَهَرَمِكَ فَتَعْتَبِرُ، وَتَقُولُ: إِنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَنِي وَيُحَاسِبَنِي، فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِالْمُجَازَاةِ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ؟

{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} بِأَقْضَى الْقَاضِينَ، قَالَ مُقَاتِلٌ: [أَلَيْسَ اللَّهُ] (٤) يَحْكُمُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَهْلِ التَّكْذِيبِ [بِكَ] (٥) يَا مُحَمَّدٌ.

وَرُوِّينَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا: "أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ" فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ" (٦) .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي الْعَشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (٧) .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده