الإسلام > القرآن > سور > سورة 95 التين > الآية ٨ من سورة التين
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨ من سورة التين: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) أي : أما هو أحكم الحاكمين ، الذي لا يجور ولا يظلم أحدا ، ومن عدله أن يقيم القيامة فينصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه .
وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا : " فإذا قرأ أحدكم ( والتين والزيتون ) فأتى على آخرها : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين " .
آخر تفسير [ سورة ] " والتين والزيتون " ولله الحمد .
وقوله: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) يقول تعالى ذكره: أليس الله يا محمد بأحكم من حكم في أحكامه، وفصل قضائه بين عباده؟
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ذلك فيما بلغنا قال: بَلى.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: " بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين " .
حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، قال: كان ابن عباس إذا قرأ: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) قال: سبحانك اللهمّ، و بلى.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: كان قتادة إذا تلا( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، أحسبه كان يرفع ذلك؛ وإذا قرأ: أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ؟
قال: بلى، وإذا تلا فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ قال: آمنت بالله، وبما أنـزل.
آخر تفسير سـورة والتين
قوله تعالى : أليس الله بأحكم الحاكمينأي أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق .
وقيل : بأحكم الحاكمين قضاء بالحق ، وعدلا بين الخلق .
وفيه تقدير لمن اعترف من الكفار بصانع قديم .
وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي وفي الكلام معنى التوقيف صار إيجابا ، كما قال :ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راحوقيل : فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين : منسوخة بآية السيف .
وقيل : هي ثابتة ; لأنه لا تنافي بينهما .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - إذا قرأ : أليس الله بأحكم الحاكمين قالا : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين فيختار ذلك .
والله أعلم .
ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال : من قرأ سورة ( والتين والزيتون ) فقرأ أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين .
والله أعلم .
{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } فهل تقتضي حكمته أن يترك الخلق سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون؟أم الذي خلق الإنسان أطوارًا بعد أطوار، وأوصل إليهم من النعم والخير والبر ما لا يحصونه، ورباهم التربية الحسنة، لا بد أن يعيدهم إلى دار هي مستقرهم وغايتهم، التي إليها يقصدون، ونحوها يؤمون.
تمت ولله الحمد.
( أليس الله بأحكم الحاكمين ) بأقضى القاضين ، قال مقاتل : [ أليس الله ] يحكم بينك وبين أهل التكذيب [ بك ] يا محمد .
وروينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من قرأ والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها : " أليس الله بأحكم الحاكمين " فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت الأنصاري قال : سمعت البراء بن عازب قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون .
(أليس الله بأحكم الحاكمين) هو أقضى القاضين وحكمه بالجزاء من ذلك وفي الحديث: "" من قرأ والتين إلى آخرها فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين "".
أليس الله الذي جعل هذا اليوم للفصل بين الناس بأحكم الحاكمين في كل ما خلق؟
بلى.
فهل يُترك الخلق سدى لا يؤمرون ولا يُنهون، ولا يثابون ولا يعاقبون؟
لا يصحُّ ذلك ولا يكون.
والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين ) للتقرير : إذا الجملة الكريمة تحقيق لما ذكر من خلق الإِنسان فى أحسن تقويم ، ثم رده إلى أسفل سافلين .فكأنه - تعالى - يقول : إن الذى فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين خلقاً وإيجاداً .
وصنعاً وتدبيراً ، وقضاء وتقديراً ، فيجب على كل عاقل أن يخلص له العبادة والطاعة وأن يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء به من عند ربه - عز وجل - .وقد روى الإِمام الترمذى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قرأ منكم ( والتين والزيتون .
.
.
) ثم انتهى إلى قوله - تعالى - ( أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين ) فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين " .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعاً من عباده الصالحين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في تفسيره وجهين: أحدهما: أن هذا تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان ثم رده إلى أرذل العمر، يقول الله تعالى: أليس الذي فعل ذلك بأحكم الحاكمين صنعاً وتدبيراً، وإذا ثبتت القدرة والحكمة بهذه الدلالة صح القول بإمكان الحشر ووقوعه، أما الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ .
والثاني: أن هذا تنبيه من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأنه يحكم بينه وبين خصومه يوم القيامة بالعدل.
المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، فإنه لو كان الفاعل لأفعال العباد هو الله تعالى لكان كل سفه وكل أمر بسفه وكل ترغيب في سفه فهو من الله تعالى ومن كان كذلك فهو أسفه السفهاء، كما أنه لا حكمة ولا أمر بالحكمة ولا ترغيب في الحكمة إلا من الله تعالى، ومن كان كذلك فهو أحكم الحكماء، ولما ثبت في حقه تعالى الأمران لم يكن وصفه بأنه أحكم الحكماء أولى من وصفه بأنه أسفه السفهاء.
ولما امتنع هذا الوصف في حقه تعالى علمنا أنه ليس خالقاً لأفعال العباد والجواب: المعارضة بالعلم والداعي، ثم نقول: السفيه من قامت السفاهة به لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك والساكن من قامت الحركة والسكون به لا من خلقهما، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة، وروي: أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: «كلوا، فلو قلت إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأنّ فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها.
فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» .
ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيباً واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة» وسمعته يقول: «هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي» وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو تينكم هذا وزيتونكم.
وقيل: جبلان من الأرض المقدّسة يقال لهما بالسريانيّة: طورتينا وطورزيتا، لأنهما منبتا التين والزيتون.
وقيل: ﴿ التين ﴾ جبال ما بين حلوان وهمذان.
و ﴿ الزيتون ﴾ جبال الشام، لأنها منابتهما، كأنه قيل: ومنابت التين والزيتون.
وأضيف الطور: وهو الجبل، إلى سنين: وهي البقعة.
ونحو سينون، يبرون، في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب.
والبلد: مكة حماها الله.
والأمين: من أمن الرجل أمانة فهو أمين.
وقيل: أمان، كما قيل: كرّام في كريم.
وأمانته: أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه.
ويجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمن في قوله تعالى: ﴿ حرماً ءامناً ﴾ [القصص: 57] بمعنى ذي أمن: ومعنى القسم بهذه الأشياء: الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين.
فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه، والطور: المكان الذي نودي منه موسى.
ومكة: مكان البيت الذي هو هدى للعالمين، ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه ﴿ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه.
ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية: أن رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني: أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة، وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات.
أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل: حيث نكسناه في خلقه، فقوّس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشنن جلده وكان بضاً وكلَّ سمعه وبصره وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه: فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف وقرأ عبد الله: ﴿ أسفل السافلين ﴾ .
فإن قلت: فكيف الاستثناء على المذهبين؟
قلت: هو على الأول متصل ظاهر الاتصال، وعلى الثاني: منقطع.
يعني: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم.
فإن قلت: ﴿ فَمَا يُكَذّبُكَ ﴾ من المخاطب به؟
قلت: هو خطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين وإنكاره بعد هذا الدليل، يعني أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء، لأنّ كل مكذب بالحق فهو كاذب، فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً بسبب تكذيب الجزاء.
والباء مثلها في قوله تعالى: ﴿ الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم به مُّشْرِكُونَ ﴾ [النحل: 100] والمعنى: أنّ خلق الإنسان من نطفة، وتقويمه بشراً سوياً وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر: لا ترى دليلاً أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر من الإنسان على هذا كله: لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالجزاء بعد هذا الدليل القاطع.
وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين (8) ﴾ وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قرأها قال: «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة التين أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين ما دام في دار الدنيا، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة» .
﴿ فَما يُكَذِّبُكَ ﴾ أيْ فَأيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ دَلالَةً أوْ نُطْقًا.
﴿ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ بِالجَزاءِ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ وقِيلَ: «ما» بِمَعْنى مَن، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْإنْسانِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى فَما الَّذِي يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الكَذِبِ.
﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ.
والمَعْنى ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الخَلْقِ والرَّدِّ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ عَلى ما مَرَّ مِرارًا.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ والتِّينِ أعْطاهُ اللَّهُ العافِيَةَ واليَقِينَ ما دامَ حَيًّا، فَإذا ماتَ أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ».»
{أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين} وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم أهله وهو من الحكم والقضاء والله أعلم
سورة العلق مكية وهي تسع عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ أيْ: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإعادَةِ والجَزاءِ وحَيْثُ اسْتَحالَ عَدَمُ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ أحْكَمَ الحاكِمِينَ تَعَيَّنَ الإعادَةُ والجَزاءُ.
والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها وقِيلَ: الحُكْمُ بِمَعْنى القَضاءِ فَهي وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما هم أهْلُهُ مِنَ العَذابِ، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ عَلى ما قِيلَ: تَقْرِيرٌ بِما بَعْدَ النَّفْيِ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن قَرَأ مِنكم والتِّينِ والزَّيْتُونِ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ فَلْيُقِلَ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ»».
وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ إذا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ: سُبْحانَكَ فَبَلى»».
وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا في تَفْسِيرِ سُورَةِ: ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ فَتَذَكَّرْ.
ثم قال عز وجل: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: غير منقوص، وذلك أن المؤمن إذا عمل في حالة شبابه، وقوته وحياته، فإذا مرض أو هرم، أو مات، فإنه يكتب له حسناته، كما كان يعمل في حال شبابه وقوته، إلى يوم القيامة ويقال: غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: غير مقطوع ويقال: غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: لا يُمَنُّ عليه.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إنَّ المُؤْمِنُ إذَا مَاتَ، صَعِدَ مَلَكَاهُ إلى السَّمَاءِ، فَيَقُولاَنِ: إنَّ عَبْدَكَ فُلاَناً قَدْ مَاتَ، فَأْذَنْ لَنَا حَتَّى نَعْبُدَكَ عَلَى السَّمَاءِ، فَيَقُولُ الله تَعَالَى: إِنَّ سَمَاوَاتِي مَمْلُوْءةٌ بِمَلاَئِكَتِي، وَلَكِنْ اذْهَبَا إلَى قَبْرِهِ، فَاكْتُبَا لَهُ حَسَنَاتِهِ إلى يوم القيامة» .
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ يعني: أيها الإنسان ما الذي حملك، بعد ما خلقك الله تعالى في أحسن تقويم، حتى كذبت بيوم الدين والقضاء أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ يعني: بأعدل العادلين، يعمل بالعدل مع الكفار، ومع المؤمنين بالفضل.
وقال مقاتل: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ يعني: فما يكذبك أيها الإنسان، بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب والهرم بالحساب، لا تغتر في صورتك وشبابك، فهو قادر على أن يبعثك.
ويقال: معنى قوله إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [العصر: 3] يعني: لا يحزن ولا يذهب عقله، من كان عالماً عاملاً به.
وروي عن ابن عمر، عن النبيّ أنه قال: «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمرهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» .
والله أعلم.
تفسير سورة «التّين»
وهي مكّيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قال ابن عبّاس وغيره: «التين والزيتون» المقْسَمُ بهما هُما المعروفانِ، وقال السهيلي:
أقْسَمَ تعالى بطور تينا، وطور زيتا، وهما جبلانِ عند بيتِ المقدس، وكذلك طور سيناء، ويقال: إن سيناءَ هي الحجارةُ، والطورُ عند أكثر الناسِ هو الجبلُ، وقال الماورديُّ: / ليس كلُّ جبلٍ يقال له: طورٌ إلا أنْ تكونَ فيه الأشجارُ والثمار، وإلا فهو جَبَلٌ فقط، انتهى، وَطُورِ سِينِينَ جبل بالشّام، والْبَلَدِ الْأَمِينِ مكةَ، والقَسَمُ واقع على قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [أي: في أحسن تقويم] «١» ينبغي لَه، وقال بعضُ العلماءِ بالعموم، أي: الإنسانُ أحسنُ المخلوقَاتِ تقويماً، ولَمْ يَرَ قومٌ الحِنْثَ على مَنْ حَلَفَ بالطلاقِ أنَّ زوجتَه أحسنُ من الشمس محتجين بهذهِ الآيةِ، وحسْنُ التقويمِ يشملُ جميعَ محاسنِ الإنسانِ الظاهرةِ والباطنةِ من حسن صورتهِ، وانتصابِ قامَتهِ، وكمالِ عقلهِ، وحسن تمييزِه، والإنسانُ هنا اسمُ جنسٍ، وتقديرُ الكلام: في تقويمِ أحسنَ تقويمٍ لأَن أَحْسَنِ صفةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِي على موصوفٍ.
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ قال قتادةُ وغيره: معناه بالهَرَم وذهولِ العقلِ وهذهِ عِبْرة منصوبةٌ «٢» ، وعبارةُ الثعلبيِّ: فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ قيل: اعتدالهُ واستواءُ شبابهِ، وهو أَحْسَنُ ما يكونُ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ بالهَرَمِ كما قال: إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج: ٥] ، والسافلونَ: الهَرْمَى والزَّمْنَى والذين حَبَسَهُم عذرُهم عن الجهادِ في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل
اللَّه عُذرَهم وأخبرَهم أن لهم أجْرَهم الذي عَمِلُوا قبلَ أن تَذْهَبَ عقولهُم، انتهى، وفي البخاريّ عنه صلّى الله عليه وسلّم «إذا مَرِضَ العبدُ أو سَافرَ كتبَ اللَّه له مثلَ ما كانَ يعملُ مقيماً صحيحاً» وهكذا قال في الذين حَبَسَهُم العذرُ، انتهى، قال- ص-: إِلَّا الَّذِينَ قيلَ: منقطعٌ بناءً على أنَّ مَعْنَى أَسْفَلَ سافِلِينَ: بالهرَم وذهولِ العقْلِ، وقيل متصلٌ بِنَاءً عَلى أَنَّ معْناه في النارِ على كفرِه، انتهى، قال ع «١» : وفي حديثٍ/ عَنْ أنسٍ قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا بَلَغَ المؤْمِنُ خمسينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّه حِسَابَه، فإذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَه الإنَابَة إلَيه، فإذَا بلغَ سبعين أحَبّه أهلُ السَّماءِ، فَإذَا بلغ ثمانين كُتِبَتْ حَسَنَاتُه وتَجاوزَ اللَّهُ عن سيئاتِه، فإذا بلغ تسعينَ غُفِرَتْ ذنُوبُه وشَفَعَ في أهْل بَيْتِه وكَانَ أسيرَ اللَّهِ في أرْضِه، فإذا بلغَ مائةً وَلَمْ يَعْمَل شيئاً كُتِبَ له مثلُ مَا كان يَعْملُ في صحَّتِه ولم تُكْتَبْ عليه سيئة» «٢» ، وفي حديث: «إن المؤمنَ إذا رُدَّ إلى أرذل العمر كُتِبَ له خيرُ ما كانَ يعملُ في قوّتهِ» «٣» .
وذلكَ أجرٌ غير ممنون، ثم قال سبحانه إلزامًا للحُجَّةِ وتوبيخاً للكافرِ: فَما يُكَذِّبُكَ أيها الإنسانُ، أي: فما يَجْعَلُكَ أنْ تُكَذِّبَ بعدَ هذه الحجةِ بالدينِ، وقال قتادة: المعنَى: فمن يكذِّبُكَ يا محمد، فيما تُخْبِرُ به من الجزاءِ والحسابِ «٤» ، وهو الدينُ، بَعْدَ هذه العبر، ويحتمل أن يريد بِالدِّينِ جميعَ دينه وشَرْعِه، ورُوِيَ عن قتادة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كانَ إذا قَرَأَ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ قَال: بَلَى وأنَا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، قالَ ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ وغيره عن أبي هريرة، أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قالَ: «إذا قَرأَ أحدُكم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فَلْيَقُلْ: بلى «٥» وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِين» ومِنْ رواية عبد اللَّه: «إذَا قرأَ أَحَدُكُمْ أَوْ سَمِعَ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [القيامة:
٤٠] فَلْيقُلْ: بلى» «٦» انتهى، ت: وهذان الحديثانِ، وإنْ كَانَ قَدْ ضعَّفُهما ابنُ العربيِّ فهما مما ينبغي ذكرُهما في فضائل الأعمال، والله الموفق بفضله وكرمه.
سُورَةُ التِّينِ وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والتِّينِ والزَّيْتُونِ ﴾ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ التِّينُ المَعْرُوفُ، والزَّيْتُونُ المَعْرُوفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وإبْراهِيمُ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ إنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مُخَلَّصَةٌ مِن شائِبِ التَّنْغِيصِ، وهو يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ مَن هَيَّأهُ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
وجَعَلَ الواحِدَةَ مِنهُ عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِالزَّيْتُونِ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ.
والثّانِي: أنَّ التِّينَ: مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ.
والزَّيْتُونَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ كَعْبٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّهُما جَبَلانِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
والسّادِسُ: أنَّ التِّينَ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونَ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ التِّينَ: جِبالٌ ما بَيْنَ حُلْوانَ إلى هَمَذانَ، والزَّيْتُونَ: جِبالٌ بِالشّامِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
فَأمّا " طُور سِينِينَ " فالطُّورُ: جَبَلٌ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى عَلَيْهِ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ في الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
فَأمّا " سِينِينَ " فَهو لُغَةٌ في سَيْناءَ.
