الآية ٣ من سورة الزلزلة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 99 الزلزلة > الآية ٣ من سورة الزلزلة

وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة الزلزلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٣ من سورة الزلزلة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وقال الإنسان ما لها ) أي : استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة ، وهو مستقر على ظهرها ، أي : تقلبت الحال ، فصارت متحركة مضطربة ، قد جاءها من أمر الله ما قد أعد لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه ، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين ، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسموات ، وبرزوا لله الواحد القهار .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا ) يقول تعالى ذكره: وقال الناس إذا زلزلت الأرض لقيام الساعة: ما للأرض وما قصتها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال الإنسان ما لهاقوله تعالى : وقال الإنسان أي ابن آدم الكافر .

فروى الضحاك عن ابن عباس قال : هو الأسود بن عبد الأسد .

وقيل : أراد كل إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى : من مؤمن وكافر .

وهذا قول من جعلها في الدنيا من أشراط الساعة ; لأنهم لا يعلمون جميعا من أشراط الساعة في ابتداء أمرها ، حتى يتحققوا عمومها ; فلذلك سأل بعضهم بعضا عنها .

وعلى قول من قال : إن المراد بالإنسان الكفار خاصة ، جعلها زلزلة القيامة ; لأن المؤمن [ ص: 132 ] معترف بها ، فهو لا يسأل عنها ، والكافر جاحد لها ، فلذلك يسأل عنها .معنى ما لها أي ما لها زلزلت .

وقيل : ما لها أخرجت أثقالها ، وهي كلمة تعجيب ; أي لأي شيء زلزلت .

ويجوز أن يحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى ، ثم تتحرك الأرض فتخرج الموتى وقد رأوا الزلزلة وانشقاق الأرض عن الموتى أحياء ، فيقولون من الهول : ما لها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالَ الْإِنْسَانُ } إذا رأى ما عراها من الأمر العظيم مستعظمًا لذلك: { مَا لَهَا } ؟

أي: أي شيء عرض لها؟.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وقال الإنسان ما لها"؟

قيل في الآية تقديم وتأخير تقديره: "يومئذ تحدث أخبارها"، فيقول الإنسان: "ما لها"، أي تخبر الأرض بما عمل عليها.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال الإنسان» الكافر بالبعث «مالها» إنكارا لتلك الحالة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذا رُجَّت الأرض رجًّا شديدًا، وأخرجت ما في بطنها من موتى وكنوز، وتساءل الإنسان فزعًا: ما الذي حدث لها؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد بالإِنسان فى قوله - سبحانه - : ( وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا ) جنسه فيشمل المؤمن والكافر .وقوله ( ما لها ) مبتدأ وخبر ، والاستفهام : المقصود به التعجب مما حدث من أهوال .أى : وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة ، أى : شئ حدث للأرض ، حتى جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد .قال الجمل : وفى المراد بالإِنسان هنا قولان : أحدهما : أنه اسم جنس يعم المؤمن والكافر ، وهذا يدل على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة ، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك .

والثانى : أنه الكافر خاصة ، وهذا يدل على قول من جعلها زلزلة القيامة ، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها ، والكافر جاحد لها ، فإذا وقعت سأل عنها .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الإنسان ما لها ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: مالها تزلزل هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها، وذلك إما عند النفخة الأولى حين تلفظ ما فيها من الكنوز والدفائن، أو عند النفخة الثانية حين تلفظ ما فيها من الأموات.

المسألة الثانية: قيل: هذا قول الكافر وهو كما يقولون: ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا  ﴾ فأما المؤمن فيقول: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون  ﴾ وقيل: بل هو عام في حق المؤمن والكافر أي الإنسان الذي هو كنود جزوع ظلوم الذي من شأنه الغفلة والجهالة: يقول: مالها وهو ليس بسؤال بل هو للتعجب، لما يرى من العجائب التي لم تسمع بها الآذان.

ولا تطلق بها لسان، ولهذا قال الحسن: إنه للكافر والفاجر معاً.

المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ مالها ﴾ على غير المواجهة لأنه يعاتب بهذا الكلام نفسه، كأنه يقول: يا نفس ما للأرض تفعل ذلك يعني يا نفس أنت السبب فيه فإنه لولا معاصيك لما صارت الأرض كذلك فالكفار يقولون هذا الكلام والمؤمنون يقولون: ﴿ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ زلزالها ﴾ قرئ: بكسر الزاي وفتحها؛ فالمكسور: مصدر، والمفتوح: اسم؛ وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلاّ في المضاعف.

فإن قلت: ما معنى زلزالها بالإضافة؟

قلت: معناه زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة وهو مشيئة الله، وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده.

ونحوه قولك: أكرم التقيّ إكرامه، وأهن الفاسق إهانته، تريد: ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة أو زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه.

الأثقال: جمع ثقل.

وهو متاع البيت، وتحمل أثقالكم جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها ﴿ وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا ﴾ زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها؛ وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ أمواتها أحياء، فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع، كما يقولون: ﴿ من بعثنا من مرقدنا ﴾ [يس: 52] .

وقيل: هذا قول الكافر؛ لأنه كان لا يؤمن بالبعث؛ فأما المؤمن فيقول: ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ [يس: 52] .

فإن قلت: ما معنى تحديث الأرض والإيحاء لها؟

قلت: هو مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان، حتى ينظر من يقول ما لها إلى تلك الأحوال، فيعلم لم زلزلت ولم لفظت الأموات؟

وأنّ هذا ما كانت الأنبياء ينذرونه ويحذرون منه.

وقيل: ينطقها الله على الحقيقة.

وتخبر بما عمل عليها من خير وشرّ.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها» فإن قلت: (إذا، ويومئذ): ما ناصبهما؟

قلت: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ بدل من (إذا)، وناصبهما ﴿ تُحَدِّثُ ﴾ .

ويجوز أن ينتصب (إذا) بمضمر، و ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ بتحدّث.

فإن قلت: أين مفعولا (تحدث)؟

قلت: قد حذف أوّلهما، والثاني: أخبارها، وأصله تحدث الخلق أخبارها؛ إلاّ أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم.

فإن قلت: بم تعلقت الباء في قوله: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ ﴾ ؟

قلت: بتحدّث، معناه: تحدّث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث.

ويجوز أن يكون المعنى: يومئذ تحدث بتحديث أنّ ربك أوحى لها أخبارها، على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها: تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كل نصيحة، بأن نصحتني في الدين.

ويجوز أن يكون ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ ﴾ بدلاً من ﴿ أَخْبَارَهَا ﴾ كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها؛ لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا، و ﴿ أوحى لَهَا ﴾ بمعنى أوحى إليها، وهو مجاز كقوله: ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40] قال: أَوْحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتْ وقرأ ابن مسعود: ﴿ تنبئ أخبارها ﴾ .

وسعيد بن جبير: تنبئ، بالتخفيف.

يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف ﴿ أَشْتَاتاً ﴾ بيض الوجوه آمنين؛ وسود الوجوه فزعين.

أو يصدرون عن الموقف أشتاتاً يتفرق بهم طريقا الجنة والنار، ليروا جزاء أعمالهم.

وفي قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم: ﴿ ليروا ﴾ بالفتح.

وقرأ ابن عباس وزيد بن علي: ﴿ يره ﴾ بالضم.

ويحكى أنّ أعرابياً أخر ﴿ خَيْراً يَرَهُ ﴾ فقيل له: قدّمت وأخّرت؛ فقال: خُذَا بَطْنَ هَرْشَى أَوْ قَفَاهَا فَإن ** كِلاَ جَانِبَيْ هَرْشَى لَهُنَّ طَرِيقُ والذرّة: النملة الصغيرة، وقيل: (الذرّ) ما يرى في شعاع الشمس من الهباء.

فإن قلت: حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن معفوّة باجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرّ من الخير والشرّ؟

قلت: المعنى فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً: من فريق السعداء.

ومن يعمل مثقال ذرّة شراً: من فريق الأشقياء؛ لأنه جاء بعد قوله: ﴿ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً ﴾ .

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة إذا زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ اضْطِرابَها المُقَدَّرَ لَها عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، أوِ الثّانِيَةِ أوِ المُمْكِنَ لَها أوِ اللّائِقَ بِها في الحِكْمَةِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو اسْمُ الحَرَكَةِ ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فِعْلالٌ إلّا في المُضاعَفِ.

﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها ﴾ ما في جَوْفِها مِنَ الدَّفائِنِ أوِ الأمْواتِ جَمْعُ ثَقَلٍ وهو مَتاعُ البَيْتِ.

﴿ وَقالَ الإنْسانُ ما لَها ﴾ لِما يَبْهَرُهم مِنَ الأمْرِ الفَظِيعِ، وقِيلَ: المُرادُ بِ الإنْسانُ الكافِرُ فَإنَّ المُؤْمِنَ يَعْلَمُ ما لَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقال الإنسان ما لها} زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ موتاها أحياء فيقولون ذلك لما يهرهم من الأمر الفظيع كما يقولون مَن بَعَثَنَا من مرقدنا وقيل هذا قول الكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث فأما المؤمن فيقول هَذَا مَا وعد الرحمن وصدق المرسلون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ الإنْسانُ ﴾ أيْ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الإنْسانِ لِما يُبْهِرُهم مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ ويَدْهَمُهم مِنَ الدّاهِيَةِ العامَّةِ: ﴿ ما لَها ﴾ وزُلْزِلَتْ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ الزِّلْزالِ وأخْرَجَتْ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ اسْتِعْظامًا لِما شاهَدُوهُ مِنَ الأمْرِ الهائِلِ وقَدْ سُيِّرَتِ الجِبالُ في الجَوِّ وصُيِّرَتْ هَباءً، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الكافِرُ غَيْرُ المُؤْمِنِ بِالبَعْثِ والأظْهَرُ هو الأوَّلُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَقُولُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْظامِ والكافِرَ بِطَرِيقِ التَّعَجُّبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي ثمان آيات مدنية قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وذلك أن الناس، كانوا يرون في بدء الإسلام، أن الله تعالى لا يؤاخذ بالصغائر من الذنوب، ولا يعاقب إلا في الكبائر، حتى نزلت هذه السورة وقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وذكر أهوال ذلك اليوم، وبين أن القليل في ذلك اليوم، يكون كثيراً فقال إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها يعني: تزلزلت الأرض عند قيام الساعة، ونزل وبين متى يكون قيام الساعة فقال: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها يعني: تزلزلت الأرض، وتحركت تحركاً وهو كقوله: وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً [نوح: 18] والمصدر للتأكيد.

قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها يعني: أظهرت ما فيها من الكنوز والأموات وَقالَ الْإِنْسانُ مَا لَها يعني: يقول الإنسان الكافر: ما لها يعني: للأرض على وجه التعجب.

يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها يعني: تخبر الأرض، بكل ما عَمِلَ عليها بنو آدم، من خير أو شر تقول: للمؤمنين صلّى عليَّ، وحج واعتمر، وجاهد، فيفرح المؤمن، وتقول للكافر أشرك وسرق، وزنى وشرب الخمر، فيحزن الكافر فيقول: ما لها؟

يعني: ما للأرض تحدث بما عمل عليها؟

على وجه التقديم والتأخير، ومعناه: يومئذٍ تحدث أخبارها وَقالَ الْإِنْسانُ مَا لَها.

يقول الله تعالى لمحمد  بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها يعني: أن الأرض تحدث، بأن ربك أذن لها في الكلام، وألهمها يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً يعني: يرجع الناس متفرقين، فريق في الجنة، وفريق في السعير فريق مع الحور العين يتمتعون، وفريق مع الشياطين يعذبون، فريق على السندس والديباج، على الأرائك متكئون، وفريق فى النار، على وجوههم يُجَرُّونَ.

اللهم في الدنيا هكذا كانوا فريقاً حول المساجد والطاعات، وفريق في المعاصي والشهوات، فذلك قوله يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً يعني: فِرقاً فِرَقاً.

لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ يعني: ثواب أعمالهم، وهكذا.

كما روي عن النبي  ، أنه قال: «ما من أَحَدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، إلاَّ وَيَلُومُ نَفْسَهُ، فَإِنْ كَانَ مُحْسِناً يَقُولُ: لِمَ لَمْ أزدَدْ إحساناً، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَقُولُ: أَلاَ رَغِبْتُ عَنِ المَعَاصِي؟» وهذا عند معاينة الثواب والعقاب.

وقال أبيّ بن كعب: الزلزلة لا تخرج إلا من ثلاثة، إما نظر الله تعالى بالهيبة إلى الأرض، وإما لكثرة ذنوب بني آدم، وأما لتحرك الحوت، التي عليها الأرضون السبع، تأديباً للخلق وتنبيهاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «الزلزلة»

وهي مكّيّة قاله ابن عبّاس وغيره، وقال قتادة، ومقاتل: هي مدنيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ] قد تقدَّم معنى الزلزلةِ، والأثْقَالُ: الموتَى قاله ابن عباس «١» ، وقيل أخْرَجَتْ موتَاها، وكنوزَها، وقول الإنسان: مَا لَها هو عَلَى مَعْنَى التعجُّبِ مِنْ هولِ ما يَرَى، قال الجمهور: الإنسانُ هنا الكافِرُ، وقيلَ عامٌّ في المؤمِنِ والكافِرِ، وإخْبَارُ الأَرْضِ قَالَ ابن مسعودٍ وغيره: هي شَهَادَتُها بِما عُمِلَ عليها مِنْ عَمَلٍ صالحٍ وفَاسدٍ «٢» ويؤيدُ هذا التأويل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فَإنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ إنْسٌ وَلاَ جِنٌّ وَلاَ شَيْءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» .

ت: وخرَّج الترمذيُّ في «جامعِه» عن أبي هريرةَ قال: «قرأ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم هذه الآيةُ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها قال: أتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟

قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ:

فَإنَّ أَخْبَارَهَا: أَنْ تَشْهَدَ على كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ على ظَهْرِهَا، تَقُولُ: عَمِلَ عَلَيَّ يَوْمَ كَذَا- كَذَا فهذه أَخْبَارُها» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح انتهى، وكَذَا رواه أبو بكر بن الخطيبِ، وفيه: عَمِلَ عَلَيَّ في يَوْمِ كَذَا وَكَذَا/ وَفِي يوم كذا وكذا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.

وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ.

قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ ؟

فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُخْرِجُكم إخْراجًا  ﴾ فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً.

والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ.

وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ.

وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الإنْسانُ ما لَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.

والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ ﴾ ﴿ وَأخْرَجَتِ ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها.

وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " .

قالَ العَجّاجُ: وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿ أشْتاتًا ﴾ أيْ: فِرَقًا.

فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ.

فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ.

وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا.

فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.

والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ.

وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ ﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها ﴾ ﴿ وَقالَ الإنْسانُ ما لَها ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها ﴾ ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ.

"وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ.

و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ.

و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُحَدِّثُ أخْبارَها ﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها ﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا ﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ.

وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها ﴾ ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا ﴾ .

اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ.

ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟

قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ  ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ...

الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟

إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ  ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ.

وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ...........

∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ.

ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟

قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح الكلام بظرف الزمان مع إطالة الجمل المضاف إليها الظرف تشويق إلى متعلَّق الظَّرْف إذ المقصود ليس توقيت صدور الناس أشتاتاً ليُرَوا أعمالهم بل الإِخبارَ عن وقوع ذلك وهو البعث، ثم الجزاء، وفي ذلك تنزيل وقوع البعث منزلة الشيء المحقق المفروغ منه بحيث لا يهم الناس إلا معرفة وقته وأشراطِهِ فيكون التوقيت كناية عن تحقيق وقوع الموقت.

ومعنى ﴿ زلزلت ﴾ : حُركت تحريكاً شديداً حتى يخيل للناس أنها خرجت من حيزها لأن فعل زلزل مأخوذ من الزّلل وهو زَلَق الرِّجلين، فلما عَنَوا شدة الزلل ضاعفوا الفعل للدلالة بالتضعيف على شدة الفعل كما قالوا: كَبْكَبه، أي كَبَّه ولَمْلَم بالمكان من اللّمّ.

والزلزال: بكسر الزاي الأولى مصدر زَلزل، وأما الزَّلزال بفتح الزاي فهو اسم مصدر كالوسَواس والقَلْقَال، وتقدم الكلام على الزلزال في سورة الحج.

وإنما بُني فعل ﴿ زلزلت ﴾ بصيغة النائب عن الفاعل لأنه معلوم فاعله وهو الله تعالى.

وانتصب ﴿ زلزالها ﴾ على المفعول المطلق المؤكِّد لفعله إشارة إلى هول ذلك الزلزال فالمعنى: إذا زلزلت الأرض زلزالاً.

وأضيف ﴿ زلزالها ﴾ إلى ضمير الأرض لإفادة تمكّنه منها وتكرره حتى كأنه عرف بنسبته إليها لكثرة اتصاله بها كقول النابغة: أسائِلَتي سَفَاهَتَها وجَهْلاً *** على الهجران أختُ بني شهاب أي سفاهة لها، أي هي معروفة بها، وقول أبي خالد القَناني: والله أسماكَ سُمًى مباركاً *** آثرَك الله به إيثَاركا يريد إيثاراً عُرفْتَ به واختصصتَ به.

وفي كتب السيرة أن من كلام خَطر بن مالك الكاهن يذكر شيطانه حين رُجِم «بَلْبَلَه بَلْبَالُه» أي بلبال متمكن منه.

وإعادة لفظ الأرض في قوله: ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ إظهار في مقام الإِضمار لقصد التهويل.

والأثقال: جمع ثِقْل بكسر المثلثة وسكون القاف وهو المتاع الثقيل، ويطلق على المتاع النفيس.

وإخراج الأرض أثقالها ناشئ عن انشقاق سطحها فتقذف ما فيها من معادن ومياه وصخر.

وذلك من تكرر الانفجارات الناشئة عن اضطراب داخل طبقاتها وانقلاب أعاليها أسافل والعكس.

والتعريف في ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الجنس المفيد للاستغراق، أي وقال الناس ما لها، أي الناس الذين هم أحياء ففزعوا وقال بعضهم لبعض، أو قال كل أحد في نفسه حتى استوى في ذلك الجَبان والشجاع، والطائش والحكيم، لأنه زلزال تجاوز الحدّ الذي يصبر على مثله الصَّبور.

وقول: ﴿ ما لها ﴾ استفهام عن الشيء الذي ثبت للأرض ولزمها لأن اللام تفيد الاختصاص، أي ما للأرض في هذا الزلزال، أو ما لها زُلزلت هذا الزلزال، أي ماذا ستكون عاقبته.

نزلت الأرض منزلة قاصد مريد يتساءل الناس عن قصده من فعله حيث لم يتبين غرضه منه، وإنما يقع مثل هذا الاستفهام غالباً مردفاً بما يتعلق بالاستقرار الذي في الخبر مثل أن يقال: ما لَه يفعل كَذا، أو ما له في فعل كذا، أو ما له وفلاناً، أي معه، فلذلك وجب أن يكون هنا مقدَّر، أي ما لها زلزلت، أو ما لها في هذا الزلزال، أو ما لها وإخراج أثقالها.

وجملة: ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ الخ جواب ﴿ إذا ﴾ باعتبار ما أبدل منها من قوله: ﴿ يومئذ يصدر الناس ﴾ فيومئذ بدل من ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ .

واليوم يطلق على النهار مع ليلهِ فيكون الزلزال نهاراً وتتبَعه حوادث في الليل مع انكدار النجوم وانتثارها وقد يراد باليوم مطلق الزمان.

و ﴿ تحدث أخبارها ﴾ هو العامل في ﴿ يومئذ ﴾ وفي البدل، والتقدير يوم إذْ تزلْزلُ الأرض وتُخرج أثقالها ويقول الناس: ما لَهَا تحدّث أخبارها الخ.

و ﴿ أخبارها ﴾ مفعول ثاننٍ لفعل ﴿ تحدث ﴾ لأنه مما ألحق بظن لإِفادة الخَبَر عِلماً، وحذف مفعوله الأول لظهوره، أي تحدث الإِنسان لأن الغرض من الكلام هو إخبارها لما فيه من التهويل.

وضمير ﴿ تحدث ﴾ عائد إلى ﴿ الأرض ﴾ .

والتحديث حقيقته: أن يصدر كلام بخبر عن حَدث.

وورد في حديث الترمذي عن أبي هريرة قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قال: أتدرون ما أخبارها؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عَمل كذا وكذا فهذه أخبارها» اه.

وجُمع ﴿ أخبارها ﴾ باعتبار تعدد دلالتها على عدد القائلين ﴿ ما لها ﴾ وإنما هو خبر واحد وهو المبيَّن بقوله: ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ .

وانتصب ﴿ أخبارها ﴾ على نزع الخافض وهو باء تعدية فعل ﴿ تحدث ﴾ .

وقوله: ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ يجوز أن يتعلق بفعل ﴿ تحدث ﴾ والباء للسببيَّة، أي تحدث أخبارها بسبب أن الله أمرها أن تحدث أخبارها.

ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿ أخبارها ﴾ وأظهرت الباء في البدل لتوكيد تعدية فعل ﴿ تحدث ﴾ إليه، وعلى كلا الوجهين قد أجملت أخبارها وبينها الحديث السابق.

وأطلق الوحي على أمر التكوين، أي أوجَدَ فيها أسباب إخراج أثقالها فكأنه أسرَّ إليها بكلام كقوله تعالى: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ﴾ [النحل: 68] الآيات.

« وعُدي فعل ﴿ أوحى ﴾ باللام لتضمين ﴿ أوحى ﴾ معنى قال كقوله تعالى: ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً ﴾ [فصلت: 11]، وإلا فإن حق ﴿ أوحى ﴾ أن يتعدى بحرف (إلى).

والقول المضمَّن هو قول التكوين قال تعالى: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ [النحل: 40].

وإنما عُدل عن فعل: قال لها إلى فعل ﴿ أوحى لها ﴾ لأنه حكاية عن تكوين لا عن قول لفظي.

وقوله: ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ﴾ بدل من جملة: ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ والجواب هو فعل ﴿ يصدر الناس ﴾ وقوله: ﴿ يومئذ ﴾ يتعلق به، وقُدم على متعلقه للاهتمام.

وهذا الجواب هو المقصود من الكلام لأن الكلام مسوق لإِثبات الحشر والتذكير به والتحذير من أهواله فإنه عند حصوله يعلم الناس أن الزلزال كان إنذاراً بهذا الحشر.

وحقيقة ﴿ يصدر الناس ﴾ الخروج من محل اجتماعهم، يقال: صدر عن المكان، إذا تركه وخرج منه صُدوراً وصَدَراً بالتحريك.

ومنه الصَدَر عن الماء بعد الورد، فأطلق هنا فعل ﴿ يصدر ﴾ على خروج الناس إلى الحشر جماعات، أو انصرافهم من المحشر إلى مآويهم من الجنة أو النار، تشبيهاً بانصراف الناس عن الماء بعد الورد.

وأشتات: جمع شَتّ بفتح الشين وتشديد الفوقية وهو المتفرق، والمراد: يصدرون متفرقين جماعات كل إلى جهة بحسب أعمالهم وما عُيّن لهم من منازلهم.

وأشير إلى أن تفرقهم على حسب تناسب كل جماعة في أعمالها من مراتب الخير ومنازل الشر بقوله: ﴿ ليروا أعمالهم ﴾ ، أي يصدرون لأجل تلقي جزاء الأعمال التي عملوها في الحياة الدنيا فيقال لكل جماعة: انظروا أعمالكم، أو انظروا مآلكم.

وبُني فعل ﴿ ليروا ﴾ إلى النائب لأن المقصود رؤيتهم أعمالهم لا تعيينُ مَن يريهم إياها.

وقد أجمع القراء على ضم التحتية.

فالرؤية مستعملة في رؤية البصر والمرئي هو منازل الجزاء، ويجوز أن تكون الرؤية مستعملة في العلم بجزاء الأعمال فإن الأعمال لا تُرى ولكن يظهر لأهلها جزاؤها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وجابِرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ أيْ حَرَّكَتِ الأرْضُ حَرَكَتُها، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، فَيَكُونُ مِن زَلَّ يَزِلُّ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ زِلْزالَها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها غايَةُ زَلازِلِها المُتَوَقَّعَةِ.

الثّانِي: لِأنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأرْضِ، بِخِلافِ الزَّلازِلِ المَعْهُودَةِ في بَعْضِ الأرْضِ.

وَهَذا الخِطابُ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ وعِيدًا وتَهْدِيدًا، ولِمَن يُؤْمِنُ بِهِ إنْذارًا وتَحْذِيرًا، واخْتُلِفَ في هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها في الدُّنْيا مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

الثّانِي: أنَّها الزَّلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وطائِفَةٌ.

﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الثّانِي: ما عَلَيْها مِن جَمِيعِ الأثْقالِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

وَيُحْتَمَلُ قَوْلُ الفَرِيقَيْنِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أخْرَجَتْ أسْرارَها الَّتِي اسْتُودَعَتْها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا كانَ الثِّقَلُ في بَطْنِ الأرْضِ فَهو ثِقَلٌ لَها، وإذا كانَ فَوْقَها فَهو ثِقَلٌ عَلَيْها.

﴿ وَقالَ الإنْسانُ ما لَها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما لَها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها.

الثّانِي: ما لَها أخْرَجَتْ أثْقالَها.

وَفي المُرادِ بِهَذا (اَلْإنْسانِ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَهُ في الدُّنْيا مِن أشْراطِ السّاعَةِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ جَمِيعًا أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ في ابْتِداءِ أمْرِها حَتّى يَتَحَقَّقُوا عُمُومَها، فَلِذَلِكَ سَألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْها.

الثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ يَعْتَرِفُ بِها فَهو لا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها فَلِذَلِكَ يَسْألُ عَنْها.

﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأعْمالِ العِبادِ عَلى ظَهْرِها، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ ورَواهُ مَرْفُوعًا، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّها زَلْزَلَةُ القِيامَةِ.

الثّالِثُ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَتُخْبِرُ بِأنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأنَّ أمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنها جَوابًا عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وعِيدًا لِلْكافِرِ وإنْذارًا لِلْمُؤْمِنِ.

وَفي حَدِيثِها بِأخْبارِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْلِبُها حَيَوانًا ناطِقًا فَتَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْدِثُ الكَلامَ فِيها.

الثّالِثُ: يَكُونُ الكَلامُ مِنها بَيانًا يَقُومُ مَقامَ الكَلامِ.

﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أوْحى إلَيْها بِأنْ ألْهَمَها فَأطاعَتْ، كَما قالَ العَجاجُ أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ الثّانِي: يَعْنِي قالَ لَها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أمَرَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِيما أوْحى لَها وجْهانِ: أحَدُهُما: أوْحى لَها بِأنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها.

الثّانِي: بِأنْ تُخْرِجَ أثْقالَها.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أوْحى لَها بِأنْ تُزَلْزِلَ زِلْزالَها.

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ يَصْدُرُونَ مِن بَيْنِ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فِرَقًا فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ في قَدْرِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَبَعْضُهم إلى الجَنَّةِ وهم أصْحابُ الحَسَناتِ، وبَعْضُهم إلى النّارِ وهم أصْحابُ السَّيِّئاتِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: أنَّهم في الدُّنْيا عِنْدَ غَلَبَةِ الأهْواءِ يَصْدُرُونَ فِرَقًا، فَبَعْضُهم مُؤْمِنٌ، وبَعْضُهم كافِرٌ، وبَعْضُهم مُحْسِنٌ، وبَعْضُهم مُسِيءٌ، وبَعْضُهم مُحِقٌّ، وبَعْضُهم مُبْطِلٌ.

﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ يَعْنِي ثَوابَ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهم عِنْدَ النُّشُورِ يَصْدُرُونَ أشْتاتًا مِنَ القُبُورِ عَلى اخْتِلافِهِمْ في الأُمَمِ والمُعْتَقَدِ بِحَسْبِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ اتِّفاقٍ أوِ اخْتِلافٍ لِيُرَوْا أعْمالَهم في مَوْقِفِ العَرْضِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيُجازَوْنَ عَلَيْها بِثَوابٍ أوْ عِقابٍ، والشَّتاتُ: التَّفَرُّقُ والِاخْتِلافُ، قالَ لَبِيدٌ إنْ كُنْتِ تَهْوِينَ الفِراقَ فَفارِقِي ∗∗∗ لا خَيْرَ في أمْرِ الشَّتاتِ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى يَرَهُ أيْ يَعْرِفْهُ.

الثّانِي: أنَّهُ يَرى صَحِيفَةَ عَمَلِهِ.

الثّالِثُ: أنْ يَرى خَيْرَ عَمَلِهِ ويَلْقاهُ.

وَفي ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَلْقى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، مُؤْمِنًا كانَ أوْ كافِرًا، لِأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ الجَزاءِ.

الثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ مُؤْمِنًا رَأى جَزاءَ سَيِّئاتِهِ في الدُّنْيا، وجَزاءَ حَسَناتِهِ في الآخِرَةِ حَتّى يَصِيرَ إلَيْها ولَيْسَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ.

وَإنْ كانَ كافِرًا رَأى جَزاءَ حَسَناتِهِ في الدُّنْيا، وجَزاءَ سَيِّئاتِهِ في الآخِرَةِ حَتّى يَصِيرَ إلَيْها ولَيْسَ لَهُ حَسَنَةٌ، قالَهُ طاوُوسٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ جَزاءُ ما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا لِيُوَفّاهُ في الآخِرَةِ.

وَيَحْتَمِلُ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إعْلامُهم أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ.

الثّانِي: إعْلامُهم أنَّهُ يُجازِي بِكُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ.

وَحَكى مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ بِالمَدِينَةِ كانُوا لا يَتَوَرَّعُونَ مِنَ الذَّنَبِ الصَّغِيرِ مِن نَظْرَةٍ أوْ غَمْزَةٍ أوْ غَيْبَةٍ أوْ لَمْسَةٍ، ويَقُولُونَ إنَّما وعَدَ اللَّهُ عَلى الكَبائِرِ، وفي ناسٍ يَسْتَقِلُّونَ الكِسْرَةَ والجَوْزَةَ والثَّمَرَةَ ولا يُعْطُونَها، ويَقُولُونَ إنَّما نُجْزى عَلى ما تُعْطِيهِ ونَحْنُ نُحِبُّهُ، فَنَزَلَ هَذا فِيهِمْ.

وَرُوِيَ «أنَّ صَعْصَعَةَ بْنَ ناجِيَةَ جَدَّ الفَرَزْدَقِ أتى النَّبِيَّ  يَسْتَقْرِئُهُ، فَقَرَأ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ صَعْصَعَةُ: حَسْبِي حَسْبِي إنْ عَمِلْتُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا رَأيْتُهُ، وإنْ عَمِلْتُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا رَأيْتُهُ» .

ورَوى أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ: قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتَغَذَّيانِ إذا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، فَقاما وأمْسَكا» .

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إذا زلزلت ﴾ بالمدينة.

وأخرج ابن مردويه عن قتادة قال: نزلت بالمدينة ﴿ إذا زلزلت ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو قال: «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اقرئني يا رسول الله قال له: اقرأ ثلاثاً من ذوات الراء فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني.

قال: اقرأ ثلاثاً من ذوات حم.

فقال مثل مقالته الأولى، فقال: اقرأ ثلاثاً من المسبحات.

فقال مثل مقالته، ولكن اقرئني يا رسول الله سورة جامعة فأقرأه ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ حتى فرغ منها.

قال الرجل: والذين بعثك بالحق لا أزيد عليها، ثم أدبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح الرويجل أفلح الرويجل» .

وأخرج الترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ إذا زلزلت ﴾ عدلت له بنصف القرآن، ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ _ الإِخلاص_ عدلت له بثلث القرآن، ومن قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] عدلت له بربع القرآن» .

وأخرج الترمذي وابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ إذا زلزلت ﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ تعدل ربع القرآن» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ في ليلة ﴿ إذا زلزلت ﴾ كان له عدل نصف القرآن» .

وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن رجل من بني جهينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح ﴿ إذا زلزلت الأرض ﴾ في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمداً.

وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الفجر فقرأ بهم في الركعة الأولى ﴿ إذا زلزلت الأرض ﴾ ثم أعادها في الثانية.

وأخرج أحمد ومحمد بن نصر والطبراني والبيهقي في سننه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما ﴿ إذا زلزلت ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .

وأخرج البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس يقرأ في الركعة الأولى بأم الكتاب ﴿ وإذا زلزلت ﴾ وفي الثانية ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن الشعبي قال: من قرأ ﴿ إذا زلزلت ﴾ فإنها تعدل سدس القرآن.

وأخرج ابن الضريس عن عاصم قال: كان يقال: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلث القرآن ﴿ وإذا زلزلت الأرض ﴾ نصف القرآن و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ ربع القرآن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ تحركت من أسفلها ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ قال: الموتى ﴿ وقال الإِنسان ما لها ﴾ قال: يقول الكافر ما لها ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قالها ربك قولي فقالت: ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ قال: أوحى إليها ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ﴾ قال: من كل من هاهنا وههنا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ قال: من في القبور ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قال: تخبر الناس بما عملوا عليها ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ قال: أمرها وألقت ما فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ قال: ما فيها من الكنوز والموتى.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قال: أتدرون ما أخبارها؟قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل ما عمل على ظهرها، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ حتى بلغ ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قال: أتدرون ما أخبارها جاءني جبريل قال: خبرها إذا كان يوم القيامة أخبرت بكل عمل عمل على ظهرها» .

وأخرج الطبراني عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة به» .

وأخرج عبد بن حميد عن الحكم رضي الله عنه قال: رأيت أبا أمية صلى في المسجد الحرام المكتوبة، ثم تقدم فجعل يصلي هاهنا وههنا، فلما فرغ قلت له: ما هذا الذي رأيتك تصنع؟

قال: قرأت هذه الآية ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ إلى قوله: ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ فأردت أن تشهد لي يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن إسماعيل بن عبد الله قال: سمعت سعيد بن جبير يقرأ بقراءة ابن مسعود هذه الآية: ﴿ يومئذ تنبئ أخبارها ﴾ وقرأ مرة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ .

وأخرج ابن بي حاتم عن السدّي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ﴾ قال: فرقاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ يومئذ يصدر الناس ﴾ قال: يتصدعون ﴿ أشتاتاً ﴾ فلا يجتمعون بعد ذلك آخر ما عليهم، وكان يقال إن هذه السورة الفاذة الجامعة.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: «بينما أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم: إذ نزلت عليه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فرفع أبو بكر رضي الله عنه يده وقال: يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال: يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر بشر ويدخر لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة» .

وأخرج إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد والحاكم وابن مردويه عن أسماء قالت: «بينما أبو بكر رضي الله عنه يتغدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فأمسك أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أكل ما عملناه من سوء رأيناه؟

فقال: ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون به ويدخر الخير لأهله في الآخرة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «أنزلت ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قاعد، فبكى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا أبا بكر؟» قال: تبكيني هذه السورة.

فقال: «لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق إذ نزلت عليه هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عن الطعام ثم قال: «من عمل منكم خيراً فجزاؤه في الآخرة، ومن عمل منكم شراً يراه في الدنيا مصيبات وأمراضاً، ومن يكن فيه مثقال ذرة من خير دخل الجنة» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال: «كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فأمسك أبو بكر يده وقال: يا رسول الله إنا لراؤون ما عملنا من خير أو شر؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر أرأيت ما رأيت مما تكره فهو من مثاقيل الشر ويدخر لك مثاقيل الخير حتى توفاه يوم القيامة، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ﴾ [ الشورى: 30] » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: «لما أنزلت هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ قلت: يا رسول الله إني لراء عملي؟

قال: نعم.

قلت: تلك الكبار الكبار؟

قال: نعم.

قلت: الصغار الصغار.

قال: نعم.

قلت: واثكل أمي.

قال: أبشر يا أبا سعيد فإن الحسنة بعشر أمثالها يعني إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء والسيئة بمثلها أو يعفو الله، ولن ينجو أحد منك بعمله.

قلت: ولا أنت يا نبي الله؟

قال: ولا أنا الا أن يتغمدني الله منه بالرحمة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ الآية قال: لما نزلت ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ [ الإِنسان: 8] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء السائل إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة فيردونه، ويقولون: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير كالكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، ويقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم في الخير القليل أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة ﴾ يعني وزن أصغر النمل ﴿ خيراً يره ﴾ يعني في كتابه ويسره ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة ﴾ الآية قال: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أره الله إياه، فأما لمؤمن فيريه الله حسناته وسيئاته فيغفر له من سيئاته ويثيبه على حسناته، وأما الكافر فيريه حسناته وسيئاته فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال: من يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابها في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عنده خير ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً ﴾ من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه شيء.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وأحمد وعبد بن حميد والنسائي والطبراني وابن مردويه عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها.

وأخرج سعيد بن منصور عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعلم مثقال ذرة شراً يره ﴾ فقال الأعرابي: يا رسول الله أمثقال ذرة؟

قال: نعم.

فقال الأعرابي: واسوأتاه.

ثم قال وهو يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد دخل قلب الأعرابي الإِيمان» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ الآية فقام رجل فجعل يضع يده على رأسه وهو يقول: واسوأتاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الرجل فقد آمن» .

وأخرج ابن المبارك عن زيد بن أسلم رضي الله عنه «أن رجلاً قال: يا رسول الله ليس أحد يعمل مثقال ذرة خيراً إلا رآه ولم يعمل مثقال ذرة شراً إلا رآه؟

قال: نعم.

فانطلق الرجل وهو يقول: واسوأتاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمن الرجل» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع رجلاً إلى رجل يعلمه فعلمه حتى بلغ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ فقال الرجل: حسبي فقال الرجل: يا رسول الله أرأيت الرجل الذي أمرتني أن أعلمه لما بلغ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ فقال حسبي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه فقد فقه» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: «ذكر لنا أن رجلاً ذهب مرة يستقرئ فلما سمع هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ إلى آخرها فقال: حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة من خير رأيته، وإن عملت مثقال ذرة من شر رأيته.

قال: وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: هي الجامعة الفاذة» .

وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق عن الحسن قال: لما نزلت ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ الآية قال رجل من المسلمين: حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة من خير أو شر رأيته انتهت الموعظة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحارث بن سويد أنه قرأ ﴿ إذا زلزلت ﴾ حتى بلغ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ قال: إن هذا الإِحصاء شديد.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: هو الكافر يعطي كتابه يوم القيامة فينظر فيه فيرى فيه كل حسنة عملها في الدنيا، فترد عليه حسناته، وذلك قول الله تعالى: ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ﴾ [ الفرقان: 23] فابلس واسود وجهه، وأما المؤمن فإنه يعطى كتابه بيمنيه يوم القيامة فيرى فيها كل خطيئة عملها في دار الدنيا ثم يغفر له ذلك وذلك قول الله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ [ الفرقان: 70] فابيض وجهه واشتد سروره.

وأخرج ابن جرير عن سليمان بن عامر رضي الله عنه أنه قال: «يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويفي بالذمة ويكرم الضيف.

قال: مات قبل الإِسلام؟

قال: نعم.

قال: لن ينفعه ذلك، ولكنها تكون في عقبه فلن تخزوا أبداً، ولن تذلوا أبداً، ولن تفتقروا أبداً» .

وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لولا ثلاث لأحببت أن لا أبقى في الدنيا وضعي وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار أقدمه لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة، وتمام التقوى أن يتقي الله تعالى البعد حتى يتقيه في مثقال ذرة حتى أن يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حاجزاً بينه وبين الحرام، إن الله قد بين للناس الذي هو يصيرهم إليه قال: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه ولا شيئاً من الشر أن تفعله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعلموا أن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقو النار ولو بشق تمرة» ثم قرأت ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن عائشة رضي الله عنها جاءها سائل فسأل فأمرت له بتمرة، فقال لها قائل: يا أم المؤمنين إنكم لتصدقون بالتمرة؟

قالت: نعم.

والله إن الخلق كثير، ولا يشبعه إلا الله أو ليس فيها مثاقيل ذر كثيرة؟.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة أن سائلاً جاءها فقالت لجاريتها: أطعميه، فوجدت تمرة فقالت: أعطيه إياها فإن فيها مثاقيل ذر إن تقبلت.

وأخرج مالك وابن سعد وعبد بن حميد من طريق عائشة رضي الله عنها أن سائلا أتاها وعندها سلة من عنب فأخذت حبة من عنب فأعطته فقيل لها في ذلك، فقالت: هذه أثقل من ذر كثير، ثم قرأت ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن برقان قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أتاه مسكين وفي يده عنقود من عنب فناوله منه حبة وقال: فيه مثاقيل ذر كثيرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلاً سأل عبد الرحمن بن عوف وبين يديه طبق وعليه فناوله حبة، فكأنهم أنكروا ذلك عليه، فقال: في هذه مثاقيل ذر كثير.