وقَدْ قَرَأ عَلِيٌّ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ " وطُورِ سَيْناءَ " مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً، مَفْتُوحَةَ السِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو حَيْوَةَ: " وطُورِ سِيناءَ " مِثْلَهم إلّا أنَّهم كَسَرُوا السِّينَ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ: " سَيْنِينَ " كَما في المُصْحَفِ، لَكِنَّهُما فَتَحا السِّينَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " سِينِينَ " هو سَيْناءُ.
واخْتَلَفُوا في مَعْناهُ، فَقِيلَ: مَعْناهُ: الحَسَنُ.
وقِيلَ: المُبارَكُ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلشَّجَرِ الَّذِي حَوْلَهُ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٢٠] قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قُرِئَ هاهُنا " وطُورِ سَيْناءَ " وهو أشْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ ﴾ .
وقالَ مُقاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينِينَ، وسَيْناءُ بِلُغَةِ النَّبَطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى " الأمِينُ " الآمِنُ.
والعَرَبُ تَقُولُ لِلْأمِينِ: آمِنٌ.
قالَ الشّاعِرُ: ألَمْ تَعْلَمِي يا أسْمَ ويْحَكِ أنَّنِي حَلَفْتُ يَمِينًا لا أخُونُ أمِينِي يُرِيدُ آمَنِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وفي المُرادِ بِالإنْسانِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كَلَدَةُ بْنُ أُسَيْدٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.
والرّابِعُ: عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهَذا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في أعْدَلِ خَلْقٍ.
والثّانِي: مُنْتَصِبُ القامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والرّابِعُ: في شَبابٍ وقُوَّةٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلى أرْذَلَ العُمُرِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إلى الهَرَمِ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ.
والسّافِلُونَ: هُمُ الضُّعَفاءُ، والزَّمْنى، والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " سافِلِينَ " عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى جَمْعٍ.
تَقُولُ: هَذا أفْضَلُ قائِمٍ، ولا تَقُولُ: قائِمِينَ، لِأنَّكَ تُرِيدُ واحِدًا، فَإذا لَمْ تُرِدْ واحِدًا ذَكَرْتَهُ بِالتَّوْحِيدِ وبِالجَمْعِ.
والثّانِي: إلى النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ.
والمَعْنى: إنّا نَفْعَلُ هَذا بِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ.
تَقُولُ العَرَبُ: أنْفَقَ فُلانٌ مالَهُ عَلى فُلانٍ، وإنَّما أنْفَقَ بَعْضَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى ﴾ لَمْ يُرِدْ كُلَّ مالِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنَ الإنْسانِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِأنَّ مَعْنى الإنْسانِ الكَثِيرُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّهم لا يُرَدُّونَ إلى الخَرَفِ وأرْذَلِ العُمُرِ وإنَّ عُمِّرُوا طَوِيلًا، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ.
وقالَ النَّخْعِيُّ: إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ مِنَ الكِبَرِ ما يَعْجَزُ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ ما كانَ يَعْمَلُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا في وقْتِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ، فَإنَّهم حالَ الكِبَرِ غَيْرُ مَنقُوصِينَ وإنْ عَجَزُوا عَنِ الطّاعاتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّهم لَوْ لَمْ يَسْلُبْهُمُ القُوَّةَ لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ أفْعالِ الخَيْرِ، فَهو يُجْرِي لَهم أجْرَ ذَلِكَ.
والثّانِي: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّهم لا يُرَدُّونَ إلى النّارِ.
وهَذا عَلى القَوْلِ الثّانِي.
وَقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " المَمْنُونِ " في " نْ " [آيَةُ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَما يُكَذِّبُكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ هَذِهِ الحُجَّةِ " بِالدِّينِ " أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالجَزاءِ؟!، وهَذا تَوْبِيخٌ لِلْكافِرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
وزَعَمَ أنَّها نَزَلَتْ في عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ.
والثّانِي: فَمَن يَقْدِرُ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُ خَلْقُنا الإنْسانَ عَلى ما وصَفْنا، قالَهُ الفَرّاءُ.
فَأمّا " الدِّينُ " فَهو الجَزاءُ.
والمُشارُ بِذِكْرِهِ إلى البَعْثِ، كَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِتَقْلِيبِ الأحْوالِ عَلى البَعْثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ أيْ: بِأقْضى القاضِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَحْكُمُ بَيْنَكَ وبَيْنَ مُكَذِّبِيكَ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَتُهُ في تَرْكِهِمْ والإعْراضِ عَنْهم.
ثُمَّ نُسِخَ هَذا المَعْنى بِآيَةِ السَّيْفِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والتِينِ والزَيْتُونِ ﴾ ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ ﴿ وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ ﴾ ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".» وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟
فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ.
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ : « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ.
وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟
قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟
فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".» تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
تفريع على جميع ما ذكر من تقويم خلق الإنسان ثم رده أسفل سافلين، لأن ما بعد الفاء من الكلام مسبّب عن البيان الذي قبل الفاء، أي فقد بان لك أن غير الذين آمنوا هم الذين رُدُّوا إلى أسفل سافلين، فمن يكذب منهم بالدين الحق بعد هذا البيان.
و (مَا) يَجوز أن تكون استفهامية، والاستفهام توبيخي، والخطاب للإِنسان المذكور في قوله: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ [التين: 4] فإنه بعد أن استثني منه الذين آمنوا بقي الإِنسان المكذب.
وضمير الخطاب التفات، ومقتضى الظاهر أن يقال: فما يكذبه.
ونكتة الالتفات هنا أنه أصرح في مواجهة الإِنسان المكذب بالتوبيخ.
ومعنى ﴿ يكذبك ﴾ يَجعلك مُكذباً، أي لا عذر لك في تكذيبك بالدين.
ومتعلق التكذيب: إمَّا محذوف لظهوره، أي يجعلك مكذّباً بالرسول صلى الله عليه وسلم وأمّا المجرور بالباء، أي يجعلك مكذباً بدين الإِسلام، أو مكذباً بالجزاء إن حمل الدين على معنى الجزاء وجملة: ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ مستأنفة للتهديد والوعيد.
و ﴿ الدين ﴾ يجوز أن يكون بمعنى الملة والشريعة، كقوله تعالى: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وقوله: ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً ﴾ [آل عمران: 85].
وعليه تكون الباء للسببية، أي فمن يكذبك بعد هذا بسبب ما جئتَ به من الدين فالله يحكم فيه.
ومعنى ﴿ يكذبك ﴾ : ينسبك للكذب بسبب ما جئت به من الدين أو ما أنذرت به من الجزاء، وأسلوب هذا التركيب مؤذن بأنهم لم يكونوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكذب قبل أن يجيئهم بهذا الدين.
ويجوز أن يكون «الدين» بمعنى الجزاء في الآخرة كقوله: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4] وقوله: ﴿ يصلونها يوم الدين ﴾ [الانفطار: 15] وتكون الباء صلة (يكذب) كقوله: ﴿ وكذب به قومك وهو الحق ﴾ [الأنعام: 66] وقوله: ﴿ قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ﴾ [الأنعام: 57].
ويجوز أن تكون (ما) موصولة وما صدْقُها المكذب، فهي بمعنى (مَن)، وهي في محل مبتدإ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والضمير المستتر في ﴿ يكذبك ﴾ عائد إلى (مَا) وهو الرابط للصلة بالموصول، والباء للسببية، أي ينسبك إلى الكذب بسبب ما جئت به من الإِسلام أو من إثبات البعث والجزاء.
وحذف ما أضيف إليه ﴿ بعدُ ﴾ فبنيت بعدُ على الضم والتقدير: بعدَ تبيُّن الحق أو بعد تبيُّن ما ارتضاه لنفسه من أسفل سافلين.
وجملة: ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ يجوز أن تكون خبراً عن (ما) والرابط محذوف تقديره: بأحكم الحاكمين فيه.
ويجوز أن تكون الجملة دليلاً على الخبر المخبر به عن (مَا) الموصولة وحُذف إيجازاً اكتفاء بذكر ما هو كالعلة له فالتقدير فالذي يكذبك بالدين يتولى الله الانتصاف منه أليس الله بأحكم الحاكمين.
والاستفهام تقريري.
و«أحكم» يجوز أن يكون مأخوداً من الحكم، أي أقضى القضاة، ومعنى التفضيل أن حكمه أسد وأنفذ.
ويجوز أن يكون مشتقاً من الحكمة.
والمعنى: أنه أقوى الحاكمين حِكمةً في قضائه بحيث لا يخالط حكمه تفريط في شيء من المصلحة ونَوْطِ الخبر بذي وصف يؤذن بمراعاة خصائص المعنى المشتقِّ منه الوصفُ فلما أخبر عن الله بأنه أفضل الذين يحكمون، عُلم أن الله يفوق قضاؤه كل قضاء في خصائص القضاء وكمالاته، وهي: إصابة الحق، وقطع دابر الباطل، وإلزام كل من يقضي عليه بالامتثال لقضائه والدخول تحت حكمه.
روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ منكم ﴿ والتين والزيتون ﴾ [التين: 1] فانتهى إلى قوله: ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين».
سُورَةُ التِّينِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والتِّينِ والزَّيْتُونِ ﴾ هُما قَسَمانِ، وفِيهِما ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُما التِّينُ والزَّيْتُونُ المَأْكُولانِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ التِّينَ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ وابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ الحارِثُ وابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ التِّينُ، والجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ الزَّيْتُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهُما جَبَلانِ بِالشّامِ يُقالُ لِأحَدِهِما طُورُ زَيْتا، ولِلْآخَرِ طُورُ تِينا، وهو تَأْوِيلُ الرَّبِيعِ.
وَحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُما جَبَلانِ بَيْنَ حُلْوانَ وهَمْدانَ، وهو بَعِيدٌ.
السّادِسُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ إيلِيّا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّابِعُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّامِنُ: أنَّهُ أرادَ بِهِما نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ الَّتِي مِنها التِّينُ والزَّيْتُونُ، لِأنَّ التِّينَ طَعامٌ، والزَّيْتُونَ إدامٌ.
﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ وهو قَسَمٌ ثالِثٌ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ سِينِينَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحُسْنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، ونَطَقَتْ بِهِ العَرَبُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ المُبارَكُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ البَحْرِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلشَّجَرِ الَّذِي حَوْلَهُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
﴿ وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ ﴾ يَعْنِي بِالبَلَدِ مَكَّةَ وحَرَمَها، وفي الأمِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الآمِنُ أهْلُهُ مِن سَبْيٍ أوْ قَتْلٍ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَكُفُّ عَنْهُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ تَسْبِيَ فِيهِ أحَدًا أوْ تَسْفِكَ فِيهِ دَمًا.
الثّانِي: يَعْنِي المَأْمُونَ عَلى ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن مَعالِمِ الدِّينِ، وهَذا قَسَمٌ رابِعٌ.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ وفي المُرادِ بِالإنْسانِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ عُمُومَ النّاسِ، وذَكَرَ الإنْسانَ عَلى وجْهِ التَّكْثِيرِ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِما يَعُمُّ لِجَمِيعِ النّاسِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنْسانًا بِعَيْنِهِ عَناهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وإنْ كانَ صِفَةَ النّاسِ.
واخْتُلِفَ فِيمَن أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى كَلَدَةَ بْنَ أُسَيْدٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أبا جَهْلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الخامِسُ: أنَّهُ عَنى رَسُولَ اللَّهِ .
وفي قَوْلِهِ ﴿ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أعْدَلِ خَلْقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: في شَبابٍ وقُوَّةٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: مُنْتَصِبَ القامَةِ، لِأنَّ سائِرَ الحَيَوانِ مُنْكَبٌّ غَيْرَ الإنْسانِ، فَإنَّهُ مُنْتَصِبٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أيْ في أكْمَلِ عَقْلٍ، لِأنَّ تَقْوِيمَ الإنْسانِ بِعَقْلِهِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ.
﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى الهَرَمِ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ، ويَكُونُ أسْفَلُ بِمَعْنى بَعْدَ التَّمامِ.
الثّانِي: بَعْدَ الكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ، ويَكُونُ أسْفَلُ السّافِلِينَ مَحْمُولًا عَلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إلى ضَعْفِ التَّمْيِيزِ بَعْدَ قُوَّتِهِ.
﴿ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَنقُوصٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الشّاعِرُ يا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ غَيْرِ مَمْنُونٍ.
.
.
.
.
.
.
.
.
الثّانِي: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: غَيْرُ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ والأذى، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الخامِسُ: أجْرٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَحُكِيَ أنَّ مَن بَلَغَ الهَرَمَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ ما عَجَزَ عَنْهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.
السّادِسُ: أنْ لا يَضُرَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم ما عَمِلَهُ في كِبْرِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
﴿ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الجَزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا ∗∗∗ دانَتْ أوائِلَهم في سالِفِ الزَّمَنِ ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ لِمَنِ اعْتَرَفَ مِنَ الكَفّارِ بِصانِعٍ قَدِيمٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً بِالحَقِّ وعَدْلًا بَيْنَ الخَلْقِ وفِيهِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلِمَ يُنْكِرُونَ مَعَ هَذِهِ الحالِ البَعْثَ والجَزاءَ.
وَكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا قَرَأ ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ﴾ قالَ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ، ونَخْتارُ ذَلِكَ.
أخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال: أنزلت سورة ﴿ والتين ﴾ بمكة.
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فصلى العشاء، فقرأ في إحدى الركعتين ب ﴿ والتين والزيتون ﴾ ، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد في مسنده والطبراني عن عبدالله بن يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب ب ﴿ والتين والزيتون ﴾ .
وأخرج الخطيب عن البراء بن عازب قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فقرأ ﴿ والتين والزيتون ﴾ .
وأخرج ابن قانع وابن السكن والشيرازي في الألقاب عن زرعة بن خليفة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم من اليمامة، فعرض علينا الإِسلام، فأسلمنا، فلما صلينا الغداة قرأ ب ﴿ والتين والزيتون ﴾ و ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ .
أخرج الخطيب وابن عساكر بسند فيه مجهول عن الزهري عن أنس قال: لما نزلت سورة ﴿ والتين ﴾ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بها فرحاً شديداً حتى تبين لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال: التين بلاد الشام، والزيتون بلاد فلسطين ﴿ وطور سينين ﴾ الذي كلم الله موسى عليه، ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ عبدة اللات والعزى ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ﴾ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﴿ فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ إذا بعثك فيهم نبياً وجمعك على التقوى يا محمد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والتين ﴾ قال: مسجد نوح الذي بني بأعلى الجودي ﴿ والزيتون ﴾ قال: بيت المقدس ﴿ وطور سينين ﴾ قال: مسجد الطور ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ قال: مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ يقول: يرد إلى أرذل العمر، كبر حتى ذهب عقله، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تسفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ يقول: بحكم الله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والتين والزيتون ﴾ قال: هما المسجدان مسجد الحرام ومسجد الأقصى، حيث أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وطور سينين ﴾ الجبل الذي صعده موسى ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في انتصاب لم يخلق منكبّاً على وجهه ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: أرذل العمر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ والتين ﴾ قال: التين الجبل الذي عليه دمشق ﴿ والزيتون ﴾ الذي عليه بيت المقدس ﴿ وطور سينين ﴾ قال: جبل بالشام مبارك حسن ذو شجر ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ قال: مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: وقع القسم هاهنا ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: جهنم ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ يقول: استيقن فقد جاءك من الله البيان.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبدالله قال: ﴿ التين ﴾ مسجد دمشق ﴿ والزيتون ﴾ بيت المقدس ﴿ وطور سينين ﴾ جبل موسى ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ البلد الحرام.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: ﴿ التين ﴾ مسجد أصحاب الكهف ﴿ والزيتون ﴾ مسجد إيليا ﴿ وطور سينين ﴾ مسجد الطور ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ مكة.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ والتين والزيتون ﴾ مسجدان بالشام ﴿ وطور سينين ﴾ قال: الطور الجبل وسينين الحسن.
وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن كعب الأحبار في قوله: ﴿ والتين ﴾ الآية، قال: ﴿ التين ﴾ دمشق ﴿ والزيتون ﴾ بيت المقدس ﴿ وطور سينين ﴾ الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ﴿ والبلد الأمين ﴾ مكة.
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي حبيب الحارث بن محمد قال: أربعة جبال مقدسة بين يدي الله تعالى: طور زيتا وطور سينا وطور تينا وطور تيما.
وهو قول الله: ﴿ والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين ﴾ فأما طور زيتا فبيت المقدس، وأما طور سينا فالطور، وأما طور تينا فدمشق، وأما طور تيما فمكة.
وأخرج ابن المنذر عن زيد بن ميسرة مثله.
وفيه وطور سينا حيث كلم الله موسى.
وأخرج ابن عساكر عن الحكم ﴿ والتين ﴾ دمشق ﴿ والزيتون ﴾ فلسطين ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ مكة.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس ﴿ والتين والزيتون ﴾ قال: الفاكهة التي يأكلها الناس ﴿ وطور سينين ﴾ قال: الطور الجبل وسينين المبارك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والتين والزيتون ﴾ قال: الفاكهة التي يأكل الناس ﴿ وطور سينين ﴾ قال: الطور الجبل وسينين المبارك ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ قال: مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في أحسن صورة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: في النار ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: إلا من آمن ﴿ فلهم أجر غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وطور سينين ﴾ قال: هو الحسن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ سينين ﴾ هو الحسن بلسان الحبشة.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع في قوله: ﴿ والتين والزيتون وطور سينين ﴾ قال: الجبل الذي عليه التين والزيتون.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله «أن خزيمة بن ثابت، وليس بالأنصاري سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البلد الأمين فقال: مكة» .