وأخرج سعد عن عطاء بن فروخ أن سعد بن مالك أتاه سائل وبين يديه طبق عليه تمر فأعطاه تمرة، فقبض السائل يده.

فقال سعد: ويحك تقبل الله منا مثقال الذرة والخردلة وكم في هذه من مثاقيل الذر؟.

وأخرج ابن سعد عن شداد بن أوس أنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس ألا إن الدنيا أجل حاضر يأكل منها البار والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل مستأخر يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا واعلموا أنه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ .

وأخرج الزجاجي في أماليه عن أنس بن مالك «أن سائلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه تمرة فقال السائل: نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن فيها مثاقيل ذر كثير» .

وأخرج هناد عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثقال ذرة ﴾ إنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها وقال: كل من هؤلاء مثقال ذرة.

وأخرج الحسين بن سفيان في مسنده وأبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيها الناس إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، يحق فيها الحق ويبطل الباطل أيها الناس كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها.

اعملوا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، وأنكم ملاقو الله لا بد منه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ » .

وأخرج مالك والبخاري وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر» الحديث.

قال: وسئل عن الحمر فقال: «ما نزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ » .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ﴾ وهو الكافر (١) (١) قال بذلك ابن عباس: "جامع البيان" 30/ 266، و"فتح القدير" 5/ 480.

قال الماوردي: ومن قال إنهم الكفار خاصة، وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة؛ لأن المؤمن يعترف بها، فهو لا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فلذلك يسأل عنها.= "النكت والعيون" 6/ 319.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض ﴾ أي حركت واهتزت ﴿ زِلْزَالَهَا ﴾ مصدر وإنما أضيف إليها تهويلاً كأنه يقول الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها ﴿ وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا ﴾ يعني الموتى الذين في جوفها، وذلك عند النفخة الثانية في الصور.

وقيل: هي الكنوز وهذا ضعيف لأن إخراجها للكنوز وقت الدجال ﴿ وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا ﴾ أي يتعجب من شأنها فيحتمل أن يريد جنس الإنسان أو الكافر خاصة؛ لأنه الذي يرى حينئذ ما لا يظن ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ هذه عبارة عما يحدث فيها من الأهوال فهو مجاز وحديث بلسان الحال وقيل: هو شهادتها على الناس بما عملوا على ظهرها فهو حقيقة، وتُحدّث يتعدّى إلى مفعولين حذف المفعول منهما، والتقدير تحدث الخلق أخبارها، وانتزع بعض المحدثين من قوله: تُحدّثُ أخبارها أن قول المحدّث حدثنا وأخبرنا سواء، وهذه الجملة هي جواب إذا زلزلت وتحدث هو العامل في إذا.

ويومئذ بدل من إذا ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر وتحدث عامل في يومئذ ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا ﴾ الباء سببية متعلقة بتحدث أي تحدث بسبب أن الله أوحى لها، ويحتمل أن يكون بأن الله أوحى لها بدلاً من إخبارها وهذا كما تقول: حدثت كذا وحدثت بكذا، والمعنى على هذا تحدث بحديث الوحي لها، وهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاماً أو كلاماً بواسطة الملائكة ولها بمعنى إليها، وقيل: معناه أوحى إلى الملائكة من أجلها وهذا بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت ﴿ يره ﴾ ساكنة الهاء في الحرفين: الحلواني عن هشام.

الوقوف: ﴿ زلزالها ﴾ ه لا ﴿ أثقالها ﴾ لا ﴿ مالها ﴾ ه لا لاحتمال حذف عامل " إذا" أي أذا كانت هذه الأمور ترى ما ترى واحتمال أن يكون العامل ﴿ تحدث ﴾ و ﴿ يومئط ﴾ بدلاً من " إذا " ﴿ أخبارها ﴾ ه لا ﴿ لها ﴾ ه ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ط ﴿ يره ﴾ ه ط ﴿ يره ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالوعيد والوعد أتبعه بذكر وقت الجزاء وعدد من إماراته الزلزلة الشديدة التي تستأهلها الأرض وهي معنى إضافة الزلزال إلى ضمير الأرض.

قال أهل المعاني: هو كقولك " أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته " يريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة.

وقريب منه قول من قال: أراد بزلزالها كل الزلزال وجميع ما هو ممكن منه أي يوجد الزلزلة كل ما يحتمل المحل.

وقيل: زلزالها الموعود والمكتوب عليها لما أنها قدرت تقدير الحي.

يروى أنها تتزلزل من شدة صوت إسرافيل  .

ومن امارات الساعة إخراج الأرض أثقالها أي ما في جوفها من الدفائن والأموات قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها وإذا كان فوقها فو ثقل عليها وسمي الإنس والجن بالثقلين لذلك.

يروى أنها تخرج كنوزها فيملأ ظهر الأرض ذهباً ولا أحد يلتفت إليه، وكأن الذهب بصيح ويقول: أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلي؟

ويمكن أن تكون الفائدة في إخراجها أن يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها الجباه والجنوب والظهور قالوا: إناه عند النفخة الأول تتزلزل فتلفظ بالكنوز والدفائن، وعند النفخة الثانية ترجف فتخرج الأموات أحياء كالأم تلد حياً.

وقيل: تلفظهم أمواتاً ثم يحييهم الله  .

وقيل: أثقالها أسرارها فيومئذ تكشف الأسرار ولذلك قال ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ أي تشهد لك وعليك ﴿ وقال الإنسان ما لها ﴾ تعجباً من حالها.

وقيل: والكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث فيقول ﴿ من بعثنا من مرقِدنا  ﴾ وأما المؤمن فيقول ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون  ﴾ والباء في قوله ﴿ بأن ربك ﴾ إما أن تتعلق بـ ﴿ تحدث ﴾ والإيحاء بمعنى الأمر أي تحدث بسبب أن ربك أمرها بالتحديث ومفعول ﴿ تحدث ﴾ محذوف أي تحدث الناس، أو متروك لأن المقصود تحديثها لا من تحدثه.

وقيل: تحديثها بأن ربك أوحى لها تحديث بأخبارها كما تقول " نصحتني كل النصيحة بأن نصحتني في الدين".

وقيل: بدل من ﴿ أخبارها ﴾ لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا.

وأوحى لها بمعنى أوحى إليها وهو مجاز عند صاحب الكشاف.

وأبي مسلم كأنها بلسان الحال تبين لكل أحد جزاء عمله، أو تحدث أن الدنيا قد انقضت والآخرة قد أقبلت.

والجمهور على أنه تعالى يجعل الأرض ذات فهم ونطق ويعرفها جميع ما عمل عليها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصى.

وكان علي  إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول: إشهدي أني ملأتك بحق وفرغتك بحق.

وقيل: لفظ التحديث يفيد الاستئناس، فعل الأرض تبث شكواها إلى أولياء الله وملائكته، وقالت المعتزلة: إن الله  يخلق في الأرض وهي جماد أصواتاً مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على أن التقدير هوالله.

قوله ﴿ يصدر ﴾ الصدر ضد الورود فالوارد الجائي والصادر المنصرف، ﴿ أشتاتاً ﴾ أي متفرقين جمع شت أو شتيت أي يذهبون من مخارج قبورهم إلى الموقف.

فبعضهم إثر بعض راكبين مع الثياب الحسنة وبياض الوجه وينادي مناد بين يديه هذا ولي الله، وبعضهم مشاة عراة حفاة سود الوجوه مقيدين بالسلاسل والأغلال والمنادي ينادي هذا عدو الله.

وقيل: أشتاتاً أي كل فريق مع شكله اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني وقيل: من كل قطر من أقطار الأرض ليروا صحائف أعمالهم أو جزاء أعمالهم وهو الجنة أو النار وما يناسب كلاً منهما.

والذرة أصغر النمل أو هي الهباءة، وعن ابن عباس إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق بها من التراب مثقال ذرة، فليس من عبد عمل خيراً أو شراً، قليلاً كان أو كثيراً إلا أراه الله  إياه.

قال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين وذلك أنه لما نزل ﴿ ويطعمون الطعام على حبه  ﴾ كان أحدهما يأتيه السائل فيسأم أن يعطيه الثمرة والكسرة والجوزة ويقول: ما هذا بشيء وإنما يؤجر على ما نعطي وكان أحدهما يتهاون بالذنب الصغير ويقول: لا شيء علي من هذا فرغب الله  في القليل من الخير لأنه يوشك أن يكثر، وحذر من الذنب اليسير فإنه يوشك أن يعظم، فلهذا قال النبي  " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " والتحقيق أن المقصود النية فإن كان العمل قليلاً والنية خالصة حصل المطلوب، وإن كان العمل كثيراً والنية فاسدة فالمقصود فائت، ولهذا قال كعب الأحبار: لا تحقروا شيئاً من المعروف فإن رجلاً دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة.

وعن عائشة أنه كان بين يديها عنب قدمته إلى نسوة بحضرتها فجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك، فضحك بعض من كان عندها فقالت: إن فيما ترون مثاقيل وتلت هذه الآية.

قال جار الله: إن حسنات الكافر محبطة بالكفر وسيئات المؤمن مكفرة باجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء لمثاقيل الذر من الخير والشر؟

وأجاب على مذهبه بأن المعنى فمن يعمل من فريق السعداء مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل من فريق الأشقياء مثقال ذرة شراً.

يره.

وذلك أن الحكم جاء بعد قوله ﴿ يصدر الناس أشتاتاً ﴾ والأولى في جوابه ما روي عن ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شراً إلا أراه الله  إياه.

فأما المؤمن فيغفر له سيئاته ويثاب بحسناته وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته.

وقل: إن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفرة لكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر.

وعن محمد بن كعب القرظي: معناه فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه أو أهله أو ماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر وهو مؤمن فإنه يرى عقوبة ذلك في الدنيا في نفسه أو أهله أو ماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها شر، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً ويؤيده ما روي أنه  قال لأبي بكر: يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة.

فإن قيل: إن كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟

قلت: هذا هو الكرم لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف والكريم لا يحتمله، والطاعة تعظيم وإن قلت فالكريم لا يضيعه.

قال أهل العرفان: كأنه  يقول: ابن آدم أنك مع ضعفك وعجزك لم تضيع ذرة من مخلوقاتي بل نظرت فيها واعتبرت بها واستدللت بوجودها على وجود الصانع، فأنا مع كمال قدرتي وكرمي كيف أضيع ذرتك والله الكريم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ : قد ذكرنا أن حرف ﴿ إِذَا ﴾ إنما يذكر عن سؤال سبق منهم؛ كأنه سألوا عن الوقت الذي كانوا يوعدون فيه، وإنم لم يذكر عن السؤال؛ لأنه قد يكون في الجواب بيان السؤال، وفي السؤال بيان الجواب، وإن لم يذكر، فعند ذلك قال: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَالا ﴾ ، أخبرهم عن أحوال يوم القيامة والحساب، ولم يخبرهم عن وقتها، وقد ذكرناه في غير موضع.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ ، أي: حركت الأرض تحريكا شديداً؛ لهول ذلك اليوم، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن تكون تتزلزل وتتحرك؛ حتى تلقي ما ارتفع منها من الجبال الرواسي في الأودية، حتى تستوى الأرض، لا يبقى فيها هبوط ولا صعود، كقوله -  -: ﴿ لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ ، أي: تتزلزل، وتتحرك؛ لتغير الجبال الرواسي حتى تصير كما ذكر: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ  وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ وإذا فنيت وتلاشت بقيت الأرض مستوية على ما ذكر.

ويحتمل أن تكون تتزلزل وتتحرك؛ حتى تصير غير تلك؛ كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ...

 ﴾ .

ويحتمل أن يكون تبديلها وتحريكها ومدها هو تغير صفاتها؛ على ما ذكرنا في الوجهين الأولين.

قال الزجاج: لا تصح هذه القراءة؛ لأن الزلزال من المضاعف، والمضاعف إنما يكون بالخفض مصادرها، أما من الأسماء قد يكون نصبا؛ كقوله  : ﴿ مِن صَلْصَالٍ  ﴾ ، ونحوه، والزلزال، مصدر؛ فيكون الأصل المطرد فيه هو الكسر، والنصب يكون نادار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ .

أي: أحمالها؛ لهول ذلك اليوم، وقال في آية أخرى: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ  ﴾ ، ثم يحتمل ﴿ وَأَخْرَجَتِ ﴾ ﴿ وَأَلْقَتْ ﴾ ما فيها من الموتى من أول ما دفن فيها من كل شيء من الحيوان وغيرها، إلى آخر ما يجعل فيها من الكنوز وغيرها مما يحتمل الحساب، ومما لا يحتمل من البشر، وجميع الممتحنين وغيرهم.

ويحتمل: أخرجت أثقالها: الممتحنين خاصة: ممن يحاسبون، ويثابون، ويجزون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا ﴾ .

أي: قال الكافر: ما لها تتحرك؟

فقال بعضهم: أحمق في الدنيا، وأحمق في الآخرة؛ حيث يسأل الأرض ما لها تتزلزل وتتحرك؟

يظن أنها بنفسها تفعل ذلك لا لفزعة ما ترى من أهوال ذلك اليوم وتغيير أحوالها؛ على ما لم ينظر في الدنيا في الآيات والحجج حتى يقبلها، ويخضع لها.

وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ ، و ﴿ وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا ﴾ ، تشهد وتخبر بما عمل على ظهرها.

ثم إخبارها يخرج على وجوه: أحدها: ما قاله أهل التأويل: إنها تخبر وتحدث بما عمل على ظهرها من خير أو شر، أو طاعة أو معصية.

لكن لا يحتمل إخبارها الخير؛ لأنها إنما تشهد عليهم؛ لإنكار أهل الكفر ما كان منهم من فعل الكفر، والمعصية، وأما أهل الجنة فإنهم يكونون مقرين بالخيرات، والله -  - يصدقهم على ذلك، والله أعلم.

وكذلك ما ذكر من شهادة الجوارح إنما تشهد عليهم على ما ينكرون من الشرك والكفر وغير ذلك من المعاصي؛ فعلى ذلك التأويل يكون إخبارها على حقيقة النطق والكلام.

وقال بعضهم: إخبارها: ما ذكر من تزلزلها وتحركها، والأحوال التي تكون فيها هو تحديثها وأخبارها التي تكون منها.

وقال بعضهم يومئذ تبين وتقع أخبارها التي أخبروا في الدنيا فكذبوها، يومئذ يتبين لهم ذلك، ويقع لهم مشاهدة عيانا من الحساب والثواب والعقاب، وفي الخبر عن رسول الله  أنه قال: "أتدرون ما أخبارها؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها" وقوله - عز وجل -: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾ : من قال بأن أخبارها من شهادتها بما عملوا على ظهرها، ويكون تأويله قوله -  -: ﴿ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾ ، أي: أذن لها ربها بالشهادة؛ فتشهد.

ومن قال: إخبارها هو تزلزلها وتحركها والأحوال التي تكون منها يقول على إسقاط ﴿ لَهَا ﴾ يقول: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾ ، أي: فعل ذلك بها، والوحي قد يكون الوحي والإلهام والأمر، ويستعمل فيما يليق به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ : يحتمل صدور الناس من وجهين: أحدهما: يصدرون من قبورهم إلى الحساب؛ ليروا كتابة أعمالهم، أي: ليروا ما كتب من أعمالهم التي عملوا في الدنيا، ويحتمل صدورهم على ما أعد لهم في الآخرة من الثواب العقاب؛ فعلى هذا التأويل؛ ليروا [جزاء أعمالهم] التي عملوا في الدنيا، كقوله -  -: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً...

 ﴾ هذا تفسير قوله: ﴿ أَشْتَاتاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ : قال بعضهم: يرى الكافر ما عمل من خير في الدنيا، وأما في الآخرة فلا يرى؛ لأنه لا يؤمن بها، ولا يعمل لها؛ كقوله -  -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ...

 ﴾ ، والمؤمن يرى ما عمل من شر في الدنيا، وما عمل في الآخرة؛ وعلى ذلك روي في الخبر "أن أبا بكر [الصديق] -  - كان جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية؛ فقال أبو بكر [الصديق]: يا رسول الله: كل من عمل منا شر يراه؟

فقال رسول الله  : ما يرون في الدنيا مما يكرهون فهو من ذلك، ويؤخر الخير لأهله في الآخرة" وجائز أن يكون قوله -  -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ و ﴿ شَرّاً يَرَهُ ﴾ ، على الإحصاء والحفظ؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا...

 ﴾ أي: لا يذهب عنه شيء قليل ولا كثير حتى الذرة.