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن عمرو بن ميمون قال: صليت خلف عمر بن الخطاب المغرب فقرأ في الركعة الأولى: ﴿ والتين والزيتون وطور سينا ﴾ قال: وهكذا هي قراءة عبدالله وقرأ في الركعة الثانية ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ [ الفيل: 1] ﴿ ولئلاف قريش ﴾ [ قريش: 1] جمع بينهما، ورفع صورته، فقدرت أنه رفع صورته تعظيماً للبيت.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في أعدل خلق ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ يقول: إلى أرذل العمر ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ﴾ غير منقوص يقول: فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر، وكان يعمل في شبابه عملاً صالحاً كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه، ولم يضره ما عمل في كبره، ولم يكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: خلق كل شيء منكباً على وجهه إلا الإِنسان ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ إلى أرذل العمر ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية قال: فأيما رجل كان يعمل عملاً صالحاً وهو قويّ شاب فعجز عنه جرى له أجر ذلك العمل حتى يموت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ والتين ﴾ قال: هو هذا التين ﴿ والزيتون ﴾ قال: هو هذا الزيتون ﴿ وطور سينين ﴾ قال: الطور الجبل وسينين هو الحسن بالحبشة ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ قال: مكة ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: شباب وشدة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: رد إلى أرذل العمر ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ﴾ قال: يوفيه الله أجره وعمله فلا يؤاخذه إذا رد إلى أرذل العمر، وفي لفظ، قال: من رد منهم إلى أرذل العمر جرى له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه، فذلك الأجر غير ممنون، قال: ولا يمن به عليهم.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ والتين والزيتون ﴾ قال: تينكم هذا الذي تأكلون وزيتونكم هذا الذي تعصرون ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في أحسن صورة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: في نار جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ يقول: في أحسن صورة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: في النار في شر صورة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن إبراهيم ﴿ قد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ﴾ قال: في أحسن صورة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: إلى أرذل العمر، فإذا بلغوا ذلك كتب لهم من العمل مثل ما كانوا يعملون في الصحة.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: عز وجل ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: هذا الكافر من الشباب إلى الكبر ومن الكبر إلى النار.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت علي بن أبي طالب وهو يقول: فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل ** عن الشعث والعدوان في أسفل السفل وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: إلى أرذل العمر.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وذلك قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: إلا الذين قرؤوا القرآن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: كان يقال من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ قال: الهرم لم يجعل فيه قوّة ما كان ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ [ النحل: 70] قال: ولا ينزل تلك المنزلة أحد قرأ القرآن، وذلك قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال: هم أصحاب القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ يقول: إلى الكبر وضعفه فإذا ضعف وكبر عن العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته.
وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان العبد على طريقة من الخير فمرض أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل، ثم قرأ ﴿ فلهم أجر غير ممنون ﴾ » .
وأخرج البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فلهم أجر غير ممنون ﴾ قال: «غير ممنون ما يكتب لهم صاحب اليمين فإن عمل خيراً كتب له صاحب اليمين، وإن ضعف عن ذلك كتب له صاحب اليمين، وأمسك صاحب الشمال، فلم يكتب سيئة، ومن قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً» .
وأخرج ابن عساكر عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد يقال لصاحب الشمال: ارفع عنه القلم، ويقال لصاحب اليمين: اكتب له أحسن ما كان يعمل، فإني أعلم به وأنا قيدته» .
وأخرج الطبراني عن شداد بن أوس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب عز وجل: إني أنا قيدته وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك وهو صحيح» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن منصور قال: قلت لمجاهد ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ و ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين ﴾ [ الماعون: 1] عنى به النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال: معاذ الله إنما عني به الإِنسان.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» .
وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى على هذه الآية ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ يقول: سبحانك فبلى» .
وأخرج الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة يرويه: «من قرأ ﴿ والتين والزيتون ﴾ فقرأ ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأت ﴿ والتين والزيتون ﴾ فقرأت ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فقل بلى» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ قال: سبحانك اللهم فبلى.
قوله تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: بأعدل العَادلين (١) (٢) وقال الكلبي: بأفضل الحاكمين (٣) (٤) وقال مقاتل: بأقضى القاضيين (٥) أحدهما: أن هذا تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان؛ ثم رددناه (٦) يقول: أليس الله بأحكم الحاكمين الذي فعل ذلك صنعًا وتدبيرًا (٧) وهذا معنى قول ابن عباس (في رواية عطاء) (٨) الثاني: إن هذا تنبيِه على حكمه بين نبيه - -، وبين من كذبه (٩) (١٠) (١١) (١) بياض في (ع).
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) في (ع): (بأفضل القاضين).
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) بمعناه في "تفسيره" 244 ب بأفصل الفاصلين، وقد ورد بمثله من غير عزو في "معالم التنزيل" 4/ 505، و"زاد المسير" 8/ 277.
(٦) في (ع): (رده).
(٧) قال بمعنى ذلك: ابن عيسى كما في "النكت والعيون" 6/ 303، وانظر: "التفسير الكبير" 32/ 12 من غير عزو.
(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٩) انظر: "التفسير الكبير" 32/ 12.
(١٠) "معالم التنزيل" 4/ 505، و"زاد المسير" 8/ 277.
(١١) ما بين القوسين ساقط من (ع).
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ فيه قولان: أحدهما أن أحسن التقويم هو حسن الصورة وكمال العقل والشباب والقوة وأسفل سافلين الضعف والهرم والخوف فهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق ﴾ [يس: 68] وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ [الروم: 54] وقوله: ﴿ إِلاَّ الذين آمَنُواْ ﴾ بعد هذا غير متصل بما قبله، والاستثناء على هذا القول منقطع بمعنى لكن لأنه خارج عن معنى الكلام الأول.
والآخر أن حسن التقويم: الفطرة على الإيمان وأسفل سافلين الكفر أو تشويه الصورة في النار، والاستثناء على هذا متصل، لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يردوا أسفل سافلين ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ قد ذكر ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والدين شريعته، والمعنى أي شيء يكذبك الدين بعد هذه الدلائل التي تشهد بصحة نبوّتك؟
والآخر أنه خطاب للإنسان الكافر، والدين على هذا الشريعة أو الجزاء الأخروي ومعنى يكذبك على هذا يجعلك كاذباً، لأن من أنكر فهو كاذب والمعنى أي شيء يجعلك كاذباً بسبب كفرك بالدين بعد أن علمت أن الله خلقك في أحسن تقويم، ثم ردّك أسفل سافلين، ولا شك أنه يقدر على بعثك كما قدر على هذا، فلأي شيء تكذب بالبعث والجزاء؟
ولا شك أنه يقدر على بعثك كما قدر على هذا، فلأي شيء تكذب بالعبث والجزاء؟
﴿ أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين ﴾ ؟
تقرير ووعيد للكفار بأن يحكم عليهم بما يستحقون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأها قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
الوقوف: ﴿ والزيتون ﴾ ه لا ﴿ سينين ﴾ ه لا ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ تقويم ﴾ ه ز للعطف ﴿ سافلين ﴾ ه ط بناء على أن المراد بالرد هو الخذلان إلى الكفر، ولو حمل إلى الرد إلى أرذل العمر لأن الاستثناء منقطع جاز الوقف عند قوم ﴿ ممنون ﴾ ه ط ﴿ بالدين ﴾ ه ط ﴿ الحاكمين ﴾ ه.
التفسير: إن التين والزيتون كيف أقسم الله بهما من بين سائر المخلوقات الشريفة؟
للمفسرين فيه قولان: فعن ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذان من خواص التين أنه غذاء فاكهة ودواء لأنه طعام لطيف سريع الهضم ما بين الطبع، ويخرج بطريق الرشح ويقلل البغلم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح مسام الكبد والطحال.
وروي أنه أهدي لرسول الله طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه " "كلوا فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت: هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوه فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس" .
وعن علي بن موسى الرضا : التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج.
ومن خواصه أن ظاهره كباطنه ماله قشر ولا نواة له وأنها شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى تأتي بالثمرة ثم بالنورخلاف المشمش واللوز.
ونحوهما، وسائر الأشجار كأرباب المعاملات في قوله " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" " لأنها تلبس نفسها أولاً بورد أو ورق ثم تظهر ثمرتها، وشجرة التين كالمصطفى كان يبدأ بغيره ثم يبدأ بنفسه كما قال ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ وإنها تعود ثمرتها في العام مرة أخرى، وإنها في المنام رجل خير وغنى فمن رآها نال خيراً وسعة، ومن أكلها رزقه الله أولاداً.
ويروى أن آدم تستر بورقها حين نزع عنه ثيابه فلما نزل وكان مستوراً بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعهما بعض ورق التين فرزقها الله الجمال والملاحة صورة، والمسك وطيبة معنى، وحين تفرقت الظباء ورأى غيرهن منها ما أعجبها جاءت من الغد على أثرهن فأطعمها من الورق فغير الله حالها إلى الجمال والملاحة دون طيب المسك، وذلك أن الطائفة الأولى جاءت إلى آدم لا لأجل الطمع، والطائفة الثانية جاءت للطمع سراً وإلى آدم ظاهراً، فلا جرم غير ظاهرها دون باطنها.
وأما الزيتون فإنه من الشجرة المباركة وهو فاكهة من وجه ودواء من وجه كما تقدم وصفه في سورة النوّر.
قال مريض لابن سيرين: رأيت في المنام كأنه قيل لي كل اللاءين تشفى فقال: كل الزيتون فإنه لا شرقية ولاغربية.
وقيل: من أخذ ورق الزيتون في النوم استمسك بالعروة والوثقى.
فهذه المصالح والمنافع هي التي جوزت الإقسام بهما.
القول الثاني: إنه ليس المراد بهما هذه الثمرة ثم اختلفوا.
فعن ابن عباس في رواية: هما جبلان في الأرض المقدسة يقال لهما طور تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون.
وهما منشأ عيسى ومبعثه ومبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل، كما أن طور سينين مبعث موسى، والبلد الأمين مبعث محمد .
وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس.
وقيل: التين مسجد الكهف، والزيتون مسجد إيليا.
وعن ابن عباس أيضاً: التين مسجد نوح على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس، وعن كعب: أن التين دمشق، والزيتون بيت المقدس.
عن شهر بن حوشب: التين الكوفة والزيتون الشأم.
وعن الربيع: هما جبلان من بين همذان وحلوان، وأما طور سينين فالطور جبل موسى وسينين الحسن بلغة الحبشة.
وقال مجاهد: المبارك وقال الكلبي ومقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط.
قال الواحدي: الأولى أن يكون سينين اسماً للمكان الذي فيه الطور سمي بذلك لحسنه أو لبركته، ثم أضيف إليه الطور للبيان.
لإضافته إليه وسميت مكة أميناً لأنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين وما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون " فعيلاً " بمعنى " مفعولاً " لأنه مأمون الغوائل كما جعله آمناً لكونه إذا أمن أقول: من المعلوم أن الإقسام ينبغي في باب البلاغة أن يكون مناسباً وكذا القسم والمقسم عليه، وكان الله أقسم بالمراتب الأربع التي للنفس الإنسانية من العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد إن الإنسان خلق في أحسن تقويم وهو كونه مستعداً للوصول إلى المرتبة الرابعة في العلم والعمل، ثم إذا لم يجتهد في الوصول إلى كماله اللائق به فكأنه رد إلى أسفل سافلين الطبيعة، وإنما عبر عن العقل الهيولاني بالتين لضعف شجرته، ولأنه زمان الصبا واللهو والالتذاذ والاشتغال بالأمور التي لا طائل تحتها ولا درك فيها بخلاف زمان العقل بالملكة لقوة المعقولات فيها لكونه بحيث يطلب للأشياء حقائق ومعاني، وهي بمنزلة الزيت، وفي زمان العقل بالفعل يكون قد ازدادت المعاني رسوخاً حتى صارت كالجبل المبارك، وفي آخر المراتب اجتمعت عنده صور الحقائق دفعة بمنزلة المدينة الفاضلة، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة مفردة فلنقتصر في التفسير على هذا القدر من التأويل.
ثم إن أكثر المفسرين قالوا: معنى ﴿ في أحسن تقويم ﴾ في أحسن تعديل شكلاً وانتصاباً.
وقال الأصم: في أكمل عقل وفهم وبيان.
والأولون قالوا: لو حلف إنسان أن زوجته أحسن من القمر لم يحنث لأنه أعلم بخلقه ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ وكان بعض الصالحين يقول: إلهنا أعطيتنا في الأول أحسن الأشكال فأعطنا في الآخرة أحسن الخصال وهو العفو عن الذنوب والتجاوز عن العيوب.
ومعنى ﴿ أسفل سافلين ﴾ قال ابن عباس: أرذل العمر ومثله قول ابن قتيبة: السافلون هم الضعفاء والزمنى ومن لا يستطيع حيلة ولا يجد سبيلاً.
قال الفراء: لو قيل " أسفل سافل " حملاً على لفظ الإنسان كان صواباً أيضاً.
وقال مجاهد والحسن: هو النار ومثله ما قال علي : أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض ويبدأ بالأسفل فيملأ.
وعلى هذا القول تقدير الكلام رددناه إلى أسفل سافلين أي في أسفل سافلين ﴿ إلا الذين ﴾ الآية.
أي الذين استكملوا بحسب القوتين النظرية والعلمية فلهم ثواب دائم غير منقطع.
إما بسبب صبرهم على ما ابتوا به من الشيخوخة والهرم والمواظبة على الطاعات بقدر الإمكان مع ضعف البنية وفتور الآلات.
او بواسطة حصول الكمالات لهم.
فهذا الاستثناء على القول الأول منقطع بمعنى لكن.
وعلى الثاني متصل.
ولا يبعد أن يكون أيضاً متصلاً والمعنى.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال الاستطاعة فلهم ثواب جزيل في حالة الشيخوخة والضعف وإن لم يقدروا على مثل تلك الأعمال.
فكأنهم لم يردوا إلى أسفل من سفل.
ثم خاطب الإنسان بقوله ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ يعني فأي شيء يلجئك بعد هذه البيانات إلى أن تكون كاذباً بسبب تكذيب الجزاء، لأن كل مكذب بالحق فهو كذاب، ولا ريب أن خلق الإنسان من نطفة إلى أن يصير كاملاً في الخلق والخلق، ثم تنكيسه إلى حال تخاذل القوى وتقويس الظهر وابيضاض الشعر وتناثره أوضح دليل على قدرة الصانع وحده، ومن قدر على هذا كله لم يعجز عن إعادة مخلوقه بعد تفرق أجزائه.
هذا بالنظر إلى القدرة، وأما بالنظر إلى الحكمة والعدالة فإيصال الجزاء إلى المحسن والمسيء والفرق بين الصنفين واجب.
وأشار إلى هذا الدليل بقوله ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فأمر المعاد بالنظر إلى القدرة ممكن الوقوع وبالنظر إلى الحكمة والعدل واجب الوقوع.
وقال الفراء: الخطاب للنبي والمعنى: فمن يكذبك بالجزاء أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل؟
قالت المعتزلة: قوله ﴿ في أحسن تقويم ﴾ دليل على أنه لا يفعل القبيح ولا يفعل أفعال العباد في ما فيها من السفه والظلم، ولو خلق ذلك لكان هو أولى بأن يدعى سفيهاً وظالماً.
وأجيب بأن خلق السفه لا يلزم منه الاتصاف بالسفه كما أن إيجاد الحركة لا يلزم منه الاتصاف بالحركة.
ويمكن أن يقال: نحن لا ندعي لزوم الاتصاف به ولكن ندعي أن خلق السفه نفسه نوع سفه.
والجواب الصحيح بعد المعارضة بالعلم والداعي أن يعارض بقوله ﴿ ثم رددناه ﴾ فإنه دليل على أنه أضاف الشيء إلى ذاته.
"عن رسول الله أنه كان إذا قرأ السورة قال: بلى وأنا بذلك من الشاهدين"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ ﴾ : قال هذه السور كلها نزلت في محاجة أهل مكة، سوى سورة ﴿ وَٱلضُّحَىٰ ﴾ و ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ ؛ فإنها جاءتا في تذكير منن الله لرسوله - -: إحداهما: خاطبه جبريل - - في تذكير ما من عليه، والأخرى ربه - بذلك، وأما غيرهما من السروة فإنما جاءت في محاجة أهل مكة.
ثم قوله - عز جل -: ﴿ وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ ﴾ : قسم؛ أقسم تأكيدا للحجج التي أقامها ما لولا القسم لكان ما ذكر يوجب ذلك، [لكن في] القسم تأكيد ما ذكر من الحجة.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله: ﴿ وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ ﴾ : قال بعضهم: هو التي الذي [يأكله الناس، والزيتون الذي يستخرجون منه الزيت]، كذا روي عن ابن عباس - ما - أنه سئل عن قوله: ﴿ وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ ﴾ ؟
فقال: تينكم وزيتونكم هذا.
وقال بعضهم: هما جبلان بالشام.
وقال بعضهم: هما مسجدان في الشام: أحدهما: مسجد دمشق؛ والآخر: مسجد بيت المقدس.
وقيل: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد نبينا .
وعن قتادة: أنه قال: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [الجبل] الذي عليه [مسجد] بيت المقدس.
وقال القتبي: التين والزيتون: جبلان بالشام، يقال لهما: طور تيناء، وطور زيتاء؛ بالسريانية، سميا بالتين والزيتون؛ لأهما ينبتان فيهما.
وقوله: ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ ، قال بعضه: هو جبل بسينين، والسنين: اسم موضع، والطور الجبل، وكذا قال أبو عوسجة.
وقال بعضهم: جبل حسن، و"السينين": الحسن بالحبشة.
وقال بعضهم: كل جبر مشجر، له الثمر، فهو سينين.
وقال بعضهم: هو الجبل الذي أوحي عليه إلى موسى - - وهو طور سيناء.
وقيل: هو الجبل المبارك.
ثم تخريج جهة القسم بالجبل، وبما ذكر على وجوه: أحدها: بما عظم شأن الجبال في قلوب الخلق حيث وصل إليهم أخبار السماء من جهة تلك الجبال، وجميع ما يرجع إلى منافع أنفسهم ودينهم، على ما ذكر أنه أوحي إلى موسى - - على جبل طور سيناء، وأوحي إلى عيسى - - على جبل ساعورا، وأوحي إلى محمد على جبل فاران، على ما ذكر في الخبر أن موسى - - قال: "أتاني ربي من [جبل] طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران"، أي: أتاني وحي ربي من جبل طور سيناء، وسيأتي وحي عيسى - - من جبل ساعورا، ويأتي الوحي إلى محمد من فاران".
والثاني: أقسم بالجبال؛ لما أرساها في الأرض، وجعلها أوتادا لها؛ لئلا تميد بأهلها، ولا تميل، على ما ذكر في غير آي من القرآن عظم شأن الجبال من هذه الجهة في قلوب الخلق.
والثالث: لما أخرج منها مع شدتها وصلابتها وغظلها وارتفاعها المياه [الجارية وغير الجارية] الصافية الباردة، وهي من ألبن الأشياء وأخرج منها الأشجار الكثيرة المثمرة وغير المثمرة في إنبات أحد، ولا غرسها، وغير ذلك من المنافع التي جعل في الجبال مما لا يمكن للخلق استخراج ذلك مها بحيلهم وتكلفهم، فأقسم بها لعظم ما جعل في الجبال من المنافع والبركات.
وكذلك إن كان القسم بالتين الذي يؤكل والزيتون الذي يخرج منه الزيت؛ لما جعل لهم في ذلك من المنافع العظام، كقوله - -: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ﴾ \[المؤمنون: 20\]، فمن هذه الوجوه التي ذكرنا يحتمل القسم بالجبال والتين والزيتون.
أو ذكر التين والزيتون والمراد بهما: الجبل؛ لما في الجبل يكونان عندهم، على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ ﴾ : هومكة؛ سماه: أمينا؛ لما يأم من دخله، أو يؤمن من دخله ويحفظه؛ لأن الأمين عند الناس هو الذي يحفظ من ائتمن عليه وفيه، وهو المأمون به.
ثم جائز أن يكون القسم بالبلد لأهل مكة ولأهل الشرك؛ لما عظم شأنه وأمره عندهم وفي قلوبهم، وأقسم بالجبال؛ لعظم قدرها ومنزلتها ومحلها في قلوب أهل الكتاب؛ لما كانوا يؤمنون ببعض الوحي، وأهل مكة لا يؤمنون بالرسل وبالوحي؛ ولكن يعظمون ذلك البلد.
وجائز أن يكون القسم بما ذكر كله لهم جميعا، والله أعلم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ : قال أهل التأويل: على هذا وقع القسم، لكن القسم بغيره أولى وأقرب؛ لأنهم قد شاهدوا وعرفوا أنه خلق الإنسان على أحسن تقويم؛ إذ لم يتمن أحد أن يكون على غير هذا التقويم وعلى غير هذه الصورة التي أنشأه عليها؛ فالشبه أن يكون القسم واقعا على قوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ ؛ لما فيه وقع الإنكار والتكذيب وهو نار جهنم؛ فأكد ذلك بالقسم كأنه قال: من أنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، نردهم إلى أسفل السافلين؛ لكفرهم وعنادهم سوى المؤمنين.
ثم قوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أحسن صورة يشاهدون ويعاينون؛ لأن الملائكة لعلهم أحسن صورة وأحكم تقويما في الخلقة من البشر، ولكن يرجع إلى سائر الخلائق دونهم؛ وذلك لأنه خلق البشر على صورة لا يتمنى أحد منهم أن يكون على غير صورة البشر؛ دل أنه خلقهم على أحسن صورة.
والثاني: على أحسن تقويم، أي: على أحكم تقويم وأتقنه؛ لأنه خلقهم وأنشأهم على هيئة يتهيأ لهم استعمال الأشياء كلها في منافعهم والانتفاع بها بحيل وأسباب علمهم وجعل فيهم، ومكن لهم ذلك.
ويحتمل: ﴿ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ، أي: أحكم وأتقن على الدلالة على وحدانية الله - - وألوهيته.
أو جعله أهل تمييز ومعرفة، وبحث يكون منهم الخيرات وأنواع الطاعات التي يثابون عليها، وينالون بها الثواب الجزيل، والكرامة العظيمة ما لا يكون لغيرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ [هو يحتمل وجوها: أحدها: رددناه إلى أسفل السافلين] وهو جهنم، نرد الكافر إلى جهنم وهي أسفل السافلين، والمؤمن رددناه إلى الجنة وهي أعلى العليين، وهو ما استثنى بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ في الجنة.
والثاني: رددناه إلى أسفل ما اختار من الأعمال والأفعال، وهو [ما اختار] من فعل الشرك والكفر، ورددنا المؤمن إلى أعلى ما اختار من الأعمال العالية الرفيعة، [والله أعلم].
والثالث: ما ق اله أهل التأويل: ثم رددناه [إلى] أرذل العمر وأسفله، [ثم استثنى ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...
﴾ إلى آخره]، وأي: يجري عليهم ثواب أعمالهم التي عملوا بها في حال صحتهم وشبابهم، فأمَّا أولئك فإنهم إذا ردوا إلى ما ذكر، لم يجر لهم ذلك؛ وهذا التأويل إنما يصح، أو لو استثنى المحسنين من المؤمنين منهم، فأما إذا استثنى أهل الإيمان من أهل الكفر فإنه لا يحتمل، والأول أشبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ ﴾ : إن كان الخطاب [به] لكل إنسان كذب بالدين، يقول: ما الذي دعاك إلى تكذيبك بالدين؟
وقد عرفت أن الله - - أحكم الحاكمين، لا يفعل إلا ما هو حكمه، ولو لم يكن يوم الدين كان فعله عبثا باطلا؛ لأنه أنشأكم، ثم رباكم إلى أن بلغتم إلى الحال التي بلغتم، فلو لم يكن بعث، لكان يخرج فعله عبثا باطلا.
أو يقول: لما سوى بين من اختار ولا يته وبين من اختار العداوة في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ فلا بد من مكان يفرق بينهما هنالك.
وإن كان الخطاب في قوله: ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ ﴾ لرسول الله يقول: أي حجة له في تكذيبك بما تخبره من الدين؟
أي: لا حجة له في ذلك.
أو يقول: ما الذي دعاه إلى تكذيبه بالدين بعد ما عرف أني أحكم الحاكمين؟!.
ثم اختلف في قوله: ﴿ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ : قال بعضهم: أحكم القاضين، أي: أعدلهم.
وقال بعضهم: أحكم الحكماء، والإفناء بلا بعث فعل السفهاء، لا فعل الحكماء، وهو أحكم الحاكمين، أي: أعدل القاضين في التفريق بين [الأولياء والأعداء]، وقد اجتمعوا في الدنيا؛ فلا بد من دار يفرق بينهما فيها، والله الموفق.
أليس الله -بجعل يوم القيامة يومًا للجزاء- بأحكم الحاكمين وأعدلهم؟!
أيعقل أن يترك الله عباده سدى دون أن يحكم بينهم، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته؟!
(هذا البلد الأمين) هو مكة المشرفة، ولقبه بالأمين لأن الله حرم فيه القتل والإعدام، حتى للأشجار والنبات ما عدا بعض أنواع منه استثنيت لحاجة الناس إليها، فهو بلد مأمون الغائلة لا يخافه من يحله.
والقسم به للتنويه بقدره خصوصًا وهو مبعث نور الإسلام.
(وطور سينين) هو الجبل الذي كلم الله موسى عليه.
ويقال له طور سيناء بفتح السين وكسرها، وقرئ سينين بفتح السين، وهي لغة بكر وتميم.
ويقال إن سينين والياسين والغسلين وأمثال هذا الوزن من لغة أهل اليمن وعرب الجنوب.
وسينين قيل اسم البقعة التي بجوار الجبل، وقال الأخفش سينين جمع بمعنى شجر واحدته سينة، وقيل غير ذلك.
والقسم به لرفع ذكره والتذكير بما كان بعد ذلك الجبل من الآيات الباهرات التي ظهرت لموسى ولقومه، وما كان بعد ذلك من سن الشريعة الموسوية وإنزال التوراة.
(والتين) قيل جبل في دمشق، ويسمى طور تينا، لأنه منبت التين.
وقيل إن التين هو مسجد دمشق.
وقيل هو مسجد نوح الذي بناه علي الجودي.
وقيل هو موضع الكوفة لأنه كان منزلًا لنوح .
وقيل جبل ما بين حلوان وهمذان، والقسم به للتذكير بأمر نوح وما أهلك الله به أهل الفجور والفساد وأنجى الله المؤمنين الصالحين.
وأما على أنه جبل في دمشق أو مسجدها فلا نفهم للإقسام به حكمة، بل يكون مما لا يعلمه إلا الله.
(والزيتون) قيل هو طور زيتا، وهو جبل ببيت المقدس.
وقيل هو بيت المقدس نفسه، وسماه بالزيتون لكثرة شجر الزيتون فيما حوله.
وبالجملة فعلى هذه الأقوال يكون التين والزيتون كنايتين عن مواضع، وليس المقصود هو الإقسام بالأشجار نفسها، وإنما كني بها عن مغارسها.
وقال قليل من المفسرين إن الإقسام هو بالنوعين لذاتهما التين والزيتون.
قالوا: لكثرة فوائدها.
ولكن تبقى المناسبة بينهما وبين طور سينين والبلد الأمين وحكمة جمعهما معهما في نسق واحد غير مفهومة.
ولهذا رجح أنهما موضعان، وقد يرجح أنهما النوعان من الشجر.
ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا، بل لما يذكران به من الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر.
قال صاحب هذا القول: إن الله تعالى أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطويل، من أول نشأته إلى يوم بعثة النبي .
فالتين إشارة إلى عهد الإنسان الأول، فإنه كان يستظل في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين.
وعندما بدت له ولزوجته سوآتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التين.
والزيتون إشارة إلى عهد نوح وذريته، وذلك لأنه بعد أن فسد البشر، وأهلك الله من أهلك منه بالطوفان، ونجى نوحًا في سفينته، واستقرت السفينة، نظر نوح إلى ما حوله فرأى المياه لا تزال تغطي وجه الأرض، فأرسل بعض الطيور لعله يأتي بخبر انكشاف الماء عن بعض الأرض فغاب ولم يأت بخبر، فأرسل طيرًا آخر فرجع إليه يحمل ورقة من شجر الزيتون، فاستبشر وسر وعرف أن غضب الله قد سكن، وقد أذن للأرض أن تعمر.
ثم كان منه ومن أولاده تجديد القبائل البشرية العظيمة في الأرض التي محى عمرانها بالطوفان..
فعبر عن ذلك الزمن بزمن الزيتون.
والإقسام هنا بالزيتون للتذكير بتلك الحادثة، وهي أكبر ما يذكر به من الحوادث.
وطور سينين إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية وظهور نور التوحيد في العالم بعدما تدنست جوانب الأرض بالوثنية.
وقد استمر الأنبياء بعد موسى يدعون قومهم إلى التمسك بتلك الشريعة إلى أن كان آخرهم عيسى جاء مخلصًا لروحها مما عرض عليه من البدع.
ثم طال الأمد على قومه فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الاختلاف في الدين وحجب نوره بالبدع، وإخفاء معناه بالتأويل، وإحداث ما ليس منه بسبيل.
فمنّ الله على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ، ويفصل بين ما سبق من أطوار الإنسانية وبين ما يلحق، وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة، وإليه أشار بذكر البلد الأمين.
وعلى هذا القول الذي فصلنا بيانه يتناسب القسم والمقسم عليه كما سترى.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ : التقويم: التعديل، وكثيرًا ما يطلق المصدر ويراد منه أثره، أي في أحسن اعتدال وأفضل قوام.
فيقسم جل شأنه أنه قوم الإنسان أفضل تقويم، وركبه أحسن تركيب، وأكد ذلك لأن الناس بغفلتهم عما كرمهم الله به من العقل، كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات: يفعلون كما تفعل، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة، خصوصًا وقد قال بعضهم: إن الإنسان خلق ميالًا إلى الشر.
فيقول سبحانه -تبيينًا لفساد هذه المزاعم- إنه فطر الإنسان أحسن فطرة نفسًا وبدنًا، وكرمه بالعقل الذي ساد به على العوالم الأرضية، واطلع به على ما شاء الله من العوالم السماوية.
وقد كان الإنسان في سذاجته بعيدًا عن الأثرة، حي القلب بالتراحم -كما تراه في حال الأطفال- فعاش سعيدًا، وعاش أفراده في نعيم الطمأنينة..
كان ذلك زمنًا ما -وهو العهد الأول- وما أشبهه بثمرة تؤكل كلها، ولا يرمى منها شيء.
والإنسان كان صلاحًا كله، ولم يشذ عن الجماعة منه فرد.
تلك كانت أيام القناعة بما تيسر من العيش، وشدة الإحساس بحاجة كل فرد إلى الآخر في تحصيله وفي دفع العوادي عن النفس.
تنبهت الشهوات بعد ذلك، وتخالفت الرغبات، فنبت الحسد والحقد، وتبعه التقاطع والتقاتل، واستشرى الفساد بالأنفس حتى صارت الأمانة عند بعض الحيوان أفضل منها عند الإنسان، فانحطت بذلك نفسه عن مقامها الذي كان لها بمقتضى الفطرة.
وقد كان ذلك -ولا يزال- حال أكثر الناس.
فهذا قوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ : أي صيرناه أسفل من كثير من الحيوانات التي كانت أسفل منه، لأن الحيوان المفترس مثلًا إنما يصدر في عمله عن فطرته التي فطر عليها: لم ينزل عن مقامه، ولم ينحط عن منزلته في الوجود.
أما الإنسان فإنه بإهماله عقله، وجهله بما ينبغي أن يعمل لتوفير سعادته وسعادة إخوانه، ينقلب أرذل من سائر أنواع الحي.
ولكثر ما قلت: "إذا فسد الإنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان".
ثم إن الذين ارتدوا إلى أسفل سافلين، منهم من هلك في زمن نوح أو في أزمان أخر، ومنهم من سيهلك -وهم في تلك المنزلة من الخسة- فتدوم لهم كذلك في الحياة الأخرى.
وللسافلين فيها منازل العذاب والخزي والهون.
﴿ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ : استثنى الله المؤمنين الذين يؤمنون بموجد الكائنات، وبأن الله قد وضع شريعة للخير والشر، وميز بينهما، وأنه يجزي القائم على الشريعة بإتيان الخير وتجنب الشر بالسعادة، فلذلك يدلون على إيمانهم بالأعمال الصالحة -وهي معروفة عند عامة البشر- وجماعها العدل والإحسان..
فهؤلاء قد حفظوا منزلتهم من الإنسانية واستبقوا لأنفسهم ذلك الاعتدال الفطري فلهم أجر الكرامة في الدنيا، فإذا جاءهم الموت امتد بهم النعيم إلى الآخرة فأجرهم غير ممنون أي غير مقطوع.
هؤلاء المؤمنون هم الأنبياء وأتباع الأنبياء، ومن هداهم الله إلى دين الحق من كل أمة، وهم الذين أكرم الله بهم النوع البشري، واستبقى بهم منزلته السامية في عالمه، وما تراه في الأمم من آثار باقية فإنما من آثار هممهم.
فإذا كنت ترى ذلك أيها الإنسان ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ ؟
الدين ههنا هو خلوص السريرة للحق، وقيام النفس بصالح العمل.
وهو ما كان يدعوا إليه وسائر إخوانه الأنبياء، وهو استفهام إنكاري أي لا يوجد سبب يحملك على التكذيب بالدين بعد أن عرفت أن الإنسان قد خلق كريمًا، وأن الذي يحفظ كرامته إنما هم المؤمنون الصالحون وهم أهل الدين الصحيح.
﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ : أي هل تنكر أن الله أحكم من حكم ودبر؟
وهو استفهام إنكاري مآله أن الله أعلى المدبرين حكمة.
ولهذا وضع الدين لهذا النوع الإنساني ليحفظ له منزلته من الكرامة التي أعدها الله بأصل خلقته، ثم هو ينحدر عنها إلى المنازل السفلى بجهله وسوء تصريفه لهواه، لذلك أرسل الأنبياء عليهم السلام من نوح ومن بعده إلى محمد ..
وبهذا يكون التفريغ بالفاء ظاهرًا.
وقد فسروا الدين بالجزاء يوم القيامة وبينوا معنى الفاء بأنه إذا كان الله خلق الإنسان، وابتدأ خلقه بلا مثال، أفلا يقدر على إعادته؟..
وأنت تراه بعيدًا من المعنى بعدًا سحيقًا.
وأسلوب السورة ظاهر في المعنى الذي بيناه- والله أعلم.