ويحتمل وحها آخر، وهو أن قوله -  -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ...

﴾ اي: من يعمل من المؤمنين مثقال ذرة خيرا يره في الآخرة، ومن يعلم من الكفار مثقال ذرة شرا يره في الآخرة؛ لأن الله -  - قد أخبر في إير آي من القرآن أنه يتقبل حسنات المؤمنين، ويتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات.

وقوله: ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ليس على إرادة حقيقة الذرة؛ولكن التمثيل.

ثم قبل من إخبار الأرض وما ذكر من شهادة الجوارح: أن كيف احتمل ذلك، وهي أموات، والموات لا علم لها؟

فجائز أن يكون الله -  - يجعل لها علما، وينطقها بذلك، وأن لها بذلك علما على جعلها آية.

ثم في قوله -  -: ﴿ لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ دلالة أن قوله -  -: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله: "لا تسافروا بالقرآن [إلى] أرض العدو"، وقول الن اس: "نقرأ كلام رب العالمين"، و"في المصاحف قرآن" ألا يراد به حقيقة كون كلام الله -  - في المصاحف، ولا حقيقة كون القرآن فيها والسفر به، ولا حقيقة سماع كلامه، ويكون على ما أراد من سماع ما به يفهم كلامه، أو يسمع ما يعبر به عن كلامه، وكذلك يكون في المصاحف ما يفهم به كلامه، أو ما يعبر به عن كلامه؛ على ما ذكر من رؤية الأعمال، وأعين الأعمال لا ترى، ولكن يرى ما يدل عليها، وهو المكتوب من أعمالهم في الكتب التي فيها أعمالهم؛ فعلى ذلك هذا، [والله أعلم بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال الإنسان متحيِّرًا: ما شأن الأرض تتحرك وتضطرب؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.8eYgX"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سورة الزلزلة من السور المدنية.

وهي سورة إرهاب وترغيب.

قيل: إنها نزلت لإزالة ما وقع في نفوس كثير من المؤمنين من أن الخير القليل لا ينظر الله إليه، ولا يجازي عليه.

وكذلك الصغائر من الذنوب ليست بشيء يلام عليه: كالكذبة والنظرة ونحو ذلك.

فأزال شبهتهم وكشف عنهم وهمهم، وعرفهم أن لا شيء من عمل الإنسان يفوته: فالخير يجازى بالخير مهما صغر، والشر يلقى جزاءه من الشر مهما نزر.

﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ﴾ : أي أصاب الأرض ذلك الزلزال الشديد والاهتزاز الرائع المدهش.

وهو كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ  ﴾ ﴿ وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا  ﴾ : أي أنها -لشدة الزلزال والاضطراب- تشققت وثار باطنها، فقذفت بما في جوفها من الأثقال: من كنوز ودفائن وأموات وغير ذلك مما يكون في باطن الأرض.

ومثاله المشهور ما يرى الآن في الأرض التي فيها البراكين -جبال النار- فإن الزلزال يحدث والأرض تنشق وتقذف بما فيها من نيران ومعادن ومياه ونحو ذلك، وهو كقوله تعالى ﴿ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ  وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ  ﴾ .

(وقال الإنسان ما لها) من يكون من الإنسان شاهدًا لهذا الزلزال يجده مخالفًا في الشدة لجميع ما سبقه من أمثاله، ولا يجد من عقله ما يهديه إلى معرفة سببه ويصيبه الدهش ..

فيقول: ما لهذه الأرض؟!

وما الذي وقع لها فوق ما جرت به العادة؟

(يومئذ تحدث أخبارها) يومئذ بدل من إذا.

أي في ذلك الوقت -وقت الزلزال- تحدثك الأرض أحاديثها.

وتحديث الأرض تمثيل، كما قال الطبري وجماعة غيره، أي أن حالها وما يقع فيها من الانقلاب.

وما لم يعهد من الخراب يعلم السائل ويفهمه الخبر، وأن ما يراه لم يكن لسبب من الأسباب التي وضعتها السنة الإلهية، حال استقرار نظام الكون، بل ذلك (بـ) سبب (أن ربك أوحى لها ).

يقال أوحى له وإليه ووحى له وإليه، والمعنى واحد.

أي أن ما يكون للأرض يومئذ إنما هو بأمر إلهي خاص ..

قال لها: كوني خرابًا، كما قال لها -عند إيجادها- كوني أرضًا.

فهذا أمر من الأوامر التكوينية التي هي كن، فيكون ما صدر به أمر كن.

والأوامر التكوينية عبارة عن تعلق القدرة الإلهية بما هو أثر لها.

وكثيرًا ما تكون الأوامر الإلهية التكوينية بأسباب: كتكوين الإنسان والحيوان والنبات، فإن كل كائن منها إنما كان بتكوين الله.

وقوله له: كن، فيكون.

ولكنه وضع لذلك أسبابًا من التناسل والتوالد، ولا مانع من أن يكون خراب الأرض في آخر عمرها بسبب من الأسباب التي تهدم بناءها وتجعلها هباء منثورًا.

ومعنى اختصاصه هذه الحالة باسم الوحي، لأنها تأتي على خلاف ما عهد من أول نشأة الأرض.

(يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم): يوم يقع ذلك الخراب العظيم لهذا العالم الأرضي، وتبدل الأرض غير الأرض -كما جاء في الآية الأخرى- يظهر ذلك الكون الجديد: كون ذلك اليوم الآخر والحياة الأخرى، فيصدر الناس -بعد بعثهم- أشتاتًا متفرقين مختلفين.

يقال: صدر عن المدينة، أي سافر منها.

أي يذهب الناس على اختلافهم: شقيهم وسعيدهم، محسنهم ومسيئهم، ليروا أعمالهم.

يروا -بضم الياء- أي ليريهم الله جزاء أعمالهم.

يقال: عاش فلان حتى رأى عمله، أي جنى ثمرة ما قدم.

وفي قراءة ليروا -بفتح الياء- أي ليبصروا بأنفسهم أعمالهم، أي ما أعد لهم جزاء عليها.

(فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره) الذرة: النملة الصغيرة.

وهي مثل في الصغر.

وقيل: الذر هو الهباء الذي يرى في ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة.

ومثقال الذرة وزنها، أي من يعمل من الخير أدنى عمل وأصغره فإنه يراه ويجد جزاءه: لا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر.

غاية الأمر أن حسنات الكفار الجاحدين لا تصل بهم إلى أن تخلصهم من عذاب الكفر، فهم به خالدون في الشقاء.

والآيات التي تنطق بحبوط أعمال الكفار وأنها لا تنفعهم، معناها هو ما ذكرنا.

أي أن عملًا من أعمالهم لا ينجيهم من عذاب الكفر وإن خفف عنهم بعض العذاب الذي كان يرتقبهم على بقية السيئات الأخرى.

أما عذاب الكفر نفسه فلا يخفف عنهم منه شيء، كيف لا؟

والله جل شأنه يقول: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ  ﴾ .

فقوله: فلا تظلم نفس شيئًا، أصرح قول في أن الكافر والمؤمن في ذلك سواء، وان كلًا يوفى يوم القيامة جزاءه.

وقد ورد أن حاتمًا يخفف عنه لكرمه، وأن أبا لهب يخفف عنه لسروره بولادة النبي  .

وما نقله بعضهم ما الإجماع على أن الكافر لا تنفعه في الآخرة حسنة، ولا يخفف عنه عذاب سيئة ما، لا أصل له.

فقد قال بما قلناه كثير من أئمة السلف  .

على أن كلمة الإجماع كثيرًا ما يتخذها الجهلاء السفهاء آلة لقتل روح الدين، وحجرًا يلقمونه أفواه المتكلمين، وهم لا يعرفون للإجماع الذي تقوم به الحجة معنى.

فبئس ما يصنعون!

(ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره)، لا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر.

فالمؤمنون يرون جزاء ما عملوا من شر إذا لم يكونوا تابوا عنه، وليس الجزاء منحصرًا في العقاب في دار العذاب: فمنه ما يكون كذلك، وهو الجزاء على الكبائر وترك الفرائض إذا لم تمحها التوبة الصحيحة، ومنه ما يكون بنقص في درجة الكرامة: كجزاء الصغائر، فإنها -وإن لم تدخلك النار- ولكنها تريك منزلتك أحط من منزلة من تنزه عنها.

وهذا شر تراه يقابل الشر الذي صنعته.

والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله